← Фикх малики

Фикх малики · id 14591

التبصرة للخمي

اللخمي، أبو الحسن

Полный текст (6 502 стр.). Показаны 4621–4660 · переход к 4626.

стр. 4621

فصل [في من باع سلعة مرابحة فزاد في ثمنها] وأما الغش والخديعة: بأن يشتري بعشرة، ويرقم عليها اثني عشر ويبيع على العشرة، فيوهمه أنها ذات ثمن، وأنه غلط على نفسه، فهي خديعة، والمشتري بالخيار بين أن يمسك ولا شيء له، أو يرد ويرجع بالثمن، وليس للبائع أن يلزمه إياها بشيء. وإن فاتت مضت بالأقل من الثمن الذي بيعت به أو القيمة، ولا يضرب على القيمة ربح (١). وقال ابن عبدوس في هذا الأصل: تفيتها حوالة الأسواق (٢). وعلى رواية علي بن زياد لا تفيتها إلا العيوب؛ لأنها في هذا أقوى من الكذب، وإن أحب الرد ردها وما نقصها العيب من القيمة إن كانت القيمة أقل، إلا أن يكون الثمن أقل. وأرى (٣) إذا حط البائع عن المشتري الدينارين اللذين خدعه بهما- أن يلزم المشتري في (٤) القيام والفوت؛ لأن مقاله من أجلهما، وإن كان ورثها ثم قال: اشتريتها بعشرة، وباع على الكذب (٥) كانت مسألة غش. فصل [في من ابتاع سلعة ثم ظهر منها عيب] وأما العيب يجده المشتري في السلعة وهي قائمة، فهو بالخيار بين أن

стр. 4622

يمسك ولا شيء له، أو يرد، وليس للبائع أن يحط عنه قيمة العيب ويلزمه إياها؛ لأن كثيرًا من الناس لا يرضى المعيب وإن حط لأجله، بخلاف الكذب في البيع؛ لأن مقاله لأجل كثيرة الثمن، فإذا سقط (١) لم يكن له مقال. فإن علم بالعيب بعد أن فاتت بنماء أو نقص كان له أن يمسك ويحط عنه قيمة العيب من الثمن وربحه، وهذا قول مالك (٢). والقياس أن يكون للبائع والمشتري في ذلك مقال. وإن كان في البيع غش على المشتري اشترى بعشرة ما قيمته ثمانية، والعيب ينقصها الخمس، فأسقط البائع خمس الثمن، وكان الباقي على المشتري ثمانية- قال: المشتري إنما أغرم قيمتها معيبة؛ لأنك لو أسقطت عني هذا الخمس مع القياس لم يلزمني، وكذلك إن فاتت وحططت الدينارين، فأنا أرد قيمتها بدلًا منها. وإن كان الغبن على البائع لصلاح كان في البيع قال البائع: أنا لا أجيز على أن أحط العيب، كما لم يكن ذلك للمشتري علي في القيام، وقد قال مالك في مسألة الكذب: لا يجبر البائع على أن يحطه في الفوت، قال: وليس ظلمه أن يحمل عليه أن يؤخذ بغير ما لم يبع به (٣). فإن قيل: إن العيب بخلاف الكذب؛ لأنَّ العيب كجزء ذهب، فكان بمنزلة من اشترى سلعتين فوجد واحدة، قيل: هذا غير صحيح لوجهين: أحدهما: أنه لو كان ذلك لوجب أن يجبر على رد ما قابل العيب مع القيام.

стр. 4623

والثاني: أنا نعلم ضرورة أنه ليس كالجزء، ولو كان كذلك لم يرجع في فوت السلعة بشيء؛ لأنا نجد الثوب يكون طوله ثلاثين ذراعًا، وعيبه قدر درهم، فلو نظر قدره من أجزاء الثوب لم يكن له شيء يتحسس إليه. فصل [في من ابتاع سلعة واطَّلَع على كذب البَائِع، وظهر منها عيب والسلعة قائمة] وإذا اجتمع الكذب والغش (١) والعيب، فاشترى بعشرة، وقال: الثمن اثنا عشر وربحه دينار، ثم وجد عيبًا، فإن علم بالعيب والسلعة قائمة كان له أن يرد، ولم يلزمه وإن حط البائع الكذب، فإن فاتت بنماء أو نقصان كان ذلك فوتًا في بيع الكذب والعيب. فعلى القول إن الكذب يحط حكمًا كالعيب يبتدأ بإسقاط الكذب وربحه، ثم يحط العيب من الثمن الصحيح، وهي العشرة وربحها. وعلى القول إن الكذب لا يسقط إلا برضا البائع يبدأ بإسقاط العيب من جميع الثمن صحيحه وسقيمه، فإن قيل: قيمته صحيحًا عشرة؛ لأن الثمن لم يكن فيه تغابن، ومعيبًا ثمانية- كان له ثمانية وأربعة أخماس دينار؛ لأنها الثمن الصحيح بعد طرح الكذب والعيب، وإن كانت القيمة أكثر كان له ما لم يجاوز أربعة أخماس الثمن بكذبه وربحه؛ لأن هذا هو الحكم في العيب. وإن فاتت بحوالة الأسواق كانت كالقائمة على رواية علي بن زياد، وعلى رواية ابن القاسم فاتت في الكذب، ولم تفت في العيب، فله أن يرد بالعيب وله أن

стр. 4624

يمسك، ثم يخير البائع بين أن يحط الكذب وربحه أو يعطى قيمة سلعته ما لم تكن القيمة أقل من العشرة وربحها؛ لأنه الثمن الصحيح، أو أكثر مما تباع (١) به. ثم يختلف في الصفة التي تقوم عليها، فقيل: تقوم سالمة؛ لأن المشتري رضي بالعيب، وقد كان له أن يرد به من غير غرم عليه، وهو قول محمد، وقال ابن سحنون وابن عبدوس: تقوّم معيبة، وهو أحسن، ولا يلزم المشتري أن يرد إلا قيمة ما أخذ؛ لأنَّ القيمة بدل من العين التي قبض، والعين التي كان يرد معيبة، وكذلك قيمتها، وليس يلزمه أن يقبض معيبًا، ويغرم سالمًا. فصل [إذا اجتمع الكذب والغش، فعلم بذلك المشتري قبل فوت السلعة] وإن اجتمع الكذب والغش كأن اشترى بعشرة وقال: اشتريت باثني عشر، وطال زمانها في يديه، وبارت عليه، أو رقم عليها خمسة عشر، فإن كانت قائمة كان للمشتري أن يرد، وإن طرح عنه ما ينوب الكذب رد من جهة الغش، فإن فاتت بنماء أو نقص كان قيامه من ناحية الغش خيرًا له، فإن كانت قيمتها يوم قبضها ثمانية أو تسعة أو فوق ذلك، ولم تبلغ العشرة وربحها- لم يكن عليه غير القيمة، وإن كانت قيمتها فوق ذلك اتفق الجواب على الكذب والغش، فيغرم قيمتها بغير ربح ما لم يجاوز الكذب وربحه، وعلى القول إن الكذب يحط حكمًا كالعيب يبتدآنه (٢) فيحط، ثم ينظر إلى قيمتها فيغرمها ما لم تجاوز (٣) الباقي.

стр. 4625

وإن اجتمع العيب والغش فعلم بذلك المشتري قبل فوت السلعة كان له أن يرد، ولا يراعى وإن حط (١) البائع، وإن فاتت بنماء أو نقصان كان للمشتري أن يمسك، ثم يبتدئ بالعيب فيحط قدره من الثمن، فإن قيل: قيمتها سالمة عشرة، ومعيبة ثمانية لم يكن على المشتري سوى ثمانية؛ لأنَّ العيب نقصها الخمسَ، وأربعة أخماس التمام ثمانية دنانير وأربعة أخماس الدينار (٢)، والثمانية هي التي تلزم من جهة الغش خاصة؛ لأنها لا يضرب لها بربح، وكذلك إن كانت قيمتها سالمة ثمانية ومعيبة سبعة، فليس عليه سوى سبعة؛ لأنَّ الباقي للبائع بعد العيب سبعة أثمان المسمى تسعة (٣) إلا ربع، ولها ربح دينار إلا ثمن، فجميع ذلك تسعة ونصف وثمن هذا الذي يثبت من ناحية العيب، ثم يرجع إلى حكم الغش، فليس له إلا قيمتها معيبة، وقد كانت سبعة دنانير، فهي التي تستحق بعد طرح العيب، فيصير المشتري بمنزلة لو لم يشترها إلا معيبة بتسعة ونصف وثمن، ثم علم بما خدعه، فيعطى القيمة ما لم يجاوز الباقي. وإن كانت قيمتها سالمة اثني عشر ومعيبة عشرةً، سقط حكم الغش؛ لأن الذي نقصها العيب السدس، وهو دينار ان إلا سدس من المسمَّى، والباقي تسعة دنانير وسدس، فكان قيامه بالعيب خيرًا له. وإن تغيرت سوقها كان فوتًا من جهة الغش خاصة على قول ابن عبدوس، ولم تفت في العيب، فله أن يرد بالعيب، وله أن يمسك ويدفع القيمة

стр. 4626

من ناحية الغش. ثم يختلف في الصفة التي يقَوَّم عليها، فعلى قول ابن المواز تقوَّم على أن لا عيب فيها؛ لأنها لم تفت من ناحية العيب، وعلى القول الآخر تقوم معيبة، وقد تقدم وجه ذلك. فصل [إذا اجتمع الكذب والعيب والغش، فعلم بذلك المشتري بعد أن فاتت السلعة بنماء أو نقص] وإن اجتمع كذب وعيب وغش اشترى بعشرة، وقال: اشتريت باثني عشر وربح دينارًا، ورقم عليها خمسة عشر، ووجد بها عيبًا بعد أن فاتت بنماء أو نقص، فعلى القول: إن الكذب يسقط حكمًا كالعيب يبتدأ بإسقاط الكذب وربحه، وهو ديناران وسدس (١)، فيكون الباقي أحد عشر إلا سدس، ثم يرجع إلى العيب فتقوم السلعة صحيحة، فإن قيل (٢): عشرة ثم تقوم معيبة، فإن قيل: ثمانية، كان الذي نقصها العيب الخمس، وهو دينار (٣) وسدس، فالباقي بعد طرح العيب وربحه ثمانية دنانير وثلثا دينار، هذا الذي يستحقه بعد طرح الكذب والعيب، ثم يقول المشتري: بقي مقالي عما خدعني به من رقمه عليها، أو كتمانه طول مكثها وبوارها، فأنا أعطيه القيمة بغير ربح ما لم تجاوز الباقي، فالقيمة ثمانية دنانير، ولا شيء له غيرها. فإن كانت قيمتها سالمة ثمانية ومعيبة سبعة أو ستة لتغابن كان في البيع- لم يكن

стр. 4627

للبائع إلا تلك القيمة، فمتى كانت القيمة والثمن متساويين، أو القيمة أقل- لم يكن على المشتري سوى القيمة، وإن كانت القيمة كثير من الثمن، ومِنَ الذي ينوبه من الربح بعد طرح العيب سقط حكم الغش وبقي حكم العيب. فصل [في الرجل يشتري السلعة من عبده ثم يريد أن يبيعها مرابحة] وقال ابن القاسم في من اشترى طعامًا أو شيئًا مما يكال أو يوزن مرابحة فأتلفه، ثم علم أن البائع كذب في ثمنه كان له أن يغرم مثله، إلا أن يحط البائع الكذب وربحه (١). وقال مالك في من باع جارية مرابحة، وقال: اشتريتها بمائة، ثم ثبت أنه اشتراها بمائة وعشرين، فإن كانت قائمة كان المشتري بالخيار بين أن يمسك على ما ثبت أو تبيّن من الثمن وربحه أو يرد، وإن فاتت بنماء أو نقصان كان على المشتري أن يغرم قيمتها ما لم تكن القيمة أقل مما تبايعاها به فلا يحط منه، أو أكثر من مائة وعشرين وربحها فلا يزاد عليه (٢). وأرى إذا فاتت بزيادة، وكانت قيمتها يوم قبضها أكثر مما اشتراها به، ولا تتجاوز مائة وعشرين وربحها- أن يكون المشتري بالخيار بين أن يغرم قيمتها أو يردها؛ لأنها أفضل مما كانت، فلا مضرة على البائع، وإن نقصت من غير سبب المشتري، فله أن يردها ناقصة، إلا أن يمضيها له البائع بما باعها به.

стр. 4628

ويختلف إذا كان نقصها من سببه خطأ، هل يضمنها، أو يردها ناقصة ولا شيء عليه؟ وكذلك إن كان المبيع ثوبًا فنقص عنده، ثم طلب البائع فضل الثمن، فإن كان النقص نابه بسببه- لزمته قيمته، ما لم تكن القيمة أقل مما باع به، أو أكثر من مائة وعشرين وربحها، فإن كان النقص بأمر من الله تعالى- لم يضمن قيمته، وله أن يرده بنقصه، إلا أن يبيع له البائع بما باع به. ويختلف إذا كان النقص لأنه قطعه ولم يلبسه؛ لأن الغلط من البائع، وهو الذي سلطه على قطعه، بمنزلة من باع ثوبًا فأعطى (١) المشتري غيره فقطعه المشتري، فقد اختلف: هل يغرم المشتري ما نقص القطع؟ فقال مالك في كتاب محمد في من قال في شاة: اشتريتها بسبعة دراهم وباعها، ثم قال: ما كنت إلا مازحًا وما قامت عليَّ إلا بعشرة دراهم. قال: ينظر فيها ساعتئذٍ، فإن كان مثلها لا يباع بسبعة، حلف ما كان إلا لاعبًا، ولم يرد بيعًا، وإن كان يباع بذلك مثلها، لزمه البيع، قال: وربما كسدت السلع، فيرضى صاحبها ببيعها بنقصان (٢). وقال ابن القاسم في من اشترى من عبده أو مكاتبه سلعة: لا بأس أن يبيعها مرابحة، ولا يبيّن إذا باعها مبايعة صحيحة، وهذا صحيح فيما بينه وبين الله تعالى، وأما فيما بينه وبين المشتري، فإن كان ذلك مما يكره الناس فعليه أن يبين (٣).

стр. 4629

وقال في كتاب محمد في من اشترى له نصراني سلعة: فلا يبيعها مرابحة حتى يبين أن النصراني اشتراها، وغاب على أمرها، وقال أصبغ: فإن لم يبين كان عيبًا، وللمشتري أن يرد، فإن فاتت مضت بالقيمة يوم اشتراها (١). يريد: إذا كانت القيمة أقل، وكذلك على قوله إذا تولى شراءها مسلم غير مأمون.

стр. 4630

باب في من اشترى دابة فسافر عليها، أو ثوبًا فلبسه، أو جارية فأصابها أو زَوَّجَهَا، ثم باع مرابحة وقال مالك في من اشترى دابة فسافر عليها أو ثوبًا فلبسه: لم يبع مرابحة حتى يبين (١). يربد: لأن السفر واللباس ينقص، ولو ركبها في غير سفر الشيء الخفيف لم يبين، وكذلك اللباس إن كان نقص الشيء اليسير لم يبين أيضًا، وإن كان أكثر من ذلك وما يرى أن المشتري يكرهه إذا علم به فليبين، فإن كانت جارية فأصابها لم يبين إن كانت ثيبًا، وإن كانت بكرًا من العلي بّين؛ لأنه ينقص من ثمنها، وأما الوخش فيسأل عنها التجار، فإن كان لا ينقص ولا ثمن لعذرتها عندهم- لم يبين، وإن كان ينقصها بيّن. وإن زوّجها لم يبع مرابحة إلا أن يبين أن لها زوجًا، وأنها زوجت بعد الشراء، فإن كتمه الزوج كانت مسألة عيب، وإن بينه ولم يبين أنه زوجها بعد الشراء- كانت مسألة كذب، فتفيتها في الوجه الأول العيوب (٢)، ويكون بالخيار بين أن يمسك ويرجع بعيب التزويج، أو يرد ويرد ما نقص العيب عنده. وإن بين الزوج ولم يبين أنها زوجت بعد الشراء كانت مسألة كذب،

стр. 4631

فيختلف هل تفيتها حوالة الأسواق؟ وتستوي بعد الفوت في العيب والكذب في الصفة التي تقوم عليها، فينظر كم قيمتها على أن لا زوج لها، وعلى أنها ذات زوج، فإن كانت الأولى عشرة والثانية ثمانية- كان الذي ينوب العيب أو الكذب الخمُس، فإن كتم الزوج حط الخمس حكمًا؛ لأنه عيب، وإن بينه وكتم حدوثه عنده خيّر البائع بين أن يحط ذلك، وإلا أعطى القيمة، وهي الثمانية، وهذا إذا كان الثمن في الأصل أقل من عشرة، وإن كان عشرة فأكثر- كان حط الخمس وربحه للبائع أفضل؛ لأن الثمانية- التي هي القيمة- لا يضرب لها ربح، وإن كان الثمن عشرة كان لها ربح. وإن لم يتغير سوق الجارية من يوم بيعت أولًا إلى البيع الثاني- لم يكن في المسألة سوى ذلك، وكذلك إن تغير بزيادة، ولم يطل مكثها، وإن تغير بنقص ولم يطل مكثها- كان ذلك النقص في معنى الكذب عند ابن سحنون (١). فإن كتم الزوج كان قد اجتمع في المسألة عيب وكذب، وإن بيَّنه ولم يبين أنه الزوج كان الكذب من وجهين: من الزوج، ومن نقص السوق، فتقوّم يوم الشراء الأول كم قيمتها على أن لا زوج لها؟ وعلى أنها (٢) ذات زوج على نقص ما صار إليه السوق، فالذي بينهما يحط حكمًا على أحد القولين، وعلى القول الأخير يخير بين أن يحط ذلك، أو يعطى القيمة حسبما تقدم، وإنما قومت أول

стр. 4632

قيمتين؛ لأنه إذا لم يتغير السوق كانت قيمتها يوم الشراء الأول تغني عن القيمة يوم البيع أخيرًا. وإن طال مكثها وكتم الزوج كان عيبًا وغشًا، وإن بينه كان كذبًا وغشًا، وإن اجتمع الطول ونقص السوق وكتمان الزوج كان غشًا وكذبًا وعيبًا. تم كتاب المرابحة بعون الله وتأييده وإحسانه

стр. 4633

كتاب الوكالات النسخ المقابل عليها ١ - (ف) = نسخة فرنسا رقم (١٠٧١) ٢ - (ق ٤) = نسخة القرويين رقم (٣٦٨)

стр. 4634

كتاب الوكالات (١) باب في الوكالة وما يلزم منها الوكالةُ جائزةٌ في الحقوق التي تصحّ النيابةُ فيها: البيع، والشراء، والإجارة، والجعالة، واقتضاء الديون وقضائها، وعقد النكاح، والطلاق، وإقامة الحدود، وبعض القُرَب. والأصلُ في الوكالة في الأموال وما يتعلق بها من بيع وشراء وغيرهما قولُه تعالى في ولي الأيتام: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء: ٦]. وقوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ﴾ [البقرة: ٢٢٠]. وقوله في آية الصدقات: ﴿وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا﴾ [التوبة: ٦٠]. والعامل وكيلٌ للمساكين، وفي النكاح قوله تعالى: ﴿وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا﴾ [البقرة: ٢٢١]. وقوله: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾. وقوله في الطلاق: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا. . .﴾ [النساء: ٣٥]. وفي الحدود قولهُ ﷺ : "وَاغْدُ يَا أُنَيْسُ عَلَى امْرَأَةِ هَذَا فَإِنِ اعْتَرَفَتْ فَأرْجُمْهَا" (٢).

стр. 4635

وفي القُرَبِ وكالتُه ﷺ لعلي بن أبي طالب ﵁ على نحر بعض البُدْن وأن يتصدق بجِلالها وجلودها (١). وفي قضاء الديون وكالتُه على أن يقضي عنه بكرًا كان عليه (٢). فصل [الوكالة على وجهين بعوض وبغير عوض] الوكالة على ضربين: بعوضٍ، وبغير عوضٍ. فإن كانت بعوض وكانت على وجه الإجارة لزمت الفريقين بنفس العقد، واختُلف إذا كانت على وجه الجِعَالَة على ثلاثة أقوال: فقيل: هي لازمة لهما كالإجارة. وقيل: تلزم الجاعل بنفس العقد، والمجعولُ له بالخيار قبل العمل وبعده. وقيل: كل واحد منهما بالخيار قبل العمل، فإن شَرَعَ في العمل سقط خيارُ الجاعل وبَقِيَ الآخرُ بالخيار، وإن كانت الوكالة بغير عوض كانت غيرَ واجبةٍ على الموكل، وله أن يعزله قبل العمل وبعده. واختُلف في الوكيل، فقيل: هو بالخيار بين التمادي أو الترك، وهو قول مالك، وإليه ذهب أبو الحسن علي بن القصار ﵀ وغيرُه من البغداديين.

стр. 4636

وقيل: يلزمه ذلك ولا خيار له. فروى ابنُ نافع عن مالك في المبسوط أنه قال في رجل أَبْضَعَ رجلًا مالًا ليبتاع له سلعةً بعينها فاشتراها، وقال: لم أشترها لك، قال: يحلف إن اتُّهِمَ، وليس عليه إلا ذلك. وقال عبد الملك في ثمانية أبي زيد: إن أشهد قَبْلَ أن يشتري أَنَّه يشتريها لنفسه كانت له، وإن لم يُشْهِدْ وادَّعى ذلك بعد الشرَّاء لم يُقْبَلْ قولُهُ وكانت للآمر. وقال (١) أصبغ في الثمانية: لا يجوز له شراؤها لنفسه حتى يعلم الآمر أنه يشتريها لنفسه، فإن لم يعلمه لم ينفعه الإشهاد. فاتفق مالكٌ وعبدُ الملك أنَّ له أَنْ يَعْزِلَ نفسَه، وأنه إن علم ذلك قَبل الشراء كانت السلعةُ له. واختُلف إذا لم يعلم ذلك إلا من قوله بعدَ الشراء، فقبل قوله مرة، لما كان له أن يعزل نفسَه، وأشكل الأمرُ: هل هي للآمر أو المأمور فاستظهر في ذلك بيمينه، ولم يصدق في القول الآخر على القول باستصحاب الحال؛ لأنه مضى على أنَّه وكيلٌ في شرائها، فحمل على ما مضى عليه حتى يعلم غيره. وقول أصبغ أبين؛ لأن أخذَه للمال ونقله إلى بلد آخر دليلٌ على أنه التَزَم الشراءَ للآمر، ولو لم يقصد الالتزامَ لضمن المالَ إن هلَكَ في مضيه أو رده؛ لأنَّ ربَّ المال لم يرض بنقله إلا ليشتري له به، فإذا كان نقلُه للمال دليلًا على الالتزام، وكان الحكمُ بها هبة الرقاب والمنافع سواء يجبر على تسليم ما وهب- لم يصحَّ عزلُه لنفسِهِ والرجوع فيما وهب، ولو كانت الجاريةُ معهما في البلد لكان الأمر أخف، وقد يكون قولُ الوكيل على جهة الوعد، وإذا أوجب ذلك لم يكن له الرجوعُ.

стр. 4637

ولا يلزم على هذا النكاح إذا وُكِّلَ رجلٌ على أن يزوج امرأةً فتزوجها فهي زوجة للوكيل، ولا مقالَ للآمر؛ لأن المرأةَ لها غرضٌ فيمن تتزوجه ولا يلزمها أن تكون زوجةً لمن لم ترضَ به، ولو وُكَلَ رجلٌ على تزويج امرأة ففعل وأظهر أنه الزوجُ وأشهد في الباطن أن العقدَ للآمرِ- لم تكن زوجةً للوكيل، وكانت الزوجة بالخيار بين أن ترضى أن تكون زوجة للآمر أو تَفسخ النكاحَ. فصل [في عزل الموكِّل وحيله إذا لم يتعلق بالوكالة حق لغيرهما] وللموكل عَزْلُ وكيلِهِ ما لم يتعلق بالوكالة حقٌ لغيرهما، فمن ذلك الوكالةُ على الخصومة، فللموكَل عزلُهُ قبل أن يخاصم، وإن سخط ذلك (١) الموكَلُ عليه، وإن أَنْشَبَ الخصومةَ لم يكن للآمر عزلُه إلا برضَا من قبله مِنْ تلك الخصومة، أو يتبَين من الوكيل تفريطٌ أو قلةُ قيامٍ، أو يكون دليلُ تهمةٍ فيما بينه وبين من وكل عليه، فيكون له أن يعزله ويُسقط قولَ الموكل عليه. وإن كانت الوكالة بأجرة كان ذلك عيبًا، وله أن يفسخ الإجارةَ عن نفسه؛ ولأنَّ تركَه على حاله يؤدي إلى تلف حق الطالب، أو ثباتِ الحق عليه إن كانت الوكالة من المطلوب. واختلف في الرجلين تكون الخصومةُ بينهما، فحكَّما رجلًا، ثم أرادا أو أحدُهما عزلَه عن النظر بينهما- على أربعة أقوال: فمنع ذلك عبد الملك أن يكون ذلك لهما أو لأحدهما، وإن لم ينظر في شيء من أمرهما (٢).

стр. 4638

وأجازه مطرف لمن أبى منهما، وإن كره الآخر إن لم يكن نظر في شيء من أمرهما، ومنعه بعد ذلك (١). وأجازه ابن المواز ما لم يكن يشرف على الحكم، قاله في الزوجين يحكمان رجلًا، فإن أشرف على الحكم لم يكن ذلك لهما. وأجازه سحنون في كتاب ابنه ما لم يقع الحكم (٢). واتفقت هذه الرواياتُ على المساواة بين رجوعهما أو رجوع أحدهما، وأرى إن رَجَعَ أحدُهُما وخالفه الآخرُ أن يكونَ القولُ قولَ من أبى عن عزله، طالبًا كان أو مطلوبًا، نظر في ذلك أو لم ينظر. ومن حجة من أَبى من عزله إن كان طالبًا أن يقول: قد يكون رأى (٣) أن الحق لي، فليس لك أن تنقلني إلى من لا يرى ذلك بعد أن تراضينا برأيه وقد تعلق لي بذلك حق. وإن كان الذي أحبَّ التمادي المطلوب قال: قد يكون ردٌّ له أن لا شيء (٤) قِبَلي فتنقلني إلى غيره، وقد يرى الثاني إلزامي. فكان لكل واحد منهما في ذلك مقال. وكذلك إن نَزَعَ أحدُهما بعد النظر كان من حجة الآخر ما تقدَّم ذكرُه، وأن يقولَ: قد أدليتُ بحجتي، أو أثبتُّ بينتي (٥)، أو كان من لفظك ما يوجب لي حقًّا أو يدفع دعواك، فدعواك إلى عزله واستئناف النظر إلى غيره يؤدي إلى ضرري في جميع ذلك، وأن أتكلف البينة وإثبات ما جرى.

стр. 4639

فإن اجتمعا على عزلِهِ والانتقالِ إلى غيره جاز ما لم يكن قد أَشْرَفَ على الحكم فيُمنعان؛ لأن فيه ضربًا من القصد إلى التضارر، كما لو حَكَمَ بينهما فإنه لا خلافَ أنَّه لا يجوز أن يتراضيا على فسخ الحكم والرجوع للمخاصمة. فصل [فيمن وكَّل رجلًا يجهز إليه المتاع ويبيع ويشتري، فمات بعد أن باع واشترى] وقال مالك فيمن وكَّل رجلًا يجهز إليه المتاع ويبيع ويشتري، فباع واشترى بعد موتِ الآمرِ ولم يعلم بموته: فذلك جائزٌ على الورثة، وإن كان قد عَلِمَ بموته لم يجز (١). وقد اختلف في الوكيل يموت من وكله على ثلاثة أقوال: فقيل: هو معزول بنفس موتِ موكِّلِهِ وإن لم (٢) يَعْلم بموته، فإن اشترى أو باع وهو لا يعلم لم يلزم الورثة، وهذا هو الظاهر من المذهب، وقد ذكر (٣) ابن المنذر أنه إجماع من أهل العلم (٤). وقيل: هو على الوكالة حتى يَعْلم بموته، وهو ظاهر قول مالك في الكتاب (٥). وقال مطرف في كتاب ابن حبيب: يجوز قبضُه ودفعُه وخصومتُه، وإن

стр. 4640

عَلِمَ حتى يعزله الورثة (١). وليس بحسن. واختُلف أيضًا في عزله عن البيع والشراء، فقال أشهب في من وكَّل رجلًا على بيعِ عبدٍ، ثم عَزَلَه قبل البيع، فباع الوكيلُ وهو لا يَعْلم قال: البيع جائزٌ ولا سبيل للآمر إلى العبد وإن لم يفت (٢). وذكر سحنون عن ابن القاسم مثل ذلك. وأنكر قوله في مسألة الاقتضاء، وقال: هو يجيز بيعه إذا لم يعلم بفسخ وكالته فكيف لا يجوز اقتضاؤه؟ وفرَّق مالك بين موت الموكل وعزلِهِ، فجعل الوكالة ساقطةً بنفس الموت، ولا تقطع إن عزله حتى يَعلم الوكيل، وقال في الزوج يموت عن زوجته أو يطلق فتنفق من ماله بعد موته أو طلاقه وهي لا تعلم- فجعل للورثة الرجوعَ عليها بعد الموت، ولم يجعلْ للزوج عليها رجوعًا في الطلاق (٣). والذي أختارُهُ أن يكون معزولًا بنفس الموت وإن لم يعلم، بخلاف عزلِهِ في الحياة؛ لأن المالَ في الوفاة لغير (٤) من وَكَّل وهم الورثة، ولم يكن منهم إذنٌ ولا وكالةٌ، وفي الحياة المالُ للموكِّل، فإذا أَذِنَ ثم حجر على الوكيل في وقتٍ يُعْلم أنه لا يَبْلُغُهُ التحجير إلا بعد امتثال الوكيل- كان التحجير مستحيلًا، وهو من تكليف ما لا يُطاق. وكذلك إن حَجَرَ عليه وهو معه في البلد، وحجر وأَشْهَدَ بعزلته ولم يُعْلمه- فهو ضربٌ من التعدي على أموال الناس، يأمره بالبيع وأَخْذِ الثمن

стр. 4641

منهم فيه ثم يعزله في وقتٍ يُعلم أنه لا تَبْلُغُهُ العزلةُ إلا بعد البيع وأَخْذِ الثمن. وذكر أبو محمد عبد الوهاب عن ابن القاسم أن تَصَرَّفَ الوكيل بعد الموت مردودٌ (١). ولم يفرق بين بيع وشراء واقتضاء. فإن كان وكيلًا على البيع، وثبت أن البيع للميت كان حكمُ المبيعِ حكمَ المستحق، فإن كان قائمًا كان الورثةُ بالخيار بين الإجازة والردِّ. وإن تَغَيَّرَ من غير سبب المشتري أو هلك أو ضاع لم يكن لهم سوى الثمن، وإن كان هلاكُه من سببه -لبس فأَبْلَى أو ما أَشْبَهَهُ- كان لهم الأكثرُ من الثمنِ أو القيمةِ. وإن باعه (٢) المشتري كانوا بالخيار بين إجازة البيع الأول أو الثاني، أو النقض. وإن كان وكيلًا على الشراء فاشترى وكان البائع حاضرًا، وقد بين المشتري أنه وكيل لفلان، أو ثبت ذلك- كان للورثة ردُّ البيع وانتزاعُ الثمن منه. وإن غاب البائعُ وعاد مقالهُم مع الوكيل لم يكن لهم عليه مقالٌ سوى أَخْذِ ما اشترى أو الثمنِ إن باع؛ لأنه تَصَرُّفٌ بوجهِ شُبْهَةٍ، وعلى هذا يحمل قول ابن القاسم في المدونة. وإن كان وكيلًا على قبضِ دينٍ فَقَبَضَهُ وضاع منه كانت مصيبته من الطالب أو من الورثة على القول: إنه معزولٌ بنفس الموت أو بنفس العزلة. وإن كان وكيلًا على خصومةٍ فخاصَمَ بعد موتِ الموكِّل، حتى أثبت الحق أو انحصر وسقط حكم الدعوى- كان على الخلاف المتقدم، فعلى القول: إنه ليس بمعزول- جرى فعلُهُ مجرى ما فعل في الحياة، وعلى القول: إنه معزول- يصح ثبوتُ الحقِّ قبل المدعى عليه، ولا يصح سقوطُهُ، لانحصار الوكيل،

стр. 4642

ولهم أن يستأنفوا الخصومةَ في ذلك. وقال أصبغ: تنفسخ الوكالة بموت الآمر، ولا تجوز خصومتُه إلا أن يموت الآمرُ عندما أشرف من (١) تمام الخصومة له أو عليه، وبحيث لو أراد الموكل فسخ خصومته لم يكن ذلك له، وما كان من يمين كان يحلفها الآمر يحلفها الورثة (٢). وهذا قول محمد أن للموكل أن يعزل الوكيل عن الخصومة ما لم يشرف على الحكم، والقول إنه إذا أنشب الخصومة لم يكن له أن يعزله أحسن، وكذلك وكيله. فصل [فيمن وُكِّلَ على قبضِ دينٍ فقبضه بعد أبي عُزِلَ، وقد علم أو لم يعلم] واختُلف فيمن وُكِّلَ على قبضِ دينٍ فقبضه بعد أن عُزِلَ، وقد علم أو لم يعلم- على ثلاثة أقوال: فقال ابن القاسم في كتاب الشركة: لا يبرأ الغريم وإن لم يعلم الوكيل بعزلته (٣). وقال سحنون: هو بريء بدفعه ذلك (٤). وقيل: إن علم لم يبرأ وإن لم يعلم برئ. وقيل: يبرأ الغريمُ وإن علم الوكيل بعزلته؛ لأن على الطالب أن يُعْلِمَ الغريمَ بعزلته؛ فيمتنع من الدفع إليه، فإذا لم يُعْلِمْهُ كان متعدياَّ عَلى الغريم، ثم مسلطًا على ذمته ممكنًا من أخذ الدين.

стр. 4643

وهذا أحسن إذا كان غيرَ قادرٍ على الامتناع من الدفع؛ لأن البينةَ تشهد على الوكالة، ولا بينةَ عند الغريم لما ادَّعاه من عزلته، وإن أعلم الطالبُ الغريمَ أنَّه عَزَلَهُ عن القبض منه وافترقا على ذلك- لم يبرأ الغريمُ بالدفع إلى الوكيل؛ لأن الغريمَ فرَّط إذا رَضِيَ من الطالب بعزلة الوكيل من غير إشهادٍ. فصل [فيمن وكَّل رجلًا يُسْلِمَ له دراهمَ في طعام ففعل، ثم وجد المُسْلَمُ إليه فيها زيوفًا] وقال ابن القاسم فيمن وكَّل رجلًا يُسْلِمُ له دراهمَ في طعام ففعل، ثم وجد المُسْلَمُ إليه فيها زيوفًا، قال: إن صدقه المأمورُ وعَرَفَها لزمت الآمرَ، ولم ينفعه إنكارُه؛ لأنَّ المأمور أمينه، وإن قبلها المأمور ولم يعرفها لزمته، ولم تلزم الآمر، وحلف الآمر (١) أنَّه لا يعرفها وما أعطاه إلا جيادًا (٢) في علمه، وإن لم يقبلها المأمور ولا عرفها حلف أنه ما أعطاه إلا جيادًا (٣) فيعلمه، وحلف الآمرُ ولزمتْ البائعَ (٤). ومحمل المسألة على أن الوكيل لم يخبر المسْلَم إليه أنه وكيل، أو أخبره ولم يُشْهد (٥) أنه يدفع دراهم الآمر؛ لأنَّ المأمور مطالب في حين العقد بالدفع من ذمته، وإن كان ذلك كان بدل الزائف عليه من ذمته حسب ما كان قبل

стр. 4644

الوزن، ولم تنتقض وكالته بالدفع الأول، ولهذا قال: إن قبلها ولم يعرفها (١) لزمه بذلك (٢) بدلها، وجعل له أن يُبَدِّيه باليمين إن أنكرها دخل معه على أنه يزن من ذمته، وله أن يبتدئ بالآمر لاعترافه أن المداينة له، فإن بدأ بالمأمور فنكل حلف البائع وأبدلها له، فإن نكل لم يكن له شيء، ولم يكن له أن يحلِّف الآمرَ؛ لأن الآمر يقول للبائع: لو ابتدأتَ المقال معي كنتُ أنا المبدَّى باليمين، فإن نكلتُ رددتُ اليمينَ عليكَ، فإن نكلتَ فلا شيء لكَ عليَّ وأنتَ فقد نكلت. وإن أخذ البائعُ البدلَ بيمينه من المأمور بعد نكولِهِ لم يكن للمأمور أن يرجع على الآمر بشيء؛ لأن يمينَ الآمرِ يمين للآمر والمأمور، وكذلك إن نكل الآمرُ (٣) وحلف البائعُ وغَرِمَ لم يكن له على المأمور يمينٌ؛ لأن يمينَ البائعِ (٤) يمينٌ لهما جميعًا، وإن كان استحقاقُ البائع بيمينه ونكولِ أحدهِما، ولم يعرض على الآمر (٥) اليمين- نَظَرْتَ فإن كان النَّاكلُ الآمرَ لم يكن له على الأمور يمينٌ، وإن كان النَّاكلُ المأموَر كان له أن يُحلف الآمرَ؛ لأنه إذا خلصت (٦) الأيمانُ فيما بين الآمر والمأمور برئ المأمور؛ لأنه أمينه يحلف ما خان ويبرأ، فإن نكل رد اليمين على الآمر أنه ما يعلمها من دراهمه، وهو قد نكل، وإن بدأ المأمور فنكل كان له أن يردَّها على الآمر. فإن بيّن المأمورُ للمُسْلَمِ إليه أنه وكيل لفلان ليُسْلِمَ إليه دنانيرَه هذه-

стр. 4645

انْقَضَتْ وكالتُه بنفس دفعها، ولم يُقبل قولُ الوكيل أنها من دنانير الآمر ولا شهادتُه؛ لأنه مُتَّهمٌ أن يكون أبْدَلَها، ويحلف الآمرُ أنه لا يعلمها من دراهمه ويبرأ، ويرجع المقال فيها بين البائع (١) والمأمور، فإن اعترف بها وأنه كان ذاكرًا في حين الدفع غَرِمَها، وإن قال: أنسيتُها حَلَفَ أنه نسيها وبرئ. إلا أن يكون ممن يُتَّهم في بدلها فَيَزِيد في يمينه: ما أبدلتُها. فإن نَكَلَ غَرِمَ، وإن لم يعرفها لم يحلف إلا أن يُتَهم ببدلها. فصل [فيمن وكل على بيع سلعة ثم وجد المشتري عيبًا مشكوكًا فيه] وإن كان وكيلًا على بيع سلعة ثم وجد المشتري عيبًا مشكوكًا فيه، فإن أخبر أنه وكيل فيها لفلانٍ لم يحلف على العيب، وهذا قول مالك في كتاب التدليس (٢). قال محمد: لأنه لو أقرَّ أنه كان عالمًا لم ينقض البيع (٣). يريد: لا ينقض على الآمر بإقراره؛ لأن وكالتَه قد انقضتْ بنفس البيع. وأرى إن أقرَّ أنه كان عالمًا وذاكرًا للعيب حين البيع أن يردَّ عليه السلعة؛ لأنه غير وأتلف الثمن (٤) على المشتري، فإن أقر الآمر بالعيب رُدَّ عليه، وإن أَنْكَرَ حَلَفَ، وإن قال الوكيل: أُنسيته في حين البيع. صُدِّق ولم يحلف بخلاف المالك؛ لأن المالكَ مُتَّهم في كتمان العيب لمنفعة نفسه، ولا يُتَّهم الوكيلُ لمنفعة

стр. 4646

غيره، إلا أن يكون هناك دليلُ تهمةٍ. فإن قال الوكيل: لم أعلم بالعيب، أو قال: أُنسيته. بُدِئ بيمين المالك؛ لأنه إن نكل وحلف المشتري رُدَّ عليه واستغني عن يمين الوكيل، ولو بَدَأ الوكيلُ لم يكن من يمين المالك بُدٌّ، فكانت التَبْدِئَةُ بيمين المالك (١) أولى. وإن كان العَيْبُ قديمًا رد على المالك من غير يمين، إلا أن يكون المالك غائبًا فيحلف الوكيلُ على أحد القولين. واختلف في الوكيل على الشراء يتذكر أنه اشترى على صفةٍ تُوجب الفسادَ، فقال عيسى في العتبية: القولُ قولُ الوكيل مع يمينه أنه اشترى على ذلك، ويُفسخ البيع (٢). وقال مطرف وابن الماجشون في كتاب ابن حبيب: إن ادعى ذلك عند دفع السلعة قُبِل قوله وحَلَفَ، فإن نكل كانت السلعةُ للآمر، وغَرِمَ المأمورُ القيمةَ إن كانت أكثرَ من الثمن، فإن ادَّعى ذلك بعد دفعها لم يقبل قوله وغرم تمام القيمة (٣). وأرى أنه مُصَدَّقٌ كان اعترافُه عند التسليم أو بعدُ؛ لأن الشراءَ موكولٌ إلى أمانته، ولا يُعْلم قدرُ الثمن والجنس والصحة والفساد إلا من قوله. ولا فرقَ بين أن يسأل عن ذلك بالحضرة أو بعدُ؛ لأنه لو لم يسأل عن الثمن إلا بعد أن طال قُبِل قوله، وقد قال ابن القاسم فيمن وَكَّل على شراءِ سلعةٍ وسمَّى له الثمنَ، فاشتراها وسلمها، ثم زعم أنه زاد على ما سمَّاه له: إنه

стр. 4647

مصدق مع يمينه إذا ادعى ذلك بالقرب، فإن طال لم يقبل قوله، إلا أن يكون اشتغل عن ذلك أو سافر فيقبل قوله في الزيادة مع تهمته (١). لأنَّه يدعيها لنفسه، فقبولُ قول من لا يدَّعي ذلك لنفسَهِ أولى. فصل [فيمن وُكِّلَ على بيع سلعةِ فباعها وجَحَدَهُ المشتري] وقال ابن القاسم فيمن وُكِّلَ على بيع سلعةٍ فباعها وجَحَدَهُ المشتري، قال: الوكيلُ ضامنٌ؛ لأنه أتلف الثمن، ولأن مالكًا قال فيمن بعث (٢) معه بضاعة، فقال: دفعتُها وأَنْكَرَه المَبْعُوْثُ إليه- هو ضامن إلا أن يقيمَ بينةً بالدفع (٣). وقول عبد الملك في هذا الأصل: إنه مُصَدَّقٌ وإن لم تَشْهَد بينةٌ (٤). وعلى هذا الناسُ اليومَ في كثير من البياعات أنَّهم لا يُشهدون، فما كانت العادةُ فيه عدمَ الإشهادِ لا ضمان على الوكيل فيه وإن جَحَدَ المشتري الشراءَ، أو قال: اشتريتُ بدون ذلك، ولا يمين على الوكيل للآمر إن كانت السلعة بيد الوكيل. وإن قال: أسلمتُها فجحدها المشتري حَلَفَ أَنْ قد أَسْلَمَها إليه، وحلف الآخر أنه ما اشترى ولا قبضها وبرئا، وكانت المصيبة من الآمر، فإنَّ نَكَلَ المأمورُ غَرِمَ الأقلَّ من القيمة أو الثمن، وإن نكل المشتري غَرِمَ الثمنَ، وإن نكلا جميعًا، وكان الآمر قد ابتدأ بالمأمور فغرم الأقلَّ- لم يرجع المأمورُ على المشتري بشيء؛ لأن المشتري يقول للمأمور: إذا خَلَصَ المقالُ والدعوى بيني

стр. 4648

وبينك كنتُ أنا المبدَّى باليمين، فإن نكلتُ رددتُ اليمينَ عليكَ، فإن نكلتَ عنها فلا شيء لك عليَّ. وإن ابتدأ الآمرُ بالمشتري فنكَلَ غَرِمَ الثمنَ، وكان للمشتري أن يرجع على الوكيل فيحلفه، فإن نكل أَغْرَمَهُ الثمنَ الذي غَرِمَه للآمرِ. وإن كانت العادةُ الإشهادَ على الثمنِ غَرِمَه سلَّم السلعةَ أو لم يُسلِّمها، وإن كانت العادة الإشهاد على العقد دون تسميةِ الثمنِ، فإن لم يسلِّم السلعة لم يغرم شيئًا، وإن سلَّمها غَرِمَ الأقلَّ من القيمةِ أو الثمنِ. واختُلف إذا اعترف المشتري بالشراء، وقال: اشتريتُ بأربعين. وقال المأمور: بخمسين، فقيل: يتحالفان ويتفاسخان، فإن نَكَلَ المأمورُ حَلَفَ المشتري وغَرِمَ أربعين، وهو قول ابن القاسم (١). وقال محمد: يَغْرَمُ الرسولُ العشرةَ الباقية (٢)، وقال مالك في كتاب محمد: يفسخ البيع إذا نكل الرسول. وهو أبين؛ لأن الآمر يقول: نكولُ المأمورِ عليَّ ضررٌ، فلا تُؤخذ سلعتي بغير ما أقر وكيلي أنه باع به. ويختلف إذا تحالفا وفسخ البيع، هل يكون للآمر أن يُغْرِمَ الرسولَ الخمسين؟ فعلى قول محمد يغرمه الخمسين؛ لأنه فرَّط، وعلى قول ابن القاسم لا شيء عليه. ومحمل قوله ها هنا على أن العادةَ تركُ الإشهاد. وقال ابن القاسم: إن قال المأمورُ أَبقَ منِّي هذا العبدُ. وقال من هو في يديه: بعتَه مني بثلاثين دينارًا وقد دفعتُها إليك- حلف الوكيلُ أنه لم يبعه منه وأخذه، فإن نَكَلَ حَلَفَ المشتري

стр. 4649

وكان له العبدُ، وغَرِمَ الوكيلُ الثلاثين دينارًا (١)؛ لأن المشتري حلف أنه أَوْصَلَ إليه الثمنَ. وإن كان وكيلًا على الشراء، فقال: اشتريتُ لك هذا العبدَ، وجحد البائعُ وحلف- كان على الوكيل أن يغرم فضلَ القيمةِ على الثمن على أحد القولين؛ لأنه فرَّط إذ لم يشهد، وعلى القول الآخر لا شيء عليه. فصل [فيمن وكَّل رجلًا يشتري له أمةً، فاشترى ابنة الآمر] ومن وكَّل رجلًا يشتري له أمةً، فاشترى ابنةَ الآمر، فإن كان غيرَ عالمٍ كان الشراءُ جائزًا، وأُعتقتْ على الآمر. واختُلف إذا كان عالمًا، فقيل: تُعتق على المأمور. وقيل: تبقى له رقيقًا. وقيل: يعتق الربحَ إن كان فيها ربح، وهذا إذا لم يبين الوكيلُ للبائع أنه وكيل على شرائها لفلان، فإن بيَّن أنه وكيلٌ لفلان بماله ولم يجز الموكل الشراء نقض البيع. وإن اختلف الوكيلُ والآمرُ، فقال الآمرُ: علمتَ أنها ابنتي فاغرمْ لي الثمنَ. حلف الوكيلُ أنه لم يعلم ولزمتِ الآمرَ، فإن نكل الوكيل حلف الآمر وأغرمه الثمنَ وأُعتقتْ على المأمور على قول ابن القاسم؛ لأن إنكاره المعرفةَ اعترافٌ منه أنها عتيقةٌ على الآمر، وأنه ظلمه بجحوده، وفي أن أغرمه الثمن. وكذلك إن أقام الآمرُ بينةً أن الوكيلَ عَلِمَ، فإنَّها تَعتق على الوكيل؛ لأنه

стр. 4650

يقول: هي حرة، وقد كذبت البينةُ فأغرم الثمنَ بشهادة البينة عليه بالتعدي. وإن قال الوكيلُ: كنتَ أمرتَني بشرائها. وأنكر الآمرُ- كان بمنزلة من قال: أمرتني أن أشتري لك هذا العبد، وقال الآمر: بل هذا العبد الآخر، أو قال: أمرتني بتمر، وقال الآخر: بقمح، وقد اختُلف في ذلك: هل يكون القولُ قولَ الآمر أو قولَ المأمور؟ والأمة عتيقة قولًا واحدًا. وإن بين المأمورُ للبائع أنه وكيلٌ في شرائها لفلان بماله حلف الآمرُ أنه حَجَرَ عليه شراءها، وفُسخ البيعُ وارتُجع الثمن، وكانت رقيقًا للبائع، فإن غاب البائعُ وعاد المقالُ بين الآمر والمأمور كانت الأمةُ عتيقة، ثم يختلف: هل يكون القول قول الآمر أو قول المأمور حسب ما تقدَّم إذا لم يبّين أنه وكيل. فصل [فيمن وُكِّل على أن يشتري فَرَسًا معينًا أو على صفةٍ بمائة، فاشترى تلك العينَ أو الصفةَ بخمسين] ومن وُكِّل على أن يشتري فَرَسًا معينًا أو على صفةٍ بمائة دينار، فاشترى تلك العينَ (١) أو الصفةَ بخمسين دينارًا (٢) جاز، وإن وُكِّل على أن يشتري جاريةً بمائة دينار (٣)، فاشترى جاريتين على تلك الصفة بمائة، فإن اشتراهما في صفقتين (٤) لزمت الأولى وكان الآمر بالخيار في الثانية، وإن كانت إحداهُما على

стр. 4651

الصفة والأخرى على غير الصفة لزمت التي هي على الصفة، تقدَّم شراؤها أو تأخَّر، وكان بالخيار في الأخرى. واختُلف إذا اشتراهما صفقةً واحدةً، فقال محمد: إن لم يقدر على غيرهما لزمتا الآمر (١). وقال ابن القاسم في العتبية: الآمر بالخيار بين أن يأخذهما أو إحداهما بما ينوبها من الثمن ويرتجع باقي الثمن (٢)، وقال أصبغ في كتاب ابن حبيب: يلزمان الآمر جميعًا؛ لأنه لو اشترى الجاريةَ وحدها بذلك الثمن لزمته، فهو لم يزده إلا خيرًا (٣). وقال عبد الملك في المبسوط: الآمرُ بالخيار إن شاء أخذهما بذلك الثمن (٤) جميعًا أو تركهما جميعًا. وقولُ محمد إذا لم يقدر على شراء واحدة لزمتاه- أحسنُ، ولا يختلف في ذلك، وإنما الاختلافُ إذا كان قادرًا على أن يشتري واحدة. وأرى: أن للآمر أن يأخذ التي هي على الصفة إن شاء (٥)، وإن كانتا على الصفة أخذ أيتهما أحبَّ؛ لأنه لما كان ممكنًا من شراء إحداهما في معنى العقدين فيما بينه وبين الآمر.

стр. 4652

باب (١) في الوكيل يخالف ما أمر به فيبيع بأقل أو يشتري بأكثر وفي اختلاف الموكِّل والوكيل ومن وُكِّلَ على أن يشتري سلعة بخمسين دينارًا، فاشتراها بأكثر، فإن كانت الزيادة يسيرة كالدينار ونحوه لزمتِ الآمرَ. فإن وُكِّلَ على أن يبيعها بخمسين فباعها بأقلَّ لم تلزم، وإن كان النقص يسيرًا؛ لأنه خالفَ ما أمر به، ولأن القصد أن يطلب أكثر من ذلك ولا يبيع بأقل (٢). والشأنُ في الوكالة على الشراء أنه يستخف الزيادة اليسيرة عندما يحصل له غرضه في ملكها، وإن كانت الزيادةُ كثيرةً لم تلزم الآمرَ، وكان بالخيار في قبولها أو الترك، وإن كان فيها فضل فقال: أنا آخذ منها ما قابل رأس مالي- كان ذلك له، وإن هَلكَتْ قَبْلَ وصولهِا إلى الآمر كانت المصيبةُ من المأمور إن كانت الزيادةُ كثيرةً، وإن كانت يسيرةً كانت من الآمر. فصل في اختلاف الموكِّل والوكيل في قّدْرِ الثمن، وفي جنسه، وفي حلوله فإن اختلفا في قدره، فقال: الآمر أمرتُك باثني عشر. وقال المأمور: بعشرة وبها باع. فإن كانت للموِّكل بينةٌ ولم يَبِنْ بها المشتري كان بالخيار بين أن يرد البيع، أو يجيز ويأخذ من المشتري عشرةً ومن المأمور دينارين، وهذا قول ابن

стр. 4653

القاسم فيمن سمَّى له ما يبيع به فباع بدون التسمية، وحمل عليه أنه التزم تلك التسمية (١). وقيل: لا شيء على المأمور، وهو أحسن؛ لأنَّ الظاهرَ المخالفةُ دون التزام، وإن استظهر بيمينه أنه لم يلتزم الدينارين فحسن. وإن بان بها المشتري كان على المأمور على قول ابن القاسم الأكثرُ من القيمةِ أو الاثني عشر، وإن كانت الاثنا عشر أكثرَ أخذها؛ لأنه يحمل عليه الرضا بها، فإن كانت القيمةُ أكثرَ أخذها؛ لأنه مقرٌّ أنه تعدى. واختُلف إذا لم تفتْ، أو لم يفت المبيع أو السلعة ورضي المشتري أن يتم الاثني عشر: هل يلزم ذلك الآمر؛ لأنه الثمن الذي رضي البيع به، أو لا يلزم؟ لأن الآمرَ يقول: هذا بيعُ تعدٍّ لم آمُرْ به، والبيع الذي أمرتُ به لم تفعله بَعْدُ، وقد بدا لي أن لا أبيع سلعتي. وأرى إن رَضِيَ بذلك المشتري لمَّا علم بتعدي المأمور- وأجاز له المأمور البيع بالاثني عشر قبل أن يعلم الآمر- أن يلزم البيع (٢) ولا رد للآمر؛ لأن الوكالةَ التي وُكِّل عليها لم يكن فعلها قبلُ، ولا يزول بذلك البيع الذي كان تعديًا. ولو رد المأمورُ ذلك البيعَ قبل أن يعلم الآمر كان له أن يبيعها بالاثني عشر، وإن لم تَشهد للآمر بينةٌ، واعترف المأمورُ أنه أمره باثني عشر- لم يصدق على المشتري. قال مالك في كتاب محمد: ويكون للآمر أن يغرم الرسول ما أمر به، وإن كان

стр. 4654

عديمًا أتبع به، ولم يكن له على المشتري سبيل ولا غُرْمٌ وإن كان موسرًا (١). يريد (٢) إذا لم يحلف الآمر، فإن حلف وكانت السلعة قائمة أخذها، وإن فاتت أغرم المشتري تمامَ القيمة إن كانت أكثر من عشرة، وإن أنكر الرسول، وقال: ما أمرتني إلا بعشرة- حَلَفَ الآمرُ أنه أمره باثني عشر وردَّ البيع، فإن نكل مضت العشرة (٣) ولم يَرُدَّ اليمينَ على المشتري؛ لأنه لا علم عنده، وإنما له أن يُحلِّف البائعَ؛ لأنها يمينٌ تهمةٍ، فلا ترجع ولا على الوكيل؛ لأنه إذا خَلَصَ المقال بين الآمر والمأمور كان القول قول المأمور. فإن نكل حلف الآمرُ واستحقَّ، فإن نكل لم يكن له شيءٌ، وهو قد تَقَدَّمَ نكولُه عنها، وكذلك إن اختلفا، وقد بأن بها المشتري فالقول قول المأمور، فإن نكل حلف الآمر واستحق، فإن نكل لم يكن له شيء، وقد قيل يتحالفان إن كانت القيمةُ أحدَ عشرَ ويغرم الوكيلُ دينارًا؛ لأن اختلاف الآمرِ والمأمورِ كاختلاف المتبايعين، وقد قال أشهب: إذا فاتت السلعة تحالفا ورُدت القيمة بدلًا من العين (٤). ويختلف إذا أتى الآمر بما لا يشبه، والمأمور بما يشبه، والسلعة قائمة، فقال مالك مرة: القول قول البائع. وكذلك الآمر يكون القول قوله مع يمينه ويرد البيع، وبه أخذ ابن القاسم (٥). وقال مرة: لا يقبل قوله (٦). وهو أحسن؛ لأن

стр. 4655

ذلك دليل كشاهد قام للمأمور وللمشتري على صدق المأمور وكذب البائع (١)، فإن فاتت كان القولُ قولَ المأمور مع يمينه، ولا يغرم المشتري إلا ما حلف عليه المأمورُ، فإن غاب المشتري حلف المأمور وبرئ، فإن نكل وكانت القيمة أكثر مما باع به غرم تمام القيمة. فصل [إذا باع الوكيل إلى أجل وقال الآمر أمرتك بالنقد] واختُلف إذا باع بثمن إلى أجل، فقال: بذلك أمرتني، وقال الآمرُ: أمرتك بالنقد، فقال ابن القاسم في كتاب محمد: القول قول المأمور، قال: وذلك بمنزلة اختلافهما في العدد، وقال ابن القاسم وابن الماجشون ومطرف وأصبغ في كتاب ابن حبيب: القول قول الآمر، قائمة كانت أو فائتة (٢). قال الشيخ ﵁: أما إن كانت قائمةً فالقولُ قولُ الآمر، يحلف ويأخذ سلعته. وإنما الاختلاف إذا فاتت، وأرى أن يكون القولُ قولَ المأمور؛ لأنه أتى بما يشبه. وإن قال الآمر: أمرتك بعشرة إلى أجل، فقال المأمور: بخمسة نقدًا، وبها باع، كان القولُ قولَ الآمرِ (٣) إذا كانت قائمة يحلف ويأخذ سلعته، وإن فاتت كان القولُ قولَ المأمور مع يمينه، ويغرم الخمسة إلا أن تكون الخمسة أقلَّ من القيمة بما لا يتغابن في مثله، فيحلف ويأخذ القيمة. وإن قال: أمرتك بدنانير مسماة، فباع بقدرها من الدراهم لزمه البيع،

стр. 4656

وهو قول أصبغ في العتبية (١)، إلا أن يعلم أن غرض البائع الدنانير لحاجة له إليها فلا يلزمه. وإن باع بعرض، وقال: بذلك أمرتني. وقال الآمر: بالعين - كان القول قول الآمر مع يمينه، ويرد البيع إن كانت قائمة أو فاتت بحوالة الأسواق. وإن هلكت بأمر من الله تعالى كان مقاله مع الوكيل يأخذه بالأكثر من الثمن أو القيمة، وإن كانت ثوبًا يلبسه المشتري كان له الأكثر من الثمن أو القيمة فإن كانت القيمة يوم البيع أكثر أخذها من الوكيل، وإن كانت يوم اللباس أكثر أخذها من المشتري. وإن باع الوكيل بعين، وقال الآمر: أمرتك بعرضٍ، كان القولُ قولَ المأمورِ، وقد قال مطرف في كتاب ابن حبيب: القولُ قولُ الآمر إن لم تفت، وإن فاتت كان مخيرًا بين أن يأخذ ما باعها به أو القيمة (٢). والأول أحسن. وكذلك إن قال: أمرتُك بعرض كذا، وقال المأمور: بعرض غيره. فإن كانت السلعة قائمة حلف الآمرُ وأَخَذَ سلعتَه، فإن فاتت جرت على القولين فيمن أَمَرَ أن يشتري قمحًا وقال الآخرُ: أمرتني بتمرٍ، فقال مطرف في كتاب ابن حبيب: القول قول الآمر في القيام والفوات. والأول أحسن إذا فاتت؛ لأنهما إذا اتفقا أن الثمنَ يكون عرضًا كان كلُّ واحد منهم قد أتى بما يشبه وإذا أتى الوكيل بما يشبه كان القول قوله.

стр. 4657

فصل [إذا وكله على شراء فقال أمرتك أن تشتري قمحًا وقال الآخر تمرًا] اختلف إذا كان وكيلًا على الشراء فقال: أمرتُك أن تشتري قمحًا، وقال الآخر: تمرًا، وقد اشتراه، فقال مالك في المدونة: القولُ قول الرسول مع يمينه، قال ابن القاسم: لأنه لمَّا كانت الذهبُ مستهلكةً بالشراء كان الآمر مدعيًا. يريد تضمينه فلا يقبل قوله (١). وفي كتاب محمد: القول قول الآمر (٢)، ورأى أنه لا يؤخذ بغير ما أقر به. والأول أحسن؛ لأن الرسولَ مؤتمنٌ على الشراء، فكان القولُ قولَه أنه لم يتعدَّ؛ لأن الغالبَ أن الصدقَ في جهته، وليس يُتَّهم الإنسانُ على أن يشتري غير ما أمر به؛ لأن ذلك لا يفيده شيئًا، ويُتَّهم الآمرُ إذا أتاه بما فيه خسارة أو حدث فيه فساد أو ضياع، وإن بيَّن الرسولُ أنه وكيل لفلان يشتري له بماله ولم يغب البائعُ- حلف الآمرُ وأَخَذَ مالَهُ قولًا واحدًا، وإن غاب البائعُ أو افتقر كان المقالُ قائمًا (٣) بين الآمر والمأمور وعاد الخلافُ التقدم. وإن شهدت بينةٌ أن ذلك المالَ للموكِّل ولم يكن الوكيلُ بيَّن للبائعِ أنه وكيلٌ لفلان بماله- كان الخلافُ على حاله؛ لأن الموكِّل إن أخذ المال بَقِيَ على الوكيل، وكان القولُ قولَه، أنه لم يتعدَّ. وإن شهدت البينةُ أنه وكَّلَه على أن يشتري له بماله هذا، ولم يثبت على

стр. 4658

ماذا وكَّله أن يشتري (١) به- كان لربِّه أن يحلف أنَّه وكَّله على صنفِ كذا ويأخذ ماله، فإن نكل مَضَى الشراء لأنها يمين لا (٢) ترجع على البائع؛ لأن يمينَ الآمرِ للبائع يمينُ تهمةٍ، وإذا مضى البيعُ لم تكن على الوكيل يمينٌ؛ لأنه يقول: إذا صار المقالُ بيني وبينك كنتُ أنا المبدَّى، فأنا أردُّ اليمينَ عليك وأنت قد نكلتَ. وإن شهدت البينةُ بالوكالة وأنه خالَفَ ما أَمَرَهُ به، وكان الثمنُ سلفًا من عند الوكيل- لم ينقض البيع؛ لأن الوكيلَ أقرَّ أن الشراء بوجه جائز وأن البينة كذبت، وأن السلف كان بوجهٍ صحيحٍ لا يجب ردُّه من قابضه. ويختلف إذا اتفقا أن الوكالةَ كانت على شراءِ عبدٍ أو ثوبٍ، فاشتراه بخمسين، وقال: بذلك أمرتني، وقال الآمر: بأربعين، فقال مطرف: القولُ قَولُ الآمرِ (٣). وعلى القول الآخر القول قول الوكيل؛ لأنه أمينٌ على الشراء مُدَّعى عليه العداء. وهذا إذا أشكل ما قالا؛ لأنهما أتيا بما يشبه، فإن أتى أحدهما بما لا يشبه كان القولُ قولَ من أتى بما يشبه قولًا واحدًا، فإن أتى المأمورُ بما لا يشبه ولم يعلم بما اشتراها به كان للآمر أن يأخذها ويغرم ما يشبه أن تباع به، ويحمل على المأمور أنه غيب الثمن. وكل هذا إذا لم يبيّن الوكيلُ للبائع، فإن أَخْبَرَهُ أنه وكيلٌ لفلان بماله- كان القولُ قولَ الآمر قولًا واحدًا، ويصير بمنزلة من وُكِّلَ على نكاح امرأة فزوجها

стр. 4659

بمائة، وقال: بذلك أمرتني، وقال الزوجُ: بخمسين- كان القولُ قولَ الزوجِ؛ لأن الوكالةَ على التزويج تتضمن العقدَ خاصةً، والزوجُ هو الدافع للثمن والقابضُ للمثمون. ولو كان وكيلًا على التزويج وأن يدفعَ الصَّداقَ من عنده سلفًا كان القولُ قولَ المأمور؛ لأنه لو بَرِئَ الزوجُ مع قيام المبيع وحلف وبرئ أدَّى ذلك إلى غُرْمِ الوكيل وخسارته؛ لأنه مقرٌّ أنه نقد بوجه جائز، وأنه لا يحل له انتزاع ذلك من الزوجة وأن الزوج ظالمٌ في إنكاره. فصل [فيمن أمر رجلًا أن يشتري له جاريةً بربريةً، فبعث إليه المأمورُ بجاريةٍ بربريةٍ ثم أتى بأخرى، وقال: هذه التي اشتريتها لك، وتلك وديعة] وقال ابن القاسم فيمن أمر رجلًا أن يشتري له جاريةً بربريةً، فبعث إليه المأمورُ بجاريةٍ بربريةٍ ثم أتى بجارية بربرية، وقال: هذه التي اشتريتها لك، وتلك وديعة، ولم يبيّن ذلك في حين البعث، فإن كانت الأولى قائمةً حلف وأخذ الأولى وأسلم الثانية، وإن فاتت الأولى بحمل أو عتق أو كتابة أو تدبير لم أر له شيئًا، ولم أر له عليها سبيلًا (١). وقال محمد: إن كانت للمأمور بينةٌ أنه اشترى الأولى لنفسه أخذها وقيمة ولدها، وإن لم تكن له بينة كان الآمر بالخيار إن شاء أخذ الثانية بما اشتراها به، وإن

стр. 4660

شاء أسْلمها، وعليه في الأولى الأقلُّ مما اشتراها به (١) أو الذي سماه له (٢). وأرى إن صدَّق الآمرُ الوكيلَ أن الأولى وديعة وأخذ الثانية- أن لا شيء عليه في الأولى؛ لأنه يقول: إذا قامت البينةُ على أن الأولى وديعة لم يكن عليه في الأولى سوى تسليمها على أحد قولي مالك وقيمة الولد، وكما لو غلط فسلم إليه ثوبًا سوى ثوبه فقطعه لم يكن عليه في القطع شيء في أحد القولين، فإن كان لها (٣) مال كان للباعث أن ينتزعه ولا يصيبها واحد منهما، وكذلك إن أعتقها الآمرُ وصدق الباعثَ (٤) أنها وديعةٌ- له أن يأخذ الثانية ولا شيء عليه في الأولى؛ لأنه يقول: الشرع يمنع رد العتق، فإن ماتت عن مال أخذته. وقال ابن حبيب: على الآمر قيمةُ الأولى، وسواء كانت بينة على أصل الشراء، أو على الإقرارِ فقط؛ لأنه أباحَه إياها، وعليه قيمتُها فقط (٥). وقال ابن القاسم في العتبية فيمن بَعَثَ مع رجل مالًا في شراء جاريةٍ، فاشتراها له ثم وطئها وأعطاه غيرها، فوطئها الآمرُ فحَمَلتا جميعًا ثم أقرَّ بذلك، أو قامتُ بينة، فإن عُذِرَ المأمورُ بالجهالة، وتأوَّل أن له أن يأخذها ويعطي (٦) الآمر غيرها لا (٧) على وجه الزنا: لم يحدَّ، وخُيِّرَ الآمرُ في أخذ جاريتِه وقيمةِ ولدها، وذكر الخلاف الذي في المستحقة، قال: ويُخير في الجارية التي في
следующие страницы →