على المتبايعين، وعلى هذا الوجه تكلم مالك، فقال: هذا أمر معروف، عليه يبيع البائع وعليه يشتري المشتري، وأما مع جهل المشتري بذلك فلا؛ لأنه يقول: اشتريت وأنا أرى أن لي الرد مثل سائر المبيعات، ولو علمت أن لا قيام لي ما اشتريته، إلا بدون ذلك الثمن، فله الرد إن لم يفت المبيع إلا أن يرضى البائع أن يكون على حقه في العيب متى وجده، وإن لم يعلم حتى فات وتبين أنه سالم فلا مقال له، وإن تبين أنه معيب رجع بقيمة العيب.
واختلف في الجلود، فقال ابن القاسم: إن قطعت خفافًا أو نعالًا، فهي مثل الثياب يقوم بالعيب (١).
وقال ابن حبيب: هي مثل الخشب فما كان من أصل كالحوري فلا قيام له، وإن كان حادثًا من قلة الملح أو حرارة الشمس أو ماء بحر، رد كسائر العيوب، ومثل جلود الفراء يظهر للمبتاع عند الدباغ ساست ولم يطل مقامها ما تسوس فيه، ولم يظهر للمشتري أنها ساست؛ لأنها يابسة وربما كانت غير يابسة، والسوس بين الجلد والصوف فإذا دبغت تبين، فهذا يرد (٢).
فصل
وقال مالك -في الجوز والرَّانج وهو الجوز الهندي-: هو مثل الخشب لا قيام فيه (٣).
وقال محمد: هذا فيما كثر كالأحمال، إلا أن يكون كله فاسدًا أو أكثره فله رده، وأما مثل الجوزتين والثلاثة فله رده, من الرانج كان أو غيره (٤)؛ لأنه
стр. 4447
يمكن أن يدير فيقدر على معرفته.
واختلف في القثاء والفقوس يوجد مرًّا؛ فقيل: لا رد له كالجوز، قيل لمالك: فأهل السوق يردونه، فأنكر ذلك ولم يرده على البائع (١).
وقال أشهب -في كتاب محمد-: إن كان يوصل إلى معرفة مره بإدخال عود رقيق، فله الرد ما كان يشتري، مثل القثا والأسس، وأما الأحمال فلا ترد (٢).
قال محمد: إلا أن يكون أكثره مرًا (٣)؛ لأنه إذا كان هكذا لم يخف على بائعه. وعلى قول الأبهري يرد، وإن لم يكن أكثره مرًّا.
قال أصبغ في كتاب ابن حبيب في لوز الحرير لا يعلم فساده حتى يدخله العمل-: فإن كان الفساد أصليًّا ليس بسبب حدث بعد تمامه، وكان لا يعرف حتى يدخله العمل لم يرد، وإن كان يعرف قبل العمل رد (٤) وأما البيض فيقام بعيبه؛ لأن فساده يعلم قبل كسره، وهو قول مالك (٥). فإن كان البائع مدلسًا رد ولا شيء عليه في كسره. قال محمد: وإن كان غير مدلس لم يرده، ورجع فيما بين الصحة والداء (٦).
يريد: إذا كان ممروقا، وإن كان مما لا يجوز أكله فهو ميتة، يرد جميع الثمن دلس أو لم يدلس.
стр. 4448
وقال ابن القاسم -في كتاب محمد-: إن وجد مفسودًا وكان بحضرة البيع رد، وإن بعد أيام لم يرد؛ لأنه لا يدرى، أَفَسَدَ عند البائع أو المشتري (١)؟
стр. 4449
باب في المشتري يغتل ثم يجد عيبًا وفي المشتري يستعمل بعد المعرفة بالعيب
وإذا اغتل المشتري في المبيع ثم أصاب عيبًا، رد المبيع وحده دون غلته، لقول النبي ﷺ : "الخَرَاجُ بِالضَّمَانِ" وهذا حديث حسن السند، ذكره الترمذيُّ (١)، وهذا إذا كان المبيع لا غلة فيه يوم البيع ولا يوم الرد، واغتل فيما بين ذلك وأخذ الغلة.
ويفترق الجواب إذا كانت فيه يوم الرد، أو كانت يوم الشراء، فإن اشترى شاة ولا صوف عليها، فصار ذلك عليها فجزها ثم وجد بها عيبًا، رد وكان له ما جز، وسواء جزه وقت جزازه أو قبل ذلك.
ويختلف إذا قام بالعيب قبل أن يجزه، هل يكون غلة بالتمام أو حتى يتعسل، أو يجز قياسًا على الثمار؟ وهل تكون غلة المشتري بالطيب أو باليبس أو بالجذاذ؟ فتمام الصوف يصير كالطيب في الثمار، والتعسيل كاليبس، والجزاز كالجذاذ، والتمام للطيب أحسن.
واختلف إذا اشتراها وعليها صوف قد تمَّ فجزه، فقال ابن القاسم: يرده إن كان قائمًا، ومثله إن كان فائتًا، وجعله مشترى (٢). وقال أشهب: لا شيء عليه فيه، والأول أحسن؛ لأنه يزاد في الثمن لأجله فهو مشترى والمشتري بالخيار بين أن يغرم مثله أو قيمته؛ لأن خطبه قريب، كما قال في الجلد يستثنى: إنه يغرم مثله أو قيمته
стр. 4450
وإن وجد العيب بعد أن عاد عليها الصوف وتم، ردها ولاشيء عليه للصوف الأول؛ لأن هذا كالأول وهو في هذا أبين من جبر العيب بالولد؛ لأن الولد ليس بغلة وليس له حبسه، فكان جبره بما له حبسه أولى. وإن احتلبها لم يغرم ذلك إذا لم تكن حين البيع مصراة، وإن كانت وقت الرد مصراة كان له أن يحتلبها ثم يرد؛ لأنه قد جمع ولم يبق إلا احتلابه كالجزاز أو الجذاذ، وكذلك إذا كانت يوم الشراء مصراة، فهو مبيع على الصحيح من المذهب.
واختلف إذا كانت نخلًاا شتراها ولا ثمرة فيها فنمت فينتظر بها ثمرتها، هل يكون غلة بالطيب أو باليبس أو بالجذاذ؟ والطيب أحسن، وقد تقدم ذلك.
واختلف إذا كانت فيها ثمرة مأبورة أو غير مأبورة فنمت وحدها ثم وجد عيبًا، فقال ابن القاسم: إن كانت مأبورة ردها وإن جذت، وإن فاتت رد المكيلة إن عُرِفَت، أو القيمة إن لم تُعْرَف، ورأى أنها مشتراة (١). وقال أشهب: لا شيء عليه فيها.
والثمار ها هنا أشكل من الصوف، فإن كان لا يتحسس لثمنها وقت البيع، ولا يزيد فيه أو يزيد الشيء اليسير الذي لا خطب له، كانت له بغير ثمن، وإلا كانت مبيعة، وأرى أن يمضي بما ينوبها من الثمن يوم البيع؛ لأنها نمت في ضمان المشتري.
وأصل مالك وابن القاسم في العيوب، أن لا يحملا على التهمة في البيع وإذا لم يتهما على أن يكونا أظهرا العيب في الرقاب، ليتوصلا إلى بيع الثمار قبل صلاحها، مضت بما ينوبها من الثمن يوم البيع، وإن كان ذلك مضت بما ينوبها
стр. 4451
من الثمن إذا هي طابت وإن لم يجذ.
وإن كانت غير مأبورة فنمت عند المشتري لم يكن لها قسط من الثمن.
ولأشهب -في كتاب الشفعة من كتاب محمد-: إن لها قسط من الثمن وإن كانت غير مأبورة (١)، وليس هو المعروف من المذهب.
فصل [في الانتفاع بالمعيب بعد معرفة العيب]
الانتفاع بالمعيب بعد معرفة العيب على ثلاثة أوجه: فإن كان فى دارًا أو حائطًا، كان له أن ينتفع بالغات في حالة المخاصمة، والغلات له حتى يحكم بالفسخ، فيجني الثمار ويأخذ غلة الدار، وليس عليه أن يخرج المكري ثم يخاصم، وكذلك إذا كانت للسكنى.
وإن كانت جارية أو ثوبًا لم يطأ ولم يلبسه بعد المعرفة بالعيب، ولا يطأ ما لا يختار إمساكه، ولأن اللباس ينقص الثوب والنقص ليس بغلة، فإن وطئ أو لبس كان رضًى ويسقط قيامه.
واختلف إذا كان عبدًا أو دابة، فاستخدم وركب بعد علمه بالعيب، أو بعد أن قام، أو كان في سفر، أو كان البائع غائبًا؟ فقال مالك: إذا كان البائع والمشتري حاضرين فقد سقط قيامه (٢). وقال ابن حبيب: له ذلك حتى يحكم له بالرد (٣). وهو أحسن؛ لأن له الخراج بالضمان وعليه النفقة، فلا يلزم بالاتفاق ويمنع من الانتفاع ومن الخراج.
стр. 4452
واختلف قول مالك في كتاب محمد إذا علم بالعيب وهو في سفره، فقال مرة: يسقط قيامه. ومرة: له أن يقوم وإن ركب، ولم يكن عليه أن يقودها ويكري غيرها. قال: وليس عليه أن يكريها، وإن أكراها كان رضى (١). وعلى قول ابن حبيب يكريها، وعلى هذا يجري الجواب إذا وجد العيب بعد غيبة البائع، ولم يسافر هو، أن له أن يركب ويكري، حتى يقدم البائع، ولأن الرفع إلى القاضي مما يشق على الناس.
فصل [فيمن نقل المبيع ثم وجد به عيبًا]
واختلف إذا نقل المبيع ثم وجد به عيبًا، فقال محمد بن سحنون -فيمن اشترى خشبًا أو مطاحن، ثم وجد عيبًا دلس به البائع، بعد أن بان بها-: تنازع أصحابنا فيها، فقال قائلون: على المشتري ردها والكراء على ردها. وقال آخرون: ذلك على البائع؛ لأن ذلك غرور، ولو علم المشتري ما نقلها.
وهو أحسن، وأرى عليه أن يغرم للمشتري ما كان نقلها به حين قبضها إلى أن أوصلها إلى داره.
واختلف أيضًا إذا لم يدلس بذلك البيع، فقال ابن حبيب -فيمن نقل ماله حمولة إلى بلد آخر، وإن تكلف رده إلى بلد البائع، جاء عليه غرم كثير في الكراء والمؤنة-: يرفع إلى سلطان ذلك البلد، فيسمع من بينته على الشراء، وأنه اشترى على بيع الإسلام وعهدته، يريد في الجارية ثم يأمر من يبيع ذلك على البائع، ويكون له فضله وعليه نقصانه (٢). فعلى هذا يكون على البائع، إذا نقلت
стр. 4453
في البلد نفسه، أن يقبض ذلك بحيث هو، وإن لم يدلس.
وعلى ما ذكره سحنون يكون نقله إلى البلد الآخر فوتًا، ويرجع المشتري بقيمة العيب، ولا يلزم البائع قبوله في البلد الآخر، وهو أحسن إلا أن يكون المبيع دابة أو عبدًا لا يتكلف في رجوعه كراء، والطريق إن رده مأمونة، فلا يكون نقله فوتًا.
ويختلف إذا وجد البائع في البلد الذي نقل إليه ما له حِمْل، فرضي البائع بقبضه، وقال المشتري: أنا أمسك وأرجع بالعيب؛ لأني غرمت في نقله ثمنًا، فعلى قول ابن حبيب ذلك للبائع، وروى أبو قرة عن مالك أنه قال: المشتري بالخيارة إن شاء رد، وإن شاء وضع عنه قدر العيب، وهو أحسن.
وقد اختلف في الغاصب ينقل ما له حِمْل، هل يكون له مقال لأجل الحمل؟ فالمشتري أحرى أن يكون له ذلك، فلا يلزم تسليم ما له حِمْل بالبلد الذي نقل إليه، إلا باجتماع منهما؛ لأن للمشتري مقالًا لما غرم في نقله، وللبائع مقال فيما يغرم في رده.
وإن كان لا حمل له، كان المقال للبائع إذا كان الطريق غير آمن، فإن كان آمنًا فلا مقال لواحد منهما.
وإن كان البائع مدلسًا وعالمًا أن المشتري ينقله ويسافر به، كان للمشتري أن يجبره على قبوله في الموضع الذي نقل إليه، ولا يراعي حمل ولا خوف.
وإن كان مما يكال أو يوزن، كان للمشتري أن يحبس هذا ويغرم المثل معيبًا في البلد الذي اشترى به، وله أن يسلمه ها هنا ويجبر البائع على قبوله إن كان مدلسا، وليس ذلك له إن لم يدلس.
стр. 4454
باب فيمن باع معيبًا وتبرأ من عيبه ولم يُبَيِّن جنسه، أو بَيَّنَه ولم يذكر قدره أو سماه مع غيره
ومن باع عبدًا أو تبرأ من عيب به أو جارية, أو ذكره ولم يذكر جنس العيب، لم يبرأ وكان البيع فاسدًا.
واختلف إذا سماه ولم يذكر قدره، أو تبرأ من السرقة والإباق ولم يذكر المعاني التي يسرق بها والمواضع التي يسرق منها أو يأبق إليها، أو تبرأ مِن كَيٍّ بالجارية أو بعرجها أو رتق بها، ولم يبن قدر هذا ولا صفة الآخر، أو كان بعيرًا فتبرأ من دبرته، ولم يبين قدر هذا ولا صفة الآخر وهل هو مخوف أو قليل أو كثير؟
فقال ابن القاسم: البيع جائز، فإن كان قليلًا لزم المشتري. وإن كان كثيرًا، أو كانت سرقة الآخر من غير بيت سيده، يسرق الناس أو يثقب بيوتهم، أو يأبق الآخر إلى الشام أو إلى مصر والمشتري يظن أنه يأبق إلى العوالي، أو يكون رتق الجارية بعظم (١) أو ما يعالج، أو يكون الكي الشنيع، أو الدَّبَر مُنْغَلًا (٢)، فله الرد (٣).
وقال أشهب -في كتاب محمد -: إن لم يصف ذلك وقَدْر كل كية، فالبيع
стр. 4455
مفسوخ، وإن كان الدَّبَر يختلف ولم يبين قدرها وغورها فالبيع مفسوخ (١).
وهو أحسن في هذا وفي جميع هذه العيوب، ولا أعلم يحمل ذلك على القليل وجهًا؛ لأن اللفظ لا يقتضيه ولا يفهم ذلك منه، وقوله في جميع هذه العيوب يدخل تحته القليل والكثير، ويحتمل أن يكون أراد أحدهما، وإذا كان ذلك كان البيع غررًا، وإذا سمى العيب وذكر معه عيوبًا ليست بالعبد ولا بالدابة، فقال: أبرأ إليك من كذا وكذا، فعَدَّ عيوبًا به أحدُها، لم يبرأ منه وذلك تلفيق على المشتري.
قال محمد: وكذلك إن قال: بها كذا وكذا عيبًا، وذكره مع غيره، لم ينفعه. قال: ولا ينفعه إن انفرد، وقال: أبيعك بالبراءة من كذا حتى يقول ذلك به، ولا يخلطه بغيره (٢).
وأرى إذا أفرده أن يبرأ وإن لم يقل أنه به، وإنما لم تنفع البراءة إذا ذكر عيوبًا كثيرة؛ لأن العادةَ أنَّ النخاسين يفعلون ذلك فيما ليس، إرادةَ الاحتياطِ أو لا يُقام بشيءٍ.
стр. 4456
باب في البيع على البراءة, وما لا تصح منه البراءة أو تصح
واختلف في ذلك في خمسة مواضع، هل تجوز البراءة من العيوب القديمة؟ واذا أجيزت، هل ذلك في جميع المبيعات أو في بعضها؟ وهل يجوز ذلك فيما قرب ملك بائعه له، أو حتى يطول ملكه له؟ وهل تصح البراءة من كثير العيب أو لا تجوز إلا من قليله؟ وهل تجوز من جميع البائعين، أو من بعضهم دون بعض؟
فقال مالك مرة: لا يجوز بيع البراءة ولا يبرأ البائع، أي صنف كان المبيع. وقال أيضًا: يجوز في كل المبيعات (١). وقال ابن حبيب: يجوز ذلك في كل شيء، الرقيق والحيوان والعروض (٢). وبه حكم عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان ومروان بن الحكم، وعمل به عبد الله بن عمر، وقال به مالك في أول زمانه، وأخذ به ابن وهب وغيره ثم رجع فقال: لا يجوز ذلك إلا في الرقيق وحده (٣). وقال مالك -في كتاب محمد-: يجوز في الرقيق والحيوان دون غيرهما (٤).
واختلف بعد القول بالمنع إذا وقع البيع بشرط البراءة، فقال أشهب -في كتاب محمد-: إن وقعت البراءة في الحيوان لم أفسخه، ويفسخ في العروض إلا أن يتفاوت ويتباعد فلا يفسخ. قال محمد: وابن القاسم يخالفه ويقول: الشرط
стр. 4457
باطل (١). والقول بفسخ جميع ذلك وأنه غرر أحسن.
وقال مالك: لا أحب البراءة في رأس لم تطل إقامته عنده ولم يختبره (٢).
وقال في المدونة: لا أرى البراءة تنفع في بيع الميراث ولا غيره، ومن ذلك: الرجل يأتيه الرقيق قد جلب إليه فيقول: أبيعكم بالبراءة ولا علم لي، فقد صدق فلا علم له ولم يكشف ثوبًا، فهو يريد أن يذهب بأموال الناس بهذا الوجه، فلم أر البراءة تنفعه (٣)؛ لأنه لم تطل إقامته.
وقال ابن القاسم: الذي آخذ به أنَّ كلَّ رأس يُعْرَف أنه كان يختبره، فالبراءة تنفعه (٤). وقال أشهب: إن وقعت البراءةُ في رأسٍ لم تطل إقامته ولم يختبره لم أفسخه (٥). وقال ذلك عبد الملك بن الماجشون، قال: وقد يبيع الورثةُ ما ورثوا، ومنهم الغائب والقاصي فلم يطلع فيبيع مكانه فيكون بيعُه بيعَ براءةٍ (٦).
وأما القدر الذي تصح البراءة منه، فقال مالك -في كتاب محمد -: ليس فيه حدٌّ لصغرِ عيبٍ ولا لِكِبرِه (٧). وقال -في كتاب ابن حبيب-: يبرأ وإن أتى العيب على جُلِّ ثمنه (٨). وعن المغيرة أنه قال: إن جاوز العيب ثلث ثمنه،
стр. 4458
رد (١). وقال ابن القاسم عن مالك: أنه رجع إلى أنه لا يجوز إلا أن يكون خفيفًا (٢). يريد: أنه كان يجيزه وإن كان كثيرًا.
وأما مراعاة البائعين فساوى بينهم في الإجازة والمنع مرة، وفرق مرة فأجازه إن كان بيع السلطان للغرماء ولأهل الميراث؛ لأن الديون تقضى والوصايا تنفذ (٣)، وقال أيضًا: إنما كانت البراءة لأهل الديون يفلسون، فيبيع السلطان عليهم (٤).
وذكر ابن القاسم: أنه اختلف قوله في بيع السلطان (٥)، قال سحنون: وكان قوله القديم في بيع الرقيق بيع ميراث، وبيع سلطان على من قد فلس: إن أصاب بهم عيبًا أو ماتوا في الأيام الثلاثة، أو أصابهم جنون أو جذام أو برص في السنة، لزم المشتري. يريد: أنه اختلف قوله في ذلك وإن كان بيع سلطان. وقال أيضًا -فيمن فلس فاشترى رجل من السلطان عبدًا، فأصاب به عيبًا-: رده على الغرماء.
فأما إجازته البراءة في سائر المبيعات، ومن جميع البائعين، وفي قليل العيب وكثيره، فاستسلامًا لما ذكره ابن حبيب من العمل.
ومنع ذلك جملة في القول الآخر؛ لأنه غرر، يقول: إن كان سالمًا فلك، وإن كان معيبًا فعليك. ومعلوم أن ثمن المعيب غير ثمن السالم، فقدم
стр. 4459
القياس. وفرق في القول الآخر بين القليل والكثير، لعظم الغرر في الكثير، وخفته في اليسير.
وفرق بين الحيوان وغيره؛ لأن الغالب من الحيوان أنه يُطَّلَع على عيبه، فالعبد يذكر ما يجده أو يظهر المرض عليه، والدابة يظهر ما يرى من كللها أو قلة أكلها، والغالبُ إذا لم يظهر ذلك السلامةُ، وليس كذلك الثوب إذا كان مطويًّا، فلا يدري البائع ولا المشتري على ماذا وقع البيع، فرأى أنَّ الغررَ ينتفي عن الحيوان والرقيق، ورأى مرة أن ذلك يعلم من الرقيق؛ لأنه يخبر عن نفسه بخلاف غيره من الحيوان.
وقال أبو محمد عبد الوهاب: وجه التفرقة أن الرقيق يخفون عيوبهم، فلا يصل المالك إلى علم ذلك، وسائر الحيوان بخلافه؛ لأنه لا قدرة له على كتمان عيوبه (١). فعكس العلة وليس كذلك.
وقد أبان مالك وجه المنع، فقال -في كتاب محمد-: إنما رأيت أن لا تنفع البراءة في الثياب والحيوان؛ لأنه مما لا تستطاع معرفته (٢). وقال: لا أحب البراءة في رأس لم تطل إقامته ولم يخبره (٣). ولا شك أن الغررَ فيما لا يكتم عيوبه وطال ملكه فلم يعلم منه عيبًا أخفُّ مما يكتم عيوبه ولم تطل إقامته.
وأما تفرقته بين بيع الإنسان لنفسه، وما يقسم ثمنه للغرماء والوصايا، فلأن فيه ضربًا من الضرورة، وكل هذا في تفرقته بين ما تمكن معرفة عيبه وغيرها وبين ما يفرق ثمنه أو لا يفرق - جنوحٌ إلى تقدمة القياس، وأن ما كان
стр. 4460
عليه العمل ليس على عمومه، وأنه في بعض التملكات مما يرتفع فيه الغرر أو الضرورة.
وأما البراءة من عهدة الثلاث، أو السنة فهو أخف؛ لأن حمى الرِّبْع من النادر، وكذلك الجنون والجذام والبرص، ولو علم من رجل الصلاحَ والخيرَ. فقال- فيما طال ملكه لم أختبره وما علمت فيه إلا خيرًا، أو باع على البراءة، لجاز في جميع المبيعات، حسبما ذكر عن الضرر الأول.
قال مالك: إن لم يعلم المشتري أنه بيع ميراث أو بيع سلطان حتى استوجبه، كانت له العهدة إلا أن يستفاق لذلك، فَيُخَيَّرُ المشتري إن شاء أخذه بالعهدة، وإن شاء رد مكانه (١).
وأرى إن علم المشتري أنه بيع سلطان أو ميراث، أو جهل أن ذلك بيع براءة، أن تكون له العهدة، ولا أرى أن يبيع السلطان بالبراءة حتى يسأل الذي يباع عليه، هل علم به عيبًا أم لا؟ فإن قال: لا عيب به، ثم قال بعد البيع: علمت فيه ذلك العيب، لم يصدق. وإن لم يسأل عنه ولم يعلم بالعيب، صدق. وإن كان حاضرًا للبيع ولم يسأل ولم يذكر أنه عالم بالعيب، وهو عالم أن البيع بيع براءة إلا ما علمه، لم يصدق وإن كان يجهل أن ذلك بيع براءة، وقال: سكت وأنا عالم بالعيب، بمنزلة لو كنت أنا البائع لنفسي دلست به، يحلف ورد البيع وانتزع من الغرماء الثمن.
وقال ابن القاسم -فيمن اشترى عبدًا من مال رجل قد فلسه السلطان- قال: قال مالك: يرده على الغرماء (٢). وهذا أحد قوليه أنه لم يرَ بيعَ السلطان
стр. 4461
بيعَ براءةٍ، ولا تصح البراءة فيما علمه البائع أو السلطان أو الوصي، وللمشتري أن يرده إذا لم يصدق المفلس أنه كان عالمًا بالعيب. ولم يكن للمشتري أن يرد على الغرماء، على أحد قولي مالك أنه بيع براءة، فإن له أن يرده على البائع ويباع له على ملك المفلس، ويتبعه بما عجز متى أيسر.
ومن باع عبدًا بالبراءة ثم وجد المشتري عيبًا قديمًا، كان له أن يحلف أنه لم يعلمه، قال محمد: فإن نكل رد عليه (١). قال مالك -في العتبية-: ولو شرط لا يمين عليه كان له شرطه (٢). يريد: إلا أن يكون العيب مما لا يخفى على البائع في المدة التي كان عنده فيها، وعلمه المشتري بالقرب، رده.
واختلف في العيب المشكوك فيه، فقال ابن حبيب: لا يمين على البائع، خفيًّا كان أو ظاهرًا (٣). وقال ابن القاسم -في العتبية-: يحلف فإن نكل رد من غير يمين على المشتري (٤). وأرى أن يحلف ويرد الثمن إن نكل.
وقال مالك -فيمن اشترى عبدًا بالبراءة، وباعه على العهدة ولم يخبر أنه اشتراه بالبراءة-: فللمشتري أن يرد إن أحب (٥). وقال -في العتبية-: لا بأس بذلك، ومن ابتاع على العهدة فلا يبيع على البراءة (٦). وإنما منع أن يبيع على البراءة إذا اشترى على العهدة؛ لأنه لا يحسن أن يكون ذلك المبيع من المشتري الآخر، إن حدث به جنون أو جذام أو برص، ويرجع هو بجميع الثمن فيكون
стр. 4462
قد أخذ فيه ثمنين، أو بقيمة العيب على القول الآخر. وكذلك في عهدة الثلاث إذا اشترى على العهدة، ثم باعه من يومه بالبراءة، فيموت في الثلاث فيبقى في يديه ثمن الثاني، ويرجع على الأول بالثمن الذي دفع إليه.
وقال ابن القاسم -فيمن ابتاع عبدًا على البراءة ثم باعه على العهدة، ثم وجد الثالث عيبًا-: رده على الأوسط وليس على الأول إلا يمينه (١).
وقال ابن كنانة -في عبد تداوله ثلاثة نفر بالبيع على البراءة، فوجد الآخر عيبًا كان عند الأول-: حلف الأوسط أنه ما علمه وليس بين الآخر والأول عمل. وقاله ابن القاسم (٢).
ولم يختلف في العلي من الجواري وسواء في ذلك بيع السلطان أو غيره، إلا أن تكون ملكًا لامرأة أو صبي أو بيعت في السبي.
стр. 4463
باب في عهدة ما يبيعه الرجل لغيره كالوكيل والوصي والقاضي
البائع لغيره سبعة: سمسار، ووكيل على معين، ووكيل مفوَّض إليه، ومبضع معه، ومقارض، وشريك في معين، وشريك مفوض.
فأما السمسار يستحق ما باعه، أو يوجد به عيب فلا عهدة عليه، والتباعة على المبيع له إن عرف، وإن لم يعرف كانت مصيبة ذلك من المشتري.
وأما الوكيل على شيء بعينه، فعليه التباعة إن لم يبين أنه وكيل، فإن بَيَّن فلا شيء عليه.
وكذلك الوصي يبيع على من يلي عليه النفقة، أو لبعض مؤنه ويبن ذلك فلا تباعة عليه، وإنما يرجع في عين ذلك الثمن إن وجد قائمًا، فإن أنفقه على من يلي عليه لم يكن عليه شيء، وأجيز البيع على هذه الصفة، أنه متى وجد عيبًا أو استحق المبيع بعد إنفاق الثمن على اليتيم، أن لا شيء له للضرورة. وبيع القاضي كبيع الوصي في أن لا تباعة عليه.
ويفترق الجواب فيمن صرف إليه الثمن، فإن كان البيع للإنفاق على الأيتام أو للصدقة، رجع على من قبض الثمن إن كان قائمًا في الاستحقاق والعيب، وإن أنفقوه لم يرجع عليهم بشيء. ولو اشترى به رقبة وأعتقت، كان في رد العتق قولان: فقال -في كتاب الوصايا من المدونة-: يرد العتق (١). وقال -في كتاب محمد-: لا يرد ويغرم الوصي (٢). والأول أحسن، وإن كان
стр. 4464
البيعُ لإنفاذِ ديونٍ على مفلسٍ، رجع على الغرماء كان المال قائمًا أو استهلكوه أو ضاع منهم.
وبيعُ العاملِ في القراض كبيعِه لملك نفسه, وهذه العادة أنه إنما يعامل على ذمته، فإن هلك ذلك المال رجع على ذمته، وكذلك إن دفع المال إلى صاحبه، كان المشتري بالخيار بين أن يتبع العامل أو صاحب المال، ما لم يجاوز ما قام به المال الذي رجع إلى صاحبه، فليس له إلا ما رجع إليه، ويتبع العامل بالعاجز.
وبيعُ الشريكِ إذا كانت الشركةُ في شيء بعينه، وأخبر حين البيع أنه بينه وبين فلان، كان كبيع من تقدم إذا كان وكيلًا على معين، لا شريك فيه ولا تباعة عليه في نصيب شريكه. وإن كانت الشركة في غير معين، كان بمنزلة من باع ملك نفسه، فللمشتري أن يرد عليه ويأخذ جميع الثمن. وإن تجر الوصي ليتيمه اتبعت ذمته، كالوكيل المفوَّض إليه والعاملِ بالقراض، وهو في هذا بخلاف ما يبيعه للإنفاق على اليتيم؛ لأن هذا ضرورة، وهذا لا ضرورة فيه.
ويفترق الجواب أيضًا في تعلق اليمين على من لا عهدة عليه في اليمين، فيسقط في الاستحقاق إلا أن يقوم دليل تهمة أنه كان عالمًا، وتسقط اليمين في العيب عَمَّن هو معروف بالسمسرة.
واختلف في الوكيل إذا باع وأخبر أنه وكيل، فقال -في المدونة-: يحلف (١). وقال -في كتاب محمد-: لا يمين عليه (٢)؛ لأنه لو أقرَّ أنه كان عالمًا بالعيب لم يرد البيع. وأما المفوض إليه والمقارض وأشباههم فعليهم اليمين.
واختلف بعد تسليم القول بوجوب اليمين إذا اشترط ألا يمين عليه؛
стр. 4465
فقال مالك -في كتاب محمد، فيمن وَكَّل على بيع سلعة فباعها على أن لا يمين عليه، ثم وجد بها عيبًا- فقال: لولا أني أقطع السُّنَّة لرأيت ذلك (١)، قد استحلف عثمانُ عبدَ الله بنَ عمر.
وأما الرجل الوصي المأمون الذي يعرف بالحال، وأنه يقول: لا أحب أن أحلف لقوم آخرين، فأرى ذلك له، ولولا أن السنة في ذلك اليمين لرأيت ذلك، ثم قال: أما الوصي والوكيل فذلك له (٢). وبهذا أخذ محمد.
стр. 4466
باب في عهدة الثلاث
عهدة الثلاث تصح في الرقيق خاصة دون سائر الحيوان، وقال ابن وهب: أخبرني مسلمة بن علي، عن رجل، عن عقبة بن عامر الجهني قال: قال رسول الله ﷺ : "عُهْدَةُ الرَّقِيقِ أَرْبَعَةُ أَيَّامٍ، أَو ثَلاَثَةٌ" (١)، شك أيّ ذلك قال.
وقد قيل: ذلك لحمى الرِّبْع، فإن كان ذلك فقد يحمل الحديث على ما كان بالمدينة من الحمى قبل أن يدعو النبي ﷺ أن تنتقل إلى الجحفة، فإن اشترط المشتري عهدة الثلاث وكانت تلك العادةَ، حُمِل عليها.
واختلف إذا شرط إسقاطها أو كانت تلك العادة فقيل: البيع جائز ولا عهدة بينهما. وقيل: الشرط باطل ورآه شرطًا فاسدًا لا يوفى به، وإذا كان فاسدًا كان البيع فاسدًا، على القول في الشرط هل يفسد لأجله البيع؟ وأرى البيعَ جائزًا ولا عهدةَ له؛ لأنَّ الغالبَ السلامة، وغير ذلك نادرٌ، وإذا بيع على العهدة كانت المصيبة والعيوب الحادثة في الثلاث، العهدة من البائع، أيّ عيب كان، كالأمة توقف للاستبراء، فيحدث بها عيب ثم يتبين أن لا حمل بها كانت من البائع، ولو قيل في الأمة: إنها من المشتري، لكان وجهًا.
واختلف إذا وجد العبد بعد الثلاث ميتًا أو به عيب، ولا يدرى كان ذلك في الثلاث أو بعد، فقال مالك: هو من البائع حتى يعلم أنه خرج من الثلاث سالمًا (٢). وقال ابن القاسم: هو من المشتري حتى يعلم أنه مات أو أصابه ذلك
стр. 4467
في الثلاث (١). والأول أقيس؛ لأن الأصل أنه في ضمان البائع، ووجوده بعد الثلاث على ذلك مشكوك فيه، فلا ينقل عن ضمان الأول بشك، إلا أن يقال: لو مات في الثلاث لتغير.
واختلف إذا تبرأ من الإباق فأبق في الثلاث، فقال مالك -في المدونة-: هو من البائع (٢). وفي كتاب محمد: هو من المشتري (٣). وهذه أشكل من التي قبل؛ لأنه على الحياة وعلى السلامة، حتى يعلم غير ذلك، والأول وجد ميتًا أو معيبًا.
وإذا كان من البائع، كان للمشتري أن يرجع بالثمن بعد الاستيناء عند ابن القاسم (٤). وقال سحنون: لا يستأنى بذلك. والأول أصوب؛ لأن الأمرَ مشكلٌ، فلا يعجل ويتربص. وقال محمد: إن ترادا الثمن ثم وجد العبد لزم البائع، وقد انتقض البيع (٥). وأرى أن يرجع إلى ما كشف الغيب ويلزم المشتري ولا ينتقض البيع.
стр. 4468
باب في عهدة السنة
عهدة السنة من ثلاثة عيوب: الجنون والجذام والبرص.
والجنون على وجهين: أحدهما: ما كان من سبب الطباع وفسادها. والثاني: ما كان من مس الجان. وأيّ ذلك كان فإنه يرد به، وهذا الظاهر من المذهب، وسواء كان الجنون أمرًا لازمًا، أو يذهب المرة ويجيء المرة، كان مطبقًا أو وسوسة.
واختلف إذا كان ذهاب العقل من جناية آدمي، أو أمر دخل عليه مما يعلم أنه محدث، فقال ابن القاسم: إن ضرب رأسه فذهب عقله، لا قيام في ذلك (١).
وقال ابن وهب: إن ذهب عقله من ضربة أو من تَعَدٍّ أو علاج، فهو من البائع (٢). وقال ابن الماجشون: هو من المشتري، إلا أن يعلم أن ذهاب عقله من مس خالطه مع الضرب أو التردي (٣).
وقول ابن القاسم أصوب؛ لأن هذه عيوب محدثة، ولا مقال للمشتري فيما حدث عنده ولم يكن أصله عند البائع، وإنما وجب الرد بهذه العيوب الثلاثة لقدمها، وتقدم ما عند البائع من فساد وتعفن فيحدث كيموسًا (٤) رديئًا، فيفسد عقل هذا، ويجذم هذا، ويبرص هذا.
стр. 4469
وأرى أن ذلك لا يسرع ظهوره، وإن ظهر في السنة كان دليلًا على قدمه، وما حدث عن الضربة أو التردي والعلاج فخارج عن هذا. ولا أرى أن يرد لما حدث من مس الجان بحال؛ لأنه محدث وخارج عما قاله القوم: إن الردَّ بتلك العيوب لقدمها، إلا أن يكون هناك إجماعٌ.
ويرد من قليل الجذام والبرص، ولا يرد من حُمرة ولا من جَرب وإن تسلخ؛ لأنه ليس بجذام، ولا من البهق؛ لأنه ليس ببرص.
واختلف إذا كانت بداية الجذام والبرص في السنة (١)، واستحقاقه في السنة الثانية، فقال ابن كنانة وابن القاسم: لا يرد. وقال ابن وهب وأشهب: يرد (٢) وأرى أن يرجع في ذلك إلى ما يقوله أهل المعرفة بالطب، فإن قالوا: لا يصح أن يكون أصله قبل البيع فتخرج السنة إلا وقد استحق، لم يرد وحمل على أنه حادث، وكذلك إن أشكل الأمر عندهم، ويصح الرد بما يحدث من الجذام والبرص في السنة الثانية أو أبعد من ذلك إذا كان ذلك بأحد أبويه؛ لأنه لا يؤمن ظهور مثله بالابن وإن بعد سنين. وإن جن في السنة ثم ذهب فيها، كان للمشتري أن يرد؛ لأنه لا تؤمن عودته (٣). واختلف في الجذام والبرص إذا ذهب بعد ظهوره، فقال ابن القاسم: لا يرد، إلا أن يقول أهل المعرفة: لا تؤمن عودته (٤). وقال ابن حبيب: يرد؛ لأنه لا يؤمن كالجنون (٥).
стр. 4470
فصل [فيمن أعتق أو أولد الأمة في السنة ثم ظهر جنون أو جذام أو برص]
اختلف إذا أعتق المشتري العبد، أو أَوْلَدَ الأمة في السنة، ثم ظهر بها جنون أو جذام أو برص، فقال ابن القاسم -في كتاب محمد-: لا يرجع المشتري بشيء، وأرى أن ذلك رضًا بإسقاط العهدة (١). وقال -في كتاب ابن حبيب-: يرجع. وقاله ابن كنانة وأصبغ (٢).
واختلف بعد القول: إن له القيام، فقال ابن القاسم -في كتاب محمد-: لا يرجع المشتري بشيء. ورأى أن ذلك رضًا من المشتري بإسقاط العهدة وقال في كتاب ابن حبيب: يرجع بالثمن كله. -وقال مرة: يُرَدُّ العتقُ- (٣). وقاله ابن كنانة في العتبية (٤). وقال أصبغ: يرجع بقيمة العيب (٥). وهو أحسن؛ لأن البائع غير مدلس، ولا يعد ذلك منه رضًا بإسقاط العهدة؛ لأنه لا يختلف أن المشتري غير ممنوع من الوطء والإيلاد والعتق لأجل عهدة السنة، ولو اشترى على أنه ممنوع من ذلك لكان بيعًا فاسدًا.
وقد يحمل القول في الرجوع بجميع الثمن، أن العبد بعد عهدة العيوب لا ثمن له.
стр. 4471
كتاب البيع على الصفة
النسخ المقابل عليها
١ - (ف) = نسخة فرنسا رقم (١٠٧١)
стр. 4472
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
صلى الله على سيدنا محمد
وآله وصحبه وسلم
كتاب البيع على الصفة أو على رؤية تقدمت (١)
البيع يجوز على وجهين على الصفة وعلى الرؤية، واختلف في آخر وهو البيع على خيار المشتري من غير رؤية تقدمت ولا على صفة، والمبيع شيئان حاضر وغائب، فالمبيع على رؤية تقدمت يجوز في الحاضر والغائب قريب الغيبة، أو بعيد الغيبة (٢).
واختلف في المبيع على الصفة في خمس مسائل: في بيع ما هو حاضر في أيديهم، أو غائب في بيته معهم في البلد، أو غائبة عن البلد الغيبة القريبة، أو ساج مدرج في جرابه أو مشدود عليه فيبيعه على البرنامج (٣).
فأجاز في العتبية ما هو حاضر بين أيديهما على الصفة فقال في من قال: في هذا الصندوق كذا وكذا ثوب من صفة كذا، فيبيعه فيذهب به المشتري، ويغيب عليه ثم يقول: وجدتها مخالفة للصفة، فلا يصدق وقد لزمه البيع (٤)، وأجاز في المدونة ما هو في بيته على الصفة (٥)، ومنع ذلك في كتاب محمد، وقال:
стр. 4473
أن لا خير في بيع دابة بعينها حاضرة في الدار على الصفة، قال محمد: لأنه قادر على النظر (١).
وقال مالك في مختصر ما ليس في المختصر: لا تباع السلعة الحاضرة -ولا الغائبة عن مشتريها يوم (٢) - على الصفة ولا على برنامج.
وقال في الموطأ في البيع على البرنامج: يجوز وذلك الأمر المجتمع عليه والذي لم يزل الناس يجيزونه فأجاز ذلك مرة للعمل (٣).
وقال ابن حبيب: يجوز بيع الأعدال على البرنامج لكثرة الثياب وتعظم المؤونة في فتحها، ولا يجوز بيع الساج المدرج في جرابه على الصفة وفرق بين المسألتين (٤).
وفي كتاب محمد في بيع الساج على الصفة قولان فمنعه مرة، وقال في موضع آخر لا بأس إذا وصفه أو على أن ينظره (٥).
قال الشيخ: المعلوم من الصفة أنها لا تأتي على ما تأتي به المعاينة وكثير ما يوصف للإنسان الثوب أو العبد، فإذا أحضر لم يجده على ما كان يصور في نفسه عند الصفة، وإذا كان ذلك لم يجز البيع على الصفة مع القدرة على الرؤية
стр. 4474
إذا كان معه في البلد، وهو في ما كان معه حاضرًا بين أيديهم أبين في المنع؛ لأنَّ العدول عن النظر إلى الصفة قصدًا للمغارّة ولا أفسخ ما كان على يوم.
وأما بيع العدل على البرنامج فأجازه مالك مرة للعمل ومرة قدم القياس؛ لأن الشدّ لا يتكلف فيه كثير أجرة ولأن المشتري يفتحه بإثر ذلك إلا أن يكون متاعًا معلومًا مثل ما يقال شقاق فلان وما قد عهده الناس أنه لا يختلف.
وأما الساج المدرج، فإن كان لا مضرة في إخراجه ورده جرى على الخلاف في بيع الحاضر على الصفة، وإن كان في رده فساد متى أخرج ولم (١) المشتري جرى على الخلاف في بيع البرنامج.
فصل [في خيار المشتري على الصفة]
واختلف في البيع على خيار المشتري من غير رؤية، فقال سحنون: أجازه جل أصحاب مالك وأجازه ابن القاسم في من اشترى زيتونا قبل عصره ولا يدرى كيف خروجه إذا كان بالخيار بعد عصره (٢).
وذكر أبو الحسن ابن القصار وأبو محمد عبد الوهاب أن ذلك غير جائز إذا كان البائع عارفًا به والمشتري جاهلا به (٣).
فيجوز أن ينعقد البيع على رفع الخيار من ناحية البائع؛ لأنه عارف وعلى أن الخيار للمشتري بعد نظره وما عقد عليه الصفة فلا غرر فيه، وإن كان المشتري عارفا به, والبائع يجهله جاز أن يعقدا على أن البيع منعقد من ناحية
стр. 4475
المشتري والخيار للبائع.
ولو أبق عبد لرجل وطالت مدته وتغيرت صفته فوجده رجل فاشتراه من سيده أو صار للبائع بالميراث، وهو لا يعرفه فاشتراه منه من يعرفه، جاز.
والبيع على الصفة يجوز إذا كان المشتري ممن يعرف ما وَصَفَه، فقد يكون بعض المبيعات مما تغمض صفته, وليس كل الناس ممن يعرف أن يحلي، يصف المبيع ولأن شرط البيع على الصفة أن يصف صفة تقوم مقام المعاينة أو ما يقارب ذلك.
ويجوز شراء الأعمى على الصفة إذا كان بصيرا ثم عمي.
واختلف إذا خلق أعمى فمنع أبو جعفر الأبهري ذلك وأجازه أبو محمد عبد الوهاب.
وأرى أن يجوز فيما يرى أن مثل ذلك يلزم القلب معرفته للمباشرة لمثله مثل الملابس وما يتكرر عليه لبسه ومالا يتبين ما يجوز أن يخفى عليه منه، وإن كان على غير ذلك كالألوان والجمال في الجواري لم يجز؛ لأنا نعلم أنه لو كشف عن بصره وقيل له في لون ما هذا؟ لم يعرفه، وهو في الجمال أبين في خفاء ذلك عليه، ويصح شراؤه فيما العادة في شرائه الذوق والشم كالزيوت والأدهان في البصير شراؤها على ذلك، وقد يستخف شراؤه بالمس في الشاة وما أشبهها إذا أخبر عن سنها؛ لأن ذلك الذي يعول عليه البصير وقد أجاز أشهب في كتاب محمد أن تشترى أرطالا من شاة بعينها إذا جسها وعلم نحوها فهو في شرائه على الحياة أخف.
стр. 4476
باب في اختلاف المتبايعين في ما بيع على الصفة تقدمت هل هو على ما تبايعا عليه ؟
وإن بيع غائب على صفة، ثم قال المشتري لمَّا أُحضره: كنت وصفت لي ما وصفت على غير ما هو عليه، كان القول قول المشتري مع يمينه، ويرد إلا أن يذكر المشتري صفة لا يشبه أن يكون ثمنها ما وقع به البيع.
وإن اتفقا على الصفة التي تبايعا عليها واختلف هل هذا داخل في تلك الصفة لزمه وإلا لم يلزمه، وكذلك لو تقدمت للمشتري رؤية في ذلك المبيع، وانتقل عنها مثل أن يكون صغيرا فكبر ثم عقد البيع على صفة ما انتقل إليه ثم اختلفا فقال المشتري: وصفت لي صفة غير هذه كان القول قوله يحلف، ويرد؛ لأن تلك الرؤية سقط حكمها وصار البيع على صفة.
واختلف إذا عقد البيع على رؤية تقدمت ثم قال المشتري تغير عنها، وقال البائع لم يتغير فقال ابن القاسم القول قول البائع، وقال أشهب القول قول المشتري (١).
وأرى إذا أشكل الأمر هل يتغير فيما بين رؤيته إلى حين إحضاره أو (٢) يكون القول قول البائع على ما ريء عليه حتى يثبت انتقاله عنه وتغيره وإلى هذا ذهب ابن القاسم، وروى أشهب أن المشتري غارم فلا يغرم بالشك، وإن قرب ما بين الرؤيتين مما يقال: إنه لا يتغير في حال مثله كان القول قول البائع قولًا واحدًا وكذلك إذا بعد ما بينهما مما يقال: إن ذلك المبيع لا يبقى على حال
стр. 4477
ما كان ريء عليه كان القول قول المشتري؛ لأنه دليل وشاهد لقوله، وقد يسقط اليمين عن البائع إذا قطع بكذب المشتري في مثل أن يشتري زيتا أو قمحا بالأمس، ويقول اليوم قد تغير الزيت واحمر وتسوس الآخر.
واختلف في من باع جارية بها ورم كان رآه ثم اختلفا هل زاد، فقال ابن القاسم: القول قول البائع، وقال أشهب: القول قول المشتري (١).
وهذا الاختلاف يحسن إذا أشكل الأمر فيما بين الرؤيتين هل ينتقل؟ ولو كان اشترى بأثر ما رآه كان القول قول البائع، وإن طال ما بين ذلك مما يرى أنه لا يثبت على ما كان رآه كان القول قول المشتري إلا أن يكون ذلك في هبوط ونقص فلا يقبل قوله أنه زاد.
فصل [في حدوث العيب أو هلاك المبيع]
وإن اختلفا في هلاكه أو حدوث عيب به، فقال البائع كان ذلك بعد البيع، وقال المشتري قبل البيع فعلى القول إن ما حدث بعد البيع وقبل القبض من المشتري كان القول قول المشتري أنه قبلُ حتى يعلم أنه حدث بعدُ، وكذلك إن أدى البائع أنه مات بعد وجوب البيع، وقال المشتري: لا علم عندي، كان من البائع، حتى يعلم أنه هلك بعدُ.
قال ابن القاسم: ولا يمين على المشتري. قال: وإن قال البائع والمشتري لا علم عندنا حتى مات كان من البائع (٢)؛ يريد: لأن الأصل أنه في ضمان البائع حتى يثبت انتقال ضمانه عنه.
стр. 4478
وقال ابن حبيب: اشترط البائع على المشتري إن أدركته الصفة ثم وجد به وقت القبض عيب مشكوك فيه هل هو قديم أو حديث فهو على محدث حتى يعلم أنه قديم والأول أصوب؛ لأن الأصل أنه في ضمان البائع فلا ينتقل عن ضمانه بالشك (١).
وقال ابن القاسم في كتاب محمد في من اشترى عبدًا على أنه بالخيار ثلاثة أيام فوجده ميتًا بعد انقضاء أيام الخيار فقال البائع: هلك بعد أيام الخيار، وقال المبتاع: قبل أيام الخيار، فالقول قول البائع، وهذا مثل قول ابن حبيب. وأصل ابن القاسم المتقدم أنها من البائع حتى يعلم موته بعد ذلك إلا أن يقوم دليل على أنه هلك بعد، وأنه لو هلك قبل لتغير وفسد وكذلك إذا قال المشتري لا أدري متى هلك، وقال البائع هلك بعد أيام الخيار لم يقبل قوله.
واختلف فيمن اشترى عبدًا آبقًا على عهدة الثلاث، وتبرأ البائع من إباقه، فأبق في الأيام الثلاث، ثم وجد ميتًا أو معيبًا، ولا يدرى هل كان في أيام العهدة أو بعد فاختلف فيه هل يكون من البائع أو من المشتري، وهذا كله أصل واحد، وأن يكون على الضمان الأول حتى يثبت انتقاله أحسن.
стр. 4479
باب في من اشترى غائبًا فهلك بعد البيع وقبل القبض (١)
اختلف في ذلك على أربعة أقوال، فقال مالك مرة: المصيبة من البائع أي صنف كان المبيع الديار وغيرها، وقال في كتاب محمد في الديار: المصيبة من البائع (٢)، وقال مرة: المصيبة من المشتري في المبيع كله، وقال أيضا الديار والعقار من المشتري وما سوى ذلك من البائع (٣).
وقال ابن حبيب: الديار والعقار من المشتري، وما كان من سواه قريب الغيبة يجوز اشتراط النقد فيه - مصيبته من المشتري، وما كان بعيد الغيبة لا يجوز النقد فيه فمصيبته من البائع، وإذا كانت المصيبة من المشتري، فإنه يجوز أن يشترط أن يكون في ضمان البائع، حتى يشترط أو حتى يقبضه المشتري.
واختلف على القول: إن المصيبة من البائع هل يجوز أن يشترط مصيبته من المشتري، فأجازه في المدونة (٤)، وقال في العتبية: لا يجوز بيع الطعام على شرط إن أدركته الصفقة مثل الزرع القائم إذا يبس واستحصد (٥).
ورآه بمنزلة من اشترى ما فيه سقي على أن لا جائحة، وبمنزلة من اشترى ما فيه عقد إجارة؛ لأن الإجارة تمنع من التصرف في الحاضر كمنع التصرف
стр. 4480
من أجل الغيبة، فمن كان بإفريقية فاشترى عبدا بمصر غير قادر على التصرف فيه بالوجه الذي يقصده فيه المشتري من الاستخدام والوطء والركوب، فهذه عهدة ما يقصده المشتري، ولا يعترض هذا بأنه قادر على الهبة؛ لأنه ليس يقصده المشتري ولا بالقدرة على البيع، وليس الغرض أن يشتري ليهب أو ليبيع قبل الوصول إليه، وإنما يحمل الناس على الغالب من مقاصدهم، وقد تأول ابن القاسم قول مالك أنه على الطعام المخزون ونص مالك خلاف ذلك (١)؛ لأنه قال في الزرع إذا كان قائما وإذا جاز أن يشترط أحدهما ذلك على الآخر فلم يفعل، وأراد بعد العقد أن يشترط ذلك كان فيها قولان فقيل يجوز لفعل عثمان وعبد الرحمن وقيل: لا يجوز، وأنهما كانا متساويين.
وقال أصبغ في كتاب محمد في من باع دابة ثم تبرأ من عيوبها بعد العقد بشيء أخذه لا يجوز ذلك إلا في الرقيق، وقال في كتاب ابن حبيب: يجوز ذلك في الجارية؛ لأنه يجوز فيها البراءة، فعلى هذا يجوز نقل الضمان بعد العقد، والقياس ألا يجوز؛ لأنه ضمان بجعل وغرر إن سلم المبيع وكان الجعل للبائع كان من أكل المال بالباطل.
وقد اختلف قول مالك في هذا الأصل فمرة يقدم القياس ومرة يقدم العمل، والحكم في مصيبة ما بيع على رؤية تقدمت وهو غائب - على ما تقدم إذا بيع على صفة من غير رؤية تقدمت، وهذا إذا كان الشراء على تصديق البائع، فأما إذا كان على الوقف وعلى أنه إن كان على الصفة كان للمشتري أو على أن يختبر، فإن المصيبة من البائع، وكذلك إذا اشترى دارًا على قياس أذرع، أو أشجارًا على عدد -على إن كان عددها كذا وكذا- كانت للمشتري،
стр. 4481
والمصيبة في جميع ذلك من البائع، وذلك فيه كالوكيل.
وقال محمد في من اشترى زرعًا قد استحصد فدانين على أن تقاس الأرض ليعرف كم فيها، فإن كان كنه (١) من حصاده، ثم تقاس الأرض كانت مصيبته من المشتري؛ لأن للمشتري أن يبيعه قبل حصاده، ولو كان القياس قبل حصاده كانت المصيبة من البائع (٢). ويختلف هل للمشتري أن يبيعه قبل ذلك؟.
стр. 4482
باب [في النقد في الغائب أو الحاضر ومن اشترى على رؤية تقدمت]
شروط النقد في الغائب على ثلاثة أوجه، فإن كان المبيع ديارًا أو عقارًا جاز شرط النقد، وإن بعدت، وإن كان حيوانًا أو ثيابًا وهي بعيدة أو قريبة وهو بعيد العهد برؤيتها لم يجز (١).
واختلف إذا كانت قريبة وهو قريب العهد برؤيتها فأجاز مالك في المدونة النقد في الزرع، وإن كان على يومن، وقال ابن القاسم أصل قول مالك أن من باع عروضا أو حيوانا أو ثيابا بعينها فلا بأس بالنقد إذا كان قريب الغيبة، وقال في كتاب محمد إذا كان على مثل اليوم واليومين جاز طعامًا كان أو غيره، وقاله أشهب.
وقال مالك أيضا في الطعام وشبهه: يجوز النقد إذا كان على مثل اليوم ونحوه، وقال ابن وهب كره ذلك مالك في الطعام، وإن كان على نصف يوم قال؛ لأنه يسرق، ويفسده المطر إلا أن يكون قريبا جدا.
وقال ابن القاسم عنه لا يجوز في الحيوان إلا أن يكون على مثل البريد والبريدين.
وروى عنه ابن عبد الحكم أنه قال لا ينبغي أن يرد في الحيوان أقرب أو أبعد (٢).
стр. 4483
قال الشيخ ﵁: أما الثياب والطعام المخزون فالصواب أن يجوز فيه النقد وإن كان على يومين أو ثلاث لأن السرقة وتغيره في مثل ذلك نادر.
وأما الزرع القائم فيجوز إذا كان على يوم أو بعض يوم وعلى هذا الوجه تكلم مالك في الطعام؛ لأنه قال يصيبه المطر. وكذلك في الثياب إذا كانت على القصارة على البحر والحيوان في الرعي فبعض يوم يجزئ.
فصل [في بيع الحاضر على رؤية تقدمت]
وإن بيع حاضر أو غائب على رؤية تقدمت فإن بعدت الرؤية مما يمكن أن يتغير فيه لم يجز شرط النقد وإن لم يشترط النقد جاز.
وإن بيع الغائب على صفة غير البائع وكان ممن يوثق بقوله كان الجواب على ما تقدم إذا اشتري على رؤية نفسه، وإن كان على صفة البائع أو غيره ممن لا يوثق بقوله لم يجز وذلك غرر؛ لأنه لا يُدْرَى أصدق أو كذب إلا أن يكون البائع معروفًا بالعدالة والخير وقلة الحرص.
وإن اشترط النقد بوجه جائز ثم لم يصح البيع رجع في الثمن إن كان عينًا أو مما يكال أو يوزن، وإن كان عرضًا أو عبدًا وفات بحوالة أسواق أو عيب رجع في قيمته وتعجيل النقد بغير شرط جائز إذا كان الثمن عينًا أو مكيلًا أو موزونًا أو عبدًا أو ثوبًا أو ما أشبه ذلك مما يجوز قبضه، ولا يجوز إذا كان دارًا أو منافع دار ولا جارية ولا جزافًا لأن تعجيل الثمن بغير شرط قرض وإذا كان شرط النقد كان بيعًا ولا يجوز أن يتطوع بنقد ما لا يجوز قرضه فأما الديار ومنافعها فإنه لا يستطاع رد المثل في تلك المحلة ويدخل الجواري في عارية الفروج، وأما الجزاف فإنه لا يعلم هل الثاني مثل الأول وكذلك إذا كان الثمن
стр. 4484
التبر ذهب فإن تطوع المشتري بالنقد ثم لم يصح البيع رجع بمثل ما دفع لا قيمته لأنه قرض فاستوى فيه الكيل والموزون والعبد والثياب.
ولو عجل الثمن على أن يرجع بالقيمة إذا لم يجد الغائب لم يجز؛ لأنه بيع على قيمة مجهولة، وإن لم يشترطا في حين التعجيل الرجوع بالقيمة ولا المثل وكانا يظنان أن الحكم الرجوع بالقيمة حمل ذلك ورجع بالقيمة كالبيع فاسدًا إذا كان الثمن عبدًا أو ثوبًا.
стр. 4485
باب في من اشترى غائبا هل يوقف ثمنه
وقف ثمن الغائب على خمسة أوجه فإن كان الثمن عينًا والمشتري موسرًا لم يوقف، وإن كان معسرًا يخشى ناحيته ما بينه وبين الغائب وقف، وإن كان الثمن عرضًا أو ما أشبهه مما لا غلة له أو ما يكال أو ما يوزن وقف؛ لأن المشتري قد تعلق له فيه حق ويخشى أن يدرك البائع ندم فيدعي ضياع ذلك.
وإن كان الثمن عبدًا من عبيد الخراج بقي في أعماله على حاله ثم يختلف لمن يكون خراجه؟ فعلى القول إن المصيبة من البائع يكون له قبض خراجه الآن وعلى القول إن المصيبة من المشتري يوقف الخراج فإن سلم الغائب أخذه المشتري وإلا رد إلى البائع ونفقته الآن على البائع فإن صار الخراج للمشتري طلبه بالنفقة.
وإن كان من عبيد الخدمة بقي في خدمة بائعه على القول إن مصيبته منه لأنه مما لا يغاب عليه ولأن وقف سيده عنه مضرة عليه وعلى القول إن مصيبته من مشتريه يوقف البائع عن استعماله.
وإن كان الثمن دارًا كان الجواب فيها على ما تقدم في العبيد ينظر هل هي دار غلة أو سكنى؟ فإن هلك الثمن في حال الوقف كان مصيبته ممن يصير إليه، وإن هلك قبل وقفه لم يرجع أحدهما على الآخر بشيء.
وإن سلم الغائب أخذه مشتريه وكانت مصيبة الثمن من البائع، وكذلك إن هلك الثمن قيل يوقف على القول: إن مصيبته من المشتري وأما على القول إن مصيبته من البائع فيفسخ البيع الآن ولا ينظر إلى الغائب هل هو سالم أم لا؟