← Фикх малики

Фикх малики · id 14591

التبصرة للخمي

اللخمي، أبو الحسن

Полный текст (6 502 стр.). Показаны 3606–3645 · переход к 3611.

стр. 3606

باب [في الوصية لغير عدل، وفي وصية الأم , والجد، والأخ , والوصية إلى الغائب، وفي تصرف الوصي في مال الميت، وما يوجب عزلته, وهل للوصي أن يقيم غيره مكانه عند السفر والمرض والموت ؟] ولا تجوز الوصية بمال اليتامى إلا إلى عدلٍ قيِّم بما يُسْنَدُ (١) إليه من ذلك، وكذلك إن جعله وصيًا على قضاء دين أو اقتضائه خيفة أن يدعي غير العدل الضياع قبل القضاء وبعد الاقتضاء، فإن فعل وادعى الضياع لم يصدق وغرم إذا كان غير مأمون ولأن المال بنفس الموت ملك للوارث والوصي كالوكيل على ذلك، وإذا لم يحسن النظر رد فعله. ولا تجوز الوصيةُ لذمي يهودي أو نصراني لعدم العدالة، ولأنه غير ناصح للمسلم. قال ابن القاسم في العتبية: إلا أن يكون أبوه أو أخوه نصرانيًّا، فلا بأس، يصل بذلك رحمه. قال في بعض مجالسه: ولا يلي عقد نكاح البنات وليوكل بذلك مسلمًا (٢). وأجازه أيضًا إلى زوجته النصرانية وهذا إذا كان الموصى إليه معروفًا بالأمانة والوفاء، فإذا اجتمع ذلك مع القربى لم يخش على الولد ضيعة في مالٍ ولا نفس (٣). وتجوز الوصيةُ للعبد إذا كان مأمونًا على ما أقيم له غير عاجز، وسواء كان

стр. 3607

ملكًا للميت أو لأجنبي إذا رضي سيده، وكان السيد ممن لا يخاف أن يغلب على ما في يدي عبده. وقال أشهب في كتاب محمد: فإن ظعن به سيده أو مشتريه من سيده جعل السلطان وصيًا غيره. وهذا خلاف المعروف من قوله، والمعروف في هذا الأصل أن للعبد أن يقيم مكانه عند سفره أو غيره من غير حاجة إلى سلطان، ولا فرق في ذلك بين حرٍّ أو عبدٍ، وإن رضي المشتري أن يبقيه على الوصية جاز، وإن أوصى الميت ببنيه الصغار إلى عبده فدعا الكبار إلى البيع فإن رضوا ببيع أنصبائهم خاصة جاز وبقي العبد على حاله في الوصية، وإن دعوا إلى بيع الجميع؛ لأن في بيع أنصبائهم بانفرادها بخسًا كان ذلك لهم على قول مالك، إلا أن يرى أنَّ أخذ بقيته حسن نظر أو يدفع إلى الشركاء قدر ذلك البخس، فلا يباع على الصغار أنصباؤهم. فصل [في الوصية إلى غير العدل] والوصية إلى غير العدل تجوز بما يخص الميت كالوصية بالثلث وبالعتق. قال مالك في كتاب محمد: فإن كانت الوصية بعتق أو بشيء في السبيل ولم يكن وارث لم يكشف عن شيء إلا عما تبقى للورثة منفعتُه مثل العتق لهم الولاء إلا أن يكون الوصي سفيهًا سارقًا (١) فيكشف عن ذلك كله، فرب وصي لا ينفذ من الوصية شيئًا. وهذا صحيح؛ لأن الميت وإن أوصى إلى غير عدل فإنه لم يرد إلا إنفاذ الوصية فلا يمنع الورثة من الاطلاع على ذلك حتى يعلموا أنه أنفذها، قال مالك: وإن كان الوصي وارثًا فلباقي الورثة أن ينظروا في ذلك

стр. 3608

ويكشف عنه الوصي (١). وأرى إن كان معلومًا بالعدالة فتبين أنه غير عدل أن ينتزع منه أو يحضر معه عدلان. فصل [في صحة الوصية من الأب أو الأمِّ] الوصيةُ تصح من الأب ولا تصح من الأم مع وجود الأب أو وصي الأب ومع عدمهما إذا كان المال كثيرًا، واختلف في اليسير فأجازه ابن القاسم إذا كان يسيرًا كالخمسين دينارًا أو نحوها (٢)، ومنعه غيره. ولا تصح وصية الأخ بما يرث عنه أخوه إذا كان يسيرًا، ولا وصية الجد بما يرث عنه ابن ابنه، بخلاف الأب لوجهين: أحدهما: أنه كان الناظر لولده في الحياة والقابض له لو ورث عن أمه أو تصدق عليه، والآخر ما خص به الآباء من الشفقة والحنان وما لا يتهم فيه أحد منهم والإخوة والجد تارة وتارة، ولهذا جاز للأبِ الجبر على النكاح دون الإخوة والجد. قال ابن القاسم: وإن كان ولد الابن في حجر جده لم تجز وصيته به (٣). وقال في كتاب القسم فيمن أوصى لأخيه بمال وهو في حجره: لم يقاسم له ولم يبع، وأجاز ذلك أشهب في مدونته (٤). فعلى قوله تجوز وصيته بما يرث عنه إذا لم يكن وصي وكل هذا في الوصية فيما صار له من مال بميراث، وأما ما يتطوع الميت بالوصية به فتجوز الوصية ويكون القابض له من وصية الميت، وإن كان

стр. 3609

للمولى عليه أب (١) أو وصي لأنه متطوع، فإذا قال: يكون ذلك موقوفًا على يدي فلان حتى يرشد لم يكن للأب ولا لوصيه في ذلك مقال، وإن قال: يدفع إلى المولى عليه يتسع به في ملبس أو مطعم لم يكن لوصيه أن يقبض ذلك ولا يحجر عليه فيه؛ لأنها هبة من الموصي على صفة فلا تغير، وأجاز ابن القاسم لملتقط اللقيط أن يقبض ما وصي له به ويقاسم له، ومنعه في الأخ وإن كان في حجر أخيه, والأخ أولى لأنه جمع القيام به والنسب (٢). فصل [في الوصية المطلقة والمقيدة] الوصيةُ تجوز مطلقة ومقيدة، فإن قال: فلان وصي ولم يزد على ذلك جاز وكان وصيًا في جميع ما يقام به للولد. قال مالك في كتاب محمد: إذا قال: فلان وصي قد استقصى له وبالغ (٣). وكذلك إن قال: وصي على مالي دخل فيه الولد. وإن قال على ولدي دخل المال ويدخل في قوله على ولدي الذكران والإناث، وكذلك إذا قال: على بني إلا أن يخص فيقول: الذكران، أو بناتي (٤)، وإن جعل الوصية إلى ثلاثة، جعل إلى أحدهم اقتضاء الدين، وقضاء ما عليه ولآخر النظر في الفاضل والتصرف فيه بالبيع والشراء، ولآخر تزويج بناته جاز، وليس لأحدهم أن يلي غير ما جعل له فإن تعدى من له النظر في الفاضل فاقتضى أو قضى مضي فعله

стр. 3610

ولم يرد قضاؤه ولا اقتضاؤه. وإن باع أو اشترى من جعل له النكاح رد فعله، وإن زوج من جعل له النظر في المال رد فعله؛ لأنه معزول عن ذلك وقد أقيم له غيره وليس هو (١) بمنزلة قوله "فلان وصي على قضاء ديني وبيع تركتي وسكت عن بناته ولم يقم لهن أحدًا، فقال مالك: إن زوج من جعل له النظر في المال (٢) أرجو أن يكون جائزًا واستحب أن يرفع إلى السلطان لينظر هل عليها في ذلك ضرر أو بخس في صداق؟ (٣) وقال أشهب: النكاح جائز (٤). وقول مالك أحسن. فصل [في تصرف الوصي] تصرف الوصي على ثلاثة أوجه: في الإنفاق، والكسوة وما أشبه ذلك، وفي البيع والشراء والنكاح. فأما الإنفاق فإنه يجري من ذلك الوسط من مثل ذلك المال في قلته وكثرته، ولا يضيق على من له المال الكثير فينفق عليه دون نفقة مثله، ولا كسوة دون كسوة مثله (٥)، ولا يسرف فينفق ويكسو فوق ما يشبهه ولا فوق ما يحمل ذلك المال، ويوسع في الأعياد حسب المعتاد، ويضحي عنه من ماله، إلا أن يكون قليل المال يضر به ذلك، وينفق على المولى عليه في ختانه وعرسه، ولا

стр. 3611

حرج على من دعي فأكل، ولا يدعو اللعابين، وهو ضامن لما أنفق في ذلك أو غيره من الباطل. ووسع ربيعة أن يشتري له اللعب، وقال: إن ذلك مما يشبه. ويجوز أن يدفع إليه من النفقة ما يرى أنه لا يتلفه الشهر ونحوه، فإن خيف أن يتلفه قبل تمام الشهر أو علم ذلك منه؟ فنصف شهر أو جمعة على قدر ما يعلم منه، وإن كان يتلفه قبل ذلك فيوم بيوم ويحسن أن يتجر له، وليس ذلك عليه، وله أن يعطي ما يراه من ماله قراضًا، وأن يسلم له أو يداين ولا يسلف ماله؛ لأن ذلك معروف إلا أن يكون كثيرًا يتجر له ويسلف الشيء اليسير مما يصلح وجهه مع الناس فلا بأس (١)، ويجوز أن يتسلف إذا رأى ذلك حسن نظر لتغير السوق فيما يبيع له أو لتيسر (٢) البيع أو ليقدم مال له غائب (٣) وتكون المداينة معلقة بعين (٤) ذلك المال ويبيع ما يرى أن بيعه حسن نظر. قال مالك في عبد ليتامى قد أحسن عليهم: ليس للوصي أن يبيعه عليهم ولا يبيع عقارهم إلا أن يكون لذلك وجه يبيع للإنفاق أو يرغب في الثمن ما يرى أن ذلك غبطة أو يخشى سقوطه ويحتاج من النفقة ما يرى أن بيعه والشراء بثمنه أفضل، أو يكون في موضع خراب، أو يخشى انتقال العمارة من ذلك الموضع فيبدله بما هو أعلى منه أويبيعه بعين فيشتري بثمنه ما هو أعلى (٥).

стр. 3612

فصل [في التصرف في البيع والشراء إذا كانا وصيين] وإن كانا وصيين لم يكن لأحدهما أن يتصرف في بيع ولا شراء دون صاحبه، فإن فعل وأراد الآخر رد فعله رفع إلى السلطان، فإن رأى فعل الأول (١) صوابًا أمضاه وإلا رده، فإن فات المشتري بالبيع كان على الذي انفرد بالبيع الأكثر من الثمن أو القيمة، وإن اشترى وفات البائع بالثمن كانت السلعة المشتراة له وغرم الثمن. قال أشهب: إلا في الشيء التافه الذي لا بدَّ لليتيم منه مثل أن يغيب أحدهما فيشتري الباقي الطعام والكسوة وما يضر باليتيم استئخاره (٢)، وإن ادعى رجل قَبِلَ الميت دعوى لم يخاصم أحدهما دون الآخر إلا أن يكون الآخر (٣) غائبًا، فإن انحصر الحاضر (٤) وقضي على الميت وقف الغائب على حجته ونظر ما عنده بعد قدومه، وكذلك إن كان للميت دعوى فلا يخاصم أحدهما دون الاخر، إلا أن يكون ذلك بوكالة من صاحبه أو يكون الآخر غائبًا. وقال مالك: يكون المال عند أعدلهما ولا يقسم، قال ابن القاسم: وإن كانا في العدالة سواء فأحرزهما وأكفأهما (٥). وكل هذا استحسان، ولو جعلاه عند أدناهما عدالة لم يضمنا؛ لأن كليهما عدل.

стр. 3613

قال مالك وابن القاسم: لا يقسمانه (١). قال ابن كنانة في المجموعة: فقد يريد اجتماعهم فيريد أحدهم لأمانته والآخر لكفايته والآخر لرأيه (٢). قال مالك في كتاب محمد (٣): فإن اختلفوا طبع عليه وجعل عند غيرهم. وقال علي بن زياد في المجموعة: إن تشاحوا قسموه ولم ينتزع منهم (٤). وقال أشهب: لا يقتسمانه فإن اقتسماه لم يضمنا. قال: ويكون عند هذا حظ فلان وعند هذا حظ فلان. يريد: ويبقيان بعد القسمة في النظر على الشياع ويديران (٥) جميعًا حظ كل واحد ما عنده وعند صاحبه، وليس أن ينفرد كل واحد بالنظر فلا ينظر معه الآخر فيه. وقال ابن الماجشون: فإن فعلا ضمن كل واحد منهما جميع المال فيضمن ما عنده لاستبداده بالنظر فيه وما عند صاحبه (٦). يريد: لأنه رفع يده عنه، وكذلك الوديعة يستودعها الرجلان فيقتسمانها هما ضامنان؛ لأن الموصي والمودع لم يرض أحدهما لذلك إلا أن يكونا اقتسماها على وجه الحفظ وكل واحد نظره مع صاحبه. وإذا حضرت أحدهما الوفاة فلا يخلو من أربعة أوجه: إما أن يموت من غير وصية، أو يجعل صاحبه مكانه في ذلك، أو يشرك معه غيره بمراضاة من صاحبه، أو بغير مراضاة. فإن مات من غير وصية لم يكن للحي أن يلي النظر

стр. 3614

وحده وينظر السلطان في ذلك، فإما أقره وحده إن رأى ذلك وجهًا أو يشرك معه غيره، وإن مات صاحبه عن وصية وجعل النظر إلى الآخر (١) ورضي له بذلك الحي جاز، وكذلك إن أقام آخر معه (٢) ووافقه عليه الحي جاز من غير مؤامرة حكم (٣)، وإن خالفه فيه رفع إلى السلطان، فإن رآه صوابًا أثبته معه، وإن كره الحي وإلا عزله وأقام غيره أو أقره وحده إن رضي الحي؛ لأنه يقول: لم أكن ألتزم النظر وحدي في جميع ذلك المال، وكذلك إن مرض أحدهما أو سافر فلا يلزم الآخر النظر وحده، ويجوز أن يجتمع رأيهما على نظر هذا وحده أو على آخر (٤) يكون مع الباقي المقيم أو الصحيح، فإن رأى ذلك المريض أو المسافر وحده وخالفه الآخر نظر السلطان في ذلك، وكذلك إن لم ينظر المسافر أو الصحيح في شيء من ذلك فعلى الآخر أن يرفع الأمر إلى السلطان فينظر هل يقره وحده أو يجعل معه غيره؟ وهذا أصل قول مالك وابن القاسم أنه لا يجوز لأحدهما أن ينفرد بالنظر دون غيره ولا أن يقيم غيره في التصرف في الحياة في شيء دون مؤامرة صاحبه، وكذلك عند الموت، وأما إجازة يحيى بن سعيد (٥) لأحد الوصيين أن يوصي إلى غيره دون مؤامرة الآخر (٦)، فليس هو على المذهب.

стр. 3615

فصل [في عزل الوصي] ويعزل الوصي إذا اطلع منه على خيانةٍ، وهو في العزل على وجهين: فإن كان لبلهٍ (١) أو لقلة ضبط أو تفريط، نزعت منه، وإن كان لكثرة المال أو لكثرة المستغل قوي بآخر ولم ينزع منه، وإن كانت الوصية إلى زوجته فتزوجت لم تنزع الوصية (٢) بنفس التزويج، وكشف عن حالها وحال الزوج معها والمال والأيتام؛ لأن الغالب من الزوج أنه يغلب الزوجة على ما في يديها. قال مالك: فإن عزلت الولد في بيت وأقامت لهم ما يصلحهم كانت أولى بهم، فإن أبت نزعوا منها (٣). قال: ولو قال الميت: إن تزوجت (٤) فانتزعوهم منها، فتزوجت لم ينزعوا عن وصيتها. قال محمد: لأن الميت لم يقل: إن تزوجت فلا وصية لها، وإنما قال: انتزعوهم، وهي وصية على حالها فتكلم في أمر الولد إن كانوا في حفظ تركوا، وإن أضاعتهم نزعوا. قال ابن القاسم: وأما المال فإن كان يسيرًا وهي على اليسر في حالها لم يؤخذ منها، وإن كان له بال وهي مقلة وخيف ناحيتها أخذ منها، وقال أصبغ: وهي على الوصية على كل حال إلا أن تكون مأمونة بارزة والأمن على المال عندها في تزويجها في الحزم والدين والستر فيقر في يدها (٥). يريد:

стр. 3616

أنها إن كانت على غير ذلك انتزع المال ووقف على يدي عدل ولم تنتزع منها الوصية وتراعى حال الزوج؛ فليس الموسر كالفقير ولا المعروف بالنزاهة كغيره، إلا أن تكون معروفة باليسار وما يكون في مالها متسع لرضاه، وهذا يعرف عند النزول.

стр. 3617

باب فيمن أوصي بوصيةٍ وقال: أخبرت بها فلانًا فصدقوه , أو قال: جعلت له أن يجعلها حيث رأى, أو قال: من ادعي عليَّ بدين كذا وكذا, فصدقوه وقال مالك في كتاب محمد فيمن قال عند موته: وصيتي عند فلان، واشهدوا عليَّ بذلك فأخرج فلان وصيته بعد موته وفيها عتق وغيره: فهي جائزة، وإن كتب نسختين وجعلهما عند رجلين كان أبين، وقال أيضًا: إن أخرجها ولا بينة فيها، وإنما البينة على قوله، فإن كان الذي هي بيده عدلًا جازت، قال سحنون: وكذلك إن كان غير عدل (١). وهو أحسن؛ لأن الميت أمر أن يصدق مع علمه بحاله، ولأنا على يقين أنه مات عن وصية وأمر أن تنفذ، فإذا لم يقبل قوله إذا كان غير عدل بطلت وصيته، وإن قال: وصيت بثلثي لرجل وأعلمت به فلانًا فصدقوه صدق فلان فيما يقول إنه أوصى له به، إلا أن يكون لمن يتهم عليه مثل أن يقول: أوصى به لولدي أو ما أشبه ذلك، فقال مالك: لا يصدق إلا أن يرى لذلك وجه يعرف به صواب قوله (٢). وقال أشهب: يقبل قوله، وإن قال: يجعله حيث يرى، فجعله لنفسه أو لابنه لم يجز. قال في كتاب محمد: ولو أعطى ابنه أو أقاربه (٣) كما يعطي الناس (٤) حسب

стр. 3618

الاستحقاق جاز، ولا بأس أن يعطي أقارب الميت كما يعطي الناس، قال: وإن كان المتولي محتاجًا، فلا يأخذ منه، قال أشهب: فإن فعل وأخذ حسب استحقاقه لم آخذه منه، وقاله ابن القاسم، والأول أحسن (١)، وحماية ذلك أولى وإن جعل إنفاذ ثلثه لرجل يجعله حيث أراه الله فهلك قبل أن ينفذ ذلك فليأمر القاضي من يرضاه فيضعه حيث يرى. وقال ابن القاسم فيمن قال: كنت أعامل فلانًا وفلانًا فما ادعوا عليَّ فصدقوهم، فليعطوا ما ادعوا بغير يمين ما لم يدعوا ما لا يشبه. وقال في العتبية فيمن قال عند موته: ما شهد به عليَّ أبي من دين فهو مصدق إنَّه كالشاهد إن كان عدلًا (٢)، وإن لم يكن عدلًا أو نكل المشهود له عن اليمين فلا شيء له إلا قدر نصيبه. وقال أصبغ في كتاب ابن حبيب: يصدق وإن لم يكن عدلًا، وقال مالك فيمن قال: من ادعى عليَّ من دينار إلى عشرين فاقضوه بغير بينة، فذلك جائز، فإن ادعى جماعة كل واحد بأقل من عشرين تحاصوا في عشرين فقط (٣). قال ابن القاسم: لأن مخرج قوله على وجه التفرقة من ادعى من ها هنا وها هنا، وإن ادعى واحد أكثر من عشرين لم يكن له شيء (٤). واختلف إذا ادعى واحد عشرين، فقال مالك: يحاص، وقال ذلك ابن القاسم مرة: يحاص، وقال أيضًا: لا يحاص من ادعى عشرين، ولا يعجل في

стр. 3619

ذلك وليكتم ولا يفش وتخرج العشرين من رأس المال، وأمَّا إن قال: من ادعى عليَّ دينًا فحلفوه وأعطوه فهذا يكون من الثلث بخلاف الذي وقت العشرين فكأنه أقرَّ بعشرين لا يدري لمن هي، وإن قال: كل من ادعى عليَّ من دينار إلى عشرين فاقضوه مع يمينه بغير بينة, فهذا من الثلث بخلاف المسألة الأولى (١)؛ لأنَّ ذلك وقت عشرين واحدة لا يدري لمن هي، وهذا لم يؤقت، فإن استغرقوا ثلثه بمثل هذه الدعوة أخذوه.

стр. 3620

باب فيمن أوصى لأم ولده أو لزوجته بمال على ألا تتزوج وقال ابن القاسم فيمن أوصى لأمِّ ولده بدنانير على ألا تتزوج: فلا بأس به، فإن تزوجت انتزعت منها (١)، وكذلك لو كانت حرة فأوصى لها زوجها بمال على ألا تتزوج فتزوجت فأجاز ذلك (٢)، وإن كانت معاوضة فيها غرر؛ لأنها تأخذ المال ثم هي بالخيار بين ألا تتزوج ويبقي لها المال أو تتزوج فترد المال، فهو تارة بيع وتارة سلف، وقد تمسك نفسها عن الأزواج عشر سنين ثم تتزوج فَيُرَدُّ جَمِيعُ المال ولا يحط عنها لوقوفها عن الأزواج تلك السنين شيء. وقال في السليمانية في امرأةٍ وضعت عن زوجها بعض صداقها على ألا يطلقها: فإن طلقها فلها ما وضعت، لم يجز قال: لأنها اشترت شيئًا لا يشترى مثله فإن شاء طلق وإن شاء أمسك وعليه أن يرد ما وضعت (٣)، فمضى في هذه المسألة على الأصل في معاوضات الغرر، فعلى قوله لا يجوز أيضًا وصية أم الولد. فصل [في الوصي يقول بعد رشد يتيمه: دفعت إليه ماله وكذبه] وقال ابن القاسم في الوصي يقول بعد رشد يتيمه: دفعت إليه ماله وكذبه

стр. 3621

فالقول قول اليتيم لقول الله : ﴿فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ﴾ [سورة النساء آية: ٦] (١). وقال عبد الملك في هذا الأصل، إذا أمر المودع أن يدفع لغير من دفع إليه: فالقول قول المودع (٢). فكذلك الوصي القول قوله، ومحمل قول الله في الإشهاد أن ذلك لدفع التنازع والأيمان ليس لأنه إن لم يشهد لم يقبل قوله كما أمر الله في المداينة بالإشهاد لدفع الأيمان والتنازع. وقيل: المعنى في الآية في الإشهاد عند دفع ما أكل الوصي بالمعروف وصار في ذمته فإنه يأكل على وجه السلف، ولا أرى أن يقبل اليوم قول أحد من الأوصياء؛ لأنَّ الغالب ممن يلي اليوم (٣) مال اليتيم أنه يتسلفه ويصير (٤) في ذمته إلا أن تطول المدة بعد الرشد وهو لا يطلب، وإن قال الوصي: أنفقت عليهم ذلك، كان القول قوله إن كانوا عنده ما لم يأت بما لا يشبه فيسقط الزائد، وإن كانوا في كفالة أمهم أو غيرها فأنكروا أن تكون النفقة من عنده كان القول قولها إلا أن يعلم أنها كانت تأخذ النفقة منه، وإن خفي عن البينة تتابع الأخذ إلا أن تدعي الأم أجر شهر وما يشبه أن يتأخر قبضه لما يعلم من لدده أو مطله فتصدق هي فيما يشبه من ذلك أو يُعلم من فقرها وضعفها ما يدل على أن النفقة ليست من عندها، مع ما يرى من تهمة (٥) الصبي والقيام به.

стр. 3622

فصل [فيما إذا قال أحد الورثة: هذا العبد وديعة عند أبي لفلان] وإذا قال أحد الورثة: هذا العبد وديعة عند أبي لفلان، فإن كان عدلًا حلف المقر له واستحقه إذا لم يخلف سوى ذلك العبد أو خلف غيره، ولا ينقسم جميعهم على سهامهم، أو كانوا ينقسمون إن دخل في القسم فرضي الورثة ألا يُدْخّلّ (١) في القسم، فإن دعوا إلى دخوله في القسم؛ لأنه إن خرج لم تعتدل سهامهم كان ذلك لهم، فإن صار ذلك العبد لمن أنكر أخذ المقر له من المقر ما زاد في قسمه لمكان ذلك العبد. قال محمد: وإن صار للمقر أخذه المقر له بغير شيء، ولم يره كالفداء (٢)؛ لأن الفداء (٣) ما دخل فيه المفتدي (٤) بالطوع، وهذا دخل فيه بالجبر من أخيه فأشبه من غصب عبدًا ثم وضع عليه يد آخر وأخذ عبده بغير رضاه، وقال: يكون ما تركت عندك عوضًا من هذا، فليس هذا بافتداء، ولصاحب العبد الأول أن يأخذ عبده بغير شيءٍ قولًا واحدًا.

стр. 3623

باب فيمن أوصى لعبده أو لعبد وارثه وصية الميت لعبده على أربعة أوجه: إمَّا أن يوصي له بجزء من ماله، أو بدنانير، أو بعرض، أو يجمع الوصية بجزء وغيره، أو بمنافع سكنى دار أو خدمة عبد. فإن أوصى له فقال: له ثلث مالي كان ثلث العبد عتيقًا؛ لأن مقتضى الوصية أن له الثلث من كل شيءٍ من العبد وغيره فيعتق ثلثه بالوصية. واختلف في عتق الثلثين، فقال مالك: يستكمل عتق العبد في بقية الثلث (١)، وجعل الاستكمال على العبد لا على السيد، فقال: لأنَّ العبد بين الرجلين إذا أعتق أحدهما نصيبه استكمل عليه (٢) فالعبد في نفسه أحرى أن يستكمل ما بقي منه على نفسه (٣). قال ابن القاسم بها كتاب ابن سحنون: وإن كان معه وصية لأجنبي بالثلث تحاصا (٤)، قال: ولا يبدأ بالعبد لأنه إنما أُعْتِقَ على نفسه (٥). وقال المغيرة وعبد الملك (٦) ابن الماجشون: يعتق ثلث العبد ولا يستكمل. ورأيا أن العتق من الميت ولا يستكمل على ميت، وقال المغيرة: فإن كانت معه وصية بمال بدئ بثلث العبد، فإن فضل عن ثلثه شيء حاص به أهل الوصايا، وقال ابن

стр. 3624

الماجشون: يبدأ إلى منتهى عتقه ثم يكون مع الوصايا حصاصًا (١). واختلف بعد القول بالاستكمال في ماذا يستكمل؟ فقال مالك: يستكمل في بقية الثلث ولا يستكمل في ما في يديه من غير الوصية، وقال ابن القاسم: يستكمل في ما في يديه، قال: ولو لم يستكمل في ما في يديه لم (٢) يستكمل في بقية الثلث (٣)، وعلى هذا يجري الجواب إذا أوصى له بسدس ماله، يعتق سدس العبد، ثم يختلف هل يستكمل خمسة أسداسه؟ فأمَّا من قال: إنه يستكمل على العبد فلا يصح إلا أن يقول العبد بالخيار بين القبول والترك، وإن قبل كان الورثة بالخيار بين أن يعتقوا أو يقوموا، وعلى هذا يصح قول ابن القاسم إنَّه لا يبدى، وقول مالك ألا يستكمل فيما في يديه أبين؛ لأن ثلثي ما في يديه للورثة، وإنما يصح الاستكمال أن يدفع إليهم القيمة من غير ماله ولهذا فرق في القول الآخر، ورأى أن يستكمل فيما وصى له به؛ لأنه لم يتقدم لهم فيها شرك، وإن أوصى له بدنانير أو بثوب أو بعبد والثلث يحمله جاز وأخذ وصيته ولم يعتق منه شيء، ويختلف إذا لم يحمله الثلث ولم يجز الورثة، فعلى القول إنَّه يقطع بالثلث في عين الموصى به لا يعتق منه شيء. وعلى القول إنَّه يقطع بالثلث (٤) شائعا يعود الجواب إلى الأول. ولو وصى (٥) له بثلثه، وأوصى بجزء وبثوب أو عبد وحمل ذلك ثلثه مثل أن يوصي له بسدس ماله وبعبد هو تمام ثلثه، فإنه يعتق سدسه بوصية الميت ثم

стр. 3625

يختلف في الاستكمال، وفي ماذا يستكمل؟ هل في جميع ما في يديه وفيما وصى له به أو فيما وصى له به فقط؟ وقال ابن القاسم وأشهب في كتاب ابن المواز في الخامس من العتق فيمن أوصى لعبده بمال: لم يكن ذلك عتقًا ودفع إليه ذلك إن خرج من الثلث أو ما خرج منه، وإن أوصى له بشيءٍ معين يستوعب ثلث الميت سوى ثمن العبد، فكذلك لا يعتق منه شيء، وإن كان مما لا يقطع له فيه بعينه مثل السكنى فلا تخرج الدار من الثلث ولم يسلموا كما أوصى الميت، قطع للعبد بالثلث من كل شيء فحينئذ يملك العبدمن نفسه جزءًا فيعتق كله من الثلث. ومن أوصى لعبده بربع نفسه وثلث ما بقي سوى (١) العبد أعتق من العبد ربعه وأعطى وصيته مالًا، ولو قال: وثلث ما بقي ولم يقل مما سوى العبد، أعتق كله في الثلث. وقال مالك فيمن أوصى لعبده بخمسين دينارًا ولا مال له غيره، فقال الورثة: نبيعك ونعطيك ثلث ثمنك، فقال: يعتق من العبد قدر الخمسن أو ما خرج منها (٢). وقال ابن القاسم فيمن قال: بيعوا عبدي وأعطوه ثمن نفسه أو من ثمنه فعلى ما قال، ولا يعتق منه شيء (٣). قال: ومن أوصى لعبده بثلث ماله وترك دينًا ليس فيه إلا شاهد كان للعبد أن يحلف مع الشاهد ولو لم يوص للعبد بالثلث، وإنما قال: عبدي حرٌّ لم يحلف مع الشاهد (٤). وقال ربيعة في رجلٍ

стр. 3626

أوصى لعبده ولامرأة له حرة ولأولاد له منها أحرار بثلث ماله، قال: يعتق العبد؛ لأنَّ لولده نصيبًا من أبيهم وقد ملكوا بعضه فهو حر، وما ملك العبد من نفسه حر (١). يريد أنه يعتق نصيب العبد ونصيب الأولاد ويرق الباقي، وهذا الذي يقتضيه آخر جوابه، وهو مثل (٢) قول المغيرة، وعلى قول مالك وابن القاسم (٣) يستكمل على العبد. وإن كان الأولاد أربعة أعتق نصيبهم وهو أربعة أسداس، ثلث الميت فإن كانت قيمته ثمانية عشر دينارًا وللميت (٤) سواه ستة وثلاثون دينارًا، أعتق منه بالوصية دينار، وهو نصيب العبد من نفسه وبالاستكمال ديناران فيكمل بذلك عتق سدسه. وعلى قول ابن القاسم يستكمل منه ما رقَّ منه في الدينار وفيما بين يديه من غير وصية، وأمَّا نصيب الولد فإن كانوا قبلوا الوصية أعتق عليهم نصيبهم منه وهو ثلثا (٥) ثلثه، ثم يختلف فيما بقي منه بعد ذلك رقيقًا هل يستكمل عليهم إذا كان لهم مال؟ لأنهم فيه بمنزلة من أعتق شركًا له في عبد وقد أعتق بعضه، وقد تقدَّم في كتاب العتق الأول ذكرُ الاختلاف. وهل زيادة العتق زيادة فساد؟ لأنهم إنما قبلوا ما بعضه حر فلا يستكمل على قول ابن القاسم. ويختلف إذا لم يقبل الأولاد هل يسقط نصيبه من الوصية؟ فعلى القول إنَّه لا يستكمل عليهم إن قبلوه لا تسقط وصيتهم، وعلى القول إنَّه يستكمل عليهم تسقط؛ لأنهم يردون خوف الاستكمال. والزوجة في

стр. 3627

نصيبها بالخيار بين أن تقبل ويفسخ النكاح، أو لا تقبل وتبقى زوجة. فصل [في وصية الرجل لعبده ولعبد وارثه] وصيةُ الرجل لعبده ولعبد وارثه جائزة إذا لم يكن معه وارث سواه وإن كثرت، فإن كان معه وصايا حاص بوصيته، فإن كانت الوصية لعبد وارثه ومعه ورثة جازت فيما قلَّ مثل الثوب والشيء الخفيف، ويجوز بأكثر من ذلك إذا كان لقضاء دين عليه، وكان القضاء يزيد في ثمنه الشيء اليسير ووصيته لمدبر ولده وأم ولده تجوز في الشيء اليسير وتجوز للمكاتب بالكثير إذا كان يقدر على أداء كتابته من غير الوصية. قال أشهب: فإن كان لا يقدر إلا بالوصية وكان الأداء أفضل للسيد لم يجز، وإن كان العجز أفضل، جازت. وأرى أن تجوز وإن كان الأداء أفضل للسيد؛ لأنَّ القصد بالوصية للمكاتب ليخرج بها من الرق. وقد اختلف فيمن زوَّج ابنته في مرضه وضمن الصداق، فقيل: الضمان جائز وهي وصية للزوج، وإن كانت المنفعة تصير للابنة. وقيل: لا يجوز الضمان. والأول أحسن، فإذا أوصى لعبده أو لعبد وارثه بوصية لم يكن للورثة ولا لسيد العبد الوارث أن ينتزعها. قال ابن القاسم: ولو انتزعها لكانت وصية الميت غير نافذة، وإن باعوه باعوه مسألة، وإذا بيع بمالة كان للمشتري أن ينتزع ذلك إن شاء (١). وقال أشهب: يقر ذلك بيد العبد حتى ينتفع به ويطول زمان ذلك ولا ينتزعوه إن باعوه قبل أن يطول زمانه. قال: واستحسنت في الكثير ما ذكرت لك، قال: لأن القياس إمَّا أن ينتزعوه مكانه

стр. 3628

أو لا ينتزعوه أبدًا؛ لأنَّ الميت نزعه منهم (١). والأول أحسن ألا ينتزع بحال؛ لأنَّ الميت كما قال انتزعه منهم (٢)، وكذلك أرى في المشتري ألا ينتزعه؛ لأن البيع على أن ينتزعه المشتري بمنزلة انتزاع الوارث فقد يكون ثمن العبد خمسين دينارًا وفي يديه خمسون، فإن بيع بماله على أن للمشتري أن ينتزع ماله كان ثمنه مائة دينار (٣) أو ما قاربها، فكان البائع هو المنتزع إذْ سلطه على ذلك، وأخذ له ثمنًا، ولو بيع على أنه في يديه كالحبس لم يزد في ثمنه كبير شيء. وأجاز ابنُ القاسم إذا كانت الوصية لعبدٍ (٤) أجنبيٍّ للسيد أن ينتزعها، والقياس أيضًا ألا ينتزع كعبد الموصي؛ لأن القصد بالوصية انتفاع العبد ولو لم يرد ذلك لوصى بها لسيد ذلك العبد (٥).

стр. 3629

باب فيمن أوصى بخدمة عبد، أو سكنى دار, أو عتق ما في بطن أمته وما تعلق بذلك وقال ابن القاسم فيمن أوصى بخدمة عبده سنة، أو بسكنى داره سنة (١): يجعل في الثلث قيمة الرقبة ولا تقوم الخدمة ولا السكنى؛ لأني إذا قومت الخدمة والسكنى كنت حبست الدار والعبد عن أربابه، وهم يحتاجون إلى بيعه (٢). واحتجاجه بالبيع لا يصح في الدار؛ لأنه يجوز أن تباع ويستثنى سكناها سنة. والمعروف من قول مالك وابن القاسم أن يجعل في الثلث الرقاب وإن كانوا قادرين على البيع بالاستثناء وأن لهم حقًا في تعجيل الانتفاع بالرقاب، إلا ما وقع في كتاب محمد فيمن ترك مدبرين وأوصى بوصايا في مرضه، فيقول الورثة: يقوم ما ترك الميت ولا يبيع، ويقول أهل الوصايا والمدبرون: بل نبيع؛ لأن البيع أزيد لنا في ثلثنا من القيمة، فقال ابن القاسم: القول قول أهل الوصايا والمدبرين إذا طلبوا البيع، قال: وكذلك إن طلب الورثة البيع فكذلك الذي لا شك فيه، أنَّ دعا إلى البيع كان أولى ممن دعا إلى التقويم، قال: وأمَّا الورثةُ فيما بينهم فإن كان مما ينقسم فالقسمة أولى (٣)، وقال أصبغ: القيمة في الوصايا والعتق على الورثة. وعليهم أحب إليَّ، وليس على الوصي أن يبيع ذلك في السوق ولا على

стр. 3630

الورثة (١). وقال ابن وهب: قال مالك فيمن أوصى لرجلٍ بعبدٍ أو ببيتٍ: أخرج ذلك بالقيمة ولا ينظر إلى ما يعطى به (٢). وقول مالك وأصبغ في هذا أحسن، وليس على الورثة أن يبيعوا ذلك. وقال فيمن أوصى بخدمة عبده فقد أوصى بالغلة، وإن أوصى بالغلة فقد أوصى بالخدمة (٣)، وليس بالبين، وإن كان عبد خدمة وأوصى بخدمة، لم يكن للموصى له أن يجعله في صنعة، وان كان عبد صناعة فوصى له بغلته لم يكن له أن يعطله عنها ويختدمه. وقال ابن القاسم فيمن أوصى بخدمة عبده (٤) لرجل سنة ثم هو حر، فمات ونظر في الموصى له فكان غائبًا ببلد ثان، قال: أرى للسلطان أن يؤاجره للغائب ثم هو حر إذا وقت السنة، وإن كان عبد حضانة انتظر به وكتب إلى الرجل وأخرج العبد إليه، فإذا وفت السنة من يوم مات السيد فهو حر (٥). ومحمل قوله على أن الميت كان يرى أن الموصى له حاضر، وأمَّا إن كان عالمًا بغيبته فالسنة من يوم (٦) وصول العبد إليه، وسواء كان من عبيد الإجارة أو الحضانة وخدمة العبد ما بينه وبين وصوله لورثة الموصي ونفقته عليهم وعلى قول أشهب، يكون للسلطان أن يؤاجر العبد إذا كان من عبيد الحضانة في مثل ما كان وصى به إذا كان يظن أنه حاضر.

стр. 3631

وقال ابن القاسم فيمن أوصى بأمة تخدم فلانًا حياته وجعل رقبتها بعد خدمتها لفلان فولدت الأمة أولادًا في حال الخدمة فولدها بمنزلتها يخدمون إلى ذلك الأجل، وكذلك لو أخدم عبدًا فولد له من أمته ولد فإنه يخدم معه، وهذا لأن الوصية كانت بالخدمة حياة المخدم (١)، وكذلك إذا كان إلى أجل بعيد، فأمَّا السنتان والثلاث وما لا يكون للعبد فيه خدمة فإنه يسقط حق المخدم فيه، فإن كان مرجع العبد أو الأمة إلى حرية كان الولد معتقًا الآن؛ لأنه لا فائدة في وقفه، وكذلك إن جعل الموصي المرجع إلى رجل كان له ذلك الولد ملكًا من الآن. فصل [فيمن أوصى بعتق أمة فولدت ولدًا، أو بعتق عبده فولد له من أمته ولدًا وأوصى بهما لرجل] ومن أوصى بعتق أمة فولدت ولدًا، أو بعتق عبده فوُلد له من أمته وَلَدٌ أو أوصى بهما لرجل، فإن كانت الولادة في حياة الموصي كانت الوصية والعتق في الآباء خاصة وكان الأولاد ميراثًا. وإن كان الحمل والولادة بعد موت الموصي وقبل العتق وقبل أن يقبض الموصى له بهما، كانت الوصية والعتق في الآباء والأولاد. وإن كان الحمل في حياته والولادة بعد موته، افترق الجواب فيعتق ولد الأمة بعتق أمه؛ لأن عتق الحامل عتق لما في بطنها، ويرق ولد العبد ويكون للورثة ولا يدخل في وصيته؛ لأن السيد لو أعتق العبد لم يعتق بعتقه حمل أمته، وكذلك إن أوصى بهما كان للموصى له الأمة وولدها والعبد دون ولده.

стр. 3632

فصل [فيمن أوصى بعتق جنين أمته أو أوصى به لفلان] ومن أوصى بعتق جنين أمته أو أوصى به لفلان، جعل في الثلث قيمة الأم؛ لأن الورثة ممنوعون من التصرف فيها بالبيع، فإن لم يحملها الثلث ولم يجز الورثة، فإن كانت الوصية بعتقه جعل في الثلث الأمة وأعتق منها ومن ولدها ما حمل الثلث، وإن كانت الوصية لرجلٍ قطع له ثلث الميت شائعًا؛ لأن الوصية له معاوضة من الميت أخذ منهم أقل من الثلث، وهو الجنين، ووقف عنهم التصرف في الأم ولم يفعل مثل ذلك إذا أوصى بعتقه فتجعل وصية الميت في الثلث شائعًا؛ لأن من شرط الوصية بالعتق أن يحمل (١) ثلث الميت في عين المعتق؛ لأنه الموصى له، فلما لم (٢) يقدر أن يجعل في الجنين خاصة، جمع الثلث في الأم والولد لينال من العتق أكثر مما يكون لو كان شائعًا، وهذا قول محمد، وهو صحيح على قوله إنَّ الأمة لا تباع، ويستثنى ما في بطنها (٣). وأجاز الليث بن سعد بيع الأمة (٤) واستثناء الولد للعتق (٥)، فعلى هذا يجعل في الثلث ما ينقص بيعها مستثناةَ الولدِ على بيعها بولدها وإن أوصى بها لرجل وبولدها لآخر جعل في الثلث قيمة الأم على حالها، فإن حملها الثلث كان لكل واحد

стр. 3633

منهما وصيته، وإن حمل نصفها كان لهذا نصف الأم، ولهذا نصف (١) الولد، وإن أوصى بعتق ما في بطنها وبالأم لآخر، فحمل الثلث نصفها أعتق من الولد نصفه، وكان للآخر نصف الأم، وهذا على القول إنَّ العتق يلحق ما في البطن، وعلى القول ألا يلحقه العتق يعتق ما ينوبه من الأم، لينال الولد العتق، وتسقط وصية الآخر. واختلف إن أوصى بالولد لرجل، وبالأم لآخر وأعتق الأمَّ الموصى له بها، فقال في المدونة: يمضى عتق الأم ويسقط حق الموصى له بالولد (٢). وقال ابن القاسم في كتاب محمد: يوقف عتق الأم حتى تضع فيقوم الولد على معتق الأم فيمضي حينئذ عتق جميعها، وقال أيضًا: يوقف عتقها حتى تضع فيأخذ الموصى له بالولد الولد، ويمضي عتق الأم بالعقد الأول (٣). وهو أحسن للإجماع على أن عتق الولد لا يسري إلى عتق الأم، وأنهما في ذلك نفسان، وليس بمنزلة من أعتق بعض الأم، وكذلك إذا أعتق الأم لا يعتق الولد بعتقها. وكذلك لو أوصى بالولد لرجل وأبقى الرقبة (٤) للورثة فأعتقها الورثة، فعلى الخلاف المتقدم. وإن وهب الولد في الصحة ثم أعتق السيد الأمة قبل أن تحاز عنه، مضى عتق السيد وسقط حق الآخر في الولد، وإن كان الموهوب له الولد حاز الأم لم يصح عتق السيد في الأم حتى تضع. ومن أخدم عبده في مرضه رجلًا سنة ثم هو حر فلم يقبل الموصى له

стр. 3634

بالخدمة، رجعت الخدمة للورثة ولم يعتق حتى تتم السنة، وإن قبلها ثم وهبها العبد أو باعها منه، كان حرًا مكانه، وقيل: لا يعجل عتقه؛ لأن رقبته للورثة حتى تتم السنة، وإن قبل كانت قيمته رقيقًا لهم. وقال ابن كنانة فيمن أخدم عبده رجلًا حياته ثم هو حر، فمات المخدم فأراد ورثته أن يتبايعوا الخدمة: لم يجز إلا أن يشتروها ليعجلوا عتقه فأما ليخدمهم فلا، وهذا صحيح لما لم يكن له إليهم مرجع؛ لأن مرجعه إلى الحرية.

стр. 3635

باب في وصية المحجور عليه (١) والصبي وصية السفيه المحجور عليه جائزة إذا أصاب وجه الوصية، وكذلك الصبي. واختلف في السن الذي تجوز فيه وصيته، فقال مالك: تجوز إذا كان ابن عشر سنين أو أقل باليسير وأصاب وجه الوصية (٢). وقال في كتاب محمد: ابن تسع سنين، وقال ابن شهاب وأصبغ في كتاب ابن حبيب: تجوز إذا عقل الصلاة (٣). وقال مالك في العتبية: إذا أثغر أُمر بالصلاة وأُدِّب عليها (٤). وهذا أقل ما قيل. وقال ابن الماجشون في المبسوط: إذا كان يفاعًا مراهقًا جازت وصيته، وذلك إذا بلغ إبصاره والرغبة في حظه وفيما يقدم لنفسه، وهذا أكثر ما قيل، والصبيان يختلف إدراكهم وتمييزهم (٥)، فمن علم أن عنده تمييزًا (٦) جازت وصيته إذا أصاب وجه الوصية فيوصي بما هو قربة لله تعالى أو صلة رحم، فأما أن يجعلها لمن يستعين بها في ما لا يحل من شرب خمرٍ أو غيره، فلا تمضي. وقال أشهب: إذا أوصى الصبي بوصية وجعل إنفاذها إلى غير الوصي فذلك إلى وصيه. وقال أشهب في كتاب محمد فيمن أوصى إلى بكرٍ بمائة دينار ولا وليَّ

стр. 3636

لها فدفع الورثة ذلك إليها بغير أمر الإمام: فقد برءوا (١). وأرى إن كان لها وصي أن تدفع الوصية إلى وصيها، إلا أن تكون ممن يعلم أن الميت أراد دفع ذلك إليها لتتسع به في مطعم وملبس فيدفع إليها.

стр. 3637

باب في وصية المقتول للقاتل وما يتعلق بذلك وصيةُ المقتول للقاتل على خمسة أوجه: إمَّا أن يوصي له قبل القتل ثم يموت بفور الضرب، أو بعد حياة ولم يعلم أنه قاتله، أو علم، أو كانت الوصية بعد الضرب وعلم أنه قاتله، أو لم يعلم، والقتل في جميع ذلك خطأ أو عمدًا، فإن وصى له قبل الضرب ثم قتله خطأ، فقال مالك: الوصية من ماله دون الدية، قال: بمنزلة الميراث إذا قتل موروثه خطأ، فله الميراث في المال دون الدية، قال محمد: لأنَّ الدية أديت عنه، وهو أيضًا يؤدي فيها فلا يؤدي عن نفسه لنفسه. قال ابن القاسم: إن أوصى له بعد أن ضربه خطأ، فإن علم كانت الوصية في المال والدية (١). وفي كتاب محمد: ذلك سواءٌ علم أو لم يعلم الوصيةُ في المال والدية، وإن أوصى له ثم قتله عمدًا ومات بفور ذلك أو بعد حياته ولم يعلم أنه ضاربه سقطت وصيته ولا شيء له في مال ولا دية، وكذلك إن علم ولم تكن الوصية بكتاب. واختلف إذا كانت بكتاب، فقال محمد: إن علم فأقر الوصية على حالها فهي جائزة من ماله بمنزلة ما أوصى له بعد الجناية (٢)، وإن أوصى له بعد الجناية (٣) ولم يعلم أنه قاتله فلا شيء له. قال ابن القاسم: إلا أن يكون قد علم أنه قتله عمدًا فأوصى له بعد علمه،

стр. 3638

وقال محمد: إذا أوصى له بعد أن جنى عليه وهو يعلم أو لا يعلم فالوصية له نافدة (١). وقوله في الخطأ إنه بمنزلة الميراث فليس بالبين وليس الأصلان سواء؛ لأن منع الميراث من الدية شرع، ولو أوصى بأن يورث منها ما جاز، وإن أوصى لغير وارث أن يعطى ثلث الدية جاز والاعتراض ألا يأخذ مما يؤدي غير صحيح، فلو أوصى لغريمه بثلث ماله كان للغريم من الدين الذي عليه ثلثه, ولو جنى على عبدٍ مريض كان للموصى له ثلث قيمة ذلك العبد.

стр. 3639

باب في الموصى له يموت قبل الموصي أو بعده , ومن وصى لوارث فصار غير وارث، أو لغير وارث فصار وارثًا، وما يتعلق بذلكـ من نكاح أو هبة وإذا مات الموصى له في حياة الموصي بطلت الوصية، وإن مات بعده وقبل العلم بالوصية أو علم ولم يقبل ولم يرد حتى مات، كان ورثته مكانه، وذكر أبو محمد عبد الوهاب عن الأبهري أنه قال: الأشبه أنها لورثة الموصي، قال: لأنها على ملك أبيهم حتى يخرج عنهم بقبول الموصى له (١). فصل [فيمن أوصى لأخيه وهو أحد ورثته ثم ولد له ولد] وقال ابن القاسم فيمن أوصى لأخيه وهو أحد ورثته ثم ولد له ولد، فالوصية جائزة؛ لأنه قد تركها بعد ما ولد له فصار مجيزًا لها، قال غيره: الوصية جائزة وإن لم يعلم بالولد (٢). وهذا صواب؛ لأن الميت قد كان راغبًا أن تكون له الوصية مع الميراث، فإذا سقط الميراث كان أبين في أنه يمضيها له، وإن ولد له بعد موته وكان عالمًا بالحمل مضت الوصية. ويختلف إذا لم يعلم، وإن أوصى له وله ولد يحجبه فمات الولد قبل أبيه (٣) سقطت الوصية؛ لأنه صار وارثًا ولا وصية لوارث. ولو أوصى في صحته

стр. 3640

لامرأة بوصية ثم تزوجها في صحته بطلت الوصية؛ لأنها وارثة، وإن تزوجها في مرضه لم تبطل الوصية. وكذلك إن أوصى لها في المرض ثم تزوجها في المرض؛ لأن النكاح فاسد وهي غير وارثة. وإن تزوجها في الصحة ثم طلقها في المرض ثم وصى لها كانت الوصية باطلة؛ لأن الطلاق في المرض لا يبطل الميراث، وإذا كانت وارثة لم تصح الوصية وسواء كان الطلاق برضاها أو بغير رضاها. وأرى إذا كان الطلاق بسؤال منها ألا ميراث لها، ولها الوصية إذا كانت مثل ميراثها فأقل، فإن كانت أكثر لم تعط الزائد؛ لأنهما يتهمان أن يكونا عملا على ذلك. قال محمد: ولو وهب أخاه هبةً وبتلها له في مرضه وقبضها الأخ ثم مات الولد وصار الأخ وارثًا بطلت الهبة؛ لأنها إنما تخرج من ثلثه (١).

стр. 3641

باب فيمن عال في وصيته (١) على ثلثه , وفي وصية من لا وارث له، وفي دخول الوصايا فيما لم يعلم به الموصي وقال مالك فيمن عال في وصيته على ثلثه: يمضي الثلث ويرد الزائد (٢). والأصل في قصر الوصية على الثلث حديث سعد بن أبي وقاص قَالَ: "يَا رَسُولَ اللهِ، لا يَرِثُنِي إلَّا ابْنَةٌ لي أَفَأُوصِي بِمَالي كُلِّهِ؟ قَالَ: لَا" (٣) الحديث، وحديث عمران ابن حصين قال: "أَعْتَقَ رَجُلٌ ستَّةَ أَعْبُدٍ عِنْدَ مَوْتِهِ، فَأَسْهَمَ النَّبيُّ ﷺ بَيْنَهمْ فَأَعْتَقَ ثُلُثَهُم" (٤). وهذا الحديث أصل في الوصية إذا زادت على الثلث أنها تقصر على الثلث، ولا يبطل جميعها. واختلف إذا كانت الزيادة يسيرة فقيل فيمن أوصى بعتق عبده إن وسعه الثلث فزادت قيمته على الثلث الشيءَ اليسيرَ: يعتق ولا يتبع بشيء. وقيل: يتبع بذلك القدر. وقيل: يكون ذلك القدر رقيقًا. وقيل: يرق جميعه

стр. 3642

لقول الميت: إن وسعه الثلث فيعتق، والمراد من المسألة في هذا الموضع القول إنه يعتق ولا يتبع بشيء. واختلف إذا أوصى مسألة كله ولا وارث له، فقيل: ليس ذلك له لقول الله : ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾ [النساء: ٣٣]، فلكل ميت وارث، وإن لم يعرف تصدق به عن الوارث، وقيل: وصيته ماضية. وحكم من بعُد ولم يعرف حكم العلم. أو يبقى المال على حكم الميت يصرفه لمن أحب قياسًا على الولاء إذا كان العبد المعتق من العرب إنَّه يورث بالولاء، ولو حمل (١) على أنه هناك وارث لا يعرف لتصدق به عنه، ولم يورث بالولاء، وهذا إذا أوصى به للأغنياء أو في وجه لو تولاه الإمام صرفه في غيره. وأمَّا إن جعله في الفقراء أو فيما لو رفع إلى الإمام لفعل (٢) به مثل ذلك أو يراه سدادًا (٣) لم تغير وصيته؛ لأنه فعل صوابًا، وللاختلاف في ذلك إذا مات عن غير وصية، هل يجري مجرى الفيء ويحل للأغنياء أو يكون مقصورًا على الفقراء؟ واستشهد من أجازه للأغنياء بمسألة الولاء، ولا يصح أن يسوغ للأغنياء بعد القول إنَّ هناك وارثًا لم يعرف على اللقطة. وقال ابن نافع وغيره فيمن اشترى أخاه في مرضه ولا يحمله ثلثه: لم يعتق منه إلا ما حمل الثلث، إلا ألا يكون له وارث فيعتق من ماله كله، ويأخذ الفضل وأباه ابن القاسم، ورأى أنه لا يرث إذا لم يحمله الثلث، وإن لم يكن له وارث (٤)، والأول أبين للخلاف في ذلك.

стр. 3643

فصل [في دخول الوصايا فيما لم يعلم به الموصي] اختلف في دخول الوصايا فيما لم يعلم به الموصي، وأرى أن يكون ذلك على ثلاثة أقسام (١): فإن كانت الوصية بالثلث لم يكن لأهل الوصايا سوى ثلث (٢) ما علم به كان لواحد أو لجماعة، معينين أو مجهولين؛ لأنه هو الذي أعطاهم الميت فلا يزادون فوق ما أعطاهم. وإن كانت الوصية بغير الثلث لواجبات عليه من زكاة , أو عتق عن ظهار، أو قتل نفس، أو كفارات، أو هدي، وضاق الثلث أتمت مما لم يعلم به؛ لأن الميت قد قصد أن ينفذ ذلك عنه، وأنه كالدين عليه ورغب في إبراء ذمته ومراعاة لقول ابن شهاب إنَّه لا يتهم في ذلك، وإنَّه يخرج من رأس المال. وإن كانت الوصية بتطوع، وقال لفلان عشرة، ولفلان عشرون وأعتقوا عبدي فلانًا، وللمساكين كذا، فضاق الثلث، فذلك أشكل فقد قيل: إن قصد الميت إنفاذ جميع ذلك وإتمامه من ثلثي الورثة , ولهذا يقال لهم: أجيزوا وصية ميتكم، فإن لم يجيزوا رجع إلى الثلث وإلى المحاصة أو إلى التبدية بما هو أوكد، فعلى هذا تنفذ الوصية مما لا يعلم به؛ لأنه إذا رغب في إتمام ذلك من غير ماله، وهم الورثة كان أحرى أن ينفذوه من مال نفسه. وقيل: محمل الوصية على ثلثه لا غير ذلك، فعلى هذا لا يقال للورثة أجيزوا وصية ميتكم؛ لأن الميت لم يعلق الوصية بشيء من الثلثين ولا تدخل الوصايا فيما لم يعلم به (٣)؛ لأنه إنما قصد

стр. 3644

المحاصة في الثلث. واختلف عن مالك في المدبر في الصحة والذي ثبت عليه أنه يدخل فيما علم وفيما لم يعلم. واختلف في المدبر في المرض، والذي ثبت عليه ابن القاسم أنه لا يدخل إلا فيما علم (١). والفرق بين المدبرين أن الصحيح قصد إلى عتقه من محصول (٢) ما يكون في ملكه يوم يموت، وقد يكون بين تدبيره وموته العشرون سنة وأكثر. والمدبر في المرض يتوقع الموت من مرضه ذلك، وهو عالم بمالة وإنما يقصد أن تجري أفعاله فيما علمه، وهذا إذا مات من مرضه ذلك، فأمَّا إن صح ثم مات من مرض آخر أو من غير مرض صار كالمدبر في الصحة. ويختلف في المبتل في المرض، هل يدخل فيما لم يعلم؟ وأن يعتق فيه أحسن؛ لأن الميت أعتق وهو يرجو أن يجيز له الورثة ذلك من ثلثهم، فهو في إجازة ذلك من ماله لو علم به أرغب، وكل مال مات عنه وهو لا يقدر على التصرف فيه لما تعلق به من حق الغير من خدمة، أو إسكان أو حبس على معين فراجعٌ ذلك مما علم به يدخل فيه الوصايا، وكذلك ما ذهب منه ولم يقطع سقوط ملكه عنه، وفي كتاب محمد: في الآبق إذا عَادَ غاب تدخل فيه الوصايا، وإن كان يئس منه (٣). واختلف إذا قيل له: غرقت سفينتك فأيس منها ثم جاءت سالمة، فقال مالك في كتاب محمد: لا يدخل فيها الوصايا، وقال: يدخل فيها ولا

стр. 3645

يشبه ما لم يعلم، ولو قتل عمدًا فقبل أولياؤه الدية، كان مما (١) لا يعلم به، قال ابن القاسم: ولو قال: إن قبل أوليائي (٢) الدية فوصيتي فيها لم تدخل فيها الوصايا (٣). قال محمد: ولكن إن عفا هو قبل موته على مال أو أوصى أن يعفى عنه على الدية دخلت فيها الوصايا (٤)، وإن قتل خطأ ولم يكن له حياة بعد الضرب، كان كمال لم يعلم به يختلف فيه، وإن كانت له حياة كان كمال قد علم به فتدخل فيه الوصايا. قال: فإن أقر بدين لمن (٥) يتهم عليه أو لغير ذلك ليخرج من رأس المال ولم يجز الورثة لم تدخل فيه الوصايا (٦)، وعلى القول الآخر تدخل فيه، وهذا إذا كان الموصي (٧) ممن يجهل ويظن أن إقراره جائز، وإن كان ممن يعلم أن لورثته ألا يجيزوا دخلت فيه الوصايا؛ لأنه كان شاكًا في خروج ذلك للمقر له كالذي يشك في الخبر عن سفينته.
следующие страницы →