باب فيمن عال في وصيته (١) على ثلثه , وفي وصية من لا وارث له، وفي دخول الوصايا فيما لم يعلم به الموصي
وقال مالك فيمن عال في وصيته على ثلثه: يمضي الثلث ويرد الزائد (٢). والأصل في قصر الوصية على الثلث حديث سعد بن أبي وقاص قَالَ: "يَا رَسُولَ اللهِ، لا يَرِثُنِي إلَّا ابْنَةٌ لي أَفَأُوصِي بِمَالي كُلِّهِ؟ قَالَ: لَا" (٣) الحديث، وحديث عمران ابن حصين قال: "أَعْتَقَ رَجُلٌ ستَّةَ أَعْبُدٍ عِنْدَ مَوْتِهِ، فَأَسْهَمَ النَّبيُّ ﷺ بَيْنَهمْ فَأَعْتَقَ ثُلُثَهُم" (٤). وهذا الحديث أصل في الوصية إذا زادت على الثلث أنها تقصر على الثلث، ولا يبطل جميعها.
واختلف إذا كانت الزيادة يسيرة فقيل فيمن أوصى بعتق عبده إن وسعه الثلث فزادت قيمته على الثلث الشيءَ اليسيرَ: يعتق ولا يتبع بشيء. وقيل: يتبع بذلك القدر. وقيل: يكون ذلك القدر رقيقًا. وقيل: يرق جميعه
стр. 3642
لقول الميت: إن وسعه الثلث فيعتق، والمراد من المسألة في هذا الموضع القول إنه يعتق ولا يتبع بشيء.
واختلف إذا أوصى مسألة كله ولا وارث له، فقيل: ليس ذلك له لقول الله : ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾ [النساء: ٣٣]، فلكل ميت وارث، وإن لم يعرف تصدق به عن الوارث، وقيل: وصيته ماضية. وحكم من بعُد ولم يعرف حكم العلم. أو يبقى المال على حكم الميت يصرفه لمن أحب قياسًا على الولاء إذا كان العبد المعتق من العرب إنَّه يورث بالولاء، ولو حمل (١) على أنه هناك وارث لا يعرف لتصدق به عنه، ولم يورث بالولاء، وهذا إذا أوصى به للأغنياء أو في وجه لو تولاه الإمام صرفه في غيره.
وأمَّا إن جعله في الفقراء أو فيما لو رفع إلى الإمام لفعل (٢) به مثل ذلك أو يراه سدادًا (٣) لم تغير وصيته؛ لأنه فعل صوابًا، وللاختلاف في ذلك إذا مات عن غير وصية، هل يجري مجرى الفيء ويحل للأغنياء أو يكون مقصورًا على الفقراء؟ واستشهد من أجازه للأغنياء بمسألة الولاء، ولا يصح أن يسوغ للأغنياء بعد القول إنَّ هناك وارثًا لم يعرف على اللقطة. وقال ابن نافع وغيره فيمن اشترى أخاه في مرضه ولا يحمله ثلثه: لم يعتق منه إلا ما حمل الثلث، إلا ألا يكون له وارث فيعتق من ماله كله، ويأخذ الفضل وأباه ابن القاسم، ورأى أنه لا يرث إذا لم يحمله الثلث، وإن لم يكن له وارث (٤)، والأول أبين للخلاف في ذلك.
стр. 3643
فصل [في دخول الوصايا فيما لم يعلم به الموصي]
اختلف في دخول الوصايا فيما لم يعلم به الموصي، وأرى أن يكون ذلك على ثلاثة أقسام (١): فإن كانت الوصية بالثلث لم يكن لأهل الوصايا سوى ثلث (٢) ما علم به كان لواحد أو لجماعة، معينين أو مجهولين؛ لأنه هو الذي أعطاهم الميت فلا يزادون فوق ما أعطاهم.
وإن كانت الوصية بغير الثلث لواجبات عليه من زكاة , أو عتق عن ظهار، أو قتل نفس، أو كفارات، أو هدي، وضاق الثلث أتمت مما لم يعلم به؛ لأن الميت قد قصد أن ينفذ ذلك عنه، وأنه كالدين عليه ورغب في إبراء ذمته ومراعاة لقول ابن شهاب إنَّه لا يتهم في ذلك، وإنَّه يخرج من رأس المال. وإن كانت الوصية بتطوع، وقال لفلان عشرة، ولفلان عشرون وأعتقوا عبدي فلانًا، وللمساكين كذا، فضاق الثلث، فذلك أشكل فقد قيل: إن قصد الميت إنفاذ جميع ذلك وإتمامه من ثلثي الورثة , ولهذا يقال لهم: أجيزوا وصية ميتكم، فإن لم يجيزوا رجع إلى الثلث وإلى المحاصة أو إلى التبدية بما هو أوكد، فعلى هذا تنفذ الوصية مما لا يعلم به؛ لأنه إذا رغب في إتمام ذلك من غير ماله، وهم الورثة كان أحرى أن ينفذوه من مال نفسه. وقيل: محمل الوصية على ثلثه لا غير ذلك، فعلى هذا لا يقال للورثة أجيزوا وصية ميتكم؛ لأن الميت لم يعلق الوصية بشيء من الثلثين ولا تدخل الوصايا فيما لم يعلم به (٣)؛ لأنه إنما قصد
стр. 3644
المحاصة في الثلث.
واختلف عن مالك في المدبر في الصحة والذي ثبت عليه أنه يدخل فيما علم وفيما لم يعلم. واختلف في المدبر في المرض، والذي ثبت عليه ابن القاسم أنه لا يدخل إلا فيما علم (١).
والفرق بين المدبرين أن الصحيح قصد إلى عتقه من محصول (٢) ما يكون في ملكه يوم يموت، وقد يكون بين تدبيره وموته العشرون سنة وأكثر. والمدبر في المرض يتوقع الموت من مرضه ذلك، وهو عالم بمالة وإنما يقصد أن تجري أفعاله فيما علمه، وهذا إذا مات من مرضه ذلك، فأمَّا إن صح ثم مات من مرض آخر أو من غير مرض صار كالمدبر في الصحة.
ويختلف في المبتل في المرض، هل يدخل فيما لم يعلم؟ وأن يعتق فيه أحسن؛ لأن الميت أعتق وهو يرجو أن يجيز له الورثة ذلك من ثلثهم، فهو في إجازة ذلك من ماله لو علم به أرغب، وكل مال مات عنه وهو لا يقدر على التصرف فيه لما تعلق به من حق الغير من خدمة، أو إسكان أو حبس على معين فراجعٌ ذلك مما علم به يدخل فيه الوصايا، وكذلك ما ذهب منه ولم يقطع سقوط ملكه عنه، وفي كتاب محمد: في الآبق إذا عَادَ غاب تدخل فيه الوصايا، وإن كان يئس منه (٣).
واختلف إذا قيل له: غرقت سفينتك فأيس منها ثم جاءت سالمة، فقال مالك في كتاب محمد: لا يدخل فيها الوصايا، وقال: يدخل فيها ولا
стр. 3645
يشبه ما لم يعلم، ولو قتل عمدًا فقبل أولياؤه الدية، كان مما (١) لا يعلم به، قال ابن القاسم: ولو قال: إن قبل أوليائي (٢) الدية فوصيتي فيها لم تدخل فيها الوصايا (٣).
قال محمد: ولكن إن عفا هو قبل موته على مال أو أوصى أن يعفى عنه على الدية دخلت فيها الوصايا (٤)، وإن قتل خطأ ولم يكن له حياة بعد الضرب، كان كمال لم يعلم به يختلف فيه، وإن كانت له حياة كان كمال قد علم به فتدخل فيه الوصايا.
قال: فإن أقر بدين لمن (٥) يتهم عليه أو لغير ذلك ليخرج من رأس المال ولم يجز الورثة لم تدخل فيه الوصايا (٦)، وعلى القول الآخر تدخل فيه، وهذا إذا كان الموصي (٧) ممن يجهل ويظن أن إقراره جائز، وإن كان ممن يعلم أن لورثته ألا يجيزوا دخلت فيه الوصايا؛ لأنه كان شاكًا في خروج ذلك للمقر له كالذي يشك في الخبر عن سفينته.
стр. 3646
باب في التبدئة والحصاص في الوصايا
المأخوذ من تركة الميت من غير دين ولا ميراث، واجب ومتطوع به. والواجب ثلاثة:
أحدها: ما يخرج من رأس المال بغير وصية.
والثاني: مختلف فيه هل يخرج من رأس المال بغير وصية؟
والثالث: يخرج من الثلث إن أوصى به، وقد تجتمع هذه الأقسام في الزكاة فإن كانت مما لم يفرط فيها وهي زكاة حب أو ثمار، أخرجت من رأس المال بغير وصية، وكذلك زكاة الماشية إن لم يكن ساع.
واختلف في زكاة العين إذا علم وجوبها ولم يفرط. فقال ابن القاسم: إن أوصى بها أخرجت من رأس المال، وإلا فلا تخرج من ثلث، ولا رأس مال (١).
وقال أشهب: تخرج من رأس المال، وإن لم يوص (٢)، وهو أحسن لاجتماعهما على زكاة الحب والثمار أنها تخرج من رأس المال وإن لم يوص ولا فرق بينهما، ويقول ابن القاسم إنها بعد الوصية من رأس المال، وإن وصى بزكاة فرط فيها أخرجت من الثلث.
وقال ابن شهاب: من رأس المال. وقال محمد فيمن علم منه أنه لا يخرج زكاته، ولعله قيل له: في مرضه أخرج زكاة مالك، فقال: لا فإذا برئت أخرجتها: فلا تخرج عنه إن لم يوص بها. يريد: فتخرج من ثلثه، والقياس أن
стр. 3647
تخرج من رأس المال. وقال محمد في كتاب العتق الأول فيمن تمتع بالعمرة إلى الحج ثم مات عند انقضاء حجه ونفره ولم يهد عن تمتعه: يؤدى ذلك عنه من رأس المال، وإن فرط لم يؤد من ثلث ولا رأس مال، وعلى هذا من وجب عليه عتق رقبة من ظهار فإن لم يفرط أعتق عنه من رأس المال، وإن كان فرط لم يعتق عنه.
والموصى به أربعة أوجه (١):
أحدها: ما جاء به القرآن.
والثاني: ما جاءت به السُّنة.
والثالث: ما أوجبه الموصي عن نفسه.
والرابع: ما أوصى به ولم يوجبه، فإن اجتمع ذلك في وصيته وضاق الثلث ابتدئ بما جاء به القرآن، فإن فضل شيء ابتدئ فيه بما جاءت به السنة، فإن فضل شيء صرف فيما تطوع به وقد يبتدأ بما جاء في السنة قبل ما جاء في القرآن في بعض المسائل، والذي أوجبه الله في أموال عباده: الزكاة، والعتق عن القتل، والعتق عن الظهار، والإطعام والنسك، والإطعام عن إماطة الأذى، والهدي، والإطعام عن التمتع والهدي، والإطعام عن جزاء الصيد والعتق، والإطعام والكسوة عن اليمين بالله ، فإن اجتمع ذلك في وصية بدئ بالآكد فالآكد (٢)، فتبدى زكاة الأموال، ثم زكاة الفطر، ثم الهدي، ثم الكفارة عن إفطار رمضان؛ لأن الزكاة لا مدخل له في وجوبها، وما دخل من وصم في الحج والصوم، فهو أدخله على نفسه، ويبدى هدي التمتع على الفدية؛
стр. 3648
لأن المفهوم من القرآن أنه (١) آكد لعموم (٢) التخيير فيه، ولأن الصوم عنه عشرة، وعن الفدية ثلاثة.
وتبدى الفدية على هدي الفساد؛ لأنها بالقرآن، ولأنها عن وصم (٣) في حج صحيح فكان جبر ما دخل فيه أولى من الهدي عن الفساد؛ (٤) لأنَّ الفاسد أتى ببدله صحيحًا، وإنما الهدي عن الحج المتقدم الذي لم يعتد به وصار في حكم الساقط، وكذلك إن كان هدي عن حج صحيح، وكفارة عن تعمد في رمضان بدئ بما كان في الحج؛ لأنه يجبر به ما انثلم من حجة الإسلام والإفطار قد قضاه وأتى به صحيحًا، وإنما الكفارة عن الفاسد الذي سقط حكمه , وإن كان الهدي عن فساد والكفارة عن إفطار لم يقدم أحدهما على الآخر وهما مقدمان على العتق في (٥) القتل والظهار؛ لأن الأوليين عن انتهاك القرب التي هي دعائم الإسلام، وعن وصم في فرض فرضه الله ، والآخران عن شيءٍ أدخل نفسه فيه لم يكن أصله فرضًا (٦).
واختلف في الكفارة عن القتل والظهار، فقيل: تبدى الكفارة عن القتل، وقيل: هما سواء، والأول أحسن؛ لأنه قد فهم أنه آكد لما لم ينقل منه إلى إطعام.
قال ابن القاسم في العتبية: ولأن الظهار مختلف فيه، فقد قال بعض الناس: إن وطئ قبل أن يكفر ثم طلقها فالكفارة ليست بواجبة. قال: وهو
стр. 3649
قول أهل المشرق، وبعض من أرضى من أهل المدينة (١). وأرى أن يبتدأ بالعتق عن القتل، فإن فضل شيء أطعم عن الظهار.
واختلف بعد القول إنههما سواء، فقيل:] (٢) بقرع بينهما، وقيل: ذلك للورثة يعتقون عن أيهما شاءوا ثم كفارة الأيمان (٣).
وقال ابن الماجشون في كتاب ابن حبيب: إذا أوصى بزكاة فرط فيها وبزكاة فطر وكفارة ظهار وقتل وجزاء صيد وكفارة أيمان، فهذه الواجبات كلها لا يبدى بعضها على بعض (٤)، وهذا خارج عن المعروف من المذهب.
فصل [في حكم الوصية إذا كانت بأشياء متعددة ليس بعضها أولى من بعض]
وإن لم يكن في الوصايا شيء مما تضمنه القرآن أو جاءت به السنة وكانت كلها وصية ولم يوجب شيئًا، تحاصوا إلا العتق، فإنه يبدى. قال مالك: السُّنة المعمول بها أن العتق مبدى على الوصايا إذا كان بعينه (٥). وقال أشهب (٦): بلغنا أن رسول الله ﷺ ، وأبا بكر، وعمر قضوا بذلك وإن كانت وصايا وبتل بدي البتل على الوصايا إلا أن تكون الوصية بشيء مما تضمنه القرآن ويعلم أنه أراد به براءة ذمته كالزكاة والعتق عن القتل والظهار فيبدى إذا أوصى بذلك
стр. 3650
قبل البتل (١) وإن أوصى به بعده يدي ما بتله (٢) قبل (٣). قال في المدونة: الزكاة تبدى على المدبر في المرض والمبتل (٤)، فإن بتل عتق عبدين في كلمة، تحاصا. وقيل: يقترعان، وإن أعتق واحدًا بعد واحد يدي الأول؛ لأنه ليس له أن يحدث ما ينقص عتق الأول، بن اختلفت صفة التبتيل يدي الآكد ومن يرى أن الميت آثره على الآخر.
والتبتيل على خمسة أوجه: وهو أن يقول للعبد: هو حر الآن.
والثاني: هو حر بعد موتي مت أو عشت وأوجبت أَلَّا أُغَيِّرَ ذلك.
والثالث: هو حر بعد موتي وأوجبت له ألا أغير وصيتي (٥)، وإن عشت فهو رقيق.
والرابع: هو حر ما لم أغير وصيتي، وإن عشت فهو حر، فبتل له العتق وإن عاش.
والخامس: هو حر بعد موتي ولا أغير وصيتي، وإن عشت فهو حر متى مت، وهذا في المدبر في المرض.
وهذا كله تبتيل؛ لأن البتل: القطع، والإنجاز، ورفع الخيار، إما جملة أو في إحدى الحالات إلا أن أحكامه مختلفة.
стр. 3651
وقال مالك في المدونة: في المبتل والمدبر في المرض يتحاصان (١). وقال في المجموعة: إلا أن تكون لهم أموال مأمونة فيبدى المبتل (٢)، وكذا على أصله مبتلان: أحدهما: عجل (٣) له العتق في المرض، وأخر الآخر لبعد الموت يتحاصان (٤)، ورأى أن الأمر الذي (٥) بينهما يسير فكان بمنزلة موصى بعتقه إذا مات، والآخر إلى أجل قريب أنهما يتحاصان.
وقال مطرف عن مالك في كتاب ابن حبيب: إنَّ المبتل يبدى. وهو أحسن، وهو أن يبدى من عجل له العتق في المرض على المدبر وعلى المبتل بعد الموت؛ لأن الميت وكل أولئك للفاضل بعد الموت، ثم المدبر في المرض والمبتل لبعد الموت عاش أو مات لا يبدى أحدهما على الآخر على ظاهر المذهب، وقال ابن أبي (٦) أويس في المبسوط: يبدى المبتل وهو أحسن (٧)؛ لأنه آثره إن عاش كان حرًا وأخر الآخر لبعد الموت، ثم من جعل لنفسه فيه الخيار إن عاش، ثم من جعل فيه الخيار ما لم يمت، وكل هؤلاء مبدون على من وصى بعتقه ولم يوجب له العتق في حالة من الأحوال.
وقال محمد: اختلف قول مالك في عتق المبتل في المرض مع عتق الوصية. يريد: إذا أوصى بعتقه وأوجب ألا تغير وصيته ولم يرد أنه أوصى به وجعل
стр. 3652
لنفسه الخيار. وقال أشهب: يتحاصان، وكأنه قال: أنتما حران إن مت وإن عشت فأنت يا فلان حر (١). أي أوصى بعتقهما، وله أن يغير وصيته فيهما ما لم يمت فإن مات كانا حرين، كان عاش كان هذا حرًا والآخر رقيقًا فسوى بينهما في المرض ما لم يمت أنه يرجع عنهما إن شاء، وإنما فرق بينهما إذا عاش فالبتل وقع ها هنا لبعد الموت ولم يرد أنه عجل عتقه فيحاص به الموصى بعتقه، وكل هذا إذا كان العتق في كلام واحد بكتاب أو بغير كتاب، وإن كانا مفترقين يدي الأول فالأول إذا كان إيجابًا لا خيار فيه، وإن جعل لنفسه الخيار في واحد ما لم يمت، وإن عاش فهو حر ثم بتل عتق آخر فإن مات بدئ المبتل، وإن عاش أعتقا جميعًا، وإن كان عليه دين بدئ الأول الذي أوجب عتقه؛ لأنه لم يكن له أن يحدث ما يمنع ما أوجب للأول إن عاش، قال محمد فيمن بتل عتق عبده في مرضه ثم استدان دينًا يحيط بمالة فإن صحَّ نفذ عتقه، وإن مات من مرضه بيع للغرماء (٢)، فإن قال في عبد هو حر بعد موتي وفي آخر هو حر بعد سنة بدئ بالمعجل.
واختلف إذا قال في الآخر: هو حر بعد شهر، فقال مالك وابن القاسم: يتحاصان والشهر قريب (٣). وقال أشهب في كتاب محمد: يبدى المعجل إلا أن يكون الأجل اليوم واليومين والثلاثة (٤). وقال محمد: وإن كانا مؤجلين بعيدين وأحدهما أبعد تحاصا. وقال ابن القاسم: إن كان أحدهما إلى سنة والآخر إلى عشر سنين أو عشرين سنة تحاصا (٥). والقياس أن يبدى الأقرب؛ لأن المفهوم
стр. 3653
من الميت أنه آثره على صاحبه بتعجيل العتق، ولا فرق بين أن يكون أحدهما عتيقًا من غير أجل والآخر إلى سنة والآخر إلى عشر؛ لأن الميت سوى بينهم في أن جعل في كل واحد عتقا وخالف في التعجيل، وإن عجل عتق أحدهما بغير مال والآخر على مال أو أوصى بأن يكاتب بجعل (١) بدئ بالذي لم يجعل عليه مالًا ولا كتابة.
واختلف إذا عجل المال، فقال ابن القاسم: يتحاصان (٢). وقال غيره: التبدية (٣) على حالها، وهو أحسن؛ لأن المراعى قصد الميت فيما جعل لهما ليس ما تطوع به الآخر بعد الموت، وإن عجل الميت العتق لأحدهما وأخر الآخر إلى سنة فأسقطت الورثة عنه الخدمة، أو جعل الخدمة لرجل سماه وأسقطها عنه لم يتحاصا، فكذلك تعجيل المال، وإن قال: أعتقوا هذا وضعوا عن هذا كتابته، يتحاصا، وإن قال: ضعوا عن هذا كتابته (٤) وكاتبوا هذا، يدي من وضعت كتابته على من يكاتب.
واختلف إذا قال: كاتبوا هذا وأعتقوا الآخر إلى سنة , فقيل: يتحاصان ثم يعتق من كل واحد منهما في الحصاص بتلا (٥)، وقيل: يبدى المعتق إلى أجل لأن المكاتب يرقب فيه العجز فإن لم يحمله الثلث خُيِّر الورثة بين أن يعتقوه إلى الأجل، أو (٦) تكون لهم الخدمة، أو يعتقوا ما حمل الثلث منه بتلًا.
стр. 3654
واختلف إذا حمله الثلث، فقيل: يعتق إلى الأجل؛ لأن الميت لم يجعل له من المعتق أكثر من ذلك فلا يزاد على ما جعل له الميت بخلاف إذا لم يحمله الثلث، وقيل: يعتق بتلًا؛ لأنَّ الوصايا إذا عالت على الثلث ولم يجز الورثة خرجوا من ثلث الميت، فإن أعتق هذا إلى الأجل بقيت لهم الخدمة وهي بقية الثلث فيكونون لم ينفذوا وصية الميت ولا خرجوا من جميع الثلث، وهذا الجواب فيما كان في ملكه، وإن كانا في غير ملكه فقال: اشتروا عبد فلان وعبد فلان ثم أعتقوهما، والثلث قدر أحدهما ورضي السيدان بالبيع تحاصا، وإن لم يرض أحدهما أعتق جميع الآخر لأن الميت كان يترقب ألا يرضي أحدهما، وقيل في هذا الأصل: إنَّ للورثة أن يتحاصوا بما ينوب الآخر، قاله مالك فيمن أوصى لرجلين لكل واحد منهما بعشرة فلم يرض أحدهما هل يحاص بنصيبه ويكون الذي ينوبه كمال لم يعلم به؟
واختلف إذا كان أحدهما معينًا والآخر غير معين، فقال مالك: يبدأ بالمعين (١). وقال الليث وابن أبي حازم في كتاب محمد: يتحاصان. والأول أحسن، وإنما الحصاص للمعينين؛ لأن كل واحد منهما يقوم بحقه ويقول: ليس هو أحق به (٢) مني ولا مقال لغير معين، ولأن السلامة من عيب الشرك أولى؛ لأن عتق البعض ضرر عليه في الموارثة والخراج وكثير من أموره على أحكام العبدية (٣).
واختلف إذا كان أحدهما في ملكه والآخر معين في غير ملكه، فقال
стр. 3655
مالك: يتحاصان، وقال في كتاب (١) محمد: يبدأ بالذي في ملكه، وهو أبين لأن الميت مترقب في الذي في غير ملكه هل يباع أم لا؟ وليس يقصد أن يؤخر عتق من في ملكه، حتى ينظر هل يباع الآخر؟ وإن كان الذي في غير ملكه غير معين بدئ بمن هو في يديه قولًا واحدًا.
فصل [فيما إذا كانت هبات وبتلها معًا، وما إذا كانت مفترقة]
وإن كانت هبات وبتلها معًا تحاصا، وإن كانت مفترقة بدئ بالأول فالأول.
ويختلف إذا حوز (٢) الثاني هل ينقض ويبدى الأول لأنه بمنزلة صحيح وهب هبة ثم وهبها لآخر وقبضها الثاني ثم تنازعاها ولم يقع فلس ولا موت، فاختلف هل يكون الأول أولى أو الحائز؟ وكذلك حوز الثاني لا ينقض ليتم حوز الأول (٣)؛ لأنه لو وهب في المرض هبة لرجل ثم وهبها لآخر وحازها الثاني ثم تنازعها من وهبت لهما لكانت على الخلاف؛ لأنه وإن كان هبة المرض لا تحتاج إلى حوز لما كانت في الثلث، فإنها بمنزلة الصحيح إذا حاز الثاني ولم يقع فلس ولا موت فلا يكون حوز الثاني في الهبة الثانية أدنى رتبة من الهبة الواحدة إذا حازها الثاني. وإلى هذا ذهب ابن الماجشون إلى أنه يراعى الحوز في مثل هذا وإن كانت الهبة في المرض، وخالفه أصبغ (٤). وإن بتل
стр. 3656
هبة في المرض ووصى بأخرى يدي المبتل منها على الموصى له.
ويختلف إذا بتل واحدة في المرض وأخرى لبعد الموت هل يبدى ما بتله في المرض أو يتحاصا حسبما تقدم في المعتقين؟ وإن كان عتقًا وعطية وبتلهما معًا بدئ العتق.
قال ابن الماجشون لحرمته، وكذلك إن لم يكونا معًا وبدي العتق، وإن بتل الهبة ثم أعتق في مجلس آخر فإن كان قد حوز الهبة قبل العتق بديت.
ويختلف إذا لم يحوز الهبة، فقال أشهب وعبد الملك: تبدى الهبة على العتق، وعلى القول الآخر يبدى العتق؛ لأن العبد حائز لنفسه، وإن لم يحرم (١)، وعلى القول الآخر إنَّ حوز الثاني فوت يمضي العتق، وعلى القول الآخر ينقض العتق لتتم الهبة، وإن باع في المرض وحابى كان حكم المحاباة حكم هبة التبتيل، فإن كان معه وصية بمال بديت المحاباة، وإن كان معه عتق بتل قارن (٢) البيع يدي العتق، وكذلك إن بتل العتق قبل، ويختلف إذا كان العتق بعد المال (٣).
تمَّ كِتَابُ الوصايا الأول مِن التبصرة, والحمدُ للهِ حَقَّ حَمْدِهِ
стр. 3657
كتاب الوصايا الثاني
النسخ المقابل عليها
١ - (ف) = نسخة فرنسا رقم (١٠٧١)
٢ - (ق ٢) = نسخة القرويين رقم (٣٧٠)
٣ - (ق ٦) = نسخة القرويين رقم (٣٦٨)
٤ - (ق ٧) = نسخة القرويين رقم (٣٦٧)
стр. 3658
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وصلي الله على سيدنا محمد وآله صحبه وسلم
كتاب الوصايا الثاني
باب في اختلاف الشهادة (١) في الوصية (٢)
وإذا شهد شاهدان بوصية الثلث، وشهد وارثان أنه أوصى بعتق هذا العبد وهو الثلث، وكانت الشهادة عن مجلسين، لم ينظر إلى أعدل البينتين، وكانت الشهادة بالعتق أولى إذا كان العبد ممن لا يرغب في ولائه.
واختلف إذا كان ممن يرغب في ولائه، وكان في الورثة نساء أو لم يكن، فقال ابن القاسم: الشهادة بالثلث أولى (٣). وقال محمد: الشهادة بالعتق أولى (٤). وهو أحسن؛ لأن الولاء أمر يبعد رجوعه ولا يتهم فيه الآن، وأرى الشهادة بالثلث أولى ليس للتهمة في الولاء، والتهمة ها هنا في الفرار من الشركة في كل ما يخلفه الميت من ثوب ومسكن وغيره، فيسكن معهم الدار ويستخدم العبد (٥) ويدعوهم إلى البيع، ولو كانت الوصية بالثلث للمساكين، لكان
стр. 3659
أخف، وإن اختلفت (١) الشهادة عن مجلس واحد، كان (٢) تَكَاذُبًا، فإن كان العبد ممن لا يرغب في ولائه قضي بأعدل البينتين للعتق أو للثلث، وإن تكافأتا في العدالة وقف بعضها بعضًا، ويعتق العبد بإقرار الورثة إذا لم يكن معهما غيرهما، وقد اختلف في هذا الأصل، فقيل: قد اتفقت الشهادات على وصية الميت، وأنها تستغرق الثلث، فعلى الورثة أن يخرجوا من الثلث لأهل الوصايا فيقتسمونه بينهم، فيأخذ الموصى له بالثلث نصف وصيته، ويعتق نصف العبد، وهو أبينها. وإن شهد شاهدان أنه وصى بالثلث، وشهد وارثان أنه رجع عنه إلى عتق هذا العبد، وكان ممن لا يرغب في ولائه، كان العتق أولى على مذهب ابن القاسم، وإن شهد وارثان بالثلث لرجل، وشهد شاهدان أنه أوصى بالثلث لآخر (٣)، والشهاداتان عن مجلسين قضى بجميعهما وكان الثلث بين الموصى لهما نصفين، وإن كانت الشهادتان عن مجلس قضى بأعدلهما.
واختلف إذا تكافأتا (٤) هل تقسم بينهما أو يكون لمن شهد (٥) له الورثة؟ وأن يقسم (٦) بينهما أحسن. وإن كان الورثة أدنى عدالة فقضي بالثلث للآخر، كان لمن شهد له الورثة ثلث الباقي، وقيل: له الثلث كله، وكذلك في العتق إذا كان الحكم أن يبدأ بالثلث، ثم صار العبد إلى الشاهدين من الورثة، فقال ابن
стр. 3660
القاسم: يعتق جميعه ويكون الغصب على الورثة.
وقال أشهب: يعتق ثلثاه، وهذا إذا اقتسما حتى صار العبد إلى الشاهدين، فأمَّا مع بقاء الشركة مع البنات، فإنه لا يعتق من العبد شيء؛ لأنَّ عتق نصيب من أقرَّ عيب على البنات.
стр. 3661
باب فيمن أوصى بخدمة عبد وبمرجعه إلى عتق، أو إلى فلان أو أوصى مع ذلكـ بدنانير أو بالثلث
وقال مالك فيمن أوصى بخدمة عبده (١) لرجلٍ سنة ثم هو حر فلم يحمله الثلث ولا أجازت الورثة: عتق منه ما حمل الثلث بتلًا، وسقطت الخدمة (٢). وقال أيضًا: ينظر إلى ما حمل الثلث منه فيخدم فلانًا سنة ثم يعتق ذلك الجزء بعد انقضائها (٣).
ولم يختلف أنه إذا جعل المرجع بعد الخدمة إلى فلان فضاق الثلث أنه لا يبدى أحدهما على الآخر، وإنما يقطع لهما من ذلك العبد بما حمل الثلث، ثم يختدم الموصى له بالخدمة ذلك الجزء، فإذا انقضت عاد إلى من جعل له المرجع ولم يجعل صاحب الخدمة بمنزلة من جعل له التبدية من الثلث فيقطع له بجميع الثلث إذا لم يحمل (٤) الوصايا، وإنما قصد الميت قسمة ذلك بينهما فجعل لهذا خدمة ولهذا مرجعًا، ولهذا قال مالك مرة: إنه إذا جعل المرجع إلى عتق لا يبدأ العتق؛ لأن الميت ساوى بين الوصيتين ولم يبدِ إحداهما على الأخرى.
وإن قال: يخدم عبدي فلانًا سنة ولم يحمله الثلث ولم يُجِزْ الورثة، قطع للموصى له بالثلث شائعًا، وإن قال: له خدمته حياة العبد قطع له في عين (٥)
стр. 3662
العبد بخلاف الأول؛ لأنَّ هذا أخرج العبد جملة عن الورثة فأشبه إذا أوصى برقبته، والأول فيه معاوضة؛ لأنه أخذ من خدمة العبد فوق نصيبه على أن أعطاهم (١) ماله (٢) فيه من المرجع، وكذلك إن قال: يخدم ورثتي سنة ثم مرجعه لفلان فيه معاوضة من الميت، فإن لم يجيزوا قطعوا له بالثلث. كان قال: يخدم فلانًا سنة ثم ورثتي سنة ثم مرجعه لفلان فلم يحمله الثلث، قطع للموصى لهما بالثلث شائعًا هذا بقيمة خدمته سنة والآخر بقيمة المرجع بعد سنتين، وإن أوصى بخدمة عبد وبعتق آخر وضاق الثلث، يدي بالعتق، وإن أوصى برقبة الآخر (٣) لفلان تحاصا هذا بقيمة الخدمة على غررها والآخر بقيمة الرقبة، فما ناب المخدم أخذه شائعًا، وما ناب الآخر قطع له به في العبد، وإن قال: يخدم عبدي فلانًا عشر سنين ثم هو لفلان، وقال في آخر: هو لفلان، تحاصا فيضرب الموصى لهما (٤) بالخدمة والمرجع بقيمة ذلك العبد بتلًا؛ لأنَّ الميت أخرج جميعه لهما ويضرب الآخر بقيمة العبد، فما ناب المخدم خدم الموصى له بالخدمة ما حمل الثلث منه, ثم كان مرجع ذلك القدر لمن جعل له، وما ناب الآخر أخذه في عين ذلك العبد أيضًا، وإن قال: يخدم عبدي فلانًا عشر سنين ثم هو حر ولفلان مائة دينار، فكان الثلث: العبد وخمسين دينارًا، أخذه الموصى له بالمائة وهي نصف وصيته وأخذ الآخر نصف الخدمة, ثم تحاصا في باقي الخدمة هذا بخمسين دينارًا وهذا بقيمة نصف (٥) الخدمة، فإن
стр. 3663
كانت قيمتها خمسين كانت (١) الخدمة بينهما نصفين، وإن كان العبد كفاف الثلث تحاصا في (٢) خدمته، هذا بقيمة الخدمة وهذا بمائة دينار، فإن كانت قيمة (٣) الخدمة مائة اقتسماها نصفين، فإن مات العبد بعد خمس سنين كان فيه قولان: فقيل: ذلك حكم مضى ولا رجوع لأحدهما على الآخر، وقيل: ينقض الأول ويرجعان إلى ما كشف الغيب وقد كان الحكم المحاصة (٤) بالخدمة خمس سنين فيحاص الآن بقيمة الخدمة على ألا غرر فيها (٥)، والآخر بالمائة فيغرم المخدم الفاضل عنده, وإن خلف العبد مائة دينار أخذها الموصى له بالعين (٦)، ورجع المخدم على صاحبه بقيمة ما أخذ من الخدمة, وإن خلف العبد خمسين دينارًا (٧) أخذها الموصى له بالعين وهو نصف وصيته، ويكون للمخدم نصف الخدمة وهي سنتان ونصف وقد صارت إليه، ثم يرجع على صاحبه في سنتين ونصف (٨) يتحاصان فيها، والقول الأول أحسن لأنَّه (٩) حكم قد مضى وقد كانت القيمة (١٠) في الخدمة (١١) تلك العشر سنين على غررها، وإنما قومت ما تساوى (١٢) مع إمكان أن يموت
стр. 3664
العبد قبل، فلا يكون لمشتر تلك المنافع سوى ما قبض، وإذا كانت القيمة على هذه الصفة فلم يكشف الغيب أكثر مما كانا دخلا عليه، ويتحاص على غير هذا القول مما ترك العبد على ما كان يتحاصان في الخدمة قبل موته (١)، وإن لم يحمل الثلث إلا نصف العبد، ولم يجز الورثة أعتق نصف العبد بتلًا، وسقطت الخدمة والوصية بالمال، فإن قال الورثة: نحن نجيز عتق جميعه إلى الأجل، وسلم أهل الوصايا نصف الخدمة، كان ذلك لهم، ولم يكن للموصى لهما في ذلك مقال؛ لأنَّ الورثة لم ينتفعوا من ثلث الميت (٢) بشيء، ولو قال الورثة: نجيز لأهل الوصايا جميع الخدمة ثم يعتق نصف العبد إلى الأجل لم يكن ذلك لهم.
فصل [فيمن أوصى بخدمة عبد من غير توقيت أو أوصى بالخدمة لرجل وبالرقبة لغيره]
وإن قال: يخدم عبدي فلانًا ولم يوقت، كان محمله على حياة المخدم. واختلف إذا قال لفلان: خدمة عبدي، فقال ابن القاسم: محمله على حياة العبد (٣).
وقال أشهب: على (٤) حياة المخدم (٥). قال: ولو أراد حياة العبد أعطاه العبد بتلًا، والأول أحسن؛ لأن متضمن قوله له (٦) خدمة عبدي على جميعها،
стр. 3665
ويصح أن يعطيه جميع الخدمة، ولا يعطيه الرقبة، ويبقى ميراثه وجنايته لنفسه، أو يحب أن يرى صنيعه فيه، أو يبقيه في يديه كالحبس لئلا يتلفه، وإن قال: يخدم عبدي فلانًا ومرجعه لفلان، خدم فلانًا حياته، فإن مات رجع إلى الآخر.
واختلف إذا قال لفلان: خدمة عبدي ولفلان رقبته، فقال ابن القاسم: يتحاصان هذا بقيمة جميع خدمة العبد، والآخر بقيمة الرقبة (١). يريد على ألا خدمة فيها؛ لأنه يستحيل أن يكون جميع الخدمة لواحد حتى يموت، وللآخر الرقبة، وإنما يصح أحدهما خدمة بلا رقبة أو رقبة بلا خدمة، فلما استحال ذلك، حمل قوله على أنه أراد الحصاص، وإلى هذا يرجع قول ابن القاسم في المدونة، وإن كان اختلف لفظ أول المسألة وآخرها لأنه قال في أول (٢) السؤال إذا قال: يخدم عبدي فلانًا، ثم قال: فأما إذا جعل لأحدهما الخدمة وللآخر (٣) الرقبة، وعلى قوله في آخر المسألة: يصح جوابه، وهو أن يقول: لهذا خدمته ولهذا رقبته. وأما إذا قال: يخدم فلانًا ورقبته لفلان، فيبدأ من جعلت له الخدمة ويكون للآخر المرجع، وظاهر قول غيره إذا جعل لواحد خدمته ولآخر رقبته (٤) أنه (٥) يخدم فلانًا حياته ثم يكون مرجعه للآخر.
стр. 3666
فصل [فيمن أوصى بوصيتين لا يصح إنفاذهما معا]
وإن أوصى لرجل بجميع ماله ولآخر بثلث ماله، فإن أجازت الورثة تحاصا في ماله أو باعا، ولا خلاف في ذلك؛ لأنه يستحيل إنفاذ الوصيتين، فحمل على أنه أراد الحصاص، وكذلك إن لم يجز الورثة تحاصا في ثلثه أرباعًا، وكذلك إن أوصى لرجل بنصف ماله ولآخر بثلثي ماله، تحاصا في جميعه في الإجازة أسباعًا أو (١) الثلث إن لم يجيزوا أسباعًا (٢).
واختلف إذا أوصى لرجل بثلث ماله، ولآخر بعبد وهو ثلثه في القيمة فأجاز الورثة، فقيل: يكون للموصى له بالثلث ثلثا الثلث، وللموصى له بالعبد ثلثاه، ويكون ثلث العبد بينهما نصفين؛ لأنه وصى بثلثه مرتين. وقيل: يكون لمن وصى له بالثلث جميع الثلث وللآخر جميع العبد؛ لأنه يصح مع الإجازة إنفاذ الوصيتين. وإن لم يجز الورثة , كان الثلث بينهما نصفين. وقيل: يبدأ صاحب الثلث ولا شيء للمعين (٣)؛ لأن الميت إنما وصى به من ثلثي الورثة. وإن قال: لفلان عبدي هذا وقيمة ثلث ماله، ولفلان خدمة هذا الآخر وأجاز الورثة لصاحب الخدمة، كان له أن يختدمه ويقوم الورثة مقامه في المحاصة بالخدمة، فما نابه أخذوه.
وقال محمد فيمن أوصى بخدمة عبده لرجل وبعشرة دنانير لآخر، ولا مال له سوى العبد فأجاز الورثة للمخدم الخدمة: فإنه يباع ثلث العبد،
стр. 3667
ويتحاصان (١) فيه هذا بالعشرة والآخر بقيمة الخدمة فما صار للمخدم أخذه، ثم يختدم ثلثي العبد حتى يموت فيرجع العبد إلى الورثة.
يريد إذا صار له في المحاصة قيمة ثلث الخدمة فأقل، فإن صار له أكثر، سلم الفاضل للورثة، ولا يزاد على وصيته، وهو بمنزلة رجل وصى لرجل (٢) بثلث ماله، ولآخر بنصف ماله فأجاز الورثة للموصى له بالنصف، فإنه يحاص الموصى له بالثلث بجميع النصف، فما صار له في الحصاص أخذه، ثم أعطى الورثة تمام النصف وقد ذكرت فيما بعد إذا أوصى لرجل بثلث ماله، ولآخر بنصف ماله فأجاز الورثة لصاحب النصف (٣).
стр. 3668
باب فيمن أوصى لرجل بخدمة عبده , ولآخر بما بقي من ثلثه وما أشبه ذلك ـ
وقال ابن القاسم فيمن أوصى لرجلٍ بخدمة عبده حياته، ولآخر بما بقي من ثلثه فكان العبد كفاف الثلث: أنفذتْ الخدمة لمن أوصى له بها، وكان للآخر مرجع العبد إذا انقضت الخدمة (١). وكذلك إن حبس دارًا على رجل حياته وهي كفاف ثلثه كان له مرجعها بعد موت المحبس عليه. وكذلك إذا ضرب أجلًا، كان له المرجع بعد انقضاء الأجل، وإن فضل عن العبد أو الدار شيء أخذه الآن، والمرجع بعد، وإن لم يحمل الثلث قطع بثلث الميت للمخدم، وللمحبس عليه بتلًا، ولا شيء لمن وصى له بباقي الثلث؛ لأنه لم يبق من الثلث شيء، وأرى إذا قال لفلان خدمة عبدي، ولفلان (٢) ما بقي بعده فخرج الورثة من ثلث الميت، أن يكون للموصى له بالخدمة قيمتها، وما فضل بعده للآخر.
فصل [فيمن أوصى لثلاثة نفر بعبده وبعشيرة دنانير وبباقي الثلث, فمات العبد قبل النظر في الثلث]
وقال محمد فيمن أوصى لرجل بعشرة دنانير، ولآخر بعبده، ولآخر بباقي الثلث، فمات العبد قبل النظر في الثلث، قال: يأخذ الموصى له بالعشرة وصيته من كل ما بقي بعد العبد كأنه لم يكن، ثم يحيى العبد بالذكر فتضم قيمته إلى ما
стр. 3669
ترك الميت، ثم يخرج من ثلث الجميع العبد والعشرة، فإن بقي شيء كان لصاحب باقي الثلث، وإلا فلا شيء له (١).
وكذلك لو (٢) باع ذلك العبد، لم يكن لصاحب باقي الثلث إلا ما بعده كأنه لم يبعه، أوكانت أمة فأولدها، لم يكن له إلا ما بعد قيمتها.
قال مالك: وإن قال: لفلان عشرة، ولفلان ما بقي من ثلثي، ولفلان عشرة، كانت العشرة مبدأة كمثل الذي قال له ما بقي من ثلثي؛ لأن أول الوصية وآخرها سواء (٣).
قال أشهب: هو بمنزلة قوله لفلان عشرة، ولفلان عشرة، ولفلان ما بقي من ثلثي (٤).
قال محمد: وإن قال لفلان عشرة، ولفلان ما بقي من ثلثي بعدها، ولفلان عشرة، نظر ما بقي من الثلث بعد العشرة الأولى فيكون كشيء مسمى أوصى له به، ويحاص به صاحب العشرين، فما صار لصاحب باقي الثلث، أتم منه (٥) لصاحب العشرة الأولى عشرته، ويصير الحصاص للأول أو لصاحب باقي الثلث جميعًا بالثلث، ثم يفضل الأول من ذلك بعشرة، وهذا إذا كان الثلث أكثر من عشرة، فإن كان عشرة فأقل فلا حصاص لصاحب باقي الثلث، والثلث بين صاحبي العشرتين (٦) نصفين، وإن كان
стр. 3670
الثلث ثلاثين، كان لصاحب العشرة الأخرى سبعة ونصف، وللأول مثلها، ويأخذ تمام عشرته، ثم يبدأ بصاحب باقي الثلث، ويبقى لصاحب باقي الثلث اثنا عشر ونصف (١).
وقال أشهب: تخرج العشرة الأولى من الثلث، فإن بقي خمسة، تحاص فيها صاحب باقي الثلث، وصاحب العشرة المبهمة، فما وقع لصاحب الباقي أخذه، وما وقع (٢) لصاحب العشرة الآخرة أتبعه مع صاحب الأولى، فاقتسماه نصفين (٣). والأول أبين؛ لأن الميت لم يبد الأول على الآخر بل سوى بينهما.
وقال مالك: إذا قال: ثلثي لفلان، ولفلان من ثلثي عشرة دنانير، يدي صاحب العشرة، وإن قال: ولفلان عشرة، ولم يقل: من ثلثي، تحاصا، ثم رجع فقال يتحاصان وإن قال: من ثلثي (٤). والأول أبين؛ لأنه انتزع العشرة من الثلث، وقد قال فيمن حبس على ولده وأجنبيين حائطًا وسمى لبعضهم كيلًا، وأبهم الآخرين يدي من سمى له كيلًا وهم أولى بما يخرج الحائط من الآخرين.
وقال في العتبية فيمن أوصى لثلاثة نفر بثلثه (٥)، ثم قال لفلان عشرة، ولفلان عشرون، وسكت عن الثالث فقال: للذي سكت عنه ثلث الثلث، ويعطى لهذا عشرة، وللآخر عشرون، ثم يقسم الباقي على ثلث الثلث، وعلى العشرة والعشرين بالحصاص (٦).
стр. 3671
وقال أصبغ في كتاب محمد: يأخذ المسكوت عنه ثلث الثلث، ويقسم الباقي بين المسمى لهما أثلاثًا، لصاحب العشرة جزء وللآخر جزءان (١).
وعلى قول مالك في مسألة الحائط: يبدأ صاحب العشرة والعشرين، ويكون ما بقي للمسكوت عنه.
وقال ابن وهب في العتبية: إذا أوصى فقال: ثلثي لفلان، ولفلان عشرة دنانير، ولا تنقصوا صاحب الثلث شيئًا، كان الثلث كله له، ولا شيء للآخر، ولو قال: لفلان ثلثي، ولفلان عشرة، ولا ينقص منها شيء (٢)، والثلث عشرة، كانت له ولا شيء للآخر فجعلها منتزعة من الثلث، وإن قال: لا تنقصوا صاحب الثلث، كانت العشرة من ثلثي الورثة إن رضوا وإلا فلا شيء له (٣).
стр. 3672
باب فيمن أوصى بعمارة مسجد، أو بإطعام مساكين أو إطعام رجل بعينه
الوصيةُ بالمجهول على وجهين:
أحدهما: ما لا غاية له كقوله: اسقوا كل يوم راوية، أو أطعموا خبزة.
والثاني: ما له غاية تنقطع بها فيضرب أجلًا ويقول: أعطوا فلانًا كل يوم درهمًا أو خبزة.
فاختلف إذا كانت الوصية للمساكين، أو لعمارة مسجد، ولم يضرب أجلًا، فقيل: محمل الموصي على أنه أراد جميع المال، فيقال للورثة: أجيزوا وصيته، فإن لم يفعلوا فحينئذ يرجع إلى الثلث. وقيل: محمله على الثلث، ولا يقال للورثة شيء وهو أبين، وليس القصد من الميت أن يخرج ولده وأهله من جميع المال.
واختلف إذا اجتمع في الوصية مجهولان (١)، عمارة مسجد وإطعام مساكين، فقيل: هو بمنزلة من وصى بمجهول واحد وقد جمعهما الثلث، وقيل: لكل وصية ثلث، فإن أجازت الورثة خرج ثلثا المال، وإن لم يُجزْ ردت إلى الثلث.
ويختلف في صفة القسمة، فعلى القول الأول إن ذلك وصية واحدة بثلث واحد يفض الثلث على قيمة ما يخرج منه كل يوم، لكل واحد بانفراده، وعلى القول إنها وصايا، ولم يجز الورثة يكون الثلث بينهما نصفين، وإن وصى مع
стр. 3673
ذلك بمعلوم، عاد الخلاف المتقدم في القدر الذي يحاص به المجهول إن كان مجهولًا واحدًا هل (١) يحاص بالثلث، أو بجميع المال ومن جعلها وصايا ضرب لكل مجهول بجميع المال، أو بالثلث على القول الآخر، والقول إن بجميعها ثلثا واحدا (٢) أحسن، فإن ضرب أجلًا فقال: اسقوا كل يوم راوية وأطعموا كل يوم خبزة سنة أو سنتين، نظر (٣) إلى ما ينفق في تلك السنة من تلك (٤) الوصية، فإن كان أكثر من الثلث قيل للورثة إن لم تجيزوا فاخرجوا من ثلث الميت، وإن كان ذلك أقل من الثلث (٥) وأخذ الورثة بقية الثلث، ثم غلا السعر، انتزع منهم تمام الثلث، وإن كان مع ذلك وصية بمعين، كان الحصاص بقدر ما ينفق في تلك السنة.
فصل [فيمن أوصى بالنفقة على رجل بعينه]
فإن أوصى بالنفقة على رجل بعينه، فإن الوصية على ثلاثة أوجه: إما أن يسمى السنين أو حياته، أو يطلق الوصية فلا يذكر سنين ولا حياة، فإن أطلق الوصية، كان محملها على حياة المنفق عليه.
واختلف إذا قال: حياته في حد التعمير. فقيل: تسعين سنة. وقيل: ثمانين. وقيل: سبعين. وقيل: مائة، وهذا إذا كانت الوصية لواحد (٦).
стр. 3674
واختلف إذا كانت الوصية لجماعة بعد القول إنَّ الحد تسعون أو (١) مائة، فقال مالك: ثمانين لكل واحد (٢).
وقال محمد: سبعين؛ لأن الجماعة يحمل بعضها عن بعض فيموت بعضهم قبل السبعين، ويتأخر الآخر. والقول بالسبعين في الواحد أحسن. وإن كان الموصى له ابن سبعين، زيد عليها.
وروي عن مالك أنه قال: إن كان ابن ثمانين عمر تسعين، وإن كان ابن تسعين، عمر مائة (٣). والوصية بالنفقة على وجهين: مقيدة مثل أن يقول يعطى كل شهر دينارًا (٤)، وكل يوم خبزة، ومطلقة. فإن كانت مقيدة، أنفذت حسبما رسمه الميت، وإن كانت مطلقة، كانت له نفقة مثله، فليس ما يعرض للرجل
стр. 3675
المتوسط، ومن له الهيئة كالمعروف بالبذاذة (١) والسؤال.
وقال مالك في كتاب محمد: يفرض الطعام والإدام، والماء والحطب والدهن، والثياب، ولا أدري ما ثياب الصون (٢).
وقال ابن أبي حازم في كتاب المدنين: له النفقة بغير كسوة. وهو أقيس؛ لأن الذي عليه الناس اليوم أن النفقة غير الكسوة، وإنما يقولون نفقة وكسوة، ولا يرون أن ذكر النفقة يغني عن ذكر الكسوة، ولا يدخل عليه (٣) في ذلك، وإن أوصى بدينار (٤) كل شهر، ووصى مع ذلك بوصايا، وضاق الثلث، ضرب للموصى له بالنفقة بما وصى له على (٥) التعمير.
واختلف فيما يصير له في المحاصة (٦) على ثلاثة أقوال: فقال محمد، وابن نافع في المجموعة: إن صار له نصف وصيته، أنفق عليه نصف دينار في كل شهر (٧).
وقال مطرف: يعطى كل شهر دينارًا (٨).
وقال أصبغ: يدفع إليه (٩) ما صار له في الحصاص (١٠) بتلًا؛ لأن الوصية
стр. 3676
عالت (١). وأرى أن ينظر في ذلك، فإن كان قصد الميت أن يعطي ذلك (٢) كل شهر لما يعلم من تبذيره، لم يعجل له، ودفع إليه دينار كل شهر؛ لأنَّ الميت قصد أن يوسع (٣) عليه ذلك القدر من النفقة، وإن كان يعلم أن ثلثه يضيق عن جميع الوصايا، كان آكد ألا ينقص من الدينار (٤)، وإن كان قصد الميت رفق الورثة ليخرجوه من غلات، ولئلا يبيعوا في ذلك الرقاب، أو ما أشبه ذلك، عجل للموصى له ما صار في المحاصة. وإن أشكل الأمر ولم يعلم قصده، لم يعجل، ويحمل على الظاهر أن الميت لم يرد تعجيل ذلك، وفي الباب الذي بعد: إذا أوصى بدينار (٥) من غلة حائطه بقية ما يتعلق بهذا المعنى.
وقال محمد: التعمير والنفقة من يوم الموت (٦).
واختلف إذا وقف ذلك لينفق عليه فمات قبل انقضاء التعمير، وقبل أن ينفَّذ ما صار له في المحاصة، فقال مطرف: إذا صار (٧) له في المحاصة خمسون دينارًا، وكان أوصى له بدينار في كل شهر فأنفق عشرة، رجعت الأربعون للموصى لهم، فإن استكملوا وصاياهم، وفضل شيء رجع إلى الورثة فاقتسموه على قدر مواريثهم، وانتقاض القسمة ها هنا والرجوع إلى ما كشف الغيب حسن؛ لأن المحاصة كانت بما عمر على الكمال، ولم ينقص منها شيء لمكان
стр. 3677
الغرر (١)، ولا أرى للورثة في الفاضل شيئًا؛ لأنهم لم يجيزوا وصية الميت، وخرجوا من ثلثه فنماء ذلك الثلث، ونقصانه ومصيبته للموصى لهم وعليهم.
فصل [فيمن أوصى أن تكرى أرضه من فلان]
ومن أوصى أن تكرى أرضه من فلان بثمن سماه، والثلث يحملها أو لا يحمل، وأجاز الورثة، عرضت على فلان (٢) بما سماه الميت، فإن أبى إلا أن يحط عنه من تلك التسمية، لم يكن ذلك له، وسقطت وصيته، وهو في هذا بخلاف من قال: أكروها منه، ولم يسم فإنه يوضع عنه ثلث الكراء، إلا أن يكون في التسمية هضيمة بينة مثل أن يقول: أكروها منه بعشرة، وكراؤها عشرون فيعلم أنه أراد أن يهبه نصف المنافع، فيعطى ذلك النصف بغير شيء، وإن لم يحملها الثلث ولم يجز الورثة، قطعوا له جميع (٣) ثلث الميت في الأرض، وغيرها.
стр. 3678
باب في اختلاف الوصايا واختلاف أحكامها
الوصية عشرة (١) فالأول: أن يكون قدرها الثلث، ويجعلها في صنف (٢) لا يلحق الورثة بإخراجه (٣) منه ضرر.
والثاني: أن يعول على ثلثه (٤)، ويجعله بحيث يجوز حسب الأول.
والثالث: أن يوصي بالثلث، ويجعله فيما يضر بالورثة إخراجه كالذي يأخذ الحاضر ويترك الغائب، أو يأخذ النَّاضَّ ويجعل لهم الدين.
والرابع: أن يعاوض ورثته ويبايعهم فيأخذ المنافع والغلات، ويترك لهم المرجع، أو يترك (٥) لهم المنافع، ويجعل لنفسه المرجع، أو يأخذ حاضرًا دون الثلث، ويترك كثيرًا غائبًا.
والخامس: أن يقصد الضرر بورثته دون البر لنفسه، وما لا ينفع في عاجل الدنيا ولا في آجل (٦) الآخرة.
والسادس: أن يجتمع في الوصية شيئان: العول على الثلث، ويجعلها فيما يضر بهم، أو يتعذر بيعه.
والسابع: أن يجتمع العول والمبايعة.
стр. 3679
والثامن: أن يجتمع العول والمبايعة، ويجعلها فيما يضر بهم.
والتاسع: (١) أن يجتمع في ذلك ما يريد به الضرر، وما يريد به البر (٢).
والعاشر: ألا يكون عول، ويريد بر نفسه، وضرر الورثة، فإن كانت التركة صنفًا عبيدًا أو ديارًا أو عروضًا فوصى بشيء بعينه من ذلك وهو الثلث فأقل، جاز وليس للورثة أن يقولوا له (٣): الثلث شائعًا وليس له أن يأخذ ذلك المعين لنفسه.
وكذلك إن كانت عبيدًا، أو متاعًا فأراد أن يأخذ أحد المصنفين، وهما في إنجاز (٤) البيع إن أريد سواء، وليس لهم أن يقولوا: إنما يأخذ ثلث كل صنف.
وكذلك إن كانت التركة عينًا فوصى بالدراهم دون الدنانير، أو بالدنانير دون الدراهم، وهو في القيمة الثلث فأقل أو كانت كلها دنانير، وهي مختلفة السكك فوصى منها بما (٥) قيمته الثلث وهو أجود سكة (٦)، وأدنى وزنًا أو أوزن وأدنى سكة، فترك فضل العدد لمكان جودة السكة، أو ترك فضل الجودة لمكان كثرة العدد، فذلك جائز، وإن كره الورثة، ولم ير ذلك من الرِّبا بينه وبين الورثة، وإن كانوا شركاء له بالموت.
وكذلك لو خلف عينًا، ودينًا والدين دنانير ودراهم فأوصى بالدين، جاز
стр. 3680
إذا حمل الثلث عدده.
واختلف إذا كان في العدد أكثر من الثلث، وفي القيمة الثلث فأقل، فقيل: تجوز الوصية؛ لأنَّ الدين كعرض فلو وصى له بعرض، وله عين لجاز إذا حمل الثلث قيمته، وقيل يجعل (١) في الثلث العدد.
قال مالك: وليس له أن يوصي بالعين ويترك لهم (٢) الدين.
وأرى إذا كان الدين حالًا على موسر حاضر غير مُلِدٍّ، أو مؤجلا لا يتعذر بيعه وقيمته إن بيع الثلثان فأكثر أن تجوز الوصية، وإن كره الورثة. كما قال: لو أوصى بالعين، وجعل لهم عرضًا وهو مما لا يتعذر بيعه. وكذلك إن كانت التركة ديارًا، أو حمامات، أو حوانيت، أو عبيدًا، أو متاعًا (٣)، فله أن يجعل ثلثه في أي ذلك أحب، وإن لم يرض الورثة إلا أن يكون الذي ترك لهم مما يتأخر بيعه بالأمر البين ويعلم أن غرضهم فيما يصير إليهم (٤) من التركة (٥) البيع ليس الاقتناء.
والقسم الثاني: إن جعل الوصية بحيث يجوز له حسبما تقدم، وعال على ثلثه، مضت وصيته في الصنف الذي جعلها فيه، ويكون المقال للورثة في الزائد على الثلث خاصف فإن أجازوه وإلا كان لهم رد الزائد خاصة إذا كانت التركة دنانير ودراهم أو مكيلًا أو موزونًا، وإن كان فيها ربا مما لا يجوز