← Фикх малики

Фикх малики · id 14591

التبصرة للخمي

اللخمي، أبو الحسن

Полный текст (6 502 стр.). Показаны 3151–3190 · переход к 3156.

стр. 3151

كالصرف، وإن كان أحد الطعامين غائبًا وقريبًا من مجلسهما أُحضر بفور ذلك، أو قاما إليه وتناجزا بالحضرة، جاز ولم يفسخ، وقد مضى مثل ذلك في كتاب الصرف. وقال مالك في صاحب الحانوت يشتري حنطة بزيت أو سمن، فيكتال الحنطة، ويدخل الحانوت ليخرج السمن أو الزيت: لا يعجبني، وليدع الحنطة عند صاحبها، ويخرج السمن أو الزيت ثم يأخذ ويعطي. وهذا حماية، ولا يفسخ إن نزل (١).

стр. 3152

باب فيمن اقتضى من ثمن الطعام طعامًا ومن باع طعامًا فقضى في ثمنه طعامًا، فإن كان مثله في الصفة والكيل جاز، وهي كالإقالة، وإن كان أكثر كيلًا أو أجود صفة لم يجز؛ لأنهما يُتَّهَمَان أن يكونا عَمِلا (١) على سلف بزيادة، وإن كان أقل كيلًا وأدنى صفة كان فيها قولان، وأرى أن يجوز؛ لأنه لا يتهم على خسارة. قال فضل: إنما كره ذلك لما يتخوف في الطعام من السوس، وهذا إنما يخشى إذا كان بين الكيلين ما يرى أن الناس يدفعونه للضمان، ويكون هناك ما يوجب أن يخرجه عن يده ليضمن، أما أن يكون في وقت يخشى عليه الفساد، ويكون بين بيعه وبين اقتضائه ما يتغير فيه الأول أو تكون فتنة. وكل ما لا يجوز للبائع أن يأخذه من المشتري منه، فإنه إن أحال بالثمن على المشتري لم يكن للمحال أن يأخذه من المحال عليه، وكذلك إن أحال المشتري البائع على غريم له، لم يأخذ البائع من المحال عليه إلا ما كان يجوز له أن يأخذه من المشتري منه، وهذا حماية، ولا أفسخه إن نزل، وإن أحال البائع على المشتري رجلًا فأحاله المشتري على آخر جاز أن ياخذ طعامًا، أيّ صنف أحب؛ لأن المنع في الأول لأجل التهمة خيفة أن يكونا عَمِلا على ذلك، فإذا خرجت يد البائع والمشتري، وصار الآخذ والمأخوذ منه غير المتبايعين في ذلك الطعام، ضعفت التهمة، وقد تقدم بيان ذلك في الكتاب الأول. ومن باع حبًا فلا يقبض من المشتري في ثمنه ما ينبت ذلك الحب إذا كان

стр. 3153

بينهما من الأجل ما ينبت ذلك الحب فيه، قال مالك في كتاب محمد: وما هو بالحرام البين (١). يريد: أن ذلك حماية، واختلف فيمن باع ثمرة حائطه (٢) بعد الطيب، فلما صار تمرًا أقال منه: فقال مالك (٣) مرة: لا بأس به (٤). ومرة: لا خير فيه إلا أن يفلس المشتري فيكون البائع أحق بها من الغرماء (٥). وأرى أن يجوز وإن لم يفلس؛ لأنه طعامه بعينه فلا يدخله طعام (٦) بطعام.

стр. 3154

باب في بيع الشاة اللبون بالطعام أو باللبن نقدًا أو إلى أجل أو بيع الخلايا بالعسل ومن المدونة قال مالك: لا بأس بالشاة اللبون بالطعام نقدًا أو إلى أجل، ولا بأس بها باللبن نقدًا، ولا يسلم في لبن، ولا يسلم اللبن في شاة لبون، ولا بأس بالشاة غير اللبون باللبن إلى أجل (١). وقال ابن القاسم في العتبية: إذا تقدم اللبن فلا بأس، وإن تقدمت الشاة في اللبن فذلك حرام (٢)، وله نحو ذلك في كتاب محمد (٣). وقال أشهب: لا بأس بالشاة اللبون باللبن إلى أجل إذا صح، ولم يتق ذلك منهما. وقال أيضًا: إن كان اللبن المعجل لم يجز (٤). عكس ما ذهب إليه ابن القاسم. فمن منع الوجهين جميعًا رأى أنه من باب سلف بزيادة إذا تقدم اللبن، كالكتان في ثوب كتان، وإن تقدمت الشاة من باب ضمان بجعل. وأرى إن أسلم اللبن الكثير وما يرى أنه لا يرجى من تلك الشاة إلا في أعوام أن يجوز، ويحمل على أنه لبن شياه (٥)، وإن كان قليلًا يرجى منها مُنِعَ، إلا أن يعلم أنه أراد المعروف والمكارمة، ولا يجوز أن يسلم الشاة (٦) في اللبن

стр. 3155

الكثير، إلا أن يعلم أنه أراد المكارمة فيجوز وإن كان يسيرًا، وكذلك إذا أسلم صوفًا في شاة عليها صوف، يجوز إذا كان كثيرًا، ويمنع إذا كان في قدر ما عليها إذا تم، وكذلك إن أسلم شاة في صوف فإن كان في (١) قدر ما يرجى منها في عامها وما قارب ذلك لم يجز، وإن كان كثيرًا لا يرجى منها جاز. فصل [في بيع النحل أو الخلايا بالعسل] قال ابن حبيب: لا بأس ببيع ذباب النحل بالعسل نقدا أو إلى أجل، وكذلك بيع العسل بكيل (٢) من ذبابه أو من ذباب النحل إلى أجل؛ لأنه لا عسل فيه (٣)، بمنزلة بيع النخل بتمر إلى أجل يكون في النخل تمر. قال محمد: قال ابن القاسم: لا تباع الخلايا بشيء من العسل نقدًا ولا إلى أجل (٤). قال محمد: كان فيها عسل أو لم يكن (٥). قال أصبغ: فإن لم يكن فيها يَومَ بِيعتْ عسل، جاز بيعها بالطعام غير العسل نقدًا أو إلى أجل قريب، لا يأتي فيه بعسل، وإلا فلا خير فيه إلا بالعين

стр. 3156

والعروض، ولا يجوز بالعسل على حال (١). قال الشيخ ﵀: أما بيع ذباب النحل بالعسل فالجواب فيه حسن إذا كان إلى أجل لا يجني فيه منها (٢) ذلك العسل. ويختلف إذا كان الأجل بعيدًا يجني فيه ذلك منها، قياسًا على بيع النخل بتمر إلى أجل يكون فيها تمرًا، وأما الخلايا بالطعام فإذا كان فيها عسل فاضل عن قوتها جاز بالطعام نقدًا، ولم يجز إلى أجل. ويختلف إذا لم يكن فيه فضل. هل يجور بيعها بالطعام إلى أجل، قياسًا على حلية السيف إذا كانت تبعًا وهى فضة، هل يجوز بيعها بالفضة أو الذهب إلى أجل؟ فقيل: يجوز. وقيل: يكره. فإن نزل مضى. وقيل: يفسخ. فإن فات مضى وهو في النحل أجوز؛ لأنه إن قطع هلكت، وليس في زوال (٣) الحلية أكثر من أجرة تؤدى على إعادتها، ولا يجوز بيعها بالعسل إذا كان فيها فضل عنها، نقدًا ولا إلى أجل، ويدخله التفاضل والنساء إن كان إلى أجل، ويختلف إذا لم يكن فيه (٤) فضل هل يباع بعسل إلى أجل يصير فيه فضل عنها؟ وإن بيع النحل والخلايا بقرب ما رمى النحل فيها ولم تعمل شيئًا، أو عملت الشهد دون العسل، جاز بيعها بالعسل، بمنزلة بيع الذباب قبل أن تعمل ذلك.

стр. 3157

باب [فيما] (١) يحرم التفاضل فيه من الطعام وما يجوز منه ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: "البُرُّ بِالبُرِّ وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ وَالمِلْحُ بِالمِلْحِ مِثْلًا بِمِثْلٍ يَدًا بِيَدٍ، فَمَنْ زَادَ أَوِ ازْدَادَ فَقَدْ أَرْبَى، فَإِنِ اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الأَصْنَافُ فَبِيعُوا كَيْفَ (٢) شِئْتُمْ يَدًا بِيَدٍ" (٣). واختلف في تعليل هذه الأصناف فقال مالك في كتاب محمد: ما كان من الطعام والشراب من الحبوب والأوداك، والأدم، والفاكهة رطبها ويابسها مما يدخر- نوع واحد لم يجز التفاضل فيه. فجعلها ثلاثة أقسام: مقتات، مؤتدم، ومتفكه، وقال أبو جعفر الأبهري: مِن أصحابنا من علله بثلاث علل فالبر مقتات مدخر جنس، فكل مقتات مدخر مردود إليه، والتمر متفكه يصلح للقوت، فكل ما وجد فيه هذا المعنى فهو مثله، والملح مؤتدم، فكل ما وجد فيه هذا المعنى فهو مثله. ومنهم من علله بالقوت جنسًا. وقال ابن القصار وأبو محمد عبد الوهاب: العلة أنها مأكولة مدخرة للعيش غالبًا (٤). وليس هذا التعليل بصحيح، وهذه العلة شرط في كل ما تجب فيه الزكاة، وأنها إنما تجب فيما كان للعيش غالبًا، إذا كان مقتاتًا مدخرًا وقد يكون مدخرًا،

стр. 3158

وليس للعيش غالبًا يحرم فيه التفاضل، وليس تجب فيه زكاة، فالجوز واللوز (١) وما أشبه ذلك يحرم فيه التفاضل؛ لأنه مقتات مدخر، ولا تجب فيه الزكاة؛ لأنه ليس بأصل للعيش (٢)، فالبر والشعير وما أشبه ذلك أصل للعيش فوجبت فيه الزكاة، وحرم فيه التفاضل. والقول إن التمر متفكه غلط؛ لأنه كان بالمدينة أصلا للعيش، وكذلك مدائن التمر هو العمدة في أقواتهم، كالقمح في الحواضر، والشعير في البوادي. وفي كتاب مسلم أن النبي ﷺ كان يأخذ لأزواجه من خيبر ثَمَانِينَ وَسْقًا مِنْ تَمْرٍ وَعِشْرِينَ وَسْق شَعِيرٍ (٣). ولورود النص بوجوب الزكاة فيه، ويلزم القائل أنه تفكه، أن يسقط الزكاة منه أو يوجب الزكاة في الفواكه، وإذا صح أن هذه الثلاثة البر والشعير والتمر أصل للعيش لم يبق إلا الملح، وهو مصلح القوت، فَقِس عليه المؤتدمات والفواكه المدخرة؛ لأن عمدة الملح في القوت الإصلاح، إن صنع في خبز أو طعام صلح وعذب، واستعمل الإنسان منه أكثر ما يستعمل لو لم يكن فيه، وإن أخل به كان ناقصًا، وفي معنى الفساد (٤)، وتدخل فيه المؤتدمات بالمعنى؛ لأن كل واحد منها متعلق بما هو أصل للعيش غالبًا يراد ليستطاب به (٥) الطعام، ولينال منهما من الطعام ما لا ينال عند عدمهما، وكذلك المتفكه به تعلق فيما هو أصل للعيش فيما يستطاب به. واختلف في الرمان والتفاح

стр. 3159

والخوخ: فأجاز مالك التفاضل فيها، ولم يرها مدخرات (١). وقال ابن نافع في شرح ابن مزين: الرمان والخوخ وعيون البقر والإجاص (٢) والموز مما ييبس ويدخر، فلا يجوز التفاضل فيه. وقال محمد في الزفيزف (٣) يجوز التفاضل فيه، قال: لأن يبس ذلك ليس الغالب، ولا ييبس للأكل ولا للمعاش، وإنما ذلك ليدخل في غيره من العلاج والطبخ (٤). قال الشيخ ﵀: أما الرمان فلا يجوز التفاضل فيه؛ لأنه يدخر الشهور، وهو يتفكه قبل الادخار وبعده، وأما العين، والزفيزف فيجوز التفاضل فيهما؛ لأنهما إنما يرادان بعد اليبس للعلاج. والحلبة الخضراء طعام، فإذا يبست كانت علاجا، فإن نبتت كانت طعاما وهي في حال اليبس على حكم العلاج، ولا تراد في المغرب لتنبت بخلاف الترمس له حكم الطعام وإن كان لا يؤكل في حال اليبس؛ لأنه لا يراد إلا لينبت فحمل على ما يراد له. وقد تقدم ذكر الاختلاف في التوابل والبقول (٥)، وألا يجوز التفاضل فيه أحسن؛ لأنها مصلحة للقوت كالملح.

стр. 3160

فصل [في بيع الرطب بالرطب، والرطب بالتمر، والبسر بالرطب، والبسر بالبسر] البسر بالبسر والرطب بالرطب والتمر بالتمر لا يجوز التفاضل فيها (١)، واختلف في بيع بعضها ببعض مثلًا بمثل: فأجازه مالك وابن القاسم. وذكر أبو محمد عبد الوهاب عن عبد الملك: أنه منع بيع الرطب بالرطب، لقول النبي ﷺ : "أَيَنْقُصُ الرُّطَبُ إِذَا جَفَّ. . ." الحديث (٢). ويمنع على قوله بيع البسر بالبسر، ويجوز التمر بالتمر إذا كانا جديدين أو قديمين. واختلف في الجديد والقديم: فأجازه مالك في كتاب محمد، ومنعه عبد الملك. والمنع في جميع (٣) ذلك أحسن إذا كانا من جنسين صيحاني وبرني (٤)، وما يعلم أنهما يختلفان في النقص إذا صار تمرًا، للحديث، ولا يجوز البسر بالرطب، ولا الرطب بالتمر مثلًا بمثل، ويختلف إذا تحريا نقص الرطب إذا جف، وقد

стр. 3161

اختلف قول مالك في بيع الطري من اللحم باليابس على التحري، وفي العجين بالدقيق على التحري، وأجاز في كتاب محمد رطب الخبز بيابسه على التحري (١)، والمنع في جميع ذلك أحسن؛ لأن الفضل محرم وإن قل، والتحري لا يأتي على حقيقة المماثلة. وقال ابن القاسم في بيع البلح الكبير بعضه ببعض لا يجوز متفاضلًا (٢). وأن يجوز أحسن؛ لأنه غير مدخر، وكذلك البلح الكبير بالبسر أو بالتمر قال مالك: لا خير فيه. وقال في مختصر ما ليس في المختصر: تركه أحب إليّ وعسى أن يجوز. وهذا أقيس؛ لأنه مدخر بما ليس بمدخر. وقد اختلف في الشتوي من التين والعنب متفاضلًا: فأجيز؛ لأنه لا يدخر، ومنع؛ لأن الغالب في ذلك الجنس الإدخار، فحمل القليل على حكم الكثير، وأجاز البلح الصغار بالكبار وبالبسر وبالرطب متفاضلًا إذا كان يدًا بيد. وقال في كتاب القسم في البلح (٣) الصغار هو علف كالبقل. فإذا كان في وقت يكون علفًا جاز أن يسلم في الكبار وفي الزهو والتمر إذا كان مجذوذًا أو يجذ قبل أن يراد للأكل، فإن كان يراد للأكل جاز التفاضل يدًا بيد، ولا يجوز صغاره بصغاره إلى أجل وإن لم يكن طعامًا، كما لا يجوز ثوب بمثله إلى أجل وأجاز النوى بالتمر، ومنعه مرة بموضع المزابنة خاصة؛ لأن التفاضل بين النوايين وبين النوى بالتمر جائز.

стр. 3162

باب في بيع اللحوم بعضها ببعض، وفي بيع الحيوان باللحم والحي بالحي اللحم (١) ثلاثة أصناف: فلحوم ذوات الأربع صنف، إنسيها ووحشيها، الإبل والبقر والغنم وبقر الوحش وحمره وغيرها من ذوات الأربع، لا يجوز التفاضل فيها. ولحوم الطير صنف، إنسيه ووحشيه، وما كان عيشه في البر والماء سواء، ولحوم الحيتان كله صنف البحري والنهري لا يجوز التفاضل فيه، والجراد صنف رابع لا يضم إلى الطير ولا إلى الحوت (٢)، وأجاز أشهب في كتاب محمد التفاضل فيه (٣)، ولا أرى ذلك؛ لأنه مما يدخر. ومنع مالك التفاضل بين لحوم ذوات الأربع بعضها ببعض، وبين لحوم الطير بعضها ببعض لتقارب الأغراض وتقارب منافعها، وأجازه بين ذوات الأربع ولحوم الطير، لتباعد الأغراض والمنافع، وقد قال النبي ﷺ : "الُبرُّ بِالُبرِّ وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ وَالمِلْحُ بِالمِلْحِ مِثْلًا بِمِثْلٍ يَدًا بِيَدٍ، فَإِذَا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الأَصْنَافُ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ إِذَا كانَ يَدًا بِيَدٍ" (٤). فأبان أن التفاضل جائز فيما تباعدت الأغراض فيه.

стр. 3163

فصل [في بيع اللحم بالحيوان] روي عن النبي ﷺ : "أنه نَهَى عَنْ بَيْعِ اللَّحْمِ بِالحَيَوَانِ" (١)، ومحمل الحديث إذا كانا من جنس واحد، وإن كانا من جنسين جاز، فيجوز أن يباع لحم ذوات الأربع بحي الطير، ولحم الطير بحي ذوات الأربع، والحيتان بحي ذوات الأربع وبحي الطير، كل ذلك جائز يدًا بيد. ويفترق الجواب إذا كان إلى أجل، فإن كان الحي يراد للقنية جاز إلي أجل (٢)، وإلا يكون يدًا (٣) بيد، واختلف إذا كان لا يراد للقنية: فمنعه مالك إذا كان الحي لا تطول حياته، واختلف عنه إذا كانت تطول: فمنعه مرة، وأجازه أخرى (٤). قال في كتاب محمد: ليس كل شارف يمنع وإنما ذلك إذا شارف

стр. 3164

الموت (١). ومنعه ابن القاسم جملة، ورآه في حكم اللحم فيدخله الطعام بالطعام ليس يدًا بيد (٢). وأجازه أشهب وإن كان لا تطول حياته، كطير الماء، وهو أقيس، وهو قبل الذبح كسائر الحيوان، وليس كونه مما لا تطول حياته مما يخرجه عن أن يكون في حكم الحي، والقول حتى تطول حياته أحوط، وإذا كان من شرط جواز النسيئة الاقتناء فإن المقتنى ما كان يراد للولادة أو اللبن، أو كان كبشًا يراد لصوفه أو للفحلة للغنم، أو تيسًا يراد لشعر ولمثل ذلك، واختلف فيما لا منفعة فيه إلا اللحم: فقال ابن القاسم في كتاب محمد: هي شاة لحم (٣). وقال أصبغ: لا بأس به، ولا يعد شاة لحم (٤). وهو أبين؛ لأنهم سلموا ما كان يراد للصوف أن ذلك قنية، وما يراد للسمن ولكثرة لحمه أبين، واختلف قول ابن القاسم في الكبش الخصي بالطعام إلى أجل: فكرهه مرة، وقال: لأنه لا يقتنى للفحلة، ثم رجع فقال: إذا كانت فيه منافع غير ذلك فلا بأس به (٥). يريد: إذا كان يرغب في بقائه لصوفه، وإن كان للحمه فهو موضع الخلاف. وقد (٦) قال مالك في العتبية في التيس الخصي: إن كان لا منفعة فيه قائمة

стр. 3165

ولا مؤخرة فهو مثل ما وصفنا (١). يريد: ألا يجوز. وأرى أن يجوز؛ لأن العرب ترغب فيه لشعره، وغيرهم لزقه، وأما الوحشي من ذوات الأربع والطيرفقال مالك: ما كان منه يستحيا فلا بأس به بالحيتان إلى أجل (٢). وقال ابن حبيب: الوحشي لا يقتنى ولا يحيى حياة الاقتناء (٣). وأرى أن يجوز في مثل الحيوان؛ لأنه تطول حياته، ويراد للفراخ والولد، والولد (٤) قنية قولًا واحدًا، فيجوز بذوات الأربع وبالحيتان إلى أجل. فصل [في بيع اللحم بالحيوان من جنس واحد] واختلف إذا كان الحي واللحم من جنس واحد فقال مالك وابن القاسم: لا يجوز كان الحي يراد للقنية أو للذبح، لا نقدًا ولا إلى أجل، لظاهر الحديث، ورأيا أنه شَرْعٌ غير معلل. وقال ابن القصار: معنى الحديث إذا كان الحي لا يراد إلا للحم، وهو من المزابنة بمنزلة الرطب باليابس، وإليه ذهب الأبهري، وأبو محمد عبد الوهاب، وغيرهم من البغداديين، ورأوا أن الحديث معلل (٥)، وإن كان الحي يراد للقنية جاز.

стр. 3166

وقال ابن القاسم في المدونة: إن المنع لأجل المزابنة، إلا أنه مر على المنع جملة، وإذا سلم أن المنع لأجل المزابنة جاز إذا كان الحي يراد للقنية (١). ويجري فيها قول ثالث: ألّا يجوز حتى يعلم ما بينهما من الفضل فيخرجان من عين المزابنة، قياسًا على قول مالك في بيع (٢) ثوب الصوف بالصوف، والجلد بالأحذية، فقال: يكره وإن كان يدًا بيد (٣). قال محمد: إن (٤) جعله من المزابنة فلا يجوز هذا حتى يتبين الفضل (٥). وإن كان الحي لا يقتنى ويراد للذبح لم يبعه باللحم على الإطلاق للحديث، ويختلف هل يجوز على تحري مساواة ما فيهما من اللحم؟ فمنعه ابن القاسم في كتاب محمد على التحري (٦). وأجاز في العتبية أن يباع طير لا يستحيا بطير لا يستحيا إذا كان (٧) تحريا أن يكون مثلًا بمثل (٨). وقال محمد: كره مالك الشارف والمكسورة من الأنعام التي هي للذبح أن تباع باللحم ثم أجازه (٩). يريد: على التحري. وكرهه ابن القاسم. وقال أصبغ: هو خفيف وليس بالحرام (١٠).

стр. 3167

وقال محمد: لا خير فيه وبيعها باللحم أكره من بيعها بالحية، وكل لا خير فيه (١). فصل [في بيع الحيوان الحي بالحي] وبيع الحي بالحي على أوجه: فإن كانا مما يقتنى جاز، وإن كانا لا يرادان للقنية وهما مما تطول حياته، جرت على اختلاف قول مالك، فأجاز ذلك مرة، ورآه بمنزلة ما يقتنى، ومنعه أخرى، ثم يختلف بعد القول بالمنع، هل يجوز على تحري مساواة اللحم؟ وإن كان لا تطول حياتهما لم يجز عند مالك على الإطلاق، ويختلف هل يجوز على التحري؟ فأجازه أشهب على الإطلاق، وهو عنده بمنزلة ما يقتنى، فإن اختلفا فكان أحدهما يقتنى، والآخر لا يقتنى، لم يجز على أحد قولي مالك أنه في حكم اللحم، وإن كان مما تطول حياته، وعلى قوله أنه كالذي يراد للقنية، يجوز، وإن كان مما لا تطول حياته لم يجز على قوله، ويجوز على ما ذكره ابن القصار وغيره. وإن كان أحدهما تطول حياته ولا يراد للقنية والآخر لا تطول لم يجز عند مالك، ويدخله اللحم بالحي على أحد قوليه، وعلى قوله أن ما تطول حياته في حكم الحي، يختلف هل يجوزان على التحري؟ وعلى قول أشهب يجوز ذلك كله كيفما تصرفت به (٢) الحالات من الاختلاف؛ لأنه حي كله.

стр. 3168

والقول ألا يجوز على التحري، وإن سلم (١) أنه في حكم اللحم أحسن؛ لأن التحري لا يأتي على الحقيقة. وقد تقدم ذكر الاختلاف في بيع اللحم باللحم على التحري في الكتاب الأول، وما قيل: إنه لا يجوز إلا عند عدم الموازين، والقول الأخر: أن ذلك لا يجوز بحال أحوط.

стр. 3169

باب في بيع اللبن والبيض بعضه ببعض اللبن عند مالك في حكم ما يدخر؛ لأنه يعمل منه ما يدخر: السمن والجبن وما أشبه ذلك، واللبن وما يؤول (١) عنه على وجوه: حليب، ومخيض، ومضروب، وزبد، وسمن، وجبن، وأقط، فبيع الحليب بالحليب، والزبد بالزبد، والسمن بالسمن، والجبن بالجبن، والأقط بالأقط متفاضلًا ممنوع قولًا واحدًا (٢). واختلف في بيع الحليب بالحليب متماثلًا: فأجازه مالك في المدونة (٣)، وحكى عنه أَبو الفرج المنع، قال: لما بينهما من الزبد المجهول. فمنعه من وجه الغرر، لا من وجه المماثلة؛ لأن المماثلة موجودة. وهذا يصح إذا كانوا يريدونه ليستخرج زبده، وإن كانوا لا يريدونه لذلك جاز. والأول أصوب، ولو منع ذلك لاختلاف ما يراد منهما لما جاز بيع قمح بقمح، لاختلاف ريعهما، ويجوز بيع الزبد بالزبد والسمن بالسمن متماثلًا، وكذلك الجبن بالجبن إلا أن يكون اليابس بالطري. ولا يجوز الحليب بالزبد ولا بالسمن ولا بالجبن ولا بالأقط، ولا يجوز بيع شيء من هذه بالآخر؛ لأن الادخار موجود والتفاضل ممنوع، والمماثلة معدومة لا يقدر عليها.

стр. 3170

ويختلف في بيع المخيض بالمخيض، والمضروب بالمضروب متفاضلًا؛ لأنهما لا يدخران، فمن منع التفاضل فيهما منع أن يباع شيء منهما بحليب أو زبد أو سمن أو غيره مما تقدم ذكره؛ لأنه كالرطب باليابس. ومن أجاز التفاضل أجاز بيع أحدهما بأي ذلك أحب من الحليب وغيره، وقال مالك في المدونة: لا بأس بالسمن باللبن الذي قد (١) أخرج زبده (٢). وهذا لا يصح إلا على القول أن التفاضل بينهما جائز؛ لأنه كالرطب باليابس. وأرى أن يجوز التفاضل في المخيض بالمضروب؛ لأنه مما لا يدخر، ومن منع ذلك حمله على الأصل، وقد تقدم الاختلاف في التين والعنب الشتوي، هل يمنع التفاضل بينهما ويحمل على الغالب من جنسه، أو يجوز؛ لأنه لا يدخر في نفسه ويفسد. فصل [في بيع البيض بالبيض] اختلف في التفاضل في البيض: فمنعه مالك، ورآه مما يدخر (٣). وذكر ابن شعبان فيه قولين: الجواز، والمنع. والأول أبين أنه مدخر، وإنما يسرع إليه التغير في بعض أزمنة الصيف.

стр. 3171

قال محمد: والبيض كله صنف بيض ما يستحيا وبيض (١) ما لا يستحيا، وما يطير وما لا يطير (٢). وقال مالك في بيع (٣) بيض النعام وبيض الأوز وبيض الدجاج: يتوخى أن يكون قدرًا واحدًا. قال محمد: ذلك إذا استثنى صاحبه قشره، فإن أسلمه بقشره لم يصلح وزنًا؛ لأنه لو نحّى قشرة دون الآخر لكان فسادًا، وإنما يريد مشتريه أن يبقى في قشره إلى وقت استعماله (٤). وقد يحمل قول مالك في تسليم بيض النعام بقشره لهذا، ويكون في موضع لا ثمن له فيه، والقياس ألا يجوز ذلك جملة. وقد تقدم ذكر الاختلاف في بيع اللحم باللحم تحريًا، وألا يجوز أصوب؛ لأن حقيقة المماثلة إنما تصح بالوزن أو الكيل، وذلك لا يعقل؛ (٥) لأنه يصير إلى حالة لا تقبله النفس، والتحري لا يأتي على المماثلة حقيقة، ولو كانت شركة فقسمت جاز؛ لأنه يجوز أن يَفْضُلَ أحدهما صاحبه في القسم، ولا يجوز في البيع.

стр. 3172

باب في بيع الزيت والعسل والخل بعضه ببعض الزيوت والعسول أصناف، والخلول صنف، ويفترق الجواب في الأنبذة هل هي صنف أو أصناف؟ فزيت الزيتون، والجلجلان والفجل والقُرطُم، وزيت زريعة الكتان، والجوز واللوز أصناف، يجوز بيع كل واحد منها بالآخر متفاضلًا (١)، ويجوز التفاضل في زيت زريعة الكتان؛ لأنه لا يراد للأكل، ويجوز بيعه بزيت الزيتون نقدا وإلى أجل، ويجوز التفاضل في زيت اللوز؛ لأنه لا يراد للأكل غالبًا، وإنما يراد للعلاج ويدخل في الأدوية، وكذلك زيت الجوز عندنا. وعسل النحل والقصب والقشر (٢) أصناف يجوز بيع (٣) أحدهما بالآخر متفاضلًا، وخل التمر والعنب والتين والعسل صنف لا يجوز التفاضل فيه، ويجوز مثلًا بمثل؛ لأن منافعه الآن متقاربة، فلم يراع الأصل وإن كانت (٤) أصنافًا. واختلف في نبيذ الزبيب والتمر: فقال مالك لا يصلحان إلا مثلًا بمثل؛ لأن منفعتهما واحدة (٥).

стр. 3173

وقال ابن حبيب: الأشربة الحلال ما كان من التمر والزبيب والتين (١). وقال أبو الفرج: عصير العنب والتمر صنفان ما داما حلوين، فإذا خللا لم يجز التفاضل بينهما. وهذا أبين؛ لأن التمر بنبيذه والعنب بعصيره لا يجوز متفاضلًا، ولم ينقله ما يحدث فيه من عصر وانتباذ عن أصله، وإذا كانت باقية على أصولها وكان التمر بالعنب متفاضلًا جائزًا (٢)، جاز الفضل بين نبيذيهما، فإذا صارا خلًا جازت بأصولهما متفاضلة، ولو طالت مدة الانتباذ حتى انتقل طعمه عن أصله جاز بأصله متفاضلًا، واعتبر حينئذ الحالة التي هما عليها، هل يتقارب طعمهما ومنفعتهما أم لا؟ واختلف في بيع التمر بخله، والزبيب بخله، فأجيز ذلك على الإطلاق. وفي ثمانية أبي زيد أنه فاسد، لموضع المزابنة حتى يتبين الفضل، مثل قول مالك في الجلد بالأحذية. فصل [في بيع الزيتون بعضه ببعض وبزيته، وبيع قصب السكر بعضه ببعض] ويجوز بيع الزيتون بالزيتون مثلًا بمثل، وإن كان زيت أحدهما أكثر من الآخر، كالقمح بالقمح، والقمح بالشعير والسلت، يجوز كيلًا وإن كان الريع مختلفًا، ولا يباع الزيتون بالزيت. واختلف إذا كان ذلك الزيتون لا زيت فيه مثل زيتون مصر: فمنعه مالك،

стр. 3174

وأجازه ابن نافع في المبسوط، ويختلف على هذا في بيع الزيتون المصري بالآخر متفاضلًا، وقول ابن نافع هو أحد القولين في بيع التين والعنب الشتوي بالصيفي، فلا يجوز التفاضل في المصري بعضه ببعض؛ لأنه مما يدخر. ولا يباع السمسم بزيته إلا أن يدخله صنعة فيعمل بالورد، أو بالبنفسج، أو الياسمين، فيباع به نقدًا أو إلى أجل؛ لأن ذلك يخرجه عن حكم الطعام، وإنما يراد حينئذ للعلاج، ويباع أحد هذه الأدهان بالصنف الآخر متفاضلًا يدًا بيد، وإلى أجل؛ لأنها ليست بطعام ومنافعها مختلفة. ولا يباع القصب بعسله ولا برُبه إلا أن يدخله الأبزار (١)، وأجيز في السليمانية بيع قصب السكر وعسل القصب بالسكر؛ لأن ذلك صنعة ويطول أمره، ومنع مالك التفاضل بين السكر؛ لأنه عتده يستعمل للتفكه (٢)، ومنه يعمل أهل مصر حلواتهم، ولا يراد عندنا إلا للعلاج. ولا يجوز بيع عسل القصب بِرُبِّهِ (٣)، وهو كالطري باليابس؛ لأن عسل القصب إذا عمل رُبا (٤) نقص.

стр. 3175

باب فيما يكون من الأطعمة صنفًا أو أصنافًا، والصنعة التي تخرجه عن أصله القمح والشعير والسلت صنف واحد. واختلف في العلس والأرز والذرة والدخن، فقال مالك: هي أصناف يجوز التفاضل بينها وبين الآخر (١). وقال مالك في كتاب ابن حبيب في العلس مع الحنطة: صنف واحد في الزكاة والبيع (٢). وقال ربيعة في مدونة أشهب: في الذرة أنها مع القمح صنف واحد في الزكاة والبيع. وذكر عن الليث أنه قال: القمح، والشعير، والسلت، والأرز، والذرة، والدخن صنف واحد في الزكاة والبيع، قال: لأنها تخبز خبزًا (٣). وهو أقيس على قولهم أن أخبازها صنف واحد؛ لأن هذه الأشياء ليست تؤكل على حالها وإنما تراد للخبز (٤)، إلا التسعير فإنه يستعمل على الوجهين جميعًا على حاله ويختبز. وقال أشهب في كتاب محمد: أخبازها كلها صنف واحد (٥). وقال ابن القاسم في العتبية: أكره خبز القمح بخبز الأرز متفاضلًا، فإذا

стр. 3176

كان الغرض استعمالهما خبزًا، وكانت أخبازها كلها (١) صنفًا واحدًا كانت أصولها كذلك، وليست كالخلول؛ لأن التمر والزبيب استعمالهما على حالهما وطعمهما حينئذ متباينة (٢). ويلزم على القول أن أصولهما مختلفة أن يجوز التفاضل فيها، ويجوز التفاضل في أخبازها. وكل ما طُحن من هذه الأصناف فلا يخرجه الطحين (٣) عن أصله فلا يجوز الفضل بينهما، وكذلك إن عُجن، فإن خبز أو عمل سويقًا كان ذلك صنعة يخرجه عن أصله، فيجوز التفاضل إذا بيع بحبه، والفرق بين ذلك أن الطحين لم ينقل طعمه ولا منفعته، وأكثر ما فيه تفرقه أجزائه، وكذلك إذا عجن فإنما أضيف إليه ماء، فإذا خبز انتقل طعمه ومنفعته وتباين الغرض بينهما، وكذلك إذا عُمل منه سويق انتقل طعمه ومنفعته، وإذا كان الطحن ليس بصنعة ولم يجز الفضل فقد اختلف في بيع أحدهما بالآخر كيلًا على ثلاثة أقوال: فقال مالك: يجوز بيع القمح بالدقيق كيلًا لا فضل بينهما (٤). وقال في كتاب ابن حبيب: لا يجوز إلا فيما قل على وجه المعروف بين الجيران والرفقاء، ولا يجوز فيما كثير لزيادة القمح وريعه إذا طحن (٥). وقال أَبو الحسن ابن القصار: يجوز موازنة ولا يجوز مكايلة.

стр. 3177

وظاهر قول مالك في كتاب ابن حبيب: أنه لا يجوز مكايلة ولا موزانة، ولا يصلح (١) أن يجوز موازنة إلا أن يقال: إن المماثلة بين القمحين تجوز من طريقين: الكيل والوزن، وإذا جاز (٢) ذلك قبل الطحن جاز إذا طحن أحدهما؛ لأنه ليس في طحنه أكثر من تفرقة أجزائه. وإن قيل: إن المماثلة بالكيل خاصة لم يجز إذا طحن أحدهما على الوزن، وكان الوجه امتناع المبايعة جملة، فلا يجوز على الكيل، لقول النبي ﷺ : "أَيَنْقُصُ الرُّطَبُ إِذَا جَفَّ" (٣) الحديث، ولا على الوزن؛ لأن استواء الوزن لا يدل على استواء الكيل؛ لأن الكيل يستوي والوزن يختلف. ولا يصح حمل قولهم على ما وزنه وكيله سواء؛ لأنهم لم يتكلموا على بيع صورة معينة، ولا على نازلة في عين، وإنما أطلقوا الجواب في بيع القمح بالدقيق وزنًا، وإن كان غير معين، وفي البخاري ومسلم قال النبي ﷺ : "مَنْ أَسْلَفَ فِي شَيءٍ فَلْيُسْلِفْ فِي كيْلٍ مَعْلُومٍ وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ" (٤). ففي قوله: "ووزن معلوم" (٥) دليل على أنه كان لا (٦) يباع عندهم على الكيل والوزن. ويختلف في بيع الدقيق بالسميد (٧)، فيجوز على من أجاز القمح بالدقيق،

стр. 3178

ويمنع على القول الآخر؛ لأن السميد إذا سُحق زاد ريعه، وإن كان هذا قول بعض المخالفين، فهو قياس أحد قولي مالك، ولا يجوز الفضل بين العجينين، واختلف عن ابن القاسم في العتبية هل يباع أحدهما بالآخر على التحري؟ والمنع أصوب؛ لأنه لا يبلغ معرفة ما خالط كل واحد من الماء. وكذلك الدقيق بالعجين لا يجوز على تفاضل، ويختلف إذا كان (١) تحريًا. واختلف قول مالك في هذا الأصل في اللحم الطري بالقديد على التحري (٢)، وأجاز في كتاب محمد رطب الخبز بيابسه تحريًا (٣)، ولا يجوز الفضل بين الخبز والكعك إلا أن يكون فيه أبزار. ويجوز ذلك بين الإسْفنجة (٤) والخبز والكعك؛ لأن الزيت ينقل طعمهما، كما ينقل الأبزار (٥)، وبين الخبز والسويق؛ لأن منافعهما وطعومهما متباينة (٦)، وكره مالك الحنطة المبلولة بالمقلوة حتى تطحن، وأجازه ابن القاسم (٧). واليابسة بالمقلوة كذلك (٨)، ويجوز الدقيق بالمقلوة قولًا واحدًا؛ لأنه قد فات أن يعمل من أحدهما ما يعمل من الآخر (٩)، واختلف في الحنطة المبلولة

стр. 3179

بالمبلولة فمنعه مالك؛ لأن البلل يحتلف (١). وقيل: ذلك جائز إذا كان ما بُل هذا مثل ما بُل به الآخر (٢). وأما المقلوة بالمقلوة، فإن كانا قد بُلا (٣) قَبْلُ لم يجز، لإمكان اختلاف البلل، وإن لم يبلا وتساوى القلي جاز؛ لأن البل (٤) ينفخ القمح عما كان قبل. فصل [في أصناف القطاني والتفاضل بينها] لا خلاف في القطاني (٥) أنها لا تضاف إلى القمح وما ذكر معه وأن الفضل بينهما جائز، واختلف هل هي صنف؟ فجعلها مالك مرة صنفًا لا يجوز التفاضل فيها (٦)، ومرة أصنافًا. وفرق ابن القاسم في كتاب محمد فقال: القطاني أصناف ما خلا الحمص باللوبيا والبسيلة بالجلبان، فإنهما متشابهان في الأكل والمنفعة (٧). وفي السليمانية: الحمص واللوبيا صنفان، والقول إن جميعها صنف أحسن (٨)، وهي في تقاربها أشبه من الشعير والسلت بالقمح والترمس من القطنية. واختلف في الكرسنّة: فقال مالك في العتبية: هي من القطنية وتزكى

стр. 3180

معها (١). وقال ابن حبيب: هي صنف لا تجمع مع القطنية في الزكاة ولا في البيع (٢). واختلف في أخباز القطنية بعد القول: إنها إذا كانت حبًا أصناف فقال ابن القاسم: خبزها مختلف كاختلاف حبها (٣). وقاله أشهب مرة، وقال أيضًا: لا يصلح ذلك متفاضلًا (٤). قال محمد: وهذا أحب إلينا، وهو مثل سويقه (٥). وأرى أن ينظر في ذلك: فإن كان إذا صار خبزًا تباينت منافعه وطعمه جاز التفاضل، وإن كان الأصل مختلفًا كخبز القمح والذرة والأصل مختلف، فالتفاضل إذا صار خبزًا ممنوعٌ. واتفقا أن سويق القطنية صنف لا يجوز التفاضل بينهما، وإن جاز في حال كونه حَبًّا. والسويق والخزيرة صنف، فاجاز ابن القاسم بيع أحدهما بالآخر متماثلًا. وهذا صحيح على أصله؛ لأنه يجيز القمح بالدقيق، وعلى القول الآخر يمنع؛ لأن الخزيرة جليل السويق، فلو طحن كالسويق كان له ريع. ولا يجوز الحمص اليابس بالمسلوق متفاضلا؛ لأن ذلك ليس مما يطول، ولا يتكلف فيه كبير مؤنة، ولا متماثلًا؛ لأنه رطب يابس، وكذلك يباس الفول بمسلوقه، وإن كان الفول أكثر مؤنة، وقد يجوز ذلك في الترمس يابسه بما يصلح للأكل؛ لأنه يطول أمره ويتكلف فيه مؤنة (٦).

стр. 3181

باب في بيع اللحم باللحم نيئه بمطبوخه وإذا كان اللحم صنفًا واحدًا، جاز بيع بعضه ببعض إذا كانا ذبحا في وقت واحد أو متقارب، وإن بَعُدَ ما بينهما وجف أحدهما دون الآخر لم يجز مثلًا بمثل. ويختلف هل يتحرى ذلك النقص أو يكون ذلك على وجه التفضل من صاحب الأول، وهما في الجودة سواء، أو كان الأول أجود فيجوز، كما قال في الدنانير القليلة بأوزن منها، وإن كان الأول أدنى لم يجز وكان ربًا (١). واختلف هل يتحرى عظم كل واحد من اللحمين؟ فالظاهر من المذهب الجواز من غير اعتبار في ذلك. وقال ابن شعبان: يتحرى أو يفصل (٢) منه. والأول أحسن إذا كانت شاة بشاة أو نصفًا بنصف، وقد أجاز النبي ﷺ التمر بالتمر مكايلة (٣)، وإن كان مختلف النوى وبعضه منتقى والآخر على غير ذلك.

стр. 3182

وإن كان لحمًا معظمًا (١) وأحدهما كثير العظام، لم يجز إلا على وجه المكارمة والتفضل من أحدهما للآخر (٢)، ويعتبر مثل ذلك في قسمته إلا أن المقاسمة تجوز أن يفضل أحدهما الآخر فيعطى أوزن، فإذا جاز أن يعطى أوزن جاز أن يكون مباينًا للعظام ما لم يكن لحمه أحسن، وقد يكون موضع من الشاة أطيب لحمًا. وأجاز ابن القاسم بيع الرؤوس بعضها ببعض موازنة، وإن دخل في ذلك رأس برأسين، وعلى القول الآخر لا يجوز إلا أن يتحرى اللحم. واختلف في بيع الشاة بالشاة إذا ذبحتا ولم تسلخا على التحري على ثلاثة أقوال: فقال ابن القاسم: لا بأس به إذا كان يقدر فيه على التحري حتى يكونا مثلًا بمثل (٣). قال أصبغ في كتاب محمد: لا يجوز؛ لأنه لا يقدر فيه على التحري ويقع فيه اللحم المغيب. وقال فضل بن سلمة: لا ينبغي ذلك وإن استطيع تحريهما إلا أن يستثني كل واحد منهما جلد شاته. وأرى أن يمنع ذلك كله؛ لأنهما إن دخلا على تسليم الجلود في المعاوضة كان بيع عرض وطعام بعرض وطعام، وهو في هذا بخلاف حلية السيفين إذا كانت تبعًا؛ لأن تلك للضرورة في نزعها، وإنما تشترى لتبقى على حالها، وهذه تنزع جلودها.

стр. 3183

وإن دخلا على أن الجلود لأربابها دخله الفساد من وجهين: الغرر؛ لأنه لحم مغيب. والآخر: التفاضل؛ لأن التحري لا يأتي على المثل بالحقيقة. وبيع القديد بالقديد، والمطبوخ بالمطبوخ، والمشوي بمثله جائز مثلًا بمثل. وقال ابن حبيب: لا خير في القديد بالقديد؛ لأن يابسه يختلف، ولا في المشوي بالمشوي؛ لأنه لا يعتدل (١). وبيع أحدهما بالآخر وبالنيء مثلًا بمثل لا يجوز؛ لأنه رطب بيابس، وهذا إذا كان لا أبزار (٢) فيهما (٣)، فإن كان الأبزار في أحدهما جاز مثلًا بمثل ومتفاضلًا. قال ابن حبيب: وذلك إذا غيرته الصنعة بالتوابل والأبزار التي عظمت فيها المنفعة، فأما ما طبخ بالماء والملح فلا. وقال ابن القاسم في قلية اللحم بالعسل وقليه بخل ولبن: لا يجوز التفاضل فيه؛ لأنه مطبوخ كله (٤). يريد: إذا تعاوضا اللحم باللحم خاصة، وإن أدخل الأوداك في المعاوضة جرى على الخلاف في بيع قمح ودقيق بقمح ودقيق. والقياس أن يجوز التفاضل بين قلية العسل والخل؛ لأن الأغراض بينهما متباينة. قال محمد: لا بأس بالأرز المطبوخ بالهريسة (٥) مثلًا بمثل، ولا يصلح

стр. 3184

الفضل بينهما (١). قال أصبغ: وهو مثل عجينهما لا يصلح إلا بالتحري (٢). يريد إذا طبخ الأرز باللحم والأرز والقمح وإن كانا صنفين فالأصل: يجوز التفاضل بينهما، فإذا صارا إلى هذه الصفة تقاربت منفعتهما، فلم يجز التفاضل وجاز بيع كل واحد منهما متفاضلا. والقمح بالهريسة، والأرز غير مطبوخ بالمطبوخ؛ لأن إضافة اللحم إلى أحدهما تخرجه عن أصله؛ لأنه نقله عن طعمه، كإضافة الأبزار إلى اللحم، ويجوز بيعه بما لم يطبخ وبما طبخ بغير أبزار متفاضلا. ويجوز بيع الهريسة بالخبز متفاضلا كان فيها لحم أو لم يكن؛ لأن كون اللحم فيه صنعة، وصنعته غير صنعة الخبز، وإن لم يكن فيها لحم جاز، كما أجزنا القمح بالهريسة. فصل [في بيع مد قمح أو دقيق بمثله، ومد حنطة أو دقيق بمد حنطة ومد دقيق] قال مالك: ولا يصلح مدا قمح ودقيق بمدي قمح ودقيق، وإن كانت سواء كلها، أو بيضاء كلها، وكذلك مد قمح ومد شعير بمد قمح ومد شعير (٣). قال ابن القاسم: خشي الذريعة، لما يكون بين القمحين من الجودة أو

стр. 3185

لفضل ما بين الشعيرين، فيأخذ فضل شعيره في حنطة صاحبه (١). قال: وهو مثل من باع مائة دينار كيلًا ومائة درهم بمائة دينار ومائة درهم كيلًا (٢). وقال محمد في مدي قمح أو دقيق بمد حنطة ومد دقيق: إن كان مدا (٣) الحنطة ليس أحدهما أرفع من مدي (٤) الحنطة والآخر أدنى، كان الدقيق أو الحنطة فلا بأس به، وإن كان مد الحنطة والدقيق كلاهما أجود أو أدنى مما قابلهما أو أحدهما أجود أو أدنى والآخر مثل ما قابلهما جاز، كما قلنا في المراطلة. قيل لمحمد: لم (٥) كره مالك مد حنطة ومد دقيق بمثلهما؟ قال: كرهه مالك للذريعة، ولا بأس به عندي (٦). قال ابن ميسر: لا يعجبني شيء من ذلك، ولا يعجبني قول محمد (٧). يريد: لأن هذا مما يختلف فيه الأغراض، ولا يقطع أن هذا القمح مثل هذا، ولا أن الدقيق مثل الآخر، بخلاف الدنانير، ولهذا نظرها ابن القاسم بدنانير ودراهم، ولم يرها بمنزلتها إذا كانت دنانير كلها؛ لأنه يقطع إذا كانت إحداهما سكة واحدة، وضرب أمير واحد، وبلد واحد، وعيار واحد، ألا فضل لأحدهما على الآخر، فيتقى الفضل في الأخرى، ولا يقطع بمثل ذلك في

стр. 3186

القمحين، فقد نجد قائلًا يقول: هذا أسوأ، وآخر يقول: هذا أفضل، وثالثًا يقول: بل الآخر أفضل، ولا نجد مثل ذلك في الدنانير على أن الصواب في الدنانير المنع، كما قال بعض أهل العلم؛ لأنا لا نجدهما يخرجان عن (١) تلك الذهبين المتساويين (٢) إلا لغرض علماه وقصدا به المبايعة، ولولا ذلك لأمسك كل واحد منهما الدنانير المتساوية وتراطلا في المختلفة، وهو في القمحين أبين، لاختلاف الأغراض فيهما، وهو حرام لا يحل. تمَّ كتاب السلم الثالث بحمد الله وعونه

стр. 3187

كتاب التفليس النسخ المقابل عليها ١ - (ف) = نسخة فرنسا رقم (١٠٧١) ٢ - (ت) = نسخة تازة رقم (٢٣٤ & ٢٤٣) ٣ - (ر) = نسخة الحمزوية رقم (١١٠)

стр. 3188

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وصلي الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كتاب التفليس باب في الغرماء وهل يفلس الواحد غريمه ومن حق الغرماء إذا تبين فلس غريمه الحجر عليه، وانتزاع ما في يديه، وقد حجر النبي ﷺ على معاذ بن جبل، وقسم ماله بين غرمائه (١)، وفعل ذلك عمر بن الخطاب ﵁، وقال: أسيفع جهينة رضي من دينه وأمانته أن يقال: سبق الحاج، ثم ادان معرضا، فمن كان له عليه شيء فليأتنا فإنا نبيع ماله (٢). فإن خالفهم الغريم وادعى الملاء وامتنع من التفليس كشف السلطان عن ماله (٣)، فإن وجد وفاء بجميع دينه لم يفلس، وإن لم يجد وفاء فلس، وهذا هو المعروف من المذهب.

стр. 3189

وفي كتاب محمد: إذا كان في يديه أكثر مَن حقِّ (١) من حلّ (٢) دينُه وقام بفلسه لم يفلس (٣)، وليس بحسن إلا أن يكون ما فضل عن الأول إذا تجر فيه وفاء لحق الآخر عند محل دينه، وإن كان ما في يديه كفافا لمن حل دينه، وله مؤجل مثل المؤجل (٤) الذي عليه في العدد والأجل على موسر أو كان محل دينه أبعد أجل وهو أكثر عددا، فإن بيع الآن أو عند محل ما عليه وفى بالدين لم يفلس، وكذلك إن كان أجل دينه (٥) قبل وهو أقل، ويرجى بعد قبضه (٦) وتجره به (٧) أن يوفى بما يحل عليه. فصل [في وجه من يقوم بالفلس] وقيام الواحد بالفلس (٨) على ثلاثة أوجه: فإما أن يكون هو أحد الغرماء، أو يكون الدين (٩) له وحده، وهو حال أو مؤجل. فإن كان أحد الغرماء كان له تفليسه، وإن كره ذلك من سواه ويقسم ما ظهر له (١٠) ويسجن فيما عجز، قال محمد: إلا أن يرضى غرماؤه لهذا (١١) أن يأخذ من الظاهر جميع دينه أو (١٢) يدفعوا ذلك من أموالهم فلا يفلس (١٣)، وإن لم يكن عليه دين لغير (١٤) من قام به ودينه حال كان له أن يفلسه إن ادعى

стр. 3190

الغريم الفقر فإن وجد سلعته كان بالخيار بين (١) أخذها أو تباع له، فإن لم يوف ما بيعت به سجن في الباقي، وإن لم يجد سلعته سجن حتى يوفي أو يثبت فقره، وإن كان دينه مؤجلا ولم (٢) يتغير حاله عن يوم عامله ولا كان غيره من فلس لم يكن له أن يفلسه، وسواء كان يجد عند الأجل شيئا أم لا، وإن ظهر منه إتلاف وخشي أن لا يجد عند الأجل شيئا كان له أن يحجر (٣) عليه، ويحل دينه إلا أن يضمن له أو يجد ثقة يتجر له فيه، ويحال بينه وبينه، وإن غره من فلس لم يكن له عند مالك مقال لا في أخذ سلعته ولا في تعجيل حقه، والأبين أن يكون له أن يأخذ (٤) سلعته لأن العسر عيب، ومعلوم أن ثمن ما يباع به من المعسر مخالف لما يباع به من الموسر، وكثير من الناس من (٥) لا يرضى البيع من المعسر، وإن أضعف في (٦) الثمن، وإذا كان ذلك له أمر يأخذ سلعته وليس له أن يتعجل الثمن ولا أن (٧) تباع له السلعة بالنقد لأنه لم (٨) يحدث من المشتري أمر خلاف ما كان عليه، وإنما له أن يأخذها لأجل عيب الذمة.
следующие страницы →