← Фикх малики

Фикх малики · id 14591

التبصرة للخمي

اللخمي، أبو الحسن

Полный текст (6 502 стр.). Показаны 4306–4345 · переход к 4311.

стр. 4306

فلقوله ﷺ : "العَائِدُ فِي هِبَتِهِ كَالكَلْبِ يَعُودُ فِي قَيْئهِ" (١) فاقتضى هذا الحديث منع شرائها جملة (٢)، إلا بما وردت فيه رخصة، وبالخرص وردت (٣). وأما منعه بالخرص خاصة فله فيه وجهان: أحدهما: أنه قد اختلف في معنى الحديث، هل أريد به المعري أو غيره؟ وإذا اختلف في ذلك، وكان الأصل المنع؛ لأن في بيعها بخرصها بيع الرطب باليابس، والجزاف بالمكيل، والنقد بالنَّساء، فاستحسن الوقوف عن ذلك، والوجه الآخر: تقديم القياس على الخبر (٤) لما كان بيع العرية بخرصها يتضمن الوجوه التي ذكرناها، وهي ممنوعة باتفاق، ولم يرد طريق الرخصة مثل طريق المنع في الصحة. وأجاز (٥) شراءها بالعين والعروض (٦)؛ لأنَّ الحديث في منع (٧) شراء الهبة (٨) فيما وهبت رقبته، ولم يبق للواهب فيه تعلق، كالعبد والفرس على أحد القولين، والعرية هبة منافع (٩) ولها تعلق بالأصول، فتارة يشتري ذلك إرادةَ

стр. 4307

معروفٍ يصنعه ليحمل عنه السقي والمؤنة والخراصة والجداد، وتارة يشتريها (١) ليرفع مضرة المعرى من دخوله وخروجه، وقد يطلع منه على أذية أو خيانة. وأرى أن يسأل المُعْرِي لماذا يشتريها؟ فإن قال: لأرفع مضرة من دخوله وخروجه (٢) دخلت علي، أو لأتصرف في الرقاب، أو إرادةَ معروفٍ جاز. وإن قال: رغبة في شرائها صارادة التجر، منع من (٣) شرائها بالعين، للحديث: "العَائِدُ فِي هِبَته" (٤)، وبالخرص للحديث الآخر في منع المزابنة والطعام المتأخر (٥). فصل [فيما يراعى في بيع العرية بخرصها] ويراعى في بيع العرية بخرصها سبعة أوجه: جنسها، وقدرها، وهل العوض عنها (٦) نقدا أو مؤجلًا؟ وهل بدا صلاحها؟ والجنس الذي تشترى به، والوجه الذي تشترى به، وهل العرية جملة حائط أو بعضه؟

стр. 4308

فأما الصنف الذي يجوز شراؤه بخرصه فاختلف فيه (١)، فقال مالك في كتاب محمد: لا يشترى بخرصه إلا النخل والعنب (٢)، ثم رجع عن ذلك وأجاز أن تشترى بخرصها إذا كانت مما ييبس ويدخر النخل وغيره (٣) كالجوز واللوز وما أشبه ذلك، ومنعه فيما لا يصلح (٤) فيه الادخار كالفواكه: التفاح والخوخ والموز وما أشبه ذلك (٥). وذهب محمد إلى أن ذلك واسع في جميع الثمار المدخرة وغيرها، إلا أنه كرهه فيما لا يدخر ابتداء ورده مع القيام (٦) وأمضاه بالقبض، فقال: إن اشتراها حين بدا صلاحها قبل تناهي طيبها بخرصها يدفعه من غيرها نقدًا، أو إلى آخر تناهيها ردت إن لم تفت، وإن قبض أنفذ ولم يرد (٧)، قال: وكذلك كل عرية ما كانت، فإنها تدخل في رخصة العرية ومرفقها، قال (٨): ولو أجيزت ابتدأه بغير كراهية في العرية كلها على مثل هذا لكان قريبا (٩) فقصر مالك الحديث مرة على ما وردت فيه (١٠) الرخصة وعلى ما كان عليه العمل عندهم (١١)، ومرة قاس عليها ما شابهها وهي المدخرات. وقاس

стр. 4309

محمد جميع (١) الثمار على النخل والعنب في قوله: لو أجيزت ابتداء، إلا أنه ترجح في ذلك لقول مالك. فصل [في قدر العرية] وأما قدرها فيجوز إذا كانت أقل من (٢) خمسة أوسق، ويمنع في أكثر من خمسة أوسق (٣)، واختلف في الخمسة والمنع أحسن؛ لحديث أبي هريرة (٤) قال: "أَرْخَصَ النَّبِيُّ ﷺ فِي بَيْعِ العَرِيَّةِ بِخَرْصِهَا مَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسقٍ، أَوْ فِي (٥) خَمْسَةِ أَوْسقٍ" شَكَّ دَاودُ بْنُ الحُصَيْنِ فِي خَمْسَة (٦)، (٧). فورد الحديث مقيدًا وأنه لا يجوز في كثير الثمار، والأصل المنع فأجيز من ذلك ما اتفق (٨) على أن الرخصة تتناوله، وما شك فيه يبقى (٩) على الأصل في المنع (١٠).

стр. 4310

فصل [في بيع العرية بخرصها من جنسها] تباع العرية بخرصها من جنسها، فإن كانت برنيا لم تبع بصيحاني، ولا يجوز أن تباع بجنسها إذا كان الذي يعطي العربي أدنى، وإن كان أجود كانت المسألة على وجهين، فإن كان قصده رفع الضرر لم يجز، وإن أراد المعروف للمعرى جاز؛ لأنه معروف ثان يتولى حفظها وما يكون من مؤنتها ويعطيه ما فضل (١). فصل [في بيع العرية بخرصها إلى الجداد] تباع العرية بخرصها إلى الجداد، واختلف إذا كان العوض نقدًا؛ فمنعه مالك وابن القاسم (٢)، وأمضاه محمد بالقبض قال: ولو أجيز ذلك ابتداء من غير كراهية في العرية كلها لكان قريبًا (٣) فكأنه يقول: إذا (٤) جاز أن يأخذ رطبًا ويدفع تمرًا على وجه المعروف والرفق (٥) للمعري، كان دفعه ذلك نقدًا معروفًا أيضًا وزيادة خير. ووجه آخر أنه قد اختلف في جائحة العرية، إذا أصيبت بعد شرائها بخرصها، فقال أشهب: المصيبة من الذي له الأصل. فإذا كانت الجائحة من المعري كان شراؤه بخرصها نقداَّ أَجوز منه مؤجلَّا؛ لأنه يسقط

стр. 4311

الربا في النساء ويكون طعامًا بطعام نقدًا. فصل [في بيع العرية بخرصها إذا بدا صلاحها] ولا (١) يجوز بيع العرية بخرصها (٢) قبل بدو صلاحها، فإن فعل نقض ذلك إن كانت قائمة، كان فاتت بالجداد ولم تعلم مكيلتها كان على المعري قيمتها يوم جدها، وإن أصيبت في رؤوس النخل كانت مصيبتها من بائعها، وهو المعرى وهذا على أصل ابن القاسم، وأما على أصل أشهب، أن لا جائحة فيها في البيع الصحيح، يكون ها هنا على المعري قيمتها يوم اشتراها قبل بدو صلاحها، إن انتقلت عن حالها يوم البيع؛ لأنها في أصوله وسقيها عليه فكانت عنده (٣) في معنى المقبوض. فصل [في بيع العرية بطعام من جنسها وغيره] بيع العرية بطعام من غير جنسها، مثل أن تكون تمرًا (٤) فيبيعها بحنطة على ثلاثة أقسام: فقسم يجوز المبايعة فيه (٥) وإن لم يتقابضا في الثمن والمثمون فيجوز مع عدم الجداد (٦) وتأخر (٧) العوض، وقسم يجوز بشرط التقابض في الثمن

стр. 4312

والمثمون تارة، وتارة يجوز التراخي فيهما، وقسم يجوز بشرط قبض العوض، ويختلف في جواز تأخير جداد الثمرة، فإن بيعت العرية قبل أن يطلع في النخل ثمرة أو طلعت ولم تُؤَبَّر- جازت بالطعام نقدًا ومؤجلًا؛ لأنه يتحلل بذلك الرقاب، وسواء كانت العرية سنة أو سنتين، وهو بمنزلة من اشترى (١) منحته بطعام نقدًا ومؤجلًا، ويجوز أيضًا وإن كانت العرية نخلًا بتمرٍ (٢) نقدًا ومؤجلًا. وإن كانت الثمار مؤبرة (٣) والعرية عامًا واحدًا، وكانت الثمار لو جدت علفًا، جاز بيعها بالطعام من جنسها وغيره نقدًا ومؤجلًا إذا جدت الثمرة، وإن كانت تراد لو جدت للأكل لم يجز على قول ابن القاسم، إلا أن يجد الثمرة ويقبض العوض بالحضرة، وعلى قول أشهب يجوز بشرط قبض العوض، وإن لم يجد (٤) الثمرة إذا كان لا يؤخر جدادها حتى يبدو صلاحها. وإن كانت العرية سنين وفيها الآن ثمر مأبور فأحبا التبايع فيها بطعام، رأيت أن تفرد هذه الثمرة بعقد عن الأعوام الباقية، وإن جمعاها في عقد وكانت هذه الثمرة تبعا، ويسيرة في جنب ثمرة الأعوام الباقية، كان واسعًا أن تباع بطعام نقدًا وإلى (٥) أجل من جنسها وغيره؛ لأنه متحلل للرقاب، وإن (٦) بدا صلاحها والعرية عامًا واحدًا، وبيعت بغير جنسها لم يجز أن يتأخر دفع

стр. 4313

العوض عن العقد (١). ويختلف هل يجوز (٢) تأخير الجداد؟ فمنع ذلك ابن القاسم (٣)، ويجوز على أصل أشهب؛ لأنه لا يرى فيها جائحة إذا بيعت بالعين، وأنها في ضمان المشتري لها الآن (٤) لما كانت في أصوله وسقيها عليه فهي مقبوضة عنده. فصل [في بيع العرية بالدنانير والدراهم والعروض نقدًا أو إلى أجل] بيع العرية بالدنانير والدراهم والعروض نقدًا أو إلى (٥) أجل، إذا لم يكن في النخل ثمرة، أو كانت وهي غير مأبورة جائز، وسواء كانت العرية سنة أو سنتين، وإن كانت الثمار (٦) مأبورة جاز إذا شرط (٧) جدادها قبل (٨) صلاحها؛ لأنه قادر على بيع الرقاب إن كانت العرية عامًا، وإن كانت أعوامًا جاز شراء الجملة إذا شرطا جداد ثمره (٩) هذا العام (١٠).

стр. 4314

فصل [في الوجه الذي يباح له شراء العرية بخرصها] اختلف في الوجه الذي يباح له، شراء العرية بخرصها على ثلاثة أقوال: فقيل: يجوز على وجهين: على وجه المعروف (١) مع (٢) المعرى يحفظها له، ويحمل عند الجداد، وعلى دفع الضرر لما يكره من دخوله وخروجه، وهو قول مالك وابن القاسم في المدونة (٣)، وقال عبد الملك: يجوز على رفع الضرر، ولا يجوز على وجه المعروف. وقيل: إن أراد المعروف جاز، ولا يجوز إن أراد رفع الضرر. (٤) والأول أحسن، فيجوز على وجه المعروف قياسًا (٥) على القرض، أنه يدفع مائة دينار في مثلها إلى سنة على وجه القرض، ولا يجوز على وجه المبايعة، وكذلك قرض الدراهم والطعام (٦) وبدل دينار بأوزن منه يجوز على وجه المعروف بخلاف (٧) المبايعة، ويحيل بدنانير حلت على دين لم يحل، ويجوز على رفع (٨) الضرر قياسًا على المساقاة.

стр. 4315

فصل [في شروط جواز بيع العرية بخرصها] بيع (١) العرية بخرصها جائز بثلاثة شروط: إذا كانت جملتها دون خمسة أوسق، وهي بعض حائط واشترى جميعها، فإن كانت العرية بعض حائط فاشترى جزءا منها، أو عددا وهي أكثر من خمسة أوسق، وأحب (٢) أن يشتري منها دون خمسة أوسق، أو كان جميعها أقل (٣) من (٤) خمسة أوسق، فأحب أن يشتري بعضها، أو كانت العرية جملة حائط فأحب أن يشتري جملتها، أو بعضها كانت المسألة على قولين: فيجوز على القول أنها تجوز (٥) على وجه المعروف، قال ابن القاسم (٦): وقد أجاز مالك لمن أسكن رجلًا داره، أن يشتري بعض (٧) السكنى (٨)، ولم يجز (٩) على القول ألا يجوز إلا على وجه (١٠) رفع الضرر؛ لأنه إذا اشترى بعض العرية، وهي بعض حائط بقي المعرَى يتصرف في الدخول إلى الباقي (١١)، كتصرفه للكل ولم يرتفع ضرر وإذا كانت

стр. 4316

العرية في عرية جملة الحائط لا مضرة عليه فيه في تصرفه، إذا لم يبق (١) له فيها ثمرة وهو بائن عنه. فصل [في بيع ما سوى العرية من الثمار أو بيع الأصل دون الثمار] وإذا باع المعري ثمر (٢) حائطه ما سوى العرية، وبقي الأصل في يده، أو باع الأصل وبقيت الثمار (٣)، أو باع الثمار من رجل، والأصل من رجل آخر، ثم أحب المعري أن يشتري عريته، جاز على القول: إنه يجوز (٤) على وجه المعروف، ولا يجوز (٥) على القول الآخر، إلا أن تبقى الثمار في يد المعري، لم يبعها أو بعضها، وكذلك إن أحب من انتقل إليه الملك من الثمرة، أو الأصل أن يشتري العرية بخرصها، فيجوز لمن صارت إليه الثمرة؛ لأنه يصح منه قصد المعروف ورفع (٦) الضرر، ولا يجوز لمن صار إليه الأصل، إلا على قول (٧) من أجاز ذلك على وجه المعروف؛ لأنه لا مضرة عليه. واختلف فيمن له نخلة في حائط لرجل، فأراد صاحب الحائط أن يشتري ثمرة تلك النخلة بخرصها، فأجازه مالك وابن القاسم إذا كان ذلك على وجه

стр. 4317

المعروف (١). ومنعاه إذا أراد رفع (٢) الضرر بدخوله وخروجه، ويمنع (٣) ذلك غيرهم على وجه المعروف، وأجازه على وجه (٤) رفع (٥) الضرر (٦). وهو من الأصل الذي تقدم ذكره، فعلى قول مالك هذا يجوز أن يشتري العرية بخرصها من لم يعر، وإن كان أجنبيا إذا أراد المعروف، وإن باع المعرَى العرية جاز للمعري أن يشتريها بخرصها من مشتريها. فصل [في الرجل إذا أعرى رجلًا عرية حوائط شتى مرة أو مرة بعد أخرى، وفي الرجل إذا أعرى جماعة في مرة واحدة] وإذا أعرى رجل رجلا عرية في حوائط شتى، وهي في بلد واحد أو بلدان مفترقة، في مرة واحدة أو مرة بعد أخرى (٧)، لم يجز له أن يشتري من (٨) جميعها إلا دون خمسة أوسق، كالعرية الواحدة من الحائط الواحد. وإن أعرى رجل واحد جماعة في مرة واحدة، جاز أن يشتري جميعها، إذا كان الذي ينوب كل واحد دون خمسة أوسق، ويجوز له أن يشتري نصيب

стр. 4318

أحدهما، إذا أراد المعروف أو رفع المضرة (١)؛ لأنه يصح في الوجهين جميعا؛ لأن المضرة ترتفع عن المعري من دخول هذا وخروجه، وقد يتأذى بواحد دون أصحابه. كان أعرى جماعة رجلًا واحدًا بعض حائط، فكانت عرية كل واحد دون خمسة أوسق، جاز لجميعهم شراء تلك العرية (٢). واختلف هل يجوز ذلك لبعضهم؟ فأجازه ابن القاسم في المدونة (٣)، ومنعه ابن الماجشون في كتاب ابن حبيب قال: لأن المعري يدخل لبعض حقه، كما يدخل له كله، يريد أنه لا يرفع (٤) بذلك مضرة. والأول أحسن وأنه لا يمنع إذا قصد (٥) المعروف، وقد تنوزع في المسألة الأولى، فقال الشيخ أبو بكر بن عبد الرحمن: إن أعرى رجل رجلا واحدا من حوائط شتى، لم يجز أن يشتري من تلك الحوائط، أكثر من خمسة أوسق. وقد وقف فيها مالك إذا أعرى ناسا شتى في غير المدونة. (٦) وقال الشيخ أبو الحسن: يجوز له أن يشتري خمسة أوسق من كل حائط بخرصها، أعرى تلك الحوائط لرجل واحد، أو لرجال. قال: وبلغني عن الشيخ أبي محمد بن أبي زيد أنه قال: إن أعرى تلك الحوائط لرجل واحد فلا يشتري من جميع الحوائط بالخرص، إلا خمسة أوسق. وقال أبو القاسم ابن

стр. 4319

الكاتب: إن أعرى ذلك لرجل واحد في لفظ واحد فهي عرية واحدة، فلا يشتري من جميع الحوائط بخرصها، إلا خمسة أوسق، وإن كان أعرى ذلك شيئا بعد شيء، فله أن يشتري من كل حائط خمسة أوسق. قال الشيخ: والقول الأول أصوب والأصل المنع، والإباحة وردت مقصورة، فلا يجوزن ذلك إلا ما اشتمل عليه (١). (٢) فصل [فيما إذا مات المعري أو فلس قبل أن يقبض العرية] وإذا مات المعري أو فلس، قبل أن يقبض العرية بطلت، وسواء طلع فيها شيء أو لم يطلع، كان قبضت الأصول بعد أن طلعت الثمرة صحت. واختلف إذا قبضت الأصول ولم تطلع ثمرة، فقيل: لا تصح؛ لأن المعرى وهي الثمار (٣) لم تقبض، وليس الأصول المعطاة، وقيل: تصح؛ لأن الذي يبطلها التهم، وأن يكون القصد بقاءها، وأن لا يمكن منها، وقد علم أن ذلك لم يكن لأجل التهمة.

стр. 4320

باب في سقي العرية (١)، والهبة وزكاتها اختلف في ذلك على أربعة أقوال: فقيل: سقي العرية وزكاتها على المعري، ويجوز له أن يشتريها بخرصها، وسقي (٢) الهبة وزكاتها على الموهوب له، ولا يجوز للواهب أن يشتريها بخرصها. (٣) وقال ابن حبيب: الهبة كالعرية سقيها وزكاتها على الواهب، ويجوز للواهب أن يشتريها بخرصها، قال: لأن العرية في ترجمتها هبة. (٤) وقال ابن القاسم (٥): كان كبار أصحاب مالك يحلون ذلك، ويرون أن العرايا كالهبة. (٦) يريد أنهم ردوا العرايا إلى الهبة في السقي والزكاة، أنها على المعرى. وقال محمد بن المواز (٧): سقي العرية على المعري، وزكاتها على المعرى. (٨) قال الشيخ ﵀: لا فرق بين العرية والهبة؛ لأن معنى العرية عطية الثمار من غير معاوضة. وقيل: المعنى أنه جعل له أن يعري النخلة من ثمرها، وأي ذلك كان فإن الهبة كذلك، وإذا كان ذلك (٩) كالجمع (١٠) بين حكمها هو

стр. 4321

الصحيح؛ لأن الصحيح أن السقي والزكاة على المعطى، كما قال بعض (١) أصحاب مالك؛ لأن المعطى ملك من الآن، وخدمة كل ملك ومئونته على مالكه، وكذلك زكاتها؛ لأنها على ملكه طابت، ولا تكون المئونة والزكاة على المعطي، إلا أن يكون التزم ذلك. وإذا قيل: إن الزكاة على المعطي، فكانت دون خمسة أوسق، وله ثمار من (٢) غيرها من جنسها، تبلغ بالعرية مبلغ (٣) خمسة أوسق، أضافها وزكى عن الجميع، وعلى القول إن الزكاة على المعري (٤)، لا يضيفها المعطي إلى ملكه، ويضمها المعطَى إلى ما عنده من جنسها، فإذا بلغ جميعها خمسة أوسق زكاها. وأما تفرقة محمد بين السقي والزكاة، فإنه حمل المعري على أنه قصد تمليكها من الآن، والتزم سقيها وعلاجها، أو يكون قصد تمليكها (٥) من بعد طيبها، فيخرج زكاتها منها. وقد اختلف في ذلك، واختلف أيضا فيمن وهب صغيرا يرضع من أمه، فقال ابن حبيب: رضاعه على الواهب ترضعه أمه. وذكر عن ابن القاسم أن رضاعه (٦) على الموهوب له إذا حلف الواهب أنه لم يرد أن ترضعه أمه. (٧)

стр. 4322

فصل (١) [فيمن ابتاع عريته بخرصها ثم جدها أو وجد فيها أكثر مما خرصها] وقال مالك- في كتاب (٢) المدنيين في المعري (٣) يبتاع عريته بخرصها-: فإن هو جدها بعد ذلك، أو وجد (٤) فيها أكثر مما (٥) خرصها، أن الفضل للمعرى يرده إليه، قال: وإن جد منها دون ما (٦) خرص، ضمن الخرص (٧) حتى يوفيه إياه، وإن جده (٨) وخلطه بثمره (٩) قبل أن يكيله، فليوفيه ما ضمن له من ذلك الخرص. ومحمل قوله: إذا وجد فيها (١٠) ذلك، لم يعلم إلا من قوله، أو لأنه لا يعلم ما أكل منها قبل ذلك، ولو ثبت أنه لم يجد منها (١١) إلا أقل، وإن الأمر على ما قاله، لم يؤخذ منه إلا ما وجد فيها، كما قال مالك: إذا جد (١٢) أكثر، إنه يرد

стр. 4323

الزائد. فكذلك لا يضمن النقص. وقول مالك أنه يبيع في ذلك إلى ما قد حسن وقد اختلف (١). فصل [في من منح لبن شاة عامًا أو أعوامًا أيشترى بذلكـ طعاما نقدا ؟] وقال ابن القاسم -فيمن منح لبن شاة عامًا أو أعوامًاً-: لا بأس أن يشتري ذلك بطعام نقدا أو إلى أجل (٢)؛ لأنه إنما يتحلل الرقبة، بمنزلة من باع شاة لبونا بطعام نقدا أو إلى أجل (٣). وليست المسألتان سواء؛ لأن القصد من بائع (٤) المنحة بيع اللبن، وعلى قدر عطيته وحقه في ذلك اللبن يبيع، وإن كان قصد المعطي التحليل (٥) في الرقبة، (٦) فإنه إنما يشتري اللبن عنه ويعطي العوضٍ. وقد اختلف في الصلح على الإنكار، إذا كان صحيحًا من ناحية المنكر، فاسدًا على دعوى المدعى. فقال ابن القاسم: الصلح فاسد. وأجازه أصبغ. وكذلك شراء المنحة لا يجوز على أصله؛ لأنها وإن كانت صحيحة من قبل المعطي، فهي فاسدة من قبل المعطى. وأجاز إذا أسكن دارًا أن يشتري سكناها بسكنى (٧) أخرى، أو أخدم عبدًا أن يشتري خدمته بخدمة عبد آخر. وقال

стр. 4324

سحنون: ذلك إذا كانت الدار الأخرى، أو العبد الآخر سنين معلومات (١). وحمل الشيخ أبو الحسن قول ابن القاسم: أنه أجاز ذلك، وإن كان سكنى الأخرى، أو خدمة العبد الآخر حياة المعطي، حسب ما كان الأول. وهذا أحسن (٢) في الدارين؛ لأن كون الثانية حياة المعطي (٣)، أقل غررًا منه سنين معلومات (٤)، بخلاف العبدين؛ لأن الدارين مأمونتان أن تبقيا حياة المعطى، فإنما تقديره سكنى يوم بيوم، وشهر بشهر، وكلما مضى يوم قابله من الآخر مثله (٥)، وإن (٦) اشترى بذلك سنين معلومات (٧)، أمكن أن يعيش المعطى، أكثر فيكون عليه (٨) غبن، أو يموت قبلها فيبقى ورثته في سكنى الثانية، فيكون فيها غبن (٩) على المعطى، وإذا كانت الثانية حياة المعطى لم يدخله غرر، وليس كذلك العبدان، لاختلاف حياتهما، وقد يطول عمر الثاني فيكون الغبن على المخدم، أو يموت قبل الأول فيكون الغبن على المعطي، وإن تراضيا على سنين معلومات (١٠) فمات الثاني بعد مضي نصفها، رجع في قيمة نصف خدمته الأولى على غررها.

стр. 4325

وعلى قول أصبغ يرجع بقيمة السنين، قياسًا على الصلح (١) على الإنكار، فإن كانت قيمتها عشرين رجع بعشرة، كان مات الأول لم يرجع على الثاني بشيء؛ لأنه أخذه على أنه يتصرف في رقبته بالبيع وغيره (٢). تمَّ كتابُ العرايا والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم

стр. 4326

كتاب التجارة إلى أرض الحرب النسخ المقابل عليها ١ - (ف) = نسخة فرنسا رقم (١٠٧١)

стр. 4327

كتاب التجارة بأرض الحرب (١) باب التجارة إلى أرض الحرب، وما يجوز أن يباع فيها وهل يعاملون بالريا؟ وهل يباع اليهودي من النصراني، أو صغار أهل الكتاب إذا كانوا نصارى، أو المجوس من النصارى واليهود ؟ السفر إلى أرض الحرب على ثلاثة أوجه: فإن كان يكره من سافر إليهم على فعل ما لا يجوز؛ من التقرب إلى آلهتهم أو لأصنامهم، أو على شرب خمر أو زنا- لم يجز السفر إليهم. وإن كان لا يكره على شيء من ذلك، ولكن يناله بذلة وصغار- لم يجز أيضًا. والأول أشد، وهو في كلتيهما مستجرح. وإن كان سفره إليهم كسفره إلى أرض المسلمين، إنما يؤخذ بمغارم عما يأتي أو ما يخرج به- كان الأمر أخف، وألا يفعل أولى، ولا نبلغ به الجرحة، وكذلك السفر إلى مصر وإن كان سلطانها كافرا وأتباعه، فلا يؤدي ذلك إلى جرحة من سافر إليها.

стр. 4328

فصل [لا يباع لاهل الحرب شيء مما يتقوون به في حروبهم] قال مالك: ولا يباع لأهل الحرب شيء مما يتقوون به في حروبهم، من كُراع أو سلاح أو خوثي (١) أو نحاس (٢). وقال ابن حبيب -في أهل العهد وتجار الحربيين-: يمنعون من حمل السلاح والحرير والحديد والنحاس، والأدم والخيل والبغال والحمير، والغرائر والأخوجة والزفت والقطران، والشمع واللحم والسروج والمهامز، والبسط والكتان والصوف، والطعام من القمح والشعير. يريد: في الطعام في مثل الشدائد، يرجى تَمَنُّعُهُمْ أن يتمكن منهم (٣). وأما الحرير والصوف والكتان والملابس فالأمر فيه خفيف، ولا يَتَّجِر إليهم بما كان من العبيد من دينهم، وإن قدموا إلينا لم يباعوا منهم؛ لاطلاعهم على عورة بلاد المسلمين، وهو في النساء أخف. واختلف في مبايعة أهل الكتاب، وأهل الحرب بالدنانير والدراهم، فمنع ذلك في المدونة تنزيهًا لاسم الله سبحانه (٤). وقال ابن كنانة: يمسها اليهودي والنصراني قديمًا وحديثًا، لم يعب ذلك من أهل العلم علمناه أحد. وأباح مالك الاستنجاء بالخاتم فيه اسم الله، ومنعه ابن القاسم (٥). فعلى قول مالك في

стр. 4329

الخاتم يبيح الدراهم، وعلى قوله في الدراهم يمنع الخاتم. والمنع أحسن، لحديث أنس قال: "كَانَ رَسُولُ الله ﷺ إِذَا دَخَلَ الخَلاَءَ نَزَعَ خَاتَمهُ" (١)، ولقول الله سبحانه: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾ [التوبة: ٢٨]. فللمسجد حرمة ولأسماء الله تعالى حرمة. وقال الحسن: لا تصافحوهم للأمة (٢). وقال ابن القاسم: لا يتعمد المسلم إلى مراباة النصراني بدار الحرب (٣). قال عمد: وليتصدق بقدر ما أربى، وكذلك ما خان، إن لم يقدر على رد ذلك على من خانه (٤). وقوله في الخيانة حسن. وأخذ أموالهم في أرض الحرب على ثلاثة أوجه: فيجوز أن تؤخذ على وجه السرقة والغصب والقهر، ولا يجوز أخذ ما ائتمنوه عليه ولا خيانتهم (٥)، ويختلف في أخذها بوجه البيع دينارا بدينارين نقدًا أو إلى أجل، فمنعه في المدونة. وعلى قول عبد الملك يسوغ له إمساكها، قياسًا على الزنا بنسائهم. وقال ابن القاسم: يحد (٦). وقال ابن الماجشون: لا حدّ عليه.

стр. 4330

فعلى هذا لا يرد ما أربى عليه. وجعل ابن القاسم ملكه ملكًا حقيقيًّا، ومراباته ربًا، ووطأه زنًا. وذهب عبد الملك إلى أنه لما جاز أن يأخذ تلك الرقبة ويملكها قهرًا، فإن لم يقدر إلا على أخذ المنافع بالإكراه، أو الطوع للاستخدام أو بالوطء- لم يكن عليه شيء. وعلى قوله يجوز له أن يتمسك رباه عليه؛ لأنه كان له أن يأخذ منه بغير ربا، إن قدر على ذلك. وإن دخلوا إلينا بأمان لم يجز سرقة أموالهم، ولا الزنا بنسائهم. واختلف في قطع من سرق منهم. فقال ابن القاسم: يقطع (١). وقال أشهب: لا يقطع. فصل [في بيع المسلم عبده النصراني البالغ من نصراني] يجوز للمسلم أن يبيع عبده النصراني -إذا كان بالغًا- من نصراني. واختلف في بيعه من اليهودي، فأجازه محمد، ومنعه ابن وهب وسحنون في المستخرجة، للعداوة التي بينهم (٢). وهو أحسن. ولا يجوز أن يضربهم. واختلف في بيع صغار النصارى من النصارى، وفي بيع المجوس والصقالبة والسودان من النصارى، فقال مالك في المدونة: تمنع النصارى من شراء صغار النصارى (٣)، وقال في العتبية: فإن بيعوا منهم فسخ البيع (٤). وقال محمد: لا بأس أن يبيع المسلم عبيده النصارى من أهل الكتاب، وإن كانوا صغارًا. وقال

стр. 4331

أشهب في كتاب الجهاد من كتاب محمد: وقال مالك- في المدونة في التجار ينزلون بالرقيق من الصقالبة فيشتريهم أهل الإسلام، ثم يبيعونهم مكانهم من أهل الذمة، قال: ما علمته حرامًا وغيره أحسن منه (١). وقال- في العتبية في الصقالبة والسودان مثل ذلك: ما علمت حرامًا، ولا يعجبني، فإن بيعوا منهم فسخ البيع إن كانوا صغارًا، وإن كانوا كبارًا فلا بأس من بيعهم منهم قال: لأن الصغار يجبرون والكبار لا يجبرون (٢). وقال محمد: فإن فعل بيعوا ما لم يدن بدين. وأرى أن ينقض البيع، وإن دانوا بدين؛ لأن من هو في يده متعد في شرائه، وفي تعليمه الكفر، ومعلوم إذا صار بعد ذلك إلى مسلم-أسلم، واستنقذ من الكفر، ومحمل قول مالك وابن القاسم في الإجبار أنه بالتهديد والضرب ونحوه من غير قتل، ولو كان ذلك بالقتل ما حل البيع؛ لأن المشتري قد دخل على ما لا يدرى، هل يجبر أو يقتل؟ ولأنه لا يخلو ذلك العبد من أن يكون اشتري من السبي، ليكون قد استحياه الإمام، فلا يجوز قتله بعد ذلك، أو نزل ول أحط من أهل الحرب، فباعه مِنْ أحد من المسلمين، فكذلك لا يحل قتله، فإن كانت أمة فذلك أبين؛ لأن النساء لا يقتلن إذا لم يسلمن. وقال أصبغ فيمن اشترى عبدًا مجوسيًّا من المجوس الذين بالعراق، قد سُلِّمُوا على مجوسيتهم: فهذا لا يجبر على الإسلام، وإنما يجبر الذي يشترى من السبي. يريد: بغير قتل (٣).

стр. 4332

وقال ابن القاسم- في العتبية في الروم يقدمون بعبيد من مجوس الصقالبة: يمنعهم الإمام من بيعهم من اليهود والنصارى، صغيرهم وكبيرهم؛ لأنهم يصيرون إلى دين من ملكهم، فإن اشتروهم بيعوا عليهم، ما لم يدينوا بدين مَنْ ملكهم؛ لأنهم لم يكونوا يجبرون على الإسلام إذا ملكهم المسلمون (١). وأجازه ابن عبد الحكم في كتاب محمد، وإن كان صغيرًا إذا كان بيد حربي، ألا يمنع من بيعه من أهل الكفر (٢). والأول أحسن. فصل [في شراء النصراني العبد المسلم والأمة المسلمة] وقال مالك في النصراني يشتري العبد المسلم والأمة المسلمة: يمضي البيع ويباعان عليه (٣). وقال في كتاب ابن حبيب: يفسخ البيع ويعاقبان (٤). وأصل سحنون في كل بيع حرام أن البيع غير منعقد، وهو بيع القبض على ملك البائع ومصيبته منه، وقال مالك في مختصر ما ليس في المختصر: يفسخ البيع، كان باعه النصراني لمسلم وتداولته الأيدي يفسخ، ويرادون الأثمان، وإن هلك عند النصراني ولم يبعه، كانت عليه القيمة. ومحمل قوله في رد البياعات، أن ذلك عقوبة؛ لئلا يعود لمثل ذلك، ولو كان البيع عنده لا ينعقد، كما قال سحنون لم

стр. 4333

يضمن قيمته. وأرى إن كان المشتري ممن يظن أن له ملكه- أن يمضي البيع بالثمن ويباع عليه، إلا أن يقوم المشتري بالعيب فيرده؛ لأنه يقول: ظننت أن ملكي يثبت عليه، وإن كان عالمًا أنه لا يجوز شراؤه وكان فاسدًا؛ لأنه دخل على أنه غير ممكن منه، فإن فات مضى بالقيمة وبيع عليه. وقال ابن القاسم في النصراني يسلم عبده ثم يرهنه: أنه يباع، ويقضى للغريم ثمنُه، إلا أن يأتي النصراني برهن ثقة يجعل مكانه (١). وقال سحنون: يعجل ثمنه للمرتهن، وإن أتى برهن آخر (٢). وقول ابن القاسم أحسن؛ لأن رهنه بعد إسلامه ليس رضى بتعجيل الدين، ورهنه دليل على أنه أراد البيع بعد انقضاء الأجل، إلا أن يكون المرتهن غير عالمٍ بإسلامه، فيكون بمنزلة من عرض رهنًا وأراد ألا يعجل الحق وإن عز؛ لأن ثمنه بدلًا منه، وإن أسلم بعد أن رهن - بيع، ولم يعجل ثمنه إذا أتى بالرهن مكانه.

стр. 4334

باب في المسلم يشتري الخمر من النصراني أو يبيعها وفي النصرانيين يسلمان أو أحدهما وقد عقدًا ربًا، أو أسلم في خمر، أو له ثمن خمر وقال مالك في المسلم يشتري خمرًا من النصراني: يكسرها على المسلم، ولا أدعه يردها على النصراني، ويتصدق بالثمن على النصراني حتى لا يعود (١). قال ابن القاسم: فإن قبض الثمن لم ينتزع منه (٢). وقال سحنون: ينتزع وإن قبضه، ويتصدق به (٣). وقال ابن حبيب: إن قبضه ترك به، وإن لم يقبضه لم يقض له به، وكسرت الخمر على النصراني إذا قبضت أو أبرزها، وإن لم يقبض، ويتصدق بالثمن في موضعين: إذا لم يقبض وكان معينًا، أو قبض ولم يقبض الخمر، وإن لم يكن معينًا لم يتصدق به (٤). وأرى أن يدرك ذلك قبل أن يتقابضا، ولم يعين الثمن ولا الخمر، نقض البيع بينهما وعوقب المسلم والنصراني، إن لم يغرر بجهالة، وإن كان معينين ولو تقابضا تصدق بالثمن على المسلم، وكسرت الخمر على النصراني، وكذلك إن قبض الخمر ولم يسلم الثمن، ولو دفع ولم يقبض الخمر وكان الثمن قائمًا- جاز أن يقبض وينتزع الثمن، فيتصدق به، ويكسر الخمر على النصراني.

стр. 4335

واختلف إذا فات الثمن فقال مالك: لا ينتزع (١). وقول سحنون: إنه ينتزع- أبين (٢). وكذلك إن كان المسلم هو البائع للخمر من النصراني، فإن عين الخمر والثمن، كسرت الخمر على المسلم، إذا كانت بيده أو قبضت ولم يفت، ويتصدق بالثمن على النصراني إن دفع أو لم يدفعه وكان معينًا، إلا أن يعذر بجهالته. واختلف إذا فاتت الخمر عند النصراني، فقال محمد: اختلف فيه قول مالك، فمرة قال: لا يؤخذ من النصراني. ومرة قال: يؤخذ؛ فيتصدق به (٣). قال ابن القاسم: وهو أحب إلينا (٤). قال محمد: لا يؤخذ منه، وإن كان أخذ رد عليه، وأغرم خمرًا مثل ما أخذ، فيكسر على المسلم (٥). ولو أخذ منه الثمن لكان قد أجيز له شراؤها. والأول أحسن. وأَخْذُ الثمن ليتصدق به بعد فوت الخمر أولى من أن يغرم مثلها. وقال ابن القاسم في مسلم اشترى من نصراني جارية بخمر فحملت أو أعتقها: ذلك فوت، وللنصراني على المسلم قيمة الجارية (٦). قال سحنون: ويؤخذ الخمر من النصراني، أو مثلها إن كان أتلفها فيهراق. وأرى إن كانت قائمة أن تهراق على المسلم، ويدفع القيمة للنصراني وإن فاتت، والصدقة بالقيمة أولى من إغرامه

стр. 4336

المثل، وإنما يغرم المثل في أحد القولين إذا كانت في ملكه، وإلا لم يكلف شراؤها، وأخذ منه الثمن الذي تشترى به فيتصدق به. فصل [في بياعات أهل الكفر إذا انعقدت على حرام ثم أسلموا بعد القبض] بياعات أهل الكفر إذا انعقدت على حرام من الربا أو خمر أو غيره، ثم أسلموا بعد قبض الثمن والمثمون- ماضية. واختلف إذا أسلما بعد قبض أحدهما، هل يفسخ أو لا؟ مثل أن يسلم دينارًا في دينارين، أو درهمًا في خمر، أو يبيع خمرًا بثمن إلى أجل. فذهب مالك وابن القاسم إلى أن ذلك مفسوخ، فيرد رأس المال إذا أسلم في ربًا أو غيره، ويسقط ثمن الخمر (١). وقالا في نصراني تزوج نصرانية ثم أسلما قبل الدخول، وبعد قبض الخمر: لا يدخل بها على ذلك الصداق؛ لأنه ثمن للخمر. وقال عبد الملك: يدخل بها. يريد: لأن الخمر قبضت في وقت كان عندهم كالدراهم في شرعهم، وهي البضع وهو مما يجوز قبضه في الإسلام. وقال محمد فيمن باع خمرًا بثمن إلى أجل، ثم أسلم قبل قبض الثمن: على المشتري أن يدفع الثمن (٢). وهذا مثل قول عبد الملك، فأمضيا العقد بينهما. وقال سحنون في السليمانية: إذا أسلم في خمر، فأسلما قبل قبضها أن لا شيء لمن أسلم فيها، وهي مصيبة نزلت به (٣). وهذا يصح على القول لإمضاء عقودهم، فماذا أمضى

стр. 4337

العقد لم يكن له رأس المال، وإنما له خمر، فوافق في ثبوت العقد، وخالف في الغرم عن الخمر، لتغليب أحد الضررين، فيكون عليه ما يسد مسده. واختلف أيضًا إذا تزوجها بخمر، فأسلما بعد الدخول وقبل قبض الخمر، فقيل: لا شيء على الزوج. وقيل: عليه صداق المثل. ومن أمضى العقد الأول لم ير عليه شيئًا، ويكون مصيبة نزلت بها؛ لأن الذي لها خمر، ولو غرمت لكسرت عليها. وعلى قول محمد بن عبد الحكم يكون لها قيمتها، وكذلك إن أسلم دينارين- يكون له أن يقبض الدينارين على قوله، أو أسلم دينارًا في دراهم، فله أن يقبض الدراهم، فإنه يمضي العقد، فما كان لا يصح ملكه في الإسلام- أسقط الغرم فيه عن المطلوب، وما كان يصح ملكه وهي الدنانير والدراهم- جعل له قبضها، وإن كانت ثمنًا عما لا يحل. واختلف إذا أسلم أحدهما بعد تسليم القول بالفسخ، إذا أسلما جميعًا، فقال ابن القاسم: يفسخ ذلك أيضًا، بمنزلة إذا أسلما جميعًا، ووقف فيه مالك إذا تعلق به حق النصراني، فقال: إن أسلم الذي له الديناران- كان له رأس ماله، وإن أسلم الذي عليه الديناران خفت أن أظلم النصراني (١). وفي كتاب محمد: إذا أسلم دينارًا في دراهم فأسلم الذي له الدراهم- أخرج النصراني الدراهم فاشترى منها دينارًا، فإن لم يوف الدراهم لم يكن له غيره، وإن فضل فضل كان للنصراني (٢). فأمضى العقد الأول، ولم يفسخه في حق النصراني.

стр. 4338

على قول ابن القاسم يفسخ، ويرد الدينار الذي أسلم، وقال: إن أسلم في خمر، فأسلم الذي عليه الخمر- رد رأس المال. وإن أسلم الذي له الخمر، فلا أدري؛ لأني إن أمرته برد رأس المال ظلمته، كان أعطيته الخمر أعطيته ما لا يحل (١). ففرق بين السؤالين، وفسخ ذلك إذا أسلم الذي عليه الخمر؛ لأنه لا يقدر على أدائها إن كانت في ملكه؛ لأنها تكسر عليه، ولا يجوز له شراؤها إن لم تكن في ملكه، فصارت ضرورة. وإن أسلم من له (٢) الخمر، قال النصراني: هذه الخمر التي تستحق قبلي، لا أغرم غيرها وتكسر عليك. وقد اختلف في الموضعين جميعًا، فقال محمد بن عبد الحكم: إن أسلم الذي عليه الخمر غرم قيمتها للنصراني. ورأى إسلامه بمنزلة من استهلك لنصراني خمرًا فعليه قيمتها. وقال ابن الماجشون: إن أسلم من له الخمر لم يكن له شيء، لا رأس مال ولا غيره، مثل قول سحنون إذا أسلما. وقول مالك أحسن، وأخذها من النصراني فتهراق أولى من تركها عنده. وإن أقرض أحدهما الآخر خمرًا، ثم أسلما- لم يكن للمقرض شيء؛ لأنه

стр. 4339

إن كان في يد المستقرض خمرٌ أريقت عليه، وإن لم تكن عنده لم يجز له شراؤها، وعلى قول محمد بن عبد الحكم له قيمتها اليوم. واختلف إذا أسلم أحدهما فقال ابن المواز: إن أسلم المسلف فلا شيء له، كان أسلم المتسلف فلا شيء عليه (١). وقال ابن القاسم في العتبية فيمن استقرض خمرًا أو خنزيرًا: فعليه قيمتها، كان أسلم المسلف فأحب إلي أن يؤخذ الخمر فيراق والخنزير فيقتل (٢).

стр. 4340

باب في بيع أرض الصلح وأرض العنوة وإذا هودن أهل أهل الحرب ثم أغار عليهم غير من هادنهم، هل يشتريهم من هادنهم وما أشبه ذلك ـ؟ يجوز لأهل الصلح بيع أرضهم، بقوا على دينهم أو أسلموا، إذا لم يجعل عليها في حين الصلح خراج. واختلف عن مالك إذا كان عليها خراج، فأجاز مرة بيعها، ومرة وقف وأبى أن يجيب فيها بشيء، وقال أيضا: لا ينبغي لمسلم أن يبتاع أرضًا عليها جزية (١)، وأجاز ابن القاسم وأشهب بيعها (٢). واختلف في الخراج فقال ابن القاسم: الخراج على البائع، وسواء باعها من مسلم أو ذمي، كان أسلم البائع سقط خراجها، وإن شرط البائع خراجها على المشتري كان بيعًا مكروها؛ لأنه لا يدرك قدره ولا منتهاه. وقال أشهب: الخراج على المشتري ولا يجوز شرطه على البائع. يريد: لأن الغالب من أهل الكتاب أنهم لا يسلمون، فهو لا يسقط ولا منتهى له، فكان كونه على المشتري أحوط؛ لأنه إن بقي على البائع فافتقر أو غاب أو مات، وأصابت الأرض لم يؤخذ شيء، فكانت الأرض تصيب والخراج غير مؤدى، فكان هذا أحوط، وإن شرط على البائع مضى على القول الآخر، وإن لم يشترط على واحد ودخلا على ما يوجبه الحكم، وهما لا يعرفان- كان البيع فاسدًا قولًا واحدًا.

стр. 4341

واختلف عن مالك في أرض العنوة، فمرة قال: لا تقسم (١). ومرة قال: لا بأس بقسمتها (٢). ولا خلف أنه إن قسمها الإمام أن فعله ماض ولا يرد، فإن رأى وَقَفَها للأبد، وكانت حبسًا ينتفع بمنافعها، بإجارة وبغير إجارة. وإن أوقفها ليرى رأيه فيها في المستقبل- جاز، ويعطي الآن منفعتها هبة أو بكراء، حتى يرى وجهًا لقسمتها، وإن تركت لأهل العنوة، الذين افتتحت عليهم على وجه العون، ليس على وجه الملك- لم يبيعوها، كان مات لم يورث عنه، وإن أسلم لم يكن له وما خلا أهله عنه كالعنوة، فإن رأى الإمام قسمتها قسمها، وإن رأى أن يوقفها وقفها، وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قسم خيبر على السهمين (٣). وقال عمر: لَولا أَنْ يَأْتِيَ مِنَ المُسْلِمِينَ، لَمْ أَدع قَرْيَةً أَفْتَتِحُهَا إِلا قَسَمْتُهَا، كَمَا قَسَمَ النَّبِيُّ ﷺ خَيْبَرَ (٤). أخرجه البخاري ومسلم. فسلم عمر ﵁ أن القسم جائز لم ينسخ، ولأنه إذا أجاز أن يعيد على الجيش بعض الخمس على وجه النفل؛ جاز أن يخمس ما سوى الأرض، وقد ثبت عن النبي ﷺ ، أنه فَتَحَ مَكَّةَ عَنْوَةً (٥). قال ابن شعبان: وأجمعوا على أنه لم يجعلها فيئًا، كما فعل بغيرها.

стр. 4342

وقال مالك: فأرض مصر وديارها لا تباع (١). يريد: لأنها وقفت على وجه الحبس؛ فلا تباع رقابهم. وقال ابن القاسم في المنتخبة: قال مالك: إذا أسلم أهل العنوة أخذ منهم دنانيرهم ودراهمهم وعبيدهم وكل ما لهم (٢). فصل [في شراء من سبي من أهل الحرب ممن لم يهادنهم] وقال مالك في قوم من أهل الحرب سبوهم: فلا يجوز أن يشتروا منهم (٣). وأجاز ابن شعبان أن يشتريهم من هادنهم، إذا أغار عليهم غير من هادنهم. وإذا جاز أن يشتروهم إذا أغار عليهم من المسلمين من لم يهادنهم، كان اشتراؤهم ممن أغار عليهم من أهل الحرب أبين. وعَقْدُ أمير المؤمنن عَقْدٌ على جميع أهل الإسلام حيث كانوا، وعَقْدُ عماله -إذا كان قد عمل كل واحد على ناحية- يصح على عمله دون عمل غيره، إلا أن يكون جعل له ذلك. وأما من غلب على بلد أو عمل، ولم يعمله أمير المؤمنين، فذلك بَيِّنٌ أنه لا يصح عقده إلا على الموضع الذي غلب عليه، والسنون الكثيرة والقليلة إذا استووا سواء. وقال مالك: إذا صولح أهل الحرب على مائة رأس في كل عام، فأعطوا أولادهم- لم يجز، فإن الصلح لهم ولأبنائهم، إلا أن يكون الصلح السنة والسنتين؛ فلا بأس أن يؤخذ أبناؤهم ونساؤهم (٤).

стр. 4343

وقال في كتاب ابن حبيب: لا يجوز أن يؤخذ أبناؤهم ولا نساؤهم، وإن كانت الهدنة العام والعامين أو إلى غير مدة، إلا أن يكون شرطوا ذلك. وقال ابن حبيب: وسواء علم أهل مملكة البطريق بما شرط أو لم يعلموا (١)، ولا بأس أن يصالح أهل الحرب، على أن يبعثوا في الجزية من شاؤوا من أولادهم ونسائهم ومن قهروه من كبارهم، إذا كان شرط بطارقتهم، قال: وإن قدم بأمان من لا هدنة بيننا وبينهم فلا بأس أن يشتري منهم صغار أبنائهم، ونسائهم أمهات أولادهم. فصل [في إسلام العبد النصراني إذا باعه نصراني لنصراني في مدة الخيار] وإذا باع نصراني من نصراني عبدًا نصرانيًّا بالخيار ثلاثة أيام، فأسلم العبد - لم يفسخ البيع. قال ابن القاسم: ويقال لمن له الخيار: إن شئت أخذت، وإن شئت رددت. فإن أخذ بيع عليه، وإن رد بيع على الأول. قال: لأنه كان حلالًا بيعهما، وإن كان المشتري مسلمًا فأسلم العبد لم يكن فوتًا، قال: والمسلم بالخيار بين أن يسلم أو يرد (٢). وظاهر قوله أنه على خياره في بقية أيام الخيار، وهذا محتمل أن يكون لما تقدم من حق المسلم، أو لأنه يجيز إن أسلم العبد قبل البيع، أن يبيعه من مسلم بالخيار ثلاثة أيام، وأن لا يضيق عليه فيجبر على البيع بالحضرة، بخلاف أن يكون الخيار للبائع؛ لأن بقاء الخيار للكافر ولاء على المسلم. ويختلف إذا كان الخيار للبائع فأسلم، هل إمضاؤه كبيع مبتدأ فيمنع؟

стр. 4344

أو إنما يمضيه بالعقد المتقدم فيجوز؟ وأستحسن ألا يمكن البائع من إمضائه للكافر، فإن فعل مضى. وقال ابن القاسم: فيمن باع أمة على أنه بالخيار، ثم اشترى ولدها في أيام الخيار- ليس له أن يمضي البيع في الأم فإن فعل رد البيع إلا أن يجمع بينهما، بخلاف أن يكون الخيار للمشتري، فيشتري البائع الولد، وبناء المسألة في البائع على أحد القولين أنه كابتداء بيع.

стр. 4345

باب في تفرقه الولد من أحد أبويه أو غيرهما من الأقارب في البيع روي عن النبي ﷺ أنه قال: "مَنْ فَرَّقَ بينَ وَالِدَةٍ وَوَلَدِهَا فَرَّقَ اللهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَحِبَّتِهِ يَوْمَ الْقِيَامةِ" (١). وهذا حديث حسن السند ذكره الترمذي في مسنده. وقال ﷺ : "لاَ تُوَلَّهُ وَالِدَةٌ عَنْ وَلَدِهَا" (٢). والتفرقة بين الأم وولدها ممنوعة في البيع بهذه الأحاديث، ولا خلاف في ذلك. واختلف في التفرقة بين الأب والولد، فقال مالك وابن القاسم: لا بأس به (٣). وذكر محمد عن بعض أهل المدينة مَنعْ ذلك. وهو أحسن، قياسًا على الأم، وإن كانت الأم أعظم في الموجدة، فمعلوم أن الأب يدخل عليه من ذلك ما تعظم فيه المشقة، وهو كالأم، وقد يكون بعض الآباء أشد. ولم يختلف المذهب في جواز التفرقة بين من سوى هذين من الأقارب، كالأخ والجد والجدة والخالة والعمة.
следующие страницы →