حرامًا فإن فاتت السلعة ردت إلى القيمة والحمالة ساقطة مات منهما أحد أو لم يمت، وقال أصبغ: البيع جائز والشرط لا بأس به لأن الشرط ليس فيما بين البائع والمشتري، وقال محمد (١): وأرى قول ابن القاسم إن كان وقع البيع بشريطة على ما قال فالبيع فاسد (٢). يريد: إذا لم يكن للمشتري في ذلك مدخل وإنما كان ذلك بين البائع والحميل فلا يفسد البيع، وأرى إن كان المشتري فقيرًا أو يخشى عجزه عن الأداء أن يكون البيع فاسدًا، وإن كان موسرًا وكان الكفيل على معنى الاحتياط أن يكون جائزًا، فإن علق الحميل الأداء بموته وكانت الحمالة في أصل عقد البيع أو القرض كانت من رأس المال وإن كانت بعد العقد كانت من الثلث والكفالة إلى خروج العطاء، كذلك تجوز إذا كانت عن قرض أو بعد عقد البيع.
ويختلف إذا كانت في أصل عقد البيع والثمن إلى أجل معلوم، وإن كان أجل البيع والحمالة إلى خروج العطاء كان البيع فاسدًا إذا لم يكن المشتري من أهل الديوان.
واختلف إذا كان من أهل الديوان أو ممن له عطاء فكرهه مالك مرة ثم قال فيه: مرفق (٣) للناس (٤). يريد: لأن الغالب من الجند الحاجة ولهم ضرورة إلى الغيبة، وقد قال النبي ﷺ لأصحابه في سبي هوازن "وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَكُونَ عَلَى حَقِّهِ حَتَّى أُعْطِيَهُ مِنْ أَوَّلِ مَا يُفِيءُ اللهُ عَلَيْنَا" (٥).
стр. 5637
باب في الدعوى في الكفالة
وقال ابن القاسم في ثلاثة نفر (١) اشتروا سلعة على أن للبائع يأخذ من شاء منهم بحقه، فمات أحد الثلاثة وأقام ورثته شاهدًا أن الميت دفع الثمن كله: فإنهم يحلفون ويبرؤون ويرجعون على الشريكين الباقين بما أدي عنهما، فإن نكل الورثة لم يحلف الشريكان؛ لأنهما يغرمان إلا أن يقولا: نحن أمرناه ووكلناه بالدفع عنا وعنه ودفعنا ذلك إليه؛ وإنما هو حق علينا والشاهد لنا فيحلفان ويبرآن (٢).
واعتبار المسألة من أربعة أوجه:
أحدها: هل مات الأول موسرًا أو معسرًا؟
والثاني: هل يشهد أن الدفع كان من مال الميت أو منه ومن شركائه؟
والثالث: إذا شهد أن الدفع كان من جميعهم هل صدقه الورثة؟
والرابع: هل حلف الورثة أو نكلوا؟ فإن كانت الشهادة أن القضاء من مال الميت وحلف الورثة سقط الدين وغرم الشريكان ما ينوبهما، ولا يمين على الورثة إن ادعى الشريكان أنهما دفعا ما ينوبهما إلا أن يرى أن عندهما (٣) من ذلك علمًا، فإن نكل الورثة حلف البائع واستحق جميع الثمن، فإن كان الميت موسرًا والدين ثلاثون دينارًا أخذ من تركته عشرة ومن شريكه (٤) عشرون،
стр. 5638
وإن كان الميت معسرًا حلف البائع واستحق عشرين وحلف له الشريكان وسقط عنهما غرم العشرة التي تنوبهما بالحمالة ويبدأ بيمين البائع، فإن نكل سقط حقه واستغنى عن يمين الشريكين؛ لأن اليمين كانت في جنبة الورثة مع الشاهد، فلما نكلوا ونكل البائع لم ترجع اليمين، وإن حلف ونكل الشريكان غرما جميع الحق الثلث بالحمالة والثلثن من أصل الدين، فإن طرأ للميت مال وكان قد (١) حلف البائع والشريكان أخذت منه العشرة التي تنوبه لتقدم نكول الورثة عنها.
وإن قال الشاهد: كان الأداء من جميعهم، وصدقه الورثة وحلفوا سقط جميع الدين ولم يكن هناك تراجع، فإن نكل الورثة حلف البائع وأخذ جميع الثلاثين دينارًا من تركته على مذهب ابن القاسم؛ لأنه فرط إذا لم يدفع بشهادة شاهدين، وعلى مذهب عبد الملك يكون للشريكن أن يحلفا عند نكول الورثة وتسقط عنهما العشرون إن كان الميت موسرًا أو الثلاثون إن كان معسرًا؛ لأن نكول الورثة نكول عليهما.
فإن قال الورثة: لم يكن الدفع إلا من ماله، كان فيها قولان، فقيل: الشهادة ساقطة للورثة خاصة؛ لأنهم كذبوا شاهدهم وقيل: الشهادة صحيحة في الوجهين جميعًا لهم وعليهم، فعلى القول الأول يصير حكمهم حكم من نكل فيحلف البائع ويستحق الجميع من تركته إن كان موسرًا، ويحلف الشريكان مع الشاهد أنهما دفعا إليه ويبرآن، وهذا على قول (٢) ابن القاسم أنه فرط إذ لم يدفع بشاهدين، وعلى أصل عبد الملك يحلف الشريكان يمينين: يمينًا
стр. 5639
لقد دفعا ذلك إلى الميت، ويمينًا لقد دفع الميت ذلك إلى البائع ويسقط عنهما جميع الثمن كان الميت موسرًا أو معسرًا، وعلى القول بصحة الشهادة للفريقين يكون للورثة أن يحلفوا مع شهادته، ويثبت القضاء ثم يرجع المقال فيما بينهم وبين الشريكين فيحلف الشريكان ويسقط ما ينوبهما، فإن نكلا حلف الورثة لقد وهم في شهادته لكما ورجعوا عليهما، ويصح إذا نكل الورثة عن اليمين للبائع (١) أن يحلفوا للشريكين وليس نكولهم عن اليمين للبائع نكولًا للشريكين؛ لأنهم لو حلفوا للبائع ثم نكل الشريكان كانت عليهم يمين أخرى لهما (٢).
فصل [في دعوى الغريمين أيهما الدافع]
وقال ابن القاسم في كتاب محمد فيمن له على رجلن حق وفيه أيهما شاء أخذه بحقه، فقال الطالب بعد ذلك ما بقي لي (٣) عليهما شيء وقال كل واحد ممن كان الحق عليه: أنا كنت الدافع وقال القابض قبضته من أحدهما- قال: صاحب الحق شاهد يحلف مع شهادته. وقال محمد: إن كان قوله قبضته نسقًا بقوله ما بقي عليهما شيء قبل قوله وإن كان غير عدل. يريد: إذا تصادقا أنه لم يصل إلى الطالب إلا مائة واحدة؛ لأنهما كانا حاضرين للدفع أو لوجه غير ذلك، فإن كان قوله نسقًا صدق وإن كان غير عدل، ويحلف المقر له للمدعي ذلك (٤) أنه كان الدافع ويرجع على صاحبه بما ينوبه، فإن نكل عن اليمين
стр. 5640
حلف الآخر أنه كان الدافع ورجع على المقر له بنصف ذلك الحق.
ويختلف إذا لم يكن نسقًا، فقال ابن القاسم: هو شاهد، وحمل قوله أن القضاء منهما جميعًا عند عدم استفهامه فيحلف المقر له مع شهادته إذا كان عدلًا ويرجع، فإن نكل حلف الآخر وكان هو الراجع على المقر له وإن لم يعدل حلف كل واحد منهما لصاحبه ولم يكن بينهما تراجع، وقد قيل في هذا الأصل أنه يقبل قوله؛ لأن قوله أولا ما بقي عليهما شيء محتمل أن يكون لأن القضاء كان من أحدهما أو منهما وهو كلام يحتاج إلى استفهام وأن يسأل ممن كان قبضه فإذا كان (١) ذلك لم يكن فرق بين أن يذكر ذلك نسقًا أو متراخيًا.
وإن ادعى كل واحد منهما أنه دفع مائة بغير محضر صاحبه ولا علم عنده بما قبض من الآخر لم يكن شاهدًا؛ لأنه مدعى عليه فمن أقر له أنه قبض منه برئ، ومن أنكر وحلف له ورجع من أقر له على من أنكره بما ينوبه، فإن نكل البائع حلف الآخر واسترجع منه المائة فكان نصفها له ونصفها لصاحبه، فمتى حلف البائع غرم المشتري خمسين وأخذها صاحبه، ومتى نكل وحلف المشتري غرم البائع مائة تكون بين المشترين نصفين، وهذا إذا كان قوله قبضت من هذا نسقًا، وإن لم يكن نسقًا.
فعلى قول ابن القاسم: يبرأ (٢) كل واحد منهما مما (٣) ينوبه وهو نصف الحق؛ لأنه الذي يوجب قوله أولا قبل قوله قبضت من هذا ثم يقال له احلف لمن أنكرته أنك لم تقبض منه شيئًا ويحلف لك أنه دفع إليك، ويسقط عنه ما
стр. 5641
ينوبه ولا رجوع لمن أقر له على أحد وتكون مصيبة منه، وإن نكل البائع وحلف الآخر أنه دفع إليه غرم البائع مائة، وإن نكل وحلف المشتري غرم الناكل خمسين وقبضها المقر له.
стр. 5642
باب في كفالة المريض
وإذا تكفل المريض بمال في عقد البيع بغير أمر المشتري جاز، ولا يجوز بأمره على القول أنها تحل على الحميل بموته؛ لأنه لا يدري على أي ذلك باع على النقد أو إلى أجل، وإن كانت بعد العقد أو في قرض قبل العقد أو بعده جازت من ثلثه، فإن تداين بعد (١) ذلك بما يستغرق ذمته برئ بالدين وسقطت الحمالة، قال محمد: فإن صح لزمته من رأس المال (٢). يريد: إن مات بعد ذلك وقبل الأداء ويحاص بها الغرماء. محمد: قال عبد الملك: وإن تحمل المريض عن وارثه لأجنبي أو عن أجنبي لوارثه فهو باطل كان المحمول له موسرًا أو معسرًا (٣).
ومن تكفل في المرض ثم صح ورجع عنها وقال: كنت أردت بها الوصية لم يقبل قوله إذا كانت في (٤) عقد البيع أو القرض.
ويختلف إذا كانت بعده ومن أقر في المرض أنه تحمل في الصحة لم يقبل قوله إذا كانت بعد عقد البيع أو القرض؛ لأنها معروف لصاحب الحق وتدخل فيها الوصايا؛ لأن الحمالة لها مرجع فأشبهت مرجع العمرى، وإن أقر أن ذلك كان في (٥) عقد البيع أو القرض جاز؛ لأن المعروف في ذلك للمشتري وللمستقرض وليس بمعروف للبائع ولا للمقرض، كان إقراره كسائر الديون؛ لأنه أقرَّ بما أخرج به ملكًا عن ماله.
стр. 5643
باب في كفالة العبد والمكاتب والكفالة بالكتابة والكفالة عن العبد
اختلف في كفالة العبد المأذون له والمكاتب (١) فمنعها ابن القاسم وأجازها عبد الملك في كتاب محمد (٢)، وقال في المبسوط: هي من التجارة ومما يصلح وجهه ويفعله ليفعل معه مثله، وهذا أحسن فيما يرى أنه يراد به الاستيلاف، فإن كان المتكفل به موسرًا جاز، وإن كثر وإن كان فقيرًا لم يجز إلا فيما قلَّ، وإن أذن السيد جاز في العبد إذا لم يكن عليه دين، وإن كان على العبد دين بدي غرماؤه، ويجوز إذنه للمكاتب إذا كان لا يخشى عليه العجز لأجل الكفالة ليسارتها أو يسر المتحمل عنه، وإن كان يخشى عليه العجز (٣) جرت على القولين هل له أن يعجز نفسه إذا كان له مال ظاهر؟
فصل [في الكفالة بالكتابة]
ولا تجوز الكفالة بالكتابة (٤) عند مالك (٥)؛ لأن القصد من الكفيل ما يناله من العتق وقد يعجز أو يموت قبل ذلك، ويجوز على أصل أشهب؛ لأنه أجاز أن يعطي رجل لسيده مالًا على أن يكاتبه وهو لا يدري هل يناله العتق أم لا؟
стр. 5644
وكذلك إذا لم يكاتبه السيد إلا بالحمالة ولو كانت الكفالة (١) نجمًا واحدًا وقال الحميل: لك عليَّ أنه إن جئتني لانقضاء الأجل وعجز أديت عنه، لكان جائزًا قولًا واحدًا. وكذلك إذا قال السيد: أنا أقف عليه كل نجم يعجز عنه إلى آخر النجوم، فإن حمى إلى آخرها غرم جميع ما عجز عنه وكان حرًا، وإن مات قبل ذلك لم أتبعه بشيءٍ.
فصل [في إجبار السيد عبده على الكفالة]
للسيد أن يجبر عبده على الكفالة إذا كان في يده مال بقدرها، واختلف إذا كان فقيرًا وليس في يده مال يفي بها، فقال ابن القاسم: أنه لا يجبر (٢). وفي كتاب محمد: يجبر. وقال محمد بن عبد الحكم: لا يجبر؛ لأنه يقول أخاف أن (٣) أحبس في ذلك، وليس هذا من حقوق السيد عليَّ (٤).
قال الشيخ ﵀: وإن أسقط المتكفل له مقاله في حبسه لم يكن للعبد أن يأبى؛ لأنه يقول: إن وجدت له شيئًا أخذته وإلا تركت، فإن أعتق العبد أتبع كالذي يقول: أنت حر على أن عليك مائة دينار وليس كالذي يقول: أنت حر وعليك مائة (٥)؛ لأنه في الحمالة أوجب عليه المال قبل العتق، وإذا قال: أنت حر وعليك أوجب عليه (٦) المال بعد العتق.
стр. 5645
واختلف إذا فلس السيد هل يبتدئ الطالب بمال السيد ويباع له العبد؟ أو هل له أن يبتدئ بمال العبد؟ وهذا راجع إلى الاختلاف المتقدم هل للطالب أن يبتدئ بمال الحميل مع يسر الغريم؟ وإذا تكفل السيد عن عبده بدين إلى أجل ثم باعه قبل الأجل كان منتزع المال ولم يكن للسيد أن يقضي عنه حتى يحل الأجل.
стр. 5646
باب في كفالة المرأة الأيم البكر والثيب وذات الزوج
ويختلف في كفالة البكر التي لا أبي لها ولم يتقدم عليها ولاء ولم تبلغ التعنيس على الاختلاف في أفعالها، فإن عنست جازت كفالتها وهباتها، وكفالة البكر وهباتها التي لها أبي ولم تعنس على الرد.
واختلف عن مالك إذا عنست، فقال مرة: تجوز، ومرة لا تجوز (١)، وقال: إذا أجاز الأب جاز وإلا لم يجز. يريد: أن الأب أعلم بحالها فإن علم رشدًا أجازه وإلا لم يجزه، وهذا كما قيل أن للوصي إذا علم من يتيمه رشدًا أن يدفع إليه ماله من غير حاكم.
وقال ابن القاسم في حمالة الثيب: إنها جائزة وجعل محمل الثيب على الجواز. يريد: إذا طال أمرها بعد الابتناء وإن كانت اليوم لا زوج لها.
وكذلك الثيب ذات الزوج إذا تكفلت بقدر ثلثها يجوز إذا طال أمرها ولم تقصد الضرر.
واختلف في خمسة مواضع: إذا قصدت الضرر وإن (٢) تجاوز الثلث.
والثاني: إذا كان أكثر من الثلث هل يمضي قدر الثلث أو يرد الجميع.
والثالث: إذا كان المتحمل به موسرًا هل يمضي جميعها وإن كانت أكثر من الثلث؟
والرابع: إذا تكفلت بكفالة بعد كفالة على قرب من الأولى.
والخامس: إذا كانت على بعد من الأولى فتكفلت ووهبت من بقية المال
стр. 5647
الأول أو من فائدة.
والاختلاف في هذه الوجوه مذكور في كتاب الصدقة.
فأمَّا كفالتها بموسر إذا كانت بأكثر من الثلث فمنعه ابن القاسم (١) وأجازه ابن الماجشون وهو أثبت (٢)؛ لأن الغالب المسالمة وبقاء الأولى على اليسر وإن احتيج فإلى البعض مع أن لها مرجعًا، وإذا تكفلت بزوجها أو له ثم قالت: كرهني، لم يقبل قولها. قال أشهب: فإن ثبت ذلك وتكفلت بزوجها لأجنبي (٣) لزمها إلا أن يعلم صاحب الحق وإن لم تقم بينة وقال: لم أعلم حلف إن كان متهمًا بالعلم على ذلك مثل القريب الجوار وشبهه، فإن نكل حلفت أنه علم وبرئت، فإن كان ممن لا يمكنه علم ذلك لم يكن له (٤) عليه يمين، قال: وأمَّا كفالتها بغير زوجها لزوجها (٥) فإنه ينظر في ذلك، فإن كان ظاهر الإساءة إليها بالبينة العادلة وقلة ورعه فيها وقهره لها وتحامله عليها بما لا يحل، حلفت وكانت الحمالة موضوعة عنها فألزمها الكفالة للأجنبي، وإن ثبت الإكراه إذا لم يعلم ذلك المكفول له؛ لأنها غرته فقد كان عليها أن تعلمه إلا أن تكون كفالتها بعد عقد البيع ولم ينقص ماله عن يوم الحمالة لم تلزمها الكفالة له؛ لأنه المكره وهو عالم.
وقال محمد بن عبد الحكم: إذا تكفلت ذات الزوج بوجه رجل على أن لا مال عليها كان لزوجها رد ذلك؛ لأنه يقول: تحبس وأمنع منها وأخرج إلى الخصومة وليس ذلك عليَّ (٦) وليس كالكفالة بالمال.
стр. 5648
باب في الحمالة بالإجارة المعيبة والمضمونة، ومن قضى عرضًا أو مكيلًا بماذا يرجع
الحمالةُ بالإجارة أو بثمنها على وجهين: فإن كانت الإجارة على عمل رجل بعينه خياطة أو حياكة أو على حمل بغير عينه، جازت الحمالة بالثمن إن مات هذا أو استحق الآخر ولم تجز بالعمل ولا بالحمل، وإن كانت الإجارة مضمونة جازت بالعمل ولم تجز بالثمن أن يرد إلى دافعه، وإن كان يستأجر به جاز، وإن فضل شيءٌ رد إلى الحميل، وإن عجز لم يكن عليه شيء، وإذا غرم الحميل وأراد الرجوع بالإجارة أو غيرها فإن اشترى ذلك لغريمه رجع بالثمن، وسواء كان المتحمل به عرضًا أو مكيلًا أو موزونًا (١)، وإن غرم ذلك من ذمته وكان مما يكال أو يوزن رجع بمثله.
واختلف إذا كان مما يقضى فيه بالقيمة، فقال ابن القاسم في كتاب محمد: يرجع بمثله كالأول، وقال في كتاب ابن حبيب: يرجع بقيمته (٢).
стр. 5649
كتاب الحوالة
النسخ المقابل عليها
١ - (ف) = نسخة فرنسا رقم (١٠٧١)
٢ - (ت) = نسخة تازة رقم (٢٣٤ & ٢٤٣)
٣ - (ق ٩) = نسخة القرويين رقم (٣٦٩)
стр. 5650
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
صلى الله على سيدنا ومولانا محمد
وآله وصحبه وسلم تسليمًا
كتاب الحوالة
باب في جواز الحوالة وما يمنع منها، وما لا (١) يمنع منها وما يبرئ الغريم (٢)
الأصل في الحوالة قول النبي ﷺ : "مَطْلُ الغَنِيِّ ظُلْمٌ وَإِذَا أُتْبعَ أَحَدُكُمْ عَلَى مَليٍّ فَلْيَتْبَعْ" (٣)، وهذا على وجه الندب، إذ (٤) لا مضرة فيه على الطالب، وفيه منفعة للمطلوب، ولم يمنع وإن كان دينًا بدين؛ لأنه معروف ومكارمة من الطالب وقياس (٥) على العرايا؛ لأنها إنما (٦) أجيزت على وجه المعروف وفيها ثلاثة أوجه محرمة: الرطب باليابس، والجزاف بالمكيل، وطعام حاضر بغائب؛
стр. 5651
ولهذا (١) أجيز دينار بأوزن منه لما كان على وجه المعروف.
والحوالة تجوز بثلاثة شروط:
تجوز بما حلَّ على ما حلَّ وما لم يحلّ، ولا تجوز بما لم يحلّ على ما حلَّ، وما لم يحل (٢).
والثاني: أن يكون الدينان من جنس واحد، وسواء كانت دنانير أو دراهم أو مكيلًا أو موزونًا أو عروضًا، فإن اختلفا فكان أحدهما دنانير والآخر دراهم أو مكيلًا وعروضًا (٣) لم يجز ودخله المبايعة والدين بالدين.
والثالث: أن يكونا في الجودة والدناءة والقدر سواء، أو يكون المحال عليه أدنى أو أقل، فإن كان أجود أو أكثر لم يجز، فتضمن الحديث الجواز إذا حل الدينان؛ إذ لا مضرة على الطالب حينئذٍ، وأجاز ذلك مالك إذا حل المحال به وإن لم يحل المحال عليه؛ لأنه أبين في كونه معروفًا من الطالب ومنعه إذا لم يحل دين الطالب (٤)؛ لأنها معاوضة لم يرضَ بالتحول (٥) إلا لمكان التعجيل، وكذلك إذا لم يحلا وكان دين المطلوب أولهما حلولًا، فان تساويا في الأجل، أو كان دين الطالب أولهما حلولًا منع، حماية أن يكون الرضا من الطالب لما (٦) يتخوف من غريمه وألا (٧) يجد عنده عند أجله شيئًا، ويكون هذا أسرع في
стр. 5652
القضاء ويمنع إذا اختلف؛ لأنها مبايعة فدخلت في النهي عن الدَّين بالدَّين، فإن كانا جنسًا واحدًا، ودَيْن المطلوب أجود أو أكثر دخله الربا ودفع الشيء في أجود منه أو أكثر.
فصل [في إجازة الحوالة مع الجهل بذمة المحال عليه]
وأجاز مالك الحوالة مع الجهل بذمة المحال عليه، وإن كان لا يدري أموسر هو أو معسر، وإذا كان المحال عليه موسرًا ثم حدث عسر لم يرجع، فكذلك إذا كان متقدم العسر وهو عالم بعسره أو كان مشكوكًا عنده فيه، وإن كان ظاهرُه اليسرَ والمحيل عَالمٌ بفقره كان للطالب أن يرجع على مَنْ أحاله (١). قال مالك: لأنه غرّه، ولم يجعل له رجوعًا إذا لم يغره (٢).
وأرى أن له أن يرجع؛ لأن ذلك عيب في الذمة، ومعلوم أن الطالب لو علم بعسره لم يقبل الحوالة، فالحوالة براءة للمحيل بشرطين أن يقول: أحيلك أو تحول بديْنك، وأن تكون الحوالة على ديْن فإن فلس المحال عليه بعد ذلك أو مات أو غاب لم يرجع المحال إلا أن يشترط المحال أنه يرجع فإن فلس أو مات فله شرطه، وهو قول المغيرة في العتبية (٣)، وإن قال: "المطلوب اقبض ديْنك من غريمي (٤) هذا" كانت وكالة وإن لم يقبض رجع.
قال ابن القاسم في العتبية: لأنه يقول: لم أحتل بشيء، وإنما أردت أن
стр. 5653
أكفيك مؤنة التقاضي (١).
وقال في كتاب المكاتب في الشريكين في الدين فيحل نجم فيقول أحدهما: "بَدِّنِي (٢) بهذا النجم وخذ أنت النجم الآخر" ثم يفلس الذي كان عليه الديْن - أن له أن يرجع على صاحبه؛ لأنه سلف ولم يجعله حولًا (٣)؛ لأن قوله: "وخذ أنت (٤) النجم الآخر" وكالة على القبض، ولو قال: "بَدِّني (٥) بهذا النجم وأحيلك على النجم" لم يرجع الآخر (٦).
وإن كانت الحوالة على غير دين افترق الجواب إذا كان ذلك من المحال عليه على وجه الهبة والحمل والسلف، ثم فلس المحال عليه أو مات، ولا يختلف أنه يبدأ بالمحال عليه كان ذلك على وجه الهبة أو السلف أنه يرجع به بعد الأجل إذا كان موسرًا، فإن فلس وكان ذلك على وجه الهبة كان فيها قولان، فقيل: هي بالحوالة عليها كالمقبوضة فيضرب مع الغرماء، وما عجز لم يرجع به، وقيل: ليست كالمقبوضة فلا يضرب مع الغرماء، ويرجع على من أحاله وهذا مع علم المحال أنه أحيل على غير ديْن، فإن لم يعلم (٧) كان له أن يرجع الآن ولا يطالبه؛ لأن ذلك عيبٌ في الحوالة للاختلاف في سقوطها عند الفلس إلا أن يعلم أن الواهب وهو المحال عليه مأمون الذمة (٨) لا يخشى
стр. 5654
فلسه، أو يرفع إلى حاكم فيحكم بالقول بوجوبها عند الفلس فيسقط العيب، وإن كان ذلك على وجه السلف، فلم يجد عنده شيئًا رجع قولًا واحدًا.
قال مالك: إذا قال الرجل للطالب: حرِّق صحيفتك واطلبني، ففعل، ثم فلس القائل لذلك أو مات أن للطالب أن يرجع على غريمه، إنما هو رجل وعد رجلًا أن يسلفه ويقضي عنه، فلا يثبت له على صاحبه شيء (١) حتى يقضي عنه (٢).
فإن كان المحيل موسرًا كان لمن له عليه الدَّين أن يرجع عليه ولا يدخل فيه (٣) معه غرماء المحال عليه؛ لأن صاحبَهم لم يصح منه سلف، وإن كان الأول معسرًا، وأحب هذا أن يضرب مع غرماء الحال عليه، كان ذلك له على القول فيمن أحال على هبة؛ لأن هذا وهب منافع، وأحيل عليه فيها فإذا ضرب معهم ثم أيسر غريمه ببعض حقه رجعا جميعًا، فيرجع غريمه بما بقي له ويضرب غرماء المحال عليه بما قضى عنه من مال غريمه.
فإن كان دين المحال مائة وصار له بالحصاص من المحال (٤) عليه خمسون، وطرأ للمحيل خمسون ضربا فيها بالسواء؛ لأن الذي قضى خمسون والباقي له خمسون، فيأخذ الغريم الأول منها خمسة وعشرين ويأخذ غرماء الذي أقرض خمسة وعشرين، ثم ينظر إلى ما كان يضرب به المحال فيجده خمسة وسبعين، فينوبه من الضرب الأول ثلاثة وأربعون إلا سبعًا، والفاضل عنده سبعة وسبع
стр. 5655
فتضاف إلى الخمسة وعشرين التي صارت لغريم المقرض، فجميع ذلك اثنان وثلاثون وسبع يقسمانها أسباعًا (١).
فصل [في اختلاف المحال والمحيل بعد موت المحال عليه في الإحالة على مال أو غيره]
وقال محمد: إذا قال المحال بعد موت المحال عليه "أحلتني على غير مال" وقال المحيل: "على مال" (٢) فهو حول ثابت حتى يثبت أنها على غير مال (٣).
وقال ابن الماجشون في المبسوط: إذا قال المحال للمحيل: "كانت لي دينًا عليك"، وقال الآخر: "إنما أحلتك لتقبضها لي" فإن كان القابض ممن يشبه أن يكون له قبل المحيل حق حلف وسقط قول المحيل، وإن لم يشبه فإنما هو وكيل ويحلف ما أدخله إلا وكيلًا (٤).
وأرى أنه حول حتى يقوم دليل على الوكالة، مثل أن يكون هذا ممن بتصرف لصاحب الدَّين أو يكون عادته التوكيل (٥) على التقاضي، وهذا ممن يتوكل في مثل ذلك أو يكون المحال ممن لا يشبه أن يملك مثل ذلك المال.
وقال ابن القاسم في العتبية: إذا قال المحيل (٦): "أقرضتكها فاقضني"
стр. 5656
وقال الآخر: "كانت لي دينًا عليك وإحالتي إقرار منك بحقي" قال: فالمتقاضي غارم وهي سلف (١).
قال الشيخ ﵁: المسألتان سواء بل هذه أحرى أن يقبل قول القابض؛ لأنه مقر أنه أحاله ليقبضها لنفسه وفي الأولى لم يقر أنه جعل له قبضها لنفسه.
وأرى أن ينظر هل بينهما ما يشبه أن يسلفه، أو ليس ذلك بينهما أو هل بينهما معاملة؟
فصل [فيمن اكترى دارًا على أن يحيله بثمنها على رجل لا دين له عليه]
قال ابن القاسم فيمن اكترى دارًا بعشرة دنانير على أن يحيله بها (٢) على رجل لا ديْن له عليه، قال: هي حمالة ولا يرجع إلا أن يفلس المكتري أو يموت ولا يترك شيئًا (٣).
قال الشيخ ﵀: إنما تصح التبدية بالمكتري إذا كان ذلك (٤) الشرط في الحوالة من المكري وقصد أن يتحمل له، فأما إن كان ذلك الشرط من المكتري (٥) ليقضي عنه على وجه الهبة أو على وجه السلف ليرجع في زمن آخر لم يكن للمكري أن يبتدئ بالمكتري، وقد تقدم الجواب عن هذا، ولا يكون له
стр. 5657
مقال إذا لم يعلم أنه لا ديْن له (١) عليه؛ لأن هذه هبة قارنت العقد فلا يسقطها (٢) فلس ولا موت، وهبة الرقاب والمنافع والسلف في ذلك سواء، ولو كانت الحوالة بعد عقد الكراء بالنقد جازت، وإن كانت إلى أجل لم تجز الحوالة بما لم يحل.
واختلف فيمن اكترى دارًا بديْن له على رجل آخر، فأجاز ذلك مالك إذا شرع في السكنى (٣)، وأجازه في كتاب الآجال وإن لم يشرع (٤). ومنعه في كتاب محمد وإن شرع في السكنى (٥)، فقال ابن القاسم: قال مالك فيمن استأجر أجيرًا سنة بدين له على آخر لا خير فيه، وأخبرني بعض أصحابنا (٦) أن مالكًا أجازه فسألته عن ذلك فقال: لا خير فيه وقد مضى ذلك في كتاب الآجال (٧).
فصل [فيمن باع عبدًا بمائة دينار، وأحال بالثمن ثم استحق العبد]
وقال ابن القاسم فيمن باع عبدًا بمائة دينار وأحال بالثمن ثم استحق العبد قال: فالمشتري يغرم ذلك الثمن للمحال عليه ويرجع به على البائع (٨).
стр. 5658
وقال أشهب في كتاب محمد: لا شيء على المشتري ولو كان قبض الثمن منه لاسترجعه (١)، فأجاب ابن القاسم على أصله أن الحوالة بيع وأجاب أشهب (٢) على أصله أنها ليست ببيع، وإنما هو على وجه المعروف، ولو لم يحل بالثمن، ولكن باع ذلك الديْن أو كان ثمن العبد ثوبًا، فباع ذلك الثوب، ثم استحق العبد قبل (٣) قبض الثوب من مشتري العبد (٤)، لكان مشتري الديْن أو الثوب أحق على القولين جميعًا، ولو أحال على ذلك الثوب رجلًا له عليه مثله ثم استحق العبد، لكان المحال (٥) أحق بالثوب على مذهب ابن القاسم، ويرجع مشتري العبد على بائعه منه بقيمة الثوب، وليس ذلك له على قول أشهب.
والجواب إذا وجد المشتري بالعبد عيبًا، فرده قبل دفع الثمن للمحال عليه على ما تقدم إذا استحق العبد، وكذلك إذا وجد البيع فاسدًا فإن المشتري يغرم على قول ابن القاسم المائة، ولا يغرم على قول أشهب إلا القيمة إن كانت أقل، وإن كان قائمًا وفسخ لم يغرم على قوله شيئًا، وإن كان الثمن شيئًا مما يكال أو يوزن، أو يعود إلى القيمة غرم ذلك للمحال على قول ابن القاسم، ويرجع على البائع منه بالمثل فيما يكال أو بالقيمة إن كان مما لا يكال، وعلى قول أشهب يرجع بذلك على من قبض منه.
ولو تصدق بائع العبد بالثمن، ثم استحق العبد قبل دفع الثمن لم يكن
стр. 5659
للمتصدق عليه قبض الثمن، واتفق على هذا ابن القاسم وأشهب؛ لأن الحوالة بالصدقة ليست ببيع (١)، وإن قبض ذلك المتصدق عليه وأفاته رجع المشتري على البائع منه. واختلف إذا كان قائمًا بيد المتصدق عليه، فقال ابن القاسم في كتاب محمد: لمشتري العبد أن يأخذه.
وقال في العتبية: لا شيء فيه ويتبع البائع قال: وإنما دفعه إياه بمنزلة ما لو قبضه البائع ثم دفعه (٢).
وأرى إن كان (٣) البائع يوم وهب موسرًا (٤) أن يكون له قبض الثمن، وإن كان الآن معسرًا؛ لأن البائع تصرف في ذلك الثمن بوجه جائز، وإن كان يوم وهب معسرًا لم يقبض منه وإن قبض منه استرده؛ لأنها هبة مِدْيَان، وقد كان المشتري حين الدفع غير (٥) قادر على الامتناع من القضاء بل هو مجبور على ذلك.
فصل [في المكاتب يحيل سيده بالكتابة على مكاتبه]
وقال ابن القاسم في المكاتب يحيل سيده بالكتابة على مكاتبه: فإن أَبَتَّ عتق مكاتبه جاز ويكون له كتابة الأسفل إن أدى، أو رقبته إن عجز، وإن لم يبِتّ عتقه فالحوالة باطلة (٦).
стр. 5660
قال الشيخ ﵀: الحوالة جائزة والمكاتب حر؛ لأن هذه مبايعة اشترى كتابته من سيده بالمكاتب الآخر يقبضه السيد الأعلى من الآن، وإن قال له: "إنما يقضي ما عليه فإن عجز كانت الرقبة لي وأفيك الباقي علي من الكتابة" لم يكن حرًّا بنفس الحوالة؛ لأن له تعلقًا في الرجوع متى عجز الآخر.
ويختلف حينئذٍ هل صحيحة أو فاسدة؟ فعلى القول أنه يجوز للسيد أن يفسخ الكتابة في غير جنسها إلى ذلك الأجل أو أقرب أو أبعد، وإن لم يبت العتق يجوز ها هنا ما فعله المكاتب من إعطائه الكتابة الأخرى؛ لأن كل ذلك مال للمكاتب، ومَنْ منع تلك المسألة إلا بشرط العتق منع ها هنا إذا لم يبت العتق.
وإن أحال سيده على ديْن له على غريم كانت الحوالة على ثلاثة أوجه: فإن أحال بنجم حل، جاز وسقط ذلك النجم إن كان من أوسطها ويكون حرًّا إن كان أخذها بنفس الحوالة، وإن كانت الحوالة بما لم يحلَّ وذلك بجميع الكتابة، أو بأخذ نجم ولم يحل كانت فاسدة عند ابن القاسم والعبد في كتابته على حاله. قال: لأن مالكًا كره للسيد أن يبيع الكتابة من أجنبي بعرض أو بغيره إلى أجل، وإنما وسع هذا فيما بين السيد ومكاتبه، وأجاز ذلك غيره ويكون حرًّا مكانه، قال: لأن الكتابة ليست بدين ثابت، وهو بمنزلة من كان له على مكاتبه دنانير مؤجلة فعجل عتقه على دراهم مؤجلة أو حالّة فكأنه لم يكن له على مكاتبه شيء، وإنما صار عتيقًا بالذي أخذ منه (١). وهذا أحسن؛ لأن الذي على الأجنبي مال لعبده، وهي معاملة فيما بينه وبين عبده، وليست كالتي استشهد بها ابن القاسم؛ لأنها معاملة بين الأجنبي والسيد إذا كانت الحوالة جائزة على
стр. 5661
ما قال غيره كان حرًّا بنفس الحوالة؛ لأنه أحال على ديْن ثابت، وإن أحاله بنجم من أوسطها ولم يحلَّ جرت على القولين المتقدمين إذا فسخ الكتابة في غيرها، ولم يعجل العتق.
كمُل كتاب الحوالة بحمد الله
стр. 5662
كتاب الرهن
النسخ المقابل عليها
١ - (ف) = نسخة فرنسا رقم (١٠٧١)
٢ - (ت) = نسخة تازة رقم (٢٣٤ & ٢٤٣)
стр. 5663
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
صلى الله على سيدنا ومولانا محمد
وآله وصحبه وسلم تسليمًا
كتاب الرهن
باب في الرهن في السفر والحضر وفي حوزه وصفة الحوز وعلى يد من يكون
الرهن في السفر جائز، لقول الله : ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣]، وفي الحضر حديث عائشة ﵂ قالت: "اشْتَرَى رَسُولُ الله ﷺ طَعَامًا بِثَمَنٍ إِلَى أَجَلٍ فَرَهَنَ فِيهِ دِرْعَهُ وَهُوَ بِالمدينةِ". أخرجه البخاري ومسلم (١).
وأجمع أهل العلم على جوازه في السفر والحضر، إلا مجاهد فإنه منعه في الحضر (٢)، وإذا ثبت عن النبي ﷺ جوازه لم ينظر إلى من خالفه فيه.
والرهن جائز في (٣) أصل عقد البيع والقرض، وبعد ثبوت الدين وتقرره في الذمة.
стр. 5664
فصل [الشرط في صحة الرهن]
الرهن يصح إذا رفع الراهن يده عنه وحازه المرتهن، أو جعل على يد عدل، وإن بقيت يد الراهن عليه مع القدرة على الحوز (١) حتى فلس الراهن أو مات، بطل الرهن.
واختلف إن لم (٢) يفرط المرتهن في القبض حتى فلس الراهن أو مات، فقيل: يبطل لعدم الحوز. وقيل: يصح ولا يبطل، إلا (٣) أن يكونا قصدا إلى بقائه، وهو أحسن، وإن كان الرهن شرطًا في أصل البيع أو القرض، كان أبين (٤) لأنه يجري في الجبر (٥) على تسليمه (٦) مجرى البياعات، وإذا كان بعد العقد كان في الجبر على حكم الهبات، وإن اختلفا فادعى أحدهما إلى كونه عند المرتهن، والآخر إلى أن يكون بيد عدل، كان القول قول من دعا (٧) إلى العدل وهو قول ابن القاسم في العتبية (٨). لأن المراد من الرهن التوثق به، وهذا يحصل بكونه على يد عدل، إلا أن تكون العادة تسليمه إلى المرتهن، وإن لم تكن
стр. 5665
عادة، كان للراهن ألا (١) يسلمه إليه؛ لأنه يقول: لا آمنك عليه، وللمرتهن ألا يقبضه؛ لأنه يقول: عليَّ في قبضه مضرة، أضمنه إن كان ما يغاب عليه، أو أتكلف حفظه إن كان حيوانًا.
وقال محمد بن عبد الحكم: إن اختلفا في العدل الذي يكون (٢) على يديه، جعله القاضي على يد عدل. وليس بالبَيِّنِ، وأرى أن يقدم قول الراهن إذا دعا (٣) إلى ثقة؛ لأنه ماله وهو أنظر لنفسه في حفظه ومن يثق به. وإذا خالفه المرتهن في ثقة أو في القيام بمثله- دفع (٤) إلى الحاكم، فإن كان على صفة من يوثق به (٥)، وإلا أوقفه الحاكم حيث يرى.
وإن كان المرتهن رجلين، قال ابن القاسم: يجعلانه حيث شاءا وأحدهما ضامن له. يريد: ويبقى تحت نظرهما ولا يخرجانه إلى يد ثالث، فإن فَعَلا ضَمِنَا، وإن جعلاه عند أحدهما والآخر ينظر فيه ويتفقده ولم يرفع (٦) يده عنه، جاز، فإن ضاع وكان مما يغاب عليه، ضمناه للراهن وكان من هو على يده نصيب شريكه مؤتمنًا.
وإن اختلف المرتهنان وربه، فقال ربه: يكون على يد هذا، وقال الآخران: بل (٧) تحت أيدينا، فإن كانت العادة كون الرهن عند المرتهن، كان القول قول
стр. 5666
من قال: تحت أيدينا، فإن لم تكن له عادة، جعله القاضي حيث يرى على قول ابن عبد الحكم.
وأرى أن يكون القول (١) قول المالك إذا ادعى إلى ما لا ضرر فيه على الآخر.
стр. 5667
باب في رهن المشاع
وقال ابن القاسم فيمن ارتهن سدس دار أو حمَّام، أو نصف ثوب، أو نصف سيف: ذلك جائز، وحوزه أن يحوزه عن صاحبه (١).
قال الشيخ ﵁: رهن المشاع على ضربين (٢)، فإن كان الرهن شركة بين الراهن وغيره، صح حوزه إذا رفع الراهن يده عن نصيبه، ثم هما بالخيار بين ثلاثة: بين أن يكون ذلك النصيب على يد المرتهن، أو الشريك، أو على يد ثالث غيرهما، وسواء كان الرهن دارًا أو عبدًا أو دابة أو ثوبًا، وهذا قول ابن القاسم، ووافقه أشهب فيما لا بيان به كالدار والحمام أنه يكون محوزًا وإن كان تحت يد المرتهن والشريك (٣).
واختلف فيما يبان به كالعبد والدابة والثوب، فرأى ابن القاسم أنه حوز وإن كان تحت أيديهما، ومنعه أشهب؛ وقال: لا يكون حوزًا إلا أن يكون على يد المرتهن أو على يد الشريك أو على يد غيرهما (٤). والأول أحسن، ولو كان ذلك الثوب أو العبد عند الشريك ولم يجعل المرتهن يده معه عليه، ولا رضي الشريك أن يكون حائزًا للمرتهن، لم يكن محوزًا، وإن كان جميع الثوب أو الدار أو العبد للراهن، رهن نصف ذلك فرفع يده عن جميع الرهن، كان محوزًا.
واختلف إذا كانت يدهما عليه، هل يكون محوزًا؟ وكذلك إذا تصدق
стр. 5668
بنصيب من دار أو عبد أو ثوب وكانت أيديهما على تلك الصدقة.
وقال ابن القاسم فيمن ارتهن نصيبه من دار واكترى نصيب شريكه أو أرهنه (١): أرى رهنه فاسدًا حين سكن إذا لم يقم المرتهن فيقاسمه هذا (٢)؛ لأنه صار ساكنًا في نصف الدار، والدار غير مقسومة (٣).
قال الشيخ ﵀: لو حاز المرتهن ما لم يسكنه الراهن بغلق أو غيره، صح ارتهانه لنصف ما حاز؛ لأنه بقيمة ذلك المحوز على المشاع، وكذلك لو قاسم المرتهن الشريك البائع، لم يكن له مما صار إليه إلا نصفه.
وللمرتهن أن يمنع الراهن من السكنى حتى يقاسمه الرقاب، فما صار للراهن حازه المرتهن، وما صار للشريك سكنه الراهن، فإن كانت الدار لا تنقسم، منعه من السكنى، ويكرى جميعها ويكون الكراء للراهن، فيكون له نصفه باكترائه من الشريك ونصفه عن نصيبه؛ لأن الكراء غير داخل في الرهن.
وقال ابن القاسم في العتبية فيمن ارتهن دارًا في دين له إلى أجل، ثم اكتراها المرتهن من رجل، ثم اكترى المكتري من الراهن، قال: إن كان من سبب صاحب الدار فالكراء لازم، وذلك فاسد لرهنه ما دامت في يده، وإن كان أجنبيًا وصح ذلك، فذلك جائز (٤).
ومن ارتهن نصف ثوب فادعى ضياعه، ضمن نصفه وكان في نصفه مؤتمنًا، بخلاف المثال في الصانع أنه يضمن في أحد القولين؛ لأنَّ الغالب في
стр. 5669
الصانع عدم الأمانة والناس مضطرون إليهم، والمداينات على غير ذلك، وليس بالعامل ضرورة إلى غير أمين، وإن عامل غير مأمون فقد كان في مندوحة عنه إلى غيره.
فصل [في حوز الرهن]
وإن كان الرهن يبان به كالثوب والعبد، لم يصح الحوز إلا بمعاينة البينة لقبض المرتهن أو العدل، وأما الأعدال والسفن والبوار إذا دخل على أن تبقى موضعها، يجزئ من ذلك الإقرار والتسليم، ويكون للمرتهن دوابًا ورقيقًا أن يضع المرتهن يده عليهما، وكذلك الأرضون والشجر والبساتين فالإقرار بالتسليم من ذلك جائز، والمرتهن يمنع الراهن في المستقبل من التصرف فيه، وإن كان فيها للراهن عبيد أو دواب؛ كان المرتهن أو وكيله -برضا الراهن- الناظر في ذلك، وسواء ارتهن الأصل أو الثمرة. وإن ارتهن رجل الأصل وآخر الثمرة، كان لمرتهن الثمرة أن يمنع الراهن من التصرف فيها، ولا يضره إن تصرف ببيع أو هبة.
ولمرتهن الأصل أن يمنع الراهن من التصرف في الثمار والرقاب، فأما مسكن الدار فلا يصح حوزه إلا بخروجه عنه وأن يخليه من شواغله، وإن لم يخله وحال المرتهن بينه وبين ما فيه، جاز، وكذلك إذا ارتهن تابوتًا دون ما فيه فحازه (١) عنه، جاز، وكذلك الحائط دون ثمرته وفيه رقيقه ودوابه، وإنما يفسد الرهن بتصرف الراهن فيه، وكما لو ارتهن نصف ثوب وحاز جميعه، لم يُفْسِد الرهن كون بعضه غير داخل في الرهن.
وكذلك كل ما كان مختزنًا في بيت أو غيره، فإذا حال بينه وبين الرقاب وما
стр. 5670
فيها، صح، كان المرتهن الأصل وما (١) فيه، وإن كان الرهن حانوتًا أو ما له غلة ولم يكن ساكنًا فيه في حال الرهن، أجزأ الإشهاد على القبول، وإن كان في كراء بغير وجيبة، فحوزه أن يجمع بينه وبين المكري ويقدم إليه أن يكون قبض الكراء إلى المرتهن أو من يرضيان بإقامته لذلك.
واختلف إذا كان الكراء وجيبة وقد قبض المكتري الكراء أو لم يقبضه، هل يصح فيه حوز الكراء؟ وذكر ذلك في كتاب الصدقة، وإن كان طعامًا مخزونًا (٢) فسلم مفتاحه إليه أو إلى أمين، جاز.
فصل [في صحة رهن الوديعة]
رهن الوديعة يصح بشرطين: أن يرهن جميعها، ويعلم بذلك المودع فيحوزها المرتهن. وإن لم يعلم أو علم وقال: لا أحوز مَالَكَ، لم يصح الرهن، إلا أن يكون المودع غائبًا، أو يفلس الراهن قبل قدوم الغائب فيختلف فيه؛ لأنه لم يفرط.
واختلف إذا رهن بعض الوديعة ورضي المودع أن تكون يده لها جميعًا، فقيل: ذلك جائز. وقال عبد الملك في المبسوط: لا (٣) يجوز.
واختلف في حوز الأب لولده (٤) الصغير إذا تصدق عليه ببعض دار فكانت يده عليه ولولده.
стр. 5671
باب في الرهن يستحق
قال: ومن ارتهن ثيابًا فاستحق نصفها، كان الباقي رهنًا بجميع الحق، فإن ضاع وهو في يد المرتهن، ضمن نصفه للراهن، فإن وضعه على يد المستحق أو غيره لم يضمن (١).
قال الشيخ ﵁: ولو كان الراهن غائبًا، وقال المستحق: يكون على يدي أو على يد فلان، لم يكن للمرتهن ذلك دون نظر الحاكم، فإن وقفه على يد المستحق أو غيره فضاع، لم يضمن المرتهن، وإن ادعى المرتهن ضياعه قبل الاستحقاق وضمن نصيب الراهن.
واختلف في نصيب المستحق، فقال ابن القاسم: يضمنه (٢). وقيل: يحلف لقد ضاع ولا شيء عليه.
وقال مالك، وإن قال المستحق: وأنا أبيع نصيبي (٣)، قيل للراهن والمرتهن: بِيعَا معه، وقيل للمرتهن: لا تسلم رهنك، فإذا بيع كان ثمنه رهنًا في يده بجميع حقه (٤).
وقال أشهب في كتاب محمد: إن بيع بمثل الدين يعجل ذلك المرتهن في دينه (٥). إذ لا منفعة للراهن في وقفه إلا أن يأتي الراهن (٦) برهن ثان (٧)، أو يقول:
стр. 5672
أنا آتي (١) به في المستقبل، أو يكون الدين مخالفًا لما بيع به فلا يعجل.
فصل [في استحقاق الرهن]
يراعى في استحقاق الرهن ثلاثٌ: هل هو مضمون أو معين؟ وهل استحق قبل القبض أو بعده؟ وهل غرمه الراهن أو لا؟
فإن كان غير معين فأتى الراهن برهن ورضي المرتهن ولم يقبضه حتى استحق، خُيِّرَ الراهن على أن يأتي بغيره.
واختلف إذا استحق قبل القبض، فقال سحنون: عليه أن يخلفه، وهو كموته. وقيل: لا يخلفه. والأول أصوب؛ لأن المرتهن رهن في الذمة, فإذا أعطاها لغيره بقي الرهن في الذمة على حاله، والغرور في المضمون وغيره سواء, فإن كان الرهن معينًا واستحق قبل القبض، كان فيه قولان، فقال ابن القاسم: البائع بالخيار في سلعته بين أن يضمنها بغير رهن، أو يردها إن كانت قائمة، أو يأخذ قيمتها إن كانت فائتة، سواء أطاع الراهن برهن آخر أم لا (٢).
وقال عبد الملك بن الماجشون: وإن أطاع برهن آخر خُيِّرَ على قبوله، وإن لم يطع كان بالخيار في سلعته.
وعلى قول مالك لا يكون له مقال في سلعته، ولا في قيمتها إن فاتت، ولا في رهن ولا في غيره؛ لأنه قال: إن تعدى الراهن على الرهن فباعه قبل القبض لم يكن للمرتهن مقال في رد (٣) بيع الرهن ولا في أخذ ثمنه ولا في سلعته ولا في
стр. 5673
ثمنها (١). وإذا لم يكن له مقال إذا تعدى عليه بالبيع كان إذا استحق أبين، وإن استحق بعد القبض، لم يكن له مقال في ذلك إذا لم يغره، وإن غره كان الاستحقاق قبل القبض وبعده سواء.
واختلف في ذلك، فقال ابن القاسم: لا يجبر الراهن على خلفه ويكون مقال المرتهن في سلعته إما (٢) أن يضمنها أو يردها (٣).
وقال عبد الملك: يجبر على خلفه (٤). قال محمد: لا يخير فإن أخلفه أجبر الآخر على قبوله، وإن لم يخلفه عاد مقاله في سلعته (٥). وقال سحنون: يجبر على تعجيل الحق (٦).
وأرى أن استحقاقه قبل القبض وبعده سواء وإن لم يغره، فإن أخلفه أجبر (٧) البائع على قبوله؛ لأن الغرض من الرهن ثمنه، ولا فرق بين (٨) أن يأخذ ذلك من الأول أو من الثاني، وإن لم يرض بخلفه، كان البائع (٩) بالخيار في سلعته بين أن يمضيها (١٠) بالثمن إلى أجل، أو يأخذها إن كانت قائمة، أو
стр. 5674
قيمتها إن كانت فائتة (١)، والاستحقاق قبل (٢) القبض بخلاف الموت؛ لأن الموت أمر طرأ بعد صحته والاستحقاق نقض له من أصله، وإن غيره كان بالخيار بين أن يجبر على مثله أو لا يجبره ويعود مقاله في سلعته حسب ما تقدم.
واختلف فيما يفيت السلعة، فقيل: حوالة الأسواق، وهو المشهور من المذهب.
وقال محمد: لا يفيتها إلا العيوب المفسدة (٣). ويلزم على هذا فيمن باع سلعته بسلعة ثم استحقت إحداهما لا يفيت الأخرى إلا العيوب، ولا يكون مقال المرتهن في الرهن (٤) أعلى رتبة ممن اشترى سلعة فاستحقت من يده.
стр. 5675
باب في ضمان الرهن
الرهن على ضربين: مضمون، وغير مضمون.
فالمضمون: كل ما يغاب عليه وهو غير مستقل بنفسه، كالبسط والثياب والسلاح وما أشبه ذلك.
وغير المضمون أربعة:
أحدها: أن يكون مما لا يغاب عليه ودخل على ألا يغيب عليه، وعلى أن يبقى في موضعه، كالثمار في رؤوس النخل والشجر والزرع القائم، أو ما كان في الجرين والأندر؛ لأن المرتهن يغيب عنه في الليل والنهار وهو موكل إلى أمانات الناس.
والثاني: ما يغاب عليه وهو مستقل بنفسه، وهو الحيوان على اختلاف أجناسه من: عبد وفرس وشاة وطير، فقوله مقبول أنه ذهب بنفسه مع إمكان أن يكون باع هذا أو ذبح الآخر (١) وأكله، ويلزم على القول في عارية الحيوان أنه يضمن الرهن إذا كان حيوانًا.
وأرى: أن يضمن كل ما استخف ذبحه وأكله.
والثالث: ما يبان به ولا يغاب عليه، كالسفن ترتهن وهي على ساحل (٢) البحر، وكبيرها وصغيرها سواء، وكذلك ما كان من آلاتها من صَارٍ (٣) أو