يشك فيه، ومن شك في الفجر أو في الهلال مأمور أن يعجل الإمساك، وهو بمنزلة من شك في صلاة هل هي عليه، أم لا؟ أو هل أجنب أو لا؟ فصلى أو اغتسل ثم تذكر أن ذلك عليه فإنه يجزئه (١)، وكذلك المرأة يتمادى بها الدم فتحتاط بالصلاة والصوم بعد الاستظهار بالثلاث على أحد قولي مالك (٢)، لما كانت على شكٍّ هل هي حائض أم مستحاضة أنها (٣) تجزئها الصلاة والصوم إن تبين بعد ذلك أنه استحاضة.
وروي عن عطاء بن أبي رباح، وعمر بن عبد العزيز، والحسن، والثوري، والأوزاعي، وأصحاب الرأي (٤)، فيمن أصبح صائمًا (٥) يوم الشك غير عالم بالهلال ثم علم في أوله أو آخره أنه يجزئه، وقد قيل فيمن صام رمضان قضاء عن غيره: إنه يجزئه عن الذي هو فيه (٦)؛ لأنه مستحق العين.
فصل يستحب تعجيل الفطر وتأخير السحور
يستحب تعجيل الفطر وتأخير السحور؛ لقول النبي ﷺ : "لاَ يَزَالُ النَّاسُ بِخَيْرٍ مَا عَجَّلُوا الفِطْرَ" (٧) أخرجه مسلم، وقوله: "تَسَحَّرُوا فَإِنَّ فِي السَّحُورِ
стр. 877
بَرَكَةً" (١) أخرجه البخاري ومسلم.
والسحور: الأكل عند السحر، ولا خلاف أن السحور مستحب غير واجب.
واختلف في تعجيل الفطر، وفي الإمساك بعد الغروب بنية الصوم، فقيل: الإمساك غير جائز، وهو بمنزلة الإمساك يوم الفطر أو يوم النحر، وقيل: ذلك جائز، وله أجر الصائم، وروي ذلك عن ابن الزبير (٢)، وابن عمر: أنهما كانا يواصلان، وعن عامر بن الزبير: أنه كان يواصل ليلة سبع، وليلة سبع عشرة، وليلة سبع وعشرين (٣)، وقال أحمد وإسحاق: لا بأس بالوصال إلى السحر (٤).
واحتج من منع بقول النبي ﷺ : "إِذَا أَقْبَلَ اللَّيْلُ مِنْ هَا هُنَا، وَغَرَبَتِ الشَّمْسُ، فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِمُ" (٥)؛ أي: صار مفطرًا، وبنهيه عن الوصال. واحتج من أباح ذلك أن النهي عن الوصال على وجه الرفق بأمته؛ لأنه ﷺ واصل وواصل بهم (٦)، فلو كان الوصال محرمًا لم يصح أن يفعله، ولا أن يحملهم عليه (٧) إذا كان ذلك معصية، ويعاقب من خالف نهيه من غير أن يدخلهم فيه،
стр. 878
قالت عائشة ﵂: "نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنِ الوِصَالِ رَحْمَةً لَهُمْ. . ." (١). وروي عنه في البخاري أنه قال: "لاَ تُوَاصِلُوا، فَأَيُّكُمْ أَرَادَ أَنْ يُوَاصِلَ فَلْيُوَاصِلْ حَتَّى السَّحَرِ. . ." (٢)، فالوصال إلى السحر جائز مباح بهذا الحديث، وإلى الليلة القابلة مكروه غير محرم؛ لحديث (٣) عائشة ﵂، وبمواصلته بمن واصل من أصحابه، ثم قال: "لَوْ مُدَّ لِيَ الشَّهْرُ لَوَاصَلْتُ وِصَالًا يَدَعُ المُتَعَمِّقُونَ تَعَمُّقَهُمْ. . ." (٤)، وهذا يفهم منه الكراهية لا التحريم.
стр. 879
باب في قضاء رمضان والزمن الذي يقضى فيه, وهل القضاء على الفوز؟ والإطعام عمن فرط في القضاء, وهل يقضى متتابعًا؟ وإذا كان عليه صومان رمضان وظهار أو صوم تمتع بأيهما يبدأ ؟
وعلى من أفطر رمضان لمرض أو سفر أو غير ذلك أن يقضي عدة ما أفطر، فإن قضى للهلال وكان الشهر الذي أفطره ثلاثين، والذي يقضيه تسعة وعشرين زاد يومًا، ولم يجزه الاقتصار على عدد الثاني، وإن كان الأول تسعة وعشرين (١) والثاني ثلاثين اقتصر منه على عدد الأول، ولم يكن عليه أن يتم الثاني، وقيل: يجتزئ بالثاني عن الأول إن كان أقل، وعليه تمامه إذا كان كثر، وهذا وهم، وخلاف لقول الله سبحانه: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٥].
فصل [في الزمن الذي يقضى فيه، وهل القضاء على الفور ؟]
قضاء رمضان يصح في كل زمن يصح فيه صوم التطوع، ولا يجوز في الأيام المنهي عن صيامها، ولا في زمن وجب صومه لغير القضاء كرمضان، وشهر نذر صيامه، فإن قضاه في يوم الفطر أو يوم النحر الأول لم يجزئه.
واختلف في صيام أيام التشريق الثلاثة على ثلاثة أقوال، فقيل: يجزئه، وقيل: لا يجزئه، وقيل: يجزئه الثالث خاصة، وهو الرابع من أيام منى لما
стр. 880
كان للحاج أن يتعجل فيه، ولا يرمي (١) فيه، وتوجيه هذه الأقوال في كتاب الظهار.
واختلف إذا قضاه في رمضان آخر، فظاهر قول ابن القاسم في المدونة أنه لا يكون قضاء، ويجزئه عن الذي هو فيه (٢)، وعلى هذا حمل إسماعيل القاضي، وأبو الفرج المسألة عنه (٣)، وحمل ابن جعفر التِّلْبَانِيَّ قوله أنه يكون قضاء عن الأول الماضي (٤)، وقال سحنون: يجزئه عن الأول (٥)، ولابن القاسم في العتبية، ولأشهب في مدونته: أنه لا يجزئ عن واحد منهما (٦).
فوجه الأول أن رمضان مستحق العين فلا يكون قضاء، ويجزئه عن الذي هو فيه؛ لأن الواجب عليه صومه وقد فعل، ونيته أن ذلك لغيره (٧) لا تخرجه عن أن يكون متقربًا لله سبحانه، ووجه القول أنه يكون قضاء أن عليه أن ينوي بصومه عين الشهر الذي هو فيه، فإذا لم ينوه لم يجزئه، ووجه القول أنه لا يجزئ عن واحد منهما أن الله لم يجعله محلًا للقضاء، وأوجب على من
стр. 881
أفطره (١) أن يكون القضاء في غير رمضان، فسقط أن يكون قضاء لهذا، ولم يكن أداء لعدم النية فيه له، وعلى هذا يجري الجواب إذا صامه قضاء عن ظهار أو نذر مضمون، فقال في كتاب الظهار من المدونة: لا يجزئ عن واحد منهما (٢)، ويجري فيها الخلاف المتقدم، هل يجزئ عن الذي هو فيه، أو عن الماضي؟ وكذلك إذا أشرك في صومه وجعله عن الصومين جميعًا عن الماضي وعن ما هو فيه إذا أشرك (٣)، وفرّق ابن حبيب فجعله جازيًا عن الذي هو فيه إذا أشرك، وغير جازٍ -إذا أفرد النية- عن الماضي (٤)، والقياس ألا فرق بينهما، ويدخله في الاشتراك أنه نوى بعض اليوم عن الماضي، وبعضه عن ما هو فيه، وذلك فاسد.
وقد اختلف إذا أشرك في الحج وأتى بحجة الإسلام ينوي بها نذره وحجة الإسلام، فقيل: تجزئ عن حجة الإسلام (٥)، وقيل: عن النذر (٦)، وقيل: لا تجزئ عن واحد منهما.
وإذا سلم ابن حبيب أنه لا يجزئ عن الذي هو فيه لعدم النية مع كونه مستحق العين فكذلك إذا أشرك.
ومثله إذا قضى رمضان في شهر كان نذر عينه فإنه يختلف؛ هل يجزئ عن
стр. 882
النذر، أو يكون قضاء، أو لا يجزئ عن واحد منهما؟ وإن نذر صوم الأبد صام رمضان بنية الفرض (١)، وأطعم عن كل يوم مسكينًا.
وقال (٢) سحنون في كتاب ابنه: إذا نذر صيام الدهر ووجبت عليه كفارة يمين، وليس عنده ما يكفر به: أنه يصوم عن يمينه، ويطعم عن كل يوم مسكينًا (٣).
قال الشيخ ﵁: وكذلك لو وجب عليه صيام عن ظهار، ولم يجد ما يشتري به رقبة، صام عن ظهاره، وذلك أوجب من النذر، ولا يجوز له أن يطعم وهو قادر على الصوم.
واختلف إذا كان في سفر في رمضان فصامه قضاء عن رمضان آخر، فقال ابن القاسم: لا يجزئه (٤)، وقال محمد بن عبد الحكم: القياس أنه يجزئه، وهذا أخف من الأول لما كان يجوز له إفطاره (٥).
فصل [من زال عذره في شعبان]
ومن أفطر لمرض أو سفر ثم قدم أو صح في شعبان كان عليه أن يعجل القضاء في شعبان ولا يؤخره إلى شوال، فإن فعل صام وكان عليه أن يطعم عن تفريطه وتأخيره عن كل يوم مسكينًا، وإن صح أو قدم في شوال كان في القضاء بالخيار بين أن يعجله الآن أو يؤخره ما بينه وبين شعبان، فإن أخره
стр. 883
فصامه في شعبان لم يكن عليه إطعام.
والأصل في جواز تأخيره حديث عائشة ﵂ قالت: "كَانَ يَكُونُ عَلَيَّ الصَّوْمُ مِنْ رَمَضَانَ، فَمَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَصُومَهُ إِلاَّ فِي شَعْبَانَ للشُّغُلِ برَسُولِ الله ﷺ " (١) أخرجه البخاري ومسلم.
وإن صح شهرًا غير شعبان، أو أقامه بعد قدومه فلم يصمه حتى مات، كان عليه الإطعام عند مالك، وجعله مفرطًا (٢)، وكذلك يجب على أصله لو حدث به مرض أو أحدث سفرًا اتصل به رمضان أنه (٣) يكون عليه الإطعام، وجعله مترقبًا ليس على الفور ولا على التراخي، فإن صح منه القضاء في شعبان مع القدرة على تعجيله قبل ذلك لم (٤) يكن عليه إطعام ولم يعده مفرطًا، وإن مات قبل شعبان كان عليه الإطعام (٥)، ورآه مفرطًا إذا لم يعجله (٦).
وهذا نحو قول الشافعية في الحج: إنه على التراخي، فإن مات قبل أن يحج كان مأثومًا (٧).
والقياس أحد وجهين: إما أن يقال: إن القضاء على الفور، وأنه يجب عقيب زوال العذر (٨)، كالصلاة إذا نسيها أو نام عنها أنه يصليها عقيب الذكر وزوال ما
стр. 884
كان فيه من نوم، فيكون مفرطًا متى لم يصلِّ، ويكون عليه الإطعام لتفريطه.
أو يقال: إن القضاء على التراخي، فلا شيء عليه قبل ذلك مما صح فيه أو قدمه عاش أو مات، فسقط أن يكون على الفور؛ لحديث عائشة ﵂، وأنه بخلاف الصلاة، وإذا سقط أن يكون على الفور لم يكن عليه إطعام إذا مات قبل أن يقضي.
وقد اختلف الناس في الإطعام إذا لم يقض في شعبان، فقال القاسم بن محمد، وسعيد بن جبير (١)، وعطاء بن أبي رباح (٢): عليه الإطعام، وبه أخذ مالك وأصحابه (٣). وذكره البخاري عن أبي هريرة، وابن عباس. (٤) وقال أصحاب الرأي: لا كفارة عليه (٥).
стр. 885
فصل [في الإطعام، مقداره ووقته]
الإطعام عن ذلك مُدٌّ لكل مسكين. واختلف في الوقت الذي يطعم فيه فقال في الكتاب: إذا أخذ في القضاء (١)، وقال أشهب في مدونته: إذا صار مفرطًا أطعم (٢)، وإن مضى يوم من شعبان أطعم عن يوم؛ لأنه صار مفرطًا فيه، ويؤمر بصوم باقيه، فإن لم يفعل فكلما مضى يوم أطعم عنه، وهذا هو القياس، وأظن ابن القاسم (٣) ذهب فيه مذهب الهدي عن الفوات والفساد؛ أنه يأتي به في حجة القضاء، وإن مات قبل أن يصوم ووصى بالإطعام أنفذ ذلك من ثلثه، وإن لم يوصِ به (٤) لم يكن على ورثته شيء.
فصل [فيمن لزمه قضاء صومين وضاق الوقت]
وإذا كان عليه صومان؛ رمضان وصوم (٥) تمتع وهو في شعبان وكان الذي بقي منه محلًا لأحد الصومين، صام عن رمضان، وإن كان محلًا للصومين كان فيها (٦) قولان: فقال في الكتاب: يبدأ بالصوم عن التمتع (٧)، وقال أشهب: يبدأ
стр. 886
بأيهما أحب (١).
والأول أحسن؛ لأن الأوامر على الفور، إلا ما قام الدليل على جواز تأخيره، وقد ورد الدليل على جواز تأخير قضاء رمضان، ولم يرد مثل ذلك في الآخر، فوجب أن يصوم عقيب وصوله، لقوله سبحانه: ﴿إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ [البقرة: ١٩٦] وهذا في السبعة، وأما الثلاثة فإن كان في الحج وضاق الوقت وبقي إلى الوقوف (٢) ثلاثة أيام، وعليه من رمضان ثلاثة أيام صام عن التمتع؛ لأن الوقت تعين لها، وهو وقت أداء، وعن رمضان قضاء، وإن كان عليه بقية من الوقت وهو بمكة، وممن يتم الصلاة، كان بالخيار يبدأ بأيهما أحب؛ لأن الصومين موسع وقتهما، وإن كان أحدهما أداء والآخر قضاء، وإن كان ممن يقصر الصلاة كان الخطاب بصيام التمتع؛ لأن صوم رمضان وقضاءه في السفر ساقط، وإن لم يصم الثلاثة حتى رجع فالجواب عنها كالجواب المتقدم عن السبعة.
وإن كان الصومان أحدهما عن ظهار وقد أصاب، والآخر عن رمضان وهو قادر على (٣) أن يأتي بهما قبل حلول رمضان الآخر ابتدأ بالظهار على قول مالك؛ لأنه يحمله فيه على الفور. وقال أشهب في مدونته: يبتدئ بأيهما (٤) أحب (٥)، وكأنه رأى أن الأمر فيهما سواء على التراخي.
стр. 887
فصل يستحب قضاء رمضان متتابعًا
يستحب أن يقضي رمضان متتابعًا عقيب صحته أو قدومه؛ لأن المبادرة إلى امتثال الطاعات أولى من التراخي عنها، وقياسًا على الصلاة يكون وقتها موسعًا والإتيان بها أول الوقت أحسن؛ لأن إبراء الذمة من الفرائض أولى، وليخرج من الخلاف لقول من يقول: القضاء على الفور، ومن قول (١) من يقول إنه يقصي متتابعًا، ولأن (٢) في القضاء متفرقًا خلاف ما نُدبنا إليه من المبادرة إلى القضاء لتراخي الأول عن الآخر.
стр. 888
باب فيما تجب به الكفارة على من أفطر في رمضان
الكفارة تجب بأربعة شروط وهو: أن يفطر بأحد الوجوه التي أمر بالإمساك عنها عامدًا، غير ناسٍ، ولا جاهل، ولا متأوِّلٍ.
واختلف في الكفارة إذا كان ناسيًا في الجماع خاصة، وفي الجاهل في الأكل وغيره، وفي المتأوِّلِ تأويلًا بعيدًا، وفي المتعمد بإيصال الطعام من غير مدخل الطعام، أو من مدخل الطعام مما ليس بطعام كالحصاة والدرهم، وفي المتعمد للفطر بالنية إذا ترك التبييت ولم يأكل ولم يشرب حتى أمسى، وفي الكفارة عن الفطر بالإكراه، وفي (١) أعيان مسائل مرجعها (٢) إلى أنه هل يعد متعمدًا أم لا؟
واختلف قول مالك فيمن جامع ناسيًا فقال في المدونة: لا كفارة عليه (٣)، وفي كتاب ابن حبيب: عليه الكفارة (٤)، وفي المبسوط: يتقرب إلى الله سبحانه بما استطاع من الخير، وكل هذا مرجح لحديث عائشة ﵂ قالت: "جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَ: احْتَرَقْتُ احْتَرَقْتُ، فَقَالَ: مَا لَكَ؟، فَقَالَ: أَصَبْتُ امْرَأَتِي نَهَارًا فِيَ رَمَضَانَ، فَأَمَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ بِالكَفَّار. . ." (٥)، فحمل الحديث مرة على العمد لقول السائل: احترقت، والأشبه أن ذلك إنما يقال عند العمد؛ لأن
стр. 889
العقوبة والعذاب بالنار إنما تكون على من تعمد، وقياسًا على الأكل والشرب، وحمله مرة على عمومه؛ لأن النبي ﷺ لم يسأله هل تعمد، أو جهل، أو نسي؟ وكانوا حديثي عهد بالإسلام، وليس كلهم يعرف الفرق بين أحكام الخطأ (١) والعمد، ورأى مرة أن الأمر محتمل هل كان عن عمد أو جهل، فجعله منزلة بين منزلتين، فلم يوجب الكفارة ولا أسقطها.
فصل [في موجب الكفارة]
واختلف في الكفارة على من أنزل (٢) عن قبلة أو مباشرة مرة من غير تكرار، فقال مالك في المدونة: إذا قبل مرة واحدة فأنزل فعليه الكفارة (٣)، وقال ابن القاسم في المبسوط: إذا باشر مرة فأنزل فعليه الكفارة (٤)، وقال أشهب وسحنون: لا كفارة عليه، إلا أن يتابع القبل والمباشرة، واتفق جميعهم في الإنزال عن النظر ألا كفارة عليه إلا أن يتابع (٥).
والأصل أنه لا تجب الكفارة إلا على من قصد الفطر وانتهاك حرمة الصوم، وإذا كان ذلك وجب أن ينظر إلى عادة من نزل به ذلك، فإن كان شأنه أنه ينزل عن قبلة أو مباشرة مرة، أو كانت عادته (٦) مختلفة مرة ينزل، ومرة لا ينزل كانت عليه الكفارة؛ لأن فاعل ذلك قاصد لانتهاك صومه ومتعرض له، وإن كانت عادته السلامة فقدر أنه لا ينزل حسب
стр. 890
عادته (١) إن كان منه خلاف العادة لم تكن عليه كفارة، فقد يبعد عهد الرجل بأهله فيحدث منه ما لم يظنه (٢)، وقد يحمل قول مالك في وجوب الكفارة؛ لأن ذلك لا يجري إلا فيمن (٣) يكون ذلك طبعه، فاكتفى بما ظهر منه، وحمل أشهب الأمر على (٤) الغالب من الناس أنهم يسلمون من ذلك، وقولهم في النظر دليل على ذلك.
فصل [في الخلاف فيمن أفطر جاهلًا هل عليه كفارة]
اختلف في الجاهل فجعله ابن حبيب كالعامد، فقال في الذي يتناول فلقة حبة: إن كان ساهيًا فلا كفارة عليه، وإن كان جاهلًا أو عامدًا كان عليه القضاء والكفارة (٥).
والمعروف من المذهب أن الجاهل في حكم المتأول، ولا كفارة عليه؛ لأنه لم يقصد انتهاك صومه، ولو كان رجل حديث عهد بالإسلام يظن أن الصيام هو الإمساك عن الأكل والشرب دون الجماع، لم تجب عليه كفارة إن جامع.
وقد قال مالك (٦) في من قدم من سفر ليلًا فأصبح مفطرًا يظن أنه لا يجزئه الصوم إلا أن يقدم نهارًا، أو في من خرج يرعى غنمًا على ثلاثة أميال فأفطر ظنًا منه أن ذلك سفر يبيح الفطر، وفي امرأة رأت الطهر ليلًا فلم تغتسل حتى أصبحت
стр. 891
فأفطرت ظنًا أنه لا يجزئها الصوم إلا أن تغتسل قبل الفجر-: لا كفارة على أحد منهم، وكل هؤلاء أفطروا على الجهل بموجب الحكم (١).
واختلف إذا قالت: حيضتي اليوم، فأفطرت قبل أن تحيض، ثم حاضت في ذلك اليوم، فقال في المدونة: عليها الكفارة (٢)، ورآه من التأويل البعيد، وقال محمد بن عبد الحكم: لا كفارة عليها، وقال عبد الملك بن حبيب: لا كفارة على من أفطر بتأويل، إلا في التأويل البعيد كالذي يغتاب، أو يحتجم فتأول أنه أفطر، والذي يقول: اليوم تأتي حُمَّاي (٣)، والتي تقول: اليوم أحيض (٤).
وقال ابن القاسم في الذي احتجم ثم أفطر متأولًا: لا كفارة عليه (٥).
стр. 892
قال الشيخ ﵁: أصل المذهب أن (١) الكفارة إنما تجب على من قصد الفطر جرأة وانتهاكًا، وإذا كان ذلك نظر إلى من أفطر بتأويل، فإن جاء مستفتيًا، ولم يظهر عليه صدق فيما يدعيه (٢)، وأنه لم يفعل ذلك جرأة، فلا كفارة عليه، وإن ظهر عليه نظر فيما يدعيه، فإن كان مما يرى أن مثله يجهله صُدِّق، وإن أتى بما لا يشبه لم يصدق وألزم الكفارة، وهذا فائدة قولهم: إن هذا ينوَّى، ولا ينوَّى الآخر، ويجبر على الكفارة، ولو كان إخراج الكفارة إليه إذا ادَّعى ما لا يشبه لم يكن للتفرقة وجه، وهذا الأصل في الحقوق التي لله سبحانه في الأموال فيمن كان لا يؤدي زكاته، أو وجبت عليه كفارة أو عتق عن ظهار، أو قتل، أو هدي، فامتنع من أداء ذلك أنه يجبر على إنفاذه، وقاله محمد بن المواز فيمن وجبت عليه كفارة فمات قبل إخراج ذلك (٣): إنها تؤخذ من تركته إذا لم يفرط.
فإن قيل: الكفارات مختلف فيها، هل هي على الفور، أو على التراخي؟ فكيف يجبر على إخراجها مع القول: إنها على التراخي؟ قيل: إنما يصح أن يؤخرها إذا كان معتقدًا أنه يخرجها، فأما من عُلِم منه جحودها، وأنه يقول: لا شيء عليَّ. فلا يؤخر بها، وهذا في الحقوق التي تجب عليه لله سبحانه، ولم يوجبها على نفسه.
واختلف فيما تطوع بإيجابه على نفسه (٤)، فقال: مالي صدقةٌ للمساكين في غير يمين، فقال ابن القاسم: لا يجبر على إنفاذ ذلك، وقال في كتاب الصدقة من كتاب محمد: يجبر (٥)، وبقية ما يتعلق بذلك مذكور في كتاب الهبات.
стр. 893
فصل [في الاختلاف إذا أفطر بما لم يدخل من الفم]
واختلف إذا أفطر بما لم يدخل من الفم، فقال سحنون: لا كفارة عليه، قال: وإنما الكفارة فيما يتعمد إدخاله من الفم إلى الحلق (١)، وقال أبو مصعب في السعوط وتقطير الدهن في الأذن والحقنة: إن وصل شيء من ذلك إلى الجوف عليه القضاء والكفارة، وإن وصل من العين فلا قضاء عليه.
يريد: لأنه منفذ لطيف، وهذا الخلاف إذا كان فاعل ذلك عالمًا بوصوله، وأن ذلك غير جائز له، فان كان جاهلًا يظن أن ذلك جائز لمّا لم يكن من الحلق عاد الجواب إلى ما تقدم من التأويل، فمضى أبو مصعب على الأصل في متعمد الفطر.
وذهب سحنون إلى أن الكفارة إنما وردت فيمن أتى من الجرم (٢) والانتهاك أعظم من هذا وهو الوطء، وألحق به الأكل والشرب المعتاد؛ لأنه بمثابته في الانتهاك ولم يلحق به من لزوم شروط الصوم من الإمساك عن الوطء والأكل والشرب، وأتى مثل ذلك من تقطيره في أذن وما أشبهه؛ لأن جرمهما مختلف فلم يلحق بحكم الأعلى، وإلى هذا يرجع الاختلاف فيمن بيت الفطر ولم يأكل ولم يشرب حتى أمسى، فقال مالك وابن القاسم: عليه الكفارة (٣)، وقال أشهب: لا كفارة عليه (٤)، وذكر أبو الفرج عن مالك قولين: وجوب الكفارة، وسقوطها، فلزومها؛ لأنه متعمد للفطر غيرُ متأوِّلٍ،
стр. 894
وسقوطها؛ لأنه لم يجتزئ (١) بالانتهاك بالأكل والشرب.
واختلف في الكفارة إذا ابتلع حصاة أو درهمًا - مع تسليم القول أنه مفطر، فأسقطت الكفارة في أحد القولين؛ لأن جرمه دون من انتهك صومه بالأكل والشرب، وإلى مثل هذا ذهب أبو حنيفة (٢)، والشافعي. (٣) وأوجب أبو حنيفة الكفارة إذا جامع في الفرج، وأسقطها إذا أصاب دون الفرج، أو أنزل عن القبل (٤) وإن تابع، أو ابتلع حصاة، وذكر عن الزهري والأوزاعي والثوري مثل ذلك (٥)، وقال الشافعي: لا تجب الكفارة على من أكل متعمدًا، ولا تجب فيما سوى الجماع الذي هو الإيلاج في قبل أو دبر (٦).
فصل [واختلف في الكفارة على من أفطر مكرهًا]
واختلف في الكفارة على من أفطر مكرهًا، فقال مالك وابن القاسم وأشهب: إذا أكره زوجته عليه أن يكفر عنها (٧)، وقال سحنون: لا كفارة عليه عنها؛ لأنها لم تجب عليها، وليس كالحج؛ لأن الحج عمده وخطؤه وإكراهه سواء (٨).
وقال مالك في كتاب ابن حبيب فيمن أكره رجلًا على الشرب: عليه
стр. 895
الكفارة (١)، وقال فيمن جامع زوجته وهي نائمة: عليها القضاء، ولم يجعل في ذلك كفارة، خلاف الأولى؛ لأنها حينئذٍ غير مخاطبة (٢)، وقال الشافعي: لا قضاء عليها (٣).
وقولُ سحنون: أن (٤) لا كفارة على المرأة إذا أكرهت بالوطء، ولا على من أكره بالشرب - أحسنُ؛ لأن المكره أعذر من الناسي، فإذا لم يكن على الناسي في ذلك كفارة كان المكره أبين ألا كفارة عليه. ويكفِّر المكرِهُ عن نفسه وعن اجترائه على انتهاك صوم غيره؛ لأن الإطعام والعتق إنما هو كفارة عما أتى من الذنب في إفساد الصوم، ولا فرق بين أن يفسد صوم نفسه أو صوم غيره، فعليه أن يأتي بالكفارة ليسقط عن نفسه ما أتى من ذلك، فيصح أن يكفِّر بالصوم، وإن كفَّر بالعتق كان الولاء له، فإن كره غيره على الشرب أتى بكفارة واحدة, وإن أكره زوجته على الوطء أتى بكفارتين؛ لأنه أفسد صومه وصومها.
وقد تأول بعض أهل العلم قول مالك في الكفارة في الإكراه على الوطء على قوله في كتاب ابن حبيب في لزوم الكفارة إذا وطئ ناسيًا (٥). ويقوي ذلك ما في الزاهي: إذا أكره العبد زوجته, أنها جناية في رقبته، فجعل الكفارة عليها،
стр. 896
ولها أن ترجع على المكرِه بما لزمه (١)، وهذا ينتقض بقوله في الكفارة: على من أكره غيره على الشرب؛ لأنه لا خلاف أن لا كفارة على من أكل أو شرب ناسيًا، وإذا لم تكن على الناسي كفارة مع أن معه شبهة من التفريط لم يكن على المكرَه، وذهب ابن شعبان إلى أن الكفارة عليه عنها، فإن كان معسرًا كفرت عن نفسها ورجعت عليه.
стр. 897
باب في أصناف الكفارات, وهل هي على الترتيب أو التخيير؟ وعقوبة من أفطر في رمضان
اختلف في الصنف الذي يكفِّر به على أربعة أقوال: فقال مالك: يكفِّر بالإطعام، قال ابن القاسم: ولا يعرف مالك غير الإطعام، ولا يأخذ بالعتق ولا بالصوم (١)، وقال: قال الله : ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة: ١٨٤] فجعل الكفارة صنفًا واحدًا.
وذكر ابن القاسم عن مالك في كتاب ابن مزين أنه جعل الكفارة عن الأكل ثلاثة أصناف: إطعام أو صوم أو عتق، قال: واستحب البداية بالإطعام ثم بالصوم ثم بالعتق.
وقال أبو مصعب: إن أكل أو شرب فليس عليه كفارة إلا بالإطعام، وإنما العتق والصيام عن الجماع. وقال أشهب: يكفّر بأي الأصناف الثلاثة شاء. ولم يفرق بين أن تكون الكفارة عن أكل أو جماع (٢). وقال ابن حبيب: يكفِّر بالعتق أحب إلي، فإن لم يجد فبالصيام، فإن لم يستطع فبالإطعام.
قال الشيخ ﵁: أما الكفارة عن الجماع فقد ثبت عن النبي ﷺ أنها ثلاثة أصناف: عتق، وصيام شهرين متتابعين، وإطعام ستين مسكينًا.
واختلف عنه هل هي على الترتيب، أو التخيير؟ فأخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة أنه قال: "جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ هَلَكْتُ. فَقَالَ: مَا لَكَ؟. قَالَ: وَقَعْتُ عَلَى امْرَأَتِي وَأَنَا صَائِمٌ. فَقَالَ لَهُ: هَلْ تَجِدُ رَقَبَةً
стр. 898
فَتُعْتِقهَا؟ قَالَ: لاَ. قَالَ: فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعيْنِ؟ قَالَ: لاَ. فَقَالَ: فَهَلْ تَجِدُ إِطْعَامَ سِتِّينَ مِسْكِينًا؟. قَالَ: لاَ، قال: فَأُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ بِعَرَقٍ من تَمْرٍ فَقَالَ: تَصَدَّقْ بِهِ. . ." الحديث (١)، وقال أبو هريرة في الموطأ: "أمره رسول الله ﷺ أن يعتق رقبة, أو يصوم شهرين متتابعين، أو يطعم ستين مسكينا" (٢)، فجعله في الحديث الأول على الترتيب، وظاهر قوله في الحديث الثاني التخيير، وقد يجعل (٣) اللفظ في الحديث الثاني من قول أبي هريرة ليجمع بين الحديثين فيكون المعنى أنه أمره بعتق، أو صيام عند عدم العتق، أو اطعام عند عدم القدرة على الصيام؛ ليزول التعارض؛ لأنه متى كان حديثان مفسر ومجمل رُدَّ المجمل إلى المفسر.
وجعل أبو مصعب الكفارة على قدر الجرم، ورأى أن المجترئ على الانتهاك بالجماع أعظم جرمًا ممن اجزأ على ذلك بالأكل، وقد تقدم القول في هذا فيمن أفطر بالنية ولم يأكل.
وإن كفّر بالإطعام أطعم ستين مسكينًا مُدًّا مُدًّا لكل مسكين، قال ابن القاسم: فإن أطعم ثلاثين مسكينًا مدَّين مدَّين لم يجزئه (٤).
ويختلف هل يكون من الصنف الذي يأكله المكفِّر، أو مما يأكله أهل البلد؟ حسبما تقدم في كفارة الأيمان.
стр. 899
فصل [في تأديب المفطر عمدًا]
ومن ظهر عليه أنه أكل أو شرب في رمضان عوقب على قدر ما يرى أن فيه ردعًا له ولغيره من الضرب أو السجن، أو يجمع عليه الوجهان جميعًا: الضرب والسجن، والكفارة ثابتة بعد ذلك، تجمع عليه العقوبة في المال والجسم.
ويختلف فيمن أتى مستفتيًا ولم يظهر عليه، فقال مالك في المبسوط: لا عقوبة عليه، قال (١): ولو عوقب خشيت ألا يأتي أحد يستفتي في مثل ذلك، وذكر الحديث، وأن النبي ﷺ لم يعاقب السائل (٢)، ويجري فيها قول آخر: أنه يعاقب قياسًا على شاهد الزور إذا أتى تائبًا، فقال في كتاب السرقة: يعاقب (٣)، وقال سحنون: لا عقوبة عليه (٤). والقول الأول أحسن، ولا تسقط العقوبة خيفة أن لا يأتي أحد مستفتيًا (٥) ولو كان ذلك لسقط الحد عن المعترف بالسرقة والزنى.
стр. 900
وأرى أن ينظر إلى السائل، فإن كان من أهل الستر، ومن يرى أن ذلك منه فلتة، لم ترفع الشهادة عليه لما أمر بالستر، وإن كان مستهزئًا، ومن تعرف منه قلة المراعاة لدينه بلغت عليه الشهادة وعوقب.
стр. 901
باب في من نذر الصيام, وما يلزم متابعته وما يلزم من (١) نذر سنة بعينها أو بغير عينها، ومن نذر شهرًا هل يجزئه تسعة وعشرون يومًا، أو نصفَ شهر هل يجزئه أربعة عشر يومًا
ومن نذر صومًا معينًا، أو مضمونًا في الذمة، لزمه الوفاء به؛ لقول النبي ﷺ : "مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللهَ فَلْيُطِعْهُ" (٢).
واختلف في المتابعة إذا نذر صيامًا مضمونًا أيامًا أو شهرًا أو سنة على ثلاثة أقوال:
فقال مالك في كل ذلك: هو بالخيار؛ إن شاء تابع، وإن شاء فرق (٣).
وقال ابن كنانة في كتاب ابن حبيب: عليه أن يأتي بذلك متتابعًا.
وقال ابن الماجشون: إن نذر أيامًا لم يكن عليه أن يتابعها، وإن نذر جزءًا من شهر، أو شهرين أو سنة، كان عليه أن يتابع (٤) وهذا أحسن؛ لأن الذي
стр. 902
عهده الناس أن الشهر عبارة عن جملة متتابعة من الهلال إلى الهلال، والسنة كذلك، وقولُ القائل في ثلاثين يومًا "شهرًا" - مجازٌ، أو إنما هو نسبة إلى ذلك الشهر الذي هو من الهلال إلى الهلال (١)، وهو فيمن نذر سنة أبين.
واختلف في القدر الذي يصومه من نذر سنة مضمونة أو معينة، فقال مالك فيمن نذر سنة مضمونة بغير عينها: يصوم اثني عشر شهرًا ليس فيها رمضان (٢)، ولا يوم الفطر، ولا أيام الأضحى، ويجعل الشهر بفطره منه ثلاثين يومًا، فيقضي على قوله إذا كان شوال ناقصًا يومين، وإذا كان ذو الحجة ناقصًا أربعة أيام مكان الثلاثة التي أفطر، وقول محمد بن عبد الحكم في هذا: أنه يقضي عدد ما أفطر لا غير ذلك، ووافق أشهب ابن القاسم في هذه المسألة إذا كان نذر سنة غير معينة ولم ينوِ متابعتها، وخالفه إذا نوى متابعتها، فقال في مدونته: لا قضاء عليه عن رمضان، ولا عن يوم الفطر، ولا عن يوم النحر، ولا أيام التشريق واجبًا، واستحب له قضاء ذلك، قال: لأنه إذا نوى المتابعة فلا بد أن يدخل في تلك السنة أبدًا رمضان والأيام المنهي عن صيامها، وساوى في ذلك بين المضمون والمعين. وأن يفطر في اليوم الرابع من أيام التشريق إذا عين أو نوى المتابعة، وكان عنده بمنزلة من قال: لله تعالى علي أن أصلي (٣) يومًا بعينه، أو بغير عينه، فلا قضاء عليه في الأوقات التي تصلى فيها الصلوات الخمس، ولا الأوقات المنهي عن الصلاة فيها (٤).
стр. 903
وعلى هذا ينبغي أن يكون الجواب على مذهب ابن كنانة وابن الماجشون؛ لأن الحكم عندهم المتابعة وإن لم ينوها (١).
فصل [فيمن نذر صيام سنة]
وإن نذر سنة بعينها صام منها ما كان يصام، وأفطر الأيام المنهي عنها، ولا قضاء عليه عن رمضان (٢).
واختلف في القضاء عن الأيام المنهي عنها (٣)، فإن قال: لله علي أن أصوم هذه السنة، فإن سماها فقال: سنة سبعين أو ثمانين أو ما أشبه ذلك صام ما بقي منها قلّ أو كثر، ولا قضاء عليه عن الماضي، فإن قال: هذه السنة ولم يزد، فالقياس أن لا شيء عليه إلا صيام ما بقي منها كالأول.
وقال مالك في "العتبية" فيمن حلف وهو في نصف سنة: إن فعل كذا وكذا ليصومن (٤) هذه السنة، قال: إن نوى باقيها فذلك له، وإن لم ينو شيئًا ائتنف من يوم حلف اثني عشر شهرًا (٥).
وفي هذا نظر؛ لأن قوله: هذه السنة، يقتضي التعريف، وهو بمنزلة من قال: لله عليَّ أن أصلي هذا اليوم، فليس عليه إلا صلاة ما بقي منه، وإن قال
стр. 904
لله عليَّ أن أصوم شهرًا، فابتدأه للهلال، فكان ذلك الشهر تسعة وعشرين يومًا أجزأه.
واختلف إذا ابتدأ لغير الهلال، فقال في المدونة: يصوم ثلاثين يومًا (١)، وقال محمد بن عبد الحكم: القياس أن تجزئه تسعة وعشرون يوما، فليس عليه إلا أقل الشهور عدة، كما لو قال: لله علي أن أصوم أيامًا (٢)، كان عليه أقل الأيام؛ وهي ثلاثة، قال: وكذلك لو قال: صدقة دراهم.
قال الشيخ ﵁: وهذا أحسن للسنة والقياس، وهو أيضًا أحد قولي مالك، فأما السنة فحديث عائشة ﵂ قالت: "آلَى النَّبِيُّ ﷺ مِنْ نِسَائِهِ شَهْرًا فَاعْتَزَلهنَّ فِي مَشْرُبَةٍ تِسْعةً وَعِشْرِينَ يَوْمًا، ثُمَّ نَزَلَ، فَقِيلَ لَهُ: آلَيْتَ شَهْرًا، وَإِنَّمَا أَقَمْتَ تِسْعَةً وَعِشْرِينَ يَوْمًا؟ فقال: إِنَّ الشَّهْرَ يَكُونُ تِسْعَةً وَعِشْرِينَ يَوْمًا" (٣).
وأما القياس، فلأن كون الشهر تسعة وعشرين يومًا ليس بنادر، ونقصان شهور السنة متساويًا أو متقاربًا لتمامها، فلم يكن إلزامه أحدهما أولى من الآخر، وقياسًا على قول مالك فيمن قال: لله عليَّ هدي، فإن الشاة تجزئه (٤)، والشاة أقل الهدايا، وللهدايا أعلى وأدنى، فأعلاها البدن، وأدناها الغنم، فإن لم يلزمه أعلى الهدايا لم يلزمه أتم الشهور.
وإن قال: لله عليَّ أن أصوم نصف شهر، فإن ابتدأ أول الهلال صام خمسة
стр. 905
عشر يومًا، وإن ابتدأه بعد مضي خمسة عشر يومًا منه فكان ذلك الشهر تسعة وعشرين يومًا أكمل خمسة عشر يومًا.
وقال عبد الملك بن الماجشون في كتابه: من أصحابنا من رأى الأربعة عشر (١) التي صامها نصفًا تامًّا (٢)، مثل من حلف: لاكلمتك في شهر، من قبل أن يمضي النصف منه، فكلمه بعد العصر من خمسة عشر يومًا ثم نقص الشهر، فلا حنث عليه؛ لأن العمل في النصف الأول على خمسة عشر يومًا ليس على أربعة عشر ونصف، قال: والأول أحوط.
قال الشيخ ﵁: حقيقة نصف الشهر إذا كان ناقصًا أربعة عشر يومًا وليلة إلى طلوع الشمس، فإن لم يكلمه (٣) قبل طلوعها لم (٤) يحنث، هذا مقتضى اللفظ إلا أن يكون للحالف قصد فيحمل عليه؛ لأن من غروب الشمس إلى طلوعها نصف، ومن طلوعها إلى غروبها نصف، فأما الصوم فالنصف فيه أربعة عشر ونصف نهار الآخر؛ لأن قصد الحالف صيام النهار دون الليل، ففارق الحالف على الكلام، فيصوم (٥) خمسة عشر يومًا؛ لأنه ليس يقصد أن يصوم بعض يوم.
стр. 906
باب فيمن قال: لله عليَّ أن أصوم اليوم الذي يقدم فيه فلان, ومن نذرصوم يوم فنسيه, أو نذر صوم الاثنين والخميس فنسي فصمام قبله أو بعده
ومن المدونة قال ابن القاسم فيمن قال: لله علي أن أصوم اليوم الذي يقدم فيه فلان، فقدم فلان ليلًا، صام صبيحة تلك الليلة، وإن قدم نهارًا فلا شيء عليه (١). وقال أشهب في مدونته وابن الماجشون وأصبغ في كتاب محمد: إن عليه القضاء وإن قدم نهارًا (٢) وإن أصبح ذلك اليوم صائمًا متطوعًا، أو ينوي قضاء صوم يوم من رمضان أو ظهار أجزأه عما صامه له، وعليه قضاء النذر.
واختلف إذا كان قدومه يوم الفطر أو النحر فقال أشهب في مدونته: لا شيء عليه؛ لأنه نذر في معصية (٣)، وعلى قول عبد الملك: يقضيه؛ لأنه لم يكن قصد نذرًا في معصية، وإنما وافق قدومه ذلك اليوم، وقد قال: إذا قدم. والناذر مريض قضى ذلك اليوم واصلًا في أول صحته، قال: لأني لم أجده أراد بركة يوم بعينه، لا يوم جمعة ولا يوم خميس ولا اثنين، وإنما أراد شكر الله تعالى بصومه، ولزمه تعجيله لما ألزم نفسه من تعجيل صومه عند قدومه، فحمل النذر على أن المراد به تعجيل الصوم لا عين ذلك اليوم، قال: وإن بيَّته وهو يعلم أنه يدخل في أول نهاره لم يجزئه؛ لأنه صامه قبل
стр. 907
وجوبه، ويصوم غد ذلك اليوم (١).
قال الشيخ ﵁: وليس هذا الكلام بالبيّن، بل القصد عين ذلك اليوم، وعليه يحمل نذره, وكثيرا ما يجري مثل ذلك إذا فُرِّج عن الرجل كربة في يوم، أو أمر نزل به، أو نجاة من مرض، أن يتقرب إلى الله سبحانه بصوم ذلك اليوم الذي فُرِّج عنه فيه، ويلتزم صومه فيما بعد، وقد قدم النبي ﷺ المدينة واليهود تصوم عاشوراء، فسألهم عن ذلك (٢) قالوا: هذا اليوم الذي نجَّى الله فيه موسى بن عمران ﵇، فنحن (٣) نصومه، فقال النبي ﷺ : "نَحْنُ أَحَقُّ بِمُوسَى مِنْكُمْ؛ فَصَامَهُ وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ". أخرجه البخاري ومسلم (٤)، وسئل عن صوم الاثنين فقال: "فِيهِ وُلِدْتُ وَفِيهِ بُعِثْتُ" أو: "أُنْزِلَ عَلَيَّ" (٥).
وإذا كان القصد بالنذر عين ذلك اليوم كان الصحيح أن لا قضاء عليه، وكذلك أرى إذا قدم ليلًا أن لا شيء عليه؛ لأن الوقت الذي قدم فيه لم يعلق به نذرًا، وإنما علّق النذر باليوم شكرًا لله سبحانه، والليل لا يصام بانفراده ولا ينعقد النذر إلا أن ينذر ذلك اليوم للأبد، فيصام بعد ذلك اليوم الذي قدم فيه، إن قدم نهارًا، وإن قدم ليلًا لم يصم صبيحته.
стр. 908
واختلف إذا نذر صوم يوم فنسيه، فقال ابن القاسم في العتبية: يصوم يوم الجمعة، قال: وهو آخر أيام (١) الجمعة وأولها يوم السبت (٢)، ولسحنون في ذلك ثلاثة أقوال؛ فقال: يصوم يومًا من أيام الجمعة أيها شاء، وقال أيضًا: يصوم آخر يوم من أيام الجمعة، فيكون في معنى القضاء، وقال: أيضًا يصوم الدهر (٣)، وهو آخر قوله، وهذا أقيسها؛ لأنه شاك في كل يوم هل هو المنذور؟ وهل يجوز له فطره، أم لا؟ وإن نذره للأبد صام يومًا واحدًا، بخلاف الأول إذا نذر صوم يوم من جمعة واحدة، فلا يؤمر هذا بصيام جميع أيام الجمعة, فيكون قد ألزم صيام الدهر، وذلك حرج، وأي يوم صام أجزأه، ولا وجه للاختصاص بيوم الجمعة؛ لأنه في الأيام التي قبل شاكٌّ هل يجوز له الفطر، أم لا؟
فصل [في نذر صوم يوم بعينه]
ومن نذر (٤) صوم يوم بعينه كالاثنين والخميس أو غير ذلك لزمه الوفاء به، وكره مالك هذا الذي يقول: لله عليَّ أن أصوم يوم كذا، يؤقته (٥)، ويستحب لمن أحب أن يتقرب إلى الله سبحانه بصيام أو صلاة أو غيرهما من الطاعات أن يفعل ذلك من غير نذر؛ لقول النبي ﷺ : "لاَ تَنْذِرُوا. . ." الحديث (٦)، ولأن النذر
стр. 909
يعقب ندمًا، والغالب في الناذر أنه يأتي (١) بما نذر متثاقلًا متباطئًا لأجل ما عقد،
فكان الإتيان بذلك بغير نذر نشيطًا راغبًا إذا حضرته نية أو عزم - أولى.
ومن نذر صوم يوم الخميس ثم صام قبله وهو يظن أنه الخميس لم يجزئه، وإن صام بعده أجزأه وكان قضاء. واختلف إذا بيَّت (٢) الفطر في يوم الخميس، ثم تبين له قبل أن يأكل، فقيل: يمسكه، ولا يجزئه، وقيل: يجزئه، وقد تقدم ذلك في ذكر النية للصوم (٣).
стр. 910
باب في الأيام المنهي عن صيامها وما يرغب في صيامه, وهل يصام الدهر
والأيام المنهي عن صيامها ثمانية: يوم الفطر، ويوم النحر، وأيام منى، ويوم الشك، ويوم الجمعة, ويوم السبت، أن يُفْرَد أحدُهما، أو يُخَصَّ بصيام، على اختلاف في بعض هذه الأيام، فأما يوم الفطر ويوم النحر فقد ثبتت الأحاديث عن النبي ﷺ بالنهي عن صيامهما (١)(٢)، وأجمع أهل العلم على تحريم صيامهما (٣).
واختلف في أيام منى على ثلاثة أقوال، فقيل: لا يصام منها شيء، وقيل: لا بأس بصومها، وقيل: يصام الرابع وحده، فذكر أشهب في مدونته أن يفطر جميعها وإن نذرها، وقال مالك في مختصر ابن عبد الحكم: إذا صامها المتظاهر رجوت أن تجزئه (٤)، وهو قول المخزومي في السليمانية، وفي الحاوي: إذا نذر اعتكافها أنه يوفي بنذره, فيصومها ويعتكفها (٥). وقال محمد: روي عن مالك إذا صامها عن كفارة
стр. 911
يمين أنه وقف، وقال: لا أدري (١)، وقال في المدونة: يجزئه الرابع (٢).
فاما المنع فللحديث أن رسول الله ﷺ بعث كعب بن مالك، وأوس بن الحارث وهو بمنى فناديا (٣): ". . . أَيَّامُ مِنًى أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ" أخرجه مسلم (٤) وفي الموطأ قال: "نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ صِيَامِ أَيَّامِ مِنى" (٥).
وأما جواز صومها فلتظاهر الأخبار (٦) عن صيام يومين، فقال أبو هريرة (٧) وأبو سعيد الخدري (٨) وعائشة ﵂ (٩): "نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ صِيَامِ يَوْميْنِ: الفِطْرِ وَالأَضْحَى"، وقال عمر ﵁: "إِنَّ هَذَيْنِ يَوْمَانِ (١٠) نَهَى
стр. 912
رَسُولُ الله ﷺ عَنْ صِيَامِهِمَا: يَوْمُ فِطْرِكُمْ مِنْ صِيَامِكُمْ، وَالآخَرُ يَوْمٌ تَأْكُلُونَ فِيهِ مِنْ نُسُكِكُمْ"، وهذه أحاديث صحاح أخرجها البخاري ومسلم (١)، فاجتمعت هذه الأحاديث على اختصاص النهي عن هذين اليومين، فلو كان جميع تلك الأيام محرمًا لم يكن لاختصاص اليومين وجه، ولإجماع المذهب على جواز صومها للمتمتع، ولو كانت محرمة العين لم يجز صومها (٢) للمتمتع كما لم يجز له أن يصوم يوم النحر، ويحتمل أن يكون ذلك على وجه الندب لمن كان بمنى خاصة لما كانوا عليه من المنع من النساء، وقد تقدم الحديث أن النداء بالنهي كان للناس بمنى، ولأن من صام امتنع من النساء، فندبهم أن لا يتكلفوا من ذلك فوق ما يقدم حتى تنقضي أيام الحج. وأما التفرقة بين الرابع وغيره فلأنه أضعف رتبة؛ لأن المتعجل يسقطه، وقد تقدم ذكر يوم الشك.
وقال النبي ﷺ : "لاَ يَصُومَنَّ أَحَدُكُمْ يَوْمَ الجُمُعَةِ، إِلاَّ أَنْ يَصُومَ يَوْمًا قَبْلَهُ أَوْ بَعْدَهُ" (٣)، وقال: "لاَ تَخْتَصُّوا لَيْلَةَ الجُمُعَةِ بِقِيَامٍ مِنْ بَيْنِ اللَّيَالِي، وَلاَ يَوْمَ الجُمُعَةِ بِصِيَامٍ مِنْ بَيْنِ الأَيَّامِ" (٤)، ودخل على جويرية بنت الحارث ﵂ يوم جمعة وهي صائمة فقال: "أَصُمْتِ أَمْسِ؟ فَقَالَتْ: لاَ. قَالَ: أَتُرِيدِينَ أَنْ تَصُومِي غَدًا. قَالَتْ: لاَ. قَالَ: فَأَفْطِرِي" (٥) انفرد به البخاري، وانفرد مسلم بقوله: "لاَ
стр. 913
تَخْتَصُّوا لَيْلَةَ الجُمُعَةِ. . ." (١) واجتمعا على ما سوى ذلك.
وقال الداودي، في قول مالك في الموطأ (٢): لم يبلغ مالكًا الحديث، ولو بلغه لم يحالفه، يريد. لم يبلغه الحديثُ بالمنع.
قال النبي ﷺ "لاَ تَصُومُواُ يوْمَ السَّبْتِ إلاَّ فِيمَا افْتُرضَ عَلَيْكُمْ. . ." (٣) ذكره الترمذي، وهو حديث حسن السند، وقد ذُكرت هذه الأحاديث في هذه الأيام وفيما بعدها؛ لأن المنع والترغيب وتعلُّق الفضل ببعضها دون بعض موضع توقيف، ليس يؤخذ بقياس.
فصل الأشهر المرغب في صيامها
الأشهر المرغب في صيامها ثلاثة: المحرم، ورجب، وشعبان، ومن أيام السنة ستة من شوال، وعشر ذي الحجة، ويوم عاشوراء، وثلاثة أيام من كل شهر، ومن أيام الجمعة الاثنين والخميس.
والأصل في هذه الجملة قول النبي ﷺ : "أَفْضَلُ الصِّيَامِ بَعْدَ رَمَضَانَ شَهْرُ اللهِ المُحَرَّمُ، وَأَفْضَلُ الصَّلاَةِ بَعْدَ الفَرِيضَةِ صَلاَةُ اللَّيْلِ" أخرجه مسلم (٤)،
стр. 914
وقالت عائشة ﵂: "مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَكْثَرَ صِيَامًا مِنْهُ فِي شَعْبَانَ" (١) اجتمع عليه الصحيحان.
وقال أبو أيوب: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ صَامَ رَمَضَانَ ثُمَّ أَتْبَعَهُ سِتًّا مِنْ شَوَّالٍ كَانَ كَصِيَامِ الدَّهْرِ" (٢) أخرجه مسلم، وقال: "مَا مِنْ أَيَّامٍ أَحَبُّ إِلَى اللهِ أَنْ يُعْبَدَ فِيهَا مِنْ عَشْرِ ذِي الحِجَّةِ، يَعْدِلُ صِيَامُ كُلِّ يَوْمٍ مِنْهَا صِيَام سَنهٍ، وَقِيَام كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْهَا بِقِيَامِ لَيْلَةِ القَدْرِ" (٣)، وقال: "صِيَامُ يَوْمِ عَرَفَةَ يُكَفِّرُ السَّنَهَ الماضِيَةَ وَالثَّانِيَةَ، وَصِيَامُ يَوْمِ عَاشُورَاءَ يُكَفِّرُ السَّنةَ الماضِيَةَ" (٤) أخرجه مسلم يريد: في يوم عرفة ما لم يكن في حج، فإن فطره حينئذٍ أفضل للتقوِّي على الدعاء (٥)، وقال أبو هريرة ﵁: "أَوْصَانِي خَلِيلي بِثَلاَثٍ؛ بِصِيَامِ ثَلًاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، وَرَكْعَتَي الضُّحَى، وألا أَنَامَ قَبْلَ أَنْ أُوتَرَ" (٦)، أخرجه البخاري ومسلم.
стр. 915
واختلف متى تصام الثلاثة من الشهر فقالت عائشة ﵂ في كتاب مسلم: "كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَصُومُ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ. وَلا يُبَالِي مِنْ أَيِّ أَيَّامِ الشَّهْرِ كَانَ يَصُومُ" (١)، وقال أبو ذر ﵁ في الترمذي: قال لي رسول ﷺ : "إِذَا صُمْتَ مِنَ الشَّهْرِ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ فَصُمْ: ثَلاَثَة عَشرَ وَأَرْبَعَة عَشرَ وَخَمْسَةَ عَشْرَ" (٢)، وقيل: يصوم من أوله؛ لأن تعجيل كل خيرٍ خيرٌ من تأخيره, وإلى هذا ذهب الشيخ أبو الحسن، قال الشيخ ﵁: ولأنه لا يدري ما يقطعه عن ذلك من موت أو (٣) مرض أو سفر أو عدم نشاط، وقيل: يبتدئ كل عشر (٤) بصوم يوم، يصوم أول يوم، وأحد عشر، وأحد وعشرين، ليكون قد استفتح كل عشر بالطاعة، وفي مسلم قال أبو قتادة ﵁: "سُئِلَ رَسُولُ الله ﷺ عَنْ صَوْمِ يَوْمِ الِاثْنَيْنِ، فَقَالَ: فِيهِ وُلِدْتُ وَفِيهِ بُعِثْتُ أَوْ أُنْزِلَ عَلَيّ فِيهِ (٥)، وَفي الترمذي قالت عائشة ﵂: "كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يَتَحَرَّى صَوْمَ الِاثْنَيْنَ وَالخَمِيسِ" (٦)، ومنه: قال أبو هريرة ﵁: "قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : تُعْرَضُ الأَعمالُ يَوْمَ الِاثْنينِ وَالخَمِيسِ فَأُحِبُّ