← Фикх малики

Фикх малики · id 14591

التبصرة للخمي

اللخمي، أبو الحسن

Полный текст (6 502 стр.). Показаны 5286–5325 · переход к 5291.

стр. 5286

باب في العامل يتعدى في القراض الفاسد قال الشيخ ﵀ (١): قد تقدم القول إذا قارض بعرض وأمره أن يبيع بعين فتعدى العامل فباعها بعروض وقول ابن حبيب في ذلك (٢). وأمَّا إن كان القراض بعين وأمره أن يشتري به عبد فلان فالقراض فاسد، فإن خالف فاشترى غيره لنفسه بعد أن امتنع سيد العبد من بيعه منه، كان الربح للعامل. وإن كان تجره لنفسه قبل طلبه ومعلوم أنه كان (٣) يبيعه منه أو بعد أن طلبه أو أمكنه من شرائه، كان الربح للقراض. وإن أطلق له الشراء في جميع الأصناف على أن يبيع بالنسيئة فخالف وباع بالنقد كان على قولين: على قول أنه يكون في المشتري (٤) لو لم يبعه على قراض المثل يمضي بيعه ولا يرد وإن لم يفت ولا يكون عليه ضمان إن ضاع الثمن؛ لأن الحكم على القول أنه يرد إلى قراض المثل أن يباع بالنقد ولا يوفي بذلك الشرط. وإن كان في الثمن ربح كان فيه على قراض مثله (٥) وإن لم يكن فضل لم يكن له شيء، وعلى القول أنه يكون في المشتري أجيرًا يكون في بيعه متعديًا؛ لأنه لو علم به قبل البيع لأعطاه إجارة المثل في الشراء ولم يمكن من البيع، وإذا كان الحكم ألا يمكن من البيع كان متعديًا في البيع وكان صاحب المال بالخيار بين أن يجيز البيع ويأخذ الثمن ويعطي إجارة المثل عن الشراء والبيع، أو يضمنه ويعطي الإجارة عن الشراء

стр. 5287

دون البيع. وهذا الجواب على أصل مالك وابن القاسم وقال غير ابن القاسم في "المدونة": هو متعد، وهو بمنزلة رجل أخذ مالًا على أن يشتري صنفًا غير موجود فذلك قراض لا يجوز، فإن اشترى غير ما أمر به كان متعديًا، ويكون الفضل فيه إن كان لربِّ المال، وإن كانت وضيعة فعليه، ويعطى من الفضل على قراض المثل؛ لأني إن ذهبت أعطيه أجر مثله وقد تعدى فلعل أجر مثله يذهب بالفضل وببعض وبنصف رأس المال، فيكون قد نال بتعديه وجه ما طلب (١). ولا وجه لهذا القول لأنه إن كان الحكم عنده أن يكون (٢) الذي اشتراه قبل البيع على قراض المثل فالبيع جائز ولا يكون فيه متعديًا. وإن كان الحكم أن يكون أجيرًا كان له أجر المثل في الشراء وهو متعد في البيع، وصاحب المال بالخيار بكان أن يجيز تعديه ويعطيه الأجر في البيع أو يضمنه القيمة ولا أجر له في البيع، ولا يكون تعديه (٣) فيما أصله الإجارة مما يرده في أصل الشراء إلى قراض المثل؛ لأنه لم يكن يستحقه في ذلك المشترى، وهذا الجواب فيما (٤) إذا أمره ألا يبيع إلا بالنسيئة. وأما إن أخذ المال ليشتري شيئًا غير موجود فاشترى غيره لنفسه لأنه لم يجد ذلك الصنف، كان الربح له، وإن اشتراه على القراض كان صاحب المال بالخيار بين أن يجيز شراءه، أو يكون فيه على قراض المثل، أو يضمنه رأس المال وتكون السلع للعامل.

стр. 5288

باب في العامل يشتري بمال القراض من نفسه (١)، وكيف إن كان ذلك برضا صاحب المال قبل العمل أو بعده؟ أو يشتري به من صاحب المال أو يبيع رب المال القراض من العامل ومن "المدونة" قال مالك فيمن ابتاع سلعة فقصر ماله عنها، فأخذ قراضًا وهو يريد أن يدفعه في بقية ثمن السلعة، قال: لا أحب ذلك؛ لأني أخافُ أن يكون قد استغلاها فيدخل مال الرجل فيها (٢). قال ابن حبيب: فإن انكشف أنه استغلاها قومه (٣) حينئذ (٤) ورد الزيادة ولا ألتفت إلى ثمنها وإن ارتفع وصار فيها ربح كبير (٥). وهو موافق لقول مالك؛ لأنه أسقط المحاباة وأمضى البيع فيما بعد، ولم يجعله بمنزلة من اشترى بغير وكالة فيفيتها حوالة الأسواق على قوله وتكون القيمة كالثمن الصحيح ثم يكون على القراض نقصها وضياعها، وقد اختلف في هذا الأصل إذا وكل على الشراء فاشترى من نفسه، فقيل: ذلك جائز. وقيل: يمنع ويفسخ مع القيام، فإن فات بتغير أسواق (٦) مضى وهذا

стр. 5289

حماية (١)، قاله ابن القاسم في العتبية (٢). وقيل: البيع غير منعقد (٣). ولو كانت الوكالة على بيع عبد فباعه من نفسه فأعتقه (٤) لرد عتقه؛ لأنه عنده (٥) بيع بغير وكالة، وقد مضى هذا الأصل في كتاب الوكالات. وقال مالك في رجل ابتاع سلعة ثم أتى (٦) إلى رجل فقال له: ادفع إليَّ مالًا أدفعه في ثمنها ويكون قراضًا: لا خير فيه، وأراه بمنزلة من أسلف مائة دينار رجلًا فنقدها في سلعة اشتراها ليكون له نصف ربحها، فإن دفع رد المال إلى صاحبه وكان ربحها وضيعتها لمشتريها (٧). وقوله سلف ليس بالبين؛ لأن السلف دخلا (٨) فيه على أن الربح لهما والخسارة من المشتري، وهذان داخلان على أنها (٩) تكون للقراض ربحها وخسارتها، وهو بيع فاسد يمضي للقراض بالقيمة. فصل في المقارض يشتري من رب المال سلعة قال مالك: ولا يعجبني أن يشتري العامل من مال القراض سلعة من رب المال؛ لأنها إن صحت من هذين لا تصح من غيرهما (١٠).

стр. 5290

وقال ابن القاسم في "كتاب محمد": اختلف فيه قول مالك فوجدت في "كتاب عبد الرحيم" أنه قال: لا بأس به إن صح بينهما خففه (١). وأرى إن اشترى منه من مال القراض بالشيء اليسير أن يمضي وإن اشترى بجميع الثمن (٢) أن يفسخ لأنهما يتهمان أن يكونا عقدا على القراض بالعرض (٣) وأظهرا العين، ثم أعاداه إلا أن يقوم دليل على براءتهما. ويجوز لصاحب (٤) المال أن يبيع من العامل عروض القراض أو بعضها بالنقد. واختلف إذا باعها بالنسيئة وكانت حاضرة فكرهه مالك، قال ابن القاسم: وهو رأي وينقض، فإن فاتت كانت فيها القيمة معجلة، وقال محمد: لا أبلغ به الفسخ، وأجازه يحيى بن سعيد والليث (٥). وإن لم يحضر لم يجز قولًا واحدًا ويفسخ إن كانت قائمة، فإن فاتت مضت بالقيمة؛ لأن أكثر ما يعمل ذلك عندما يخسر العامل في إلمال فيجعلاه إصلاحًا (٦) لترك الخصومة فيكون قد اشترى منه الوجود ليؤخره بما يتهمه أنه أكله فيكون بيعًا وسلفًا، واتقى مالك مثل ذلك في الحاضر أن يكون الذي أحضر ليس من القراض، أو يكون من القراض (٧) ولا يوفي فيزيده لمكان ترك الخصومة، ولو علم أنها عروض القراض فاشتراها بمثل ما يشتريها به غيره إلى ذلك الأجل لكان جائزًا.

стр. 5291

باب في المقارض يشتري أو يبيع فيجحده (١) البيع أو الثمن، وإذا ضاع المال قبل أن ينقده هل يغرمه صاحب المال؟ وقال ابن القاسم في العامل يشتري سلعة وينقد ثمنها، ثم يجحد البائع الثمن: هو ضامن من حين لم يشهد (٢). يريد فيما كانت العادة فيه الإشهاد على العقد أو على الدفع، وما كانت العادة فيه ترك الإشهاد على الدفع لم يضمن- قال ابن القاسم: ولو علم صاحب المال أنه دفع الثمن بإقرار من البائع أو غير ذلك، ثم جحد لم يسقط الضمان عن العامل إلا أن يكون دفعه بحضرة رب المال (٣). وإن جحد البائع البيع وقال: لم أبع ولم أقبض وكانت العادة الإشهاد على دفع الثمن دون العقد، غرم على قول ابن القاسم الأقل من الثمن أو القيمة، فإن كان الثمن أقل قال: ليس عليه غيره (٤)؛ لأنه لو جحد في البيع ولم يدفع إليه الثمن لم يكن عليه شيء، وإن كانت قيمة السلعة أقل لم يغرم غيرها لأنه يقول: لو سلم إلى السلعة لم يكن لك غيرها، وفي "كتاب الوكالات" إذا باع الوكيل (٥) فجحد المشتري الشراء، وإذا اشترى على القراض فضاع المال قبل دفعه غرمه العامل وكانت السلعة للعامل، وقال المغيرة: على الآمر دفع الثمن ثانية (٦). وقال ها هنا فيمن وكل رجلًا يشتري له سلعة فاشتراها ثم أخذ

стр. 5292

المال من الآمر فضاع أن على الآمر أن يدفع المال مرة أخرى. وقال بعض المدنيين: لا يغرم الآمر وإنما هو بمنزلة الاقتضاء. وأرى إن كانت الوكالة على أن يكون الوزن من عند الآمر أن يغرمه ثانية. وكذلك إن كان ليكون الثمن سلفًا من عند المأمور ثم أتى قبل الوزن فدفع إليه الثمن ليدفعه إلى البائع؛ لأن الآمر حينئذ رجع عن أن يكون الثمن سلفًا، وإن أعطاه ذلك قضاء عن السلف الذي رضي به المأمور برئ الآمر وكان الضمان من المأمور، ولو علم البائع أن هذا وكيل وباع على أن يكون الوزن من عند الآمر وجعل المأمور وكيلًا له على قبض الثمن من الآمر (١) لبرئ (٢) الآمر بالدفع إلى وكيل المأمور والمصيبة من البائع إذا ثبت الدفع أو صدقه البائع أو كانت العادة ترك الإشهاد.

стр. 5293

باب في العامل أو صاحب المال يبيع من مال القراض أو قبل أوان البيع أو يحابي في ذلك (١) قال (٢): وإذا أراد صاحب المال أو العامل أن يبيع شيئًا من عروض القراض قبل أوان بيعها والأسواق التي ترجى لها لم يجز، فإن فعل وباع رد بيعه، وإن فات بها المشتري مضت بالثمن الذي بيعت به إذا كان وهو ثمنها (٣) يوم البيع. والقياس أن يكون لكل واحد منهما في ذلك مقال: فإن تعدى صاحب المال في البيع كان للعامل أن يغرمه الجزء الذي كان يرجو (٤) أن يربحه فيها؛ لأنه يقول: هو ثمن لمنافعي فليس له أن يتعجل البيع ليعطي دون ما كنت أستحقه فيها (٥). وإن تعدى العامل فباع قبل أوان البيع ضمن ما كان من خسارة. وإذا دفع العامل سلعة بغير بينة فجحدت فالعامل ضامن، وكذلك الوكيل لرب المال أن يغرمه (٦). فصل في المقارض يبتاع العبد من مال القراض فيقتل العبد عبد رجل عمدًا وإذا اشترى العامل عبدًا فقتله عبد عمدًا، فإن اجتمع رب المال والعامل

стр. 5294

على القصاص (جاز ولم يحط قدره من رأس المال وكان بمنزلة ما هلك من المال. وإن اختلفا فدعا أحدهما إلى القصاص) ودعا (١) الآخر إلى العفو، فإن كان الذي دعا إلى العفو رب المال كان القول قوله، وإن دعا إلى القتل، وكان العبد المقتول هو جميع مال (٢) القراض ولا فضل فيه وقد قال رب القاتل (٣): أنا (٤) أفتدي، أو قال (٥): أنا أسلم، ولا فضل في القاتل (٦) كان القول قول السيد، وإن كان في المقتول فضل وقال سيد القاتل: أنا أفتدي، أو في القاتل فضل (٧) وقال: أنا أسلمه كان القول قول العامل وكذلك إن كانت في المال بقية سوى العبد المقتول فالقول قول العامل (٨)، إلا أن يكون في الباقي ربح إن أضيف إلى قيمة المقتول عند الافتداء أو قيمة القاتل عند إسلامه فيكون القول قول رب المال، وإن دعا العامل إلى القصاص لم يقبل قوله كان في المال فضل أو لم يكن.

стр. 5295

باب في العامل يشتري بالقراض من يعتق عليه أو على صاحب (١) المال أو يولد ما اشترى بالقراض أو يعتق قال (٢): وإذا اشترى العامل من القراض ولده وهو موسر وفي المال فضل عتق عليه عالمًا كان أو غير عالم، (وإنما) يفترق الحكم في العلم وعدمه هل يعتق بالقيمة أو بالثمن؟ وإن كان لا فضل فيه وهو معسر لم يعتق عليه (٣) عالمًا كان أو غير عالم، وإن كان موسرًا وهو عالم أعتق عليه. هذا ظاهر قوله في "المدونة"، وحمله على الرضا بالتزام العتق (٤)، وإن كان غير عالم لم يعتق عليه. وقال أشهب: يعتق. وأن لا شيء عليه (٥) إذا لم يكن فيه فضل علم أو لم يعلم أحسن؛ لأنه وكيل في ذلك المال لغيره، وفعله ذلك محتمل، هل قصد العتق أم لا؟ فأرى أن يحلف أنه لم يرض بعتقه ويكون رقيقًا، وعليه (٦) إذا كان فيه فضل وهو موسر وغير عالم أنه ابنه القيمة (٧) وسواء كانت القيمة أكثر من الثمن أو أقل؛ لأن مصيبته كانت من صاحب المال فله ربحه وعليه وضعيته (٨) والقيمة

стр. 5296

في جميعه يوم الحكم ولا يعتبر فيه نصيب الولد (١) من الربح يوم اشتراه ويكون الاستكمال لصاحب المال يوم الحكم؛ لأن ذلك يؤدي إلى تبدية العامل على صاحب المال (٢) قبل وصول رأس ماله إليه. وقد يهلك العبد قبل التقويم، فلو اعتبرت القيمة في نصيب العامل لكان قد أخذ ربحًا ولم يصل إلى صاحب المال شيء من رأس ماله، (٣) وكذلك إن لم يهلك وتغير سوقه بنقص (٤)، لم يصلح (٥) أن يعطي (٦) العامل على جزء (٧) من الربح يوم اشتراه فقد يكون الباقي (٨) كفافًا لرأس المال، فيكون العامل قد أخذ ربحًا دون صاحب المال. وإن اشتراه وهو عالم وكان عليه الأكثر من الثمن أو القيمة يوم يقام عليه، فإن كان الثمن (٩) أكثر أخذ به لأنه متعد في اشترائه إياه، وإن كانت القيمة أكثر غرمها لأنه مال أخذه لينميه لصاحبه فليس له أن يختص بربحه. وإن كان عالمًا أنه ولده وجاهلًا بالحكم يظن أنه يجوز له ملكه أعتق بالقيمة وهلاكه قبل النظر فيه من صاحب المال إلا قدر ما ينوب العامل من الربح، (وإن كان معسرًا وفي المال

стр. 5297

فضل بيع منه بقدر رأس المال ونصيبه من الربح) ويعتق الفاضل (١) على العامل. وإن كان رأس ماله مائة والربح (٢) مائة وخمسون كان من حق صاحب المال أن يباع من العبد بمائة وخمسة وعشرين على أن الباقي عتيق؛ لأن من حق رب المال أن يبدأ برأس ماله وبربحه ولا يستحق العامل ربحًا إلا بعد نضوض المال. ولو نض المال لأخذ رب المال مائة وخمسة وعشرين: فإن كان العتيق يعيب العبد ولا يبقى بعدما يشتري منه بمائة وخمسة وعشرين (٣) إلا عشرة أو أقل لم يعتق منه غير ذلك، ولا يصح أن يعتق منه (٤) سدسه، فقد يكون الباقي لا يوفى برأس المال أو يوفى برأس المال لا أكثر فيكون قد فضل (٥) للعامل ربح دون رب المال، وقد كان يقال: يباع منه بمائة على أن نصف الباقي حر. وهذا غير صحيح ويدخله من الفساد ما دخل الأول؛ لأنه إذا بيع بمائة على أن نصف الباقي حر، لم يحصل له من الربح خمسة وعشرون دينارًا، وقد كان جبر له (٦) رأس ماله ببعض ربحه. فصل في المقارض يشتري ولد رب المال أو والده أو ولد نفسه أو والده وإذا اشترى ولد رب المال وهو غير عالم أعتق على رب المال، وإن كان

стр. 5298

عالمًا لم يعتق عليه. وقال ابن القاسم: ويعتق على العامل، وحمله على أنه رضي بعتقه من ماله عن رب المال، وقال سحنون: لا يعتق على العامل، وقال أشهب: إن كان فيه ربح عتق منه قدر ذلك الربح وبيع الباقي (١). وهو أحسن ولا يعتق عليه لأنه وكيل لسيده، ويعتق الفضل لأن العامل مقر أنه لم يشتره لنفسه فيعتق ذلك القدر من باب: "لا ضرر ولا ضرار". واختلف بعد القول أنه يعتق على العامل، هل يعتق على العامل إذا كان معسرًا؟ فقال ابن القاسم في "كتاب محمد" يعتق ويتبعه رب المال في ذمته (٢). وقيل: يكون رقيقًا. والأول أحسن ولا يمكن الآمر من رده في الرق لدينه. وكذلك لو كان والده ملكًا (لرجل) فأعتقه وهو معسر وعليه دين لابن المعتق لم يمكن من رد أبيه (٣) في الرق لدينه وهو من العقوق. وكذلك لو كان الدين للأب والابن هو المعتق، وإذا كان الدين للابن (٤) أبين والعتق على صاحب المال إذا كان العامل غير عالم بالقيمة، وإن كان في القيمة فضل أخذ نصيبه منه، وإذا كان العامل عالما (٥) أعتق بالثمن وليس بالقيمة، فإن كانت القيمة أكثر فليس لرب المال أن يأخذ ربحه من القيمة لأن ذلك يعد (٦) بمنه بالشراء ويعتق عليه. فصل في المقارض يعتق من مال القراض عبدًا فإن أعتق العامل عبدًا من القراض وهو موسر مضى عتقه بالقيمة إن

стр. 5299

اشتراه للقراض، وإن اشتراه لنفسه غرم الأكثر من الثمن أو القيمة يوم أعتق، وإن كان معسرًا رد عتقه إلا أن يكون فيه فضل فيعتق الفضل. وقال غيره: صاحب المال بالخيار في إمضاء عتقه أو رد جميعه وإن كان موسرًا إلا أن يكون في العبد فضل فينفذ عتقه للشرك (١) الذي له فيه. وهذا راجع إلى من وكل على أن يبيع فباع من نفسه وأعتق، هل يمضي عتقه أو يرد لأنه بيع بغير وكالة؟ وإن وطئ أمة من القراض فحملت وهو موسر كانت أم ولد وعليه قيمتها إن اشتراها للقراض، وإن اشتراها لنفسه كان عليه الأكثر من الثمن أو القيمة يوم أصاب، فإن كان الثمن أكثر من غرمه لأنه عليه تعدى لما (٢) اشترى لنفسه، وإن كانت القيمة أكثر غرمها لأنه لو أدركها قبل أن يصيب وقبل أن تحمل ردت إلى القراض. واختلف إذا كان معسرًا ولا فضل فيها ولا في القراض.

стр. 5300

باب في الاختلاف في القراض (١) قال الشيخ ﵀ (٢): الاختلاف في القراض في تسعة مواضع: في ضياعه، وفي رده، وفي الجزء الذي يأخذه من ربحه، وفي القدر الذي ربحه، وفي قدر رأس المال، وهل هو بضاعة أو قراض (أو اختلفا هل هو قرض أو قراض)؟ وفي الصحة والفساد. فإن اختلفا في تلفه (٣) فقال العامل: ضاع أو سقط مني، أو نزل على فسرق، أو لقيني اللصوص فانتزعوه مني، أو غرق أو ما أشبه ذلك، كان القول قول العامل (٤) في جميع ذلك؛ لأنه أمين والأمين مصدق في أمانته مأمونًا كان أو غير مأمون؛ لأن رب المال رضيه أمينًا. واختلف في يمينه، وأرى أن يحلف إن كان غير مأمون، فإن كان ثقة لم يحلف إلا أن يكون هناك دلائل التهم (٥)، فإن قام دليل على كذبه لم يصدق وأغرم وإن كان عدلًا. وإن اختلفا في رده وكان أخذه بغير بينة كان القول قوله مع يمينه وإن كان ثقة؛ لأنَّ رب المال يدعي عليه التحقيق أنه لم يرد بخلاف دعوى التلف؛ لأنه لا يقطعَّ بكذبه في التلف وهي أقوى (٦) تهمة، وإن أخذه ببينة لم يقبل قوله في رده. وهذا قول ابن القاسم في المدونة (٧)، وقال في كتاب

стр. 5301

محمد فيمن اكترى ما يغاب عليه، ثم ادعى رده كان القول قوله بيمينه أخذه ببينة (١) أو بغير بينة (٢). قال محمد: وهو الصواب؛ لأنه لو كان يلزمه الضمان إذا كانت البينة على أخذه (٣) ما جاز (٤) الكراء؛ لأنه لا يحل الكراء بالضمان، وعلى هذا يكون القول قول العامل في رده وإن كان أخذه ببينة، وهو في القراض أولى (٥) لأنه على الأمانة بغير خلاف. ولو دخل على غير ذلك لكان فاسدًا ويجوز ذلك في الوديعة؛ لأنه معروف صنعه مع ربها في حفظها، ويكون ضامنًا إن لم يشهد على الرد، والقراض مبايعة في المنافع (٦) ومعاوضة. والأول أحسن لأنه قادر على أن يشهد على الرد ولا ضرر (٧) عليه في ذلك بخلاف التلف، ولو (٨) شرط أنه غير مصدق فيه لكان فاسدًا؛ لأنه أمر لا يقدر على الاحتياط فيه بالبينات. وقال ابن القاسم: إذا قال العامل: رددت رأس المال والذي معي ربح، وكذبه الآخر، لم يصدق. وينبغي أن يقبل قوله، وكذلك إذا قال: هذا ربحي، وكما لو قال (٩): رددت بعض رأس المال، ولا فرق بين قوله: رددت بعض

стр. 5302

رأس المال (١) أو جميعه دون الربح، أو لم أربح شيئًا، أو ربحت وسلمت إليك رأس المال ونصيبك من الربح. وقد قال مالك في "كتاب محمد" في المساقي يقول بعد جذاذ الثمرة لصاحب الحائط: قد دفعت إليك نصيب الحائط (٢)، فالقول قول العامل وإن كان يقول: هذا الذي في يدي نصيبي، فكذلك القراض. وإن اختلفا في الجزء، فقال العامل: أخذته على النصف. وقال الآخر: على الثلث، فإن كان لم يعمل، كان القول قول صاحب المال؛ لأن له أن ينتزعه منه، فإن أحب الآخر أن يعمل على الثلث أو يرده. فإن اختلفا بعد العمل، كان القول قول العامل إذا أتى بما يشبه إذا كان المال في يديه، وإن سلمه لربِّ المال ليستوفي رأس المال ونصيبه من الربح كان القول قول صاحب المال، وإن سلمه ليبقى موقوفًا حتى يسلم رأس المال ثم يقتسمان الربح، كان القول قول العام (٣). وإن اختلفا في الصفة التي دفع عليها (٤)، فقال رب المال: بضاعة، وقال العامل: قراضًا على النصف، فإن قال رب المال: بضاعة بأجرة كذا وكان نصف الربح والأجرة التي قال الآخر سواء، لم تكن هناك يمين لأن اختلافهما غير مفيد. وإن كانت الأجرة أقل من نصف الربح حلف العامل وحده وكان له النصف إذا كان يشبه أن يقارض النصف، فإن نكل حلف الآخر ودفع الإجارة. وإن قال صاحب الال: بضاعة بغير أجرة، كان القول قول صاحب المال إذا كان (مثل) المبضع معه لا يستعمل نفسه في القراض، أو كان مثل تلك

стр. 5303

البضاعة لا تدفع قراضًا ليسارتها. واختلف إذا أشبه أن يستعمل في القراض وكانت الإجارة أقل من نصف الربح، فقال ابن القاسم: القول قول صاحب المال مع يمينه (١). وقال محمد: يحلفان جميعًا ويعطى العامل إجارة المثل. وإن قال العامل: بضاعة بأجرة، وقال صاحب المال: قراضًا، كان القول قول العامل مع يمينه. قاله ابن حبيب؛ لأن العامل يقول: عملت على الإجارة في الذمة، والآخر يقول: على الجعالة. وإن قال صاحب المال: وديعة، وقال الآخر: (٢) قراضًا وقد ضاع المال، فإن ادعى ضياعه قبل أن يحركه لتجارة كانت مصيبته من صاحبه لأنهما متفقان أنه كان أمانة فلا يفيد خلافهما حينئذ. وإن تجر فيه، كان القول قول صاحبه أنه لم يأذن له في التجر به ويضمنه. واختلف إذا قال صاحب المال: قرضًا، وقال الآخر (٣): قراضًا، فقال مالك مرة: القول قول صاحب المال، وقال مرة: القول قول العامل وبالأول قال ابن القاسم (٤). وقال أشهب (٥): القول قول القابض إذا ضاع قبل أن يحركه والقول قول صاحبه إن ضاع بعد أن تجر فيه. فجعل مالك مرة (٦) القول قول العامل، وإن حركه لاتفاقهما على أنه مأذون له في حركته، فرب المال يقول: حركته لنفسك، والآخر يقول حركته على أنه باق على ملكك ولم ينتقل؛

стр. 5304

بخلاف إذا قال صاحب المال: وديعة وقال الآخر: قراضًا؛ لأنه لم يقر له بحركته على حال فأشبه من قال: أودعتك هذه السلعة، (وقال الآخر: أذنت لي في بيعها. وإن قال صاحب المال: قراضًا)، وقال الآخر: وديعة أو قرضًا وفي المال ربح (١) كان القول قول العامل؛ لأن الآخر يقول: بعتني منافعك، فكان القول قول العامل أنه لم يبعها. وتقدم في أول الكتاب إذا ادعى أحدهما الصحة والآخر الفساد، وفي "كتاب الوديعة" إذا قال صاحب المال: قراضًا، وقال الآخر: وديعة. فصل فيما إذا ادعى العامل خسارة لأجل نزول الأسواق وإذا ادعى خسارة لأجل نزول الأسواق سُئل أهل تلك الصنعة: هل أتى بما يشبه أن يخسره في مثل (٢) ذلك المال في المدة التي يقول أنه خسر ذلك فيها؟ فقد لعمل المدة الطويلة وهو على الاستظهار فيما في يديه، ثم يدعي الخسارة في مدة بعد ذلك. وكذلك إن سافر به، سئل أهل الثقة ممن سافر معه عن السفر الذي كانت عليه البياعات في مثل ما مضى له، فإن أتى بما يشبه وإلا لم يصدق ورد إلى ما يشبه. وإن اختلفا في الربح، سئل أهل تلك الصنعة إن لم يكن سافر به والمسافرون إن كان طعن (٣) به، فإن أتى بما لا يشبه رد إلى ما يشبه. وإن اختلفا

стр. 5305

في ثمن الشراء الذي قدم به، كان الجواب على مثل ذلك أنه يسأل عن أثمانه بذلك الموضع الذي اشترى منه، فإن عدمت البينة في جميع ذلك وأشكل الأمر، كان القول قول العامل ولا يمين عليه إن كان ثقة إلا أن يقوم (١) دليل تهمة، وإن شهدت بينة بخلاف قوله وهو من أهل الستر ولم يبلغ العدالة (٢) حلف. فصل الدعوى في القراض وإن اختلفا في رأس المال فأتى العامل يدعي بمائتي دينار، وقال: رأس المال مائة والربح مائة (٣)، وقال رب المال: مائتان ولم تربح شيئًا، كان القول قول العامل مع يمينه وله نصيبه من الربح على أنه مائة، إلا أن يقوم دليل على كذبه مثل: أن يقول أهل سوقه: لم يكن في الأشياء التي كان يتجر فيها في تلك المدة ربح، أو يكون سافر به ويعترف بالأشياء التي اشتراها برأس المال (٤)، ويقول أهل المعرفة: إن ثمنها يكون مائتين، فيكون القول قول صاحب المال. وإن عمل رجلان بمال ثم أتيا بمائتين، فقال أحدهما: هو رأس المال ولم نربح شيئًا، وقال الآخر: رأس المال مائة وربحنا مائة، كان القول قول من قال مائة؛ لأن يده على مائة والربح فيها خمسون فله نصفها إذا كان قراضهما على النصف. وإن كان العامل الآخر عدلًا جازت شهادته لرب المال؛ لأنه لا يجر بها منفعة.

стр. 5306

وإن قال أحد العاملين: رأس المال مائة، وقال الآخر: مائة وخمسون، وقال رب المال: مائتان، أخذ الأول خمسة وعشرين حسب ما تقدم، واختلف في الثاني ورب المال على ثلاثة أقوال: فقيل: له ثمانية وثلث؛ لأن الربح بعدما أخذ الأول خمسة وعشرين يقسم بينه و (١) بين صاحب المال على قدر أجزائهما في الربح وقد كان لصاحب المال جزءان وللعامل جزء، وقيل: له اثني عشر ونصف؛ لأن يده على مائة ويد صاحبه على مائة فيكون له من المائة التي تحت يده على قدر ما يقر به (٢)، والعامل الأول غصب رب المال خاصة، وقيل: لا شيء للعامل لأن صاحب المال يبدأ برأس ماله وربحه على العاملين ثم يقسم العاملان بما يرفع صاحب المال يده عنه، وإذا كان ذلك فإن أحد (٣) العاملين غصب صاحبه، وإلى هذا ذهب سحنون في "العتبية" وقال: ألا ترى أن الزوج يقر بأخ مع الإخوة. وهم معروفون (٤) أنه لا يدخل عليه الزوج بشيء؟ (٥) يقول (٦): كذلك صاحب المال لا يدخل عليه العامل، وإنما يدخل على الذي عمل معه فلا تصح (٧) شهادة العامل (٨) الذي أقر أن رأس المال مائة وخمسون على هذا القول، ولا على القول أن الغصب عليهما؛ لأنه يجر شهادته لنفسه (٩)، وتصح على

стр. 5307

القول أن للثاني اثني عشر ونصف؛ لأنه استوفى جميع نصيبه، وإنما شهادته لصاحب المال. ولو كانوا ثلاثة فقال أحدهم: رأس المال خمسون، وقال الثاني: مائة، وقال الثالث: مائة وخمسون وأتوا بثلاث مائة، فعلى قول أشهب يد كل واحد منهم على مائة له من الربح على ما يقر به: فالأول (١) يقول: في يدي مائة رأس المال فيها ثلث الخمسين وهو سبعة عشر إلا ثلث (٢) والربح ثلاثة وثمانون وثلث، فله نصفها (٣) والثاني (٤) يقول: رأس المال المائة التي في يدي ثلث المائة وهو ثلاثة وثلاثون وثلث والربح سبعة وستون إلا ثلث، فله نصفها. والثالث يقول: في يدي مائة رأس المال فيها خمسون والربح خمسون فله نصفها. قال محمد: بناء على القول (٥) أن المغصوب على الجميع قال: إذا أخذ الأول اثنين وأربعين إلا ثلث، يكون للثاني (٦) خمسا الربح على ما يقول وهو اثنان وثلاثون إلا ثلث (٧)؛ لأنَّ الباقي من الربح بعدما أخذ الأول على قول الثاني مائة وثمانية وخمسون وثلاثة أخماس (٨)، له خمسها، ولصاحبه الثالث خمسها، ولصاحب المال ثلاثة أخماس، والباقي بعدما أخذ الأول، والثاني

стр. 5308

مائتان وسبعة وعشرون إلا ثلث، ورأس المال على ما يقوله الثالث مائة وخمسون والربح سبعة وسبعون إلا ثلث هي بين رب المال والعامل أرباعًا (١) للعامل منها سبعة عشر وثلثان والباقي (٢) لرب المال. وعلى قول سحنون إذا أخذ الأول اثنين وأربعين إلا ثلث وعاد المقال بين الثاني ورب المال، يكون لرب المال مائتان لأنه مقر أن رأس المال مائة والربح مائتان لرب المال نصفها، وهو مائة والأول غصبه صاحبه فله نصف الثمانية وخمسين إلا (٣) ثلث وهو تسعة وعشرون إلا سدس (٤)، ثم يرجع إلى من قال: رأس المال مائة وخمسون، والربح مائة وخمسون، فهو مقرٌّ أن رب المال يبدأ عليهم بمائتين وخمسة وعشرين، وقد كان الباقي بعدما أخذ الأول مائتين وتسعة وعشرين ونصف لربِّ المال، منها مائتان وخمسة وعشرون (٥)، وللثالث أربعة وسدس (٦). وقال محمد: إذا أتيا ومعهما مائتا دينار فقال أحدهما: مائة لك رأس المال والأخرى ربح. وقال الآخر: بل المائة لك (٧) رأس المال والأخرى لي رأس المال، قال: (٨) قال أشهب: القول قول مدعي المائة أنها لنفسه ولا شيء للعامل المقر بالمائة أنها ربح، ولا لصاحب رأس المال؛ لأن كل واحد من العاملين حائز لمائة، فهو

стр. 5309

مدعي عليه أن ما بيده من ذلك ليس له كله، وهو منكر (١)، فعليه اليمين فيما كان من ذلك، وعلى المدعي البينة قال: وقال ابن القاسم: إن للعامل المقر بالقراض أربعة دنانير وسدس (٢) ولرب المال مائة وثمانية وثلث؛ لأن مدعي المائة أنها له مقر أن ليس، له في المائة الأخرى حق فيدفع تلك إلى صاحبها، ثم العامل الآخر مدعي أن له في الائة الأخرى ربعها ولصاحبه ربعها ولصاحب المال (٣) نصفها، فيقال له: أنت لا تدعي لنفسك إلا ربعها فسلم إلى العامل معك ثلاثة أرباعها لأنك مقر أن لا حق لك فيها، ولا ينظر لدعواك لغيرك، وهذه الخمسة والعشرون أنت تدعيها وصاحبك يدعيها، فلك نصفها وأنت مقر أن لصاحبه خمسين ولك خمسة وعشرون (٤) ولم يسلم من الربح إلا هذه الإثنى عشر ونصف فهي بينكما على قدر مالكها (٥) وصاحبك ظلمكما جميعًا بما حبسه عنكما (٦). فصل في العامل هل يبقى على الخيار أو يلزم في الجعالة (قد) تقدم القول أن كل واحد من رب المال والعامل بالخيار ما لم يعمل وأنه إن شرط نضة واحدة لزم ذلك لرب المال على المستحسن من القول. ويختلف في العامل، هل يبقى على الخيار أو يلزمه على أحد القولين في

стр. 5310

الجعالة؟ فإن أشغل جميع المال ارتفع الخيار ولم يكن لرب المال أخذه ولا للعامل رده إلا بعد النضوض، وإن أشغل بعضه في تجارة امتنع رب المال من أخذه لأنه فيما أشغل على ثلاثة أوجه: إما أن يكون الأقل، أو النصف، أو الأكثر، فإن أشغل الأقل لم يكن له أخذ الباقي (١)؛ لأن على العامل في التمادي باليسير مضرة ولو علم بذلك ما عمل به وكذلك النصف، وإن أشغل الأكثر كان القليل تبعًا للكثير، وإن أشغل جميعه فلما نض أشغل بعضه كان لصاحب المال أن يأخذ ماله (٢) ما لم يشغل منه. ويصح امتناع انتزاعه وإن لم يشغله العامل كأن يسافر (٣) به إلى بلد، فإن ذلك يقوم مقام اشتغاله لتعبه وخروجه لأجله فيمتنع رب المال حينئذ من أخذه، وإن تجهز بشيء مما يصلح للسفر من لباسه وطعامه ومؤن سفره فقام صاحب المال لأخذه قبل خروجه، كان ذلك له وأخذ ما اشتراه على حاله، فإن تجهز بتجارة مما يصلح للسفر لم يكن له أن يمنعه من السفر والخروج إذا أذن له في حين إعطاء المال في السفر، أو لم يأذن (٤) له على القول أن له أن يسافر به. وإن لم يكن أذن له ((٥) فيه إلا أن ينفق سوقها قبل سفره وبلغت ما كان يرجى فيها في الموضع الذي يبلغها (٦) إليه، فيكون لرب المال أن يأخذه ببيعها ها هنا ويمنعه السفر. وإن اشترى تجارة ليبيعها في البلد وهي مما يدخر لما يرجى من ارتفاع سوقها بعد اليوم، لم يكن له أن يأخذه ببيعها قبل الوقت المعتاد في بيعها. وإن

стр. 5311

باع العامل بثمن إلى أجل وقد كان أذن له رب المال في ذلك ثم أراد أن يباع الدين بالنقد لم يكن ذلك له، وكل موضع مما ذكر لا يكون لربِّ المال أن يأخذه منه لا يمكن العامل من رده إلا برضا الآخر، وإن قال: لا أسافر بما اشتريته للسفر أو أبيع الآن ما حقه أن يؤخر، أو أبيع الدين الآن، أو أسلم المال ولا أتولى نضوضه ولا بيعه ولا اقتضاء الدين، لم يكن ذلك له إلا برضا صاحب المال، فإن رضي والمال في عروض أو دين على الناس جاز؛ لأنه إن كان المال لا فضل فيه أو فيه وضيعة، كان قبوله تفضلًا من رب المال؛ لأنه تطوع أن حمل عنه ما كان عليه أن يعمله، وإن كان فيه فضل فرضي أن يتكلف له ذلك وجزؤه (١) قائم جاز أيضًا لأنه تطوع (٢) منه، وإن كان على أن يسقط حقه في (٣) الربح، كانت إجارة بجزئه من الربح إذا علم قدره ونحوه، وكذلك إن تراضيا على ذلك على أن يكون لرب المال بعض المال (٤) نصفه أو ربعه، جاز إذا عرف قدره ونحوه (٥).

стр. 5312

باب في موت رب المال أو العامل قال: (١) وإن مات رب المال قبل العمل كان لورثته انتزاع المال، وليس للعامل إن علم بموته أن يتجر فيه إلا (٢) بإذنهم، فإن فعل (قبل) فخسر، ضمن وسواء كان تجره لنفسه أو لهم، وإن ربح وكان تجره لهم كان الربح بينهم، وإن تجر لنفسه كان الربح له لأنه محجور عليه بالموت. ويختلف إذا اتجر بعد الموت وقبل العلم فخسر، هل يضمن لأنه أخطأ على مال غيره وهو للورثة (٣)، أو لا يضمن لأن له شبهة الإذن؟ وهو بمنزلة من اشترى سلعة فتصرف فيها بالبيع وغيره ثم استحقت، فلا شيء عليه على المشهور من المذهب. وإن ربح كان الربح على القراض لأنه تجر لهم والورثة لا يختارون إذا كان فضل إلا الإجارة. وقال ابن القاسم في "المدونة": إذا اشترى بعد الموت وقبل العلم فهو على القراض. يريد في الربح والخسارة، إلا أن يعلم من العامل قلة الأمانة، فلا يصدق في التلف ولا في الخسارة إلا أن يأتي في ذلك بشبهة. وإن مات رب المال (٤) بعد العمل كان على أحد القولين في البيع (٥)، ويكون للورثة في ذلك مقال؛ لأن المال انتقل إليهم فلهم ألا يرضوا بمن كان رضي به الميت إذا كان غير مرضي (٦). وإذا انتزع منه، كان كموته فإن أتى بأمين يتولى ذلك حتى ينض وإلا أسلم إلى ورثته. وفي "كتاب التفليس" ذكر غرماء رب المال وغرماء العامل إذا كان ببلد آخر إذا أرادوا المفاصلة في المال. وإن قال العامل للغرماء: أنا أضمن لكم مالكم وأقروه في

стр. 5313

يدي، فإن كان المال في عروض أو دين على الناس وكان ذلك لينض (١) ويقضيهم وإن عجز أتم لهم جاز؛ لأنه لم يكن له أخذه من يديه (٢) وضمانه تفضل منه. وكذلك إن ضمن المال الذي في يديه خاصة، وإن كان ضمانه ليتجر فيه (٣) في المستقبل وينميه لم يجز وكان ضمانه باطلًا، وسواء ضمن الدين أو المال الذي في يديه لأنه ضمان لمنفعة والمنفعة بقاء المال لما يرجو من ربحه إلا أن يعلم أن غرضه التخفيف عن الميت وأن يبرئ ذمته فيجوز أن يقر في يديه ويلزمه الضمان. فصل في المقارض يموت (٤) وإن مات العامل بعد أن عمل كان ورثته مكانه إن كانوا أمناء وممن يقدر على العمل، فإن لم يكونوا أمناء ولا يقدرون على العمل وأتوا بأمين، كان ذلك لهم وإلا أسلم المال إلى ربه، ولا يلزم الورثة أن يستأجروا من مال القراض عن (٥) الميت من يتم العمل؛ لأن القراض العمل فيه معلق بعين العامل وليس في الذمة. وإن كان فيه ربح حين أسلمه جرى على قولين، فقال مالك وابن القاسم: لا شيء للورثة فيه. وكذلك قال في المساقي (٦) يعجز فيسلم الحائط: لا شيء له. وقال فيمن جعل (٧) على حفر بئر فحفر بعضه، ثم تركه اختيارًا فاستأجر صاحب الأرض من أتمه، قال: يكون للأول بقدر ما انتفع من عمله، وهذا اختلاف قول مالك. وإذا صح أن يكون للحافر مع تركه التمام اختيارًا كان أبين أن يكون لورثة الحافر ولورثة العامل بالقراض؛ لأن الكل جعلة ومن

стр. 5314

حيل بينه وبين التمام أعذر في ألا يبطل العمل. وأجاز في القراض إن كان العمل معلقًا بعين الأول أن يعمل غيره مكانه: وارث أو غيره ممن يأتون به، بخلاف الإجارة إذا استؤجر رجل بعينه فمات بعد أن عمل البعض فليس لورثته أن يقوموا مقامه في الباقي، والفرق بينهما أن لورثة الأجير من الإجارة بقدر ما مضى من العمل، والقراض جعل لا يستحق منه شيء عن الماضي إلا بتمامه فأجاز مالك ﵀ أن يتم العمل غير الأول وإن كان معينًا لأنها ضرورة وإن لم يمكنوامن ذلك بطل عمل وليهم، وإن كان الوارث مولى عليه نظر الوصي، فإن لم يكن في المال فضل أو كانت الإجارة عليه دون الربح أو مثله أسلم المال إلى صاحبه، وإن كان فيه فضل (١) استؤجر عليه. وقال ابن القاسم في العتبية في رجلين أخذا قراضًا معًا صفقة واحدة فمات أحدهما واشترى الآخر بجميع المال: كان صاحب المال بالخيار إن شاء كان على قراضه وإن شاء ضمنه؛ لأنه لم يكن له أن يشتري إلا بإذن صاحب المال حين مات شريكه في العمل، قال: وإن كان اشترى قبل أن يموت ببعض المال كان ورثة الميت شركاء فيما اشترى قبل موته ويقومون فيه معه، وما اشترى بعد موته (٢) كان صاحب المال فيه بالخيار حسبما تقدم (٣). فصل [في المقارض يموت وعنده وفى ودائع وعليه فى ديون] وإذا مات العامل ولم يوجد المال كان في ذمته. هذا قول مالك وابن القاسم. واختلف في الوديعة هل تكون في ذمة المودع أم لا؟ فعلى القول ألا تكون في ذمته إن لم توجد بعد الموت لا يكون القراض (٤) في الذمة، والقراض أبين في هذا الوجه من الوديعة؛ لأن الوديعة إن لم توجر حمل على أنه تسلفها

стр. 5315

وذلك الغالب بخلاف القراض لأنه مأذون له في التجربه، فكان محمله على أنه كان يتجر فيه لربه حتى يثبت تعديه فيه بأنه كان يتجر فيه لنفسه أو أهلكه (١). ولا يحسن أن يمضي رجل بقراض فيموت بالعراق أو بخراسان ولا يدري ما حدث عليه فيه فيباع عقاره في المغرب مع أن الغالب أن الغريب عند الموت يفرق أمواله لمن يرى أنه يوصلها خوف أن يأخذها أصحاب المواريث في الموضع الذي هو فيه، ولا يقدر على الإشهاد عليهم خوف الظهور عليها، ولا يفعله (٢) حينئذ أحد ببينة خوف أن يظهر عليه فيطلب بأكثر منه، وأمره عند الموت فيه متردد بين أن يكون هلك أو أعطاه لمن يوصله فلم يفعل، أو هلك من قبضه، وإذا كان كذلك لم يغرم بالشك، وإن خلف مالًا ولم يكن معه مال لنفسه كان محمله على أنه من القراض قليلًا كان أو كثيرًا إلا أن يكون من الكثرة ما لا يشبه أن يكون على القراض بحال، فيكون لصاحب القراض ما يشبه أن يكون من ماله الزائد ميراث عنه، وإن كان معا لعامل مال يخصه وعلم قدره، ثم وجد المالين مختلطين وكان فيه ربح، فض (٣) الربح على قدر المالين على قدر ما يقول من سافر معه أنه يربح في كل صنف كان معه، وإن جهل معرفة البيع فض على قدر المالين وكذلك الخسارة إذا لم يكن في المال الموجود وفاء بالتجارتين وعلم أنه خسر في أحدهما حملت الخسارة عليه، وإن لم يعلم فضت على قدر المالين (٤)، وإن لم يعلم حقيقة الال الذي بخاصته وعلم قدره ونحوه كان شريكًا في الربح والخسارة بما لا يشك أنه كان له، وإن لم يعلم قدره وكان في سلع القراض ربح بدئ بمال القراض ومما يرى أنه ربح فيه والباقي ميراث عن العامل (٥).

стр. 5316

كتاب الأقضية النسخ المقابل عليها ١ - (ف) = نسخة فرنسا رقم (١٠٧١) ٢ - (ت) = نسخة تازة رقم (٢٣٤ & ٢٤٣) ٣ - (ر) = نسخة الحمزوية رقم (١١٠)

стр. 5317

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم تسليما كتاب الأقضية باب في القضاء ومنزلة من يعدل، وما يجوز من القضاء ويخشى من عاقبته؟ وهل يجب أن يقام للناس قاض؟ ومن يولى القضاء ومن (١) يمنعه؟ الأصل في القضاء قول الله : ﴿يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ﴾ [ص: ٢٦]، وفي شرعنا قوله سبحانه: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ [النساء: ١٠٥]، وقوله تعالى: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ﴾ [النساء: ١٣٥]، وقوله تعالى ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [النساء: ٦٥]، وأعظم الله تعالى قدر من قام فيه بالحق وبشر به وأدنى منزلته، قال النبي ﷺ : "إِنَّ المُقْسِطِينَ عِنْدَ الله يوم القيامة عَلَى مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ عَنْ يَمِينِ الرَّحْمَنِ، وَكِلْتَا يَدَيْهِ يَمِينٌ، الَّذِينَ يَعْدِلُونَ فِي حُكْمِهِمْ وَأَهْلِيهِمْ وَمَا وَلُوا" أخرجه مسلم (٢). وقال: "سبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لاَ

стр. 5318

ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ إِمَامٌ عَادِلٌ. . ." (١) فبدأ به وحض على القيام فيه بالحق، النبيين والمؤمنين فقال: ﴿وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [ص: ٢٦]، وفي شرعنا ﴿وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾ [النساء: ١٠٥]. وإن كانوا معصومين (٢) من ذلك. وقال تعالى: ﴿وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ﴾ [النساء: ٥٨]، وقال سبحانه: ﴿فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي﴾ [البقرة: ١٥٠]. وعظم أمر القضاء فقال النبي ﷺ : "مَنْ وَلِيَ لقَضَاءَ فَقَدْ ذُبِحَ بِغَيْرِ سِكِّينٍ" (٣)، وهذا تنبيه منه على (٤) جسيم ما يدخل (٥) فيه؛ لأن الغالب عدم السلامة، وإنه بلية إلا من عصم الله. وقال ﵇: "إِنَّكُمْ سَتَحْرِصُونَ عَلَى الإِمَارَةِ، وَإِنَّهَا سَتكُونُ حَسْرَةً وَنَدَامَةً يَوْمَ القِيَامَةِ، فَنِعْمَ المُرْضِعَةُ وَبِئْسَتِ الفَاطِمَةُ" (٦). وقال: "يَا أَبَا ذَرٍّ، إِنِّي أَرَاكَ ضَعِيفًا، وَإِنِّي أُحِبُّ لَكَ مَا أُحِبُّ لِنَفْسِي، لاَ تَأَمَّرَنَّ عَلَى اثْنَيْنِ، وَلاَ تَوَلَّيَنَّ مَالَ يَتِيمٍ". أخرج هذين الحديثين البخاري ومسلم (٧).

стр. 5319

ولا يولى القضاء من علم منه الرغبة فيه، والحرص عليه؛ لأنه غير مؤيد ولا مُعان لقول النبي ﷺ : "إِنَّا لاَ نَسْتَعْمِلُ عَلَى عَمَلِنَا مَنْ أَرَادَهُ، وَلاَ مَنْ حَرَصَ عَلَيْهِ (١). يريد أنه لم يجعل الله له (٢) أن يوليه من حرص عليه. وقال لعبد الرحمن بن سمرة: "لاَ تَسْأَلِ الإِمَارَةَ، فَإِنَّكَ إِنْ أُعْطِيتَهَا عَنْ مَسْألةٍ وُكلْتَ إِلَيْهَا، وَإِنْ أُعْطِيتَهَا عَنْ غَيْرِ مَسْألةٍ أُعِنْتَ عَلَيْهَا". أخرجهما الصحيحان (٣). وقال: "مَنِ ابْتَغَى القَضَاءَ وَسَأَلَ فِيهِ شُفَعَاءَ وُكِلَ إِلَى نَفْسِهِ، وَمَنْ أُكْرِهَ عَلَيْهِ أنزَلَ اللهُ عَلَيْهِ مَلكًا يُسَدِّدُهُ". ذكره الترمذي (٤). فصل [في وجوب القضاء وصفة القاضي] إقامة الحكم للناس واجب؛ لأنه من مصالح الناس، وفيه رفع التهارج وردّ المظالم، ونصر المظلوم والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فعلى من كان واليًا على بلد أن ينظر في أحكامهم (٥) إن كان (٦) لذلك أهلا، فإن لم يفعل أو لم يجد إلى ذلك سبيلا (٧)، أو لم يكن أهلا له، كان عليه أن يقيم للناس من ينظر في

стр. 5320

ذلك، فإن لم يكن في الموضع والٍ، كان ذلك إلى ذوي الرأي والثقة، فمن (١) اجتمع رأيهم عليه أنه يصلح لذلك أقاموه، والقضاء من فروض الكفاية، إذا كان بذلك البلد عدد يصلحون لذلك (٢)، فإن ولي أحدهم (٣) سقط عن الباقين، وإن لم يكن من يصلح لذلك إلا واحد تعين عليه، وأجبر على الدخول فيه. ويولى القضاء من اجتمع فيه الدين والعلم، بما يحتاج إليه في (٤) ذلك من الكتاب والسنة والفروع، قوي البدن (٥) قوي الدين (٦) مطلعا على أقضية من مضى، غير مستكبر عن مطالعة من معه من أهل العلم، ورعا نزها عن ما في أيدي الناس، مستخفا بالأئمة غير هيوب، ذاغنى وأناة حليما على (٧) الخصم، فإن نقص عن (٨) شيء من ذلك كان وصمًا فيه. قال مالك -في كتاب ابن حبيب-: ولا أرى خصال القضاء (٩) تجتمع اليوم في واحد، فإن اجتمع منها خصلتان ولي: العلم والورع، قال ابن حبيب: فإن لم يكن، فالعقل والورع، فإنه بالعقل يسأل وبالورع يعف (١٠)، قال سحنون: فإن كان فقيرا أغني (١١).

стр. 5321

قال الشيخ: ولا يولى غير عدل؛ لأن من لا تجوز شهادته لا يجوز قضاؤه. قال أصبغ -في كتاب ابن حبيب، في رجلين أحدهما عدل لا علم عنده، والآخر (١) عالم ليس مثل الآخر (٢) في العدالة-: فليولًّ العالم إذا كان لا بأس بحاله، وإن كان غير مرضي ولي العدل وأمر أن يجتهد ويستشير (٣). يريد أنه يستشير أهل العلم (٤) وإن كان عدلا.

стр. 5322

باب في منزل القاضي من المصر والموضع الذي يجلس فيه للقضاء، وهل يختص بوقت أو يجالسه (١) أهل العلم وذوو العدل (٢) قال ابن شعبان: من العدل أن يكون منزل القاضي متوسط المصر (٣)، ويستحب أن يستقبل القبلة وهذا في المصر الكبير؛ لأنه إذا كان في طرف المصر أضر بالناس، لتجشم الترداد إليه، وإن كان صغيرًا فذلك أخف. واختلف في الموضع الذي يجلس فيه للقضاء على ثلاثة أقوال: فقال مالك في المدونة: القضاء في المسجد من الأمر القديم (٤). وقال في كتاب ابن حبيب: كان من مضى من القضاة لا يجلسون إلا في رحاب المسجد خارجًا، إما عند موضع الجنائز، وإما في رحبة دار مروان، وما كانت تسمى إلا رحبة القضاء (٥). قال مالك: وإني لأستحب ذلك في الأمصار من غير تضييق، ليصل إليه اليهودي والنصراني، والحائض والضعيف، وهو (٦) أقرب إلى التواضع إلى الله سبحانه، وحيثما جلس القاضي المأمون فهو (٧) جائز (٨). وقال أشهب: لا

стр. 5323

بأس أن يقضي في منزله وحيث أحب (١). قال الشيخ: قوله أنه يقضي في الرحاب خارجًا عن (٢) المسجد أحسن، لقول النبي ﷺ : "جَنِّبُوا مَسَاجِدَكُمْ رَفْعَ أَصْوَاتِكُمْ وَخُصُومَاتِكُمْ" (٣). ولا يعترض هذا باللعان؛ لأنها أيمان، ويراد بها الترهيب؛ ليرتجع المبطل عن الباطل. فصل [في تعيين وقت للقضاء يَعْلَمَة أهل الخصومات] ويلتزم (٤) وقتًا من النهار يجلس فيه للناس (٥)، ليَعْلَمَهُ أهل الخصومات فيأتون حينئذ؛ لأنه إذا كان مختلفًا تارة أوله وتارة وسطه وتارة آخره- أضر بالناس في تعطيل ما يحتاجون إليه من معايشهم (٦). ولا يجلس إليهم (٧) في الخصومة بين العشاءين ولا بالأسحار (٨)، إلا في مثل ما يخاف (٩) فواته ودخول المضرة إن أخر لوقت الخصومات، أو يمين

стр. 5324

يخاف حنث صاحبها، ولا يجلس للقضاء في أيام الأعياد. قال محمد بن عبد الحكم: ولا قبل ذلك مثل يوم التروية ويوم عرفة يريد: وإن لم يكونوا في حج- ولا يوم خروج الحاج بمصر لكثرة من يشتغل يومئذ (١) بمن يسافر، وكذلك إذا كان الطين (٢) والوحل (٣). وكل هذا ما لم تكن ضرورة بمن ينزل به الأمر، فإن على القاضي أن يبعث وراء الخصم، وينظر في المسألة (٤). فصل [شروط الجلوس للقضاء وما يتحلى القاضي من الآداب] ولا يجلس القاضي (٥) للقضاء (٦) وهو على صفة يخاف ألا يأتي بالقضية على وجهها، وكذلك إذا حدث بعد أخذه في القضاء مثل ذلك، فإنه يقوم ويدع القضاء (٧)، وذلك كالغضب والضجر والهم والجوع والعطش والحقن، وإن أخذ (٨) من الطعام فوق ما يكفيه لم يجلس، والأصل في هذه الجملة قول النبي ﷺ : "لاَ يَحْكُمْ أَحَدٌ بَيْنَ اثْنَيْنِ وَهُوَ غَضْبَانُ" أخرجه البخاري (٩).

стр. 5325

واختلف إذا دخله ضجر، فقال محمد بن عبد الحكم: لا بأس أن يحدث جلساءه إذا ملَّ، يروِّح قلبه، ثم يعود إلى الحكم (١). وقال ابن حبيب: يقوم (٢). والأول أحسن، وهو أخف من (٣) قيامه وصرف الناس. ولا يحكم متكئًا؛ لأن فيه استخفافًا بالحاضرين، وللعلم حرمة. ولا بأس أن يحكم وهو ماش، في مسألة نص أو ما خف من مسائل الاجتهاد، ولا يجوز له ذلك فيما غمض وكان يحتاج إلى روية (٤). واختلف في جلوس أهل العلم معه، فقال محمد بن المواز: لا أحب له أن يقضي إلا بحضرة أهل العلم معه (٥) ومشاورتهم، وهو قول أشهب قال: (٦) وكان عثمان ﵁ إذا جلس للقضاء أحضر أربعة من الصحابة ثم استشارهم، فإذا رأوا ما رآه أمضاه. ومنع ذلك مطرف وابن الماجشون، قالا: ولكن إذا ارتفع عن مجلس القضاء شاور (٧). قال الشيخ ﵀: ذلك على قدر حالة القاضي، فإن كان لا يدركه انحصار لحضورهم كان حضورهم أحسن، ولا يزيده ذلك إلا خيرًا وبصيرة،
следующие страницы →