← Фикх малики

Фикх малики · id 14591

التبصرة للخمي

اللخمي، أبو الحسن

Полный текст (6 502 стр.). Показаны 4341–4380 · переход к 4346.

стр. 4341

واختلف عن مالك في أرض العنوة، فمرة قال: لا تقسم (١). ومرة قال: لا بأس بقسمتها (٢). ولا خلف أنه إن قسمها الإمام أن فعله ماض ولا يرد، فإن رأى وَقَفَها للأبد، وكانت حبسًا ينتفع بمنافعها، بإجارة وبغير إجارة. وإن أوقفها ليرى رأيه فيها في المستقبل- جاز، ويعطي الآن منفعتها هبة أو بكراء، حتى يرى وجهًا لقسمتها، وإن تركت لأهل العنوة، الذين افتتحت عليهم على وجه العون، ليس على وجه الملك- لم يبيعوها، كان مات لم يورث عنه، وإن أسلم لم يكن له وما خلا أهله عنه كالعنوة، فإن رأى الإمام قسمتها قسمها، وإن رأى أن يوقفها وقفها، وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قسم خيبر على السهمين (٣). وقال عمر: لَولا أَنْ يَأْتِيَ مِنَ المُسْلِمِينَ، لَمْ أَدع قَرْيَةً أَفْتَتِحُهَا إِلا قَسَمْتُهَا، كَمَا قَسَمَ النَّبِيُّ ﷺ خَيْبَرَ (٤). أخرجه البخاري ومسلم. فسلم عمر ﵁ أن القسم جائز لم ينسخ، ولأنه إذا أجاز أن يعيد على الجيش بعض الخمس على وجه النفل؛ جاز أن يخمس ما سوى الأرض، وقد ثبت عن النبي ﷺ ، أنه فَتَحَ مَكَّةَ عَنْوَةً (٥). قال ابن شعبان: وأجمعوا على أنه لم يجعلها فيئًا، كما فعل بغيرها.

стр. 4342

وقال مالك: فأرض مصر وديارها لا تباع (١). يريد: لأنها وقفت على وجه الحبس؛ فلا تباع رقابهم. وقال ابن القاسم في المنتخبة: قال مالك: إذا أسلم أهل العنوة أخذ منهم دنانيرهم ودراهمهم وعبيدهم وكل ما لهم (٢). فصل [في شراء من سبي من أهل الحرب ممن لم يهادنهم] وقال مالك في قوم من أهل الحرب سبوهم: فلا يجوز أن يشتروا منهم (٣). وأجاز ابن شعبان أن يشتريهم من هادنهم، إذا أغار عليهم غير من هادنهم. وإذا جاز أن يشتروهم إذا أغار عليهم من المسلمين من لم يهادنهم، كان اشتراؤهم ممن أغار عليهم من أهل الحرب أبين. وعَقْدُ أمير المؤمنن عَقْدٌ على جميع أهل الإسلام حيث كانوا، وعَقْدُ عماله -إذا كان قد عمل كل واحد على ناحية- يصح على عمله دون عمل غيره، إلا أن يكون جعل له ذلك. وأما من غلب على بلد أو عمل، ولم يعمله أمير المؤمنين، فذلك بَيِّنٌ أنه لا يصح عقده إلا على الموضع الذي غلب عليه، والسنون الكثيرة والقليلة إذا استووا سواء. وقال مالك: إذا صولح أهل الحرب على مائة رأس في كل عام، فأعطوا أولادهم- لم يجز، فإن الصلح لهم ولأبنائهم، إلا أن يكون الصلح السنة والسنتين؛ فلا بأس أن يؤخذ أبناؤهم ونساؤهم (٤).

стр. 4343

وقال في كتاب ابن حبيب: لا يجوز أن يؤخذ أبناؤهم ولا نساؤهم، وإن كانت الهدنة العام والعامين أو إلى غير مدة، إلا أن يكون شرطوا ذلك. وقال ابن حبيب: وسواء علم أهل مملكة البطريق بما شرط أو لم يعلموا (١)، ولا بأس أن يصالح أهل الحرب، على أن يبعثوا في الجزية من شاؤوا من أولادهم ونسائهم ومن قهروه من كبارهم، إذا كان شرط بطارقتهم، قال: وإن قدم بأمان من لا هدنة بيننا وبينهم فلا بأس أن يشتري منهم صغار أبنائهم، ونسائهم أمهات أولادهم. فصل [في إسلام العبد النصراني إذا باعه نصراني لنصراني في مدة الخيار] وإذا باع نصراني من نصراني عبدًا نصرانيًّا بالخيار ثلاثة أيام، فأسلم العبد - لم يفسخ البيع. قال ابن القاسم: ويقال لمن له الخيار: إن شئت أخذت، وإن شئت رددت. فإن أخذ بيع عليه، وإن رد بيع على الأول. قال: لأنه كان حلالًا بيعهما، وإن كان المشتري مسلمًا فأسلم العبد لم يكن فوتًا، قال: والمسلم بالخيار بين أن يسلم أو يرد (٢). وظاهر قوله أنه على خياره في بقية أيام الخيار، وهذا محتمل أن يكون لما تقدم من حق المسلم، أو لأنه يجيز إن أسلم العبد قبل البيع، أن يبيعه من مسلم بالخيار ثلاثة أيام، وأن لا يضيق عليه فيجبر على البيع بالحضرة، بخلاف أن يكون الخيار للبائع؛ لأن بقاء الخيار للكافر ولاء على المسلم. ويختلف إذا كان الخيار للبائع فأسلم، هل إمضاؤه كبيع مبتدأ فيمنع؟

стр. 4344

أو إنما يمضيه بالعقد المتقدم فيجوز؟ وأستحسن ألا يمكن البائع من إمضائه للكافر، فإن فعل مضى. وقال ابن القاسم: فيمن باع أمة على أنه بالخيار، ثم اشترى ولدها في أيام الخيار- ليس له أن يمضي البيع في الأم فإن فعل رد البيع إلا أن يجمع بينهما، بخلاف أن يكون الخيار للمشتري، فيشتري البائع الولد، وبناء المسألة في البائع على أحد القولين أنه كابتداء بيع.

стр. 4345

باب في تفرقه الولد من أحد أبويه أو غيرهما من الأقارب في البيع روي عن النبي ﷺ أنه قال: "مَنْ فَرَّقَ بينَ وَالِدَةٍ وَوَلَدِهَا فَرَّقَ اللهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَحِبَّتِهِ يَوْمَ الْقِيَامةِ" (١). وهذا حديث حسن السند ذكره الترمذي في مسنده. وقال ﷺ : "لاَ تُوَلَّهُ وَالِدَةٌ عَنْ وَلَدِهَا" (٢). والتفرقة بين الأم وولدها ممنوعة في البيع بهذه الأحاديث، ولا خلاف في ذلك. واختلف في التفرقة بين الأب والولد، فقال مالك وابن القاسم: لا بأس به (٣). وذكر محمد عن بعض أهل المدينة مَنعْ ذلك. وهو أحسن، قياسًا على الأم، وإن كانت الأم أعظم في الموجدة، فمعلوم أن الأب يدخل عليه من ذلك ما تعظم فيه المشقة، وهو كالأم، وقد يكون بعض الآباء أشد. ولم يختلف المذهب في جواز التفرقة بين من سوى هذين من الأقارب، كالأخ والجد والجدة والخالة والعمة.

стр. 4346

واختلف في وجه منع التفرقة بين الأم والولد، فقيل: ذلك لحق الأم، لئلا قوله عليه كما في الحديث. وقيل: ذلك لحق الولد في الحضانة، والأول أحسن. ولو كان ذلك لحق الولد في الحضانة لم يفرق بين الصغير وبين كل مَن الصبي متعلق به في الحضانة، كالجدة والخالة والعمة، وتسليمهم ذلك دليل على أن النهي لما يختص بالأم من الموجدة، فحكم النبي ﷺ بذلك لتغليب أحد الضررين؛ لأن المضرة التي تدخل على الأم في التفرقة أعظم من ما يتزيد البائع من الثمن في بيعها على الانفراد. فصل [في الوقت الذي إذا بلغه الصبي جازت التفرقة] واختلف في الوقت الذي إذا بلغه الصبي جازت فيه التفرقة على أربعة أقوال: فقال مالك: إذا أثغر ولم يعجل به الانفراد. وقال ابن القاسم: إذا استغنى عن الأم، وعرف ما يؤمر به وينهى عنه (١). وقال الليث وابن وهب: إذا بلغ عشرين سنة (٢). وروى ابن غانم عن مالك أنه قال: إذا احتلم (٣) وقال محمد بن عبد الحكم: لا يفرق بينهما أبدًا (٤). والقول أنه يتربص به إلى البلوغ أحسن؛ لأن الموجدة حينئذ وإن لم تذهب فتخف، وهذا موجود في الحرة إذا غاب عنها ولدها وهو صغير، لم يكن موقعه عندها بمنزلة إذا كان كبيرًا. والقول أنه من وجه الحضانة ضعيف، وقد تقدم وجه ذلك.

стр. 4347

واختلف إذا رضيت الأم بالتفرقة، وأن يباع ولدها دونها، أو تباع هي دونه، فقال في كتاب محمد: لا يفرق بينهما (١). وقال في مختصر ابن عبد الحكم في كتاب الوصايا وغيره: لا بأس به (٢). وهذا أيضًا راجع إلى الخلاف المتقدم، ومن جعل ذلك لحق الحضانة لم يصحَّ رضاؤها؛ لأنه إسقاط لحق الولد، وعلى القول أنه حق الأم؛ لئلا قوله- يصح رضاها، وبه آخذ إذا علم صحة رضاها، وأنها غير مكرهة ولا خائفة ولا مختدعة. واختلف في الحرة تخالع على أن تسلم ولدها، فقال مالك وابن القاسم: يجوز ذلك (٣). وجعلاه حقًّا للأم. وقال ابن الماجشون في كتاب ابن حبيب: والشرط باطل، ويبقى في حضانتها. فصل [فيما إذا وكع البيع على التفرقة بغير رضا الأم] واختلف إذا وقع البيع على التفرقة من غير رضى الأم، وبيعت الأم وحدها أو الولد، فقيل: البيع صحيح ويتعلق به حق لآدمي. وقيل: البيع فاسد يتعلق به حق لله تعالى (٤). وأرى إن كان المتبايعان عالمين أنهما مطالبان بالجمع، أن يكون فاسدًا؛ لأن المشتري دخل على أنه متعذر الملك يوم اشتراه، ومأخوذ ببيعه من البائع، أو يشتري منه الأم، أو يبيعاه جميعًا، أو يرد البيع فيكون الثمن سلفًا، وجميع هذه

стр. 4348

الوجوه توجب الفساد، فينقض البيع إن لم يفت، وإن فات بحوالة أسواق فما فوق مضى بالقيمة، وهو قول مالك، وابن عبدوس في القيمة، ثم يجبران على الجمع (١)، وإن كان أحدهما أعلم بالحكم، جرى على الخلاف في علم أحد المتبايعين بالفساد وإن كانا لا يعلمان أنهما مطالبان بالجمع كان بيعًا صحيحًا، يتعلق به حق البائع أو المشتري، فالمشتري يقول: اشتريت ما يرى أنه يتقرر ملكي عليه، وإذا كنت مجبورًا على أن أبيعه من البائع، أو أجنبي أو أشتري الأم وأنا غير راغب فيها، كان ذلك عيبًا عليَّ في شرائي، والبائع يقول: بعت الولد وأنا أظن أن بيعه يصح، فإذا كنت مأمورًا بأن أبيع ما بقي في يدي من المشتري أو أجنبي، كان ذلك عيبًا عليَّ، فله أن يأبى من ذلك كان رضي المشتري بالجمع. وإن فات الولد في يد المشتري بعيب، كان الخيار للمشتري دون البائع، فإن أحبها أمسك ورجع بقيمة عيب الجمع، يقال: بكم قيمة هذا؟ على أن المشتري مطالب بالجمع، وعلى أنه مطالب بذلك أن لو كان يجوز البيع، فيسقط من الثمن عن المشتري ما بين القيمتين، ثم يجمعان، وإن أحب أن يرده ويرد قيمة العيب الحادث، على أن العيب فيها بالتقويم، وعلى البائع أن يقوم لحقه في العيب، ما لم يفت الولد بعيب، ومثله إذا دخلا على الوجه الفاسد، وفات البيع بحوالة أسواق، غرم المشتري قيمته على المطالب بالجمع؛ لأنه أبخس في القيمة، ولا يقوم على أنه غير مطالب فيضر المشتري، وإن لم ينظر في ذلك حتى مات المبيع، أو الباقي في يد البائع لم تتعين القيمة؛ لأن القيمة إنما تعتبر على الحالة وقت وقع القبض، وإن كان داخلًا على الوجه الصحيح، ثم مات الولد أو الأم، لم يكن للمشتري رد ولا مقال؛ لأن عيب الجمع قد ذهب،

стр. 4349

وإن لم ينظر في ذلك حتى بلغ الولد حد التفرقة، لم يرد البيع ويسقط حكم الجمع ووقت العيب، وإن دخل على الوجه الفاسد لم تعتبر القيمة. فصل [فيما إذا كانا على الكفر وهما لمسلم باع أحدهما من نصراني أو كانا لنصراني فباع أحدهما لمسلم] وإن كانت الأم والولد لمسلم وهما على الكفر، فباع أحدهما من نصراني، أو كانا لنصراني فباع أحدهما من مسلم أجبر على الجمع، وكان بمنزلة إذا كانا لمسلم فباع أحدهما لمسلم. وأرى إذا كانا لنصراني أن يجبر على الجمع؛ لأنه من التظالم ومضرة على الأم ألا قوله على ولدها، وبمنزلة لو ضربها أو أساء إليها، فرفعت إلينا فإنه يرفع الضرر عنها، ولو قدم حربي بعبيد ففرق بين الأم والولد في البيع، لم يعرض له ولا يشتري ذلك منه مسلم، فإن فعل أجبرا على الجمع؛ لأنه حكم بين النصراني والمسلم، وإن باع ذلك من ذمي لم يعرض له. فصل [في شروط الجمع بين الأم والولد] الجمع على ثلاثة أوجه: تارة يكون من شرطه أن يجمعا في ملك، وتارة في حوز. وثالث: مختلف فيه، هل يكون في ملك أو حوز؟ فإن وجد الأم والولد في يد مالكين وكانا في أيديهما ببيع، أو لا يعلم بأي وجه صارا إليهما، بمعاوضة أو بهبة جمعا في قول مالك، كان جمعهما في حوز لم يقبل منهما؛ لأن رغبة كل واحد من السيدين أن يبين بملكه، وبعث له أو يسافر، فإن أراد ذلك لم يمتنع عليه الآخر؛ لأن رغبته مثل ذلك والولد لا يعرب عن نفسه، وقد يتحيل من

стр. 4350

يريد ذلك فلا يعلم به، إلا أن يفوت به، فإذا جمعا في ملك سلما من ذلك ورفعت المضرة عن الولد. واختلف إذا كانا في أيديهما بهبة أو صدقة أو وصية، أو أحدهما ببيع والآخر بهبة أو صدقة أو وصية، فقال مالك: إن جمعهما في حوز جاز (١). وقال في كتاب محمد: يجمعان في ملك، أو يباعان. وقال مطرف وابن الماجشون في كتاب ابن حبيب: إذا كان الشمل واحدا، مثل الولد والوالد والزوج والزوجة والإخوة، يكون شملهم واحدًا ودارهم واحدة، جاز الجمع في حوز (٢). وهذا أحسن والقول يجمعان في ملك أحوط، وقد مضى وجه ذلك، وأيضًا فإنه لا يجوز أن يبيع أحدهما على أنه لا يسافر به مشتريه. فصل [في عتق أحدهما مع بيع الآخر] وإن كانا لمالك واحد فأعتق أحدهما، جاز بيع الآخر ويجمعانهما في حوز، وإن أعتق الولد لم يكن له أن يخرجه عن أمه، كان باعها شرط على المشتري كونه معها وعندها، كان سافر بالأم سافر به معها، ويكون الكراء على المشتري، ويشترطان عليه في حين البيع نفقته، وهذا قول مالك في المدونة (٣) ولم يذكر مدة النفقة، وقال في كتاب البيوع الفاسدة: السنة. وقال محمد بن المواز: إلى وقت إثغاره. يريد لأنه وقت التفرقة. وفي كتاب محمد: إن على من أعتق صغيرًا نفقته، لعجزه عنها (٤)، والقياس لا شيء عليه، وتكون مواساته على من

стр. 4351

بذلك البلد والسيد أحدهم، فإن كان بيت مال أنفق عليه منه، فإن باع الأم فأخرجها من حوزه ترك الولد في حضانتها إن كان صغيرًا لا خدمة له، وإن كانت له خدمة كان مبيته عندها، ويأوي إليها في نهاره في وقت لا يحتاجه سيده لخدمة، فإن باع الولد بشرط على المشتري كونه عندها، وللمشتري أن يسافر به وتتبعه أمه حيث كان، وإن أعتق جزءا من أحدهما، أو جزءا من كل واحد منهما، ثم أراد البيع جمعا في ملك ويباع الرقيق منهما على الجزء الذي لم يعتق صفقة واحدة، كان أعتق أحدهما إلى أجل جاز بيع الرقيق منهما، مع خدمة الآخر إذا كان أجل العتق وأمد التفرقة سواء، أو كان أجل العتق أقل، فإن كان أبعد لم يكن عليه أن يبيع من الخدمة إلا ما قابل أمد التفرقة خاصة، ويشترط على المشتري نفقة المخدم تلك المدة، كان أعتق الولد في وقت لا خدمة فيه، لصغره إلى أجل لا يبلغ فيه الخدمة شرط على المشتري للأم نفقة الولد ما بينه وبين أن يبلغ أجل البيع، وإن كان أجل العتق ينقضي قبل ذلك، مثل أن يكون أمد العتق سنتين والإثغار لخمس، شرط نفقته خمس سنين؛ لأنه لو كان معتقًا بتلا أنفق عليه إلى الإثغار، وإن كان أمد العتق يتأخر إلى أن يبلغ الخدمة، بيع من الخدمة إلى ما يقابل مدة التفرقة وهذا للضرورة؛ لأنه لا يجوز لو لم يبع الأم أن تباع الخدمة، إذا كان لا يشرع في قبضها إلا إلى الأجل القريب، وإن كاتب الأم بيعت الكتابة مع رقبة الولد، وكذلك إن كاتب الولد، وإن دبر الأم أو الولد، لم يكن له بيع من لم يدبر؛ لأن ذلك تفرقة وبيع الخدمة لا يجوز، وكذلك إن أولد الأم وكان لها ولد قبل ذلك، لم يمكن من بيعه؛ لأن مشتريه يحب أن يظعن به، وليس على البائع أن يترك أمه يبيعها.

стр. 4352

فصل [فيما إذا جنت أمة وولدها وهما لملكـ واحد] وإن جنت أمة وولدها وهما لملك واحد، جاز للسيد أن يسلم الجاني بانفراده، ثم يجمعانهما في ملك واحد، يريد يشتري أحدهما من الآخر، أو يبيعانهما من ثالث بعد أن يقوم كل واحد بانفراده، وعلى القول بجواز جمع السلعتين يجوز وإن لم يقوما، ولم يرد ابن القاسم أن يجبرا على أن يشتري أحدهما من الآخر فقط، وإنما الحكم في الذي يجبران عليه أن يبيعهما ويقسم الثمن (١)، إلا أن تطوع أحدهما أن يشتري من الآخر، وإن كانت الأمة لرجل وولدها لعبده، أجبرا على جمعهما في ملك أحدهما، أو يبيعانهما من رجل واحد؛ لأن العبد مالك إن أعتق تبعه ماله، وعلى قول مطرف وابن الماجشون يجوز أن يجمعاهما في حوز؛ لأن الشمل واحد (٢)، ولا بأس أن تكون الأمة وولدها شركة بين رجلين على أجزاء متفقة أو مختلفة. واختلف إذا كانت الشركة في أحدهما، فقال ابن القاسم -في أمة حامل بين رجلين دبر أحدهما ما في بطنها-: إذا خرج تقاوماه، فإن صار للذي لم يدبر كان رقيقًا، فأجاز ملكه لأحدهما (٣)، ومنعه سحنون وهو أقيس، وقد يكون قصد ابن القاسم الكلام على حكم التدبير خاصة، أو يكون ذهب إلى ما ذكره ابن حبيب إذا كان الشمل واحدًا (٤)، وإلا فباب التفرقة موجود، إذا أراد من له الملك في أحدهما السفر به. ومن اشترى أمة وولدها صفقة واحدة ثم وجد

стр. 4353

بأحدهما عيبًا، كان بالخيار بين أن يقبلهما أو يردهما، وليس له أن يرد المعيب بانفراده، فإن رضي البائع والمشتري برد المعيب وحده، بعد معرفتهما بما ينوبه من الثمن، ثم يجمعانهما في ملك جاز، وإن جهلا أنهما مطالبان بالجمع، فقال المشتري: أنا أرد السالم وأسترد المعيب ولا أقوم بعيب. كان ذلك له، أو قال البائع: لو علمت لم أقبل المعيب، فإما أن تأخذ الجميع أو ترد. كان ذلك له، وإن اطلع على العيب بعد أن حدث عنده عيب بالمعيب أو بالسالم، كان بالخيار بين أن يتمسك بالجميع ويرجع بقيمة العيب، أو يردهما ويرد قيمة العيب الحادث، ويرجع بجميع الثمن، وإن كان اطلاعه على العيب، بعد أن بلغ الولد حد التفرقة، كان له أن يرد المعيب بانفراده، وقال محمد- فيمن اشترى رمكة ومعها مهر فوجد به عيبًا فأراد رده بقيمته-: فإن كان مستغنيًا عن أمه رده وحده، إلا أن يكون أكثر ثمنًا منها وفيه الرغبة، فلا يكون له إلا أن يردهما جميعًا (١)، فمنع من رده بانفراده إذا كان غير مستغن عن أمه؛ لأن ذلك يؤدي إلى هلاكه. فصل [في الأمة تباع على خيار ثم يشتري البائع ولدها في أيام الخيار] وقال ابن القاسم -في الأمة تباع على خيار ثم يشتري البائع ولدها في أيام الخيار-: إن كان الخيار للبائع لم يكن له أن يمضي البيع، وإن كان للمشتري كان له أن يمضي (٢). ويجري في المشتري قول آخر، أنه يمنع من القبول قياسًا على القول فيمن اشترى جارية حاملًا فولدت في أيام الخيار، فقال ابن القاسم

стр. 4354

في العتبية: الولد للبائع، وللمشتري أن يقبل الأم، قال: لأن أصل البيع كان جائزًا، ثم يجمعانهما في ملك ولا ينقض البيع، وقال أصبغ: ينقض البيع إن لم يجمعا بمنزلة من ابتدأ شراء على تفرقة (١). وكذلك إذا كان الخيار للبائع، فله أن يمضي البيع قياسًا على قول ابن حبيب إذا جنى على العبد في أيام الخيار (٢)، ثم قيل: إن الجناية للمشتري. فعلى قول ابن القاسم إذا اشترى شقصًا بالخيار، ثم بيع الشقص لآخر بتلا، فقيل: مشتري الخيار أن له الشفعة على مشتري البتل (٣)، وأرى أنه قيل: كأنه لم يزل منعقدًا من الأول، وإذا أراد المتبايعان أن يجمعا بين الأم والولد، في ملك غيرهما في جميع الوجوه التي تقدمت، فلا يبيعان حتى يقوما كل واحد بانفراده، فيسلمان من المعاوضة بجمع سلعتين، فإن باعا قبل التقويم جرى على الخلاف. فصل [فيما إذا قدم مسلم أو نصراني بامرأة ومعها صبي، فزعم أنه ولدها أو ادعت الأمة ذلك ـ] وإذا قدم مسلم أو نصراني بامرأة ومعها صبي، فزعم أنه ولدها أو ادعت الأمة ذلك، لم يفرق بينهما ولم يتوارثا، إلا أن يثبت. كان قدم رجل بأمة وآخر بصبي فادعى أنه ولدها، وادعت الأم ذلك لم يفرق بينهما ولم يتوارثا إلا ببينة، وإن قدم رجل بأمة وآخر بصبي فادعت أنه ولدها، فإن سبيا أو اشتريا من بلد واحد جمعا بينهما، كان علم أنهما من بلدين لم يعجل في ذلك وكشف، وإن لم

стр. 4355

يعلم هل هما من بلد أو من بلدين؟ جمعا لأن مثل ذلك لا تلحق فيه تهمة ولا يخفى أيضًا أمرهما، فيما يتبين من حنان الأم وشدة وجدها عند وجوده. وقد أجاز أشهب للمرأة أن تستحق الولد ويوارثها، إلا أن يعلم باطل قولها، وإن كانا ممن ولد في أرض الإسلام، فمن قامت من أرض الحرب أحرى أن تصدق.

стр. 4356

باب في بيع المصراة من الإبل والغنم والبقر ولا يجوز تصرية الماشية لبيع؛ لقول النبي ﷺ : "لاَ تُصَرُّوا الإِبِلَ وَالْغَنَمَ، فَمَنِ ابْتَاعَهَا بَعْدُ فَإِنَّهُ بِخير النَّظَرَيْنِ بَعْدَ أَنْ يَحْتَلِبَهَا إِنْ شَاءَ أَمْسَكَ، وإِنْ شَاءَ رَدَّهَا وَصَاعَ تَمْرٍ" (١). واختلف في العمل بهذا الحديث، فقال ابن القاسم: فقلت لمالك: أيأخذ بهذا الحديث، يريد هل يرد معها صاعا؟ قال: نعم. والأخذ بهذا الحديث رأي (٢). وقال مالك في مختصر ما ليس في المختصر: ليس هو بالموطأ ولا بالثابت (٣). وقال أشهب في كتاب محمد: لا يؤخذ به، وقد جاء ما هو أثبت منه: "الخرَاجُ بِالضَّمَانِ" (٤) (٥). والأول أصوب، لوجهين أحدهما: ورود النص -وهو

стр. 4357

حديث صحيح أخرجه البخاري ومسلم ومالك في الموطأ وغيرهم- أن ذلك اللبن مبيع؛ لأنه كان وقت البيع موجودًا مجموعًا ولم يبق إلا حلابه، وهو بمنزلة الثمرة إذا يبست ولم يبق إلا جذاذها، والصوف إذا تمَّ ولم يبق إلا جزازه، وإنما الخراج بالضمان فيما يحدث عند المشتري، وإذا كان ذلك فإن كان اللبن قائمًا وكان حلابه بفور الشراء، رد عينه ولا يغرم بالعوض عنه مع قيامه، وإن كان حلابه بعد ذلك لم يكن عليه رده؛ لأنَّ ما حدث في ضروعها بعد شرائها فهو للمشتري، فكان ذلك الموجود بعضه للبائع وبعضه للمشتري، ولا يدرى ما لكل واحد فيه، وعلى هذأ محمل قول مالك في المدونة، أنه لا يرده إذا كان قائمًا، أن ذلك إذا لم يحلب بحضرة البيع (١)، ولهذا قال: له اللبن بما علف؛ لأن ما حلب بالحضرة لم يكن على العلف. وقد قيل: في حكم النبي ﷺ عن اللبن بصاع، إن ذلك لرفع التنازع؛ لأن الأصل أبدًا فيه مجهول، قال مالك: والصاع من عيش البلد (٢). وإن كان عيشه قمحًا أو شعيرًا، كان عليه صالح من عيشهم، وذهب بعض أهل العلم إلى ألا يغرم الصاع، إذا كان السعر غالبًا، فقد يكوق قيمة الصاع نصف قيمة الشاة، فإن غرم المشتري قيمة أعلى ما يرى أنه كان فيها، لم يكن للبائع في ذلك مقال، وخصوا الحديث بالقياس؛ لأن الأصل في المتلفات أن يغرم قيمتها أو مثالها، ولا يحمل الحديث على أن النبي ﷺ ألزم المشتري فوق ما قبض.

стр. 4358

وقد قال ابن أبي ليلى وأبو يوسف: يرد قيمة اللبن. وحملوا الحديث أن الصاع كان ذلك الوقت قيمة اللبن. واختلف إذا كان المبيع جماعة غنم، هل يغرم صاعًا واحدًا، أو لكل شاة صاع؟ وهذا أصوب، فإن كانت الغنم عدة، أكان لكل واحدة حكمها؟ والشاة المصراة والبقرة والناقة في ذلك سواء، يريد عن اللبن الذي بيعت به وهذا للحديث المتقدم وقد قيل ذلك لأن لبن الغنم وإن كان أقل فهو أجود ولبن الإبل أدنى وأكثر، فإذا علم المشتري أن الشاة مصراة قبل أن يحلبها، وأن ذلك ليس بعادة لها، كان له أن يردها قبل الحلاب، وله أن يمسكها ويحلبها ثم يختبرها، وينظر كيف عادتها؟ وهل تنقص التصرية اليسير أم لا؟ وكذلك إن علم بعد أن حلبه ما صريت، فهو بالخيار بين أن يرد الآن، أو يمهل حتى يحلبها ويعلم عادتها. واختلف إذا حلبها الثالثة هل ذلك رضى؟ فقال في المدونة: إن جاء من ذلك ما يعلم أنه اختبرها قبل ذلك فهو رضى (١)، وقال محمد: ذلك رضى. وقال مالك في كتاب محمد: له أن يرد وإن حلبها الثالثة (٢). وهو أحسن لقول النبي ﷺ : "مَنِ اشْتَرَى شَاةً مُصَرَّاةً فَهُوَ بِالخيَارِ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ". أخرجه البخاري ومسلم (٣)، فجعل له الخيار إلى ثلاثة أيام، وإن تحقق قبله العيب قبل ذلك؛ لأن المشتري يريد أن يؤامر نفسه في ذلك، وهل يرضى بذلك العيب أو

стр. 4359

يرد؟ ولأنه خلف إذا حلبها أول مرة اللبن الذي صريت به، أن لى أن يرد الآن؛ لأنه اشترى على أن ذلك عادة لها، وله ألا يعجل بالرد حتى يختبر حلابها، هل هو قدر يرضاه؟ وإن كان يعلم أنه لا يأتي بمثل الأول، وإن اشتراها وهو عالم بأنها مصراة من الأصل، لم يكن له رد إلا أن يجدها قليلة الدر دون المعتاد من مثلها، وإن بيعت وهي غير مصراة والبائع يعلم بحلابها، كان له أن يرد كمن باع صبرة وهو يعلم كيلها، وقد تقدم ذكر الاختلاف في هذا الأصل، في كتاب البيوع الفاسدة. واختلف إذا اشتراها في غير إبان حلابها، ثم وجدها في إبان الحلاب تحلب دون حلاب مثلها، فقال ابن القاسم: ليس له أن يرد (١). وقال أشهب: ذلك له (٢). وقال محمد: أرى أن ينظر في ثمنها، فإن هي في كثرة ثمنها أن شحمها ولحمها لا يساوي ذلك، ولا يبلغه إن هي حملت بعد ذلك، كان له أن يرد متى علم أن البائع كان عالمًا بحلابها أم يخيره. وإن اشترط المشتري أنها تحلب كل يوم قسطًا، فوجدها تحلب دون ذلك رد إن شاء، ويفترق الجواب فيما حلب. وإن اشترى على أنها إن كانت كذلك كانت له، كان الحلاب للبائع ردا وقيل لأنها على ملك البائع وإن اشتراها في ملكه على التصديق كان الحلاب للمشتري وله الردة لأنها كانت في ضمانه؛ لأن اللبن حدث في ملكه، فأشبه الحلاب الثاني من مصراة. وقال محمد فيمن اشترى شاة مصراة، فوجد بها عيبًا من غير التصرية: لم

стр. 4360

يرد عن اللبن شيئًا (١). وأرى أن ذلك شرعًا إذا كان العيب التصرية خاصة، وأرى أن يرد عوض اللبن الذي صرته له كالعيب إذا كان من سبب اللبن.

стр. 4361

باب في احتكار الطعام وغيره إذا كان يشترى من الأسواق أو يجلب من بلد وهل يباع على أهله في الغلاء ؟ الاحتكار إذا كان يضر بالناس إما لحاجة الناس إليه، أو لأن هذا يغلي السعر غلاء يضره غير جائز، قول النبي ﷺ : "لاَ يَحْتَكِرُ إِلَّا خَاطِئٌ" (١)، فإن كان لا يضر بالناس ولا يغلي سعرًا جاز، طعامًا كان أو غيره. ومنعه ابن حبيب في الطعام والحبوب كلها، والقطنية والعسل والسمن والزيت واللبن والعلوفة، أضر بالناس أو لم يضر والأول أحسن، وفي ادخار الأقوات وقت الرخاء مرتفق وقت الشدة، ولولا ذلك لم يجد الناس عيشًا حين الشدة، ولو قيل: إن ذلك حينئذ مستحسن لم أعبه، ولا يمنع من يشتري من السوق الأعظم ليبيع بأطراف البلاد، وإن غلا السعر؛ لأن فيه مرتفقًا للناس. وقال مالك في كتاب محمد: لم يزل ذلك من أمر الناس (٢)، وليس كل الناس يجد ما يشتري به في السوق الأعظم، وقال في الذين يشترون من الطحانين: يمنعون إذا أضر بالناس (٣). وأرى ألا يمنعوا وإن أضروهم في ذلك، بمنزلة الذين يشترون ليبيعوا في نواحي البلد؛ لأنهم لا يشترون للادخار، وإنما يشترون للناس، وكذلك الذين يشترون ليعملوه خبزًا، أو ليبيعوه لا يمنعون كان أضر، ومن اشترى ذلك ليخرجه إلى بلد آخر، لم يمنع وإن غلا السعر، إذا كان لا يضر بالناس، وإن

стр. 4362

كان يضر منع، إلا أن يكون بالآخرين حاجة، ومن قدم بطعام لم يمنع من ادخاره، إلا أن يكون جهد وشدة فيؤخذ ببيعه. وقال محمد: وإن كان في البلد طعام مخزون، فكان الغلاء واحتيج إليه، فلا بأس أن يأمر الإمام أهله أن يخرجوه إلى السوق فيباع (١). وقال مالك فيمن احتكر في وقت يضر بالناس: اشترك فيه أهل السوق بالثمن الذي اشتراه به، كان لم يعلم ثمنه فبسعره يوم اشتراه (٢). وأرى إذا طال أمر ذلك أن يمضي له ولا يرد.

стр. 4363

باب في التسعير ومن حط السعر وأغلى أو أرخص قال أنس: غلا السعر على عهد رسول الله ﷺ ، فقالوا: يا رسول الله، سعر لنا. فقال: "إِنَّ الله هُوَ المسَعِّرُ الْقَابِضُ الْبَاسِطُ الرَّزَّاقُ، وَإِنِّي لأَرْجُو أَنْ أَلْقَى رَبِّي وَلَيْسَ أَحَدٌ مِنْكُمْ يَطْلُبُنِي بِمَظْلَمَةٍ فِي دَمٍ وَلاَ مَالٍ" (١). وهذا حديث حسن صحيح ذكره الترمذي في سننه. والتسعير على وجهين: ممنوع وهو التسعير على الجالب وغيره، مما يباع على النداء وعلى مثل هذا محمل الحديث. والثاني: التسعير على الذين يبيعون في الحوانيت. واختلف هل يتركون على ما يبيعون به من غلاء، أو ينظر أشريتهم والربح المعتاد فيقصرون عليه، وقال مالك- في العتبية في السوق إذا أفسد أهله وحطوا من السعر: لا يسعر عليهم (٢). يريد مثل أن يكون البيع رطل بدرهم فيبيعون نصف رطل وما أشبهه. وقال أيضًا في صاحب السوق يقول للجزارين، ليشتروا على ثلث رطل بسعره عليكم من الضأن، وعلى نصف رطل من الإبل، وإلا فاخرجوا من السوق، فقال: إذا سعر عليهم على قدر ما يرى من شرائهم فلا بأس، ولكن أخاف أن يقوموا من الأسواق. قيل له: إن

стр. 4364

صاحب الجزار أراد أن يسعره على صاحب السفن قال: بئسما صنع (١). ففرق بين هذين؛ لأن أصحاب السفن يبيعون على النداء، فلا سعر عليهم بخلاف أصحاب الحوانيت. وإن اختلف بيع أهل السوق، في الصنف الواحد والصفة الواحدة، فإن كان الفريقان قريبًا من السواء في الكثرة، لم يعرض للدَّين يبيعون برخص، وينظر إلى الذين أغلوا، وإن كان السعر الذي يبيعون به، هو القدر الذي يبيعون لو سعر عليهم، لم يعرض لهم وترك كل قوم على ما يبيعون، وإن كان فوق ما يسعر به جرت على القولين، فعلى القول بمنع التسعير لا يعرض لهم، وعلى القول الآخر يمنعون من ذلك، ويردون إلى بيع الذين أرخصوا، إلا أن يكون التسعير فوق ذلك ودون ما أغلوا، فيرد إلى ما يسعرونه وليس عليهم أن يرخصوا حسب ما فعل الآخرون، وإن أرخص الأكثر وأغلى الاثنان والثلاثة، منع الذين أغلوا وأمروا أن يبيعوا بيع الآخرين أو يقاموا، وسواء باعوا على ما يباع به لو سعر عليهم أو لا؛ لأن في ذلك غرورا على المشتري؛ لأن المشتري يظن أن ذلك هو السعر الذي يبيع به أهل السوق، ولو علم غيره لم يشتر عليه. وإن أرخص النفر اليسير، وباع الآخرون على ما يباع به، على أثمان ما شتروا به، لم يعرض لواحد منهم. وقال ابن حبيب في الزيت والعسل والسمن والبقل والفواكه وشبه ذلك، مما يشتريه أهل السوق للبيع على أيديهم: فينبغي للحاكم إذا أراد أن يسعر، أن يجمع وجوه أهل ذلك السوق، ويستظهر على صدقهم بغيرهم، فيسألهم كيف يشترون؟ وكيف يبيعون؟ فإن رأى شططًا نازلهم إلى ما فيه لهم وللعامة سدادٌ حتى يرضوا به، دالن حط من ذلك قيل له:

стр. 4365

إما بعت بسعر الناس وإما رفعت، ويؤدب المعاند لذلك ويحرج من السوق. وأما جلب القمح والشعير وشبه ذلك من الأقوات، فلا يسعر عليهم ولهم أن يبيعوا على أيديهم كيف شاؤوا، وإن أرخص بعضهم تركوا إن قلوا، وإن كثروا قيل لمن بقي: إما أن تبيع مثلهم وإلا فارفع يدك؛ لأن فيه غرورا على المشتري. قال: وكذلك كل ما يوزن أو يكال، وإن كان لا يؤكل ولا يشرب، ولا يفعل ذلك في العروض، ولا فيما لا يكال ولا يوزن (١).

стр. 4366

باب في بيع الشاة والاستثناء منها المستثنى من الشاة تباع تسعة: صوف، ولبن، وجلد، وجزى وأرطال، وفخذ، وبطن، ورأس، وجنين. فأما الصوف فيجوز أن يستثنى إذا كان يجز إلى يومين أو ثلاثة، وهو في هذا بخلاف أن يكون الصوف هو المبيع، فإنه يجوز أن يشترط بقاؤها العشرة والخمسة عشرة، إذا كان لا يريد ببقائه زيادة نمائة، بمنزلة من اشترى ثمرة يتراخى جذاذها، لتنضج ليست لتزيد، وأجد الاستثناء فيه على الأصل فيمن باع دابة واستثنى ركوبها، أنه يجوز من ذلك ما قل، ومثله إذا استثنى لبنها يجوز ما قلت أيامه، لأجل حبس الرقاب، بخلاف من اشترى اللبن. وإن استثنى جلدها وكان البيع في السفر جاز؛ لأنه ليس له هناك كبير ثمن، وكرهه إذا كان الشراء في الحضر. قال مالك: وكأنه اشترى اللحم (١). قال في كتاب ابن حبيب: ولا يفسخ إذا نزل، وأجازه ابتداء ابن وهب (٢). وإن اختلفا في ذبحها كان القول قول المشتري، دعا إلى الذبح أو إلى البقاء، فله أن يذبح ويدفع إليه الجلد. وإن رضي البائع بأخذ مثله، فله أن يعطيه مثله أو قيمته ولا يذبح، كان كره البائع لتغليب أحد الضررين، فإن ضاعت الشاة أو ماتت قبل أن يدعو المشتري إلى بقائها، كانت مصيبة من البائع؛ لأنه مبقى على ملكه فلا شيء له إن ضاعت، كان ماتت أخذه من عليها إن أحب، وإن كان بعد أن دعا إلى بقائها، كانت مصيبة من المشتري، وعليه مثل الجلد أو قيمته، كان استثنى جزءًا أو ربعًا أو ثلثًا أو نصفًا جاز، وكانا شريكين فيها على الحياة على تلك الأجزاء.

стр. 4367

وإن اختلفا في ذبحها كان القول قول من دعا إلى ألا تذبح. واختلف عن مالك إذا استثنى أرطالًا، فأجاز ذلك مرة إذا كانت يسيرة، أربعة أرطال أو نحوها، وقال أيضًا: إذا كانت الثلث فأدنى جاز (١)، ومنع ذلك مرة يسيرة كانت أو كثيرة. وهو أحسن. وقد اختلف في المستثنى هل هو مبقى على الملك الأول أو مشترى؟ وأي ذلك كان فإنه يدخله اللحم المعيب؛ لأنه إن قدرأنه مبقى، فما بعد المستثنى هو الذي يصير إلى المشتري، إنما يأخذه لحما؛ لأن القول قول من دعا إلى الذبح، قال ابن القاسم بخلاف الجلد: فهو لحم معيب (٢). وإن قدر أن المستثنى مشترى، كان البائع مشتريًا للحم قبل ذبحه، ويجوز جميع ذلك على قول أشهب؛ لأنه أجاز أن يشتري أرطالًا من لم شاة حية إذا جسها وعرف نحوها. ويختلف إذا ماتت قبل الذبح، فعلى القول أنه مبقى تكون المصيبة منهما جميعًا، ولا يرجع أحدهما على الآخر بشيء، وعلى القول الآخر يرجع البائع على المشتري بقدر تلك الأرطال، وعلى القول الأول يجوز جميع ذلك ويجبر المشتري على الذبح. وأجاز مالك والليث أن يستثني الرأس، وأن يعطي المشتري البائع شراءه أو قيمته. (٣) قال ابن حبيب: والقيمة أحب إليَّ وكل جائز، وأرى الثل في ذلك جائزا، وإن أمكن أن يكون أكثر أو أقل؛ لأنه إن كان الحكم عند المشاحة

стр. 4368

القيمة، فأخذه عن القيمة أكثر أو أقل جائز، وإن كان الحكم أن يقضي فيه بالمثل فكذلك، وهو بمنزلة طعام في ذمة، فأخذ أكثر من حقه، فهو تطوع وحسن قضاء، أو أقل فهو فضل من القابض. وروى مطرف عن مالك فيمن باع بعيرًا واستثنى رأسه، أو أرطالًا يسيرة من لحمه جاز، فإن أخره المشتري حتى صح أو مات، أو كان مريضًا فأخره رجاء صحته، كان ضامنًا لما استثنى إن مات، كان صح كان عليه شراء ما استثنى أو قيمته، ولم يجبر على نحره، وإن كان حين البيع صحيحًا، تربص به الأسواق فزاد ونما يكره نحره، كان البائع شريكًا بقدر ما استثنى (١)، فأجاز في السؤال الأول أن يعطيه مثل الأرطال ويستحييه وهو القياس، وكذلك إذا استثنى البطن أو ما أشبه ذلك. واختلف إذا استثنى الجنين فمنعه مالك (٢)؛ لأنه لا يدرَى أحي هو أم ميت. وأجازه الليث بن سعد في كتاب محمد، في الجارية تباع ويستثنى ما في بطنها وهو أحسن؛ لأنه مبقى على أصل مالك، لم يدخل في البيع فلا يضره حيًّا كان أو ميتًا، ولا فرق بين أن يكون رقيقًا أو يعتق. فصل [في شراء لبن الغنم إذا كانت كثيرة كيلا أو وزنا] ويجوز أن يشتري لبن الغنم إذا كانت كثيرة كيلًا أو وزنًا، فإن اشتراه كيلًا جاز إذا ذكر مكيلة، يعلم أنها تحصل منه في الغالب، ويذكر من الأمر ما يعلم أن مدة يبقى إليها اللبن، وإن كانت الغنم قليلة كالشاة والشاتين افترق الجواب، فيجوز على كيل إذا أسلم في بعض ما يحلبه، قال محمد: يسلم في قدر

стр. 4369

ربع لبنها. يريد أنه وإن قل لم يتعذر قبض ذلك القدر منها. واختلف في شراء جملته جزافًا فكرهه في المدونة ورآه خطرًا؛ لأنه قد يقل فلا يدرَى ما يؤخذ بخلاف شراء لبن الغنم الكثيرة؛ لأن بعضها يحمل عنه بعض، إن قل لبن هذه لم يقل لبن الأخرى، وأجازه في كتاب محمد، وتحمل على الغالب من حالها فإن نقصت نقصًا بينًا عن المعتاد كان له مقال. وقال ابن القاسم فيمن اشترى لبن عشر شياه بأعيانها ثلاثة أشهر، فلما حلبها شهرًا مات منها خمسة، فإن كان حلاب الهالكة كل يوم قسطين، والباقي كل يوم قسط، [وقيل: إن الشهر هلا أول اللبن يعدل الشهرين الباقيين] (١)، كان المشتري قد قبض نصف حقه، ويأخذ من الباقي السدس ويرد ثلث جميع الثمن، وإن لم تهلك ولكن ينقص لبنها، فإن كان يخرج عن المعتاد رجع بجميع النقص؛ لأن النقص الأول لم يكن ثانيًا على كل حال، وكذلك إذا نزل غيث، فزاد الخصب على المعتاد كان الزائد للبائع (٢).

стр. 4370

فصل [فيمن اكترى بقرة للحرث أو يسقي عليها وشرط حلابها] وقال فيمن اكترى بقرة للحرث، أو يسقي عليها وشرط حلابها: لا بأس إذا عرف حلابها (١). وقال سحنون: لا يعجبني؛ لأنه لا يجيز شراء لبنها وحده. وقال أصبغ- في ثمانية أبي زيد فيمن اكترى بقرة فانقطع لبنها: لم ينقص من الكراء شيء؛ لأنه تبع بمنزلة الذي يكتري الأرض، فيها نخل تبع للأرض فتصيبها جائحة فلا يوضع عن المكتري شيء. وقول ابن القاسم وأصبغ أحسن، إذا كانت بيد المكتري لا تعود إلى المكري حتى تنقضي الإجارة، وإن كانت تعود كل يوم إلى ربها عندما ينقض ما استؤجرت له، وهو وقت حلابها، فقول سحنون أحسن.

стр. 4371

كتاب التدليس بالعيوب النسخ المقابل عليها ١ - (ف) = نسخة فرنسا رقم (١٠٧١)

стр. 4372

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم كتاب التدليس بالعيوب باب في منع التدليس بالعيوب والحكم فيه إذا نزل التدليس في العيوب غير جائز؛ لقول الله : ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة: ١٨٨]، فما زاد ثمن الصحة على العيب يأكله البائع بالباطل. ولقول النبي ﷺ : "مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا". وفي كتاب مسلم: أنه ﷺ مر على صُبْرَةِ طعام فأدخل يده فنال أصابعه بلل فقال: "مَا هَذَا؟ " قَالَ: أَصَابَتْهُ السَّمَاءُ يَا رَسُولَ الله، فقال: "أَلاَ جَعَلْتة عَلَى الطَّعَامِ حَتَّى يَرَاهُ النَّاسُ، مَنْ غَشَّ فَليسَ مِنَّا" (١). وقال في المتبايعين: "إِنْ صَدَقَا وَبَيَّنَا بُورِكَ لهُمَا فِي بَيْعِهِمَا، وَإنْ كَذَبَا وَكَتَمَا مُحِقَ بَرَكَةُ بَيْعِهَما" (٢). فمن كتم عيبًا كان للمشتري أن يرد؛ لقول النبي ﷺ : "لاَ تُصَرُّوا الإِبِلَ

стр. 4373

وَالغَنَمَ فَمَنِ ابْتَاعَهَا بَعْدَ ذَلِكَ فَهُوَ بخَيْرِ النَّظَرَيْنِ بَعْدَ أَنْ يَحْلِبَهَا إِنْ شَاءَ أَمْسَكَهَا وَإِنْ سَخِطَهَا رَدَّهَا وَصَاعًا مِنْ تَمْرٍ" (١). وروي عنه ﷺ أنه قال: "عُهْدَةُ الرَّقِيقِ ثَلاَثَةُ أَيَّامٍ" (٢) وفائدة ذلك الرد بالعيب القديم. فصل [فيمن باع عبدًا ودلس فيه بعيب] ومن المدونة قال ابن القاسم -فيمن باع عبدًا ودلس فيه بعيب-: إن للمشتري أن يرد به، فإن أصابه عند المشتري عمى أو عور أو قطع أو شلل، رد معه ما نقصه أو حبسه، ورجع بقيمة العيب، إلا أن يقول البائع أنا أقبله بالعيب الحادث فيكون له ذلك. وإن كان العيب الحادث خفيفًا مثل الحمى والرمد، رده ولا شيء عليه, وإن ذهبت أصابعه أو إصبع واحدة لم يرده إلا بما نقص، وإن ذهبت الأنملة وكان من العلي رده وما نقصه، وإن كان من الوَخْش (٣) لم يكن عليه شيء، وإن

стр. 4374

ذهب ظفره لم يكن عليه شيء، وإن كان من العلي رده وما نقصه (١). وقد خولف في هذه المسألة في ثلاثة مواضع: أحدها: إذا كان العيبُ مفسدًا. فقال محمد بن مسلمة: إذا عمي أو أقعد أو هرم أو كانت دابة سمينة فعجفت، أو انقطع ذنبها حتى تصيرَ في غير حدها الذي تراد له، أخذ قيمة العيب ولم يرده. والثاني: إذا قال البائع: أنا أقبلها بالعيب الحادث ولا شيء عليك، أو تمسك ولا شيء لك. فقال ابن دينار: ليس له ذلك، فقد يريد العبد ويرغب فيه فيقول له: احبس ولا غرم عليَّ، أو رُدَّ ولا غرم عليك. وقاله ابن دينار والثالث: إذا حدث به حمى. فقال سحنون: الحمى مرض من أمراض الموت. يريد فلا يرد به. والعيب الحادث عند المشتري ثلاثة: يسير، وكثير لا يبطل الغرض الذي كان يملك لأجله، وكبير يبطل ذلك الغرض منه. فإن كان يسيرًا كان كالعدم عند ابن القاسم، والمشتري بالخيار بين أن يمسك ولا شيء له، أو يرد ولا شيء عليه. وإن كان كثيرًا ولم يبطل الغرض منه، لم يمنع من الرد، وكان المشتري بالخيار بين أن يمسك ويرجع بقيمة العيب، أو يرد، ويرد ما نقصه العيب. وإن كان ذلك العيب قد أبطل الغرض الذي يراد منه، لم يكن له ردٌّ ورجع بقيمة العيب، فالعمى وقطع اليد والشلل، يبطل الغرض من العبد، كما قال ابن مسلمة وذلك فوت، وكذلك الهرم والعجف في الدابة إذا كان لا يرجى ذهابه، وقطع ذنبها إذا كانت تراد قبل

стр. 4375

ذلك للركوب، وكذلك الإصبع والأنملة من العبد الصانع إذا كان يرغب فيه لصنعته، فبطلت صنعته لذهاب الإصبع والأنملة. وأما الظفر فخفيف في العلي من العبيد، ولا يخفف في العلي من الجواري ولا يردها إلا بما نقص ذلك العيب. وقول سحنون في الحمى حسن ولا يعجل بالرد، ولأنه في شك مما ينكشف عنه، فقد ينكشف عن عرض مخوف يمنع الرد. وكذلك الرد لا يعجل برده حتى ينظر ما يؤول إليه. وقول عيسى في الوجه الآخر حسن إذا زاد سوق العبد أو زاد في نفسه، وإن لم يزد سوقه ولا زاد في نفسه، فقول ابن القاسم أحسن. والقياس في العيب اليسير إذا كان البائعُ غيرَ مدلس ألا يرد المشتري إلا بما نقصه العيب؛ لأنه قبضه سالمًا فعليه أن يرد سالمًا، وقد حدث العيب وهو في ضمانه، وإن دلس لم يرد عنه شيء؛ لأن الغالبَ أنه لا ينفك من ذلك. وقال ابن حبيب: إذا حدث عيب في الخُلُق، شرب الخمر أو السرقة أو الزنا أو الإباق، لم يغرم المشتري عنه شيئًا، وهذا خلافُ الأصول، ولا فرقَ بين عيب الخلق وغيره.

стр. 4376

باب فيمن اشترى عبدين فأصاب بأحدهما عيبًا، أو استحق أو اشترى طعامًا فوجد به عيبًا، أو استحق بعضه، أو شاتين فوجد إحداهما غير ذكية أو خلًّا فوجد بعضه خمرًا ومن اشترى عبدين صفقة واحدة، فأصاب بأحدهما عيبًا وكانا متكافئين، أو كان العيب بأدناهما، رد المعيب ولزمه السالم. وإن كان العيب بأجودهما، كان له أن يردهما؛ لأن الشأن أن شراء الأدنى إنما كان رغبة في الأعلى، والجواب في الاستحقاق كذلك إن استحق الأدنى، أو كانا متكافئين لزمه ما لم يستحق، وإن استحق الأعلى رد ما لم يستحق. واختلف إذا اشترى جملة عبيد أو ثياب، وهي متساوية أو متقاربة، فكان العيب أو الاستحقاق في أكثرها، فقال ابن القاسم: له أن يرد السالم وما لم يستحق (١). وقال أشهب: يلزمه ذلك ولا رد له. وفرق بين هذه المسألة والتي قبلها، إذا كان العيب والاستحقاق في الأرفع؛ لأن الأدنى إنما يشترى لمكان الأجود، وإذا كانوا صفقة سواء أو متقاربة، كان كل واحد مشتريا لنفسه لا مشتريا لغيره، ولو بقي عنده عبد من عشرة لزمه. ورأى ابن القاسم أن التاجر يرغب في شراء الجملة ولا يرغب في شراء القليل، وليس هذا اختلافا في فقه. وأرى أن يرجع في ذلك إلى ما يقوله التجار، فإن قالوا: إن الرغبة في

стр. 4377

الجملة، ومتى كان الواحد والاثنان لم يرغب في شرائه، وكان يشتريه بدون ما اشترى به في الجملة، كان له أن يرده. وإن قالوا: الرغبة والثمن سواء؛ لزمه. واختلف في خمسة مواضع: أحدها: إذا أراد أن يمسك الأدنى بعد أن مكن من الرد، هل له ذلك؟ والثاني: إذا كان العيب بالأعلى واستحق وفات الأدنى، هل يمضي بالثمن أو بالأقل من القيمة أو الثمن؟ والثالث: إذا كان العيب بالأدنى وأراد رده، وقال البائع إما أن تقبل الجميع أو ترد الجميع. والرابع: إذا فات المعيب أو استحق وفات الآخر، واختلف في قيمة الفائت. والخامس: ما الذي يفيت الأدنى إذا رد الأعلى، حوالة الأسواق أو العيوب؟ فمنع ابن القاسم إذا كان رد الأعلى بعيب أو استحق أن يمسك الباقي ورآه بمنزلة من ابتدأ الشراء بثمن مجهول؛ لأنه مَلَكَ الرد، فأمسكه بما يصير له من الثمن في الجملة، وذلك غير معلوم إلا بعد تقويم (١). وأجازه ابن حبيب وله في إجازته وجهان: أحدهما: أنه إنما يتمسك به على العقد الأول ولا ينحل إلا برده؛ لأن مصيبته بعد رد المعيب أو الاستحقاق من المشتري حتى يرده، وهو أصل أشهب فيمن وجد عيبًا فصالح عليه، أنه شراء مرجع وليس كمبتدأ بيع.

стр. 4378

والثاني: أن يكون أجراه على أحد القولين في جمع السلعتين، وإن كان يرى أن البيع الأول قد انحل. وأرى له أن يتمسك به؛ لأنه باق على العقد الأول لم ينفسخ بعد، ولو كنت أرى قبوله ورضاه به فاسدا فرددت قبوله، لكان بمنزلة من لم يلتزمه، ثم ينظر قيمة الباقي من المعيب أو المستحق فيقبل بعد المعرفة بما ينوبه أو يرد. واختلف إذا كان العيب بالأدنى فأراد المشتري رده وحده، وقال البائع: إما أن ترضى به أو ترد الجميع، فقيل: القول قول المشتري. وقال ابن القاسم في المدونة: إذا كان العيبُ في كثير من عدده أو وزنه أو كيله، حتى يضر ذلك بصفقته، لم يكن له أن يحبس ما صح بما ينوبه من الثمن، وإن كان معروفًا؛ لأن البائع إنما باع على أن حمل بعضه بعضًا بخلاف الاستحقاق (١). وإذا جعل للبائع مقالًا أن يحمل الأقل عيبَ أكثر الصفقة، كان ذلك أبين أن يكون له ذلك، إذا كان العيب بالأدنى أن يحمله الأجود. وقال الداودي: وقد قيل ذلك سواء كان العيب في أقل الصفقة أو أكثرها، فإنه يرد الجميع أو يحبس الجميع. والأول أحسن، وإذا رد الأجود وفات الأدنى، مضى عند ابن القاسم بما ينوبه من الثمن، وقال- في كتاب محمد: فيمن اشترى شاة وعليها صوف، ثم وجد عيبًا بعد أن جزه وفات-: أنه يرد مثل الصوف أو قيمته ما بلغ (٢). فعلى هذا يرد قيمة الأدنى، إلا أن تكون القيمة أكثر فيمضي بالثمن. وأما الوجه الذي يفيت الأدنى، فظاهر قول ابن القاسم حوالة

стр. 4379

الأسواق (١). وقال محمد: يفيته العيب المفسد الذي يفيت الرد بالعيب، وليس حوالة الأسواق ولا تغير البدن (٢). لأنه لما وجد العيب بالمرتفعة من الجاريتين، فكأنه وجده فيهما، وهذا لأن رد الأدنى إذا كان الأجود قائما، من باب العيب عليه في صفقة، والعيوب لا تفيتها حوالة الأسواق ولا العيب الخفيف، وإذا كان العيب كثيرًا كان بالخيار بين أن يمسك ويرد قيمته، ليس مما ينوبه من الثمن من الصفقة الأولى؛ لأن ذلك العقد سقط. وقال محمد- فيمن اشترى عبدين فوجد بهما عيبًا، فرضي بعيب أحدهما وأراد رد الآخر-: ذلك له (٣). وهذا صحيح؛ لأن الرد بالعيب من حق المشتري فيهما، فله أن يقوم بحقه فيهما أو في أحدهما. وإن اختلفا في صفة الفائت كان القول قول المشتري عند ابن القاسم إن لم ينقد، والقول قول البائع إن انتقد. وقال أشهب ومحمد: القول قول البائع انتقد أو لم ينتقد (٤). والأول أحسن؛ لأن المعيب سقط العيب فيه بالرد، وصار البيع في الباقي وحده. فصل [في الاستحقاق] والجواب في الاستحقاق كالجواب في العيب يجده بأحدهما، فإن استحق

стр. 4380

الأدنى أو كانا متكافئين لزمه الباقي، وإن استحق الأجود كان له أن يرد الباقي إذا كان قائمًا. واختلف هل له أن يحبسه بما ينوبه من الثمن؟ وإن فات هل يمضي بالثمن أو بالأقل من الثمن أو القيمة؟ وهل تفيته حوالة الأسواق أو العيوب؟ وإن كان الاستحقاق على الأجزاى والمبيع عبيدًا أو ثيابًا، وكان ذلك مما يخرجه القسم، كان الجواب على ما تقدم لو كان المستحق شيئًا بعينه، فإن كان المستحق النصف فأقل لزم الباقي، وإن كان أكثر الصفقة كان له أن يرد الباقي أو يمسكه قولًا واحدًا؛ لأن الجزء له ثمن معلوم، وإن كان لا يخرجه القسم كان له أن يرد وإن قل الجزء المستحق؛ لأن بقاء الشركة عيب على المشتري. وإن كانا عبدين متكافئين فاستحق ربحهما أقرع بينهما، فما صار للبائع لزم المشتري، وفسخ البيع في الآخر للشركة. وإذا استحق رجل جميع العبدين وكانا متكافئين، فأرى أن يمضي البيع في أحدهما جاز. وقال أشهب في كتاب محمد فيمن غصب جارية فولدت أولادًا ثم باعها وأولادها ثم استحقت فأراد المستحق أن يجيز البيع في بعض الأولاد، أن ذلك له (١). فصل [في استحقاق الأقل أو النصف] ومن اشترى طعامًا فاستحق أقله لزمه الباقي، واختلف في النصف، فقال ابن القاسم: له رد الباقي (٢).
следующие страницы →