← Фикх малики

Фикх малики · id 14591

التبصرة للخمي

اللخمي، أبو الحسن

Полный текст (6 502 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.

стр. 911

يمين أنه وقف، وقال: لا أدري (١)، وقال في المدونة: يجزئه الرابع (٢). فاما المنع فللحديث أن رسول الله ﷺ بعث كعب بن مالك، وأوس بن الحارث وهو بمنى فناديا (٣): ". . . أَيَّامُ مِنًى أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ" أخرجه مسلم (٤) وفي الموطأ قال: "نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ صِيَامِ أَيَّامِ مِنى" (٥). وأما جواز صومها فلتظاهر الأخبار (٦) عن صيام يومين، فقال أبو هريرة (٧) وأبو سعيد الخدري (٨) وعائشة ﵂ (٩): "نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ صِيَامِ يَوْميْنِ: الفِطْرِ وَالأَضْحَى"، وقال عمر ﵁: "إِنَّ هَذَيْنِ يَوْمَانِ (١٠) نَهَى

стр. 912

رَسُولُ الله ﷺ عَنْ صِيَامِهِمَا: يَوْمُ فِطْرِكُمْ مِنْ صِيَامِكُمْ، وَالآخَرُ يَوْمٌ تَأْكُلُونَ فِيهِ مِنْ نُسُكِكُمْ"، وهذه أحاديث صحاح أخرجها البخاري ومسلم (١)، فاجتمعت هذه الأحاديث على اختصاص النهي عن هذين اليومين، فلو كان جميع تلك الأيام محرمًا لم يكن لاختصاص اليومين وجه، ولإجماع المذهب على جواز صومها للمتمتع، ولو كانت محرمة العين لم يجز صومها (٢) للمتمتع كما لم يجز له أن يصوم يوم النحر، ويحتمل أن يكون ذلك على وجه الندب لمن كان بمنى خاصة لما كانوا عليه من المنع من النساء، وقد تقدم الحديث أن النداء بالنهي كان للناس بمنى، ولأن من صام امتنع من النساء، فندبهم أن لا يتكلفوا من ذلك فوق ما يقدم حتى تنقضي أيام الحج. وأما التفرقة بين الرابع وغيره فلأنه أضعف رتبة؛ لأن المتعجل يسقطه، وقد تقدم ذكر يوم الشك. وقال النبي ﷺ : "لاَ يَصُومَنَّ أَحَدُكُمْ يَوْمَ الجُمُعَةِ، إِلاَّ أَنْ يَصُومَ يَوْمًا قَبْلَهُ أَوْ بَعْدَهُ" (٣)، وقال: "لاَ تَخْتَصُّوا لَيْلَةَ الجُمُعَةِ بِقِيَامٍ مِنْ بَيْنِ اللَّيَالِي، وَلاَ يَوْمَ الجُمُعَةِ بِصِيَامٍ مِنْ بَيْنِ الأَيَّامِ" (٤)، ودخل على جويرية بنت الحارث ﵂ يوم جمعة وهي صائمة فقال: "أَصُمْتِ أَمْسِ؟ فَقَالَتْ: لاَ. قَالَ: أَتُرِيدِينَ أَنْ تَصُومِي غَدًا. قَالَتْ: لاَ. قَالَ: فَأَفْطِرِي" (٥) انفرد به البخاري، وانفرد مسلم بقوله: "لاَ

стр. 913

تَخْتَصُّوا لَيْلَةَ الجُمُعَةِ. . ." (١) واجتمعا على ما سوى ذلك. وقال الداودي، في قول مالك في الموطأ (٢): لم يبلغ مالكًا الحديث، ولو بلغه لم يحالفه، يريد. لم يبلغه الحديثُ بالمنع. قال النبي ﷺ "لاَ تَصُومُواُ يوْمَ السَّبْتِ إلاَّ فِيمَا افْتُرضَ عَلَيْكُمْ. . ." (٣) ذكره الترمذي، وهو حديث حسن السند، وقد ذُكرت هذه الأحاديث في هذه الأيام وفيما بعدها؛ لأن المنع والترغيب وتعلُّق الفضل ببعضها دون بعض موضع توقيف، ليس يؤخذ بقياس. فصل الأشهر المرغب في صيامها الأشهر المرغب في صيامها ثلاثة: المحرم، ورجب، وشعبان، ومن أيام السنة ستة من شوال، وعشر ذي الحجة، ويوم عاشوراء، وثلاثة أيام من كل شهر، ومن أيام الجمعة الاثنين والخميس. والأصل في هذه الجملة قول النبي ﷺ : "أَفْضَلُ الصِّيَامِ بَعْدَ رَمَضَانَ شَهْرُ اللهِ المُحَرَّمُ، وَأَفْضَلُ الصَّلاَةِ بَعْدَ الفَرِيضَةِ صَلاَةُ اللَّيْلِ" أخرجه مسلم (٤)،

стр. 914

وقالت عائشة ﵂: "مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَكْثَرَ صِيَامًا مِنْهُ فِي شَعْبَانَ" (١) اجتمع عليه الصحيحان. وقال أبو أيوب: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ صَامَ رَمَضَانَ ثُمَّ أَتْبَعَهُ سِتًّا مِنْ شَوَّالٍ كَانَ كَصِيَامِ الدَّهْرِ" (٢) أخرجه مسلم، وقال: "مَا مِنْ أَيَّامٍ أَحَبُّ إِلَى اللهِ أَنْ يُعْبَدَ فِيهَا مِنْ عَشْرِ ذِي الحِجَّةِ، يَعْدِلُ صِيَامُ كُلِّ يَوْمٍ مِنْهَا صِيَام سَنهٍ، وَقِيَام كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْهَا بِقِيَامِ لَيْلَةِ القَدْرِ" (٣)، وقال: "صِيَامُ يَوْمِ عَرَفَةَ يُكَفِّرُ السَّنَهَ الماضِيَةَ وَالثَّانِيَةَ، وَصِيَامُ يَوْمِ عَاشُورَاءَ يُكَفِّرُ السَّنةَ الماضِيَةَ" (٤) أخرجه مسلم يريد: في يوم عرفة ما لم يكن في حج، فإن فطره حينئذٍ أفضل للتقوِّي على الدعاء (٥)، وقال أبو هريرة ﵁: "أَوْصَانِي خَلِيلي بِثَلاَثٍ؛ بِصِيَامِ ثَلًاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، وَرَكْعَتَي الضُّحَى، وألا أَنَامَ قَبْلَ أَنْ أُوتَرَ" (٦)، أخرجه البخاري ومسلم.

стр. 915

واختلف متى تصام الثلاثة من الشهر فقالت عائشة ﵂ في كتاب مسلم: "كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَصُومُ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ. وَلا يُبَالِي مِنْ أَيِّ أَيَّامِ الشَّهْرِ كَانَ يَصُومُ" (١)، وقال أبو ذر ﵁ في الترمذي: قال لي رسول ﷺ : "إِذَا صُمْتَ مِنَ الشَّهْرِ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ فَصُمْ: ثَلاَثَة عَشرَ وَأَرْبَعَة عَشرَ وَخَمْسَةَ عَشْرَ" (٢)، وقيل: يصوم من أوله؛ لأن تعجيل كل خيرٍ خيرٌ من تأخيره, وإلى هذا ذهب الشيخ أبو الحسن، قال الشيخ ﵁: ولأنه لا يدري ما يقطعه عن ذلك من موت أو (٣) مرض أو سفر أو عدم نشاط، وقيل: يبتدئ كل عشر (٤) بصوم يوم، يصوم أول يوم، وأحد عشر، وأحد وعشرين، ليكون قد استفتح كل عشر بالطاعة، وفي مسلم قال أبو قتادة ﵁: "سُئِلَ رَسُولُ الله ﷺ عَنْ صَوْمِ يَوْمِ الِاثْنَيْنِ، فَقَالَ: فِيهِ وُلِدْتُ وَفِيهِ بُعِثْتُ أَوْ أُنْزِلَ عَلَيّ فِيهِ (٥)، وَفي الترمذي قالت عائشة ﵂: "كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يَتَحَرَّى صَوْمَ الِاثْنَيْنَ وَالخَمِيسِ" (٦)، ومنه: قال أبو هريرة ﵁: "قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : تُعْرَضُ الأَعمالُ يَوْمَ الِاثْنينِ وَالخَمِيسِ فَأُحِبُّ

стр. 916

أَنْ يُعْرَضَ عَمِلي وَأَنَا صَائِمٌ" (١). فصل في الخلاف في صيام الدهر اختلف الناس في صيام الدهر، فقال مالك وابن القاسم في المجموعة: لا بأس به. وقال ابن حبيب: إنما النهي إذا صام فيه ما نهي عنه (٢)، وذهب غير واحد إلى المنع؛ لحديث عبد الله بن عمرو ﵁ قال: "بَلَغَ النَّبِيَّ ﷺ أَنِّي أَسْرُدُ الصَّوْمَ وَأُصَلِّي اللَّيْلَ، فقال رَسُولُ اللهِ ﷺ : لاَ تَفْعَلْ، صُمْ وَأَفْطِرْ، وَقُمْ وَنَمْ، فَإِنَّ لجِسْمِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَإِنَّ لِعَيْنَيِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَإِنَّ لِزَوْجِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَإِنَّ لِزوَّارِكَ عَلَيْكَ حَقًّا. قُلْتُ: إِنِّي لأقوى عَلَى ذَلِكَ، قَالَ: فَصُمْ صِيَامَ دَاوُدَ، كَانَ يَصُومُ يَوْمًا وَيُفْطِرُ يَوْمًا، وَهُوَ أَفْضَلُ الصَّيَامِ، قُلْتُ: إِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ، فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : لاَ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ، لاَ صَامَ مَنْ صَامَ الأَبَدَ، [لاَ صَامَ مَنْ صَامَ الأَبَدَ" (٣). وقال أيضًا فيمن صام الأبد]: ". . . مَا صَامَ وَلاَ أَفْطَرَ. . ." (٤) أخرجه البخاري ومسلم.

стр. 917

فكان في هذا أربعة أدلة: أحدها: أنه ﷺ أمر بالفطر، ولم يكن يأمر بالأدنى عن الأفضل. والثاني: قوله: ". . . لاَ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ"، فأخبر أن الفطر في ذلك أفضل من الصوم. والثالث: دعاؤه على من صام الأبد، بقوله: "لاَ صَامَ مَنْ صَامَ الأَبَدَ. . .". والرابع: أنه إذا صام في معنى من لم يكتب له أجر؛ لقوله: "مَا صَامَ وَلاَ أَفْطَرَ"، يريد: أنه ما أفطر؛ لأنه كان ممسكًا، ولا صام؛ لأنه لا يكتب له فيه أجر الصائم.

стр. 918

باب في قيام رمضان، والقنوت فيه قيام رمضان مندوب إليه؛ لقول النبي ﷺ : "مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ" (١)، وهو في العشر الأواخر آكد؛ لحديث عائشة ﵂ قالت: "كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا كَانَ العَشْرُ الأوَاخِرُ مِنْ رَمَضَانَ شَدَّ مِئْزَرَهُ وَأَيْقَظَ أَهْلَهُ وَأَحْيَا لَيْلَهُ" (٢)، ولأن ليلة القدر فيه، فيجتهد في العمل فيه رجاء موافقتها. والجمع في قيام رمضان وإظهاره في المساجد حسن؛ لأن كثيرًا من الناس لا يستظهر القرآن، وقد جمع الناسَ عمرُ بن الخطاب ﵁ على ذلك في مسجد النبي ﷺ (٣) ليدرك قيامه من كان لا يقرأ القرآن، أو كان يقرأه ويعجز عن القيام به إذا كان وحده، وإن كان ممن يقوم بذلك وهو في بيته، كان قيامه في بيته أفضل؛ لقول النبي ﷺ : "أَفْضَلُ الصَّلاةِ صَلاَتكُمْ فِي بُيُوتكُمْ إِلاَّ المَكْتُوَبَةَ" (٤) أخرجه البخاري ومسلم. فأجاز التنفل في المساجد، وفرق بينهما

стр. 919

في الفضل. وكذلك القرب المتطوع بها إخفاؤها أفضل، ولا حرج في إعلانها، قال الله : ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٧١]، فالإخفاء خير لما يخشى أن يدخل في ذلك من الرياء والسمعة، ولا يُعتَرَض هذا بقيام النبي ﷺ في المسجد؛ لأن النبي ﷺ ممن لا يجوز ذلك عليه. واختلف في العدد الذي يقوم به الإمام، وفي القدر الذي يقرأ به في كل ركعة، فقال مالك في المدونة: يقوم بتسع وثلاثين ركعة، يوتر منها بثلاث (١)، وقال في مختصر ما ليس في المختصر: الذي يأخذ بنفسي في ذلك الذي جمع عليه عمر ﵁ الناس إحدى عشرة ركعة بالوتر، وهي صلاة رسول الله ﷺ ، وإحدى عشرة ركعة من ثلاث عشرة ركعة قريب. وذكر مالك في الموطأ عن السائب بن يزيد أن عمر بن الخطاب ﵁ أمر أبي بن كعب، وتميمًا الداري أن يقوما بالناس بإحدى عشرة ركعة، قال: "وَكَانَ القَارِئُ يَقْرَأُ بِالمِئِينَ"، وفي رواية أخرى: "بالمائتين (٢) حَتَّى كُنَّا نَعْتَمِدُ عَلَى العِصِيِّ مِنْ طُولِ القِيَامِ" (٣)، وذكر عن يزيد بن رومان أنه قال: "كَانَ النَّاسُ يَقُومُونَ فِي

стр. 920

رَمَضَانَ فِي زَمَنِ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ بِثَلاَثٍ وَعِشْرِينَ رَكْعَةً" (١). وقال ابن حبيب: إن عمر بن الخطاب ﵁ أمر الناس أن يقوموا بإحدى عشرة ركعة، ثم رجع إلى ثلاث وعشرين (٢). وأما القدر الذي يقرأ به في كل ركعة فقيل: بالمائتين، وقيل: بالعشرين والثلاثين آية، وقيل: بالعشر آيات. وتقدم حديث السائب أنه كان يقوم بالمائتين، وينصرف في بزوغ الفجر، وذكر مالك عن عبد الله بن أبي بكر عن أبيه أنه قال: "كُنَّا نَنْصَرِفُ فِي رَمَضَانَ فَنَسْتَعْجِلُ الخَادِمَ بِالطَّعَامِ مَخَافَةَ الفَجْرِ" (٣)، فكان الأمر من طول القيام في زمن الصحابة على ذلك، ثم صار الأمر في زمن التابعين على دون ذلك، فذكر مالك عن ابن هرمز أنه قال: "كَانَ القَارِئُ يَقُومُ بِسُورَةِ البَقَرَةِ فِي ثَمَانِي رَكَعَاتٍ فَإِذَا قَامَ بِهَا فِي اثْنَتَي عَشْرَةَ رَكْعَةً رَأَى النَّاسُ أَنَّهُ قَدْ خَفَّفَ" (٤)، ثم صار الأمر في التخفيف إلى دون ذلك، فذكر ابن وهب عن عمر بن عبد العزيز أنه أمر القرَّاء أن يقوموا في كل ركعة بعشر آيات. (٥)

стр. 921

فصل [ولا باس أن يقوم الإمام بالناس في المصحف عند عدم من يستظهر القراءة] ولا بأس أن يقوم الإمام بالناس في المصحف (١) عند عدم من يستظهر القرآن، أو عند وجوده إذا كان الذي يستظهره لا تُرضى حاله، أو يكون الرجل الصالح، أو من يرجى التبرك بإمامته. وليس لمن قام في غير المصحف إذا وقف عليه شيء أن ينظره حينئذٍ في المصحف؛ لأن في ذلك شغلًا في تصفح الورق، ويلتمس ذلك، فيكون قطعًا لما دخل فيه، وليس كذلك من استفتح في المصحف؛ لأنه متمادٍ في القراءة لا يعطل ما هو فيه (٢) لغيره. وإمامة من استكمل القرآن أحسن؛ ليتذكر المأمومون جميع ما تضمنه القرآن من القصص، والمواعظ، والفرائض، والوعد، والوعيد، ولا يؤم من لا يستكمله إلا لعدم غيره، أو لعذر، وإذا أمَّ جماعة في مسجد قرأ الثاني من حيث انتهى الأول، والثالث من حيث انتهى الثاني. واختلف في إمامة الصبي في ذلك، ولا بأس بإمامة العبد، وأجاز مالك في العتبية للعبد أن يؤم النساء (٣)، ولم يرَ ذلك داخلًا في نهي النبي ﷺ : "لاَ يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا مَحْرَمٌ" (٤)؛ لأنهن جماعة.

стр. 922

واختلف في صلاة الأمير مأمومًا، فأجازه مالك (١)، وكرهه ربيعة، وقال: لا يصنع (٢) ذلك، وليصل في بيته إلا أن يأتيه فيقوم بالناس (٣) والقول الأول أحسن؛ لأن تقدمته من حقوقه، ليس حقًا لله تعالى، فإذا أسقط حقه في ذلك جاز، وقد أتى النبيُّ ﷺ وأبو بكر يصلي بالناس، فأراد أبو بكر ﵁ أن يتأخر، فأومأ إليه النبي ﷺ "أَنِ امْكُثْ مَكَانَكَ. . ." (٤) الحديث، وأراد النبي ﷺ أن يكون مأمومًا، وأتى وعبد الرحمن بن عوف يصلي بالناس، فصلى خلفه مأمومًا" (٥) وهذا في ولاة العدل، وأما ولاة الجور فلا حق لهم في التقدمة، إلا من باب القهر. ومن أتى المسجد ولم يصلِّ العشاء والإمام في القيام، جاز له أن يصلي فرضه ناحية ثم يدخل مع الإمام، وهو في ذلك بخلاف من أتى والإمام في الفرض. وقال مالك فيمن دخل في الركعة الثانية من الركعتين الأوليين في القيام (٦) فصلاها معه ثم سلم الإمام فلا يسلم، وليقم لقضاء الركعة التي

стр. 923

بقيت، فإن قاموا معه لشفع ثانٍ (١) فليتوخَّ أن يكون قيامه معهم وركوعه، وسجوده موافقًا لسجودهم، ثم يجلس ويقومون ويتشهد ويسلم، فإن شاء قام وإن شاء قعد حتى يتموا شفعهم، وقال ابن القاسم: يدخل مع الإمام في التي هي له ثانية وهي لهم ثالثة فيتبعهم فيها (٢)، وقال مالك في المبسوط فيمن قام بين الأشفاع يركع (٣): إن لحقوه (٤) قبل أن يركع رأيت أن يدخل معهم إن كان لا يستطيع أن يصلي ما دخل فيه ثم يلحقهم، وإن كان قد صلى ركعة شفع إليها أخرى ثم لحقهم (٥). فصل [اختلف في القنوت في النصف الآخر من رمضان] واختلف في القنوت في النصف الآخر من رمضان، فقال مالك في المدونة: ليس على ذلك العمل، فلا يقنت في أوله ولا في آخره ولا في الوتر (٦)، وقال ابن حبيب: وقد كان يقنت الناس في قيام رمضان بعد رفع الإمام رأسه من صلاة الوتر بعهد عمر (٧) وبعده في الزمن الأول، في النصف الأخير من رمضان يجهر (٨) الإمام بكلامه ودعائه في القنوت،

стр. 924

وينصت من خلفه، إلا أنهم يؤمنون على دعائه كلما وقف (١)، روى ذلك مالك بن أنس عن عمر بن الخطاب. وأخبرني مطرف عن مالك عن داود بن الحصين عن الأعرج يقول: "مَا أَدْرَكْتُ النَّاسَ إِلاَّ وَهُمْ يَلْعَنُونَ الكَفَرَةَ فِي رَمَضَانَ" (٢)، وقال عبد الملك: فمن أخذ بهذا اليوم في النصف الآخر وفعله على سنته فحسن، ورواه ابن وهب عن مالك. وقال مالك في المدونة في الإمام يوتر ولا يسلم من الشفع: لا تخالفه؛ إن سلم فسلم وإلا فلا تسلم (٣). وذكر محمد بن عبد الحكم عن أشهب أنه قال: يسلم من خلفه من اثنتين ثم يقوم إلى الثالثة، وقال مالك: من أدرك ركعة من الوتر مع الإمام فأضاف إليها أخرى فصل إن كان إمامُهُ فَصَلَ، وإلا وصل كما وصل. تم كتاب الصيام من التبصرة بحمد الله وحسن عونه وصدى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه (٤)

стр. 925

كتاب الاعتكاف النسخ المقابل عليها ١ - (ب) = نسخة برلين رقم (٣١٤٤) ٢ - (س) = نسخة الاسكوريال رقم (١٠٨٢) ٣ - (ق ٣) = نسخة القرويين رقم (٣٦٨/ ٤)

стр. 926

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ صلى الله على محمد وآله وسلم تسليمًا كتاب الاعتكاف و شروطه, وما يلزم المعتكف في اعتكافه, وما يوسع له أن يفعله من غير الاعتكاف، وبم يلزم ؟ ومن المدونة قال مالك: لا يكون الاعتكاف إلا بصوم (١)، لقول الله : ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة: ١٨٧]. قال الشيخ ﵁: فصول الاعتكاف تسعة: أحدها: جوازه. والثاني: بم يلزم؟ والثالث: تعلق الصوم به؟ والرابع: معرفة مدة الاعتكاف، وكم القدر الذي لا يجوز الاقتصار على دونه (٢)؟ والخامس: الموضع الذي يعتكف فيه؟ والسادس: الوقت الذي يدخل فيه معتكفه ويخرج منه. والسابع: ما يفعله في معتكفه وما يستحب له أن يفعله من غير جنس الاعتكاف، وما يمنع منه. والثامن: ما يجوز له أن يخرج إليه، وما يمنع منه. والتاسع: ما يطرأ عليه مما يوجب خروجه؛ من المرض والحيض للمرأة, أو خوفٍ أو مطالبةٍ بدينٍ، أو حَدٍّ.

стр. 927

فصل في جواز الاعتكاف فأما جوازه فالأصل فيه قول الله : ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة: ١٨٧]. وثبت عن النبي ﷺ في البخاري ومسلم أنه اعتكف وأصحابه معه، واعتكف أزواجه (١). والاعتكاف وإن كان تبتلًا فليل المعتكف ونهاره سواء - فإنه غير داخل في نهي النبي ﷺ عن التبتل، قال سعد بن أبي وقاص: "نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ عَنِ التبتُّلِ، وَلَوْ أَذِنَ لَهُ لاَخْتَصَيْنَا" أخرجه البخاري ومسلم (٢). ومحمل النهي فيمن يداوم على ذلك. وأما الاعتكاف فهو المدة اليسيرة. وقال النبي ﷺ لعبد الله بن عمرو بن العاص: "بَلَغَني أَنَّكَ تَصُومُ النَّهَارَ وَتَقُومُ اللَّيْلَ"، قال: نعم، فنهاه عن ذلك، وقال: "إِنَّكَ إِذَا فَعَلْتَ ذَلِكَ نفِهَتْ لَهُ النَّفْسُ، وَهَجَمَتْ لَهُ العَيْنُ؛ صُمْ وَأَفْطِرْ، وَقُمْ وَنَمْ، فَإِنَّ لجِسَدِكَ عَلَيْكَ حَقًّا. . ." الحديث (٣).

стр. 928

فنهاه عن المداومة على ذلك. فأما قدر مدة الاعتكاف فلا بأس بذلك، فإن نابه شيء (١) من ذلك أذهبه ما يعود إليه إذا قطعه. فصل الاعتكاف يلزم بالنَّذْر الاعتكاف يلزم بالنذر، وبالدخول فيه وإن لم يتقدمه نذر، فإن نذر اعتكاف أيام أو تَلَبَّسَ بالاعتكاف من غير نذر وهو ينوي أيامًا لزمه الوفاء بذلك متتابعًا. وفرّق مالك بين الاعتكاف إذا نذر أيامًا والصوم، فإن نذر صوم أيامٍ كان له أن يفرّقها، وإن نوى اعتكاف أيام لم يفرق (٢). وهذا صحيح للعادة أن من دخل معتكفه وهو ينوي أيامًا أنه يأتي به متتابعًا، ولولا العادة لم يلزمه ذلك؛ لأن أقل الاعتكاف كأقل الصوم، فأقل الاعتكاف يوم، ولا يجوز أقل منه، وأقل الصوم يوم (٣) ولا يجوز بعض يوم، وإذا جاز لمن قال: لله عَليَّ صوم عشرة أيام. أن يفرقها (٤) ويأتي بأقل ما يصح أن يصام بانفراده، وهو يوم جاز (٥) في الاعتكاف، وكما لو قال: لله عليَّ أن أعتكف عشرة أيام، يومًا في كل شهر- جاز ذلك، ولم يلزمه أن يأتي به متتابعًا.

стр. 929

فصل الاعتكاف شرط صحة الصوم الصوم عند مالك شرط في صحة الاعتكاف، ولا يصح اعتكاف إلا بصوم (١)، وليس من شرطه أن يختص بصوم تطوع؛ لأن النبي ﷺ اعتكف في رمضان، فجاز أن يفعله (٢) في رمضان، أو في قضائه، أو في صوم التظاهر، أو قتل النفس، ونذر الصوم المعين وغير المعين. وهذا ما لم يكن الاعتكاف منذورًا. قال عبد الملك بن الماجشون: فإن نذره لم يكن له أن يفعله (٣) في صوم وجب لغيره، وكان عليه أن يأتي به في صوم تطوع. ومحمل (٤) قوله إذا كان الناذر يرى أنه إنما يكون في صوم له، وأنه لا يكون في صوم واجب، ولو كان يعلم موضع ذلك من العلم، وأن له أن يجعله في صوم واجب وأوجبه على ما يوجبه الشرع - جاز له أن يجعله في أي صوم أحب، وكذلك لو كان يجهل أن من شرطه الصوم، ويرى أن له أن يأتي به مفطرًا، فإن له أن يجعله في صوم واجب؛ لأنه لم يلتزم له صوم التطوع. ويختلف في اعتكاف من لا يستطيع الصوم؛ كالرجل الضعيف البِنْيَةِ، والمتعطش، والشيخ الكبير. قياسًا على المعتكف يمرض (٥) وهو قادر على الاعتكاف سوى الصوم، أو يمرض مرضًا لا يقدر معه المقام (٦) فيخرج ثم

стр. 930

يصح في بعض يوم، والحائض تطهر في بعض يوم، هل يرجعان حينئذٍ، ومن مضى له يوم الفطر وقد بقي عليه بقية من اعتكافه؟ فاختلف في هذا الأصل هل يكون في معتكفه وهو مفطر، أو لا يعود، ولا يكون في معتكفه حتى يصح منه الصوم، فقال في المجموعة: إذا مرض فأقام في المسجد على اعتكافه إلا أنه لا يقدر على الصوم من الضعف فيفطر، فقال: يعتكف وهو مفطر؟! ليس هذا اعتكافًا، ولكن يخرج ثم يقضي، وهذا هو ظاهر المدونة (١). وقال أبو محمد عبد الوهاب: لا يخرج إلا لمرض لا يستطيع معه المقام (٢). وقال مالك: إذا صح المريض، أو طهرت الحائض في بعض يوم، رجعا إلى معتكفهما فأتما فيه بقيته (٣). واختلف (٤) قوله، فقال (٥) فيمن أتى عليه يوم الفطر وقد بقي عليه من اعتكافه بقية، هل يكون ذلك اليوم في معتكفه على اعتكافه، أو يحرج لأجل أنه مفطر؟ وهذا كله أصل واحد، فعلى قوله في المجموعة لا يعود المريض ولا الحائض إذا طهرت حتى تغرب الشمس، ويكون الآخر يوم العيد في بيته. وعلى قوله في المريض والحائض يعودان في بعض يوم، ويكونان على اعتكافهما وهما مفطران: لا يخرج المريض إذا غلب على الصوم، ولا يخرج الآخر يوم العيد، وهذا أصوبهما لما روي عن النبي ﷺ أنه كان يخرج من معتكفه إذا أصبح (٦). فيه دليل على جواز الاعتكاف بغير صوم؛ لأن الليلة الآخرة

стр. 931

يعتكفها ولا يصوم صبيحتها، ولقول سحنون في الحائض أنها إذا خرجت لا تنصرف وهي على الاعتكاف. وكذلك أرى ألا يمنع من كان صحيحًا عاجزًا عن الصوم. وأجاز مالك الجوار بغير صوم، قال: مثل جوار أهل مكة، يجاور بالنهار، وقد (١) ينقلب بالليل إلى أهله، وليس عليه في جِواره صوم. فصل في مدة الاعتكاف أقل الاعتكاف يوم، وأكثره عشرة أيام، والأصل في أقله حديث عمر قال: يا رسول الله، إني نذرت اعتكاف يوم في الجاهلية، فقال له رسول الله ﷺ : "أَوْفِ بِنَذْرِكَ" (٢). وفي أكثره حديث ابن عمر، وعائشة ﵂ أن النبي ﷺ كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان (٣). فلا ينبغي أن يجاوز العشر؛ لأن النبي ﷺ كان أشد الناس عبادة، وقام حتى تورمت (٤). . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 932

قدماه (١)، ولم يجاوز باعتكافه عشرة أيام؛ إلا عندما رفعت ليلة القدر. والظاهر أنه زاد ليلة، ولنا فيه أسوة حسنة. وإن نذر فوق ذلك لزمه الوفاء به ما لم يطل (٢) ذلك مما يرى أنه يضر بنفسه ضررًا بينًا فيرد الزائد على ما كان يجوز أن ينذره، لحديث سعد قال: "رَدَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ التَّبَتُّلَ" (٣). وكره مالك في المدونة اعتكاف ما دون العشر (٤). وقال في العتبية: ما أعرف اعتكاف يوم أو يومين من أمر الناس. وقال أيضًا: لا بأس به (٥). وهو أبين؛ لحديث عمر، والآخر استحسان وترغيب في الخير. واختلف إذا نذر اعتكاف يوم، هل يلزمه أن يعتكف ليلة ذلك اليوم، أو يجزئه ذلك من طلوع الفجر؟ واختلف أيضًا إذا نذر اعتكاف ليلة، هل يجزئه يوم وليلة، أو يسقط نذره فلا يلزمه شيء؟ فقال ابن القاسم: إذا نذر اعتكاف يوم أو اعتكاف ليلة - يلزمه أن يعتكف يومًا وليلة، وساوى بين السؤالين. وقال سحنون في كتاب ابنه: إن نذر اعتكاف ليلة لم يلزمه شيء، وإن نذر اعتكاف يوم لزمه أن

стр. 933

يعتكف يومًا وليلة، وإن دخل عند طلوع الفجر لم يجزئه. وقال أبو محمد عبد الوهاب: إذا دخل قبل (١) طلوع الفجر أجزأه (٢). ولمالك في المبسوط مثله، وقول سحنون إذا نذر اعتكاف ليلة أحسن، ولا يلزمه أكثر مما ألزم نفسه، وإن كان يصح أن يؤتى به - وَفَّى به، وإن كان ذلك مما لا يصح أن يؤتى به سقط نذره. ويلزم على قول ابن القاسم أن يقول فيمن نذر أن يصلي ركعة: أن يأتي بركعتين، أو يصوم بعض يوم: أن يصوم يومًا كاملًا. وأما إن نذر يومًا كاملًا فالصحيح أن الليل غيى داخل في النذر. قال الله : ﴿سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ﴾ [الحاقة: ٧]. ولا خلاف أن ذلك العذاب لم يكن خمسة عشر يومًا، وإنما كان ابتداؤه نهارًا وخاتمته نهارًا، فكانت الأيام ثمانية، والليالي سبعة. وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه كان يدخل معتكفه إذا صلى الصبح (٣)، ففيه دليل على جواز اعتكاف اليوم دون الليل. فصل الاعتكاف في المساجد دون البيوت الاعتكاف في المساجد دون البيوت؛ لقول الله : ﴿وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة: ١٨٧] ولأنه المروي عن النبي ﷺ وأصحابه وأزواجه أنهم اعتكفوا في المسجد (٤).

стр. 934

وفي اعتكاف أزواجه في (١) المسجد مع كون النساء مندوبات إلى الكون في مبيتهن (٢) في بيوتهن دليل بَيَّنَ أَنَّ للاعتكاف تَعَلُّقًا بالمسجد، وأنه في ذلك بخلاف النوافل، وللمعتكف أن يعتكف في أي المساجد شاء إذا كان موضعًا لا تجب فيه جمعة، أو كانت تجب فيه وهو ممن لا تجب عليه كالمرأة والعبد والمسافر، أو تجب عليه وكان اعتكافه ينقضي قبل يوم الجمعة. فإن كان يأتي الجمعة قبل انقضائه - كان اعتكافه في المسجد الجامع، وإن اعتكف في (٣) مسجد سواه ثم أتت الجمعة قبل انقضائه وهو في غير المسجد الجامع (٤) خَرَجَ إليها. واختلف فيما يفعله بعد ذلك، فقال مالك وابن الجهم: يتم اعتكافه في الجامع. وقال عبد الملك: يعود إلى مكانه ويصح اعتكافه. وقال في المجموعة: إذا خرج إلى الصلاة فسد اعتكافه. والقول أنه لا يفسد أحسن، وهو بالخيار بين أن يتم اعتكافه في الجامع، أو يعود إلى المسجد الذي اعتكف فيه، وهذا في الخروج إلى الجمعة أعذر من الذي يخرج إلى طعامه. وإذا اعتكف مدة تنقضي قبل يوم الجمعة فمرض قبل انقضاء اعتكافه فليخرج، ولا يفسد اعتكافه. ثم يختلف هل يُتِمَّ في الجامع أو يعود إلى معتكفه؟

стр. 935

ولا يعتكف في بيت القناديل (١)؛ لأنها لا تُدْخَلُ إلا بإذن، ولا على ظهر المسجد (٢)، ولا في صومعته. واختلف فيما سواه من المسجد على ثلاثة أقوال: فقال في المدونة: يعتكف في عجز المسجد وفي رحابه (٣). وقال ابن وهب عنه: لم أره إلا في رحبة المسجد. وقال في المجموعة: لم أره إلا في عجز المسجد. والقول الأول أحسن، وذلك واسع يعتكف حيث شاء من المسجد (٤). واختلف إذا اعتكف في رحبة المسجد، هل يَضرِبُ خباءً يكون فيه؟ فأجاز ذلك في المدونة (٥). وقال ابن وهب عنه: لم أسمع أنه ضرب خباءً يبات (٦) فيه. والأول أحسن، وقد ضرب أزواج النبي ﷺ أخبية يعتكفن فيها: عائشة، وحفصة، وزينب (٧). وقال أبو سعيد الخدري: "أصبح النبي ﷺ صبيحة عشرين، فقوض الذين اعتكفوا معه أبنيتهم. . ." الحديث (٨). ولأن

стр. 936

المعتكف محتاج إلى ما يُكِنَّهُ إذا كان في الصيف من الشمس والحر، وإن كان في الشتاء من الريح والبرد، وليستتر بعمله عن الناس. فصل الخلاف في الوقت الذي يدخل المعتكف فيه معتكفه اختلف في الوقت الذي يدخل المعتكف فيه معتكفه، فقال في المدونة: يدخل المغرب ويخرج المغرب إلا أن يكون آخر اعتكافه انقضاء آخر رمضان فإنه يكون ليلة الفطر على اعتكافه، ويخرج صبيحة تلك الليلة (١). وفي المعونة: إذا دخل قبل طلوع الفجر في وقت يصح له الصوم أجزأه (٢). وأرى أن يكون دخوله معتكفه وخروجه منه عند طلوع الفجر؛ فأما دخوله فلحديث عائشة ﵂ قالت: "كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يَعْتكِفُ فِي العَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ، وَكُنْتُ أَضرِبُ لَهُ خِبَاءً فَيُصَلِّي الصُّبْحَ ثُمَّ يَدْخُلُهُ" (٣). وأما خروجه فلحديث أبي سعيد الخدري قال: حتى إذا كان ليلة إحدى وعشرين، وهي الليلة التي يخرج من صبيحتها (٤). وقد أخذ بعض أهل العلم من هذا الحديث جواز اعتكاف الليل دون النهار؛ لأن الليلة الآخرة لا يعتكف يومها. واختلف في مقامه ليلة الفطر في معتكفه، فقال مالك في العتبية: إن خرج

стр. 937

فلا إعادة عليه (١). وقال أبو محمد عبد الوهاب: يستحب له ذلك (٢). فإن لم يفعل جاز إذا انصرف بعد الغروب؛ لزوال مدة الاعتكاف. وقال عبد الملك ابن الماجشون: إن فعل فأصاب أهله فسد اعتكافه. والأول أحسن، ولا يلزم اللبث تلك الليلة إلا لمن نواها قبل ذلك، فإن كانت نيته الاعتكاف لغروب الشمس من آخر الشهر - لم يلزمه سوى ما نوى، وكما لو نوى أن يخرج قبل ذلك بيوم أو بيومين، ويحتمل الحديث أن تكون تلك نيته ﷺ ، أو تَطَوّعٌ بالتمادي، ليس ذلك لازما. فصل يتضمن الاعتكاف والصلاة وتلاوة القرآن والذِّكْر متضمن الاعتكاف: الصلاة، وتلاوة القرآن، والذكر لله تعالى؛ فعلى من دخل معتكفه أن يلتزم ذلك في ليله ونهاره بقدر طاقته، ولا يدع ذلك إلا لغلبته، قال مالك: ولم يبلغني أن أبا بكر ولا عمر ولا عثمان ولا أحد ممن سلف من سلف هذه الأمة ممن أدركت أقتدي بهم اعتكف، ولا أراهم تركوه إلا لشدة الاعتكاف؛ لأن ليله ونهاره سواء (٣). ولا بأس أن يكون إمامًا، وأن يؤذن في صحن المسجد. واختلف قول مالك في صعوده المنار للأذان، فأجازه وكرهه، ولا بأس أن يقيم في مكانه (٤). ويختلف في سعيه وتماديه بالإقامة إلى موضع الإمام، فكره

стр. 938

ذلك في المدونة (١)، ويجوز على قوله الآخر في إباحته صعود المنار؛ فأما إمامته فاقتداء بالنبي ﷺ أنه لم يستخلف في حين اعتكافه، وأما الأذان والإقامة فلأن مضمونهما الذكر والتهليل، وهو من جنس ما دخل له، وكره صعوده مرة؛ لأنه من غير جنس ما دخل له، وأجاز ذلك ليسارة ذلك القدر (٢). وأما سعيه في الإقامة فواسع؛ لأن للمعتكف أن يطلب فضيلة الصف الأول، وإذا كان ذلك لم يضره أن يكون حينئذ في إقامة، وأجاز مالك (٣) أن يتحدث مع من يأتيه ما لم يكثر (٤)، وأن يجلس للعلم، ويكتبه إذا لم يكثر أيضًا، وترك ذلك أحب إليه (٥). وأجاز له إذا كان حكمًا أن يحكم بالأمر الخفيف (٦). وأجاز ابن القاسم أن يشتري ويبيع فيما خف إن كان من عيشه (٧). قال مالك: ولا بأس أن يَنْكِح ويُنكح (٨) ويتطيب (٩). واختلف في صلاته على الجنازة وهو في مكانه فكرهه في المدونة (١٠)، وفي

стр. 939

المعونة: إجازته (١). فأما حديثه واشتغاله عن الاعتكاف بمثل ذلك فالأصل في ذلك الحديث، قال: "جَاءَتْ صَفِيَّةُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ تَزُورُهُ، فَتَحَدَّثَتْ عِنْدَهُ ساعَةً". أخرجه البخاري ومسلم (٢). وهذا الحديث أصل يقضي على جميع ما تقدم من اشتغاله في استماع العلم، أو كتبه، أو عقد نكاح، ولأن في ذلك راحة وقوة على ما يريده بعد ذلك، والأصل في عقد النكاح لنفسه ولغيره، وفي التطيب بخلاف المحرم - حديث عائشة ﵂ قالت: "كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُدْنِي إِلَيَّ رَأْسَهُ وَهْوَ مُجَاوِرٌ فِى المَسْجِدِ، فَأُرَجِّلُهُ وَأَنا حَائِضٌ" (٣) فلو كان كالمحرم لم يرجل رأسه. وللمعتكف أن يحلق رأسه ويقلم أظفاره؛ إذا فعل في ذلك كفعل النبي ﷺ في ترجيل رأسه، ولا يجوز له أن يقبِّل ولا يباشر، فإن فعل بطل اعتكافه إذا وجد اللذة، وسواء كان عامدًا أو ناسيًا، في ليل أو نهار، وكذلك إذا وطئ. وإن أكل نهارًا ناسيًا لم يبطل اعتكافه، وإن كان عامدًا بطل. قال ابن القاسم: إذا سكر ليلًا، ثم ذهب عنه قبل طلوع الفجر، فسد اعتكافه (٤). وقال أبو محمد

стр. 940

عبد الوهاب: يفسد اعتكافه إذا ركب شيئًا من الكبائر، كشرب الخمر، والزنى، واللواط (١). وقال ابن القصار: السباب والغيبة ليس بمنصوص عليها، هل ينقض اعتكافه أم لا؟ قال: ولكن إن كان يجري مجرى الكبائر فهي تنقض (٢)، كما قال: إذا سكر. قال الشيخ ﵁: أما القول في بطلانه بالزنى واللواط -لأنهما من الكبائر- فكلام مستغنى عنه؛ لأن المعتكف لا يجوز له أن يصيب زوجته، ويفسد اعتكافه متى فعل، وهذا يغني عن ذكر فعل شرب الخمر والزنى وغيره، وأبطل الاعتكاف بشرب الخمر، وأصلهما في ذلك قول ابن القاسم: إذا سكر. وليس الشرب كالسكر، وإنما أبطل ابن القاسم اعتكافه لأنه عطَّل ما دخل فيه إلى طلوع الفجر. ولو شرب لبنًا وهو يعلم أنه يُذْهِبُ عقله، ويعطل عليه من اعتكافه ذلك القدر، أو استعمل شيئًا من المحظورات فعطله مثل ذلك القدر لبطل اعتكافه، وقد يفسد اعتكافه لنفس الشرب وإن لم يسكرة لبطلان صلاته على قول مالك في كتاب محمد إذا شرب: يعيد الصلاة في الوقت وبعده؛ لأن النجاسة في بطنه وفيه، ويبني على ما كان من اعتكافه بعد ذهاب (٣) ذلك. فصل [في ما يخرج له المعتكف] يجوز للمعتكف أن يخرج لخمسٍ: لشراء طعامه على اختلافٍ فيه، ولحاجة الإنسان، وللاغتسال للجمعة، ولصلاة الجمعة إذا كان اعتكافه في غير المسجد

стр. 941

الجامع على أحد القولين في جواز الاعتكاف ابتداءً وقد تقدم ذلك، وللاغتسال للجنابة إن حدث به احتلام. واختلف قوله لخروجه لشراء طعامه، فمنعه مرة مع الاختيار والضرورة، وقال: لا أرى لمن كان غير مكتفٍ أن يعتكف. وأجازه مرة مع القدرة على أن يستَعِدَّ له (١). وهذا أوسع ما وقع له فيما أباح للمعتكف أن يفعله مما يضاد الاعتكاف، وعلى هذا يجوز لمن اعتكف في غير الجامع أن يخرج لصلاة الجمعة ثم يعود إلى معتكفه. وعلى قول عبد الملك أنه يفسد اعتكافه إذا خرج لصلاة الجمعة - يفسد اعتكاف من خرج إلى شراء طعامه. ويستحب أن يكون اغتساله وقضاء حاجته في أقرب المواضع إليه. قال في المجموعة: بموضع غير مسكون. وقال في المدونة: وقد كان رجال صالحون من أهل الفضل يجتنبون دخول منازلهم نهارًا؛ خوفًا واحتياطًا أن يأتي من ذلك بعض ما يكرهون (٢)، وهو في الاعتكاف أولى بالاحتياط؛ لأن القبلة والمباشرة تفسده، ولا تفسد الصوم إلا أن يعلم من نفسه النزوع عن مثل ذلك. وإن أجنب خرج ساعتئذٍ؛ لأن الجنب ممنوع من المقام في المسجد على قول مالك، ولأنه يجلس لغير ما دخل إليه. قال مالك: ولا ينتظر غسل ثوبه وتجفيفه. قال: وإني لأحب له أن يتخذ ثوبًا غير ثوبه؛ إذا أصابته أصابة أخذه وترك ثوبه (٣). ويختلف في خروجه لغسل الجمعة قياسًا على الاختلاف في خروجه

стр. 942

لصلاة العيدين؛ لأن كليهما سنة. ولا يجوز له أن يخرج لعيادة مريض، ولا لشهود جنازة، ولا لأداء شهادة، فإن فعل فسد اعتكافه. قال مالك في العتبية: يؤديها في المسجد وتنقل عنه (١). فأجاز نقل الشهادة مع كون المنقول عنه صحيحًا (٢) لمكان عذره؛ لأن منع النقل لإمكان أن يتبين من الشاهد عند حضوره ريبة، وقد مضى ذلك في كتاب الشهادات (٣). فصل للمعتكف أن يخرج من معتكفه إذا حدث به مرض، أو طرأ على الموضع خوف، أو حاضت المرأة أو نفست. فأما المرض فيجوز الخروج معه إذا كان لا يمكنه المقام في المسجد؛ إما لنزول أمرٍ، أو لشدة مرض لا يقدر معه على شيء من الاعتكاف، أو لحاجة لمن يقوم به ويتعذر ذلك عليه في كونه في المسجد. واختلف إذا غلب على الصوم خاصة، هل يخرج أم لا؟ وقد تقدم ذكر ذلك. واختلف قول مالك إذا ثبت عليه دين، أو وجب عليه حد، أو أمر يوجب سجنه، فقال مرة: يخرج ثم يبتدئ. وقال أيضًا: إن بنى على ما مضى أجزأه، وأحب إلي أن يستأنف. قال: ولا أحب للإمام أن يخرجه؛ إلا أن يتبين أنه إنما اعتكف لواذًا (٤) وفرارًا من الحق، فيرى في ذلك رأيه (٥).

стр. 943

وأرى إن كان في أول اعتكافه أن يخرج، ولا يخرج إن كان في آخره؛ إلا أن يكون اعتكافه الأيام اليسيرة فلا يخرج وإن كان في أوله، إلا أن يخشى تغيبه فيخرج ما لم يأت بحميل، وأجاز مالك في العتبية أن يخرج إذا مرض أحد أبويه واشتد به المرض (١). وإذا صح الخروج ممن تقدم ذكره افترق الجواب في البناء والابتداء: فللمريض، والحائض، والنفساء أن يبنوا قولًا واحدًا (٢). واختلف قول مالك فيمن خرج لخوف، فقال مرة: يبتدئ. ثم رجع إلى أن يبني (٣). وقال فيمن أخرجه القاضي لدين: إن بنى أجزأه. واستحب الابتداء (٤)، وقال ابن القاسم: يبتدئ. وقال مالك فيمن خرج لمرض أحد أبويه: يبتدئ (٥). فأما البناء فقياسًا على المريض والحائض. وأما الابتداء فلأن كل واحد منهم قادر على الاحتراز مما أوجب عليه الخروج، فيعتكف هذا بعد قضاء ما عليه من دين، والآخر في موضع لا يخشى نزول الخوف فيه. ولو كان اعتكافه في أمن ثم طرأ الخوف لبنى، قياسًا على المريض، ولأن كليهما أمر طارئ من الله سبحانه لا مدخل لهما فيه.

стр. 944

فصل [في انقطاع الاعتكاف لعذر] وإذا غُلب المعتكف على تمام ما دخل فيه لمرض، فإنه لا يخلو اعتكافه ذلك من ثلاثة أوجه: إما أن يكون منذورًا مضمونًا، أو منذورًا (١) معينًا، أو متطوعًا به بغير نذر. فإن كان منذورًا مضمونًا وجب عليه قضاء الأيام التي مرضها إذا صح، واصلًا لما مضى (٢) من الاعتكاف. ويختلف إذا كان منذورًا معينًا، فقال ابن القاسم في المدونة فيمن نذر اعتكاف شعبان فمرضه: لا قضاء عليه (٣). وعلى قول مالك في المبسوط فيمن نذر صوم يوم فمرضه أن عليه القضاء- يكون على من نذر اعتكاف ذلك اليوم القضاء. وعلى قول عبد الملك ينظر إلى اعتكافه، فإن علقه بوقت يرجو بركته على غيره كرمضان والمحرم وما أشبه ذلك، فصح بعد انقضائه- لم يكن عليه قضاء، وإن لم يكن له قصد في فضيلة ذلك على غيره- كان عليه القضاء، وإن كان متطوعًا لم يكن عليه قضاء. وقال ابن القاسم في المدونة فيمن نذر اعتكاف شعبان فمرضه: لا شيء عليه. وإن نذرته امرأة اعتكافًا فحاضت، وصلت قضاءها بما اعتكفت (٤). قال ابن عبدوس: إنما فرق ابن القاسم بينهما لأن الأول مرض الشهر كله، والحائض إنما تحيض بعض الشهر ثم تكون طاهرًا فعليها أن تقضي.

стр. 945

قال الشيخ ﵁: ولا فرق بين أن يتقدم الحيض أو الاعتكاف، وإن نذرت الشهر وهي تنوي ما تكون منه طاهرًا- لم يكن عليها في أيام الحيض شيء. وإن أدخلت أيام الحيض في نذرها وهي ممن تظن أنه يجوز اعتكافها فيه فَغُلِبَتْ جرت في أيام الحيض على الاختلاف في المرض. وإن كانت عالمة أنه لا يجوز لها نذرها- لم يلزمها قضاء؛ لأنه نذر في معصية، ويستحسن لها أن تعتكف مثل تلك الأيام؛ لتكون كفارة لنذرها. وإذا كان النذر مضمونًا في الذمة فجعله في شعبان ومرض بعد أن اعتكف خمسة أيام منه ثم صح في رمضان، فإن كان أوجبه على ما يوجبه الشرع ولم ينذر له صومًا- جاز أن يحتسب بخمسة (١) من رمضان؛ لأنه قد كان له أن يجعله في رمضان ويجزئه عن صومه، فلما جعله في شعبان كان متطوعًا بالصوم في شعبان، فلما غُلب عليه لم يجب عليه قضاؤه، وبقي الاعتكاف على أصله مضمونًا. وإن كان نذر صومه وألا يجعله في واجب- لم يجزئه إن اعتكف خمسة من رمضان؛ لأنه كان مضمونًا، فإن صح في آخره بقي على حكم الاعتكاف حتى يقضي خمسة من شوال، فإن صح من أوله كان بالخيار بين أن يقطع ويستأنف جميع اعتكافه أو يتمادى على اعتكافه، ثم يقضي خمسًا من شوال؛ لأن عليه في بقائه على الاعتكاف حتى ينقضي رمضان ضررًا، وتلحقه فيه مشقة، فجاز له أن يقطع؛ قياسًا على من فاته الحج أو أحصر بعدو أنه لا يلزمهما البقاء على الإحرام لقابل؛ لمشقة ذلك وإن كانا مختلفين في صفة الإحلال. وإن صح في

стр. 946

بعض يوم فرجع إلى معتكفه- لم يحتسب به (١). وإن صح عند الغروب ورجع حينئذٍ احتسب به. وإن صح قبل طلوع الفجر كان له أن يحتسب عند مالك. وقال سحنون: لا يحتسب به. وهو أبين؛ لأنه قد بقي من نذره اعتكاف ليلة ذلك اليوم، فإن زاد ليلة عند انقضاء اعتكافه أجزأه للاختلاف في ذلك. وقال ابن حبيب فيمن أفطر ناسيًا: مضى على اعتكافه، ولم يجب عليه قضاء ذلك اليوم لا بصيام ولا باعتكاف؛ لأنه تطوع، إلا أن يكون اعتكافه من نذر واجب، فيجب عليه قضاء ذلك اليوم بصيام أو اعتكاف، ويصله بأيامه التي نذر، فإن أخره استأنف.

стр. 947

باب في قيام ليلة القدر، وهل هي معلومة أم لا ؟ قال الله : ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ (٣)﴾ [القدر: ٣] يريد سبحانه: فيما يضاعف فيها من ثواب الأعمال؛ الصلاة، والذكر له، فالحسنة تضاعف في غيرها بسبعمائةٍ، وتزيد فيها على ذلك أكثر من ألف. قال مالك: "سمعت من أثق به يقول: إن رسول الله ﷺ أُرِىَ أَعْمَارَ النَّاسِ قَبْلَهُ، فَكَأَنَّهُ تَقَاصَرَ أَعْمَارَ أُمَّتِهِ أَنْ لاَ يَبْلُغُوا مِنَ العَمَلِ الَّذِي بَلَغَهُ غَيْرُهُمْ مِنْ طُولِ العُمْرِ، فَأَعْطَاهُ اللهُ لَيْلَةَ القَدْرِ" (١). وفي الصحيحين قال رسول الله ﷺ : "مَنْ قَامَ لَيْلَةَ القَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ" (٢). واختلف في ليلة القدر هل تتعين بليلة؟ واختلف بعد القول أنها لا تتعين، هل تختص بالعشر الأواخر من رمضان، أو بالشهر كله أو لا تختص برمضان، ويصح أن تكون في ليلة من سائر السنة؟ فذهب ابن مسعود إلى أنه يصح أن تكون في غير رمضان، وقال: من يقم الحول يصب ليلة القدر، وقال أُبيُّ بن كعب: "قَدْ عَلِمَ أَنَّهَا فِي رَمَضَانَ، وَأَنَّهَا فِي العَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْهُ، وَإِنَّمَا أَرَادَ بِذَلِكَ لِئلا يَتَّكِلَ النَّاسُ" (٣). وقال أبو سعيد الخدري: "اعْتَكَفَ رَسُولُ اللهِ ﷺ العَشْرَ

стр. 948

الأَوَّلَ (١) مِنْ رَمَضَانَ ثُمَّ اعْتكَفَ العَشْرَ الأَوْسَطَ، ثُمَّ أَطْلَعَ رَأْسَهُ فَكَلَّمَ النَّاسَ فَدَنَوْا مِنْهُ، فَقَالَ: إِنِّي اعْتَكَفْتُ العَشْرَ الأوَّلَ أَلْتَمِسُ هَذِهِ اللَّيْلَةَ، ثُمَّ اعْتَكَفْتُ العَشْرَ الأَوْسَطَ، ثُمَّ أُنْبِئْتُ فَقِيلَ لِي: إِنَّهَا فِي العَشْرِ الأَوَاخِرِ، فَمَنْ أَحَبَّ مِنْكُمْ أَنْ يَعْتَكِفَ فَلْيَعْتَكِفْ". أخرج هذين الحديثين مسلم (٢). واختلف الذين قالوا: إنها تتعين على أربعة أقوال: فقال أبو سعيد الخدري: إنها ليلة إحدى وعشرين؛ لقول النبي ﷺ : "وَقَدْ رَأَيْتُنِي أَسْجُدُ في صَبِيحَتِهَا فِي مَاءٍ وَطِينٍ". قال: فرأيت أثر الماء والطين على جبهته وأنفه ليلة إحدى وعشرين (٣). قال ابن سلام: وهو قول الشافعي، وأهل المدينة يقولون: إنها ليلة ثلاث وعشرين. وفي كتاب مسلم عن عبد الله بن أنيس عن النبي ﷺ قال: "رَأَيْتُ لَيْلَةَ القَدْرِ وَلَكِنِّي أُنْسِيتُهَا، وَأُرَانِي أَسْجُدُ في مَاءٍ وَطِينٍ" فَمُطِرْنَا لَيْلَةَ ثَلاَثٍ وَعِشْرِينَ. وكان عبد الله بن أنيس يقول: هي ليلة ثلاث وعشرين (٤). قال: وأهل البصرة يرون أنها ليلة أربع وعشرين، وأهل الكوفة يرون أنها ليلة سبع

стр. 949

وعشرين، وهو قول أبي بن كعب. وقيل له: بأي شيء تقول ذلك يا أبا المنذر؟ فقال: بالعلامة أو بالآية التي أخبرنا رسول الله ﷺ : "عَن الشَّمْسِ أنَّها تَطْلُعُ يَوْمَئِذٍ لاَ شُعَاعَ لَهَا". أخرجه مسلم (١). والذي أرى: أنها تختص بالعشر الأواخر، وبالوتر منه، ولا تختص بليلة منه لا تكون في غيرها؛ لحديث ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "اطْلُبُوهَا فِي العَشْرِ الأَوَاخِرِ، فِي الوِتْرِ مِنْهَا" (٢). وحديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "تَحَرَّوْا لَيْلَةَ القَدْرِ فِي العَشْرِ الأَوَاخِرِ" (٣). وروت عائشة (٤)، وأبو سعيد الخدري (٥)،. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 950

وابن عباس (١) عن النبي ﷺ مثل ذلك، وكل هذه الأحاديث أخرجها البخاري، وقد تضمنت اختصاصها بالعشر الأواخر، وأنها تختص بالوتر منها، ولا تختص بليلة منها، وأنه يصح أن تكون ليلة إحدى وعشرين، وليلة ثلاث، وخمس، وسبع، وتسع، ولو كانت تختص بليلة إحدى وعشرين- لم يصح أن تلتمس فيما بعد ذلك إلى آخر الشهر، ولا يصح أيضًا القول أنها تختص بليلة ثلاث وتلتمس فيما بعد، ولا في سبع وتلتمس في تسع، ولولا أنه يصح وجودها فيما بعد الإحدى وعشرين لم يكن لقوله: التمسوها في العشر. جملة وجه. ومما يدل على أنها تختلف أوقاتها ما رواه أبو سعيد الخدري أنها كانت في سنة (٢) ليلة إحدى وعشرين، وما رواه عبد الله بن أنيس أنها كانت ليلة ثلاث وعشرين. ويرد على القائل أنها تختص بليلة إحدى وعشرين بحديث عبد الله بن أنيس أنها كانت ليلة ثلاث، وبحديث ابن عمر أن النبي ﷺ قال: "التَمِسُوهَا فِي السَّبْعِ الأَوَاخِرِ" (٣). فقد أعرى ليلة إحدى وعشرين منها. ويرد على القائلين أنها ليلة ثلاث وعشرين بحديث أبي سعيد، وحديث عائشة. ويرد على القائلين أنها ليلة سبع وعشرين
следующие страницы →