← Фикх малики

Фикх малики · id 14591

التبصرة للخمي

اللخمي، أبو الحسن

Полный текст (6 502 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

وثبت عنه أنه سجد في ﴿وَالنَّجْمِ﴾ بمكة (١)، ولم يأت عنه في حديث صحيح أنه سجد في سوى المفصل إلا في (ص). وقال ابن عباس ﵄ في البخاري: ليست من العزائم (٢). وفي النسائي: قال ﷺ : "سَجَدَهَا دَاوُدُ تَوْبَةً، وَأَسْجُدُهَا شُكْرًا" (٣). وإذا ثبت السجود في المفصل ولم يثبت نسخه لم يترك السجود فيها، وقد احتج من نفى السجود فيها بقولٍ يذكر عن ابن عباس ﵄ أنه قال: "لَمْ يَسْجُدِ النَّبِيُّ ﷺ فِى شَىْءٍ مِنَ المُفَصَّلِ مُنْذُ تحَوَّلَ إِلَى المَدِينَةِ" (٤). ولحديث زيد بن ثابت ﵁ قال: "قَرَأْتُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ : ﴿وَالنَّجْمِ﴾ فَلَمْ يَسْجُدْ" (٥).

стр. 527

والاعتراض بهذين غير صحيح، فأما ما ذكر عن ابن عباس ﵁ فقد لا يثبت ذلك عنه؛ لأنه لم يشهد جميع إقامة النبي ﷺ بالمدينة، وإنما كان قدومه سنة ثمان بعد الفتح. ويعترض بحديث أبي هريرة، وأنه سجد خلف النبي ﷺ حسبما تقدم، فكان الأخذ به أولى، لصحة سنده؛ ولأن من أثبت أولى ممن نفى؛ ولأن النسخ (١) لا يصح إلا بأمر لا يشك فيه، وأن يكون تاريخ الترك متأخرًا، ولأنه لو ثبت أنه متأخر لأمكن أن يكون ذلك في غير صلاة، أو في غير إبان صلاة، ولإمكان أن يكون اجتزأ بسجود الركعة؛ لأن السجود في المفصل في أواخر السور. وقد قال ابن حبيب في مثل هذا: إن القارئ بالخيار بين أن يسجد أو يركع ويسجد (٢)، ويحتمل حديث زيد في ترك النبي ﷺ السجود؛ لأن زيدًا كان القارئ فلم يسجد زيد لأنه كان على غير طهارة أو في غير إبان صلاة؛ لأنه لم يقل: سجدت فلم يسجد النبي ﷺ معي؛ ولأن السجود ندب، وقد يترك مرة ليُعلم أنه ليس بحتم، وقد فعل ذلك عمر ﵁ سجد مرة وترك مرة، وقال: إن الله ﵎ لم يكتبها علينا إلا أن نشاء (٣). وقال ابن القاسم: كان مالك لا يوجبها، ويأخذ في ذلك بقول عمر ﵁ (٤). واختلف في موضع السجود في حم تنزيل، فقال مالك: ﴿إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ

стр. 528

تَعْبُدُونَ﴾ [فصلت: ٣٧] (١). وقال ابن عمر وابن وهب: ﴿وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ﴾ [فصلت: ٣٨] (٢) وهو أبين؛ لأن سجود القرآن يتضمن ثلاثة معان: مدح من سجد، وذم من عنَد، وأمرٌ بالسجود (٣). ففي سورة الرعد والنحل والحج (٤) مدحُ من سجد، فنُدبنا عند ذكرهم إلى المبادرة لامتثال ما امتثلوه، وفي سورة الفرقان (٥) وغيرها ذم من عند فنُدبنا للسجود عند نفورهم، وأمرنا بالسجود في النجم (٦) وغيرها، وقد تضمن أول هذه الآية أمرًا بالسجود وآخرها ذم (٧) من عند، ومدح من امتثل وأطاع. فكان السجود عند ذكر من عند واستكبر أولى؛ لأن زيادة ذلك القدر من التلاوة لا يخرج عن حكم السجود على القول الأول، ويكون قد أتى بسجود مجمع عليه، وذلك أحوط.

стр. 529

فصل [أحوال المصلي القارئ لآية السجدة] لا يخلو قارئ السجدة من ثلاث: أن يكون في نفل، أو فرض، أو في غير صلاة. فإن كان في نفل سجد. وإن كان في فرض في جماعة كره له إذا كان يخشى أن يخلط على من معه، وذلك في موضعين: في الجماعة الكثيرة في صلاة الجهر، وفي الجماعة القليلة في صلاة السر. فإن فعل وقرأ سورة فيها سجدة استحب له ألا يقرأ السجدة، فإن قرأها سجد، ويعلن قراءة السجدة في صلاة السر ليعلم من خلفه أنه لذلك سجد. وفي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ قال: "كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي بِنَا الظُّهْرَ، وَيُسْمِعُنَا الآيَةَ أَحْيَانًا" (١). واختلف إذا كانت الجماعة قليلة والقراءة جهرًا، أو كان فذًّا، فظاهر قوله في الكتاب المنع (٢). وأجاز مالك ذلك في العتبية للإمام (٣). وعلى قوله هذا يجوز للفذ، وأجازه ابن حبيب للإمام والفذ، وهو أحسن،

стр. 530

لحديث أبي هريرة قال في: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق: ١]: "سَجَدْتُ بِهَا خَلْفَ أَبِي القَاسِمِ ﷺ " (١)، والمعروف أنه ﷺ كان يصلي الفرض بهم. وقال أيضًا: "كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقْرَأُ يَوْمَ الجُمُعَةِ فِي الصُّبْحِ بـ ﴿الم (١) تَنْزِيلُ﴾ و ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ﴾ (٢). وكان عبد العزيز بن مروان يصلي بالناس بمصر يوم الجمعة بـ ﴿الم (١) تَنْزِيلُ﴾، وروي عن أبي بكر بن حزم أنه كان يؤم بها في الصبح يوم الجمعة. فصل [في أحوال القارئ لآية سجدة في غير الصلاة] والقارئ إذا كان في غير صلاة على ثلاثة أوجه: فإن كان على طهارة وهو في وقت صلاة سجد، وإن كان على غير طهارة أو على طهارة وبعد الإسفار أو الاصفرار لم يقرأها وتعداها. واختلف إذا لم يسفر ولم تصفر الشمس فقال مالك في المدونة: يسجد. وقال في الموطأ: لا يسجد لا بعد الصبح ولا بعد العصر. واحتج بالحديث في النهي عن الصلاة حينئذ (٣).

стр. 531

وقال مطرف وابن الماجشون عند ابن حبيب: يسجد بعد الصبح ولا يسجد بعد العصر (١). وهذا فرق حسن، ولو قيل: يسجد بعد الإسفار (٢) لكان له وجه؛ لأنه وقت للفريضة مع الاختيار، والاصفرار وقت ضرورة. فصل [في من نسي السجود للتلاوة] ومن نسي أن يسجد للتلاوة وهو في صلاة نفل، فإن تجاوزها بالآية والآيتين سجد ولم يعد لقراءتها، وإن كان على غير ذلك أعاد قراءتها وسجد، وإن لم يذكر حتى ركع (٣) ورفع قرأها في الثانية وسجد. واختلف إذا ذكر وهو راكع أو جالس أو بعد السلام، فقال مالك في العتبية: إذا ذكر وهو راكع يمضي على ركوعه ولا يسجد. وكذلك لو انحط يسجد فنسي فركع، فإنه يرفع للركوع وتجزئه الركعة (٤)، وقال أشهب: ينحط للسجود، وإن كانت نيته في حال انحطاطه للركوع. وقال ابن القاسم: إذا كانت نيته للسجود فإنه يخر ساجدًا؛ لأن ركعته تلك لا تجزئ عنه ولو رفع منها (٥). يريد بخلاف من كانت نيته من أول

стр. 532

الركوع، فإنه (١) يمضي لتمامها. والقول إنه إذا كانت نيته للركوع إنه يمضي لها أحسن (٢)؛ لأنه تلبّس بفرض فلا يسقطه لنفل، ولم يختلفوا فيمن نسي الجلوس حتى تلبس بالفرض وهو القيام، أنه لا يرجع منه إلى الجلوس، والجلوس سنة مؤكدة تَفْسُدُ الصلاة بتعمد تركه في المشهور من المذهب، فناسي السجدة أولى. وأما إذا كانت نيته في الانحطاط للسجدة، فإن مالكًا ذهب إلى أن الفرض أن يخر راكعًا فتماديه عليه بنية الامتثال للركوع جازٍ عنه (٣). وذهب ابن القاسم إلى أن الانحطاط للركوع فرض في نفسه، فلم يجز عنه الانحطاط بنية السجود لأنه لنفل، فلا يجزئ عن فرض (٤). واختلف فيمن سلّم من ركعتين، فذكر وهو قائم هل يُحْرم ولا يجلس (٥) أو يجلس ثم يقوم؟ ولم يختلف النص فيمن سبقه الإمام بركعة فظن أن الإمام سلم، وقام للقضاء وسلم الإمام وهو قائم - أنه لا يرجع إلى الجلوس، وقد كانت الحركة إلى القيام في حكم الإمام في موضع لا يحتسب بها (٦)، فإن ذكر وهو جالس أو بعد السلام لم يكن عليه شيء عند ابن القاسم (٧)، إلا أن يدخل في نفل آخر. ولأشهب في مدونته: أنه إن ذكر وهو جالس ولم يسلِّم أنه يسجد،

стр. 533

وإن ذكر بعد السلام سجد. وهو (١) أبين؛ لأن سجود التلاوة إنما كان في صلاة، وقضاؤه استحسان. فصل [فيمن سمع آية سجدة] وعلى من سمع السجدة أن يسجد، وذلك بخمسة شروط: أن يكون القارئ بالغًا، وعلى وضوء، ويسجد حينئذ، ولا يكون قراءته ليسمع الناس حُسْن قراءته، والسامع ممن قصد الاستماع، فهذه جملة متفق عليها (٢). وإن كان القارئ ممن لا يؤتم به كالمرأة أو الرجل الفاسق أو على غير وضوء، أو (٣) كان السامع ممن لم يقصد الاستماع، لم يكن عليه سجود. واختلف إذا كان القارئ صبيًّا، أو على (٤) وضوء ولم يسجد القارئ، وكان قصد الاستماع لقراءته، فقال في المدونة: لا يسجد إذا كان صبيًّا (٥). وإن كان رجلًا على طهارة (٦) ولم يسجد، سجد المستمع، وكذلك إذا كانت قراءته ليسمع الناس وسجد (٧). وأجاز في العتبية إمامة الصبي في النافلة (٨)، فعلى هذا يسجد بسجوده.

стр. 534

وقال مطرف وابن الماجشون عند ابن حبيب: إذا لم يسجد القارئ لم يسجد المستمع (١). وهذا أقيس؛ لقوله: إن القارئ إمام. فإن كان صبيًّا أو امرأةً لم يسجد. والأول أحسن؛ لأن سجود التلاوة مما ندبا إليه جميعًا ليدخلا في جملة من أمر ومدح بامتثاله، أو ليخرجا من جملة من عند وعصى. وكذلك إذا كان القارئ صبيًّا أو امرأةً أو على غير وضوء، وهذا ما لم يكونا في صلاة، فلا يسجد المأموم إذا لم يسجد الإمام (٢)، ولا يخالف لورود النهي ألا يختلف عليه. وأرى أن يسجد لسجود القارئ الفاسق (٣)؛ لأن الظاهر أنهم في طاعة، والسرائر إلى الله سبحانه. واختلف في المعلم، فقيل: يسجد هو ومن يتعلم عليه أول مرة. وقيل: لا شيء عليه (٤). والأول أبين؛ لأنهما في أول مرة على الأصل في الندب إلى السجود. وإذا كرر المتعلم ذلك العُشْر سقط حينئذ. وإن أتى آخر فقرأ تلك السجدة - سجدها المتعلم وحده، وإن قرأ غيرها سجدا جميعًا؛ لأن قارئ جميع القرآن إذا تهجد به أو قرأه نهارًا - سجد كلما مرت عليه سجدة.

стр. 535

فصل [في التكبير والتسليم لسجود التلاوة، وفي سجدة الشكر] ويكبر للسجود وللرفع منه إذا كان في صلاة، ويختلف إذا كان في غير صلاة، والتكبير أحسن، لحديث ابن عمر ﵁ قال: "كَانَ رَسُولُ الله يَقْرَأُ عَلَيْنَا القُرْآنَ فَإِذَا مَرَّ بِسَجْدَةٍ كَبَّرَ وَسَجَدَ وَسَجَدْنَا مَعَهُ". ذكره أبوَ داود في مسنده (١). ولا يسلم منه. ولم ير مالك السجود عند القراءة ﴿وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ﴾ [الحجر: ٩٨]؛ لأنه يختص به ﷺ ، وإن كان مثل قوله تعالى: ﴿وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾ [العلق: ١٩]. واختلف في سجود الشكر فكرهه مالك (٢) مرة (٣). وذكر القاضي أبو الحسن ابن القصار أنه قال: لا بأس به. وبه أخذ ابن حبيب، وهو الصواب؛ لحديث ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ في سجدة (ص): "سَجَدَهَا دَاوُدُ تَوْبَةً، وَأَسْجُدُهَا شُكْرًا" (٤)، وحديث أبي بكرة قال: "أَتَى النَّبِيَّ ﷺ أَمْرٌ

стр. 536

سُرَّ بِهِ فَخَرَّ سَاجِدًا". ذكره الترمذي (١). وحديث كعب بن مالك لما بشر بتوبة الله سبحانه عليه خر ساجدا (٢). أخرجه البخاري.

стр. 537

باب في الصلاة إلى سترة ثبت عن النبي ﷺ أنه إذا كان في سفر أو خرج إلى العيدين ركزت له الحربة أو العَنزة فيصلي إليها (١)، وأنه كان يصلي إلى بعيره (٢). ولا خلاف في ذلك إذا كان المصلي بحيث يخشى من يمر بين يديه. والإمام والفذ في ذلك سواء. واختلف إذا كان لا يخشى ذلك، فأجاز (٣) في المدونة أن يصلي إلى غير سترة (٤)، ومنعه في العتبية (٥)، وهو أحسن، لقول النبي ﷺ : "إِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ يُصَلِّي، فَلاَ يَدَعْ أَحَدًا يَمُرُّ بَيْنَ يَدَيْهِ وَلْيَدْرَأْهُ مَا اسْتَطَاعَ، فَإِنْ أَبى فَلْيُقَاتِلْهُ فَإِنَّمَا هُوَ

стр. 538

شَيْطَانٌ" (١). وقال في كتاب مسلم: "فَإِنَّ مَعَهُ القَرِينَ" (٢)، يريد: قرينه من الجن، وقد قال النبي ﷺ : "مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ وَقَدْ وُكِّلَ بِهِ قَرِينٌ مِنَ الجِنِّ. قَالُوا: وَإِيَّاكَ يَا رَسُولَ الله؟ قَالَ: وَإِيَّايَ إِلاَّ أَنَّ اللهَ أَعَانَني عَلَيْهِ فَأَسْلَمَ، فَلاَ يَأْمُرُنِي إِلاَّ بِخَيْرٍ" (٣)، فكأن الشَيطان الذي معه يحمله على ذلك، وقال: "إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلْيَدْنُ مِنْ سُتْرَتِهِ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَحُولُ بَيْنه وَبَيْنَهَا" (٤). فأبان أنه إذا دنا لم يقدره الله على الجواز، وقد أمر بتخمير الإناء من الشيطان أو يعرض عليه عودا، فإن ذلك يمنعه منه وإن كان مكشوفًا (٥). قال: وإذا مر رجل بين يدي المصلي إلى سترة كان الإثم على المار، وإن كان إلى غير سترة، وليس للمار مندوحة في السير إلا بين يديه، وكان يشق عليه الصبر إلى أن يفرغ - كان الإثم على المصلي، إلا أن يكون الغالب أنه لا يمر

стр. 539

أحد بذلك الموضع - فلا إثم على واحد منهما، وإن كان للمار مندوحة عن المرور بين يديه كان الإثم على المار. والأصل في تعلق الإثم حديث أبي جهيم قال: قال رسول الله ﷺ : "لَوْ يَعْلَمُ المَارُّ بَيْنَ يَدَي المُصَلِّي مَاذَا عَلَيْهِ، لَكَانَ أَنْ يَقِفَ أَرْبَعِينَ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَمُرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ" (١). واختلف في القدر الذي يكون بين يدي المصلي، فقيل: قدر شبر، لحديث سهل بن سعد قال: "كَانَ بينَ مُصَلَّى النَّبِيِّ ﷺ وَبيْنَ الجِدَارِ قَدْرُ مَمَرِّ الشَّاةِ" (٢). وقدر ذلك شبر، وقد كان شيخنا أبو الطيب رحمة الله عليه ورضوانه. إذا قام إلى الصلاة دنا من الجدار ذلك القدر، لهذا الحديث، وإذا ركع تأخر، وقيل: قدر ذلك ثلاثة أذرع؛ لحديث بلال ﵁: "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى فِي الكَعْبَةِ وَجَعَلَ بَيْنَهُ وَبيْنَ الجِدَارِ ثَلاَثَةَ أَذْرُعٍ" (٣). وإن ذلك يرجع إلى حديث سهل؛ لأنه إذا كان قيام المصلي من ثلاثة أذرع بقي بعد سجوده إلى الجدار نحو شبر. وقال الداودي (٤): ذلك واسع، وأكثره ثلاثة أذرع، وأقله ممر شاة.

стр. 540

فصل [فيما يجوز اتخاذه سترة] السترة تجوز بكل طاهر لا يشغل المصلي، إذا كان يثبت حتى تنقضي الصلاة، وكان في الارتفاع شبرًا فأكثر، في غلظ الرمح. وكره مالك السوط، فإن فعل أجزأه. وإذا صلى إلى مثل الرمح أو الحربة فليجعله على جانبه الأيمن، للحديث: "إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ إِلَى عَمُودٍ أَوْ خَشَبَةٍ، فَلاَ يجْعَلْه نُصْبَ عَيْنَيْهِ، وَلَكِنْ يَجْعَلُهُ عَلَى حَاجِبِهِ الأَيْمَنِ" (١)، وقال المقداد: "مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يُصَلِّي إِلَى عَمُودٍ أَو عُودٍ أَو شَجَرَةٍ إِلاَّ جَعَلَهُ إلَى حَاجِبِهِ الأَيْمَنِ أَوْ الأَيْسَرِ، لاَ يَصْمُدُ إِلَيهِ صَمْدًا" (٢).

стр. 541

ويكره أن يصلي إلى الحجر الواحد، ولا بأس بالحجارة يكومها (١) ويصلي إليها، ولا بأس أن يصلي إلى ظهر الرجل إذا رضي أن يثبت له حتى تنقضي صلاته. ولا يصلي إلى وجهه ولا إلى جنبه؛ لأن ذلك مما يشغله. واختُلِفَ في الصلاة إلى الحَلْقة، فأجيزتْ؛ لأن الذي يليه ظهر أحدهم، وكرهتْ؛ لأن وجه الآخر يقابله. ويُختلف على هذا في الصلاة إلى سترة رمح أو عَنَزَة إذا كان وراء السترة رجل جالس يستقبل المصلِّي بوجهه. ولا يصلي بلى النائم، وليس بحسن؛ لأنه لا يأمن أن يحدث منه مما تنزه الصلاة عنه، وفي مسند ابن سنجر قال ابن عباس: قال رسول الله ﷺ : "إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أُصَلِّيَ إِلَى النَّائِمِ وَالمتَحَدِّثِينَ" (٢). ولا إلى ظهر امرأة، امرأته كانت أو أجنبية. ولا بأس بالصلاة إلى الطائفين من غير سترة؛ لأنهم في معنى من هو في صلاة. ويجوز أن يصلي إلى البعير؛ لحديث ابن عمر "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَعْرِضُ رَاحِلتَهُ فَيُصَلِّي إِلَيْهَا، فَإِنْ ذَهَبَت أَخَذَ الرَّحْلَ فَعَدَّلَهُ وَصَلَّى إِلَيْهِ" (٣). قال مالك في العتبية: ولا يصلي إلى الخيل والحمير؛ لأن أبوالها نجسة،

стр. 542

وأبوال الإبل والبقر والغنم طاهرة (١)، قال ابن القاسم: كأنه لا يرى بأسًا بالسترة إلى البقرة والشاة (٢). فصل [في السترة للمأموم] ومن صلى مأمومًا فليس عليه أن يصلي إلى سترة، وذلك على إمامه، فإن صلى الإمام إلى غير سترة لم يُؤتم به. وقال مالك: لا بأس أن يمر الرجل بين يدي الصفوف (٣). واختلف في توجيه ذلك، فقال مالك: لأن الإمام سترة لهم (٤). وقال أبو محمد عبد الوهاب: لأن سترة الإمام سترة له ولمن خلفه؛ لأن المار يعلم أنه في صلاة فيمتنع من المرور بين يديه؛ ولأنه لا يقع ذلك بين الإمام والصف (٥)، وإنما يقع بين المصلي إلى الفضاء (٦)، وقال البخاري: سترة الإمام سترة من خلفه (٧). وهذا مثل ما قاله أبو محمد عبد الوهاب.

стр. 543

باب في الجمع ليلة المطر اخْتَلَفَ قول مالك في الجمع بين المغرب والعشاء إذا كان المطر، فأجاز ذلك مرةً، وأن تقدم العشاء فتصلى قبل مغيب الشفق جماعة (١). فقدم فضل الجماعة على فضيلة الوقت. ومنع ذلك في "مختصر ما ليس في المختصر" وقال: لا يجمع بالمدينة إلا في مسجد النبي ﷺ ، وأما مساجدها فلا. وأرى أن الأصل إيقاع الصلوات في مواقيتها، ولا يستعمل خلاف ذلك إلا فيما جاء فيه العمل، وهو مسجد النبي ﷺ ؛ لأن الصلاة فيه بألف صلاة فيما سواه، ولا يقاس عليه سائر المساجد؛ لأنها دونه في الفضل. ويستخف فعل (٢) ذلك في المسجد الحرام، للاختلاف في قدر المساواة بينهما في الفضل. وإذا منع الجمع فإنه يجوز لمن عاد إلى بيته أن يصلي العشاء في بيته ويترك فضل الجماعة للضرورة في الرجوع، وذلك إذا حدث المطر والناس في بيوتهم قبل أن يأتوا لصلاة المغرب، وأنه يجوز لهم ألا يأتوا، ويتركوا الجماعة، وكذلك شدة الريح وشدة البرد، وقد ثبت عن النبي ﷺ "أنَّه إِذَا كَانَتْ لَيْلَةٌ بَارِدَةٌ،- وفي حديث آخر: لَيْلَةٌ ذَاتُ بَرْدٍ وَرِيحٍ - يَأْمُرُ المُؤَذِّنَ يَقُول: أَلاَ صَلُّوا فِي الرَحَالِ" (٣).

стр. 544

فصل [في الجمع بين الصلوات] الجمع يجوز بين المغرب والعشاء إذا كان المطر، أو طين وظلمة وإن لم يكن مطر. وفي العتبية قيل لمالك: وربما تجلى المطر وبقي الطين أَيَجْمَعُونَ؟ قال: نعم (١). وظاهر هذا إجازة الجمع إذا كان الطين، وإن لم تكن ظلمة، وقال أيضًا: إذا كان الطين والوحل الكثير أرجو أن له سَعَة أن يصلي في بيته. وعلى هذا يجوز إذا كان في المسجد أن يجمع إذا كان الوحل. واختلف في وقت الجمع، وفي الأذان للثانية، وفي التنفل بين الصلاتين. فأما وقت الجمع فقال في الكتاب: إذا كان مطر، أو طين وظلمة يؤخرون المغرب شيئًا قليلًا ثم يصلونها ثم يصلون العشاء وينصرف الناس وعليهم إسفار قليل (٢). وقال عنه محمد بن عبد الحكم: يجمع أول وقت المغرب. وقال أشهب في مدونته: إذا كان المطر تؤخر المغرب إلى عند غيبوبة الشفق ثم يجمع (٣). وقال مالك في مختصر ابن عبد الحكم: تؤخر المغرب، ثم تصلى، ثم يؤذن للعشاء ويصلون حتى يغيب الشفق أو معه، ثم يصلي، ولا يتنفل بينهما (٤). وأجاز ابن حبيب التنفل بينهما، وقال: الذي رأيت أهل العلم يستحبون: أن يؤذن للمغرب في وقتها ثم تؤخر قليلًا ثم يصلونها، فإذا فرغوا

стр. 545

أذن للعشاء في صحن المسجد أذانًا ليس بالعالي، فيتنفل من أحب (١). وقوله في المدونة: في العشاء يصلونها وعليهم إسفار قليل (٢) أحسن؛ لأن تقديمها قبل ذلك لم تدع إليه ضرورة، وتأخيرها عن الإسفار تأخير عن وقت الضرورة، ويؤدي إلى الانصراف في الظلمة، وأما في المغرب فَهُم بالخيار بين أن يصلوها إذا غابت الشمس؛ لأنه الوقت الأفضل ولم تدعُ ضرورة إلى تأخيرها عنه، أو يؤخرونها لتجمع مع العشاء. ومحمل قول مالك أنها تؤخر عن الوقت الذي كان النبي ﷺ يصليها فيه، وفي الصحيحين (٣) عن رافع بن خديج قال: "كُنَّا نَنْصَرِفُ مِنَ الصَّلاَةِ، وَإِنَّ أَحَدَنَا لَيَرَى مَوَاقِعَ نَبْلِهِ" (٤) فأما اليوم فالشأن تأخيرها، فمن جمع اليوم في الوقت المعتاد أجزأه من التأخير. واختلف فيمن صلى المغرب في بيته ثم أتى المسجد وقد صلوا المغرب أيضًا، فقال ابن القاسم: يجمع معهم (٥). وقال مالك في المختصر: لا يجمع (٦). والأول أحسن؛ لأن الوجه أن تقدم الصلاة لأجل فضيلة الجماعة على فضيلة الوقت.

стр. 546

ولا يجمع بين الظهر والعصر إذا كان المطر؛ لأن الناس حينئذ ينصرفون إلى أشغالهم في أمر دنياهم بخلاف الليل، فكان سعيهم لصلاتهم أولى. وهذا فيمن أراد أن يقدم العصر إلى الظهر، فأما إذا كان الجمع أن تصلى الظهر في آخر وقتها والعصر في أول وقتها فلا بأس؛ لأن ذلك يجوز من غير مطر. وهو قول عبد الملك في كتاب محمد. وعلى هذا يحمل حديث ابن عباس قال: "صَلَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ الظُّهْرَ وَالعَصْرَ جَمِيعًا، وَالمَغْرِبَ وَالعِشَاءَ جَمِيعًا فِي غَيْرِ خَوْفٍ وَلاَ سَفَرٍ" (١). وقال في كتاب مسلم: "وَلاَ مَطَرٍ" (٢). أنه أخر الأولى إلى آخر وقتها وعجل الآخرة.

стр. 547

باب في جمع المريض اختلف في الوقت الذي يجمع فيه المريض، فقال مالك في المدونة: إن خاف أن يغلب على عقله - جمع عند الزوال وعند الغروب. وإن كان لطرح المشقة فيما يتكلفه من الحركة جمع في النهار وسط وقت الظهر، وفي الليل عند مغيب الشفق. وفي كتاب ابن حبيب: إذا لم يخف على عقله، وكان الجمع أرفق به لشدة النهوض والوضوء لكل صلاة - فليجمع في آخر وقت هذه وأول وقت هذه، وبمقدار إذا سلم من المغرب غاب الشفق. ووافق ذلك إذا خاف أن يغلب على عقله أن يجمع إذا زالت الشمس وإذا غربت. وجعل مالك في مختصر ابن عبد الحكم ذلك قسمًا واحدًا إذا خاف أن يغلب على عقله أو يشق عليه الوضوء. قال: فلا بأس أن يجمع: يؤخر الظهر إلى العصر والمغرب إلى العشاء (١). وفي مختصر ما ليس في المختصر: يجمع أول وقت الظهر وأول وقت المغرب قسما واحدًا أيضا، وقال عيسى إذا جمع أول الوقت؛ لأنه خاف أن يُغلب على عقله فلم يذهب عقله أعاد الأخيرة. وأرى لمن خاف على عقله الخيار بين أن يجمع إذا زالت الشمس؛ لأن له إيقاع الظهر أول الوقت، وله أن يُعجِّل العصر، وله أن يؤخرها فإن سَلِم صلاها، وإلا فلا شيء عليه. ولا يجب تعجيل العصر وإن علم أنه يُغلب على

стр. 548

عقله، وله أن يؤخر الظهر إلى آخر القامة؛ لأن تعجيل الصلاة أول الوقت ليس بواجب، ويعجل العصر حينئذ إن شاء وإن شاء أخرها ما لم تصفر الشمس. ولو أخرها بعد الاصفرار وهو يعلم أنه وقت نوبة إغمائه حتى تغيب الشمس لم يكن عليه قضاء.

стр. 549

باب في جمع المسافر جمع المسافر يصح في الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء، ولا يجمع بين العصر والمغرب، ولا بين العشاء والصبح. والجمع يجوز على ثلاثة أوجه، ويمنع في أربعة: أحدها: أن يقدم العصر فيصليها إذا زالت الشمس مع الظهر، ويقدم العشاء فيصليها إذا غربت الشمس مع المغرب. والثاني: أن يؤخر الظهر فيجمع بينهما آخر وقت العصر، ويؤخر المغرب فيجمع بينهما آخر وقت العشاء. والثالث: أن يصلي كل واحدة في وقتها، فيصلي الظهر والمغرب في آخر وقتهما، والعصر والعشاء في أول وقتهما. وإن زالت الشمس وهو في المنهل ويعلم أنه إذا رحل كان نزوله بعد الغروب أو غربت وهو في المنهل ونزوله إذا رحل بعد طلوع الفجر - جمع في أول وقت الأولى. وإن كان نزوله قبل الاصفرار وقبل ذهاب ثلث الليل - لم يجمع وصلى الأولى ورحل وأخر الآخرة حتى ينزل. وإن زالت الشمس أو غربت وهو على ظهر وكان نزوله قبل الاصفرار أو (١) قبل ذهاب ثلث الليل - أخّر الأولى وجمع في آخر وقت الآخرة (٢) إذا نزل. وإن كان نزوله بعد الغروب أو بعد طلوع الفجر - جمع وصلى الأولى في آخر وقتها، والآخرة في أول وقتها؛ لأنه إنما يتكلف نزولًا واحدًا، وهو قادر على أن يوقع الصلاتين في الوقت المختار، ولا حاجة به إلى

стр. 550

أن يجعل نزوله أول الوقت ولا آخر الوقت. وإن زالت الشمس وهو في المنهل، وكان نزوله بعد الاصفرار وقبل الغروب - جاز ألا يجمع، ويصلي الظهر وحدها، ويؤخر العصر حتى ينزل، وصلاتها حينئذ أخف من تقديمها عند الزوال؛ لأن ذلك يخصها، ولا يتعلق على المصلي حينئذ إثم (١)؛ لأن ذلك للضرورة. ومثله إذا زالت الشمس وهو على ظهر، وكان نزوله بعد الاصفرار وقبل الغروب - فإنه يجوز له أن يؤخر ليجمع إذا نزل. وإلى هذا ذهب ابن مسلمة قال: أحسن ما يجمع فيه أن من خرج وأجمع السير يومه كله إلى الغروب - جمع إن شاء، وكذلك جمع أهل عرفة حين راحوا، قال: ولا نرى إلا أن وقتها للضرورة من الزوال إلى الغروب. فجعل له أن يؤخر ما بينه وبين الغروب. فصل [فيما يبيح الجمع] واختلف في الوجه الذي يبيح الجمع، فقال مالك: لا يجمع إلا أن يَجِد به السير، ويخاف فوات أمر (٢). وسوى في ذلك بين الجمع عند الزوال، أو الظهر في آخر الوقت والعصر في أول الوقت، وقال ابن حبيب: يجوز ذلك إذا أراد قطع السفر (٣)، وقال أشهب في كتابه: يجوز ذلك اختيارًا. وللحاضر من غير سفر أن يؤخر الظهر فيصليها في آخر وقتها، والعصر في أول وقتها.

стр. 551

قال: وذلك أن يصلي (١) الظهر وقد صار ظل كل شئ مثله. ويبتدئ صلاتها إذا كان الفئ قامة. وإذا صلاها أقام وصلى العصر أو يصلي (٢) المغرب وقد غاب الشفق (٣)، وإذا صلاها أقام الصلاة وصلى العشاء. وقال مالك عند ابن شعبان: يكره الجمع في السفر للرجال، ويرخص فيه للنساء. وقال أيضًا: إذا ارتحل المسافرون عند الزوال فلا يجمعون. يريد: إن كان نزولهم قبل الغروب فلا يجمعون (٤). وقول أشهب إنه يجوز الجمع إذا كان يصلي هذه في آخر وقتها والعصر في أول وقتها اختيارًا للمسافر والمقيم - حسن. ولا خلاف أن تأخير الظهر إلى آخر وقتها اختيارًا جائز، ولا يجوز تقدمة العصر أول وقت الظهر، ولا تأخير الظهر فيصلى قبل الاصفرار إلا لضرورة. وإذا كان ذلك فلا يجوز (٥) إلا للضرورة، مثل أن يخاف على نفسه إذا نزل أو يتكلف مشقة في لحوقه بأصحابه. وإن كان وحده أو معه النفر اليسير ينزلون لنزوله - فلا يباح ذلك له. ويختلف إذا كان يخف عليه اللحوق بهم إلا أنه يصلي فذًّا، وإن صلى قبل أن يرحل صلى جماعة؛ قياسًا على الجمع ليلًا لأجل المطر، فقدم مالك مرة فضيلة الجماعة على فضيلة الوقت، ومنعه مرة. وكذلك تأخير الظهر ليصليها مع العصر في الاصفرار- لا يجوز إلا للضرورة أن يخاف أن يتأخر عن أصحابه، أو يكون وحده ويخاف ذهاب دابته. وقد ورد عن النبي ﷺ في ذلك

стр. 552

ثلاثة أحاديث: أحدها: حديث أنس قال: "كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا ارْتحَلَ قَبْلَ أَنْ تَزِيغَ الشَّمْسُ أَخَّرَ الظُّهْرَ إِلَى آخِرِ وَقْتِ العَصْرِ، ثُمَّ نَزَلً فَجَمَعَ، وَإِنْ زَاغَتِ الشَّمْسُ قَبْلَ أَنْ يَرْتَحِلَ صَلَّى الظُّهْرَ ثُمَّ رَكِبَ". أخرجه البخاري ومسلم (١). وزاد مسلم عن أنس قال: "كَانَ رَسُولُ الله ﷺ إِذَا عَجِلَ بِهِ السَّيْرُ، أَخَّرَ الظُّهْرَ إِلَى أَوَّلِ وَقْتِ العَصْرِ فَيَجْمَعُ، وُيؤَخِّرُ الَمَغْرِبَ حَتَّى يَجْمَعَ بَيْنَهَا وَبيْنَ العِشَاءِ حِينَ يَغِيبُ الشَّفَقُ" (٢). والثاني: حديث معاذ قال: "كَانَ النَّبِيُّ ﷺ فِي غَزْوةِ تَبُوك إِذَا ارْتحَلَ قَبْلَ أَنْ تَزِيغَ الشَّمْسُ أَخَّرَ الظُّهْرَ حَتَّى يَجْمَعَهَا إِلَى العَصْرِ، وَإِذَا ارْتحَلَ بَعْدَ أَنْ تَزِيغَ الشَّمْسُ صَلَّى الظُّهْرَ وَالعَصْرَ جَمِيعًا، وَإِذَا ارْتحَلَ قَبْلَ المَغْرِبِ أَخَّرَ المَغْرِبَ حَتَّى يُصَلِّيَهَا مَعَ العِشَاءِ، وَإِذَا ارْتحَلَ بَعْدَ المَغْرِبِ عَجَّلَ العِشَاءَ فَصَلاَّهَا مَعَ المَغْرِبِ" (٣). والثالث: صلاته ﷺ بعرفة والمزدلفة: قدمَ العصر حين زالت الشمس؛

стр. 553

لأنهم يركبون في الوقوف ولا يدفعون حتى تغرب الشمس، وأخر المغرب؛ لأن الوقت يدخل عليهم وهم ركبان فلا ينزلون إلا بالمزدلفة. ومحمل الحديث أنه كان إذا زالت الشمس قبل أن يرحلوا - صلى الظهر خاصة على ما يكون نزوله منه قبل الاصفرار، ومحمل الحديث في الجمع على ما كان يعلم أن نزوله يكون بعد غروب الشمس، وكذلك في الليل يُحمل ما روي عنه أنه كان يجمع إذا غربت الشمس، وهو في المنهل على ما يعلم أنه ينزل بعد طلوع الفجر، ولو كان نزوله قبل ذهاب نصف الليل- صلى المغرب وحدها. ويصح أن يحمل الحديث في صلاة الظهر وحدها فيما يكون نزوله بعد الاصفرار وقبل الغروب، وقد جمع الصلاتين بعرفة حين زالت الشمس؛ لأنهم يتلبسون بأمر لا ينقضي إلا لغروب الشمس، وأخر المغرب بالمزدلفة؛ لأن الشمس تغرب وهم ركبان ويصلون قبل ذهاب نصف الليل.

стр. 554

باب في قصر المسافر الصلاة ثبت عن النبي ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان ﵃ كانوا يقصرون (١) الصلاة في السفر مع الأمن، وأتم عثمان صلاته في بعض (٢) خلافته بمنى خاصة. واختلف في القصر في قوله سبحانه: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النساء: ١٠١] الآية، هل هو قصر عدد أو قصر هيئة؟ فذهب عمر ويعلى بن أمية وغيرهما (٣) إلى أن ذلك قصر عدد، وأخرج مسلم عن يعلى بن أمية "أنه قال لعمر: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ﴾.فَقَدْ أَمِنَ النَّاسُ؟! فَقَالَ عُمَرُ: عَجِبْتُ مِمَّا عَجِبْتَ مِنْهُ، فَسَأَلْتُ رَسُولَ الله ﷺ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: "صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللهُ بِهَا عَلَيْكُمْ، فَاقْبَلُوا صَدَقَتهُ" (٤). وذكر الطبري عن علي ﵁ أنه قال: نزلت ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ ثم بعد حولٍ نزلت ﴿إِنْ خِفْتُمْ﴾، وحكي عن عائشة ﵂ أنها كانت تقول في السفر: أتموا صلاتكم، فقالوا: إن النبي ﷺ كان يصلي ركعتين، فقالت: إنه كان خوف، فهل تخافون أنتم؟ (٥). قال: وقال ابن جريج: قلت لعطاء: أي أصحاب رسول الله ﷺ كان يتم

стр. 555

في السفر (١) فقال: عائشة وسعد بن أبي وقاص ﵄ (٢). وذكر الطحاوي في شرح معاني الأخبار (٣): عن عائشة ﵂ قالت: "قَصَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي السَّفَرِ وَأَتَمَّ" (٤). وعن المسور وعبد الرحمن بن عبد يغوث وحذيفة أنهم كانوا يتمون (٥). فصل [فيما يقصر من الصلوات وحكم القصر] تُقصر من الصلوات ثلاثٌ: الظهر، والعصر، والعشاء. واختلف في حكم القصر، فقال مالك في المبسوط: القصر سنة (٦). وذكر أبو جعفر الأبهري عن الشيخ أبي بكر الأبهري أنه مخير بين القصر والإتمام. وقال إسماعيل القاضي وابن سحنون: إنه فرض؛ لحديث عائشة ﵂: "فُرِضَتِ الصَّلاَةُ رَكْعَتينِ رَكْعَتيْنِ فَزِيدَ فِي صَلاةِ الحضَرِ، وَأُقِرَّتْ صلاَةُ السَّفَرِ عَلَى الفَرِيضَةِ الأُولَى" (٧).

стр. 556

والتخيير أبين، لقول النبي ﷺ : "صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللهُ بِهَا عَلَيْكُمْ فَاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ" (١). وهذا يقتضي كونه توسعة ورخصة وتخفيفًا. قال الشيخ ﵀: وليس هذا لفظ الإيجاب، وهو كقوله: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾. أن التأخير ليس بواجب، وله أن يقدمه. وإذا ثبت التخيير - صح أن يقال: إن القصر سنة، بمعنى أن النبي ﷺ فعل من الأمرين القصر. ويُحمل حديث عائشة ﵂: "أُقِرَّتْ صَلاَةُ السَّفَرِ" (٢) أي: جعل له أن يأتي بها ركعتين، ولم يوجب أكثر، وبين ذلك أنها كانت أتمت في السفر. ولا يُعترض هذا بأنها أمُّ المؤمنين؛ لأنه لا يختلف أن المرأة لو سافرت إلى أولادها وهم خمسة وبينها وبين كل واحد منهم عشرة أميال، وهي تريد أقصاهم - ما وجب عليها الإتمام، وإِن وطنَ أولادِها ليس بوطن لها، وأن الأم وغيرها في ذلك سواء. فعلى القول إنه مخير إن أتم لم يُعِدْ، وعلى القول إنه سنة - يعيد ما دام في الوقت. وعلى هذا قول مالك وأصحابه لا إعادة إذا ذهب الوقت (٣). واختلف في صلاة المسافر خلف المقيم بعد القول إنه سنة، أيُّ ذلك أفضل: القصر أو الجماعة إتمامًا؟ لأن الجماعة أيضًا سنةٌ، ويضاعف فيها الأجر بسبعة وعشرين (٤) جزءًا، وكان ابن عمر يقدم فضل الجماعة، وإذا قدم مكة

стр. 557

صلى مأمومًا. وهو الظاهر من قول مالك. وقال في مختصر ما ليس في المختصر: لا بأس بصلاة السفري (١) خلف المقيم لِفَضْلِهِ وَسِنهِ (٢) وَفَهْمِهِ. وقال في ثمانية أبي زيد: لا يُصلي خلف المقيم وإن كان في مسجد، فإن فعل أعاد في الوقت، إلا أن يكون بمسجد النبي ﷺ ومكة والبصرة والكوفة والأمصار الكبار. وقال مطرف: إنما كان مالك يكره للمسافر أن يدخل في صلاة المقيم، فإن فعل فلا إعادة عليه، فقدم مرة فضل الجماعة، ومنع ذلك في القول الآخر إلا أن تعظم الجماعة، وهذا مثل ما ذكر ابن حبيب أن فضل الجماعة يختلف، وأنه كلما كثرت الجماعة كان أعظم أجرًا. ويلزم على قوله: إن الفرض ركعتان - أن يقول: يعيد وإن ذهب الوقت. وإن صلى خلف حضري نوى ركعتين، فإذا صلى الإمام ركعتين سلم هو أو يجلس ولا يتبعه حتى يسلم بسلامه. وقال أشهب في كتاب ابن سحنون في رجلين ذكرا صلاة واحدة من يوم واحد، إلا أن إحداهما سفرية والأخرى حضرية فأمّ الحضريُّ، قال: إذا صلى ركعتين ثبت السفري حتى يتم الحضري فيسلم بسلامه. وقال أيضًا: يتم معه أربعًا، وقال سحنون بالقولين جميعًا. وفي التفريع في مسافر يأتم بحضري أنه يتم معه أربعًا، ثم يعيد في الوقت وبعده (٣). وهذا جواب من ترجح عنده الخلاف، فأمره أن يتم مراعاة للقول إنه ليس بفرض، ويعيد وإن ذهب الوقت على القول الآخر.

стр. 558

فصل [في محل النية في صلاة السفر] الخيار يصح قبل الدخول في الصلاة، فيلتزم قبل أن يتلبس به لأحد الأمرين. ويصح أن يدخل على أنه بالخيار بين أن يتمادى إلى أربع أو يقتصر على ركعتين. واختلف إذا دخل ينوي ركعتين فأتم أربعًا، أو نوى أربعًا فسلم من ركعتين، فقيل: الصلاة جائزة ويعيد ما لم يذهب الوقت. وهذا استحسان. وقيل: يعيد وإن ذهب الوقت. وقال في المدونة فيمن أحرم ينوي أربعًا ثم سلم من ركعتين: لا تجزئه؛ لأن صلاته على أول نيته (١). قال محمد: وهو الذي ثبت عليه ابن القاسم. يريد: أنه اختلف قوله، وثبت على أنها لا تجزئه. وقال مالك في مسافر صلى بمسافرين فقام بعد ركعتين فسبحوا به فلم يرجع، قال: أرى أن يقعدوا ويتشهدوا ولا يتبعوه (٢). قال محمد: ولمالك قول آخر: إنهم يصلون معه ويعيدون. قال: والقول الذي رجع إليه أنهم يسلمون وينصرفون، وهو قول مالك في المختصر (٣)، فجعل لهم في أحد الأقوال أن يتبعوه في الأربع، وإن كانت نيته ونيتهم ركعتين، ولولا ذلك لم يسبحوا به. وقيل لمحمد: إذا أتم المسافر بمن خلفه ساهيًا، ولعله إنما أراد ركعتين،

стр. 559

قال: ذلك سواء (١). وإليه رجع ابن القاسم أن العمد والسهو في ذلك واحد (٢)؛ لأن الزيادة في صلاة السفر قد اختلف الناس فيها، فقيل: لا تجزئه إلا أربع. قال: ولذلك قال مالك إذا أتمها وخرج الوقت لا إعادة عليه (٣). واختُلف في مثل ذلك في الصوم إذا تلبس بصوم يوم من رمضان في السفر، فقال مالك: لا يفطره (٤). وقال مطرف في كتاب ابن حبيب: هو بالخيار وله أن يفطر (٥)، واحتج بفطر النبي ﷺ بِالكَدِيدِ (٦). والصواب في الصوم المنع؛ لأنه تلبس بطاعة فلا يبطلها، وقد كان إفطار النبي ﷺ لعذر: أصاب الناس عطش وأبوا أن يفطروا حتى رأوه أفطر، وليس كذلك الصلاة؛ لأنه يعمل إحدى الطاعتين التي يصح الاقتصار عليها، وهي ركعتان أو أربع، فإن نوى أربعًا كانت نيته قد اشتملت على فرض وهما الركعتان الأوليَانِ، وما هو في معنى التطوع، وهما الركعتان الأخريان، فإن سلم من ركعتين أجزأه ولم يلزمه الوفاء بما نواه من الزائد؛ لأنه لم يتلبس به، وإن دخل في الثالثة لزمه تمام الأربع؛ لأنه حينئذ نية وفعل، فإن سلم قبل تمام الأربع أفسد صلاته.

стр. 560

ولا يخلو المسافر في صلاته أربعًا من أن تكون تلك نيته حين دخوله في الصلاة، وهو من أهل الاجتهاد وذلك رأيه، أو يكون (١) يجهل ويظن أن صلاة السفر والحضر سواء، أو عالمًا بالقصر ونسي حين الدخول في الصلاة، وجرى على العادة في الحضر فنوى أربعًا، أو ناسيًا أنه في سفر، أو نوى ركعتين ثم أتم أربعًا ساهيًا يظن أنه في الركعتين ثم علم بالزيادة، أو ساهيًا أنه في سفر، أو عامدًا يرى جواز ذلك وأن له أن ينتقل إلى الأربع: فإن كانت تلك نيته من الأول (٢) لأربع؛ لأنه من أهل الاجتهاد أو مقلد وقلد (٣) من ذلك رأيه - مضت صلاته ولا يؤمر بإعادة، وليس لنا أن ننقل المجتهد عن اجتهاده إلى اجتهاد ثان، ولا المقلد إلى تقليد غير من قلده. فإن فعل ذلك جهلًا يرى أن صلاة المسافر والحاضر سواء - مضت صلاته على قول من قال إنه بالخيار، وأعاد على القول إنه سنة في الوقت، وعلى القول إنه فرض وإن ذهب الوقت. وإن كان بالبلد فقهاء ثلاثة كل واحد منهم متمسك بقول منها ويرى غير رأي صاحبه وكلهم أهل للفتوى - جاز لهذا العامي أن يقلد أيهم أحب. وإن كان عالمًا واحدًا وترجحت عنده الأقوال جرت على قولين: أحدهما: أن للمفتي أن يحيله (٤) على أيهما أحب. والثاني: أنه في ذلك كالناقل، وإنما يخبره بالقائلين، وهو يقلد أيهم أحب؛ بمنزلة لو كان القائلون أحياء. وقد مضى في كتاب الوضوء إذا أحرم للجمعة

стр. 561

ثم رَعَفَ وفاتته الجمعة: هل يبني على إحرامه أربعًا وإن كان الإحرام لركعتين؟ وفي كتاب الصلاة الأول: إذا أحرم وهو يظنه يوم الجمعة فكان يوم الخميس، أو يوم الخميس فكان يوم الجمعة. فصل [في أنواع السفر] السفر خمسة، واجب: وهو السفر لحجّة الفريضة أو للعمرة على القول أنها فرض، وللجهاد إذا تعين النفير. ومندوب إليه: وهو ما يتعلق به طاعة وقربة لله سبحانه ليست بواجبة أو لبر الوالدين أو لصلة رحم أو لتنفيس كربة عن مسلم. ومباح: وهو السفر للتجارة إلا أن يكون ليعود به على من به خصاصة فيكون مندوبًا إليه. والقصر يصح في هذه الأسفار الثلاثة. ومكروه: وهو السفر للصيد واللهو. وممنوع: وهو السفر في معصية، كالخارج للتلصص أو لقطع طريق أو لقتل رجل ظلمًا. واختلف في القصر في هذين: هل يجوز أو يمنع؟ وأرى أن يجوز في الصيد، ويمنع في سفر المعصية، وكذلك الإفطار؛ قال الله سبحانه: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]. فمن خرج في معصية لا يراد به اليسر إنما حكمه المنع من ذلك السفر جملة.

стр. 562

فصل في مدة السفر الذي تقصر فيه الصلاة واختلف في مدة السفر الذي تُقصر فيه الصلاة، وفي الموضع الذي يبتدأ منه القصر إذا خرج، أو يبقى فيه على القصر إذا رجع، وفي المدة التي إذا أقامها بموضع ينقطع بها حكم السفر، وفيمن أخذ في السفر ثم رجع لحاجة أو لغي ها قبل مُضيِّ مدة تقصر فيها الصلاة - هل يبقى على حكم السفر؟ فأما مدة السفر فقال مالك مرة: يومان. وقال: يوم وليلة. وهو راجع إلى قوله: يومان؛ لأن السفر ليلًا ونهارًا أشد من (١) سفر نهارين بغير ليل. ثم ترك ذلك، وقال: يقصر في ثمانية وأربعن ميلًا (٢)، وهو قول ابن عباس. فإذا حمل قوله في اليومين للسفر بالإبل والتجارة وأصحاب الأحمال كان موافقًا للأول؛ لأن السفر المتوسط منهم في يومهم أربعة وعشرون ميلًا. وقال في العتبية فيمن خرج إلى ضيعة على خمسة وأربعين ميلًا: يقصر (٣) وقال في المبسوط: يقصر في أربعين ميلًا، وقال ابن القاسم في العتبية: إن قصر في ستة وثلاثين ميلًا فلا إعادة عليه (٤). وقال يحيى بن عمر (٥): يعيد أبدًا. وقال عبد الله بن عبد الحكم: يعيد في

стр. 563

الوقت، وإن قصر في دون ذلك أعاد وإن ذهب الوقت؛ لأنه غير مسافر؛ لأنه لم يختلف فيه (١). يريد: لم يختلف المذهب، وقد اختلف الناس فيه. وثبت عن ابن عمر أنه كان يقصر في ثلاثين ميلًا. وقال مالك في المبسوط في مسافر البحر: لا يقصر حتى ينوي اليوم التام؛ لأن الأميال والبُرُدَ لا تعرف في البحر. وفي السليمانية في النصراني يقدم من مصر يريد القيروان فأسلم بقَلَشَانة - أنه يتم. قال: لأن الباقي من سفره لا يقصر فيه، وإنما وجب عليه الفرض من قلشانة. وعلى قوله لا يقصر من احتلم من الصبيان أو حاض من النساء إلا أن يكون الباقي من سفرهما ما تقصر فيه الصلاة؛ لأن صلاة الصبي إن كان يصلي قبل ذلك تطوع، وفي المرأة تسافر وهي حائض ثم تطهر في بقية سفرها ولم يبق منه ما تقصر في مثله الصلاة - نظر. ولو كان مجنونًا فأفاق لنظر الباقي من سفره هل يقصر في مثله أم لا؟

стр. 564

فصل المراعى في السفر السير والمراعى في السفر السير، ولا يضاف إليه الرجوع، فمن خرج لسفر أربعة وعشرين ميلًا ثم يعود من فوره - لم يقصر. وقال مالك في الرجل يدور في القرى وليس بين منزله وبين أقصاها أربعة برد أنه لا يقصر (١). يريد: أنه لا يحسب من ذلك ما كان في معنى الرجوع. وإن خرج يمينًا ثم أمامًا ثم شمالًا ثم يعطف راجعًا حتى يدخل البلد الذي خرج منه فإنه يحسب ما كان يمينًا وأمامًا وشمالًا ما لم يستدر فيصير وجهه -في تصرفه ذلك الذي كان يدور فيه- إلى البلد الذي خرج منه؛ لأنه كالراجع فلا يحتسب مع ما تقدم إذا كانت نيته الرجوع إلى البلد الذي خرج منه، إلا أن يكون فيما خرج به لبيعه، ويطوف به على تلك الأماكن مما يشك هل ينقضي بيعه فيه قبل أن يسير ما تقصر بمثله الصلاة، فإنه يتم؛ لأن الأصل الإتمام، فلا ينتقل إلى القصر بالشك في غاية سفره. والشك على ثمانية أوجه: أولها: أن يشك هل يسافر أم لا؟ كالذي يبرز للسفر، فإن أدركه صاحبه سافر، وإلا لم يسافر، أو يكون طريقه على صاحب له لا يسافر إلا بسفره. والثاني: أن يكون عازمًا على السفر، ولا يدري متى يفصل من المكان الذي يبرز إليه (٢). والثالث: أن يكون الشك في مدة السفر، كالذي يخرج لطلب آبق أو ضالة لا يدري يقرب وجود ذلك أم لا، أو خرج يطوف القرى بما يبيعه، ولا يدري

стр. 565

يقرب البيع والرجوع أم لا. والرابع: أن يصح سفره ويشك هل يرتفع حكم سفره؟ كالذي يتقدم له سفر يقصر فيه (١) ثم يقدم بلدًا لِبَيع ما معه ولا يدري أيقيم أربعة أيام أم لا؟ والخامس: أن يخرج عن بلده أميالًا ثم يذكر حاجة فيبعث (٢) رسوله ليأتيه بها. والسادس: أن يرجع بنفسه. والسابع: أن يكون سفره في البحر فترده الريح. والثامن: أن يرده الغاصب. فإن برز ليدركه صاحبه وكان لا يسير إلا بسيره وهو على شك هل يدركه أم لا - أتم. وإن كان على وعد وثقة من لحوقه قبل أربعة أيام - قصر، وإن كان على شك هل يلحقه قبل أربعة أيام أم لا - أتم. وقال مالك في سماع أشهب في الذين يكترون من مصر إلى الحج، ويبرزون على بريد ويحبس الناس هناك اليوم واليومين، قال: أحب إلي أن يتموا؛ لأنهم لا يدرون متى يسار بهم (٣). فهؤلاء عازمون على السفر، إلا أنهم لم يسيروا منه ما تقصر فيه الصلاة، وأمرهم في فصولهم بيد غيرهم، فكانوا على الأصل وهو الإتمام. وإن خرج لطلب آبق أو ضالة فإنه يتم؛ لأنه لا يدري هل يقرب وجوده
следующие страницы →