← Фикх малики

Фикх малики · id 14591

التبصرة للخمي

اللخمي، أبو الحسن

Полный текст (6 502 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

وإذا كان ذاكرًا أو هم عالمون وهو ناس لم تجزئهم. وقال مالك في الإمام ينسى تكبيرة الإحرام: إن صلاة من ائتم به غير جائزة (١). وهذا موافق لقول ابن القاسم (٢): إنه يجب عليهم ما يجب عليه، وعلى قوله في الجنب: يجزئ هؤلاء الآخرين (٣) صلاتهم وإن لم يكبر إمامهم (٤). وكل هذا يقضي بالخلاف في صلاة المأموم هل تفسد بفساد صلاة الإمام إذا لم يتعمد؟ وإن تعمد لم تجز بلا خلاف. واختلف إذا كانت صلاته صحيحة ثم قطعها متعمدًا و (٥) خرج، فقال ابن القاسم: أفسد على من خلفه (٦). وقال أشهب: لا يفسد عليهم إلا أن يعلمهم بعد ذلك. ويختلف في صلاة الجنب بهم الجمعة (٧) وهو غير ذاكر، فقال مالك: تجزئهم الجمعة (٨). وعلى قول ابن الجهم لا تجزئهم وإن قرءوا خلفه؛ لأن من شرطها الإمام، فكأنهم صلوا أفذاذًا. وإذا كان في ثوبه نجاسة فلم يذكر حتى سلم أعاد في الوقت (٩)، ويختلف في إعادتهم حسب ما تقدم.

стр. 247

وإن ذكر بعد ركعة كان حكم الإمام على حكم الفذ، فقيل: يقطع، وقيل: إن خف نَزْعُهُ نَزَعَه وأتم، وإن كان لا يخف نزعه قطع (١). وقيل: يتمادى إذا لم يخف نزعه، فإذا كان حكمه التمادي أتم من خلفه أيضًا. وعلى القول إنه يقطع يختلف فيهم، فيصح أن يقال: إنهم يقطعون؛ لوجهين: أحدهما: أنهم (٢) بمنزلته يفسد عليهم ما يفسد عليه. والثاني: أن قطع الإمام فيه ضرب من العمد لما كان تماديه يجزئه على أحد القولين. ويصح أن يقال: يتمون كالجنب. وإن لم يذكر الإمام ورأى ذلك من خلفه، فإن كان قريبًا منه سبح به وأراه إياه (٣). قال ابن حبيب: وله أن يدنو منه ويخبره متكلمًا، فإن استخلف بنى الذي كلمه لأنه كلمه لإصلاح الصلاة. وقال سحنون: إذا كان بينه وبين الإمام صفوف فلا بأس أن يخبره متكلمًا، ويبتدئ الذي أخبره، وإن أخبره بإشارة بنى المخبر إذا لم يعمل خلفه عملًا بعد علمه بالنجاسة، يريد يخرج من إمامته ويتم على حكم صلاته (٤).

стр. 248

باب في الصلاة بالثوب النجس عند عدم الطاهر أو بثوب حريرٍ وقال مالك فيمن معه ثوب نجس، وليس معه غيره: يصلي به، ويعيد إن وجد غيره في الوقت (١). قال محمد: والوقت: في الظهر والعصر إلى غروب الشمس. وهذا على أحد قوليه فيمن صلى به ناسيًا أنه يعيد إلى الوقت الضروري وهو غروب الشمس، وعلى القول الآخر يعيد ما لم تصفرّ الشمس. والعادم أعذر من الواجد الناسي. وإن لم يجد إلا ثوب حرير صلى به ولم يصل بالثوب النجس (٢). وقال ابن القاسم: إن كان معه ثوبان نجس وحرير طاهر صلى في الحرير وأعاد في الوقت (٣). وقال أصبغ في كتاب محمد: يصلي بالنجس ويعيد في الوقت، وإن صلى في الحرير فلا إعادة عليه (٤). واختلف فيمن لم يجد إلا ثوب حرير، فقال أشهب في كتاب محمد: يصلي عريانًا أحب إلي (٥). وقاله ابن القاسم في سماع أصبغ عنه، وهذا خلاف قوله في "المدونة" في المسألة الأولى؛ لأنه قال: يصلي به مع وجود غيره إذا كان

стр. 249

غيره نجسًا. وقوله الأول أحسن؛ لأنه ثوب طاهر، والنهي لمكان السرف، وهذا مضطر غير قاصد إلى السرف، وقد أَبَاحَ النَّبِيُّ ﷺ لِبَاسَهُ لِمَنْ بِهِ حِكَّةٌ (١)، فهو في ستر العورة في الصلاة أعذر. واختلف أيضًا فيمق صلى به مختارًا، فقال أشهب: يعيد ما دام في الوقت (٢)؛ لأنه بمنزلة من صلى عريانًا. وقال ابن حبيب: يعيد أبدًا (٣). واتفقا إذا كان عليه ما يستره ألا إعادة عليه (٤). وقال محمد بن عبد الحكم: لا إعادة عليه وإن كان متعمدًا ولا شيء عليه غيره، وليس كالعريان؛ لأن المرأة تصلي في ثوب حرير فيجزئها، وإنما هو عاصٍ بمنزلة المصلي في ثوب غصب، فإن صلاته تجزئ (٥).

стр. 250

باب في صلاة الحقن (١) ومن به قرقرة أو غثيان (٢) أو دهمه هم قال النبي ﷺ : "لاَ صَلَاةَ بِحَضْرَةِ الطَّعَامِ وَلاَ هُوَ يُدَافِعُهُ الأَخْبَثَانِ" أخرجه مسلم (٣). يريد في الطعام إذا كان جائعًا تتعلق (٤) نفسه به، فإن لم يكن كذلك جاز له البداية بالصلاة؛ لحديث ابن عباس ﵁ قال: "كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يَحْتَزُّ مِنْ كَتِفِ شَاةٍ فَدُعِيَ إِلَى الصَّلاَةِ فَقَامَ وَطَرَحَ السِّكِّينَ وَصَلَّى وَلَمْ يَتَوَضّأ (٥). وصلاة من حضره الطعام على أربعة أوجه: فإن لم يكن متعلق النفس به جاز أن يبدأ بالصلاة. وإن كان متعلق النفس به ولا يعجله عن الصلاة استحب له البداية بالطعام (٦)، وإن لم يفعل فلا بأس، وإن كان يعجله فيستحب له الإعادة ما لم يذهب الوقت، وإذا شَغَل خواطره (٧) ولم يدر كيف صلى أعاد وإن ذهب الوقت (٨).

стр. 251

وكذلك من به حقن أو قرقرة (١) أو غثيان أو نزل به ما يهمه (٢)، فإن كان ذلك بالشيء الخفيف استحب له البداية بما يذهب ذلك، فإن لم يفعل وصلى به مضت صلاته، وإن أعجله ذلك، وهو يقيم حدودها ويشغل قلبه بالأمر الخفيف، إلا أنه زائد على المعتاد له، استحب له الإعادة ما دام في الوقت، وإن شغل ذلك نفسه حتى لا يعرف كيف صلى أعاد وإن ذهب الوقت، وإن أم (٣) من نزل به ذلك أعاد وأعادوا (٤) وإن ذهب الوقت؛ لأنه بمنزلة من أفسد صلاته متعمدًا (٥).

стр. 252

باب الصلاة في ثوب الكافر ومن لا يتوقى النجاسة من المسلمين، ومن ابتاع ثوبًا لبيسًا هل يصلي فيه قبل غسله ؟ قال مالك في المدونة (١): ولا يصلَّى بثياب أهل الذمة التي لبسوها، ولا بأس بما نسجوا، مضى الصالحون على ذلك، ولا يصلَّى بخفي النصراني اللذين لبسهما (٢). فمنع ما لبسوه لأنهم لا يتوقون النجاسة، وقد كان القياس فيما صنعوه مثل ذلك لأنهم يستعملونه في مياههم؛ وهو يقول: لا يتوضأ بسؤر يده (٣). وقد قال في "العتبية" نسجوه: أنهم يبلون الخمر ويحركونه (٤) بأيديهم فيسقون الثياب قبل أن تنسج، وهم أهل نجاسة؟ قال: لا بأس به؛ لم يزل الناس على ذلك (٥). فسلم ذلك العمل. وأما ما يلبسه المسلم فإن علم بائعه أنه ممن يصلي، فلا بأس بالصلاة فيه، وإن كان ممن لا يصلي لم يصل به حتى يغسله، وإن لم يعلم بائعه فينظر إلى الأشبه ممن يلبس مثل ذلك، وإن شك فيه فالاحتياط بالغسل أفضل. وهذا في القمص وما أشبهها، وأما ما يستعمل للرأس من منديل أو عمامة فالأمر فيه أخف؛ لأن الغالب سلامته من النجاسة، كان البائع له ممن يصلي أم

стр. 253

لا، إلا أن يكون ممن يشرب الخمر فلا يصلي فيه حتى يغسله، وأما ما يلبس في الوسط فلا أرى أن يصلي فيه حتى يغسله، كان البائع له ممن يصلي أو لا؛ لأن كثيرًا من الناس لا يحسن الاستبراء من البول، وإن كان لا يتعمد الصلاة بالنجاسة. وأما ما ينام فيه فلا يصلي فيه حتى يغسله، كان بائعه من كان؛ لأن الشأن قلة التحفظ لوصول النجاسة إليه. ومحمل قُمُص النساء على غير الطهارة؛ لأن الكثير منهن لا يصلين، إلا أن يعلم أنه كان لمن تصلِّي منهن. ومن باع ثوبًا جديدًا وفيه نجاسة ولم يبين كان ذلك عيبًا فيه؛ لأن المشتري يجب أن يستمتع به جديدًا قبل غسله.

стр. 254

باب في اغتسال النصراني يسلم قال مالك: وعلى النصراني إذا أسلم أن يغتسل. قال ابن القاسم: لأنه جنب فإذا أسلم اغتسل، وإن لم يجد الماء تيمم، وإن أدرك الماء اغتسل (١). وقال إسماعيل القاضي: لا غسل عليه؛ لأن الإسلام يجب ما قبله. وليس بحسن؛ لأن الإسلام يجبّ ما قبله من السيئات، ولو كان الأمر على ما قال لوجب ألا يتوضأ حتى يحدث بعد الإسلام؛ لأن الطهارة تجب للصلاة؛ فالغسل لمن أجنب والوضوء لمن أحدث. فإذا لم يحتسب بالجنابة المتقدمة لم يحتسب بالحدث، ومن لم تتقدم له جنابة قبل الإسلام اغتسل للتنظف مما يكون بجسده من النجاسة، وإن لم يجد الماء تيمّم (٢)، فإن كان حديث عهد بالاغتسال أو التنظف لم يكن عليه شيء وإن كان الماء موجودًا. وما روي في الحديث من اغتسال ثمامة (٣) فإن محمله أنه كان للجنابة؛ لأنها

стр. 255

الغالب من الرجل المتزوج وغيره. وقال ابن القاسم: إن اغتسل قبل أن يسلم وكان قد أجمع على الإسلام فإنه يجزئه (١). يريد أنه وقع في قلبه المعرفة فإذا عرف الله، وأن محمدًا رسول الله ﷺ ، كان مسلمًا كان لم ينطق بذلك إذا كانت نيته أنه ينطق به، ليس أن يجحد الإقرار به. ولو اغتسل للإسلام ولم ينو به جنابة وإنما يعتقد التنظف وزوال الأوساخ (٢) لم يجزه من غسل الجنابة. ولو أسلمت امرأة ولم يتقدم لها احتلام ولا أصابها زوج ولا حاضت لم يجب عليها اغتسال، إلا أن يكون بجسدها نجاسة فتزيلها، وإن كانت جنبًا من احتلام أو زوج اغتسلت، وكذلك إذا أسلمت وهي حائض فإذا طهرت اغتسلت.

стр. 256

باب في الرعاف الرعاف (١) أربعة: يسير يذهبه الفتل (٢)، وكثير لا يذهبه الفتل، ولا يرجو صاحبه انقطاعه متى خرج يغسله لعادة علمها من نفسه. فهذان لا يخرج (٣) من الصلاة لهما، يفتل هذا ويكف الآخر ما استطاع ويمضي في صلاته. وكثير يرجو انقطاعه متى غسله، فهذا يخرج لغسله ويعود. وكثير يذهبه الفتل لثخانته (٤)، واختلف فيه هل يفتله ويمضى في صلاته أو يخرج لغسله؟ فقال ابن حبيب: رأيت ابن الماجشون يصيبه الرعاف في الصلاة فيمسحه بأصابعه حتى تختضب، فيغمس أصابعه في حصى (٥) المسجد ويردها ثم يمضِي في صلاته. وقال مالك في "المبسوط": إذا خرج من أنف المصلي دم ففتله، فإذا كان يسيرًا فلا بأس به، وإن كان كثيرًا فلا أحب ذلك حتى يغسل أثر الدم. فراعى عبد الملك قدر النجاسة ولم يراع قدر الموضع وأنه لا يبقى إلا اليسير، وراعى مالك موضع النجاسة الذي حلت فيه وهو كثير. وقال سعيد بن المسيب (٦) في رجل رعف فلم ينقطع عنه الدم:

стр. 257

يوميء إيماءً (١). قال محمد بن مسلمة: هذا إذا كان الرعاف يضر به إذا سجد، مثل الأرمد ومثل (٢) من يضر به السجود تضرب عليه (٣) عيناه أو رأسه. وقال عبد الملك بن حبيب: إذا كان يتلطخ بالدم إذا ركع أو سجد فإنه يوميء، وليس عليه أن يركع ولا يسجد (٤) ولا يقوم ولا يقعد (٥). وإذا خرج الراعف لغسل الدم جاز له أن يبني على ما كان صلى؛ لما روي عن عبد الله بن عمر وابن عباس وسعيد بن المسيب ﵃ أنهم خرجوا في الرعاف لغسل الدم، ثم بنوا على ما صلوا (٦). وقال مالك: لو لم يكن في الرعاف إلا الرأي لرأيت أن يتكلم ويغسل الدم ثم يبتدئ؛ ولكن قد (٧) جاء في ذلك عمن يقتدى به ما قد جاء (٨). وقال أيضًا: أحب إلي أن يبتدئ.

стр. 258

ويجوز البناء للراعف إذا كان مأمومًا أو إمامًا (١)، واختلف في الفذ، فأجاز مالك ومحمد بن مسلمة أن يبني (٢). ومنعه عبد الملك بن حبيب (٣)، والأول أبين، وليس البناء لأجل فضل الجماعة. واختلف أيضًا في الموضع الذي إذا عقده من الصلاة جاز له أن يخرج وهو في حكم الصلاة، وإذا رجع فيما يكون له أن يبني عليه من تلك الركعة، فقال مالك فيمن رعف في أول ركعة أو الثانية أو الثالثة: إما أن يخرج لغسل الدم، وهو في حكم الصلاة، ويلغي كل ركعة لم تتم بسجدتيها، فإن رعف في أول ركعة بعد أن قرأ أو ركع أو سجد سجدة، فإنه يلغي ذلك ويحتسب بالإحرام. وإن رعف في الثانية بعد أن قرأ أو ركع أو سجد سجدة، ألغى جميع ذلك واحتسب بالركعة الأولى. وقال أيضًا: فإن رعف في أول ركعة قطع، فإن رعف في الثانية لم يقطع (٤). وقال ابن الماجشون مثل ذلك: إن رعف في الأولى قطع، وإن رعف في الثانية بنى على ما صلى منها.

стр. 259

وقال ابن حبيب: له أن يبني على صلاته، وإن رعف وهو مع الإمام في الأولى أو في الثانية وقد فرغ من قراءة تلك الركعة، فإذا رجع ركع، وإن لم يكن فرغ من القراءة قرأ من الموضع الذي كان انتهوا (١) إليه فأتمه (٢) ثم ركع، وإن رعف وهو راكع ثم رفع تمت له تلك الركعة، ولا يرجع حين يرجع إلى الركوع ولكنه يبدأ فيخر ساجدًا (٣). وكذلك لو رعف وهو ساجد و (٤) رفع رأسه من سجوده برعافه، فهو تمام لها، فإذا رجع للبناء لم يعد لسجودها. وإن رعف وقد تم تشهده ثم قام لرعافه فهو قيام من جلسته تلك، وإنما يرجع للقراءة. وإن رعف في مبتدأ جلسته قبل أن يتشهد رجع إلى الجلوس والتشهد. وروى ابن وهب عن مالك أنه قال: إن رعف في الأولى بعد الركوع أو بعد سجدة (٥)، فليأتنف (٦). قال: وقال قبل ذلك: لو بنى على ما بقي منها لأجزأه (٧). وهذا مثل قول ابن حبيب، وهو أبين. واختلف إذا رعف في الأولى (٨) من الجمعة قبل أن يكملها ثم أتى بعد أن

стр. 260

فرغ الإمام، فقال في "المدونة": يبتدئ الظهر أربعًا (١). وقال سحنون: يبني على إحرامه ظهرًا. وقال أشهب: استحب له أن يتكلم ويبتدئ الظهر أربعًا، وإن بنى على إحرامه أجزأه. وإن كان قد سجد سجدة فسجد أخرى وصلى ثلاثًا أجزأه. وقال أشهب في كتاب محمد فيمن فاتته الأولى من الجمعة وأدرك الثانية ثم ذكر بعد سلام الإمام سجدة: فإنه يسجدها ويأتي بركعة وتجزئه جمعته (٢). فعلى هذا تجزئ الراعف الجمعة إذا رعف في الأولى وقد بقي منها سجدة، فيأتي بسجدة وركعة وتجزئه. وإن عقد الأولى ورعف في الثانية وأتى بعد سلام الإمام، لم يحتسب بما كان عمله من قراءة أو ركوع على قوله في "المدونة"، وعلى القول الآخر له أن يحتسب به وتجزئه تلك الركعة. وإن رعف في الأولى قبل أن يستكملها، ثم أتى والإمام في الثانية وهو قادر على أن يأتي بما بقي من الأولى قبل أن يركع الإمام، احتسب بالإحرام خاصة ودخل مع الإمام في الثانية. وعلى القول الآخر يحتسب بما كان عمله ويأتي بما بقي منها ثم يركع مع الإمام ويكون مدركًا للجمعة (٣). وإذا كان للمأموم أن يحتسب بما كان عمل مع الإمام من قراءة أو ركوع أو سجود كان لم يكملها، فإن ذلك له في ثلاثة مواضع: أحدها: أن يدرك الإمام قائمًا في التي رعف فيها. والثاني: أن يدركه في الثالثة أو الرابعة وهو قادر على أن يأتي بما سبقه به

стр. 261

الإمام من ركعة قبل أن يركع التي وجده فيها. والثالث: أن يجده فرغ من صلاته وقد سلم. وأي ذلك كان فإنه لا يحول بينه وبين إتمام ركعته ما عمله إمامه بعد خروجه؛ لأنه لم يكن حينئذٍ مأمورًا باتباعه، ولا يحتسب الراعف بما عمله بعد رعافه وقبل خروجه لغسل الدم، وأجاز ذلك ابن حبيب في ثلاث (١): إذا رعف وهو راكع أو ساجد فرفع، أو جالس فقام، ورأى أن ركعته أو سجدته تتم بذلك، وإن كان جالسًا لم يرجع للجلوس (٢). وهذا يصح على القول أن الرفع ليس بفرض، وكذلك القيام؛ لأن الحركة له ليست بفرض، وأنه متى وجد قائمًا سهوًا أو غيره لم يعد إلى الجلوس ليأتي به. وقال في "المدونه": إذا رعف بعد سلام الإمام سلم وأجزأته صلاته (٣)، وإن رعف قبل سلام الإمام انصرف لغسل الدم. يريد إذا لم يسلم الإمام بالحضرة، فإن سلم الإمام (٤) قبل أن ينصرف لغسل الدم سلم وأجزأ عنه، على أصله. فاستخف سلامه بالنجاسة لوجوه: أحدها: أن السلام مختلف فيه هل هو فرض أم لا؟ والثاني: أنها كلمة واحدة من أسماء الله ، فكان قوله إياها بالنجاسة أخف من زيادته في صلاته وخروجه. والثالث: أن السلام دعاء يريد به تارة من عن يمينه أو الملائكة، إن لم يكن عن يمينه أحد، فلم يكن بمنزلة غيره مما تختص به القربة لله سبحانه.

стр. 262

فصل [في المصلي يصيبه الرعاف فيغسل الدم] وإذا غسل الراعف الدم أتمّ في موضعه إذا كان فذًا أو مأمومًا، وكان إن رجع لم يدرك شيئًا من صلاة إمامه، فإن تبين له أنه أخطأ في التقدير، وأنه كان يدركه لو رجع، أجزأته صلاته. وهو قول ابن القاسم في "المبسوط". وإن رجا أن يدركه رجع، فإن وجده قد أتم، أتم هو ولم تفسد عليه صلاته. واختلف في الجمعة إذا علم أنه لا يدركه على ثلاثة أقوال: فقال مالك (١) في "المدونة": يرجع إلى الجامع (٢). وقال المغيرة: إن حال بينه وبين الرجوع واد، فليضف إليها أخرى ثم يصلي أربعًا (٣). وقال ابن شعبان: الاختيار أن يرجع إلى أدنى موضع يصلي فيه بصلاة الإمام فيتم هناك؛ لأن الجمعة لا تكون إلا في المسجد، فإن أتم في موضعه لم أر عليه إعادة (٤). فرأى أن الرجوع إلى الجامع مع القدرة على ذلك (٥) مختلف فيه. وهذا أحسن، وإنما يجب الرجوع إلى الجامع إذا كان يأتي بشروط الجمعة، فأما إذا كان يصليها فذًا، أو (٦) لا يأتي بها على شروطها كانت صلاته

стр. 263

في موضعه أحسن. فصل [في الرعاف يعرض للمأموم] وقال مالك فيمن رعف مع الإمام في الظهر بعدما صلى معه ركعة فخرج فغسل الدم عنه، ثم جاء وقد صلى الإمام ركعتين- إنه يتبع الإمام فيما يصلي ولا يصلي ما فاته به الإمام حتى يفرغ، فإذا فرغ قام فقضى صلاة الإمام وهو غائب عنه (١). فجعله قاضيًا، فيقرأ في الأولى بأم القرآن وسورة، وفي الثانية بأم القرآن وحدها. وقد يجتمع في صلاة الراعف قضاء وبناء وذلك في ثلاث مسائل: - وهو أن تفوته الأولى ويدرك الوسطيين ويرعف في الرابعة. - أو يدرك الثانية ويرعف في باقي الصلاة - أو يدرك الثالثة ويرعف في الرابعة. فهو فيما سبقه به الإمام قاضٍ، وفيما رعف فيه بأن. واختلف بأي ذلك يبتدئ، فقال ابن القاسم في كتاب محمد: يبني ثم يقضي (٢)، وقاله ابن حبيب. وقال سحنون: يبتدئ بالقضاء (٣). فعلى القول الأول يقرأ فيما يبني بأم القرآن وحدها، وسواء كان الباقي (٤) ركعة أو ركعتين؛ لأنه إنما يكون بانيًا في الثالثة والرابعة أو في واحدة منهما لا غيرهما.

стр. 264

وإنما يفترق الجواب في الجلوس، فإن أدرك الوسطين ثم أتى بالتي رعف فيها قرأ بأم القرآن وحدها. ثم اختلف في الجلوس، فقال ابن القاسم: يجلس لأنها رابعة إمامه، وقال ابن حبيب: لا يجلس لأنها ثالثته. وهو أحسن، وليس ذلك بموضع جلوس له، وإنما كان جلوسه مع الإمام لئلا يخالفه، فإن أدرك الثانية وحدها كان بانيًا في ركعتين يجلس في الأولى منهما لأنها ثانية له، ويختلف في الأخرى حسبما تقدم، وإن أدرك الثالثة وحدها كان بانيًا في ركعة، فإذا أتى بها جلس لأنها ثانية له ورابعة إمامه، فاتفق فيها الجلوس بالوجهين جميعًا. فإذا فرغ مما رعف فيه أتى بما سبقه به الإمام وقرأ فيه بأم القرآن وسورة، وإن سبقه بركعتين أتى في كل واحدة منهما بأم القرآن وسورة. وقال ابن القاسم في "كتاب محمد" فيمن أدرك الثانية من الظهر: يأتي بركعة بأم القرآن ويجلس لأنها ثانية له ثم يأتي بركعة بأم القرآن ويجلس؛ لأنها رابعة إمامه، ثم بركعة القضاء بأم القرآن وسورة (١). وعلى قول سحنون يبتدئ بالقضاء، فإن أدرك الوسطيين كان القضاء ركعة يبتدئ فيها بأم القرآن وسورة، ثم يقوم لأنها ثالثة في الهيئة، وإن أدرك الثانية وحدها، كان القضاء ركعة أيضًا إلا أنه يجلس إذا أتى بها لأنها ثانية له، فإن أدرك الثالثة وحدها كان القضاء ركعتين، يجلس في الأولى منهما وحدها، وإذا فرغ من القضاء أتى بما رعف فيه.

стр. 265

وقال سحنون في "المجموعة" فيمن فاتته الأولى وأدرك الثانية ورعف في الثالثة وأدرك الرابعة: أنه يبتدئ بالتي سبقه بها الإمام ثم بالتي رعف فيها (١). فصل [في استدبار القبلة للراعف وكلامه حين طلب الماء] وإن استدبر الراعف القبلة لطلب الماء لم تبطل صلاته، ويطلب الماء ما لم يبعد جدًا. كان تكلم في ذهابه أو رجوعه عمدًا بطلت صلاته. واختلف إذا كان سهوًا؛ فقال ابن حبيب: إن تكلم في ذهابه أبطل صلاته، كان تكلم في رجوعه لم تفسد (٢). وفي كتاب ابن سحنون: إن تكلم قبل أن يفرغ الإمام حمل ذلك الإمام عنه (٣). وقال سحنون: إن أبطل الإمام صلاته بعد أن خرج الراعف عنه لم تبطل عليه (٤)، وإن سها الإمام لم يكن عليه هو من سهوه شيء إلا أن يرجع فيدركه في الصلاة (٥).

стр. 266

باب في المسح على الخفين المسح على الخفين جائز في السفر، واختلف عن مالك فيه في الحضر، فمنعه ثم رجع إلى إجازته، وقال في "المجموعة": إني لأقول اليوم مقالة ما قلتها قط في ملأ من الناس: قد أقام رسول الله ﷺ بالمدينة عشر سنين وأبو بكر وعمر وعثمان في خلافتهم ﵃، فذلك خمس وثلاثون سنة، فلم يرهم أحد يمسحون، وإنما جاءت الأحاديث بالقول (١)، وكتاب الله أحق أن يتبع ويعمل به. قال ابن وهب: فرأيته يكره المسح في الحضر والسفر، قال: وسمعته يقول: أما أنا فلا أمسح على الخفين (٢). وقال مالك في كتاب آخر: لم يكن ربيعة ولا محمد بن أبي الرجال يمسحان. واختلف بعد القول بالمسح على الخفين (٣) هل لذلك حد؟ قال مالك في "المدونة": ليس لذلك حد (٤). وذكر عنه أنه قال في التوقيت: للمسافر ثلاثة أيام ولياليها، وللمقيم يوم وليلة، وقد ثبتت الأحاديث عن النبي ﷺ بالمسْحِ فِي السَّفَرِ عَلَى الخُفَّيْنِ (٥)، وروي عنه في

стр. 267

كتاب مسلم والترمذي "أَنَّهُ وَقَّتَ لِلْمُسَافِرِ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَاليَها، وَللْمُقِيمِ يَوْمًا وَلَيْلَةً" (١). وقد تضمن هذا الحديث فائدتين: جواز المسح في الحضر، والتوقيت في الحضر والسفر. وهو أحسن؛ لأن الأصل الغسل والمسح رخصة، وقد اختلف في وقتها، فوجب أن تستعمل فيما اتفق عليه، ويبقى ما عداه على أصله وهو الغسل. فصل [في الاختلاف في صفة المسح] واختلف في صفة المسح، هل يبتدئ من مقدم رجله إلى مؤخرها أو من مؤخرها إلى مقدمها، أو تكون العليا من المقدم والسفلى من المؤخر؟ وكل ذلك واسع وجائز (٢)، غير أنه لا يمر اليد التي بها من تحت الرجل (٣) على شيء من وجه (٤) الرِّجل لا عقب ولا غيره، خيفة أن تكون لاقت نجاسة في أسفل الخف فيمر بها على موضع لم تدع الضرورة إليه فيه، وهو وجه الخف. وإذا مسح اليمنى لم يمسح اليسرى حتى يغسل اليد التي مر بها من تحت الخف (٥).

стр. 268

وقال مالك: ولا يتبع الغضون -وهو الكسر الذي على ظهر القدمين-، وإن كان في أسفل الخف طين مسحه حتى يصل الماء إلى الخفين. واختلف فيمن اقتصر على أعلى الخف أو أسفله، فقيل: إن اقتصر على أسفله لم يجزه وأعاد أبدًا، كان اقتصر على الأعلى أعاد في الوقت. وقال ابن نافع: إن اقتصر على الأعلى لم يجزه وأعاد أبدًا، وروى ابن عبد الحكم (١) عن أشهب أنه يجزئه (٢)، وإن اقتصر على الأسفل. وقاسه على مسح الرأس إذا مسح الثلث. وقول ابن نافع في ذلك أحسن؛ لأن المسح بدل من الغسل فيبلغ به حيث يبلغ بالغسل إلى الكعبين، وفي الترمذي: "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَسَحَ الأَعْلَى وَالأَسْفَلَ" (٣).

стр. 269

فصل [في الجرموق والخف وشروط المسح عليهما] واختلف في المسح على الجُرْموقين (١) وعلى الخف إذا لبسه على خف، ولم يكن مسح على الأسفل، فقال ابن القاسم: قال مالك في الجُرْموقين أسفلهما جلد مخروز وظاهرهما جلد مخروز: يمسح عليهما، ثم رجع فقال: لا يمسح عليهما (٢). وقال ابن حبيب: هما الخفان الغليظان لا ساقين لهما (٣). وهذا خلف قول ابن القاسم أنه شيء يعمل من غير جلد، ويعمل عليه جلد (٤). وقال أبو محمد عبد الوهاب: في الجوربين عليهما جلد مخروز اختلاف، فوجه المنع لأنهما دون الخف في متابعة المشي وفي خفة النزع (٥). وعلى ما قاله ابن حبيب: إنهما الخفان لا ساقين لهما، ولا يقاس على الخف إلا ما كان مثله في جميع وجوهه.

стр. 270

ووجه الإجازة: أن الخفاف ليست سواء؛ فقد يكون الخف ضيقًا (١) لا يداوم فيهما (٢) مشي، أو واسعًا يسهل نزعهما (٣)، ولا يكون ذلك مما يمنع المسح عليه. والمسح على الخفين يصح بأربعة شروط: أحدها: أن يكون لباسه إياهما وهو كامل الطهارة. والثاني: أن يكون لباسه على العادة؛ ليس ليخفف عن نفسه غسل رجليه إذا انتقضت طهارته. والثالث: أن يكون متوضئًا لا متيممًا. والرابع: أن تكون طهارته الآن للوضوء لا للغسل عن جنابة ولا غيرها. فهذه جملة متفق عليها. والأصل في منع المسح إذا لبسهما وهو محدث: حديث المغيرة قال: كنت مع رسول الله ﷺ في سفر، فأهويت لأنزع خفيه فقال: "دَعْهُمَا فَإِنِّي أَدْخَلْتُهُمَا طَاهِرَتَيْنِ". فمسح عليهما. أخرجه البخاري ومسلم (٤). واختلف فيمن توضأ فلما غسل رجله اليمنى أدخلها في الخف، ثم غسل اليسرى فأدخلها، فقال مطرف: يمسح عليهما (٥). وقال سحنون: لا يمسح (٦).

стр. 271

واختلف أيضًا إذا نكس وضوءه وبدأ بغسل رجليه ثم لبس خفيه ثم كمل وضوءه، فقال مالك في "العتبية": لا يفعل، فإن فعل فلا شيء عليه (١). وعلى قول سحنون لا يجزئه المسح. والقول بالإجزاء في جميع ذلك أحسن؛ لقول النبي ﷺ : "دَعْهُما فَإِنِّي أَدْخَلْتُهُمَا طَاهِرَتَيْنِ"، فدخل بهذا في عموم الحديث. وإن نزع اليمنى في السؤال الأول ثم أعادها أو نزعهما جميعًا في السؤال الآخر ثم أعادهما، جاز المسح قولًا واحدًا. واختلف فيمن كان على طهارة فقال: ألبس خفي كيما أمسح عليهما إذا انتقضت طهارتي، أو فعلت ذلك امرأة وقد خضبت رجليها بالحناء كيما تمسح عليها إذا انتقض وضوؤها، فقال في "المدونه": لا خير في ذلك (٢). وقال سحنون: على من فعل ذلك وصلى أن يعيد (٣). وقال مالك في كتاب ابن حبيب: يعيد وإن ذهب الوقت. ورأى أن الرخصة إنما جاءت فيمن لبسه للحاجة إلى لباسه، ليس ليخفف عن نفسه تلك العبادة. وقال عبد الملك بن الماجشون في "ثمانية أبي زيد": لا إعادة في ذلك. واختلف فيمن تيمم ولبس خفيه قبل الصلاة ثم وجد الماء، فقيل: لا يمسح عليهما، وقال أصبغ: يمسح عليهما (٤). وجعل التيمم يرفع حكم الحدث

стр. 272

ويصير به في حكم من أدخلهما طاهرتين. واختلف عن مالك فيمن لبس خفًا على خف ولم يمسح على الأسفل منهما، هل يمسح على الأعلى؟ فأجاز ذلك مرة، ومنعه أخرى وقال (١): إلا أن ينزع الأعلى ويمسح على الأسفل (٢). وإن لبس الأسفل على طهارة ثم أحدث فتوضأ ومسح عليه، ثم لبس الآخر ثم انتقضت طهارته، جاز له أن يمسح على الأعلى قولًا واحدًا (٣). ومن مسح على خفيه ثم نزعهما غسل رجليه بالحضرة ولم يستأنف وضوءه (٤)، وإن نزع خفًا نزع الآخر وغسلهما. ولم يجتمع عنده أن تكون إحدى رجليه غسلًا والأخرى مسحًا، ولو لم ينزع الآخر لم أر عليه الإعادة (٥).

стр. 273

باب في التيمم وصفته التيمم واجب عند عدم الماء بالقرآن والسنة والإجماع. وفصول التيمم سبعة: فالأول: صفة التيمم والأعضاء التي تيمم. والثاني: ما يتمم به. والثالث: الأعذار التي تبيح التيمم. والرابع: هل يتيمم للحدث الأصغر دون الجنابة أو لهما جميعًا؟. والخامس: هل يتيمم للسنن والنوافل؟. والسادس: هل يصلي بتيمم واحد صلوات؟. والسابع: الأوقات التي يتيمم فيها. فصل [فيما ييمم من الأعضاء وصفة التيمم] التيمم في عضوين: الوجه واليدين دون ما سواهما من أعضاء الوضوء. والأصل في ذلك قول الله سبحانه: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ [المائدة: ٦]. وصفة التيمم عن الوضوء والجنابة في ذلك سواء، فأمّا الوجه فيمسح جميعه، ويبلغ به حيث يبلغ بوضوئه (١) بالماء. واختلف في اليدين في أربعة مواضع: في تجديد التيمم لهما بعد الوجه، وفي مبلغ التيمم منهما، وفي صفة مرور اليد، وفي تخليل الأصابع:

стр. 274

فأما تجديد التيمم فاختلف فيه على أربعة أقوال: فقال مالك في "المدونة": يستأنف لهما التيمم (١). وقال في كتاب محمد: إن لم يفعل وتيمم بضربة واحدة أجزأه ولم يعد (٢). وقال ابن حبيب: يعيد ما لم يخرج الوقت، وقال ابن نافع: يعيد وإن خرج الوقت (٣). وقال ابن الجهم: يتيمم بضربة واحدة، لقوله سبحانه: ﴿فَتَيَمَّمُوا﴾، معناه: فاقصدوا، فكان القصد مرة؛ إذ لم يذكر مرتين. وهذا أبين؛ لظاهر القرآن، ولحديث عمار ﵁ قال: "قال رسول الله ﷺ لمَّا أَجْنَبَ وَتَمَرَّغَ فِي التُّرَابِ: "أَمَا كانَ يَكْفِيكَ هَكَذَا" فَضَرَبَ النَّبِيُّ ﷺ بِكَفَّيْهِ الأَرْضَ، وَنَفَخَ فِيهِما ثُمَّ مَسَحَ بِهَما وَجْهَهُ وَكَفَّيْهِ". أخرجه البخاري ومسلم (٤). وقد تتوجَّه المسألة على وجهين: - فعلى القول بجواز التيمم على الصفا وما لا يعلق باليد يتيمم بضربة واحدة. - وعلى القول أنه لا يتيمم إلا بالتراب تجزئه ضربة واحدة إذا بقي في اليدين بعد الوجه ما يعم به اليدين، وإن بقي ما لا يعم به استأنف الضرب.

стр. 275

واختلف في مبلغ التيمم من اليدين، فقال مالك في "المدونة": يتيمم إلى المرفقين، فإن تيمم إلى الكوعين أعاد في الوقت (١). وقال ابن نافع في "كتاب ابن سحنون (٢) ": يعيد أبدًا (٣). وذكر ابن الجهم، وأبو الفرج عن مالك أن الفرض إلى الكوعين، ويستحب ذلك إلى المرفقين (٤). والقول الآخر (٥) أحوط لمعارضة عمر لعمار في نفس (٦) الحديث، وإذا رُجِعَ في المسألة إلى القياس كان حمل الآية في التيمم على الوضوء أولى من حملها على آية القطع (٧)؛ لكونهما طهارة تستباح بهما الصلاة، وإذا كانت آيتان مقيدتين

стр. 276

وثالثة مطلقة كان رد المطلقة إلى المقيدة من جنسها أولى من ردها إلى ما ليس من جنسها. وقال ابن شهاب: يتيمم إلى المنكبين (١). وذكر الداودي عن بعض أهل العلم أنه قال: الفرض إلى الكوعين، وإلى المرفقين سنة، وإلى المنكبين فضيلة. وأما صفة تيمم اليدين فقال مالك في "المدونة": يبدأ باليسرى على اليمنى فيمرها من فوق الكفين (٢) إلى المرفقين، ويمرها أيضًا من باطن المرفقين إلى الكوعين، ويمر اليمنى على اليسرى مثل ذلك (٣). يريد: ثم يمسح الكفين بعضهما ببعض. وقال محمد بن عبد الحكم: ليس في ذلك حد. وأراهم التيمم ومسح (٤) بطون (٥) الكفين ومسح الذراعين على نحو الغسل في الوضوء، وقال: لا فرق بينهما. وقول مالك أحوط وأعم بالتراب، وإن فعل على الصفة الأخرى أجزأه إذا أبقى في يديه من التراب ما يعم به. وأما على القول أنه يتيمم بالصفا فلا يبالي ما فعل. ويختلف في تيمم ما تحت الخاتم وفي تخليل الأصابع، فقال محمد بن عبد

стр. 277

الحكم: ينزع الخاتم ثم يتيمم. وقال ابن شعبان: يخلل المتوضئ أصابع يديه: قال: وهو في التيمم أقوى سبيلًا؛ لأن الماء يبلغ ما لا يبلغ التراب (١). وقال محمد بن مسلمة: ليس ينبغي لأحد أن يتعمد ترك شيء من العضو الذي يمسح في التيمم ولا في الوضوء، فإن ترك القليل من ذلك أجزأه؛ لأن المسح لا يعم العضو ولا بد أن يبقى بعضه. فعلى هذا القول يصح تيممه وإن لم ينزع (٢) الخاتم أو لم يخلل الأصابع. فصل [في أقسام المتيمم به من الأرض] المتيمم به من الأرض على ثلاثة أقسام: جائز: وهو التيمم بالتراب الطاهر، وهو إذا كان على الأرض ولم ينقل عنها، كانت تلك الأرض من الجنس المعهود غالبًا أو على غير ذلك، كالكبريت والزرنيخ ومعدن الحديد والنحاس والرصاص وما أشبه ذلك. وممنوع وهو: التيمم بالتراب النجس، لقول الله سبحانه: ﴿صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ والطيِّب ها هنا: الطاهر، وبما لا يقع به التواضع لله، كالزبرجد والياقوت وتبر الذهب، ونقار الفضة وما أشبهه، فهذا وإن كان أحد أبعاض الأرض لا يصح التيمم به، ولو أدركته الصلاة وهو في معدنه ولم يجد سواه جاز أن يتيمم على تلك الأرض.

стр. 278

ومختلف فيه: وهو التيمم بالتراب إذا لم يكن على الأرض، والتيمم بالأرض إذا كانت صفا لا تراب عليها، كالجبل والصخور والرمل الغليظ؛ وما له حرمة الطعام، كالملح. وما يكون على الأرض وليس من جنسها، كالخشب والحشيش. وشاركه في هذا الوجه الملح الذي ليس بمعدني، أو صعد عليها وليس منها؛ كالثلج والجليد والبرد والماء الجامد (١)، فأجاز ابن القاسم في "كتاب محمد" أن يؤتى المريض بالتراب ليتيمم به (٢)، ومنعه ابن بُكير (٣) واحتج بقوله ﷺ : "جُعِلَتْ لِيَ الأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا" (٤)، قال: ولا يكون ذلك إلا بمباشرة الأكف الأرض. والأول أصوب؛ للحديث المتقدم أن النبي ﷺ تيمم على جدار (٥)؛ ولأن المعنى المقصود من الأرض موجود فيما نقل عنها. ومثله لو أتي المريض بصخرة على قول (٦) من قال: إن التيمم بالصفا يجوز،

стр. 279

ولم يجز على قول ابن بكير. ولا يختلف المذهب أن البداءة بالتراب أولى. وهو ظاهر "المدونة" في قوله: يتيمم على الحصباء (١) والجبل إذا لم يجد المدر (٢). ولا يختلف أيضًا أنه يجوز التيمم بما لا تراب عليه عند عدم التراب. واختلف في جواز التيمم به مع وجود التراب فقيل: ذلك جائز، وقيل: لا يجوز. وقال القاضي أبو الحسن علي بن القصار: الصعيد (٣) عند مالك: الأرض (٤). يريد: كان عليها تراب أم لا. وقال عبد الملك بن حبيب: الصعيد: التراب (٥). فمن تيمم على الحصباء أو الجبل ولا تراب عليه وهو يجد ترابًا- أساء، ويعيد ما دام في الوقت، وإن كان غير واجد للتراب فلا إعادة عليه. وقال ابن شعبان: لا يتيمم على رمل لا تراب فيمع ولا على حجر قد سقط ترابه (٦). وفي "المبسوط": سئل مالك عن التيمم على الحجارة أو الثلج أو الماء الجامد إذا لم يجد الصعيد، فقال: لا بأس به (٧)، قال: وإذا وجد الصعيد فأحب إلي أن يتيمم به. وهذا مثل قول ابن حبيب لأنه قال: فإذا وجد الصعيد، ولم يجعل

стр. 280

الأول (١) صعيدًا. واختلف أهل اللغة في ذلك فقال بعضهم: الصعيد وجه الأرض، وقال ابن فارس في "مجمل اللغة": الصعيد: التراب. وقال في كتاب الخليل: تيمم بالصعيد، أي: خُذ من غباره (٢). وفي كتاب مسلم: قال النبي ﷺ : "جُعِلَتْ لِيَ الأَرْضُ مَسْجِدًا، وَجُعِلَتْ تُرْبَتُهَا لِي طَهُورًا" (٣). واحتج من نصر هذا القول أن القرآن نزل على الغالب من الماء وهو المطلق، وعلى الغالب (٤) من الأرض دون النادر، والغالب من الأرض التراب، ولا يكاد يعدم ذلك إلا نادرًا. ولا يتيمم على المصنوع من الأرض كالآجر والجص والجير بعد حرقه، فإن فعل مع القدرة على غير مصنوع من الأرض (٥) أعاد في الوقت وبعده (٦). وإن تيمم عليه مع عدم غيره أجزأه؛ لأنه قد كان له أن يصلي على أحد الأقوال بغير تيمم. واختلف الناس في التيمم بالملح فأُجيز ومنع، وقيل: يجوز بالمعدني ولا يجوز بغيره، وأجازه القاضي أبو الحسن علي بن القصار جملة من غير تفصيل

стр. 281

لمعدني (١) ولا غيره (٢). قال الشيخ (٣): والذي أختاره الوقوف عن التيمم به؛ لأنه طعام يحرم فيه التفاضل، ويمنع من بيعه قبل أن يستوفَى، وهو في غير المعدني أبين؛ لأنه ماء جامد خارج عن الصعيد، ولا خلف أن حكمه في الاستجمار به غير حكم الصعيد، وقد يفرق بين حكم التيمم والاستجمار لملاقاته النجاسة. ويجوز التيمم بتراب السباخ إذا لم يصر ملحًا قولًا واحدًا. واختلف عن مالك في التيمم بالثلج، فأجازه في الكتاب (٤)، ومنعه في مدونة أشهب (٥) وإن لم يجد ترابًا، وهو عنده كالعدم. وقال عبد الملك بن حبيب: من تيمم به وصلى وهو قادر على الصعيد أعاد وإن ذهب الوقت، وإن كان غير قادر أعاد ما لم يذهب الوقت (٦). ويختلف في الماء الجامد والجليد قياسًا على الثلج، وأجاز القاضي أبو الحسن ابن القصار التيمم على الحشيش (٧)، وأجاز في "مختصر الوقار" التيمم على الخشب. وأرى أن يعيد من تيمم بشيء من ذلك وإن ذهب الوقت، وإن لم يجد سواه تيمم به وصلى وذلك أولى من صلاته بغير تيمم؛ لأنه لم يبق إلا التيمم أو يدع الصلاة، أو يصلي بغير تيمم على القول الآخر، وصلاته بمختلف فيه أولى وأحوط من تركه الصلاة (٨).

стр. 282

فصل [فيمن يباح له التيمم] أباح الله في كتابه التيمم لرجلين: مريض مقيم، وصحيح مسافر، وللمريض خمسة أحوال يجوز له التيمم فيها: وهو أن يعدم الماء، أو يجده ويعدم من يناوله إياه، أو يجد من يناوله ويخاف متى استعمله (١) موتًا أو زيادة مرض أو تأخر بُرْءٍ. والأصل في هذين إذا خاف زيادة مرض أو تأخر برء قول الله : ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨]، وقوله : ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]، ولأنها حالة تبيح الفطر للصائم وإن كان يتأخر الأداء (٢) إلى زمان آخر فكان التيمم أجوز، وإذ جاز التيمم مع وجود الماء إذا أغلى (٣) عليه في الثمن، كان لما يلحقه من الضرر في الجسم أبين، وهذا القسم إذا خشي الموت أو دخول علة يستوي فيها المريض والصحيح والمقيم والمسافر. فصل [في تيمم المسافر ومتى يصح ؟] التيمم للمسافر يصح عند عدم الماء، ومع وجوده إذا كان يخاف موتًا أو مرضًا ينزل به أو حمى أو سباعًا أو لصوصًا حالت بينه وبين الماء، أو كان معه من هو غير مأمون متى فارق رحله ذهب به، أو كان معه من الماء قدر شربه وهو يخاف العطش، وإن استسقاه غيره وخاف عليه كان عليه أن يسقيه إياه

стр. 283

ويتيمم. وهو قول ابن القاسم في "العتبية" (١). وإذا وجد الماء بثمن، وكان قليل الدراهم جاز له التيمم، وإن كان موسعًا عليه كان عليه أن يشتريه ما لم يَغْلُ عليه في الثمن. ورَوى عنه أشهب في سماعه أنه قال: يشتريه بثمن مثله. قيل له: لو وجد قربة بعشرة دراهم وهو ذو دراهم كثيرة؟ فقال: ما هذا على الناس، إنما عليه أن يشتريه بالثمن المعروف في ذلك الموضع (٢). وقال أبو القاسم ابن الجلاب: يحتمل أن يحدّ غلاؤه بالثلث (٣) زائدًا (٤)، يريد: فإذا بلغ ذلك جاز له التيمم. وأرى أن ينظر إلى ثمنه بذلك الموضع، فإن كان رخيصًا كان عليه أن يشتريه، وإن زيد في ثمنه مثله أو مثلاه، مثل أن يكون ثمنه بذلك الموضع الدرهم والدرهمين- فلا مضرة في شرائه بثلاثة وأربعة؛ لأن جميع ذلك لا خطب له، والصلاة أولى ما احتيط لها، وقد يكون ثمنه بذلك الموضع غاليًا، فتكون الزيادة الكثيرة مع (٥) الثمن الأقل (٦) مما يضر (٧) به.

стр. 284

فصل [في تيمم الصحيح المقيم] ويصح التيمم للصحيح المقيم وهم ثلاثة: - من يخاف على نفسه متى استعمل الماء، وقد تقدم ذكره. - ومسجون. - ومن ضاق عليه الوقت. فإن لم يتيمم خرج الوقت. فيجوز التيمم للمسجون لأنه كالمريض الذي لا يقدر على استعمال الماء ويمنعه المرض من تناوله، والسجن والمرض يمنعان من الطلب (١). ومثله إذا كان الماء موجودًا وهو مربوط، أو غير مربوط والماء في بئر وعدم الآلة التي ينتزع بها (٢). واختلف إذا لم يكن مسجونًا وهو في ضيق من الوقت، فإن طلب الماء خرج الوقت- على ثلاثة أقوال: - فأجاز له مالك أن يتيمم ويصلي ولا إعادة عليه وإن وجد الماء في الوقت. - وقال أيضًا: يعيد الصلاة إن وجد الماء في الوقت. - وقال في "كتاب محمد": يطلب الماء وإن خرج الوقت (٣). ولم ير له أن يتيمم؛ لأن القرآن ورد في التيمم للمقيم بشرط المرض. والقول الأول أحسن؛ لأن المعنى الذي جاز به التيمم للمسافر وإن كان صحيحًا وللمريض المقيم- إذا عدم الماء في الوقت لئلا يخرج الوقت عنه وهو

стр. 285

بغير صلاة ولا مُؤد لتلك العبادة. وإن كانا قادرين على استعمال الماء بعد ذهاب الوقت، فقدم الله سبحانه فضيلة الوقت على فضيلة الطهارة بالماء. وهذا المعنى موجود في الحاضر الصحيح، وإنما خصّ الله المريض المقيم والصحيح المسافر دون الحاضر الصحيح؛ لأن الغالب عدم الماء لمثلهما، وليس ينزل ذلك بالصحيح الحاضر إلا نادرًا، فإذا نزل به مثل ذلك ألحق في الحكم بهما. ثم لا يخلو الصحيح المقيم من أربعة أحوال: إما أن يكون عادمًا للماء فإن طلبه في طرف المدينة خرج الوقت، أو واجدًا للماء عادمًا للآلة التي ينزعه بها، أو واجدًا للالة فإن تشاغل بانتزاعه واستعماله خرج الوقت، أو كان في إناء فإن توضأ به (١) خرج الوقت (٢). وقد تقدم الكلام على عادم الماء، وعادم الآلة التي يتناول بها مثله، أنه يدخل في جملة من لا يجد، ولا فرق بين عدم القدرة على أداء الصلاة والطهارة في الوقت للاشتغال بطلب الماء أو بطلب الآلة. وأما إذا كانت الآلة موجودة وكان فوت الوقت لاشتغاله بنزع الماء واستعماله، أو لاستعماله من الإناء خاصة، فلا يقع (٣) عليهما اسم العدم، ولا أنهما (٤) غير واجدين، إلا أنهما يتساويان في أنهما متى اشتغلا بشيء من سبب الطهارة بالماء خرج الوقت، وقد استقرئ من كتاب الله فضيلة الوقت على فضيلة الطهارة بالماء، فلم يفترق أن يكون ذلك لسبب الماء أو لسبب استعماله، وهذان الوجهان يشترك فيهما المقيم والمسافر، وقد قال مالك في "المدونة" في الذي يأتي البئر آخر الوقت فإن نزع الماء بالرِّشاء (٥) وتوضأ خرج الوقت:
следующие страницы →