← Фикх малики

Фикх малики · id 14591

التبصرة للخمي

اللخمي، أبو الحسن

Полный текст (6 502 стр.). Показаны 3116–3155 · переход к 3121.

стр. 3116

باب في الشركة والتولية في الطعام قال سحنون: أخبرني ابن القاسم عن سليمان بن بلال، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن، عن سعيد بن المسيب، عن النبي ﷺ أنه قال: "مَنِ ابْتَاعَ طَعَامًا فَلاَ يَبِعْهُ حَتَّى يَسْتَوْفِيَهُ، إِلا مَا كَانَ مِنْ إِقَالَةٍ أَو شِرْكٍ أَو تَوْليَةٍ" (١). وقال مالك: أجمع (٢) أهل العلم على أن لا بأس بالإقالة والشركة والتولية (٣). وذكر أبو الفرج عن مالك أنه منع الشركة. ووافق الشافعي وأبو حنيفة في الإقالة وحدها؛ لأنها عندهما حل بيع. واختلف فيمن اشترى طعاما بثمن إلى أجل ثم أشرك فيه قبل أن يكتاله: فقال مالك في المدونة: لا بأس بذلك (٤)، وعلى قوله تجوز التولية. وقال ابن القاسم في كتاب محمد: لا يحل أن يولي حتى يقبضه (٥). قال أشهب: لا يصلح فيه إلا الإقالة وحدها، قال: وهو بمنزلة من وجب له طعام من إجارة أو اشتراه بعرض فلا يصلح فيه إلا الإقالة فقط ما لم يفت العرض، أو يعمل الأجير، فلا تصلح إقالة ولا غيرها (٦).

стр. 3117

واحتج ابن حبيب في منع الشركة والتولية باختلاف الذمم، قال: فليس ذمته وذمة الذي أشرك أو ولي سواء، يكون أحدهما أملى أو أعدم ولا يمكن أن يكون الاستيفاء منهم واحدا (١). وإن اشترى طعاما غائبا قريب الغيبة واشترط النقد جاز فيه الشرك والتولية، وإن كان بعيد الغيبة مما لا يجوز النقد فيه واشتراه على ألا ينقد إلا بعد قبضه جاز فيه الشرك والتولية على قول مالك، ولم يجز على القول الآخر؛ لأن الذمم تختلف، فأشبه من اشترى بثمن إلى أجل. ويختلف في الإقالة هل تجوز؛ لأن الذمم تبرأ من الآن، أو لا تجوز؛ لأنه يأخذ طعاما غائبا (٢) عن دين، فيدخله فسخ دين في دين، وبيع الطعام قبل قبضه. فصل [في اشتراط المعاوضة في الشركة والتولية والإقالة في الطعام] قال محمد: وإن أشركته في طعام ابتعته على أن أشركك في طعام ابتاعه، أو قال: أوليك على أن توليني، أو أشركك على أن توليني، أو أقيلك على أن تقيلني، أو تشركني أو توليني، لم يجز (٣)؛ لأنهما خرجا بذلك عن المعروف إلى المكايسة والمبايعة ودخلا في النهي عن بيع الطعام قبل قبضه.

стр. 3118

فإن قال: أشركني وأشركك، وكان رأس المال سواء، كان محمل شركتهم بيع أحد الطعامين بالآخر، وذلك جائز؛ لأن الثمن لغو لا يخرجه واحد منهما. وإن كان رأس مال أحدهما دنانير والآخر دراهم، أو عينًا والآخر عرضًا - فسدت الشركة؛ لأنها خرجت عن وجه المعروف لما شرط أحدهما بيع الطعام بالآخر (١). وإن قال: أقيلك على أن تقيلني، جاز إن تساوت رؤوس الأموال؛ لأن مآل أمرهما إلى (٢) بيع أحد الطعامين بالآخر؛ لأنه لا يخرج أحدهما للآخر شيئًا، وإن اختلف رأس المال أو استوى واختلف الطعامان، لم يجز. وإن قبض المشتري بعض الطعام جاز تولية ما قبض، والشرك فيه، ولا يجوز أن يولي ما قبض وما لم يقبض، ولا أن يشرك فيهما. واختلف هل يولي ما لم يقبض وحده؟ فمنعه ابن القاسم في كتاب محمد، وأجازه ابن حبيب (٣). وقال محمد فيمن أسلم في طعام فقبض بعضه، فأعسر بما بقي فأقاله منه: لم يجز ذلك في طعام ولا عرض، ويدخله بيع الطعام قبل قبضه مع البيع والسلف (٤). لأنه لما قبض بعضه صار لما قبض منفعة، فكانت (٥) إقالة بمنفعة، قال: فإن رد المقتضي ما اقتضى وأقاله من الجميع لم يجز، وهو بيع الطعام قبل قبضه؛ لأن ما اقتضى صار مالًا من ماله، فلم يقِله مما بقي حتى ولاه قمحه

стр. 3119

الذي اكتاله. قال محمد: إلا أن يكون الذي قبض يسيرًا مثل خمسة من المائة، وإن قبض عشرة من المائة فأرجو أن يكون خفيفًا (١). فصل [فيمن اشترى سلعة ثم سأله آخر أن يشركه فيها] وقال ابن القاسم في رجلين اشتريا عبدًا، فقال لهما رجل: أشركاني فيه، ففعلا، قال: له ثلث العبد؛ لأنهما إنما أرادا أن يكون فيه كأحدهما (٢). فجعل له الثلث؛ لأن ذلك القصد عنده، ولو كان المشتري واحدًا، كان له النصف على قوله، وأصله في الشرك عنده أنه لا يقع على جزء معلوم. وقد قال فيمن أعطى رجلًا مالًا قِراضًا على أن له شركًا من الربح إنه فاسد (٣). لأن قوله: "شرك" لا يتضمن جزءًا معلومًا، وقال غيره: هو جائز، وله النصف (٤). فإذا كان ذلك عند ابن القاسم لا يقع على جزء معلوم، كان القول قولهما فيما دون ذلك. وفي كتاب ابن سحنون فيمن قال لفلان في هذا العبد شرك معي، أو لم

стр. 3120

يقل معي، ثم قال: وهو العشر، كان القول قوله، وصل الكلام أو لم يصله؛ لأن الشرك يقل ويكثر، وكذلك الدار (١). قال ابن سحنون: وقال بعض أصحابنا: له النصف، وفرق بعضهم فقال: إن قال: معي صُدّق، وإن لم يقل: معي، لم يُصدّق، وأجمعوا أنه إذا وصل كلامه بقوله: له (٢) شرك الثلث أنه (٣) يصدّق (٤). وإن قال: هذا العبد لي ولفلان، أو بيني وبينه، ثم سكت، فيسأل بعد ذلك، فقال: له الثلث أو السدس، وقال الآخر: النصف، فذكر الخلاف المتقدم، قال: ولو قال له معي فيه حق لصدق فيما يقر به (٥). وقال الشيخ ﵀: قوله له فيه شرك معي، أو لم يقل معي (٦)، أو هو بيني وبينه، أو له فيه حق، كل ذلك سواء، وهذه الألفاظ لا تتضمن المساواة، ويصح أن يؤتى بها مع اختلاف الأجزاء. وإذا كان ذلك، كان القول قول المقر أنه أراد ذلك، فإن خالفه الآخر، أخذ ما أقر له به، وتحالفا في الجزء الذي اختلفا فيه على أصل ابن القاسم، فكان ذلك الجزء بينهما نصفين، فإن قال المقر: له الربع، وقال الآخر: النصف، أخذ الربع بإقراره، وتحالفا في الربع، وكان بينهما؛ لأن الإقرار بالربع إقرار منه بأن يد الآخر معه على ذلك العبد وإن كان في بيت المقر.

стр. 3121

ولو كان الإقرار بطعام أو بدراهم وقال: كانت الشركة في نصفه، وهو الذي قبضت وأضفت إليه نصفًا، كان القول قول المقر، وإن قال: كانت أيدينا على جميع هذا (١) الطعام إلا أن الذي لك الربع، لم يقبل قوله، وقيل له: سلّم الربع واقتسما الربع بعد أيمانكما.

стр. 3122

باب فيمن اشترى سلعة فأشرك فيها رجلًا على أن ينقد عنه أو ينقد هو عن المشرك وقال ابن القاسم فيمن اشترى سلعة، ثم سأله رجل أن يشركه فيها فقال: أشركك على أن تنقد عني، لم يجز، وهو بيع وسلف (١). فإن نزل فسخ، إلا أن يسقط السلف، فإن كان السلف من المشتري، فقال: اشتر وأشركني وانقد عني، أو قال: اشتر وأشركني ثم بعد انعقاد الشراء قال: انقد عني، جاز ذلك في كل شيء الصرف والطعام والعروض، وبيع النقد والأجل؛ لأن الشراء انعقد عليهما جميعًا. ولو اشترى لنفسه فبعد أن عقد البيع قال: أشركني وانقد عني، أو قال: أشركني، فلما أشركه، قال: انقد عني، لم يجز في الصرف، وجاز في العروض إذا لم يكن سلمًا في الذمة، وسواء أشركه بشرط النقد أو تَطَوَّعَ بالنقد بعد أن أشركه. فإن كان سلمًا في الذمة فأشركه على أن ينقد عنه، لم يجز، وإن أشركه بغير شرط ثم رضي أن ينقد عنه جاز. وجعل الجواب في الطعام على ثلاثة أوجه: معينًا حاضرًا، أو معينًا غائبًا، أو (٢) سلمًا في الذمة. فإن كان حاضرًا، لم يجز أن يشركه على أن ينقد عنه، وإن أشركه بغير شرط ثم قال: انقد عني، ولم يكن الأول نقد، جاز، وإن كان قد (٣) نقد لم يجز.

стр. 3123

وقال ابن القاسم أيضًا: لا بأس إذا سأله بعد أن ينقد عنه (١). ولم يراع نقد الأول أو لم ينقد. وإن كان الطعام سلمًا في الذمة لم تجز الشركة إلا أن ينقد بالحضرة، قال ابن القاسم مثل الصرف حرفًا بحرف. يريد أنه لا يجوز أن ينقد الأول بشرط ولا بتطوع. قال: وإن كان الطعام غائبًا لم يجز فيه شرك ولا تولية وإن كان معينًا؛ لأنه يصير دينًا بدين (٢). قال محمد: إلا أن ينقد حصته قبل أن يفترقا (٣). والجواب في الصرف صحيح؛ لأن الشركة في جميع هذه الوجوه كبيع مبتدأ، فلا يجوز أن يتطوع بالصبر في الصرف، كما لا يجوز إن كانت مصارفة من غير شركة. وأما العروض تكون سلمًا في الذمة، فمحمل قوله في منع الشركة بشرط النقد على (٤) القول في التولية أنها لا تجوز إلا أن ينقد (٥)، ويجوز على القول الآخر أن ينقد بعد (٦) اليومين والثلاثة، كتأخير رأس مال السلم. ومنع الشركة في الطعام الحاضر بشرط النقد؛ لأنهما خرجا عن وجه المعروف (٧)، وإن كانت بغير شرط، صحت، ثم كان تطوعه بالنقد معروفًا أيضًا، ومنعه في القول الآخر، خيفة أن يكونا عَمِلا على ذلك (٨).

стр. 3124

باب في بيع زراريع ما يكون منه طعام وبيع التوابل قبل أن تستوفى قال مالك: لا بأس ببيع زريعة الفجل الأبيض الذي يؤكل وزريعة الجزر، والسِّلق، والكراث قبل أن تستوفى، وكذلك كل زريعة لا تراد للأكل وإنما يزرع منها ما يؤكل، وإن كان (١) تراد للأكل في نفسها، لم تبع قبل أن تستوفى إلا أن يكون ذلك نادرًا (٢). واختلف قول مالك في التوابل: الكزبر، والقرنباذ (٣)، والفلفل وما أشبه ذلك، فقال في المدونة: لا يباع قبل أن يستوفى (٤). وأجاز ذلك في مختصر ما ليس في المختصر (٥).

стр. 3125

باب في بيع الطعام قبل قبضه قال النبي ﷺ : "مَنِ ابْتَاعَ طَعَامًا فَلاَ يَبِعْهُ حَتَّى يَسْتَوْفِيَهُ" اجتمع (١) عليه الموطأ، والبخاري ومسلم (٢)، فبيع الطعام قبل قبضه يمنع بثلاثة شروط: أن يكون من بيع على كيل، أو وزن، أو عدد مما يحرم التفاضل فيه، واختلف إذا كان مما يجوز التفاضل فيه، وإذا كان في ضمان البائع على غير كيل. فأما ما يجوز فيه التفاضل فالمعروف من قول مالك المنع، لعموم الحديث: "مَنِ ابْتَاعَ طَعَامًا"، ولم يفرق. وروى عنه ابن وهب أنه قال: ما (٣) لا ربا فيه يجوز بيعه قبل قبضه (٤). وقال في كتاب محمد فيمن اشترى تينًا وزنًا ثم قال: زن لي بنصفه عنبًا أو بطيخًا، ونصفه تينًا: أرجو أن يكون خفيفا، لا بأس به، وقال محمد: لا خير فيه (٥). ومحمل قول مالك في التين على (٦) أنه مما لا يدخر كالشتوي أو صنف يدخر عُجِّلَ جناه في وقت لا يدخر، وهذه المسألة أصل في جواز التفاضل فيما أصله الادخار إذا كان هذا في نفسه لا يدخر، وكأنه حمل الحديث على ما كان غالبًا أنهم يتبايعونه ويسلمون فيه، وهو التمر، وقاس عليه جميع المدخرات.

стр. 3126

واختلف في الجزاف إذا كان في ضمان بائعه: فقال ابن القاسم في كتاب محمد فيمن ابتاع لبن غنم بأعيانها شهرًا بغير كيل: لا يبعه حتى يحتلبه (١). وأجازه أشهب (٢). وقال مالك في العتبية (٣) فيمن اشترى جزءًا من ثمرة: لا يبعه حتى يقبضه، ثم رجع عن ذلك (٤)، ولا فرق بين الجزء والجميع. وقال في كتاب محمد فيمن ابتاع ثمرة حائط غائب لم يره: لم يجز أن يبيعه حتى يراه؛ لأنه في ضمان البائع (٥). يريد إذا كانت يابسة؛ لأنه لا يسقط الضمان وإن رضيه (٦) إلا فيما كان يابسًا، والمنع في جميع ذلك أحسن؛ لعموم الحديث. وقد قال مالك: نهى في الحديث "عَنْ رِبْحِ مَا لَمْ يُضْمَنْ" (٧) أن ذلك في الطعام (٨)، فبأي وجه كان الطعام في ضمان بائعه، فإنه يمنع من بيعه. ويختلف على هذا في الصبرة إذا كانت محبوسة بالثمن على القول أن

стр. 3127

المصيبة من البائع. واختلف إذا أمكن منها هل يبيعها قبل نقلها؟ فقال ممالك مرة: لا بأس بذلك (١). وقال في العتبية: أحب إلي أن يؤخذ في ذلك بالحديث فيمن اشترى طعامًا جزافًا قال: لا يباع (٢) حتى ينقل من مكانه (٣). يريد: حديث ابن عمر، قال: رَأَيْتُ النَّاسَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ الله ﷺ إِذَا تَبَايَعُوا (٤) طَعَامًا جُزَافًا يُضْرَبُونَ أَلَّا يَبِيعُوهُ في مَكَانِهِمْ، حَتَّى يُئْوُوَهُ إِلَى (٥) رِحَالهِمْ. اجتمع عليه البخاري ومسلم (٦)، وذكره مالك في الموطأ، ولم يقل جزافًا (٧)، وأخذ به الشافعي، وأبو حنيفة، وقال مالك في تفسير ابن مزين: إنهم كانوا يريدون بيعه بالدين، وأما بالنقد، فلا بأس. ولا فرق بين النقد في ذلك والدين إذا بيع من غير بائعه، واتباع الحديث أولى. واختلف في المكيل هل المنع معلل أم لا؟ فقال أبو محمد بن عبد الوهاب

стр. 3128

وأبو الفرج وغيرهم من البغداديين: المنع لأجل العينة (١). وقيل: شرعًا، وهو أحسن. ولو كانت العلة العينة، لجاز بيعه من بائعه بأقل، ومن غير بائعه بأقل وأكثر، وهذا الأصل فيما كان المنع فيه خيفة العينة، ويكون على قولهم الطعام والعروض سواء. وقال (٢) محمد فيمن باع طعامًا قبل قبضه وقبض الثمن وذهب المشتري بالطعام، قال: يأخذ الثمن من البائع الآخر، ويقام به للغائب فيشتري به طعامًا، فإن كان أقل من الكيل الأول كان الباقي دينًا على الغائب يتبع به، وإن كان أكثر وُقف له (٣)، ورأى أن البائع الأول قد برئ بذلك الكيل؛ لأنه وفى بما عليه، والتعدي في البيع إنما كان من البائع الآخر، وليس من البائع الأول تعد، واستحسن في السليمانية إذا اشترى طعامًا أن يعاد إلى يد الأول حتى يوصله إلى يد (٤) من اشترى منه.

стр. 3129

فصل [في الطعام يجب عن نكاح أو صلح أو ثمن كتابة أو غير ذلك فيبيعه قبل قبضه] وإذا وجب الطعام عن (١) نكاح أو خلع أو مصالحة عن دم أو كراء دار أو غير ذلك، لم يجز أن يباع حتى يقبض؛ لأن كل هذه معاوضات وداخلة في قول النبي ﷺ : "مَنِ ابْتَاعَ طَعَامًا. . ." (٢). واختلف فيمن باع كرمه أو حائطه واستثنى منه كيلًا، قال ابن القاسم: أكره بيعه قبل قبضه، ثم رجع عنه وقال: لا بأس به (٣)، فذهب في القول الأول إلى أن المستثنى مشتَرَى اشتراه البائع من المشترى منه، والقول أنه يبقى (٤) على الملك الأول أحسن. وقال ابن القاسم في المكاتب يكاتب بطعام: يجوز لسيده أن يبيعه من المكاتب قبل قبضه؛ لأن الكتابة ليست بدين ثابت، ولا يبيعه من أجنبي؛ لأن السيد لو دبر عبده جاز أن يبيع خدمته منه، ولا يبيعها من أجنبي (٥). ولا فرق بين المسألتين، فإما أن يقال: إن الكتابة دين ثابت، كما قال ابن عمر، فلا يباع الطعام من المكاتب ولا من غيره، أو يقال: ليست بدين ثابت، فيباع منه ومن الأجنبي.

стр. 3130

وقد منع سحنون فسخ الكتابة في غيرها إذا لم يعجل العتق؛ لأن فيه شبهة الدين، فكذلك بيع الطعام (١). وأرى أن يجوز ذلك من العبد وغيره إذا كانت الكتابة على قدر الخراج؛ لأنها غلة، وإن كانت أكثر بالشيء البين، أو كانت إنما ينالها بما يستعين من الناس ألا يجوز بيعه؛ لأنه يصير ثمنًا للرقبة. وقال مالك في النصراني يبتاع الطعام من نصراني: لا أحب للمسلم أن يشتريه منه قبل قبضه (٢). فلم يره محرمًا؛ لأنهم غير مخاطبين بفروع الإسلام، والحديث متوجه لمن كان مسلما بقوله ﷺ : "مَنِ ابْتَاعَ طَعَامًا فَلاَ يَبِعْهُ حَتَّى يَسْتَوْفِيَهُ" (٣)، وسواء كان اشتراه النصراني من نصراني أو مسلم، فإن كان المسلم هو المشتري لم يجز أن يبيعه من نصراني قبل قبضه قولًا واحدًا. فصل [في المواعدة في الطعام قبل قبضه ومن ابتاع طعاما بعينه أو بغير عينه فيريد بيعه قبل قبضه] قال ابن القاسم: ولا يواعد أحدًا في بيع الطعام قبل قبضه، ولا يبيع طعامًا ينوي أنه يقضيه من طعام اشتراه، بعينه كان، أو بغير عينه (٤). والمواعدة

стр. 3131

في هذا كالمواعدة في الصرف. وقد اختلف في المواعدة في الصرف: فكره ذلك مالك (١)، ومنعه أصبغ، وأجاز هذا (٢) ابن نافع. وأجاز مالك في كتاب محمد الخيار في الصرف (٣)، والمواعدة في هذا أخف. وكذلك إذا عقدا بيعًا على طعام في ذمته، ونيته أن يقضيه من ذلك الطعام، فالعقد ماض ولا تأثير للنية في العقد، وقد أجيز التعريض في النكاح، فكيف بمن يضمر هذا ولا ينطق به. وقيل: المعنى: لا يبيع طعامًا ينوي أنه يقضيه من طعام عليه. وهذا أبعد؛ لأنه يستحيل صرف النية فيه إذا كان عليه طعام فطُلب بقضائه، وليس عنده، فلا يجري إليه. إلا بشراء. وإنما الاختلاف إذا جعل للطالب أن يقضيه من المشتري منه أخيرًا: فمنع ذلك ابن القاسم، إلا أن يقضيه الغريم من البائع آخرًا ثم يقضيه (٤). وأجازه مرة، فقال فيمن عليه طعامٌ من سلم فأعطى الطالب مثل رأس ماله ليشتري ذلك لنفسه: فلا بأس به (٥).

стр. 3132

فإذا جاز للطالب أن يشتري الطعام على ذمة المطلوب، ثم يقبضه لنفسه، جاز أن يشتريه الغريم ثم يجعل للطالب قبضه. وقد قيل: إن هذه إقالة (١)، وهو خطأ؛ لأنهما متفقان أنه أخذ ذلك على وجه الوكالة، ولو ضاع الثمن كانت مصيبته من الباعث، وإن ثبت أنه اشترى ذلك للغريم ثم قبضه منه جاز، وأجازه أشهب (٢) وإن أخذ أقل (٣) من رأس المال؛ لأنه أخذه على أنه وكيل وأن يشتري على ذمة الباعث، ولو دخل على أنه يمسك ذلك لنفسه لم يجز، ويجوز على قوليهما إذا أعطاه أكثر من رأس المال واشترى بنيته وكل ذلك راجع إلى القضاء عن البيع، هل هوبيع أم لا؟ والقول إنه ليس ببيع أحسن (٤)؛ لأن البيع المتقدم لم يكن في عين (٥) هذا الطعام، وإنما قضاه عن دين تَقَدَّمَ تَقَرُّرُهُ في الذمة، وإنما جاء الحديث: "مَنِ ابْتَاعَ طَعَامًا فَلاَ يَبِعْهُ" (٦)، ولم يقل فلا يقضه. وقد أجاز مالك وابن القاسم وأشهب لمن أسلم في حنطة أو اشترى حنطة بعينها أن يأخذ بكيلها شعيرًا (٧)، وإن تقارَّا أنهما أرادا المبايعة ولم يقصدا المعروف.

стр. 3133

وكذلك من أسلم في سمراء وأخذ محمولة (١) يريدها للزريعة جاز وإن اعترف أنه قصد المبايعة جاز (٢)، وإن كان مما ينطلق عليه بيع الطعام قبل قبضه. ويختلف في المقاصة قياسًا على ما تقدم في القضاء. فإن أسلم رجلان كل واحد لصاحبه في طعام كيلًا واحدًا وصفة واحدة، ثم أرادا المقاصة، وتساوت رؤوس الأموال، لم يجز عند ابن القاسم (٣). وقال أشهب في كتاب محمد: يجوز ويكون (٤) إقالة (٥). يريد: أنهما لواتهما أنهما (٦) عَمِلا على ذلك في حين عقد السلم الثاني، جاز، وكانت إقالة، فإذا سَلِمَا من التهمة جازت المقاصة؛ لأن الثاني قضاء عن الأول، والقضاء بخلاف البيع. ويلزم ابن القاسم أن يجيزه على ما تقدم له إذا وكله على أن يشتري لنفسه، فإذا اختلف رأس المال لم يجز، فإن كان الثاني أكثر دخله سلف بزيادة، وإن كان أقل، كانت إقالة على أقل من رأس المال، فإن خفي ذلك لهما، وكان باطنهما على الصحة أنهما يسلمان، جازت المقاصة؛ لأنه قضاء. وكذلك إذا كان لرجل قِبَلَ رجل طعام فأحاله المطلوب على من له عليه

стр. 3134

طعام من سلم، فمنعه ابن القاسم (١)؛ لأن الحوالة عنده بيع، فيدخله بيع الطعام قبل قبضه. وأجازه أشهب إذا تساوت رؤوس الأموال قال: ويكون تولية (٢). يريد: أنهما يَسلَمَانِ من التهمة؛ لأنهما لو شاءا جعلاها تولية، وإلا فهما مُقران أنهما لم يقصدا إلا الحوالة والقضاء، ولو كان ذلك فاسدًا لم يجز أن يطرح ما اعترفا به على أنفسهما من الفساد ليصح غيره. فإن اختلف رأس المال، وكان أحدهما أكثر -الأول أو الآخر- لم تجز الحوالة على قولهيما. وإن كان أحدهما من سلم والآخر من قرض جازت المقاصة عند ابن القاسم إذا حلَّا (٣). وأجازه أشهب إذا حلَّ أحدهما (٤). وذكر ابن حبيب عنه أنه قال: يجوز إذا حل السلم (٥). وقال ابن حبيب: تجوز وإن لم يحلا (٦). وهو أبين؛ لأن الذمم تبرأ من الآن.

стр. 3135

وأما الحوالة فتجوز إذا حل المحال به، حل المحال عليه (١) أم لا، وإذا صحت الحوالة عاد الجواب في بيعه في ذمة المحال عليه قبل قبضه على ما تقدم، فإن كانت الحوالة ببيع على قرض أو بقرض على بيع لم يجز على قوله في المدونة (٢)، ويجوز على قوله في كتاب ابن حبيب إذا كانت الحوالة بقرض على بيع (٣). فصل [في الرجل يكون له طعام من سلم على أخر فيأمره ببيعه وإحضار الثمن] ومن كان له على رجل طعام من سلم فقال له: بعه وجئني بالثمن، لم يجز عند مالك وابن القاسم (٤)، وسواء أتاه بمثل رأس المال أو أقل أو أكثر، فإن أتاه بأكثر اتهما أن يكونا عَمِلا على ذلك في أصل السلم، وهي بيعة أجل، فيكون سلفًا بزيادة، وإن أتاه بمثل رأس المال دخله فسخ دين في دين، وبيع الطعام قبل قبضه؛ لأن الإقالة على التأخير في معنى أقل. وكذلك إن أقاله على أقل من رأس المال فهو فسخ دين في دين، وبيع الطعام قبل قبضه. وفرق ابن القاسم، فمنع أن يكون المسلم إليه وكيلًا على البيع وإن أتى برأس المال؛ لأنه يتهم على الإقالة المستأخرة، وأجاز أن يكون الذي له السلم

стр. 3136

وكيلًا على الشراء بمثل رأس المال؛ لأنه يقبض ذلك بالحضرة، فلو أراد الإقالة لصحت بالحضرة، وإذا سقطت التهمة بقي وكيلًا على (١) حسب ما اعترف (٢) به، إلا أن يقول: بقي لك الفضل بعد الشراء، فتدخله (٣) التهمة على بيع الطعام قبل قبضه، أو يقول: بقي عليك فأتم، فتدخل التهمة في أصل العقد في السلم بزيادة. ويجوز على قول (٤) أشهب أن يوكل المسلم إليه إذا أتى بمثل رأس المال فأقل، قياسًا على قوله إذا وكل الطالب على الشراء بأقل من رأس المال، وإنما منع عنده إذا أتاه بأكثر من رأس المال؛ لأنه يعد تهمة (٥) في أصل العقد، وهي بيعة أجل. وإذا لم تكن زيادة، سَلِمَ العقدُ، وكانت التهمة بعد ذلك فيما يفعلانه بالحضرة على النقد إلى يومين أو ثلاثة، وهي كبيعة النقد، لا يتهم فيها إلا أهل العينة. وقد أجاز أشهب لمن عليه دين أن يعمل به قراضًا، وأجاز لصاحب المال أن يأخذ الربح (٦).

стр. 3137

فصل [في بيع الطعام قبل قبضه إذا كان من غير معاوضة] يجوز بيع الطعام قبل قبضه إذا كان من (١) غير معاوضة، كالقرض، والهبة، والصدقة، والميراث، إذا لم يكن الميراث في ذمته عن معاوضة، والغصب والتعدي، فمن أقرض رجلًا طعامًا، جاز للمقرض أن يبيعه قبل أن يقبضه، ويجوز للمقرض إذا قبضه منه أن يبيعه قبل أن يقبضه (٢) من المقرض ومن غيره، ويجوز لمن له (٣) سلم أن يقرضه قبل أن يقبضه، ولا يجوز للمقرض أن يبيعه قبل قبضه؛ لأنه على حكم السلم ما دام في الذمة، ولا يصح القرض إلا بعد قبضه. ولو فلس المسلم إليه أو مات أو غاب، لم يلزم المقرض إليه (٤) شيء، فإن قبضه وصار إليه، جاز للمقرض أن يبيعه منه ومن غيره قبل أن يقبضه؛ لأن كيل البيع قد تقدم، ولا يدخل في الحديث "مَنِ ابْتَاعَ طَعَامًا فَلاَ يَبِعْهُ حَتَّى يَقْبِضَهُ" (٥)؛ لأن هذا قد قبضه، وما وقع في الكتاب فحماية أن يكون باعه منه قبل قبضه من المسلم إليه وأظهر أنه إنما أقرضه (٦)، وأجاز في كتاب محمد إذا

стр. 3138

أقرضه الشيء اليسير من الشيء الكثير أن يبيعه قبل قبضه من المقرض؛ لأن التهمة تضعف (١). ويجوز ذلك على أصل أشهب (٢)؛ لأنه لم يتهم على بيع الطعام قبل قبضه. ولو أطاع رجل أن يقرض ذلك المسلم إليه ويقضيه عنه، لم يجز للذي له السلم بيعه قبل قبضه للحديث: "مَنِ ابْتَاعَ. ." (٣)، فهو مبتاع بَعْدُ، لم يخرج عن ذلك. فإن قبض ذلك المسلم جاز للمقرض أن يأخذ من المسلم إليه فيه ثمنا ما شاء (٤)؛ لأن السلم قد قبض، وهذا مقرض وليس بمبتاع، ولو استقرض الذي له السلم مثل ذلك الطعام ثم أحال به على المسلم إليه لم يجز للمحال أن يبيعه قبل قبضه عند ابن القاسم، ويجوز على قول مالك في كتاب ابن حبيب؛ لأن المحال مقرض وليس بمبتاع، والمبتاع قد خرجت عن يده (٥). ويفترق الحكم (٦) أيضًا في الهبة والصدقة، فإن كانت الهبة والصدقة من الذي له السلم، وهبة لأجنبي، لم يجز للموهوب له بيعه قبل قبضه.

стр. 3139

وقال مالك في كتاب ابن حبيب: الهبة والصدقة أخف (١). يريد: لأن يد المشتري قد خرجت. وإن كانت الهبة والصدقة من أجنبي، التزم أن يقضي ذلك عن المسلم إليه، ورضي المسلم بالحوالة عليه، لم يجز للمسلم بيعه قبل قبضه من الواهب ولا من غيره. وعقد هذا أنه متى كانت يد المسلم إليه (٢) باقية على سلمه، وهو القابض، لم يجز البيع، وسواء كان المقبوض منه المسلم إليه أو واهبًا أو متصدقًا أو مقرضًا، للحديث: "مَنِ ابْتَاعَ طَعَامًا فَلاَ يَبِعْهُ"، وإذا زالت يده وكان القابض موهوبًا له أو متصدقًا عليه، جاز (٣)؛ لأنه لا ينطلق عليه الحديث: "مَنِ ابْتَاعَ". (٤) ومن وكل رجلًا يشتري له طعامًا ليقضيه عنه من سلم عليه، فأمسك الوكيل الذهب، وقضى الطعام من عنده فرضي ذلك المسلم إليه، جاز؛ لأن السلم قد قبض.

стр. 3140

باب فيمن ابتاع طعامًا على كيل، أو جزافًا ثم هلك بيد بائعه ومن اشترى طعامًا بعينه، ثم هلك قبل قبضه، فإنه لا يخلو هلاكه من أربعٍ: إما أن يكون من سبب البائع، أو أجنبي، أو لا سبب فيه لآدمي، أو من المشتري، فإن كان من سبب البائع، باعه، أو أكله، أو وهبه- كان عليه أن يأتي بمثله إن علم كيله، وإن لم يعلم تحَرَّى قدر ما فيه فيغرمه، وليس للمشتري إن كان باعه أن يجيز البيع ويأخذ الثمن، ولا إن كان أكله أو وهبه أن يأخذ القيمة، ويدخله إن فعل بيع الطعام قبل قبضه، ولا أن يفسخ البيع عن نفسه. قال ابن القاسم: وهو بمنزلة من استهلك طعامًا، فإنما عليه مثله (١). وإن أهلكه أجنبي أغرم القيمة، واشترى بها طعامًا، ويكيله البائع للمشتري، وإن لم يشتر بالقيمة حتى حال سوقه، لم يكن على البائع سوى ما اشترى بالقيمة، وينفسخ البيع في العاجز عن قدر الأول؛ لأنه بمنزلة ما ذهب بأمر من السماء، وإن حال برخص لم يشتر بالفاضل، وكان للبائع؛ لأنه في ضمانه فله رخصه. وإن كان الذي أهلكه معسرًا لم يكن على البائع شيء، وكان للمشتري أن يفسخ البيع، ولم يلزمه الصبر حتى يوسر المعتدي، فإن رضي بالصبر جاز ولا مقال للبائع؛ لأنه لا مضرة عليه في ذلك، وإن رضي البائع أن يغرم مكيلته (٢) مثل ما كان يشتري بالقيمة، لزم المشتري.

стр. 3141

وقال أشهب في كتاب محمد: إذا غرم الأجنبي القيمة للبائع ينفسخ البيع، وليس للمشتري إلا ثمنه، إلا أن يقر المتعدي بعدد كيل، فيكون رب الصبرة بالخيار، إن شاء أغرمه كيل ما أقر به بعد أن يستحلفه، وإن شاء أغرمه القيمة ولا يصدقه، فيكون المشتري حينئذ بالخيار، إن شاء أخذ المكيلة التي أقرَّ بها المتعدي، وإن شاء أخذ (١) القيمة، فاشترى له بها طعامًا فأكله (٢)، وإن شاء فسخ البيع عن نفسه (٣). قال محمد: اختلف قول أشهب إذا أخذت القيمة فقال مرة: يشتري بها طعاما (٤) فيوفاه المشتري، ومرة قال: لا، إلا أن يعرف الكيل (٥). فجعل في القول الأول الفسخ من حق البائع إذا غرم المتعدي القيمة، وكذلك قال فيمن اشترى طعامًا فاطلع فيه على عيب بعد أن فات، قال: المشتري بالخيار بين أن يغرم المثل، أو يرجع بالعيب (٦). ورأى أن عليه في تغريم المثل وشرائه مشقة، وكذلك البائع ها هنا له الفسخ، ولا يتكلف الشراء. ورأى في القول الآخر أن يشتري بالقيمة وأن هذا (٧) أخف من المشتري يجد عيبًا بحضور ما يشترى به، ولأنه لا يغرم ذلك من ذمته، ثم اختلف قوله

стр. 3142

إذا سقط قول البائع، وغرم المستهلك المكيلة: هل يكون للمشتري خيار؛ لأنه يقول: اشتريت طعامًا بعينه، فلا ألزم غيره. وإن هلك بأمر من الله، فسخ البيع على قوليهما (١) جميعًا إذا ثبت ذلك. واختلف إذا لم يعلم ذلك إلا من قِبل البائع: فقال ابن القاسم في العتبية: لا يصدق، وعليه أن يوفِّيَ الكيل الذي باع (٢). وعلى قوله في كتاب السلم الأول يحلف أنه هلك ولم يكتمه، وينفسخ البيع. وإن أهلكه المشتري وعرف كيله، كان ذلك قبضًا، وعليه وإن يغرم الثمن، وإن لم يعرف كيله، فالقدر الذي يقال: إنه كان فيه (٣)، فإن قيل: قفيز، غرم ثمنه. فصل [فيمن ابتاع صبرة جزافًا ثم هلكت بعد تمكين المشتري منها أو بعد حبس البائع لها] وإن بيعت صبرة جزافًا فهلكت بعد أن أمكن المشتري منها، كانت المصيبة (٤) من المشتري وعليه الثمن، وإن أهلكها البائع كان له الثمن، وعليه القيمة، فمن كان له فضل عند صاحبه غرمه، وإن أهلكها أجنبي غرم القيمة للمشتري، وغرم المشتري الثمن للبائع.

стр. 3143

واختلف قول مالك إذا كانت محتبسة بالثمن: فقال محمد: لم يثبت مالك منها على أمر (١). يريد: أنه جعلها مرة من المشتري، ومرة من البائع، كالعبد يحبس بالثمن، فقد اختلف فيه قول مالك، فعلى قوله: إن المصيبة من المشتري يعود الجواب إلى ما تقدم لو أمكن منها، هذا إذا كان هلاكها بأمر من الله أو أهلكها أجنبي. واختلف إذا أهلكها البائع، فقيل: المشتري بالخيار، فله أن يفسخ البيع؛ لأنه حال بينه وبين المبيع (٢)، وله أن يغرمه القيمة ويدفع الثمن. قال ابن القاسم في العتبية في مثل هذا: لو قال قائل: عليه القيمة، قلّت أو كثرت لم أعبه (٣). وعلى القول أن المصيبة من البائع ينفسخ البيع إن هلكت بأمر الله أو أهلكها أجنبي ويسقط الثمن عن المشتري، ويعود المقال للبائع على الذي أهلكها فيغرمه القيمة إلا أن يكون الثمن أكثر فيغرمه إياه؛ لأنه كان دينًا ثابتًا فأبطله بإهلاكه، وإن أهلكها البائع فأكلها أو باعها، كان للمشتري أن يفسخ البيع. واختلف هل له أن يغرم البائع القيمة إن أهلكها أو الأكثر من القيمة والثمن الذي بيعت به إن باعها؟ فعلى قول أشهب ذلك له، وليس ذلك له على قول ابن القاسم، ويدخله بيع الطعام قبل قبضه، لما كان في ضمان بائعه، كما تقدم في اللبن في الضروع والثمرة الغائبة.

стр. 3144

وإن أهلكها المشتري عمدا كان ذلك (١) رضا بالقبض، وإن باعها بائعها على كيل فعلى القول أن المصيبة من المشتري يكون بالخيار بين أن يجيز البيع ويأخذ الثمن، أو يغرم البائع مثل ما وجد فيها من الكيل، وعلى القول أنها من البائع يكون له أن يغرمه، مثل ما وجد فيها من الكيل، ويختلف هل له أن يجيز البيع ويأخذ الثمن؟

стр. 3145

باب فيمن له دين على رجل يقبضه ببلد فلقيه بغيره وقال مالك فيمن باع سلعة وهو بمصر بدنانير على أن يقبضها بإفريقية، وضرب أجلًا، وحل الأجل وهو بمصر: أجبر على القضاء الآن حيثا وجده، قال: وليس العين كالسلع؛ لأن أثمانها في البلدان تختلف، فلا يأخذه إلا في البلد الذي شرط فيه (١). قال ابن القاسم: ولو أسلم في سلعة لا حمل لها كاللؤلؤ والمسك والعنبر، لم. يأخذه إلا في البلد الذي شرط؛ لأن سعر هذا في البلدان يختلف (٢). وقال أشهب في كتاب محمد: إلا ألا يختلف السعر في البلدان ولا في سوق يلتمس فيه هذا اللؤلؤ والعنبر، وكان الموضع بعيدًا جدًا، فله أخذه بالموضع الذي هو فيه -وإن كره- إذا حل الأجل، وإن كان على غير ذلك، لم يكن له أن يأخذه به إلا أن يرضى المطلوب فيجيز صاحب الحق على قبوله؛ لأنه بموضعها أغلى، يريد: لأن القصد من السلم التَّجر والأثمان، فإن علم أن له غرضًا في قبضه في الموضع الذي سمى، لم يلزمه قبضه الآن ها هنا، إلا أن يكون الطريق مأمونًا، فإن كان مخوفًا لم يلزمه قبوله هنا، وإن كان أغلى؛ لأن الطالب يقول: لي غرض في قبض مالي في ذلك البلد، وأخاف على وصوله إليه، وإن كان الدين مما له حمل، وهو هنا أرخص، فرضي الطالب بقبوله، أجبر (٣) الآخر على

стр. 3146

الوفاء؛ لأنه حط عنه الحمل وغلاء السعر، وإن كان ها هنا أغلى ورضي المطلوب بالقضاء، كان للطالب ألا يقبل، لِحقِّه في الحمل، ويصح ألا يجبر على القضاء بغير البلد في العين. فإن قال: أشتري لأقضي في البلد الفلاني؛ لأن لي به مالًا، وإن ما معي ها هنا ما أتوصل به، أو قال: ليس عندي ما أقضي منه ها هنا إلا داري أو ربعي، ولا أحب بيعه، فهذا لا يجبر على القضاء إلا بالبلد الذي سمّى. ويجوز البيع وإن لم يضربا أجلًا، ويصير بمنزلة من باع على دنانير بأعيانها غائبة، فإن كان الشرط من البائع فقال: أبيعك على أن أقبض في بلد كذا؛ لأني احتاجها هناك لوجه كذا، فعجلها المشتري بغيره- لم يلزم البائع قبولها؛ لأنه يقول: أخاف في وصولها إلى هناك، وقد اشترَطتُ شرطًا جائزًا؛ فيوفي لي به. فصل [في مسائل في اشتراط القبض في السلم في غير بلد التبايع] وإن اشترط المشتري الوفاء في بلد وكان الثمن معينًا عبدًا أو دنانير موقوفة، جاز البيع وإن لم يضرب الأجل، واستحب محمد في الدنانير أن يضرب أجلًا (١)، ولا وجه لذلك؛ لأنهما في الأجل على وجهين: إن حل الأجل قبل الوصول لأمر عاقهما لم يجبر على القضاء من غير الغائب، وإن وصلا قبل الأجل، كان للبائع قبض تلك الدنانير، ولم يلزمه الصبر حتى يحل الأجل، وإن كان الثمن مضمونًا وهو عين لم يجز إلا أن يضربا أجلًا.

стр. 3147

واختلف إذا كان عرضًا أو طعامًا، فقيل: ذلك جائز، والمسافة كالأجل، وعلى المسلم إليه أن يخرج للقضاء فإذا وصل قضاه. وقال ابن القاسم في سماعه عن مالك: سئل مالك عن ذلك، فقال: أحالٌّ هو؟ فقيل (١): نعم، قال: لا بأس به. ولم يجعله على الجواز بمجرد العقد، وقال فضل: الدنانير والعروض سواء، فإن لم يضربا أجلًا فهو فاسد. وهو أحسن؛ لأن السلم يحتاج إلى أجل يقبض عنده، وموضع يقبض فيه، فإذا ذكر الموضع بقي الأجل، وذكر الموضع لا يفهم منه الأجل. وقد استحب مالك فيمن باع بدنانير غائبة أن يضربا الأجل، فهو في السلم أولى، وإذا ضربا الأجل (٢) فبقي من الأجل قدر مسافة الوصول، كان على الغريم أن يخرج للقضاء. واختلف إذا وكل وكيلًا للقضاء: فأجازه ابن القاسم (٣). ومنعه سحنون، وقال: لا أعرف الوكيل في هذا؛ لأنه لا يستطيع أن يتحول بما له من الطعام. وقول ابن القاسم أصوب؛ لأنه إنما يخرج على أنه وكيل، والوكالة تضمنت بقاء الدين في ذمة الأول، وليس بحوالة، فيدخله دين في دين، وإن خرج على أنه وكيل وحميل (٤) جاز؛ لأن الطالب له ذمة غريمه وذمة الحميل، والحمالة بما لم يحل جائزة، ويسقط مقال الطالب بخروج الوكيل إذا كان يدفع إليه من المال ما يوفي بالدين في الغالب، أو كان للغريم بذلك الموضع ما يوفي به

стр. 3148

ولا يحتاج فيه إلى خصومة، وإلا لم يجز، إلا أن يتحمل الوكيل بالقضاء ويكون موسرًا بذلك، أو يأتي بمن يتحمل به إلى ذلك البلد، فإن حيل بين الناس وبين ذلك البلد لفساد طريق أو لعدو أو فتنة ولا يرجى قرب انكشافه، كانت على الخلاف فيمن أسلم في ثمرة فخرج وقتها هل يلزم الصبر إلى انكشاف ذلك أم لا؟ وأرى أن يكون بالخيار بين الصبر أو يأخذ رأس ماله، وإن أراد أن يأخذ الثمن الذي كان يشتري به في ذلك البلد، جاز على قول أشهب إذا كان السلم في عروض، وإن كان في طعام لم يجز، ويدخله بيع الطعام قبل قبضه. وإن رضي الطالب أن يقبض ببلد هو قريب من البلد الذي شرطا والسعر سواء وهو في هذا أرخص كان ذلك له. وإن كان بالبلد الذي هما فيه فقال الغريم: خذ حقك، وقال الطالب: لا أقبضه؛ لأني إن قبضته هلك، يجبر على قبضه، وكذلك إن كان على الطالب طلبٌ من سلطان، فكان قبضه أخذه السلطان، وإن لم يقبضه أغرمه المطلوب، كان من حق الغريم أن يبرئ ذمته منه (١) فيكون الغصب على الطالب. فصل [في منع الدائن للمدين من السفر عند قرب حلول الأجل] ومن كان عليه دين إلى أجل فأراد السفر قبل حلوله لم يمنع إذا بقي من الأجل قدر سيره ورجوعه، وكان ممن لا يخشى لدَدُهُ ومقامه، وإن خشي ذلك

стр. 3149

منه، أو كان معروفًا باللدد، منع إلا أن يأتي بحميل، وإن كان موسرًا وله عقار كان بالخيار بين أن يعطي حميلًا بالقضاء أو وكيلًا بالبيع، ويكون النداء قبل الأجل بقدر ما يرى أنه يكمل الإشهاد قبل محل الأجل. وإن أشكل أمره هل يريد سفرًا بجيدًا أم لا؟ حلف أنه ما يسافر فرارًا، وأنه لا يتأخر عن العودة عند محل الأجل، وتُرك.

стр. 3150

باب فيمن اشترى تمرًا في النخل بطعام، أو نخلًا مثمرة بطعام، أو طعامًا حاضرًا بغائب عن موضعهما ومن اشترى تمرًا في نخل بطعام نقدًا، فإن كانت زهوًا أو رطبًا (١)، لم يجز إلا أن تجذ الثمرة ويتقابضا، قال ابن القاسم: لأن فيها الجوائح (٢). وإن كانت قد يبست، وكان الجذاذ على المشتري، جاز وإن لم يجذ بالحضرة، وكذلك إن كان الجذاذ على البائع، ودخل على أنها في ضمان المشتري بالعقد، وإن شرط أنها في ضمان البائع حتى تجذ، لم يجز إلا أن تجذ الثمرة (٣) بالحضرة أو يتقابضا (٤)، واختلف إذا اشترى نخلًا بما فيها من الثمار وهي زهو أو رطب: فقال ابن القاسم: لا يجوز إلا أن تجذ الثمار، ويتقابضا في الطعامين (٥). وقال سحنون: يجوز ذلك وإن لم تجذ الثمار وكان قبض الطعام الآخر مؤجلًا، قال (٦) كان كحلية السيف ومال العبد. وقد مضى ذلك في كتاب القسم. وإن بيع قمح بتمر أو عسل بزيت تقابضا بحضرة العقد وقبل الافتراق،

стр. 3151

كالصرف، وإن كان أحد الطعامين غائبًا وقريبًا من مجلسهما أُحضر بفور ذلك، أو قاما إليه وتناجزا بالحضرة، جاز ولم يفسخ، وقد مضى مثل ذلك في كتاب الصرف. وقال مالك في صاحب الحانوت يشتري حنطة بزيت أو سمن، فيكتال الحنطة، ويدخل الحانوت ليخرج السمن أو الزيت: لا يعجبني، وليدع الحنطة عند صاحبها، ويخرج السمن أو الزيت ثم يأخذ ويعطي. وهذا حماية، ولا يفسخ إن نزل (١).

стр. 3152

باب فيمن اقتضى من ثمن الطعام طعامًا ومن باع طعامًا فقضى في ثمنه طعامًا، فإن كان مثله في الصفة والكيل جاز، وهي كالإقالة، وإن كان أكثر كيلًا أو أجود صفة لم يجز؛ لأنهما يُتَّهَمَان أن يكونا عَمِلا (١) على سلف بزيادة، وإن كان أقل كيلًا وأدنى صفة كان فيها قولان، وأرى أن يجوز؛ لأنه لا يتهم على خسارة. قال فضل: إنما كره ذلك لما يتخوف في الطعام من السوس، وهذا إنما يخشى إذا كان بين الكيلين ما يرى أن الناس يدفعونه للضمان، ويكون هناك ما يوجب أن يخرجه عن يده ليضمن، أما أن يكون في وقت يخشى عليه الفساد، ويكون بين بيعه وبين اقتضائه ما يتغير فيه الأول أو تكون فتنة. وكل ما لا يجوز للبائع أن يأخذه من المشتري منه، فإنه إن أحال بالثمن على المشتري لم يكن للمحال أن يأخذه من المحال عليه، وكذلك إن أحال المشتري البائع على غريم له، لم يأخذ البائع من المحال عليه إلا ما كان يجوز له أن يأخذه من المشتري منه، وهذا حماية، ولا أفسخه إن نزل، وإن أحال البائع على المشتري رجلًا فأحاله المشتري على آخر جاز أن ياخذ طعامًا، أيّ صنف أحب؛ لأن المنع في الأول لأجل التهمة خيفة أن يكونا عَمِلا على ذلك، فإذا خرجت يد البائع والمشتري، وصار الآخذ والمأخوذ منه غير المتبايعين في ذلك الطعام، ضعفت التهمة، وقد تقدم بيان ذلك في الكتاب الأول. ومن باع حبًا فلا يقبض من المشتري في ثمنه ما ينبت ذلك الحب إذا كان

стр. 3153

بينهما من الأجل ما ينبت ذلك الحب فيه، قال مالك في كتاب محمد: وما هو بالحرام البين (١). يريد: أن ذلك حماية، واختلف فيمن باع ثمرة حائطه (٢) بعد الطيب، فلما صار تمرًا أقال منه: فقال مالك (٣) مرة: لا بأس به (٤). ومرة: لا خير فيه إلا أن يفلس المشتري فيكون البائع أحق بها من الغرماء (٥). وأرى أن يجوز وإن لم يفلس؛ لأنه طعامه بعينه فلا يدخله طعام (٦) بطعام.

стр. 3154

باب في بيع الشاة اللبون بالطعام أو باللبن نقدًا أو إلى أجل أو بيع الخلايا بالعسل ومن المدونة قال مالك: لا بأس بالشاة اللبون بالطعام نقدًا أو إلى أجل، ولا بأس بها باللبن نقدًا، ولا يسلم في لبن، ولا يسلم اللبن في شاة لبون، ولا بأس بالشاة غير اللبون باللبن إلى أجل (١). وقال ابن القاسم في العتبية: إذا تقدم اللبن فلا بأس، وإن تقدمت الشاة في اللبن فذلك حرام (٢)، وله نحو ذلك في كتاب محمد (٣). وقال أشهب: لا بأس بالشاة اللبون باللبن إلى أجل إذا صح، ولم يتق ذلك منهما. وقال أيضًا: إن كان اللبن المعجل لم يجز (٤). عكس ما ذهب إليه ابن القاسم. فمن منع الوجهين جميعًا رأى أنه من باب سلف بزيادة إذا تقدم اللبن، كالكتان في ثوب كتان، وإن تقدمت الشاة من باب ضمان بجعل. وأرى إن أسلم اللبن الكثير وما يرى أنه لا يرجى من تلك الشاة إلا في أعوام أن يجوز، ويحمل على أنه لبن شياه (٥)، وإن كان قليلًا يرجى منها مُنِعَ، إلا أن يعلم أنه أراد المعروف والمكارمة، ولا يجوز أن يسلم الشاة (٦) في اللبن

стр. 3155

الكثير، إلا أن يعلم أنه أراد المكارمة فيجوز وإن كان يسيرًا، وكذلك إذا أسلم صوفًا في شاة عليها صوف، يجوز إذا كان كثيرًا، ويمنع إذا كان في قدر ما عليها إذا تم، وكذلك إن أسلم شاة في صوف فإن كان في (١) قدر ما يرجى منها في عامها وما قارب ذلك لم يجز، وإن كان كثيرًا لا يرجى منها جاز. فصل [في بيع النحل أو الخلايا بالعسل] قال ابن حبيب: لا بأس ببيع ذباب النحل بالعسل نقدا أو إلى أجل، وكذلك بيع العسل بكيل (٢) من ذبابه أو من ذباب النحل إلى أجل؛ لأنه لا عسل فيه (٣)، بمنزلة بيع النخل بتمر إلى أجل يكون في النخل تمر. قال محمد: قال ابن القاسم: لا تباع الخلايا بشيء من العسل نقدًا ولا إلى أجل (٤). قال محمد: كان فيها عسل أو لم يكن (٥). قال أصبغ: فإن لم يكن فيها يَومَ بِيعتْ عسل، جاز بيعها بالطعام غير العسل نقدًا أو إلى أجل قريب، لا يأتي فيه بعسل، وإلا فلا خير فيه إلا بالعين
следующие страницы →