وكانا قائمين، فالخلاف المتقدم فيها (١) راجع إلى أنه هل يعذر بالنسيان؟
وقد اختلف في هذا الأصل فيمن أودع مائة دينار فادعاها رجلان، هل يعذر بالنسيان؟ وتكون المائة بينهما، أو لا يعذر ويغرم لكل واحد منهما مائة، فرأى مالك أنه: لا يعذر بالنسيان، ويغرم لكل واحد ثمنه إذا حلفا، أو يسلم الجيد منهما لهما، ويغرم لكل واحد نصف ثمنه (٢).
ورأى ابن كنانة أنه: لا يغرم (٣) ويعذر (٤) بالنسيان، فيقسمان الجيد بعد أيمانهما، ويحلف المشتري على الآخر، أنه أحد الثوبين الذي اشترى منهما ويبرأ، ويقسمانه إن أحبا وإلا وقف حتى يدعو إلى قسمتمه، وإن قطع أحدهما وأنكر كل واحد الباقي، وأنكر أيضًا المقطوع؛ لأن القطع غيّره، وقال المشتري: لا أعلم أيهما هو، غرم لكل واحد ثمنه، وعلى هذا تكلم ابن كنانة. وإن ادعى كل واحد أن (٥) المقطوع أنه (٦) له، عاد الجواب إلى ما تقدم، فعلى قول ابن كنانة، يغرم لكل واحد نصف ما اشترى منه به، وكان الباقي بينهما (٧)، وعلى قول مالك يغرم ثمنه مرتين، إلا أن تكون القيمة أقل، وعلى هذا الوجه تكلم مالك في كتاب ابن حبيب.
стр. 4587
فصل (١) [في المشتري بالخيار يدعي إباق العبد، أو تلف الدابة]
وإذا ادعى المشتري بالخيار إباق العبد، أو تلف الدابة، كان القول قوله مع يمينه، فيحلف على الإباق والتلف ويزيد في يمينه وأن ذلك كان (٢) قبل اختياره (٣)، فإن نكل عن اليمين غرم الثمن، ولو حلف على الإباق والتلف ونكل عن أن يكون ذلك قبل أن يختار أو حلف (٤) أنه لم يختر ونكل عن الإباق والتلف لغرم الثمن، وإن ادعى أن ذلك كان بحضرة فلان وفلان فأنكرا أن يكون ذلك (٥) بحضرتهما، وكانا عدلين غرم الثمن وإن لم يكونا عدلين لم يغرم، وعاد الجواب إلى ما تقدم من يمينه، وإن ادعى الموت كان القول قوله، إذا كان في سفر ولا أحد معه، أو كان معه من لا يقبل، وإن كان معه من يقبل قوله، وقالوا لم يمت بحضرتنا شيء لم يقبل قوله، ومثله إذا كان في حاضرة وكذبه جيرانه، (٦) فإن لم يكونوا عدولا قبل قوله مع يمينه، وإن كانوا عدولا وكان مثل ذلك لا يخفى عليهم لم يصدق وغرم.
стр. 4588
باب فيمن يبيع حائطه، أو ثمار حائطه ويستثني بعض ذلك أو يشترط ذلك (١)، أو يشترط ذلك المشتري على البائع
ومن باع حائطه فاستثنى بعضه، فإنه في استثنائه ذلك على ثلاثة أوجه: إما أن يستثني جزءا أو عددا، ولا يشترط خيارا، أو يشترط الخيار، فإن استثنى جزءا جاز ذلك، قل ذلك أو كثر، فإن استثنى الثلثين كان قد باع ثلثا على الشياع وذلك جائز، وكذلك إن استثنى عددا ولم يشترط خيارا، يجوز؛ لأنه يعود إلى الجزء، فإن استثنى ستين من مائة كان قد باع خمسيها، وإن اشترط الخيار جاز أن يكون له الخيار (٢)، في أقل المبيع ولا يجوز في أكثره، ويختلف (٣) في النصف. وإن كان الخيار للمشتري جاز في أكثر ذلك وأقله، وإن اشترط البائع جزءا أو عددا من غير خيار، جاز ذلك؛ لأنه يعود إلى الجزء، فإن كانت مائة فاستثنى نصفها وعشرها (٤)، كان قد استثنى ثلاثة أخماسها، وإن اشترط جزءا وخيارا، أو عددا وخيارا لم يجز، إلا أن يكون الخيار اليسير، في (٥) تلك الجملة التي وقع فيها البيع، مثل أن تكون الجملة مائة، فيستثنى المشتري النصف وخيار عشرة، فيجوز؛ لأنه بمنزلة من باع من رجل على الخيار، وباع
стр. 4589
من آخر ما بعد خيار فلان، فالبائع يبتدئ بالخيار من الجملة، ثم يكون حق المشتري فيما بقي، ولو كان الخيار للمشتري جاز وإن كثر؛ لأن أكثر ذلك المبيع له بعضًا بالخيار وبعضا بغير خيار، وعلى هذا يجري الجواب في عدد بغير خيار (١) وعدد بالخيار، وإن كان الخيار (٢) في الثمار لم يجز، إن كان الخيار للمشتري.
واختلف قوله إذا كان الخيار للبائع فأجاز ذلك ومنعه، ولا فرق بين خيار المشتري والبائع، فإن كان يخشى أن يختار ثمرة إحدى (٣) الأشجار، ثم ينتقل إلى الأخرى لم يجز ذلك من بائع ولا مشترٍ، ويدخله التفاضل إذا كانت الثمار مما يحرم فيها التفاضل، وإن كان لا يحمل عليها ذلك، وإن اختار شيئا لم ينتقل إلى غيره، جاز ذلك وإن (٤) كان الخيار للبائع أو للمشتري. وأرى أن يرد الأمر فيه إلى أمانة من له الخيار، للبائع أو للمشتري (٥)، ويبين له أنه إذا اختار شجرة، لم يجز له أن ينتقل عنها إلى اختيار أخرى (٦)، وإن كانت الثمار مما يجوز فيها (٧) التفاضل وهي صنف واحد، جاز الخيار ويسقط الاعتراض بالتفاضل، ويبقى فيه بيع الطعام قبل قبضه إذا كان للمشتري.
وإن كان الخيار في أصناف الثمار، وكل ما يجوز فيها التفاضل لم يجز، لأجل الغرر، وهو (٨) إذا كان الخيار للبائع أبين في الفساد؛ لأنه لا يدري
стр. 4590
أيهما يُلزِمْه المشتري.
وقد اختلف في هذا (١) الأصل إذا كان الخيار للمشتري، فقيل -فيمن اشترى عبدًا أو دابة (٢)، وسمى لكل واحد ثمنا وهو بالخيار أن (٣) يأخذ أيهما أحب-: أن ذلك جائز، ولا يجوز إذا كان الخيار للبائع، وفي مختصر الوقار فيمن اشترى حائطا (٤)، فأجاز الخيار للبائع في صنفين، وإذا كان الخيار للمشتري كان أخف؛ لأن غرض البائع بيع (٥) سلعته وأخذ الثمن، وليس كذلك إذا كان الخيار للبائع؛ لأن المشتري لا يدري أيهما يلزمه البائع. وقال ابن القاسم -فيمن اشترى السمراء تسعة (٦) آصع بدينار، والمحمولة عشرة آصع بدينار (٧)، ويأخذ أيهما أحب-: ذلك فاسد؛ لأنه فسخ السمراء في المحمولة، والمحمولة بالسمراء، وفيه بيع الطعام قبل استيعابه، قال: وإن قال الحنطة عشرة آصع، والتمر عشرة آصع (٨) لم يجز، ولا يجوز فسخ إحداهما في الآخر قبل أن يستوفى (٩). فمنعه في المسألتين جميعا لإمكان أن يكون اختار (١٠) أحدهما، ثم ينتقل إلى الآخر، فيدخله -إذا كانت حنطة كلها- التفاضل، وبيع
стр. 4591
الطعام قبل قبضه، وإذا كانا صنفين بيع الطعام قبل قبضه، ويدخله الغرر في المسألتين جميعا على أصله، وعلى القول أنه لا يحمل عليه أنه اختاره، لا ما يعترف باختياره، يسقط الاعتراض بالتفاضل في المصنف الواحد، وبيع الطعام قبل قبضه في المصنف الواحد وفي الصنفين، ويكون جائزا من هذا الوجه. وإذا كان المبيع جملة ثياب أو عبيد أو غنم، وكان الخيار للمشتري جاز أيضًا في أكثر ذلك المبيع وأقله، وإن كان الخيار للبائع جاز في الأقل، ولا يجوز في الأكثر.
واختلف هل يجوز في النصف؟ فمنع ذلك في كتاب النكاح الأول إذا تزوج على أحد العبدين، قال: إن كان الخيار للمرأة جاز، وإن كان للزوج لم يجز (١)، وأجازه سحنون إذا كان الخيار للزوج، وعلى هذا يجوز الخيار للبائع في النصف، وهو ظاهر قول ابن القاسم في كتاب بيع الخيار؛ لأنه قال: لا يجوز أن يشترط البائع جلها على الخيار (٢)، والنصف فليس هو الجل، وإذا كان المبيع أصنافا، كتانا وقطنا وحريرا والخيار للمشتري، كان على أربعة أوجه: فإن كان له الخيار في أن يأخذ أي تلك الأصناف شاء لم يجز، وسواء كان الثمن فيهما سواء أو مختلفا، فيقول الكتان بكذا والحرير بكذا، وكان كالذي قال اشترى منك هذا العبد بكذا، أو هذه الشاة بكذا، فذلك غير جائز، وكذلك إذا قال تأخذ واحدة من أي هذه الأصناف، أو عشرة من كل صنف، أو عشرة من صنف واحد لم يجز، وإن قال عشرة من كل صنف، وله أن يختارها أو يترك الجميع جاز، وإن كان الخيار للبائع، لم يجز ذلك في الموضع الذي لا يجوز للمشتري، ويجوز في الموضع الذي يجوز للمشتري (٣)، بشرط أن يكون ذلك
стр. 4592
أقل ذلك النصف، أو نصفه على القول الآخر.
فصل (١) [في الرجل يشتري عشرة شياه يختارها ثم يشتري عشرة أخرى]
وإذا اشترى رجل عشرة شياه، يختارها من هذه الغنم، ثم اشترى عشرة أخرى جاز ذلك، ويكون كأنه اشترط خيار عشرين شاة، إن اشترى منها رجلان مفردان، واشترط كل واحد الخيار جاز الأول، واختلف في الثاني، فقال محمد: يجوز ذلك بمنزلة إذا كان المشتري واحدا، وقال أيضًا: لا يعجبني ذلك إلا أن تكون الغنم كثيرة جدا، وإلا كان الثاني كأنه اشترى شرارها، بشرط أن يختار عليه البائع أكثرها (٢).
ويختلف على هذا إذا كان الخيار للبائع والمشتري، فقال: أبيعك عشرة تختارها بعد أن أختار أنا عشرة، والقول (٣) ألا يجوز ذلك إلا فيما كثر، الخمسين والستين أحسن، ولو كانت ثلاثين لم يجز؛ لأنه إذا اختار البائع منها (٤) عشرة، لم يدر كيف تكون العشرين الباقية، والبيع إنما يقع على ما يختار من العشرين الباقية. وقال ابن حبيب: ولا يجوز أن يشتري الرجل عشرة يختارها من غنم، ويشتري الآخر بقيتها بخلاف الصبرة (٥)، ومحمل هذا إذا كانت الغنم قليلة، فإن كانت كثيرة لا يتحسس إلى ما يزول من جملتها على الخيار جاز.
стр. 4593
وقال أشهب -فيمن اشترى عشر شياه يختارها من مائة، ثم جاءه رجل فقال: خذ مني ربح كذا، واجعلني أختار مكانك آخذ ما كان لك أن تختاره-: إن ذلك ليس بجائز (١)؛ لأن الأول لا يجوز له أن يبيع ما لم يجب له، ولأن الخيار يختلف بخيار ما لا يوافق الثاني، وليس للآخر أن يختار أمرا يجب للأول حتى يختار الأول، ولا يجوز أيضًا وإن قال اختار، فأنا أشتري منك ما تختاره أنت لأنه غرر، قال: وهذا (٢) بخلاف ما لو مات المشتري قبل أن يختار، أن (٣) لورثته أن يختارو لأنهم (٤) كأنهم هو (٥).
قال الشيخ: أما إذا اشترى الثاني ما يختاره الأول، ففاسد لا شك فيه؛ لأنه لا يدري ما يختاره الأول، ولا كيف موقعه من الاختيار. وأما اشتراؤه على ما يختاره بنفسه (٦)، ليس على أن يختاره الأول، فالصواب أن يكون جائزا، والشأن فيمن اشترى على خيار، أنه يأتي بمن (٧) ينظر ذلك المبيع، هل هو جيد أو رديء؟ وهل يسوى ذلك الثمن أم لا؟ وعلى قول أشهب يمنع من اشترى عبدا أو ثوبا على خيار، أن يرى ذلك غيره ويأخذ منه (٨) فيه رأيا (٩)، وهذا خلاف المعتاد. وقال ابن حبيب: لا بأس أن يقول بعني عشرة من خيار
стр. 4594
غنمك، ولا يقول اختارها أنا ولا أنت، فإن اختلفا فيمن يختار، دعي إلى ذلك أهل النظر والعدل يختارها (١)، وليس هذا بحسن، وأرى أن يكون الخيار للمشتري، ولا يلزم ما يختاره غيره؛ لأن الشأن أن المشتري هو الذي يختار، ولأن المشتري يقول أنا أختار، فإن اخترت الخيار فهو حقي وشرطي، وإن اخترت دون ذلك فذلك وكس عليَّ وخير لك.
стр. 4595
باب (١) فيمن وجد عيبا هل يكون له خيار أم لا؟ (٢)
وقال أبو محمد عبد الوهاب: اختلف أصحابنا في بيع السلعة بما لا يتغابن الناس بمثله، مثل أن يشتري أو يبيع ما يساوي ألفا بمائة، فمنهم من قال (٣): يكون للمغبون خيار، ومنهم من قال: لا خيار له، إذا كان من أهل الرشاد والبصر بتلك السلعة، وإن كانا أو أحدهما بخلاف ذلك، كان للمغبون منهما الخيار (٤)؛ لقول النبي ﷺ لحبان بن منقذ، وقال له: إني أخدع في البيوع. فقال: "إِذَا بَايَعْتَ فَقُلْ: لاَ خِلابَةَ" (٥). ونهيه عن إضاعة المال (٦) و (٧) قوله: "لاَ ضَرَرَ
стр. 4596
وَلاَ ضرَارَ" (١)؛ ولأنه نوع من الغبن في الأثمان، فجاز أن يتعلق به الخيار أصله تلقي الركبان.
قال الشيخ ﵀: أما قول النبي ﷺ : "إِذَا بَايَعْتَ فَقُلْ: لاَ خِلاَبَةَ"، فإنه حجة لمن قال الغبن ماض ولا قيام فيه؛ لأن النبي ﷺ مضى بياعاته التي كانت تقدمت قبل، ولم يجعل له قياما إلا أن يشترط في المستقبل، وكذلك قوله ﷺ : "لاَ يَبعْ حَاضرٌ لِبَادٍ" (٢). وقال -في كتاب مسلم-: "دَعُوا النَّاسَ يَرْزُقُ اللهُ بَعْضَهُمْ مِنْ بَعْضٍ" (٣). فهي أن يبيع له سمسار؛ لأن ذلك يمنع مغابنة الجالب؛ لأن السمسار يعلم سعرها، وكيف السوق من الغلاء والرخص، والجالب لا يعلم ذلك.
وأما نهيه ﷺ عن تلقي الركبان (٤)، فإن حمل على أنهم الذين يأتون من البوادي، عاد الجواب إلى ما تقدم، إنهم لا يتلقون (٥) لحق أهل السوق؛ لأن في ذلك فسادا على من جلس ولم يتلق فلا يتلقون لهذا، فإذا بلغوا السوق باعوا لأنفسهم، وإن حمل على أنهم التجار الذين يقدمون بالبز وأشباه ذلك، وإن النهي محتمل، هل ذلك لحق أهل السوق، فإذا بلغ باع بنفسه أو لحقه؟ وأن لا يغبن وإذا احتمل الوجهين لم تقم به حجة.
стр. 4597
وقد اختلف عن مالك في المصري يقدم المدينة، هل يبيع بنفسه كالبادي أو يباع له؟ فسقط الاحتجاج بهذا الحديث، وكانت الحجة لمن لم يجعل في ذلك حجة (١). قوله: "إِذَا بَايَعْتَ فَقُلْ: لاَ خِلابةَ"، وقوله "لاَ يَبعْ حَاضِرٌ لِبَادٍ"، فوجب أن لا يكون في ذلك الغبن مقال، إلا أن يقول البائع (٢) إذا كان الغبن على المشتري، ذلك ثمن سلعتي، أو أعطيت فيها (٣) ذلك، أو يقول المشتري إذا كان الغبن على البائع، إن سلعتك لا تساوي فوق ما أعطيتك (٤)، أو أن ذلك قيمتها، فيكون لمن وقع عليه الغبن مقال، إذا حلف أني استسلمت لقولك فاشتريت عليه أو بعت.
تم كتاب بيع الخيار والحمد لله رب العالمين
وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما (٥)
стр. 4598
كتاب المرابحة
النسخ المقابل عليها
١ - (ف) = نسخة فرنسا رقم (١٠٧١)
٢ - (ق ٤) = نسخة القرويين رقم (٣٦٨)
стр. 4599
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
صلى الله على سيدنا ومولانا محمد
وآله وصحبه وسلم تسليمًا
كتاب المرابحة
باب في البز يباع مرابحة، وقد اشتري من بلد آخر، أو يستأجر على شرائه وشده، أو كان رقيقًا فأنفق عليه
وقال مالك في البز يُشترى، ثم يحمل من بلد إلى بلد، ثم يباع مرابحةً: لا أرى أن يحمل عليه أجر السماسرة، ولا النفقة، ولا أجر الشدِّ، ولا أجر الطيِّ، ولا كراء بيت، ويحسب الحمل، ولا يحسب له ربحٌ، إلا أن يُعلِمَ البائع المشتري بذلك كله، فإن ربحوه بعد العلم فلا بأس به، ويحسب القصارة والصبغ والخياطة، ويحمل عليها الربح كما يحمل على الثمن، فإن باع ولم يبين شيئًا مما ذكرنا أنه لم يحسب له فيه ربح ولم يفت- فسخ، إلا أن يتراضيا على شيء مما يجوز بينهما (١).
فإن فات حسب الكراء، ولم يحسب له ربح ويحسب نفقة الرقيق، ولا يحسب لها ربح، ولا يحسب ما أنفق التاجر على نفسه. يريد في الرقيق (٢) ما لم
стр. 4600
تكن لهم (١) غلة تُوفي بالنفقة، فإن كانت الغلة أقل حسب له ما عجز عنه، وإن كانت الغلة أكثر كان له ولم يحاسب بشيء، وحسب الحمل؛ لأنه مما لا يستبد من إخراج الثمن عنه، وهو يزيد في الثمن؛ لأن النقل من بلد أرخص إلى بلد أغلى، والمشتري يرغب في ذلك إذا علم به، ولو كان سعر البلدين سواء لم يحسب، ولو كان سعرها بالبلد الذي وصلت إليه أرخص وأسقط الكراء لم يبع حتى يبيّن.
ولم يحسب للحمل ربح؛ لأن المرابحة كانت لما وقع بها شراء الرقاب، ولم يحسب أجر السمسار؛ لأنه لا يزيد في الثمن وكثير من يتولى الشراء بنفسه وكذلك الشدّ، وأصل ذلك أن كل ما دخل المشتري فيه على صفة، فتبين غيره فإنه لا يسقط مقال المشتري حتى يرد إلى ما دخل عليه وما فهمه وقتَ العقد.
وقال مالك: وتحسب القصارة والخياطة والصبغ، ويضرب الربح عليها (٢). لأن هذه أعيان مشتراة مضافة إلى المبيع الأول، فأما القصارة فله أن يبيع ولا يبين، وأما الخياطة فلا أرى أن يبيع حتى يبين لوجهين: أحدهما: أن الناس يكرهون السوقيّ من المخيط، والثاني: أن المشتري يظن أنه اشترى مخيطًا؛ لأن الشأن -فيما اشترى قائمًا ثم قطع وخيط- أنه يحطّ ثمنه، فالمشتري يظن أنه كان ذا ثمن فخسر فيه، إلا أن يكون المشتري ممن لا يخفى عليه ذلك، وليس عليه أن يبيّن في الصبغ إذا كان مما يشترى للصبغ، إلا أن يكون قد بار عليه وهو أبيض فصبغه لذلك فلا يبيع حتى يبيّن.
ويختلف إذا باع ولم يبيّن في هذا وفي الخياطة، فأصل ابن القاسم أنها تكون
стр. 4601
مسألة غش؛ فلا يلزم المشتري وإن حطّ عنه ذلك القدر، وعلى مذهب ابن سحنون أنها مسألة كذب، وإن حطّ عليه ذلك القدر لزمه.
والأصول التي تدور عليها مسائل هذا الكتاب سبع مسائل: مسألة كذب، مسألة غش، ومسألة عيب (١)، ومسألة يجتمع فيها كذب وغش، ومسألة يجتمع فيها كذب وعيب، ومسألة يجتمع فيها عيب وغش، ومسألة يجتمع فيها كذب وغش وعيب، وبيان ذلك مذكور فيما بعد (إن شاء الله).
стр. 4602
باب في المشتري يستغل ثم يبيع مرابحة، وكيف بما حدث أو تغير المبيع أوحال سوقه وفي بيع المساومة
وإذا استغلَّ المشتري النخلَ أو العبدَ أو الدابةَ أو الدارَ، ولم يتغير كانت الغلة له، وله أن يبيع ولا يبيّن، وقد تقدم ذكر النفقة على العبد إذا كانت أكثر من الغلة أو أقل، وكذلك النخل إن كانت الغلة أكثر من النفقة كانت له ولم يحسب نفقة، وإن كانت النفقة أكثر حسب له الفضل، وإن أنفق ثم باع مرابحة قبل أن يغتل -حسب له النفقة في السقي والعلاج، فإن كانت شاةً فاحتلب لبنها أو جزَّ صوفها، أو كانت حاملًا فولدت، أو ولدت بحمل حدث- كان اللبن غلة يبيع ولا يبيّن (١).
وأما الصوف فإن كان عليها يوم اشترى كان بمنزلة من اشترى سلعتين، فأمسك إحداهما وباع الأخرى على جميع الثمن، فهي مسألة كذب فإن حطّ البائع ما ينوب الصوف لزم المشتري، وإن حدث الصوف عند المشتري ثم جزّه لم يكن للمشتري مقال لأجل الصوف، وإنما ينظر إلى انتقال سنّها، فإن كانت جذعة فصارت ثنية كان له أن لا يبيّن؛ لأنها انتقلت إلى أفضل، إذا لم تتغير في (٢) السوق بنقص ولا كانت تعرض فبارت، وإن كانت رباعية فهرمت كان عليه أن يبيّن.
وقال: إذا ولدت الغنم والجارية لم يبع مرابحة حتى يبّين، وسواء حبس
стр. 4603
أولادهما أو ضمهما معها (١). ولم يذكر هل حملت بعد الشراء أو كانت حوامل.
وأرى إذا كانت حوامل في حين الشراء أو قريبة الوضع، فضم أولادها إليها أن يبيع ولا يبين؛ لأن ذلك زيادة، ومعلوم أن المشتري لا يكره ذلك، وهو في الأمة أبين؛ لأنها تباع أولًا بالبخس (٢) لما يخشى عليها من الموت.
وإن حملت بعد الشراء أو كانت حوامل وبعيدة الوضع- كان الجواب في الغنم على ما تقدم أن المشتري لا يكره ذلك، وأن الولد زيادة، وإنما يعتبر طول العهد بالشراء وانتقال سنها، فإن لم يتغير السوق بنقص (٣) ولا كان يعرضها فبارت وانتقل سنها إلى ما هو أفضل- باع ولم يبين، وإن انتقلت سنها إلى أبخس كان عليه أن يبين.
وأما الجارية تحمل بعد الشراء فإنه عيب وعليه أن يبين، وإن كانت حاملًا بعيدة الوضع فوضعت لم يراع عمرها (٤)؛ لأن مثل (٥) ذلك لا يتحسس إليه في الأمة، ويراعى تغير سوقها، وهل بارت عليه؟
فصل [في من ابتاع سلعة فحالت أسواقها، ثم باعها مرابحة]
وإذا حال السوق بزيادة ولم يطل مكثه في يد المشتري باع ولم يبين، وإن حال بنقص بيَّن، واختلف إذا لم يبين: فجعله ابن سحنون على معنى الكذب،
стр. 4604
وجعله (١) ابن عبدوس مسألة غش (٢). والأول أحسن؛ لأن مقال المشتري لموضع النقص، فإذا حطه البائع سقط مقال المشتري، وإن عاد سوقه عن قرب باع ولم يبين.
وإن طال مكثه ولم يتغير سوقه، ولا تغير في نفسه، ولا كان يعرضه فبار عليه- باع ولم يبين، وإن بار عليه بيَّن؛ لأن الناس يكرهون ذلك، ويرون أن ذلك لأمر خفي عليه، وله حكم الغش إن لم يبين.
وإن تغيرت مع ذلك سوقه، أو تغير في نفسه بنقص؛ لأنه شيء تمرَّث لأجل العرض- كان على قول ابن عبدوس على حكم الغش، وعلى القول الآخر كذب وغش، فطول مكثه غشٌ، ونقصه أو حوالة سوقِه كذبٌ؛ لأن كل عيب حدث عند المشتري، فإن لم (٣) يبينه وكتم حدوثه كان له حكم الكذب، وإن تغيرت سوقه بزيادة كان له حكم الغش لمكان الطول، وإن كان في البيع الأول تغابنٌ لا يوفي بزيادة السوق، كان على المشتري الآخر القيمة، وإن لم يكن تغابن كان للمشتري أن يرد مع القيام، فإن فات مضى بالثمن؛ لأن القيمة أكثر.
وبيع ما طال مكثه في يد بائعه مساومةً جائز إذا كان في يديه بغير شراء: كالميراث والهبة والصدقة، أو بشراء ولم يتغير سوقها، وتغيرت (٤) بزيادة، ويختلف إذا تغيرت بنقص، فقال مالك: لا يبيع حتى يبين (٥). وقال غيره: يجوز ذلك وإن لم يبين وليس بالبين.
стр. 4605
فصل [في من رقم سلعة ثم باعها مرابحة]
ومن اشترى ثوبًا بعشرة فرقم عليه اثني عشر، فإن باع على اثني عشر كانت مسألة كذب، وإن باع على العشرة كانت مسألة غش، وكذلك إن باعه مساومة فهي مسألة غش؛ لأنَّ المشتري إذا رأى الرقم حسب أنه ذو ثمن، وأن البائع له الأول أو الآخر وضع (١) فيه ذلك غررًا وخديعة.
وإن كان في يديه بميراث فرقم عليه بسوم سماه وزعم أنه اشتراه به (٢)، ثم باع عليه مرابحة أو (٣) مساومة- كانت مسألة غش، وللمشتري أن يرد مع القيام، وإن كره البائع، فإن فاتت كان عليه الأقل من القيمة، أو ما اشتراه به منه.
ويختلف في القيمة متى تكون؟ فعلى القول في المحبوسة بالثمن أنها من البائع تكون القيمة يوم القبض، وعلى القول: إنها من المشتري تكون قيمة يوم البيع، إلا أن يكون المشتري لم ير الرقم، أو رآه ولم يعلم مضمونه؛ لأنه أمِّيٌّ، أو لأنه ليس بعربي- فلا يكون للمشتري مقال في جميع هذه المسائل الثلاث؛ لأنه لم يقع بفعله غرر.
وإن اشترى جارية ثم تبين أنها ذاهبة الضرس فرضيه، فإن كان رضاه كراهية الخصومة أو للد من البائع أو لغيبته- لم يبع مرابحة إلا أن يبين العيب (٤)، وأنه علمه بعد العقد فرضيه لأجل ذلك، فإن كتم ذهاب الضرس
стр. 4606
كانت مسألة عيب، وإن بينه ولم يبين أنه علمه بعد العقد، وأنه رضيه لأجل ذلك- كانت مسألة غش، وإن كان رضاه رغبة في السلعة ولم يكن نقدًا ونقد ولم ينازعه البائع، وقال: هذا ثمنك فخذه أو ردّ إن شئت؛ كان له أن يبيع ويبين العيب خاصة (١).
وكذلك من أخذ سلعة عن دين حال على موسر غير ملدٍّ، والطالب ممكّن من قبضه، فتركه وأخذ السلعة- كان له أن يبيع على ما أخذها به ولا يبين، وإن كان الغريم ملدًّا أو معدمًا أو كان الدين مؤجلًا لم يبع إلا أن يبين، فإن لم يبيّن كانت على القولين: هل هي مسألة غش أو مسألة كذب؟ فيحط قدر ما بين ما يشترى به لو كان الغريم على الصفة الأولى والصفة الثانية، وإن ذهب الضرس بعد العقد كان عليه أن يبيّن الوجهين جميعًا: ذهابه، وأن ذلك كان بعد العقد، فإن كتمه كانت مسألة عيب، وإن بيّنه ولم يبين حدوثه كانت مسألة كذب.
стр. 4607
باب في من اشترى بثمن إلى أجل فباع عليه بالنقد أو اشترى بثمن فنقد غيره
ومن المدونة: قال مالك في من اشترى سلعة بثمن إلى أجل، فباعها به مرابحة نقدًا: ترد السلعة إن كانت قائمة، وإن فاتت كان على المشتري قيمتها يوم قبضها نقدًا (١). ولا يضرب الربح على القيمة.
قال ابن القاسم: فإن قال المشتري: أنا أقبل السلعة إلى ذلك الأجل لا خير فيه، ولا أحب ذلك (٢). وجعله بمنزلة من اطلع على عيب، فإن أراد الرد، فقال له البائع: أنا أؤخرك بالثمن ولا ترد. فلا يجوز أن يشتري رجوعًا بتأخير، وهو سلف جر منفعة، وهذا هو أصل أشهب أن الصلح مع القيام شراء مرجع.
وأرى أن ينظر في ذلك، فإن قام المشتري ليرد، فقال البائع: لا ترد وأؤخرك بالثمن- كان فاسدًا، وإن قال: قد رددت، فقال له: اقبلها وأنا أصبر عليك بالثمن- جاز، وقال سحنون: يقوم الدين بالنقد، فإن كان المسمى إلى أجل عشرة، وباع على عشرة نقدًا والقيمة ثمانية كانت الثمانية كالثمن الصحيح، فإن رضي البائع مع القيام أن يضرب له الربح عليه لم يكن للمشتري أن يرد، ولا يكون له على أصله مقال بعد الفوت إذا رضي البائع أن يضرب الربح على ثمانية، فأجراها على مسألة الكذب.
стр. 4608
فصل [في من اشترى بدنانير فنقد عرضًا، أو بعرض فنقد عينًا أو شيئًا مما يكال أو يوزن]
ومن اشترى بدنانير فنقد دراهم لم يبع على ما عقد حتى يبين، واختلف هل يبيع على ما نقد ولم يبيّن، فأجازه مالك في كتاب محمد (١). ومنعه ابن حبيب. وإن اشترى بدنانير فنقد عرضًا لم يبع على ما نقد (٢) حتى يبين.
واختلف هل يبيع على ما نقد (٣)، فمنعه في المدونة (٤)، وأجازه في كتاب الشفعة من كتاب محمد، قال: وإن نقد طعامًا فليبع على ما نقد (٥) كالدنانير والدراهم. وقال محمد: الطعام في هذا كالسلع، يريد أنه لا يبيع على ما نقد (٦).
وإن اشترى بعرض فنقد عينًا أو عرضًا أو شيئًا مما يكال أو يوزن فظاهر قوله في المدونة ألا يبيع على أحدهم حتى يبين، وعلى قوله في كتاب محمد يبيع على الأول ولا يبين، ولا يبيع على الآخر إلا أن يبين.
стр. 4609
والصواب في جميع هذه الأشياء (١) إذا كان المشتري مستفتيًا أن يوكل إلى أمانته، فما علم أن البائع منه أخذ ذلك عن الثمن رغبة فيه وقد مكنه من الثمن الذي باع به- كان له أن يبيع على ما عقد ولا يبين؛ لأن كل مشتر مؤتمن على ما يقول أنه اشترى به، ولأنه لو شاء ذكر أكثر مما اشتراه به، وإن لم يكن ذلك لرغبة من البائع، وإنما كان قصدًا من المشتري على الهضيمة- لم يبع حتى يبين.
وإن لم يكن المشتري مستفتيًا وإنما ظهر عليه بعد وقال: لم يكن إلا علا وجه الرغبة من البائع مني (٢) - كان القول قوله إذا كان الثمن الأول عرضًا أو عبدًا؛ لأنه ليس بشيء يحط منه عند الدفع، وهي مبايعة مما تختلف فيها الأعراض، فتشترى بمثل القيمة وأكثر وأقل.
وإن كان الثمن الأول عينًا دنانير أو دراهم، والشأن من المتبايعين في ذلك البلد أن ينقد ما انعقد البيع به من غير طلب للمسامحة- قبل قوله أيضًا، وإن كان العادة طلب المسامحة عند الوزن لم يصدق، وحمل على عادته أو عادة البلد.
وإن اشترى بدنانير ونقد دراهم، ولم يتغير الصرف، أو تغيرت الدراهم برخص- جاز أن يبيع على ما نقد ولا يبيّن، وعليه يضرب الربح إن باع على ما عقد به، وإن تغير بغلاء الدراهم لم يبع على واحد منهما، حتى يبيّن ما عقد عليه (٣) وما نقد؛ لأن النقد كان ذلك اليوم أقل واليوم أكثر، وإن باع على ما عقد حط من الثمن الذي وقع به العقد قدر سماحة ذلك اليوم، وإن باع على ما نقد؛ فذلك (٤) يضرب به الربح على الأول بعد طرح السماحة، وإن نقد عرضًا
стр. 4610
ثم باع على ما عقد، وعلم أنه كانت فيه هضيمة لمكان العقد- حط من الثمن الأول قدر ما استظهر به في ثمن الثاني، إلا أن يعلم أنه لم يكن عنده (١) جميع ذلك مسامحة وأن العادة دون ذلك، والفاضل عنه غبن وقع على قابضه، فلا يحط إلا قدر السماحة.
وإن باع على مثل ما نقد وكانت قيمته مثل ما عقد به بعد طرح المسامحة، أو (٢) كانت قيمته أكثر- ضرب الربح على ما يستحقه بالعقد؛ لأنه أقل وأخف، وإن كانت قيمة العرض أقل كان بالخيار بين أن يضرب الربح على ما عقد؛ لأنه أخف، أو على مثل ما اشتراه هو به؛ لأنه أقل، وليس له أن يقول: أعطيه قيمة العرض؛ لأن البائع يقول: إنما بعت على مثل العرض لغرض فيه. وإن نقد طعامًا وفيه هضيمة فكذلك على مثل ما تقدم إذا نقد عرضًا.
فصل [في من ابتاع سلعة بدين أيجوز له أن يبيعها مرابحة بنقد ؟]
ويختلف إذا أخذ عرضًا عن دين: هل يبيع مرابحة ولا يبيّن قياسًا إذا أخذ شقصًا عن دين حالٍّ؟
فقيل: يستشفع بالدين، فعلى هذا ليس عليه أن يبيّن، وقيل: يستشفع بقيمة الدين، فعلى هذا يبيّن في المرابحة، وقد تقدم وجه ذلك، وأنه يراعى الغريم: هل هو موسر غير ملدٍّ أم لا؟
واختلف إذا اشترى بعرض أو بطعام، فاشترى على مثله، وليس المثل في
стр. 4611
ملك المشتري، فأجازه ابن القاسم، ومنعه أشهب ورآه من بيع ما ليس عنده (١). والأول أحسن، ومحمل الحديث على بيع معين في ملك غيره.
وإن اشترى بذهب فقال: اشتريت بعرض، وباع على قيمته، وكانت القيمة التي باع عليها مثل الثمن الذي اشترى به فأقل- لم يكن للمشتري مقال، وإن كانت أكثر كانت مسألة كذب.
وإن باع على أن يأخذ المثل كان للمشتري أن يرد، إلا أن يرضى البائع أن يكون الربح على ما اشترى به، فإن رضي نظر إلى قيمة العرض، فإن كانت مثل الثمن فأكثر لزم المشتري؛ لأنه رده إلى مثل ما اشترى به في القدر، وهو أخف فيما يتكلف شراؤه وإحضاره لينقد (٢)، وإن كانت قيمة العرض أقل لم يلزمه الرضا بالثمن وإن كان أخف؛ لأنه أكثر إلا أن يرضى أن يحط عنه الزائد.
وإن اشترى بعرض فقال: اشتريت بعين، فإن كان الذي باع عليه -وهو العين- مثل قيمة العرض فأقل- لزم المشتري، وإن كان العين أكثر من القيمة عاد الجواب إلى ما تقدم في مسألة الكذب، وإلى هذا يرجع الجواب في اللذين اشتريا عدلًا فقسَماه بالتراضي، ثم باع أحدهما نصيبه على ما اشترى به؛ لأن نصف ما صار إليه مشترى بالثمن الأول، ونصف ما صار إليه من النصف الذي سلمه لصاحبه، فإن باع ولم يبيّن كان للمشتري أن يرد الجميع، إلا أن تكون قيمة نصف ما اشترى مثل نصف قيمة العين الذي باع به، فلا يكون له أن يرد، وإن فات مضى نصفه بالثمن، وضرب له الربح في النصف الآخر على قيمة ما نقد، إلا أن يكون الذي باع به أقل.
стр. 4612
وقال ابن حبيب: إذا تقاوياه بينهما فصار لأحدهما فلا بأس أن يبيع على تلك المقاواة (١). يريد النصف على الثمن الأول، والنصف على ما دفع فيه إلى شريكه، فإن كان ذلك أكثر مما كان اشتراه به رغبة في دفع الشركة لسوء عشرة صاحبه- لم يبع حتى يبين وإن كان؛ لأنها كانت صالحة، أو لأن السوق حال بغلاء لم يكن له أن يبين.
وقال أشهب في كتاب محمد في ثلاثة شركاء في سلعة تقاووها فوقعت (٢) على اثنين بهم وأخرجا الثالث، ثم ذهب الثالث فاستوضع البائع دينارًا، فقام عليه صاحباه ليردا عليه السلعة؛ فذلك لهما إلَّا أن يخرج لهما من الدينار، فيقسموه أثلاثًا (٣). فأجرى الجواب على مسألة المرابحة لما كانا عالمين بالشراء، وعلى هذا يكون من اشترى سلعة مساومة، وقد كان حضر بيعها أولًا، و (٤) كان عالمًا بالثمن، ثم استوضع المشتري الأول البائع الأول (٥) منه- يكون للمشتري الآخر في ذلك مقال كالمرابحة.
стр. 4613
باب في من باع سلعة مرابحة، ثم استقاله منها بمثل الثمن أو أكثر أو أقل (١)
وقال ابن القاسم في من اشترى سلعة، ثم باعها من رجل مرابحة، ثم استقاله منها بمثل الثمن: لم يبع إلا على الثمن الأول، وإن استقال (٢) بأكثر أو أقل جاز أن يبيع على الثاني (٣). وقال ابن حبيب: لا يبيع إلا على الأول استقال منها أو اشتراها بأكثر أو بأقل. والأول أحسن، وله أن يبيع على الثاني إلا أن يعلم من قوم أنهم يظهرون بيعة (٤) حادثة ليتوسلوا إلى البيع بأكثر من الأول- فيمنع إذا عادت إليه بأكثر، وإنما منع ذلك وإن عادت إليه بأقل على أنه بقي معه ربح على الأول، مثل أن يشتري بعشرة ثم يبيعها باثني عشر ثم يستردها (٥) منه بأحد عشر.
فصل [في من ابتاع نصف سلعة، ثم ورث النصف الآخر ثم باعها مرابحة]
ومن اشترى نصف سلعة بخمسة، وورث نصفها، ثم باعها مرابحة على أن الثمن عشرة- كان للمشتري أن يرد جميعها: يرد ما ورث؛ لأنه لم يشتره،
стр. 4614
وما اشتراه لعيب الشركة (١)، فإن فاتت مضى نصفها بالثمن، ونصفها بالأقل من الثمن أو القيمة، وهذا إذا تقدم الشراء أو تأخر عن الميراث ولم يزد في الثمن لأجل استكمال الملك فيها، فإن زاد لأجل ذلك كان جميعها بالأقل.
وإن باع نصفًا مرابحة ولم يبين- عاد الجواب إلى ما تقدم؛ لأن البيع يكون شائعًا (٢) في المشترى والميراث.
واختلف إذا اشترى ثوبين أو أسلم فيهما، ثم أحب أن يبيع أحدهما مرابحة، فمنعه ابن القاسم في الشراء، وأجازه في السلم (٣)، ومنعه سحنون فيهما جميعًا، وأجازه ابن نافع فيهما، وهو أحسن؛ لأن الشراء كان على معرفته وعلمه، وكذلك التقويم، فلا يمنع خوف الحيف في القيمة؛ لأن الثمن موكول إلى أمانته، ولأنا لا نعلم الثمن في الأصل إلا منه.
وإن أخذ أحد الثوبين المسلم فيهما على هضيمة فلم يبين كانت مسألة كذب على قول ابن سحنون، وإن كان من المسلم تطول في أحدهما قسم (٤) ذلك على الثوبين جميعًا، وإن باع على الشركة نصفًا وثلثًا جاز، وإن كان شيء يكال أو يوزن كان له أن يبيع بعد القسمة ذلك الجزء ولا يبين، قال محمد: ويبيع ما بقي مرابحة، ولا يبين أنه باع منه شيئًا. يريد ما لم يكن شراء الجملة أغلى فيبين.
стр. 4615
باب في شريكين في عبد اشترياه بأثمان مختلفة، ثم يبيعانه مرابحة
وقال ابن القاسم في عبد بين رجلين اشترى أحدهما نصفه بمائة، والآخر بمائتين، ثم باعاه مرابحة للعشرة أحد عشر، أو بربح مائة: أنهما (١) يقتسمان الربح على قدر رؤوس أموالهما، وإن باعاه مساومة اقتسما ما باعاه به نصفين (٢).
وقال أشهب في الدمياطية: إن باعاه مرابحة، كان الربح بينهما شطرين، قيل له: فإن باعاه (٣) بربح للعشرة أحد عشر، قال: هو (٤) بينهما أيضًا.
فقسم ابن القاسم الربح على رؤوس الأموال، وإن كان المشتري إنما دخل على أن كل نصف بمائة وخمسين، والربح على مثل ذلك، وعلى هذا عهدته عليهما في العيب والاستحقاق، وذهب أشهب إلى أن الربح على مثل عهدته عليهما، والأول أحسن إذا كان المشتري عالمًا أن شراءهما كان على ثمن مختلف، وإن لم يعلم بما بين النصيبين من التغابن.
وأرى إن كان شراؤهما في زمن واحد، وكان السوق على ما اشترى به صاحب المائتين أن يبيعا ولا يبينا، وإن كان السوق على ما اشترى به صاحب المائة لم يبيعا حتى يبينا، وإن كان ذلك لاختلاف السوق، فكان أولهما اشترى بمائة، فلم يطل حتى حال السوق، فاشترى الثاني بمائتين- جاز وأن لم يبينا،
стр. 4616
وإن كان الأول اشترى بمائتين بَيَّنا؛ لأنه اختلاف بنقص.
وإن باعا بوضيعة وكان البيع مساومة اقتسما الثمن نصفين، وإن سميا الثمن، وأنه ثلاثمائة ووضعا مائة- كان الثمن (١) مفضوضًا على قدر رؤوس أموالهم، قال سحنون: وقد اختلف فيها قول الشعبي (٢)؛ يريد أنه جعل الثمن بينهما نصفين حسبما دخل عليه المشتري أن كل (٣) نصف بمائة، وهذا إذا لم يعلم باختلاف الثمن.
стр. 4617
باب في من اشترى سلعة، فباعها مرابحة، أو ولاها أو أشرك فيها، ثم وضع عنه البائع الأول
وضيعة البائع الأول على وجهين: فإن وضع جميع الثمن أو نصفه أو ما يعلم أنه لم يرد به مسامحة في أصل العقد- لم يكن عليه فيه مقال، وكذلك إن قلّت الوضيعة، وعلم أن ذلك مكارمة لصداقة أو غيرها، ولا يراعى في جميع ذلك: هل كان الثاني بيعًا أو تولية أو شركة؟
وإن كانت الوضيعة لأجل البيع افترق الجواب، فقال مالك: إذا كان الثاني بيعًا، فحط الأول مثل ما حط عنه- لزم المشتري، وإن أبى كان الثاني بالخيار بين أن يمسك أو يرد، وكذلك إذا ولي، وإن أشرك حط عن المشرك نصف ذلك على ما أحب أو كره (١).
وقد اختلف إذا باع، فقال ابن القاسم مرة: إن حط عن الثاني مثل ما حط عن الأول لزم المشتري، وإن لم يحط قدر الربح مثل قول مالك (٢). وقال أيضًا: يحط بقدره من الربح وإلا رد عليه، وقال عبد الملك: يحط ذلك عن الثاني وإن كره المشتري الأول.
والقول الأول أصوب: أن لا يحط الربح؛ لأنه إذا كان الربح دينارًا والثمن عشرة كان أبين إذا كان الثمن تسعة، وصارت إلى أصلح من الأول: أن لا يحط من الربح، والشأن إذا صلح الثمن زيد في الربح، وإن فاتت ولم يرض المشتري أن يحط ما حط عنه جرت على مسألة الكذب.
стр. 4618
واختلف في الشركة، فقال مطرف وابن الماجشون في كتاب ابن حبيب: إن وضع الذي ولي الصفقة كان بين جميعهم، وما وضع لأحد ممن أشرك كان له وحده، إلا أن تكون من الأشياء التي تباع في الأسواق، ويلزم الشرك فيها فذلك بينهم، وسواء وضع عن متولي الصفقة أو عمن أشرك؛ لأنهم كأنهم ولوا الصفقة جميعًا، إلا ما كان يراد به الصلة فرخصه (١) ليس على وجه الاستغلاء- فيكون لمن وضع له من كان منهم: المشرك، أو المشترك.
وقال مالك في العتبية: وإن ولوا الصفقة جميعًا فما وضع لأحدهم فهو له وحده (٢)، وقال ابن القاسم: إن اشتروها شركة في عقد، فما وضع لأحدهم فهو بينهم (٣). يريد شركة عقد أي عقدوا على أن (٤) يتجروا فيها، والوضيعة ضرب من الربح؛ لأنها إذا صلحت كان الربح أكثر، وأما إن حضر بيع سلعة أو طعام فاشتروا ليقتسموه، أو ليتصرف كل واحد والبيع في نصيبه دون شريكه- فما وضع لأحدهم فهو له وحده؛ لأنه لو ظهر على عيب كان لمن أراد الرد أن يرد الرد كالعقدين.
стр. 4619
باب في تفسير أحكام ما تقدم ذكره من بيع الكذب والغش والعيب
ومن اشترى سلعة بعشرة فقال: اشتريتها باثني عشر، فإن كانت قائمة كان المشتري بالخيار: بين أن يتمسك ولا شيء له، أو يرد، إلا أن يحط البائع الكذب وربحه، فإن فاتت خيّر البائع بين أن يحط الكذب وربحه، أو يعطى قيمة سلعته يوم قبضتْ، ما لم يجاوز ما باع به، أو ينقص من العشرة وربحها، وهذا قول مالك (١).
وقد اختلف في قيام السلعة وفوتها، فقال عبد الملك في المبسوط: للمشتري أن يرد إذا كانت قائمة وإن حط الكذب وربحه؛ لأنه عامله على الخديعة واستحلال الحرام، وهذا صواب، ومحمل قول مالك على أن المشتري قام بالكذب، فإذا حط عنه سقط مقاله.
فأما إن قال: أنا أرد لإمكان أن يكون استغرقت ذمته من ذلك كان ذلك له؛ ولأن أدنى منازله أن الناس يكرهون مبايعة مثله، فإن لم ينقد الثمن، أو نقده وعرف بعينه، أو كان الثمن عرضًا ولم يفت- كان له أن يرد، كما قال عبد الملك.
وإن استهلكه مضى بالثمن الصحيح؛ لأنه إن رد السلعة أخذ ثمنه من ذمة فاسدة، إلا أن يكون حديث عهد بالجلوس للبيع وبإفادة ذلك المال، فلا رد له إن حط الكذب وربحه، وإن كان حديث عهد بالجلوس للبيع وقديم الكسب
стр. 4620
لذلك المال كان له أن يرد؛ لأنه دليل على أنه غير متوق في كسبه.
وقد اختلف عن مالك فيما يفيتها؟ ومتى تكون القيمة؟ وهل يحط الكذب وربحه وإن كره البائع؟ فروى ابن القاسم عن مالك أنه قال: تفيتها حوالة الأسواق، والقيمة يوم القبض، وروى عنه علي بن زياد أنه قال: يفيتها النماء والنقص، والقيمة يوم البيع.
وأرى أن تفيتها حوالة الأسواق كالاختلاف في الثمن تفيته حوالة الأسواق؛ لأنه ليس بعيب في السلعة، وإنما مقاله في كثرة الثمن وقلته، إلا أن يقول: لأجل فساد ذمة البائع، ولم يكن دفع الثمن- فلا تفيت حوالة الأسواق ولا العيوب، ويكون له هو أن يرده وما نقصه العيب.
وأما الاختلاف في وقت القيمة، فهو راجع إلى الاختلاف في المحبوسة بالثمن، فعلى القول إنها على البائع، تكون القيمة يوم القبض، وعلى القول إنها من المشتري؛ تكون القيمة يوم البيع؛ لأنه بيع صحيح تعلق به حق لآدمي، والفاسد ما تعلق به حق لله سبحانه.
وقال في أول الكتاب: يحط الكذب وربحه في الفوت، ولم يجعل للبائع في ذلك خيارًا. وكذلك في كتاب محمد، وإليه يرجع قوله، وجوابه في من اشترى شيئًا فنقد غيره والقول الأول أحسن، قال مالك: وليس ظلمه وزيادته بالذي يحمل عليه، فيؤخذ بما لم يبع به (١)، وهذا صحيح؛ لأنه يمكن لو لم يزد في الثمن لباع بأكثر من ذلك الربح.
стр. 4621
فصل [في من باع سلعة مرابحة فزاد في ثمنها]
وأما الغش والخديعة: بأن يشتري بعشرة، ويرقم عليها اثني عشر ويبيع على العشرة، فيوهمه أنها ذات ثمن، وأنه غلط على نفسه، فهي خديعة، والمشتري بالخيار بين أن يمسك ولا شيء له، أو يرد ويرجع بالثمن، وليس للبائع أن يلزمه إياها بشيء.
وإن فاتت مضت بالأقل من الثمن الذي بيعت به أو القيمة، ولا يضرب على القيمة ربح (١). وقال ابن عبدوس في هذا الأصل: تفيتها حوالة الأسواق (٢). وعلى رواية علي بن زياد لا تفيتها إلا العيوب؛ لأنها في هذا أقوى من الكذب، وإن أحب الرد ردها وما نقصها العيب من القيمة إن كانت القيمة أقل، إلا أن يكون الثمن أقل.
وأرى (٣) إذا حط البائع عن المشتري الدينارين اللذين خدعه بهما- أن يلزم المشتري في (٤) القيام والفوت؛ لأن مقاله من أجلهما، وإن كان ورثها ثم قال: اشتريتها بعشرة، وباع على الكذب (٥) كانت مسألة غش.
فصل [في من ابتاع سلعة ثم ظهر منها عيب]
وأما العيب يجده المشتري في السلعة وهي قائمة، فهو بالخيار بين أن
стр. 4622
يمسك ولا شيء له، أو يرد، وليس للبائع أن يحط عنه قيمة العيب ويلزمه إياها؛ لأن كثيرًا من الناس لا يرضى المعيب وإن حط لأجله، بخلاف الكذب في البيع؛ لأن مقاله لأجل كثيرة الثمن، فإذا سقط (١) لم يكن له مقال.
فإن علم بالعيب بعد أن فاتت بنماء أو نقص كان له أن يمسك ويحط عنه قيمة العيب من الثمن وربحه، وهذا قول مالك (٢). والقياس أن يكون للبائع والمشتري في ذلك مقال.
وإن كان في البيع غش على المشتري اشترى بعشرة ما قيمته ثمانية، والعيب ينقصها الخمس، فأسقط البائع خمس الثمن، وكان الباقي على المشتري ثمانية- قال: المشتري إنما أغرم قيمتها معيبة؛ لأنك لو أسقطت عني هذا الخمس مع القياس لم يلزمني، وكذلك إن فاتت وحططت الدينارين، فأنا أرد قيمتها بدلًا منها.
وإن كان الغبن على البائع لصلاح كان في البيع قال البائع: أنا لا أجيز على أن أحط العيب، كما لم يكن ذلك للمشتري علي في القيام، وقد قال مالك في مسألة الكذب: لا يجبر البائع على أن يحطه في الفوت، قال: وليس ظلمه أن يحمل عليه أن يؤخذ بغير ما لم يبع به (٣).
فإن قيل: إن العيب بخلاف الكذب؛ لأنَّ العيب كجزء ذهب، فكان بمنزلة من اشترى سلعتين فوجد واحدة، قيل: هذا غير صحيح لوجهين:
أحدهما: أنه لو كان ذلك لوجب أن يجبر على رد ما قابل العيب مع القيام.
стр. 4623
والثاني: أنا نعلم ضرورة أنه ليس كالجزء، ولو كان كذلك لم يرجع في فوت السلعة بشيء؛ لأنا نجد الثوب يكون طوله ثلاثين ذراعًا، وعيبه قدر درهم، فلو نظر قدره من أجزاء الثوب لم يكن له شيء يتحسس إليه.
فصل [في من ابتاع سلعة واطَّلَع على كذب البَائِع، وظهر منها عيب والسلعة قائمة]
وإذا اجتمع الكذب والغش (١) والعيب، فاشترى بعشرة، وقال: الثمن اثنا عشر وربحه دينار، ثم وجد عيبًا، فإن علم بالعيب والسلعة قائمة كان له أن يرد، ولم يلزمه وإن حط البائع الكذب، فإن فاتت بنماء أو نقصان كان ذلك فوتًا في بيع الكذب والعيب.
فعلى القول إن الكذب يحط حكمًا كالعيب يبتدأ بإسقاط الكذب وربحه، ثم يحط العيب من الثمن الصحيح، وهي العشرة وربحها. وعلى القول إن الكذب لا يسقط إلا برضا البائع يبدأ بإسقاط العيب من جميع الثمن صحيحه وسقيمه، فإن قيل: قيمته صحيحًا عشرة؛ لأن الثمن لم يكن فيه تغابن، ومعيبًا ثمانية- كان له ثمانية وأربعة أخماس دينار؛ لأنها الثمن الصحيح بعد طرح الكذب والعيب، وإن كانت القيمة أكثر كان له ما لم يجاوز أربعة أخماس الثمن بكذبه وربحه؛ لأن هذا هو الحكم في العيب.
وإن فاتت بحوالة الأسواق كانت كالقائمة على رواية علي بن زياد، وعلى رواية ابن القاسم فاتت في الكذب، ولم تفت في العيب، فله أن يرد بالعيب وله أن
стр. 4624
يمسك، ثم يخير البائع بين أن يحط الكذب وربحه أو يعطى قيمة سلعته ما لم تكن القيمة أقل من العشرة وربحها؛ لأنه الثمن الصحيح، أو أكثر مما تباع (١) به.
ثم يختلف في الصفة التي تقوم عليها، فقيل: تقوم سالمة؛ لأن المشتري رضي بالعيب، وقد كان له أن يرد به من غير غرم عليه، وهو قول محمد، وقال ابن سحنون وابن عبدوس: تقوّم معيبة، وهو أحسن، ولا يلزم المشتري أن يرد إلا قيمة ما أخذ؛ لأنَّ القيمة بدل من العين التي قبض، والعين التي كان يرد معيبة، وكذلك قيمتها، وليس يلزمه أن يقبض معيبًا، ويغرم سالمًا.
فصل [إذا اجتمع الكذب والغش، فعلم بذلك المشتري قبل فوت السلعة]
وإن اجتمع الكذب والغش كأن اشترى بعشرة وقال: اشتريت باثني عشر، وطال زمانها في يديه، وبارت عليه، أو رقم عليها خمسة عشر، فإن كانت قائمة كان للمشتري أن يرد، وإن طرح عنه ما ينوب الكذب رد من جهة الغش، فإن فاتت بنماء أو نقص كان قيامه من ناحية الغش خيرًا له، فإن كانت قيمتها يوم قبضها ثمانية أو تسعة أو فوق ذلك، ولم تبلغ العشرة وربحها- لم يكن عليه غير القيمة، وإن كانت قيمتها فوق ذلك اتفق الجواب على الكذب والغش، فيغرم قيمتها بغير ربح ما لم يجاوز الكذب وربحه، وعلى القول إن الكذب يحط حكمًا كالعيب يبتدآنه (٢) فيحط، ثم ينظر إلى قيمتها فيغرمها ما لم تجاوز (٣) الباقي.
стр. 4625
وإن اجتمع العيب والغش فعلم بذلك المشتري قبل فوت السلعة كان له أن يرد، ولا يراعى وإن حط (١) البائع، وإن فاتت بنماء أو نقصان كان للمشتري أن يمسك، ثم يبتدئ بالعيب فيحط قدره من الثمن، فإن قيل: قيمتها سالمة عشرة، ومعيبة ثمانية لم يكن على المشتري سوى ثمانية؛ لأنَّ العيب نقصها الخمسَ، وأربعة أخماس التمام ثمانية دنانير وأربعة أخماس الدينار (٢)، والثمانية هي التي تلزم من جهة الغش خاصة؛ لأنها لا يضرب لها بربح، وكذلك إن كانت قيمتها سالمة ثمانية ومعيبة سبعة، فليس عليه سوى سبعة؛ لأنَّ الباقي للبائع بعد العيب سبعة أثمان المسمى تسعة (٣) إلا ربع، ولها ربح دينار إلا ثمن، فجميع ذلك تسعة ونصف وثمن هذا الذي يثبت من ناحية العيب، ثم يرجع إلى حكم الغش، فليس له إلا قيمتها معيبة، وقد كانت سبعة دنانير، فهي التي تستحق بعد طرح العيب، فيصير المشتري بمنزلة لو لم يشترها إلا معيبة بتسعة ونصف وثمن، ثم علم بما خدعه، فيعطى القيمة ما لم يجاوز الباقي.
وإن كانت قيمتها سالمة اثني عشر ومعيبة عشرةً، سقط حكم الغش؛ لأن الذي نقصها العيب السدس، وهو دينار ان إلا سدس من المسمَّى، والباقي تسعة دنانير وسدس، فكان قيامه بالعيب خيرًا له.
وإن تغيرت سوقها كان فوتًا من جهة الغش خاصة على قول ابن عبدوس، ولم تفت في العيب، فله أن يرد بالعيب، وله أن يمسك ويدفع القيمة