← Фикх малики

Фикх малики · id 14591

التبصرة للخمي

اللخمي، أبو الحسن

Полный текст (6 502 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

لمعدني (١) ولا غيره (٢). قال الشيخ (٣): والذي أختاره الوقوف عن التيمم به؛ لأنه طعام يحرم فيه التفاضل، ويمنع من بيعه قبل أن يستوفَى، وهو في غير المعدني أبين؛ لأنه ماء جامد خارج عن الصعيد، ولا خلف أن حكمه في الاستجمار به غير حكم الصعيد، وقد يفرق بين حكم التيمم والاستجمار لملاقاته النجاسة. ويجوز التيمم بتراب السباخ إذا لم يصر ملحًا قولًا واحدًا. واختلف عن مالك في التيمم بالثلج، فأجازه في الكتاب (٤)، ومنعه في مدونة أشهب (٥) وإن لم يجد ترابًا، وهو عنده كالعدم. وقال عبد الملك بن حبيب: من تيمم به وصلى وهو قادر على الصعيد أعاد وإن ذهب الوقت، وإن كان غير قادر أعاد ما لم يذهب الوقت (٦). ويختلف في الماء الجامد والجليد قياسًا على الثلج، وأجاز القاضي أبو الحسن ابن القصار التيمم على الحشيش (٧)، وأجاز في "مختصر الوقار" التيمم على الخشب. وأرى أن يعيد من تيمم بشيء من ذلك وإن ذهب الوقت، وإن لم يجد سواه تيمم به وصلى وذلك أولى من صلاته بغير تيمم؛ لأنه لم يبق إلا التيمم أو يدع الصلاة، أو يصلي بغير تيمم على القول الآخر، وصلاته بمختلف فيه أولى وأحوط من تركه الصلاة (٨).

стр. 282

فصل [فيمن يباح له التيمم] أباح الله في كتابه التيمم لرجلين: مريض مقيم، وصحيح مسافر، وللمريض خمسة أحوال يجوز له التيمم فيها: وهو أن يعدم الماء، أو يجده ويعدم من يناوله إياه، أو يجد من يناوله ويخاف متى استعمله (١) موتًا أو زيادة مرض أو تأخر بُرْءٍ. والأصل في هذين إذا خاف زيادة مرض أو تأخر برء قول الله : ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨]، وقوله : ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]، ولأنها حالة تبيح الفطر للصائم وإن كان يتأخر الأداء (٢) إلى زمان آخر فكان التيمم أجوز، وإذ جاز التيمم مع وجود الماء إذا أغلى (٣) عليه في الثمن، كان لما يلحقه من الضرر في الجسم أبين، وهذا القسم إذا خشي الموت أو دخول علة يستوي فيها المريض والصحيح والمقيم والمسافر. فصل [في تيمم المسافر ومتى يصح ؟] التيمم للمسافر يصح عند عدم الماء، ومع وجوده إذا كان يخاف موتًا أو مرضًا ينزل به أو حمى أو سباعًا أو لصوصًا حالت بينه وبين الماء، أو كان معه من هو غير مأمون متى فارق رحله ذهب به، أو كان معه من الماء قدر شربه وهو يخاف العطش، وإن استسقاه غيره وخاف عليه كان عليه أن يسقيه إياه

стр. 283

ويتيمم. وهو قول ابن القاسم في "العتبية" (١). وإذا وجد الماء بثمن، وكان قليل الدراهم جاز له التيمم، وإن كان موسعًا عليه كان عليه أن يشتريه ما لم يَغْلُ عليه في الثمن. ورَوى عنه أشهب في سماعه أنه قال: يشتريه بثمن مثله. قيل له: لو وجد قربة بعشرة دراهم وهو ذو دراهم كثيرة؟ فقال: ما هذا على الناس، إنما عليه أن يشتريه بالثمن المعروف في ذلك الموضع (٢). وقال أبو القاسم ابن الجلاب: يحتمل أن يحدّ غلاؤه بالثلث (٣) زائدًا (٤)، يريد: فإذا بلغ ذلك جاز له التيمم. وأرى أن ينظر إلى ثمنه بذلك الموضع، فإن كان رخيصًا كان عليه أن يشتريه، وإن زيد في ثمنه مثله أو مثلاه، مثل أن يكون ثمنه بذلك الموضع الدرهم والدرهمين- فلا مضرة في شرائه بثلاثة وأربعة؛ لأن جميع ذلك لا خطب له، والصلاة أولى ما احتيط لها، وقد يكون ثمنه بذلك الموضع غاليًا، فتكون الزيادة الكثيرة مع (٥) الثمن الأقل (٦) مما يضر (٧) به.

стр. 284

فصل [في تيمم الصحيح المقيم] ويصح التيمم للصحيح المقيم وهم ثلاثة: - من يخاف على نفسه متى استعمل الماء، وقد تقدم ذكره. - ومسجون. - ومن ضاق عليه الوقت. فإن لم يتيمم خرج الوقت. فيجوز التيمم للمسجون لأنه كالمريض الذي لا يقدر على استعمال الماء ويمنعه المرض من تناوله، والسجن والمرض يمنعان من الطلب (١). ومثله إذا كان الماء موجودًا وهو مربوط، أو غير مربوط والماء في بئر وعدم الآلة التي ينتزع بها (٢). واختلف إذا لم يكن مسجونًا وهو في ضيق من الوقت، فإن طلب الماء خرج الوقت- على ثلاثة أقوال: - فأجاز له مالك أن يتيمم ويصلي ولا إعادة عليه وإن وجد الماء في الوقت. - وقال أيضًا: يعيد الصلاة إن وجد الماء في الوقت. - وقال في "كتاب محمد": يطلب الماء وإن خرج الوقت (٣). ولم ير له أن يتيمم؛ لأن القرآن ورد في التيمم للمقيم بشرط المرض. والقول الأول أحسن؛ لأن المعنى الذي جاز به التيمم للمسافر وإن كان صحيحًا وللمريض المقيم- إذا عدم الماء في الوقت لئلا يخرج الوقت عنه وهو

стр. 285

بغير صلاة ولا مُؤد لتلك العبادة. وإن كانا قادرين على استعمال الماء بعد ذهاب الوقت، فقدم الله سبحانه فضيلة الوقت على فضيلة الطهارة بالماء. وهذا المعنى موجود في الحاضر الصحيح، وإنما خصّ الله المريض المقيم والصحيح المسافر دون الحاضر الصحيح؛ لأن الغالب عدم الماء لمثلهما، وليس ينزل ذلك بالصحيح الحاضر إلا نادرًا، فإذا نزل به مثل ذلك ألحق في الحكم بهما. ثم لا يخلو الصحيح المقيم من أربعة أحوال: إما أن يكون عادمًا للماء فإن طلبه في طرف المدينة خرج الوقت، أو واجدًا للماء عادمًا للآلة التي ينزعه بها، أو واجدًا للالة فإن تشاغل بانتزاعه واستعماله خرج الوقت، أو كان في إناء فإن توضأ به (١) خرج الوقت (٢). وقد تقدم الكلام على عادم الماء، وعادم الآلة التي يتناول بها مثله، أنه يدخل في جملة من لا يجد، ولا فرق بين عدم القدرة على أداء الصلاة والطهارة في الوقت للاشتغال بطلب الماء أو بطلب الآلة. وأما إذا كانت الآلة موجودة وكان فوت الوقت لاشتغاله بنزع الماء واستعماله، أو لاستعماله من الإناء خاصة، فلا يقع (٣) عليهما اسم العدم، ولا أنهما (٤) غير واجدين، إلا أنهما يتساويان في أنهما متى اشتغلا بشيء من سبب الطهارة بالماء خرج الوقت، وقد استقرئ من كتاب الله فضيلة الوقت على فضيلة الطهارة بالماء، فلم يفترق أن يكون ذلك لسبب الماء أو لسبب استعماله، وهذان الوجهان يشترك فيهما المقيم والمسافر، وقد قال مالك في "المدونة" في الذي يأتي البئر آخر الوقت فإن نزع الماء بالرِّشاء (٥) وتوضأ خرج الوقت:

стр. 286

فليتيمم (١). فراعى الوجهين جميعًا: قدر نزع الماء واستعماله، فيجيء على هذا إذا كان الماء في الإناء أن يراعى قدر استعماله. وإن خشي خروج الوقت أو لا يدرك ركعة من الصلاة- تيمم، ولو منع هذا من التيمم لراعى في الأول قدر نزع الماء وحده. وقال أبو جعفر الأبهري: قال مالك: ويجوز التيمم إذا خاف فوات الوقت متى تشاغل بالغسل أو الوضوء. فصل [فيمن فقد الماء ومن في حكمه] قول الله : ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء: ٤٣] يتضمن طلب الماء و (٢) منع التيمم إلا بعد الطلب وإعوازه. وهذا يتوجّه على من يقدر على استعمال الماء ويرجو بطلبه وجوده، فأما من كان لا يقدر على استعمال الماء لمرض أو كان مجدورًا (٣) أو محصوبًا (٤)، أو هو صحيح يخاف على نفسه متى استعمله، أو كان بمخافةٍ (٥) يعلم أنه لا ماء بها، فالطلب عنه ساقط؛ وكثير من المواضع يعلم أنه لا ماء بها وأن الماء بأماكن معلومة لا يطلب إلا بها. وإن كان ممن يقدر على استعمال الماء، وبمكان يشك به الماء أو طلبَهُ (٦) فيما

стр. 287

قرب وعلى صفة لا يدركه فيها (١) مشقة- فإن الدِّين يسر، وليس طلب من كان نازلًا في منهلٍ كمن هو على ظهر يخاف مفارقة أصحابه، وليس الشيخ كالشاب ولا المرأة كالرجل، ولكل واحد منهم ما يطيقه من غير مشقة. وإن كان في موضع لا ماء فيه وهو في رفقة معهم الماء، فإن كانوا ممن يمنعون من سألهم (٢) لبعدهم عن الماء الذي أمامهم، جاز له التيمم من غير سؤال لهم، وهو قول مالك في "العتبية". وإن كان يرجوهم إذا سألهم كان عليه أن يسألهم، فإن كانوا نفرًا قليلًا سأل جميعهم، وإن كانت رفقة كثيرة قال مالك: فليس عليه أن يطلب أربعين رجلًا (٣). وقال ابن جيب عن أصبغ: يطلبه في الرفقة الكبيرة (٤) ممن حوله ومن (٥) قرب، فإن لم يفعل هذا: فقد أساء، ولا يعيد، وإن كانت رفقة قليلة فلم يطْلب (٦) أعاد ما دام في الوقت، وإن كانت مثل الرجلين والثلاثة أعاد أبدًا (٧). فجعل طلبه من الرفقة الكبيرة استحسانًا، وهذا ضعيف، وتوجه الخطاب في الطلب من النفر اليسير (٨) من الرفقة الكبيرة كتوجهه لو كانوا بانفرادهم.

стр. 288

ولا وجه أيضًا لإيجابه الإعادة بعد خروج الوقت إذا كانوا نفرًا مثل الرجلين والثلاثة، وأرى إن كان الغالب عنده أنهم يعطونه إذا سأل (١) أعاد أبدًا في الموضعين جميعًا، وإن أشكل الأمر ولم يغلب أحد الأمرين جاز أن يقال: يعيد في الوقت؛ لأن الأصل العلم، وكون الماء ملكًا لغيره، فلا تجب الإعادة بالشك، وأن يقال: الإعادة أبدًا لأن الأصل الطلب، ولا يصحُّ التيمم إلا بعد العلم واليأس في الغالب، ولم تأت هذه الحالة بعد. واختلف عن مالك فيمن تيمم ومعه ماء فنسيه، فقال في "المدونة": إن صلى أعاد ما دام في الوقت (٢). وقال في "المجموعة": لا إعادة عليه. وروي عنه أنه قال: يعيد أبدًا. وقاله مطرف وابن الماجشون وابن عبد الحكم (٣) وأصبغ، في كتاب ابن حبيب. فلم يوجب عليه الإعادة في القول الأول لقول النبي ﷺ : "رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الخَطأُ وَالنِّسْيَانُ" (٤)؛ ولأنه مخاطب عندما نسي ألا يدع الصلاة وأن يتيمم ذلك الوقت.

стр. 289

فصل [فيمن تيمم ثم وجد الماء] المتيمم يجد الماء على أربعة أوجه: إما أن يجده قبل أن يتلبس بالصلاة وهو في سعة من الوقت. أو في وقت لا يقدر على استعماله والصلاة قبل ذهاب الوقت. أو في حين كونه في الصلاة. أو بعد فراغه منها وقبل ذهاب الوقت. فإن وجده قبل أن يتلبس بالصلاة، وهو في سعة من الوقت بطل تيممه وتوضأ (١)، وإن كان في ضيق من الوقت إن توضأ لم يدرك الصلاة، لم يجب عليه استعماله على الصحيح من المذهب، والمراعى من التشاغل باستعماله على قدر ما تدل عليه الآثار من صفة (٢) وضوئه ﷺ (٣)، ليس على ما يكون من التراخي وبعض الوساوس. فإن طرأ عليه الماء وهو في الصلاة لم يجب عليه استعماله، وإن كان في اتساع من

стр. 290

الوقت وأتم على ما هو عليه (١). ويجري فيها (٢) قول آخر: إنه يقطع، قياسًا على أحد القولين في الأمة تعتق وهي مكشوفة الرأس في الصلاة، والعريان يجد ثوبًا وهو في الصلاة (٣) ومن ذكر صلاة نسيها وهو في الصلاة (٤)، أو كان مسافرًا في حضر فنوى الإقامة بعد ركعة (٥)، أو صلى بقوم ركعة من الجمعة فقدم والٍ بعزلته (٦). فجميع هذه المسائل مختلف فيها، فقيل: يتمادى ولا شيء عليه، وأن الخطاب يتوجه بذلك قبل أن يتلبس بالصلاة، وقيل: يقطع. وإن وجد الماء بعد الفراغ وقبل ذهاب الوقت كانت المسألة على وجهين: فإن كان وجود الماء بأن طرأ عليه أو كان بموضع لا يعلمه (٧)، لم تكن عليه إعادة.

стр. 291

وإن كان يعلم بموضعه، وقدَّر أنه لا يصل إليه إلا بعد ذهاب الوقت فوصل إليه قبل (١)، وقد تبين أنه أخطأ في التقدير، أو كان مريضًا يقدر على استعمال الماء ولم يجد من يناوله إياه ثم أتى من يناوله (٢) - أعاد في الوقت استحسانًا (٣). فصل [في الجنب لا يجد الماء] ومن أجنب ولم يجد ماءً- تيمم. والأصل في ذلك قول الله تعالى: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاء. . . .﴾ الآية [النساء: ٤٣]، والملامسة واللمس والمباشرة كناية عن الجماع؛ قال الله : ﴿ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ [الأحزاب: ٤٩]. وقال تعالى: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ﴾ [البقرة: ١٨٧]. وأصل الملامسة واللمس: الاختبار (٤)؛ قال الله حكاية عن الجن: ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا﴾ [الجن: ٨]. وَنَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ بَيْعِ المُلاَمَسَةِ (٥)، وهو الذي يختبر جودة ما يشتريه من دناءته باليد من غير نظر. وقول الله سبحانه: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ [النساء: ٤٣] يريد به المسافر، يتيمم ويصلي،

стр. 292

وليس المراد موضع الصلاة لاستحالة أن يراد بالكلمة الواحدة متضادان: فيراد (١) بها نفس الصلاة في السكارى وموضعها في ﴿عَابِرِى سَبِيل﴾، وهي كلمة واحدة، وإنما ورد النهيان عن شيء واحد وهي الصلاة. وعلى أنه لو ذكرت الصلاة في موضعين من الآية لم يجز إخراجها عن الحقيقة وهي الصلاة إلى المجاز وهو الموضع إلا بدليل. وحديث عمران بن حصين قال: رأى رسول الله ﷺ رجلا معتزلا لم يصل فقال له: "يَا فُلاَنُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تُصَلِّيَ مَعَ القَوْمِ؟ " قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَصَابَتْنِي جَنَابَةٌ وَلاَ مَاءَ. فَقَالَ: "عَلَيْكَ بِالصَّعِيدِ فَإِنَّهُ كافِيك" (٢). وحديث عمارٍ ﵁ قال: أجنبت فتمعكت في التراب، فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ فقال: "إنما يكفيك أن تفعل (٣) هكذا" ثم ضرب بيديه الأرض ومسح وجهه وكفيه. وهذان الحديثان أخرجهما البخاري ومسلم (٤). فصل [في أنواع الصلوات التي يتيمم لها] الصلوات أربع: فرائض، وسنن، وفضائل، ونوافل (٥) على الأعيان وعلى الكفاية (٦).

стр. 293

فأما المسافر فيصح تيممه لجميع هذه الصلوات. وهذا قول مالك وأصحابه (١). وقال عبد العزيز بن أبي سلمة: لا يتيمم للنافلة لأنه في غير ضرورة منها، وإنما يتيمم للفريضة التي لابد منها (٢). وظاهر قوله منع التيمم لما كان من السنن على الكفاية، وقد لا يمنع ما كان منها على الأعيان لأنها في معنى ما لابد منه. وحكم المريض المقيم فيما يتيمم له حكم المسافر، يتيمم للفرض، ويختلف في تيممه للنفل. واختلف في تيمم الصحيح المقيم للفرائض، وقد تقدم ذكر ذلك. ويختلف في السنن إذا كانت على الأعيان كالوتر وركعتي الفجر. ولا يتيمم للنوافل ولا للسنن إذا كانت على الكفاية، كالجنائز والعيدين على القول إنها على الكفاية. وقال ابن القاسم في "المدونه" (٣) في المسافرين والمرضى لا يجدون الماء؛ إنهم يتيممون لخسوف الشمس أو القمر، ولا يتيمم من أحدث خلف الإمام في صلاة العيدين (٤). قال مالك: لا يصلي على الجنائز بالتيمم إلا المسافر الذي لا يجد الماء (٥). قال: ولا بأس أن يتيمم لمس المصحف، ويقرأ حزبه من لم يجد الماء إذا كان

стр. 294

في السفر (١). وقال ابن سحنون: سبيل السنن في التيمم سبيل الفرائض الوتر وركعتي الفجر والعيدين والاستسقاء والخسوف، يتيمم لكل سنة كما يتيمم للفرائض. وقال محمد بن عبد الحكم: قال ابن وهب: إذا خرج للجنازة طاهرًا فأحدث ولم يجد ماءً تيمم، وإن خرج معها على غير طهارة لم يتيمم. يريد أن هذا قصد إلى التيمم اختيارًا، والأول كان متطهرًا فانتقضت طهارته. وإذا جاز أن يصلي السنن بالتيمم عند عدم (٢) الماء، فإنه يختلف فيه مع وجوده إذا كان إذا توضأ فات إدراكها إما لخروج وقت في الوتر وركعتي الفجر أو بفراغ الإمام في العيدين والاستسقاء والجنائز. وقال مالك في "مختصر ابن عبد الحكم": لا يصلي في الحضر على الجنازة بالتيمم وهو يجد الماء (٣). يريد إذا كان متى توضأ فاتته تلك الصلاة. وعلى القول الآخر يتيمم ويصلي. وهو أبين للحديث أن النبي ﷺ تيمم بالمدينة على الجدار لرد السلام (٤). وقال القاضي أبو الحسن ابن القصار وأبو جعفر الأبهري: قال بعض أصحابنا: إذا خاف فوات الجمعة تيمم لها (٥). يريد: لما كانت الجمعة فرضًا على الأعيان، وكان اشتغاله بالوضوء يؤدي إلى فوتها، وأنه لا يقدر على الإتيان بها بعد

стр. 295

فراغ الإمام أشبه ما يخاف ذهاب وقته من غيرها من الصلوات. وقيل: لا يتيمم لها لأنّ الوقت باق للظهر وهو بدل من الجمعة إلا أنه بدل عن فائت. وقال أشهب في "مدونته" فيمن أحدث في صلاة الجمعة: فلا يتيمم وإن خاف إن ذهب يتوضأ أن تفوته الجمعة، كان فعل لم يجزه. فصل في الأوقات التي تؤدى فيها الصلاة بالتيمم الأوقات التي تؤدى فيها الصلوات بالتيمم أوقات الاختيار، لا أوقات الضرورات، فكل وقت تؤدى فيه الصلاة بالوضوء ولا يجوز تأخيرها عنه مع الاختيار هو الوقت الذي تؤدى فيه الصلاة بالتيمم لا تؤخر عنه. والأصل في ذلك قوله سبحانه: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ ثم قال: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾، فأمر بأداء الصلاة عند عدم الماء بالتيمم في الوقت الذي تؤدى فيه بالوضوء، وما ذكر في الروايات من التأخر إلى آخر الوقت فالمراد به آخر وقت الاختيار في الظهر: آخر القامة، والعصر: ما لم تصفر الشمس، وفي المغرب: ما لم يغب الشفق، وفي العشاء: ما لم يذهب نصف الليل (١). والمسافر العادم للماء ثلاثة أوجه: آيس من وجوده، وموقن بوجوده قبل خروج الوقت، وشاكٌّ. والشاكُّ على وجهين: هل بذلك الموضع ماء؟، وموقن بوجوده شاك هل يبلغه قبل خروج الوقت أو لا (٢). فمن كان على إياس من وجوده تيمم أول الوقت، ومن كان على يقين منه

стр. 296

أخَّر إلى آخره، ومن كان على شك تيمم أوسطه. قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب في تأخير الموقن: إن ذلك ليجمع بين الوقت وكمال الطهارة، وفي تقديم اليائس: لأن في تأخيره فوات الأمرين، وفي الشاك لأنه لم يبلغ به قوة الرجاء أن يؤخره ولا ضعفه أن يقدمه (١). واختلف فيمن كان على يقين من بلوغه قبل ذهاب الوقت فلم يؤخر وتيمم أوله، فقال ابن القاسم في "المدونة": يعيد ما دام في الوقت (٢)، وقال ابن حبيب: يعيد كان ذهب الوقت. والقول الأول أحسن؛ لقوله سبحانه: ﴿إذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا﴾ ثم قال: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾، فأمره بالصلاة بالتيمم في الوقت الذي أمر فيه بالصلاة بالوضوء، ولم يفرق (٣)، وإيقاع الصلاة آخر الوقت توسعةٌ على المصلي لا حقٌّ عليه، وإن كان ذلك فمن حق من تعبد (٤) بصلاة إذا دخل الوقت أن يُقدم على أدائها (٥)، وله أن يبرئ ذمته منها، فإن وجد ماءً توضأ، كان لم يجده تيمم. ولو أراد من كان على إياس من الماء أو شاكٍّ أن يؤخِّر التيمم والصلاة إلى آخر الوقت، كان ذلك له كما ذلك له في الوضوء. وإنما التعجيل فمن باب أولى. ويتيمم المريض الذي لا يقدر على استعمال الماء، وإن كان يقدر على

стр. 297

استعماله وهو على إياس ممن يناوله إياه تيمم أول الوقت، وإن كان على شك تيمم وسط الوقت (١). وقد اضطرب المذهب في الوقت الذي يتيمم فيه، فروى السنن وهب وابن نافع عن مالك أنه قال: لا يتيمم أحد من أهل التيمم إلا أن يخاف فوات الوقت (٢). وروى عنه ابن عبد الحكم في "المختصر" أنه قال: يتيمم المسافر في أول الوقت (٣). ولم يزد، ولم يفرق بين آيس ولا غيره (٤). وقال (٥) في "المجموعة": من لم يجد الماء تيمم وسط الوقت، وإن رجاه فمتى يخاف فوات الوقت، وجعله على قسمين (٦). ولمطرّف وابن الماجشون وابن عبد الحكم (٧) في كتاب ابن جيب فيمن كان على إياس: فأول الوقت ومن سواه آخر الوقت (٨). فجعلوه أيضًا على قسمين ولم يجعلوا وسطًا. والذي أختاره أن لكل عادم للماء وهو يائس أو شاك أو موقن بإدراكه

стр. 298

قبل ذهاب الوقت أن يوقع (١) الصلاة بالتيمم أول الوقت أو وسطه أو آخره، وهو في ذلك بالخيار حسب ما يفعله المتوضئ بالماء. هذا في باب ما يجوز له، والاستحسان ما ذكره ابن القاسم عن مالك. فصل [في رفع حكم الحدث بالتيمم والخلاف فيه] واختلف في التيمم هل يرفع حكم الحدث أم لا؟ واختلف بعد القول: إنه لا يرفع حكم الحدث (٢) هل يصلي به صلوات إذا كان ممن لا طلب عليه كالمجدور والمحصوب والمريض الذي لا يقدر على مس الماء، أو مسافر بموضع لا يرجو الماء فيه. فذهب غير واحد من البغداديين إلى أنه لا يرفع حكم الحدث. وقال ابن القاسم في "المدونه" في الحائض ترى الطهر وتعدم الماء فتتيمم، قال: ليس لزوجها أن يطأها؛ لأن حكم التيمم طهر لما كانت فيه، فليس لزوجها أن يدخل عليها ما ينقض ذلك (٣)، فأوقع على التيمم اسم الطهارة وأن المس ينقضها. وقال أصبغ فيمن تيمم ثم لبس خفيه قبل أن يصلي بذلك التيمم: أن له أن يمسح على الخفين متى أحدث (٤). وجعله بذلك التيمم في حكم من أدخل رجليه في الخف وهما طاهرتان.

стр. 299

وقال ابن القرطي: إذا تطهرت الحائض بالماء أو بالتيمم حل له ما كان محرمًا منها (١). وقال محمد بن مسلمة في المبسوط (٢): المتيمم يؤم المتوضئين: لا بأس به (٣). قال: لأنه قد تطهر بالتيمم الذي أمره الله به كما يطهر بالماء الذي أمرهم الله به. وقال مالك في "الموطأ": ليس الذي وجد الماء بأطهر منه (٤). وأجمع هؤلاء على أن التيمم يرفع حكم الحدث، وهذا هو الصحيح من القول؛ لقول رسول الله ﷺ : "جُعِلَتْ لِيَ الأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا" (٥) فوصف التيمم بما وصف الله سبحانه به الماء بقوله : ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ [الفرقان: ٤٨]، ولا وجه للقول أنه تستباح به الصلاة ولا يرفع حكم الحدث، وهذا كلام متنافٍ؛ لأن حكم الحدث إنما يمنع الصلاة، فإذا أبيحت بالتيمم ارتفع الحكم الأول وهو المنع، وقد قال أبو محمد عبد الوهاب في المتوضئ بالماء معنى رفع الحدث: إنما ينوي استباحة كل شيء كان الحدث مانعًا منه (٦). وهذا كلام صحيح؛ لأن حكم الحدث قبل الوضوء يمنع الصلاة، فإذا توضأ استباحها، وإذا استباحها ارتفع حكم الحدث وهو المنع.

стр. 300

ولا يعترض هذا بكونه لا تؤدى به إلا صلاة واحدة؛ لأنّا لو تعبدنا في الوضوء بالماء ألا نؤدي به إلا صلاة واحدة لم نقل إن حكم الحدث لتلك الصلاة لم يرتفع، وقد روي عن علي بن أبي طالب ﵁؛ أنه كان يرى أن الوضوء واجب لكل صلاة وأن ذلك باق إلى الآن لم ينسخ (١)، أفتراه يقول: إن حكم الحدث لم يرتفع للصلاة الواحدة؟! وقيل أيضًا: إن الفرض كان قبل فتح مكة أن يتوضأ لكل صلاة. ولا يصح أن يقال لم يكن حكم الحدث يرتفع لتلك الصلوات التي كانوا يصلونها قبل الفتح، ولا حكم للحدث إلا الامتناع من الصلاة قبل الوضوء والتيمم، وارتفاع حكمه ارتفاع الامتناع، وارتفاع الامتناع الاستباحة لما كان ممنوعًا قبل. ولا يصلي فرضين بتيممٍ واحد (٢)، واختلف في الإجزاء إن فعل (٣)، ولا بأس أن يصلي نفلين، فأكثر بتيمم واحد إذا أتى بذلك متتابعًا. وإن كان فرضًا ونفلًا نظرت، فإن قدّم النفل استأنف التيمم للفرض كالفرضين (٤). واختلف في الإجزاء إن هو لم يفعل، وإن قدّم الفرض جاز له أن يعقبه بالنفل (٥)، كالنفلين. وإن كان فرض وسنة فإن قدم الفرض جاز له أن

стр. 301

يصلي به السنة، كالعشاء والوتر، وقاله ابن حبيب (١). واستحب سحنون أن يستأنف التيمم للوتر، وإن قدم السنة كركعتي الفجر قبل (٢) صلاة الفجر استأنف التيمم لصلاة الفجر، واختلف إن هو لم يفعل فقال ابن القاسم: يعيد ما دام في الوقت، وقال أشهب: لا إعادة عليه (٣). وقال ابن القاسم في "المدونة" فيمن تيمم لفرض فركع به ركعتين قبل أن يصلي ذلك الفرض، قال: فليعد التيمم؛ لأنه لما صلى به النفل انتقض تيممه. فعلى هذا يعيد وإن ذهب الوقت لأنه قال: انتقض تيممه (٤). واختلف أيضًا فيمن تيمم للنفل فصلى به فرضًا قبل أن يصلي به ذلك النفل، أو بعد ما صلاه: هل يعيد ما دام في الوقت أو أبدًا (٥)؟! واختلف إذا صلى فرضين بتيمم واحد على ثلاثة أقوال: فقال في كتاب محمد: إن فعل ذلك ناسيًا أو جاهلًا جمعهما (٦) أو فرقهما أعاد الآخرة في الوقت (٧). وقال أيضًا: يعيدهما وإن ذهب الوقت. وقال أصبغ: إن جمعهما وهما من وقت واحد أعاد الآخرة في الوقت، وإن جمعهما وهما من وقتين مثل الصبح والظهر أعاد الآخرة وإن ذهب الوقت (٨). ولم يذكر إذا فرقهما وهما من وقت واحد (٩)، وقال مالك في "المدونة" في

стр. 302

المجدور والمحصوب: يتيممان لكل صلاة أحدثا أو لم يحدثا (١). وقال أبو محمد عبد الوهاب في بعض كتبه: من أصحابنا من يجيز أن يجمع في الفوائت (٢). والمريض الذي لا يقدر على مس الماء (٣). قال الشيخ ﵀: والصحيح إذا كان بموضع لا يرجو به الماء مثل المريض؛ لأنهما متساويان في سقوط الطلب. وقاله أبو الفرج في المنسيات إذا أتى بها في فور واحد أنه يصلي جميعها بتيمم واحد (٤). وقد تضمنت هذه المسائل أربعة أقوال: فالأول: وجوب التيمم لكل صلاة على أي حال كان المصلي من مرض أو غيره، وعلى أي حال (٥) كان الأداء من جمع أو تفرقة أو منسيات أو غير ذلك لإيجابه الإعادة وإن ذهب الوقت من غير اعتبار لشيء من هذه الوجوه. واحتج من نصر هذا القول بقوله : ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا. . .﴾ الآية [المائدة: ٦]، فاقتضت تجديد الطهارة عند القيام لكل صلاف فسقط تجديد الطهارة بالماء لما روي عن النبي ﷺ أنه صلى صلاتين من وقتين بتيمم واحد (٦)، وعن الصحابة في ذلك أنهم قالوا: يجزئ أحدنا وضوءه ما لم يحدث (٧)، (٨)، وبقي التيمم على الأصل

стр. 303

أنه يجب كلما (١) قام إلى الصلاة. والقول الثاني: أن تجديد التيمم استحباب؛ لأنه لم ير عليه إعادة إذا خرج الوقت، وإن فرق الأداء ولم يجمع ولم يعتبرها هل هي من وقت أو وقتين؟. والحجة لهذا القول: الآية، وأن الله سبحانه أمر بالوضوء وبالتيمم عند عدم الماء، فكان الحكم أن ينوب منابه ويحل محله، وقد أبان النبي ﷺ أن المراد بقوله: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ أنه ليس يجب كلما قام إلى الصلاة، وأن ذلك إذا انتقض الأول بأحد الأحداث المتقدم ذكرها في أول الكتاب، وليس فعله نسخًا للتلاوة. وإذا كان ذلك (٢) لم ينتقض التيمم إلا بوجود الماء أو بأحد الأحداث. والقول الثالث: ما حكاه أبو الفرج أنه يجوز أن تؤدى به صلوات كثيرة إذا توجه الخطاب بالأداء في وقت وكان الأداء متتابعًا، فيكون في معنى القيام الواحد. وإلى هذا يرجع قول أصبغ (٣) لأنه راعى فعلين: الجمع، وكونهما من وقت. ومحمل قوله في الإعادة على أنه عجل العصر وأشركها مع الظهر؛ لأنه لو فعل ذلك في الوضوء بالماء لأعاد العصر ما لم يذهب الوقت، ولو أخر الظهر ثم جمع بينهما في وقت العصر لم يعد لتوجه الخطاب فيهما حينئذ كالمنسيتين. وإن صلى الظهر في آخر القامة وصلى العصر في أول القامة الثانية أعاد العصر ما لم يذهب الوقت؛ لأنه تيمم لها قبل دخول وقتها المختار. والرابع: تيمم من لا يقدر على مس الماء أنه يجوز له أن يصلي به صلوات لما كان ممن لا طلب عليه. وفي جميع هذا نظر، والقياس أن لا فرق بين أن تكون الصلوات كلها

стр. 304

فرضًا أو كلها نفلًا، أو بعضها فرض وبعضها نفل، فقدم الفرض أو النفل؛ فإن الجواب على تسليم القول أن مقتضى الآية وجوب التيمم كلما أحدث صلاة، وأن تيممه منتقض بسلامه من الفرض فلا يصلي به فرضًا آخر، أي: لا يصلي به نفلًا للإجماع على أنه لا يصلى نفل بغير تميم. ولا يصح أن يقال: إن تيممه باق منتقض في حال واحدة، للفرض منتقض، وللنفل باق. فإن قيل: إن كل ما أتى به نسقًا في معنى القيام الواحد، ولهذا جاز أن يُعْقِبَ الفرض بنفل. قيل له: فيجوز (١) إذا سلّم من نفلٍ أن يُعْقِبَه بفرض وأن يعقب الفرض بفرض؟! وإن قيل: إنه غير منتقض التيمم إذا صلى به نفلًا، فإن له أن يصلي به نفلًا آخر، فإن لم يصله بالأول جاز له أن يصلي به فرضًا وإن لم يصله بالنفل إذا كان تيممه الأول بعد دخول وقت الفرض أو قبل ذلك إذا لم يكن مخاطبًا بطلب الماء (٢). وقال مالك في "سماع أشهب" في مسافر تيمم لركعتي الفجر: أيتيمم للصبح تيممًا آخر؟! فقال: نعم؛ لا يأتي من ذلك إلا خير؛ الأرض تحت قدميه. فأبان أن قوله في التجديد للتيمم على وجه الاستحسان، وعلى قوله إذا صلى فرضيين بتيمم واحد ولم يجمع بينهما أنه يعيد الآخرة ما لم يذهب الوقت، يكون تجديد التيمم إذا تباعد ما بين النفلين أو ما بين النفل والفرض استحسانًا.

стр. 305

فصل [يتيمم من به جراحات] ومن كانت به جراح متفرقة في جسده، ولا يقدر على غسل السالم إلا بضرر يصل إلى الجراحة تيمم، وإن كان في شق - غسل ما صح ومسح على ما لم يصح. وسواء كانت الجراحة في أكثر الجسد أو في أقله، ما لم يكن السالم قليلًا جدا كاليد والرجل فيتيمم. واختلف في الجنب يتيمم للصلاة ناسيًا للجنابة، فقال في "المدونة": لا يجزئه وعليه أن يتيمم ويعيد الصلاة (١)، وروي عنه أنه تجزئه. وقاله محمد بن مسلمة في المبسوط (٢)؛ لأن التيمم جعل حدًا واحدًا بدل الوضوء والغسل (٣). ويختلف إذا نوى بالتيمم الجنابة ثم أحدث هل ينوي ثانية (٤) بالتيمم الحدث الأصغر أو الجنابة؟ فعلى الظاهر من المذهب ينوي بالثاني الجنابة، وعلى ما قاله ابن شعبان أن له أن يصيب الحائض إذا طهرت وتيممت (٥) - ينوي بالثاني الحدث الأصغر. وإلى هذا يرجع قول ابن القاسم في "المدونة" لأنه قال في الحائض تطهر وهي في السفر ولا ماء معها فتيممت وصلت ثم أراد زوجها أن يطأها، قال: ليس له ولا لها أن يدخلا على أنفسهما أكثر من حدث الوضوء، فإن وقع الجماع فقد أدخلا على أنفسهما أكثر من حدث الوضوء وهو الغسل (٦).

стр. 306

فصل [في فاقد الطهورين الماء والصعيد] واختلف فيمن لم يجد ماءً ولا وجد للصعيد سبيلًا على أربعة أقوال (١): فذهب مالك وابن نافع إلى أنه غير مخاطب بالصلاة في الوقت ولا بالقضاء بعد الوقت (٢). وقال أشهب: يصلي ولا يقضي. وقال ابن القاسم: يصلي ويقضي، وإن ذهب الوقت. وقال أصبغ: لا يصلي ويقضي. وروى معن بن عيسى عن مالك في "كتاب ابن سحنون" في أسارى ربطهم العدو ليالي ثم خلى عنهم (٣) قال: لا يصلون ما مضى (٤). قال سحنون: وكان ابن نافع لا يرى على الذين ينهدم عليهم الحائط (٥) الصلاة بعد زوال الوقت (٦). وقال مالك في "المدونة": يقضون ما فاتهم لأن معهم عقولهم (٧). وهذا خلاف ما روى عنه معن، إلا أنه لم يذكر ما أوجب القضاء لأنه كان

стр. 307

عليهم أن يصلوا قبل كما (١) قال أشهب، فلما لم يصلوا وجب القضاء، أو لأنه لا تصح منهم الصلاة بغير تيمم ويجب القضاء كما قال أصبغ. والذي أختاره أن يصلي على حاله ولا يقضي؛ لحديث عائشة ﵂ "أَنَّهَا اسْتَعَارَتْ قِلاَدَةً فَهَلَكَتْ، فَأَرْسَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ نَاسًا مِنْ أَصْحَابِهِ فِي طَلَبِهَا، فَأَدْرَكَتْهُمُ الصَّلاَةُ، فَصَلَّوْا بِغَيْرِ وُضُوءٍ، فَشَكَوْا ذَلِكَ إِلِى النَّبِيِّ ﷺ فَنَزَلَتْ آيَةُ التَّيَمُّمِ". أخرجه البخاري ومسلم (٢). فثبت أنه مخاطب بالصلاة دون القضاء من وجهين: أحدهما: أنه لم ينكر عليهم فعلهم؛ فلو كان (٣) غير جائز لأبانه (٤)؛ لأنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة. وإذا كان فعلهم جائزًا كانت الصلاة واجبة؛ لأنه إذا جاز أداء الفرض على تلك الصفة لم يسقط وجوبه متى كان قادرًا على أدائه على وجه الجواز. فإن قيل: إن ذلك منسوخ بآية التيمم. قيل: إنما نسخ أداء الصلاة بغير تيمم مع القدرة عليه، فإذا عدم القدرة على استعمال التيمم عاد الأمر إلى ما كان مخاطبًا به عند عدم الماء.

стр. 308

وقال الشيخ أبو الحسن (١) في "الممهد" في المربوط: ينوي التيمم إلى الأرض بوجهه ويديه حسب طاقته، إذ لا يمكن أكثر من ذلك كما ينوي السجود إلى الأرض.

стр. 309

باب في الحيض وأحكامه والنفاس والحامل تحيض والحائض ست: مبتدأة، ومعتادة، ومن اختلط أمرها فدخل الحيض على الطهر، ومستحاضة، ومن جاوزت سن الحيض، وحامل. فأمَّا المبتدأة، وهي التي لم يتقدّم لها حيضٌ ترى الدم، فإنّ محمله على أنه حيض يمنع الصلاة والصوم ويمنع زوجها منها. واختلف إذا تمادى فقال مالك: تجلس ما بينها وبين خمسة عشر يومًا (١). وقال في "كتاب محمد": تنظر إلى أترابها ولا تستظهر (٢). وقال أصبغ: تستظهر (٣) بثلاثة (٤). وقال ابن المنذر: تنظر إلى قراباتها: أمهاتها وخالاتها وعماتها (٥). قال الشيخ ﵀: ولو قيل تنظر إلى أترابها من أقاربها وإلى ما كان عليه أمهاتها وخالاتها وعماتها في سنها لكان حسنًا. وهذا مع تمادي الدم على الرقة، وما يشكل أمره: هل هو حيض أو استحاضة؟ فأمَّا إن كان على لون دم الحيض في لونه وريحه - فإنها تصبر ويحمل على أنه محيض، وأما قول أصبغ إنها تستظهر؛ فليس بحسن؛ لأنّا نحملها على أعلى

стр. 310

سن (١) أترابها ليس على أدناهم، كما قالوا في النفساء يزيد بها الدم: إنها تحمل على أكثر ما يكون بالنفساء ثم لا تستظهر. واختلف في المعتادة يزيد دمها على عادتها على خمسة أقوال: فقال مالك: تنتظر خمسة عشر يومًا ثم هي مستحاضة. ثم رجع فقال: تنتظر عادتها وتستظهر بثلاثة أيام، ثم (٢) تحتاط فتصلي وليست عليها، أحب إليَّ من أن تترك الصلاة وهي عليها (٣). فعلى هذا إذا كان عادتها سبعًا - كانت على حكم الحائض إلى تمام العشر، ثم تعمل إلى تمام الخمسة عشر على الاحتياط، فتصلي وتصوم ولا يصيبها زوجها. ولابن القاسم في "كتاب محمد" أنه بعد الاستظهار بالثلاث على حكم الطاهر ولزوجها أن يصيبها. وقال المغيرة في "المبسوط": إذا زادت على عادتها، فلم تدر: هل ذلك انتقال أو استحاضة؟ فإنها تغتسل إذا مضت أيام حيضتها وتصلي وتصوم ولا يصيبها زوجها احتياطًا، ثم ينظر إلى ما يصير إليه أمرها: فإن كان انتقالًا لم يضرها، وإن استمر استحاضة كانت قد احتاطت (٤). قال أبو مصعب: هذا قولنا، وبه نفتي (٥). وقال ابن الجهم عن محمد بن عبد الحكم: إنه لا يأخذ بالاستظهار.

стр. 311

فوجه القول الأول أنها على الحيض بيقين، وانتقالها عنه مشكوك فيه، فأبقاها على الأصل وهو الحيض، وهذا هو القول باستصحاب الحال. وأرى في القول الآخر أنها حالة يشك فيها، فكان الاحتياط أولى، وهو أحسنها؛ لأن الحيض يزيد وينقص، فتصلي وتصوم لإمكان أن يكون استحاضة، ويمنع الزوج لإمكان أن يكون حيضًا. فإن انقطع الدم عند تمام (١) الخمسة عشر يومًا وتمادى طهرًا كاملًا تبين أن ذلك التمادي انتقال عادة، فإن كانت احتاطت للصلاة والصوم قضت الصوم ولا شيء عليها في الصلاة. وإن تمادى الدم بعد الخمسة عشر أو انقطع ثم عاد عن قرب (٢) تبين أن ذلك التمادي استحاضة، فإن كانت احتاطت في الصلاة والصوم أجزأها، وإن لم تكن صلت ولا صامت - قضت. وهذا إذا كان الدم رقيقًا يشبه أن يكون حيضًا أو استحاضة، وإن كان على صفة دم الحيض في لونه وريحه عملت على أحكام الحيض، ولم يجز لها أن تحتاط لصلاة ولا صوم. واختلف فيمن عادتها خمسة عشر يومًا، فقيل: لا تستظهر. وقال مالك في كتاب الحج من كتاب محمد: تستظهر (٣) بيوم أو يومين (٤). وقال ابن نافع في "كتاب ابن سحنون": إنها تستظهر بثلاث بعد الخمسة عشر يومًا (٥).

стр. 312

وهو أحسن؛ لأن الحيض يزيد وينقص ولا يستحيل فيمن كانت عادتها خمسة عشر يومًا أن يزيدها الدم، وقد كان نساء (١) الماجشون يحضن سبعة عشر يومًا، وإذا كانت الزيادة على لون دم الحيض وريحه كان ذلك أبين أن تستظهر. فصل [في الحيض يتقطع على المرأة ويختلط عليها] واختلف إذا اختلط أمر المرأة وكانت تحيض يومًا وتطهر يومًا، أو يومين ويومين (٢)، أو تحيض يومًا وتطهر (٣) يومين: فقال مالك: إذا كان هكذا - احتسبت أيام الدم (٤) وألغتْ ما بين ذلك من الأيام التي لم تر فيها دمًا، فإذا استكملت من أيام الدم قدر أيامها استظهرت بثلاثة، ثم اغتسلت وصلت وكانت مستحاضة (٥). وقال محمد بن مسلمة: إذا كانت تحيض يومًا وتطهر يومًا فليست بمستحاضة لأنها إنما حاضت من الشهر خمسة عشر يومًا وطهرت خمسة عشر؛ فهي امرأة حاضت أكثر ما يحيض له النساء، وطهرت أقل ما يطهرن له، فليست بمستحاضة (٦) حتى تلغي من الدم أكثر من خمسة عشر يومًا في الشهر ومن الطهر أقل من خمسة عشر يومًا (٧). ورأى أنها إذا كانت تحيض يومًا وتطهر يومًا أو تحيض يومًا وتطهر يومين لا تكون مستحاضة وإن تمادى على ذلك عمرها.

стр. 313

فصل [في أحكام المستحاضة] وإذا رأت المستحاضة الحيض أمسكتْ عن الصلاة والصوم ولم يأتها زوجها، فإن تمادى بها الدم بعد انقضاء أيام عادتها في الحيض فإنها لا تخلو من ثلاثة أحوال: إما أن يتمادى على ما عهدتْه قبل ذلك من دم الاستحاضة، أو على دم الحيض، أو يشكل أمره: هل هو حيض أو استحاضة؟ فإن انتقل إلى ما عهدته قبل ذلك من لون دم الاستحاضة - لم تستظهر، واغتسلت وصلت وَحَلَّتْ لزوجها (١)، وإن تمادى على لون دم الحيض وريحه بقيت على حكم الحائض، وإن شُك فيه: هل هو حيض أو استحاضة؟ لاشتباه لونهما؛ لأن آخر دم الحيض رقيق، فإذا أشكل آخره (٢) كان فيه ثلاثة أقوال: فقيل: تستظهر بثلاثة أيام. وقيل: لا تستظهر وهي من الآن حلال. وقيل: تجلس خمسة عشر يومًا مثل غير (٣) المستحاضة. ولا أرى أن تستظهر بشيء، ويحمل على أنه استحاضة؛ لأن هذه امرأة لها عادة في دمين: حيض واستحاضة، فإذا اشتبها ومضى قدر الحيض حمل على أنه استحاضة؛ لأنه أتى في زمنه، وبعد انقضاء زمن الحيض. وإن أشكل الأمر؛ لأن لونه فوق دم الاستحاضة ودون دم الحيض - حُمِلَ على أنه حيض؛ لأنها حائض بيقين، فلم يأتها ما ينقلها عنه (٤)؛ لأن الحيض يزيد

стр. 314

وينقص (١) واللون هو إلى الحيض أشبه، فبقيت عليه. واختُلِفَ إذا اغتسلتْ عند انقضاء الحيضة مع وجود دم الاستحاضة، ثُمَّ ذهب دم الاستحاضة: هل تغتسل؟ فقال مرة: لا غسل عليها (٢). ثم رجع فقال: تغتسل (٣). والأول أقيس؛ لقول النَّبِيِّ ﷺ : "إِنَّ ذَلِكَ عِرْقٌ وَلَيْسَ بِالحَيْضَةِ (٤) " (٥). ولأنها كانت طاهرًا تصلي مع وجوده وتحل لزوجها، فلم يوجب عدمه غسلًا. وقال مالك في امرأة رأت الدم خمسة عشر يومًا ثم رأت (٦) الطهر خمسة أيام ثم الدم أيامًا ثم الطهر سبعة أيام، فقال: هذه مستحاضة (٧). يريد في الأيام التي بين الطهرين الخمسة والسبعة، وأما الدم الذي جاء بعد السبعة فإنها تنظر إلى لونه، فإن كان لونه (٨) لون دم الاستحاضة بقيت على ما كانت عليه من الصلاة والصوم، وإن كان دم حيض أمسكت وعملت على أحكام الحيض (٩). واختلف في المرأة ترى الدم وقد جاوزت سن المحيض: فقال محمد: إذا كان مثلها لا تحيض توضأت وصلت (١٠). وقال في كتاب "العدة": تترك (١١) الصلاة والصوم، وإن طلقها فيه زوجها جبر على الرجعة، ولم يختلف أنها لا تعتد به. وهذا أحسن؛ لأن الله منع التقرب إليه بهاتين الطاعتين الصلاة والصوم مع وجود الحيض، ولم يفرق بين الطاعتين الصلاة والصوم مع وجود

стр. 315

الحيض (١)، ولم يفرق بين وجود الحيض في الصغر أو في الكبر ومنع الوطء فيه، وقال: ﴿قُلْ هُوَ أَذًى﴾ [البقرة: ٢٢٢]. فهو أذى في الشابة والمسنة، ولم تعتد به لأن العدة فيمن بلغ ذلك السن بالأشهر (٢) تعتد. فصل [في الدم يعرض للحامل] واختلف في الحامل ترى الدم: فقال مالك وقوم (٣) من أصحابه: هو حيض. وقال ابن القاسم في "كتاب محمد" في المطلقة تعتد بثلاث حيض ثم يظهر بها حمل: لو أعلم أن الأول حيض مستقيم لرجمتها (٤). فنفى عن الحامل الحيض. يريد: لأن الحيض جعله الله دليلًا على براءة الرحم وعلى عدم الحمل، ولو صح اجتماع الحيض والحمل لم يكن فيه دليل على البراءة. والقول الأول أحسن؛ لأن الشأن في الحيض أنه لا يأتي إلا من عدم الحمل ويطرأ الحيض على الحمل في نادر من النساء، فيحمل في البراءة به على الغالب، فإن وجد في نادر من النساء غير ذلك كان لها حكم الحيض، وإذا كان حيضًا (٥) فإنها لا تخلو أن ترى الحيض على (٦) أوقاتها المعتادة قبل الحمل لم (٧) يمسك عنها الحمل شيئًا (٨)، أو أمسك لأجل الحمل ثم أتى بعد ذلك، فإن أتى بعد ذلك، فإن أتى في أوقاتها (٩) المعتادة ولم يحتبس لأجل الحمل - جلست قدر حيضة واحدة قولًا واحدًا. وهو معنى قول أشهب: إلا أن تكون استرابت من

стр. 316

حيضتها شيئًا من أول ما حملت فهي على حيضتها (١). ويختلف في قدر تلك الحيضة حسب ما تقدم في غير الحامل. واختلف إن احتبس عنها على (٢) العادة، فقال مالك مرة: تجلس حيضة واحدة كالحائل (٣). وقال: وما حبس الحمل من حيضتها بمنزلة حبس الرضاع والمرض (٤)، (٥). وقال أيضًا: ليس أول الحمل مثل آخره، إن رأته في أوله أمسكت (٦) قدر ما يجتهد لها (٧). وقال ابن القاسم: إن رأته في ثلاثة أشهر أو نحوها احتبست (٨) خمسة عشر يومًا ونحوها، وإن رأته بعد ستة أشهر احتبست (٩) عشرين يومًا ونحوها (١٠). وقال مالك في "كتاب ابن حبيب": إن رأته في أول شهور الحمل تركت (١١) قدر أيامها والاستظهار، فإن كان في الشهر الثاني جلست مثلي ذلك ولم تستظهر، وفي الثالث مثل أيامها ثلاث مرات، وفي الرابع تربعها كذلك حتى تبلغ ستين ليلة، وإن تمادى بها الدم لم تزد (١٢). وقال ابن وهب: تُضَعِّف (١٣) أيام حيضتها ثم تغتسل؛ لأن دمها أكثر من دم الحائض (١٤).

стр. 317

وقال مالك في "المبسوط": تكف عن الصلاة، وليس لذلك وقت، ولكن إذا استرابت من طوله ويُرى أنه سقم حدث، وليس مما يعرض للنساء في الحمل- رأيتُ أن تغتسل وتصلي وتصنع ما تصنع المستحاضة. قال الشيخ ﵀: أما القول إنها كالحامل فليس بالبين؛ لأن هذه تقدم لها سبب في حبس الدم واجتماعه، ولهذا كان حكم النفاس حكم الحيض وإن بلغ ستين يومًا على أحد الأقوال، ولم يجعل الزائد على الحيضة المعتادة استحاضة. والقول إنه (١) تجلس بقدر احتباسه من عدد الحيض المتقدم حسن (٢)، ولو قيل مثل ذلك في غير الحامل إذا كانت صحيحة وليست بمرضع احتبس الدم عنها أشهرًا، ثم أتاها وتمادى على العادة على لون دم الحيض وريحه. ولا أحملها في الزائد على الخمسة عشر يومًا على الاستحاضة. فصل [فيما تبرأ به الحائض من حيضها] وإذا كانت المرأة ممن ترى القصة البيضاء برئت بها. واختلف: هل تبرأ بالجفوف؟ فإن كانت ممن ترى الجفوف خاصة برئت به. واختلف: هل تبرأ بالقصة؟ وقيل: الجفوف (٣) أبرأ من القصة فتبرأ به من عادتُها القصةُ، ولا تبرأ بالقصة مَنْ عادتُها الجفوفُ. وقيل عكس ذلك: أن القصة أبرأ وهو أحسن؛ لأن القصة دليل على انقضاء الدم؛ لأن الحيض إذا استكمل خرج أوله مسودا، فكلما مرت به الأيام ضعف

стр. 318

عن الذي قبله حتى يكون آخره رقيقًا صافيًا، ثم يأتي آخر ذلك أبيض كالجير، وذلك لانقضاء الدم، والجفوف يعرض مع بقاء الدم على قوته، ومع كونه مسودا ينقطع ثم يأتي مسودًا، ولهذا قال مالك في المرأة تحيض يومًا وتطهر يومًا: إنها على حكم الحائض إذا أتاها، وعلى حكم الطاهر إذا انقطع عنها، فلم يكن ذلك الجفوف دليلًا على انقطاع الحيضة بل يجمع إلى الأول حتى يكون حيضًا (١). فصل [في دم النفاس ومن لم تر دما في نفاسها] وإذا نفست الحامل كانت بدم النفاس في حكم الحائض، ثم لا يخلو أن ينقطع عنها عند العادة للنفساء أو يزيد على العادة أو ينقطع قبلها، فإن زاد أمسكت إلى ستين يومًا ثم هي مستحاضة. ثم رجع وقال: يُسأل عن ذلك النساء وأهل المعرفة، فتجلس أبعد (٢) ذلك. وإن انقطع قبل مضي عادة النفساء اغتسلت وصلت، فإن عاودها عن قرب ضمت ذلك إلى دم النفاس، ثم ينظر: هل يزيد جميعه على العادة أم لا؟ وإن بعد ما بينهما مقدار طهر انقطع حكم النفاس، ولم تضم الثاني إليه، وكانت هذه حيضة مستأنفة. وقال مالك في "العتبية" في التي تلد ولا ترى دمًا: تغتسل، أو في ذلك شك! لا يأتي من الغسل إلا خير (٣). وهذا استحسان؛ لأن اغتسال النفساء لم يكن لأجل خروج الولد، وإنما كان للطهر من الحيض، ولو نوت الاغتسال لخروج الولد دون الطهر من الحيض ما أجزأها ذلك.

стр. 319

واختلف في الحامل تلد ولدًا ويبقى في بطنها ولد آخر فتضعه بعد شهرين والدم من الأول متمادٍ: فقال ابن القاسم: ينظر إلى أقصى ما يكون النفاس، ولزوجها عليها الرجعة حتى تضع (١) الآخر (٢). وقد قيل: حالها كحال الحامل. والأول أصح؛ لأن هذا الدم هو المعتاد الذي يجتمع مدة الحمل، ثم يخرج بعد خروج الولد، فليس بقاء الولد الثاني يخرجها عن أن تكون نفساء. فصل [في الحيض والجنابة وما يمتنع بهما وما يحل] الحيض يمنع من قُرَبٍ أربع: الصلاة والصوم والاعتكاف؛ لأنه يتضمن الصلاة والصوم، والطواف بالبيت. ولا يمنع السعي بين الصفا والمروة ولا الوقوف بعرفة. واختلف: هل يمنع دخول المسجد وقراءة القرآن؟ ولا يمنع ذكر الله سبحانه بالتسبيح والاستغفار وإن كثر، ويمنع ممّا ليس بقربة شيئين: الطلاق والوطء. واختلف في دخول الحائض والجنب المسجد: فمنعه مالك، وأجازه زيد بن أسلم للجنب (٣) إذا كان عابر سبيل، وأجازه محمد بن مسلمة جملة وقال: لا ينبغي للحائض أن تدخل المسجد؛ لأنها لا تأمن أن يخرج من الحيضة ما ينزه المسجد عنه، ويدخله الجنب؛ لأنه لا يخاف ذلك منه. قال: وهما في أنهما طاهران سواء وليسا بنجسين. وعلى هذا يجوز كون الجنب فيه، وكذلك الحائض إذا استثفرت بثوب. كما قال مالك في المستحاضة لا بأس أن تطوف إذا استثفرت بثوب (٤).

стр. 320

واختلف قول مالك في قراءة القرآن للحائض، فمنع ذلك مرة وأجازه مرة خوف النسيان (١)؛ لأن الحيض يتكرر. وأجازه محمد (٢) بن مسلمة نظرًا إذا كان من (٣) يُقلب لها الورق. ومر (٤) على أصله في أنها في حكم محدث وليس في حكم نجس. واختلف قول مالك (٥) في قراءة الجنب القرآن، فالمشهور عنه المنع (٦). وقال في سماع أشهب: يقرأ اليسير، وقال (٧): وأنا (٨) أشتهِي (٩) أن يقرأ الجنب القرآن، وددت أني وجدت في ذلك رخصة، ولكني سمعت أنه لا يقرأ إلا اليسير (١٠) وأجاز ذلك مالك (١١) في "مختصر ما ليس في المختصر" قليلًا كان أو كثيرًا. وقد اختلفت الأحاديث في هذا الأصل: ففي الصحيحين (١٢) عن أبي هريرة قال: "لَقِيتُ رَسُولَ الله ﷺ فِي بَعْضِ طُرُقِ المَدِينَةِ، وَأَنَا جُنُبٌ، فَانْخَنَسْتُ مِنْهُ وَاغْتَسَلْتُ ثُمَّ جِئْتُ فَقَالَ: أَيْنَ كُنْتَ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟. قَالَ: كُنْتُ جُنُبًا، فكَرِهْتُ أَنْ أُجَالِسَكَ وَأَنَا جُنُبٌ. فَقَالَ: سُبْحَانَ اللهِ، إِنَّ المُؤْمِنَ لاَ يَنْجُسُ" (١٣). فعلى هذا يجوز له أن يقرأ القرآن وأن يجلس في المسجد.
следующие страницы →