← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 14592

حسن التنبه لما ورد في التشبه

نجم الدين الغزي

Полный текст (6 623 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

حُسْنُ التَّنَبُّهِ لمَا وَرَدَ فِي التَّشَبُّهِ «وهو كتابٌ فرِيدٌ فِي بَابهِ يشتَمل على بَيَان مَا يتشبَّهُ بهِ المسلمُ وَمَا لَا يتشبَّهُ بهِ» تَألِيف العَلَّامَةِ نَجْمِ الدِّينِ الغزِّيِّ محمَّدِ بْنِ محمَّدِ العَامِريِّ القُرَشِيِّ الغَزيِّ الدِّمَشْقِيِّ الشَّافِعيِّ المولُودِ بِدِمَشق سَنَة ٩٧٧ هـ، وَالمتَوفَّى بِهَا سَنَة ١٠٦١ هـ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالى تَحقِيقَ وَدِرَاسَة لَجْنَة مختصَّة منَ المحققينَ بِإِشْرَافِ نُورِ الدِّين طَالِب دَارُ النَّوادِرِ

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 3

حُسْنُ التَّنَبُّهِ لمَا وَرَدَ فِي التَّشَبُّهِ

стр. 4

جَميعُ الحُقُوقِ مَحْفُوظَة الطَّبْعَةُ الأُولَى ١٤٣٢ هـ - ٢٠١١ م ردمك: ٧ - ٨٤ - ٤١٨ - ٩٩٣٣ - ٩٧٨: ISBN دَار النَّوادِر سورية - لبنان - الكويت مُؤَسَّسَة دَار النَّوادِر م. ف - سُورية * شَرِكَة دَار النَّوَادِر اللِّبْنَانِيَّة ش. م. م - لُبْنَان * شَرِكَة دَار النَّوَادِرِ الكُوَيْتِيَّةِ ذ. م. م - الكُوَيْت سورية - دمشق - ص. ب: ٣٤٣٠٦ - هاتف: ٢٢٢٧٠٠١ - فاكس: ٢٢٢٧٠١١ (٠٠٩٦٣١١) لبنان - بيروت - ص. ب: ١٤/ ٥١٨٠ - هاتف: ٦٥٢٥٢٨ - فاكس: ٦٥٢٥٢٩ (٠٠٩٦١١) الكويت - الصالحية - برج السحاب - ص. ب: ٤٣١٦ حولي - الرمز البريدي: ٣٢٠٤٦ هاتف: ٢٢٢٧٣٧٢٥ - فاكس: ٢٢٢٧٣٧٢٦ (٠٠٩٦٥) www.daralnawader.com - info@daralnawader.com أسَّسَهَا سَنَة: ١٤٢٦ هـ - ٢٠٠٦ م - نُورُ الدِّين طَالِب - المُدِير العَام وَالرَّئيسْ التَّنْفِيذِي

стр. 5

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مُقَدِّمَة التَّحقِيق إن الحمد لله نحمده، ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. أمّا بعد: فإن الله- قد جعل هذه الأمة وسطاً بين الأمم، فقال: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣]. والوسط هو: الخيار والأجود. ولذا خصَّها بأكمل الشرائع، وأنهج السبل، وشرَّفها بمكارم الأخلاق ومعاليها، وكرَّه لها سفاسفها وأدانيها، فحثَّهم وأمرهم بالتشبه بمن امتدحهم في كتابه، وأنالهم الدرجة الرفيعة المبينة في آياته من قوله تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ

стр. 6

مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٢٢)﴾ [المجادلة: ٢٢]. وقال تعالى: ﴿لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ (١١٣) يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [آل عمران: ١١٣ - ١١٤]. وقال- جلَّ شأنه-: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء: ٦٩]. إلى غير ذلك من الآيات الدالة على معالم أولي الأخلاق من الأنبياء والصالحين ومكانتهم وفضلهم. ثم إن الله تعالى لما أراد لهذه الأمة أن تكون خير الأمم، وأكثرَها هدًى وبصيرة، حذَّرها من سلوك طرق الضلالة والهلاك، والتشبه بمن ظلم نفسه، وزاغ عن المنهج القويم الذي ارتضاه لبني آدم؛ فقال- ﷻ في جملة آيات كثيرة: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٣]. وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ١١٥].

стр. 7

في فلك هذه الآيات وغيرها ألَّف العلاَّمة نجمُ الدين الغزيُّ كتابه الموسوم بـ "حسن التنبه لما ورد في التشبه"، والذي يُعدُّ أجمعَ موسوعة قرآنية حديثية فقهية وعظية في هذا الباب؛ حيث لم يعهد له مثالٌ سابق، ولا شبيهٌ لاحِق، جرَّد لتأليفه مطيَّة العزم والهمَّة، وبثَّ فيه أشياء مهمَّة، وقد بقي في تأليفه قرابة الأربعين عاماً يحرِّر وينقح، ويزيد ويفيد. وقد ذكر فيه من يحسُنُ التشبهُ بهم من الملائكة والأخيار من بني آدم والصالحين والشهداء والصديقين والنبيين، والتخلُّقُ بأخلاقهم وصفاتهم وأعمالهم. ثم ذكر مَنْ لا يحسُن التشبهُ بهم من الشياطين، وكَفَرَة الأقوام الغابرة؛ كقوم نوح وعاد وثمود وفرعون، ثم أهل الكتاب والأعاجم وأهل الجاهلية والمنافقين والمبتدعة والفاسقين. ثم ختم الكتاب بفصل عزيز نفيس في التوبة والإنابة. وقد حَفَل هذا المؤلَّف بجملة وافرة من الاستشهاد بالآيات القرآنية، والأحاديث النبوية والآثار. وبثَّ فيه فوائد ومسائل كثيرة فقهية، ونثر الأجوبة والفتاوى للمرضِيَّة، وعُني فيه بذكر تفاسير الأئمة، وشرح غريب القرآن والسنة النبوية. وحلاَّه بأشعاره التي طابت معانيها، وحسُنت مبانيها، وشَرُفت مراميها.

стр. 8

وقد ناهزت موارده المئةَ مَورد وزيادة؛ من مؤلَّفٍ حديثيٍّ، وتفسيريٍّ، وفقهيٍّ، ووعظيٍّ إرشاديٍّ. فجاء كتاباً بديعاً، مفيداً، جامعاً لكل ما هو مستحسَنٌ في الشرع وغيرُ مستحسن، حافلاً بتحقيقاته النفيسة، وفوائده الجليلة، وتنبيهاته القيمة، وإشاراته اللطيفة، فكان بحقٍّ - كما وصفه مؤلِّفه بأنه -: كتاب كريم، تطمئن إليه قلوب الأتقياء، وتنشرح له صدور الفضلاء، وتنقبض منه نفوس أهل الآراء الفاسدة والأهواء (١). وكان - جزماً - كتاباً موضوعاً لطريق العمل بمقتضى العقل والعلم اللذين بهما يصير الإنسان إنسانا كاملاً، فمن ظفر بهذا الكتاب، وتمسك به، وعمل بما فيه، كان إنسانا كاملاً، وبشراً سوياً، ورُجي له زيادة الهداية من الله تعالى، كما قال : ﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى﴾ [مريم: ٧٦]. وهذا الكتاب إنما هو للإرشاد إلى أن يتجرد العبد عن مساوئ الأخلاق والأعمال والأقوال، ويتبدل بها محاسن الأخلاق والأعمال والأقوال (٢). هذا، وقد وفقنا الله تعالى للوقوف على ثلاث نسخ خطية للكتاب؛ أجلُّها النسخة الخطية التي كتبها المؤلف ﵀ بخطه، ثم النسخة الخطية التي كتبت في حياته، وعليها تعليقاته بخطه، ثم نسخة

стр. 9

ثالثة مفيدة في مجملها. وإذ نشكر الله تعالى على إخراج هذا السِّفْر الجليل لأول مرة بهذه الحُلَّة وهذا الجهد الذي نَحْسَبه قد بلغ الغاية المنشودة - بإذن الله - تحقيقاً وإخراجاً، لابدَّ من توجيه الشكر والثناء إلى اللجنة العلمية التي قامت على تحقيق هذا العمل المبارك - إن شاء الله - وهم الأساتذة والباحثون الأفاضل: ١ - محمَّد خَلُّوف العبد الله. ٢ - د. محمود أحمد صالح. ٣ - جمال عبد الرَّحيم الفارس. والشكرُ موصولٌ لجميع الإخوة الأفاضل والأخوات الفاضلات، الذين وفِّقوا في مجال النَّسخ والمراقبة والمقابلة والتنضيد والفهرسة لهذا الكتاب. هذا وصلى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبه وسلَّم، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات. حَرَّرَهُ نُوْرُ الدِّيْن طَالِب دمشق الشام ١٧/ ربيع الأول/ ١٤٣٢

стр. 10

الفَصْلُ الأَوَّلُ تَرْجَمَةُ العَلاَّمَة نَجمِ الدِّينِ الغَزِّي (١) مُحمَّدُ بنُ محمدِ بنِ محمدِ بنِ محمدِ بنِ أحمدَ بنِ عبدِ الله بنِ مُفرِّجِ ابنِ بدرٍ، وتقدم تَمامُ النَّسبِ في ترجمة أخيه أبي الطَّيب (٢).

стр. 11

محدِّثُ الشام، ومسندُها، الشيخُ الإمام، نجم الدين، أبو المكارم، وأبو السعود، بن بدر الدين، بن رضي الدين، الغزي، العامري، الدمشقي (١)، الشافعي، شيخ الإسلام، ملحِقُ الأحفاد بالأجداد (٢)، المتفرِّدُ بعلوِّ الإسناد. ترجم نفسَه في كتابه "بُلْغةُ الواجد" في ترجمة والده البدر، فقال: مولدي كما رأيتُه بخط شيخ الإسلام: يوم الأربعاء، حادي عشر شعبان المكرم، سنة سبع وسبعين وتسع مئة، وسطَ النهار، وقتَ الظهيرة، ودعا لي الوالد بعدما كتب ميلادي؛ فقال: أنشاه الله تعالى وعَمَّره، واجعله ولداً صالحاً برًّا تقياً، واكَفَاه واحَمَاه من بلاء الدنيا والآخرة،

стр. 12

وجعله من عباده الصالحين، وحزبه المفلحين، وعلمائه العاملين (١)، ببركة سيد المرسلين صلى الله تعالى عليه وعلى آله وصحبه وسلم، وحسبنا الله نعم الوكيل. انتهى ما وجدته بخط الشيخ الوالد. ولا بأس بذكر شيء مما منَّ الله تعالى عليَّ به على عادة علماء الحديث، دان كنتُ في نفسي مقصِّراً، وعن حَلْبة العلماء مقهقِراً، فأقول:

стр. 13

رُبّيت في حِجْر والدي وتحت كَنَفه حتى بلغتُ سبعَ سنوات، وقرأتُ عليه من كتاب الله تعالى قِصَار المُفَصَّل، وحضرتُ بين يديه يومَ عيدِ الفطر عامَ وفاتِه، وقلتُ: يا سيدي! أريد أنْ أقرأَ عليك من أوَّل البقرة، قال: وتعرف تقرؤها؟ قلت: نعم، قال: هاتِ المصحفَ، فجئتُه به، فقرأتُ عليه الفاتحةَ، ثمَّ مِنْ أوَّل البقرة إلى ﴿الْمُفْلِحُونَ﴾، فقال لي: يكفيكَ إلى هنا، فأطبقتُ المصحفَ بعد أن لقَّنني: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، وأنعمَ عليَّ حينئذ بأربعِ قِطَعِ فِضَّةٍ ترغيباً لي، وأمرني وأنا ابنُ ستِّ سنواتٍ أن أصومَ رمضانَ، ويعطيَني في كلِّ يومٍ قطعةَ فِضَّة، فصُمتُ مُعظمَ الشهر، وكان ذلك ترغيباً منه وحُسنَ تربية، وصُمتُ رمضانَ السنةَ التي ماتَ فيها إلا يوماً أو يومين وأنا ابنُ سبع (١)، وبقيت أجلس معه للسحور، وكان يدعو لي كثيراً، وأحْضَرني دروسَه (٢) أنا

стр. 14

وأخي الشيخُ كمالُ الدِّين في سنة اثنتين وثمانين، وثلاث وثمانين، وأربع وثمانين. وحدَّثتني والدتي عنه: أنه كان يقول: إنْ أحياني اللهُ تعالى حتَّى يكبُرَ نجمُ الدِّينِ، أقرأْتُه في كتاب "التنبيه"، وأجازني فيمن حضر دروسه إجازةً خاصة، وأجازني في حزبه الذي كتبه لمفتي مكةَ الشيخِ قُطْبِ الدِّين إجازةً عامةً في عموم أهل عصره من المسلمين (١). ثم رُبِّيت بعد وفاته في حِجر والدتي أنا وإخوتي، فأحسنَتْ تربيتَنا، ووفَّرتْ حُرمتَنا، وعلَّمتْنَا الصلواتِ والآدابَ، وحَرَصَتْ على تعليمنا القرآنَ، وجَازَتْ شيوخَنا على ذلك وكافأَتْهُم، وقامَتْ في كَفالتنا بما هو فوقَ ما تقوم به الرِّجالُ، مترمّلةً علينا، راغبةً من الله سبحانه في حُسن الثواب والنَّوال، وجزيل الحَظِّ من قوله ﷺ : "أنا أولُ مَنْ يَفْتَحُ بَابَ الجَنَّةِ، أَلاَ إِني أَرَى امْرَأةً تُبادِرُني، فأقولُ لها: مَالَكِ؟ ومَنْ أنتِ؟ فتقول: أنا امرأةٌ قَعَدْتُ على أيتامٍ لي" رواه أبو يعلى من حديث أبي هريرةَ ﵁، قال الحافظ المُنذري: "وإسناده حسن - إن شاء الله تعالى -.

стр. 15

وقال ﷺ : "أَنا وامْرَأَةٌ سَفْعَاءُ الخَدَّينِ كَهَاتَيْن يَوْمَ القِيَامَةِ"، وأومأ بيده - يزيد بنُ زُريعٍ: السَّبَّابةَ والوسطى - "وامرأةٌ آمَتْ مِنْ زَوْجهَا، ذاتُ مَنْصِبٍ وجَمالٍ، حَبَسَتْ نَفْسَها عَلَى يَتَامَاهَا حتَّى بَاتُوا أَوْ مَاتُوا"، رواه أبو داود، عن عوف بن مالك الأشجعي ﵁. قال الخَطَّابي: السَّفعاء: التي تَغَيَّر لونُها إلى الكُمُودة والسَّواد من طول الأيمة؛ يريد بذلك: أنها حبسَتْ نفسَها على أولادها، ولم تتزوج فتحتاج إلى الزِّينة والتصنُّع للزوج. فجزاها الله عنَّا أحسنَ الجزاء، وعَوَّضها عَمَّا تركَتْ من أجله لوجهه في دار البقاء. وساعدها على ذلك كلِّه شقيقُها الخَواجا زينُ الدين عمر بن الخواجا بدر الدين حسن بن سبت، وأجزل إلينا خيراً، وكانت معيشتُنا من رَيعِ وَقْفِ جَدِّنا ومُلكِ أبينا وميراثِه الذي تلقَّيناه عنه، أحسنَتْ والدتُنا التصرفَ في أموالنا، وفي مُؤْنتنا وكسوتنا، ولم تُحَمِّلْنا مِنَّة أحدٍ قطُّ، وتقول: هو ببركة والدهم (١)، ثم إنها - أعزَّها الله ومَدَّ في أجلها - أشغلتنا بقراءة القرآن، وطلب العلم؛ فقرأتُ القرآنَ على الشيخ عثمان اليماني. ثم نقلني الوالدُ قبل وفاته إلى الشيخ يحيى العماري (٢)، فختمت

стр. 16

عليه القرآن مراتٍ، وأقرأني في "الأجرومية"، و"الجزرية"، و "الشاطبية"، و "الألفية"، تصحيحاً وحفظاً لبعضهنَّ، وحفِظْتُ عليه معظمَ القرآن. قلتُ: وقد ترجمَهُ في "الكواكب"، وقال: إنه كان من أولياء الله تعالى ممن تُطوى له الأرض. قال: ثم أخذتُ في طلب العلم، فتردَّدتُ إلى مجلس الشيخ العلاَّمةِ زينِ الدينِ عمرَ بنِ سلطان مفتي الحنفية، فقرأت عليه "الأجرومية" حفظاً وحلاًّ، وشَرْحَهَا للشيخ خالد. ثم لزِمْتُ درسَ شيخنا شيخ الإسلامِ شهابِ الدينِ العيثاويِّ (١)، فقرأت عليه "شرح الجزرية" للمكودي، وقرأت عليه "شرح المنهاج" بتمامه إلَّا فرقاً يسيراً من أواسطه وأواخره، ولكن سمعت عليه ما فاتني، وقرأت عليه نصفَ "شرح المنهاج الصغير" الأول لشيخ الإسلام والدي، وسمعتُ عليه مواضعَ صالحةً من "شرح المحلَّى"، وقرأت من أوائل "شرح البهجة" للقاضي زكريا، وسمعت عليه من أول "الإرشاد" وأوسطه بقراءة الشيخ محمد بن داود، وصاحبِه الشيخِ محمد الزوكاري الصالحيين، وسمعتُ عليه "عقيدة الشيباني" بقراءة أبي الصفاء بن الحمصي، وله عليَّ تربية وحُنُوٌّ وعطفٌ، وهو أعزُّ شيوخي عندي، وأحبُّهم إليَّ - جزاهم الله عني خيراً -، وقرأتُ عليه

стр. 17

في الحديث من أول البخاري وغيره، وإلى الآن في صحبته من سنة إحدى وتسعين وتسع مئة ثلاثَ عشرة سنة - أطال الله صحبتَنا، ومتَّعني بحياته، ونفعني ببركته (١) -. ولزِمْتُ شيخَنا مفتي الفِرَق شيخَ الإسلام أبا الفضل محمد محبّ الدين القاضي الحنفي (٢) - أعزَّ الله جانبه -، فقرأتُ "شرحَه على منظومة الشيخ العلامة محب الدين بن الشحنة"؛ كما تقدم في ترجمته، ومن أوائل "المُطَوَّل"، وقرأتُ عليه نحو ربع "صحيح البخاريِّ"، وكتب لي به وبغيره إجازة بخطِّه، وهو - متَّع الله بحياته - إلى الآن يُوصِلُ إلينا إحسانَه وإنعامَه، علماً وثناءً ومالاً، وغير ذلك مما لا نستطيع مكافأته إلَّا أن يجازيَهُ الله عنَّا أحسنَ الجزاء، ويمتِّعنا بحياته وعلومِه ما تعاقب الصباحُ والمساء. وقرأت على السيد الشريف، الحسيب النسيب، الامام، العلامة، اللَّوْذَعِيِّ المحقِّقِ، الفَهَّامة، قاضي القضاة في حلب، ثم المدينةِ، ثم آمد بضميمة الإفتاء بها وقضاءِ البيرةِ السيدِ محمدِ بنِ السيدِ محمدِ بنِ السيدِ حسنٍ السُّعوديّ - تغمَّده الله تعالى برحمته - حين قدم علينا دمشق الشام

стр. 18

في سنة ثمان وتسعين وتسع مئة، مواضعَ من "تفسير القاضي العلامة ناصرِ الدين البيضاوي"، منها: تفسير قوله تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ الآيتين بإشارته، وأجازني بمروياته، منها: "تفسير المفتي الأعظم والإمام الأقدم أبي السُّعود محمد بن العمادي - رحمه الله تعالى"، ولم أر في موالي الروم أذكى منه، ولا أرغبَ في العلم منه - رحمه الله تعالى -. وأجازني من المصريين شيخُنا شيخ الإسلام شمسُ الدين الرمليُّ المِصْريُّ، وشيخُنا العارف بالله تعالى الأستاذُ الأعظم زينُ العابدين البَكْريُّ - متَّع الله بحياتهما -، كتابةً إلي. قلت: وسمع المُسلسل بالأولية من محدِّث حلب شيخِ الإسلام محمودِ بنِ محمدٍ البيلونيِّ الشافعيِّ حين قدم دمشقَ في سنة سبع بعد الألف، وأجازه بمروياته. وأخذ عن محدِّث مكةَ المشرفةِ شيخِ الإسلام الشمسِ محمدِ بنِ عبدِ العزيزِ الزَّمزميِّ الشافعيِّ في سنة سبع بعد الألف. قال: وفتح الله تعالى عليَّ بالنظم والنثر والتأليف من سنة إحدى وتسعين وتسع مئة، وذَكَرَ من شعره قولَه: لو بُحْتُ بالحبّ الذي ... أَضْنى الفؤادَ وكَلَّما لَبَكى لِيَ الصخرُ الأَصَـ ... ـمُّ وكاد أنْ يتكلَّما ثم قال بعد ذلك: ودخلتُ في يوم عرفةَ سنة اثنتين وتسعين وتسع مئة على شيخ الإسلام الشيخِ إسماعيلَ النابُلُسيِّ أهنِّيه بالعيد،

стр. 19

فرأيت عنده جماعةً، منهم: شيخنا العلامة المنلا أسدُ بنُ مُعينِ الدِّين. أقول: فعُلم من قوله ذلك: أن المنلا أسداً من مشايخه، ثم رأيتُه ذكر في ترجمة الأسد في "الكواكب": أنه قرأ عليه في "شرح الشذور" لابن هشام، ودروساً من "شرح الجاربردي على الشافية". ثم قال: ومن مؤلفاتي: "نظم الأجرومية"، سميته: "الحُلَّة البَهِيَّة"، واقتديت في نظمها بوالدي لـ "شرح الأجرومية"، لطيف ممزوج. و"شرح القَطْر" لابن هشام. و"شرح القواعد" لابن هشام - أيضاً -. و"شرح منظومة والدي في النحو" نظماً في أربعة آلاف بيت سميته: "المِنْحة النجميَّة في شرح المُلْحَة البدريَّة"، قرَّظ العلماء عليها. و"منظومة في النحو" مئة بيت. و"منظومة في التصريف والخط" كذلك مئة بيت. و"نظم العقيان في مورثات الفقر والنسيان" للناجي، وهو غير نظم الجد الشيخ رضيِّ الدين. ومختصر في النحو سميته: "البهجة". وكتبتُ قطعة على "التوضيح" لابن هشام.

стр. 20

وقطعة على "الشافية" لابن الحاجب. و"شرح لامية الأفعال" لابن مالك في التصريف في شرحين ممزوجين، الأول منظوم من بحر الأصل، وقافيته في نحو ألف بيت. ونظم شرح شيخنا علامة العصر المحبِّ الحَمَويِّ على منظومة العلامة المحبِّ بن الشحنة في المعاني والبيان. و"نظم فرائض المنهاج" في الفقه. و"شرح منظومة والدي" في ضبط شأن القاعدة الفقهية: كلُّ ما كان أكثرَ عملاً أو أشقَّ، فهو أكثر في الثواب، وسميته: "تحفة الطلاب". وشرحت أبياتاً لصاحبنا الشيخِ أبي الوفا الحَمَوي العَبْدَري في شروط تكبيرة الإحرام، بالتماس منه، في شرحين: الأول منثور سميته: "الدرة المنيرة في شروط التكبيرة"، والثاني منظوم سميته: "تحفة النظام في تكبيرة الإحرام". وشرحت كتاب "اللآلئ المُبْدَعة في الكتابات المخترعة" لشيخ الإسلام الجد. ونظمت "خصائص الجمعة" في منظومة سميتها: "اللآلئ المجتمعة". ونظمت كتاب "رواة الأساطين في عدم الدخول على السلاطين" للشيخ السيوطي. واختصرت كتاب "المنهل الرَّوِيّ في الطبِّ النبويِّ" له - أيضاً - في مختصر سميته: "المختار".

стр. 21

وكتبت شرحاً حافلاً على قول الشيخ علوان الحموي - رحمه الله تعالى -: وشَرعٍ وحَقٍّ وحَقٍّ وشرعٍ ... وجَمْع وفَرْقٍ وفرقٍ وجَمْعِ ينال الفتى كلَّ ما يشتهي ... بتنزيهِ طَرْفٍ وتقديسِ سَمْعِ وتركِ هوًى باتباعِ الهوى ... وتأديبِ نفْسٍ وتنزيهِ طَبْعِ عليكَ بها إنَّها إنَّها ... جِماعٌ لخيرٍ ومفتاحُ جَمْعِ وسميته كتاب: "الهَمْع الهَتَّان في شرح أبيات الجمع للشيخ عُلوان". وأعظمُ مؤلفاتي الآن: "شرحي على ألفية التصوف" لشيخ الإسلام الجد المسمى بـ: "منبر التوحيد ومظهر التفريد في شرح جمع الجوهر الفريد في أدب الصوفي والمريد"، وهو كتاب حافل جمعتُ فيه جميعَ أحكام الطريق، ووفيت فيه شروط الشرع في عين التحقيق، وهو وكلُّ مؤلفاتي التي أشرتُ إليها الآن كواملُ بفضل الله، ما عدا "شرح التوضيح"، و"شرح الشافيه", و"شرح اللآلئ المُبْدَعة"، لكن الأخير مُشْرِفٌ على الكمال. وفي عزمي الآن أَنْ أكتبَ في الفقه كتاباً حافلاً، وأنا شارع في مؤلفاتٍ أخرى، أسأل الله تعالى التوفيق. ومن مؤلفاتي التي كملت الآن - أيضاً -: "مجالسي" في تفسير سورة الإسراء، التي أمليتُها في سنة ثمان

стр. 22

وتسعين وتسع مئة. و"مجالسي" التي أمليتها في السنتين بعدها إلى آخر سورة طه. ثم تركت تدريسَ مجالسِ وعظي، وجعلتُ أُمليها على ما يُفيض الله من سَيْب فضله ويفتح. ومن مؤلفاتي - أيضاً -: هذا الكتاب الحافل المُسمَّى: "بُلغة الواجد في ترجمة شيخ الإسلام الوالد"، وفي ضمنها أربعون حديثاً من مسموعاتي كما تراها مسطَّرة في الباب السابع، ونسأل اللهَ تعالى التوفيق. وقد قرَّظ أكابرُ علماء مصر والشام على شرحي "الملحة البدرية"، وشرحي على منظومة ابن الشحنة. ا. هـ كلامه، ثم ذكر شيئاً من التقاريظ. أقول (١): ومن مؤلفاته - أيضاً -: كتاب "عقد النظام لعقد الكلام"، وهو كتاب غريب الوضع، مبني على مقولات للسلف في النصيحة والزهد وأشباههما، ثم ينظم تلك المقولات، ويذكر نظمه عند آخر كلِّ مقولة، نقلتُ منه أشياء، منها: ذكر النووي في "تهذيب الأسماء واللغات" عن الإمام الشافعي: أنه قال: ما أفلح في العلم إلا مَنْ طلبه في القلة، ولقد كنت أطلب القِرطاس، فيعسُر عليَّ، وقال: لا يطلب أحدٌ هذا العلمَ بالمال وعزِّ

стр. 23

النفس فيفلح، ولكن مَنْ طلبه بذِلَّةِ النفس، وضيقِ العيش، وخدمةِ المعلِّم، والتواضعِ في النفس، أفلحَ. قال: وقلت في معناه هذا: مَنْ يطلبِ العلمَ بذلٍّ وضِيـ ... ـقِ العيشِ والخدمةِ والإِنقطاعْ فَهْوَ الذي يُفْلِحُ لا مَنْ غَدَا ... يَطْلُبُه بالعِزِّ والإِتِّساعْ وقلت: مَنْ يطلبِ العلمَ بعزِّ الغنى ... يَبطَرْ ولا يُفلِحْ بما يَصْنعُ للعلم طُغْيانٌ كما للغِنَى ... والعلمُ بالطُّغيانِ لا يَنْفَعُ لايبلغُ العالمُ شأوَ العُلاَ ... إلَّا التَّقيُّ الأَرْوَعُ الأَوْرَعُ ومنها: عن أبي سليمان الدَّاراني ﵁، قال: لو اجتمع الخلقُ جميعاً أن يضعوا عملي كما عند نفسي، ما قدروا على ذلك، قال: وقد ضمَّنت كلامه ﵁ في قولي: قُلْ لنفسي: إنْ تُراعي ... حَق رَبِّي لن تُراعي إنما نقصٌ وضَعْفٌ ... وانتقاصٌ من طِباعي مَنْ يَضَعْ مني وَيجْهَدْ ... لَمْ يَضَعْني كاتِّضاعي إنَ عِرْفانِي بِنَفْسي ... قد كفاني وَعْظَ واعي إنَّمَا الدُّنيا متاعٌ ... لم يَدُمْ فيها انتفاعي

стр. 24

إنَّمَا يُسْعى لدارٍ ... لم تَضِعْ فيها المساعي دارِ تكريمٍ إليها ... قد دعاني كُلُّ داعي وله: كتاب: "تحبير العبارات في تحرير الأمارات"، وهو - أيضاً - عجيب، نَقَلَ فيه ما نصُّه: يُبتلى المغتابُ بأن يُغتاب؛ روى أبو الشيخ ابن حيان في كتاب "النكت والنوادر" عن عبد الله بن وهب، قال: قال مالكُ بنُ أنسٍ ﵁: كان عندنا بالمدينة قومٌ لا عيوبَ لهم، تكلَّموا في عيوب الناس، فصارت لهم عيوبٌ، وكان عندنا قومٌ لهم عيوبٌ، سكتوا عن عيوب الناس، فَنُسِيت عيوبهم، قلت: عَائِبُ الناسِ وإنْ كا ... ن سليماً يُستَعَابْ والذي يُمْسِكُ عن عَيْ ... ـبِ الوَرَى سوفَ يُهاب ما دخولُ المرءِ فيما ... ليس يَعْنيه صواب وذكر فيه - أيضاً -: روى أبو الشيخ عن مُطرِّفٍ، قال: قال لي مالكُ ابنُ أنسٍ ﵁: ما تقول الناسُ فيَّ؟ قلت: أمَّا الصَّديق، فيثني، وأما العدوُّ، فيقع، فقال: ما زال الناسُ كذلك، لهم صديقٌ وعدوٌّ، ولكن نعوذ بالله من تَتَابعِ الألسنِ كلِّها، وقلت: لا تَرَى كاملاً خَلا ... من عَدُوٍّ يَعيبُهْ بَلْ لَهُ مِنْ سِبابِهِ ... وأذاهُ نَصيبُهْ أحمقُ الناسِ مَن يَرَى ... أَنَّ ذا لا يُصيبُهْ

стр. 25

وأخو الكَيْسِ قد رَجَا ... اللهَ عنهُ يُثيبُهْ حَسْبُهُ اللهُ ربُّهُ ... فَهْوَ عنه يَنوبُه ونقل فيه - عندَ ذكر أمارات الصبيان -، قال: ومن لطائف العلامة الشيخ زين الدين عمرَ بنِ المظفر الوردي، وقد ولي السلطنةَ صبيٌّ مميزٌ غير بالغ: سُلطاننُا اليومَ طفلٌ والأكابر في ... خُلْفٍ وبينهمُ الشيطانُ قد نزَغا وكيف يطمعُ مَنْ مسَّتْهُ مَظْلمَةٌ ... أن يبلغَ السُّؤْلَ والسُّلطانُ ما بَلَغا وله: كتاب: "التنبيه في التشبيه"، وهو كتاب بديع في سبع مجلدات، في قِطْع النصف، لم يُسبق إلى تأليفه، وهو: أن يذكر ما ينبغي للإنسان ما يتشبه به من أفعال الأنبياء والملائكة والحيوانات المحمودة، وما يتشبه به من اجتناب ما يُذَمُّ فعلُه، رأيته، ونقلتُ منه أشياء لطيفة، منها: قوله: لقد مرَّ بي - في بعض مجالسي من نحو عشرين سنة -: أني دعوتُ الله تعالى، فقلتُ: اللهمَّ! اجعلْنا من الصالحين، فإن لم تجعلْنا من الصالحين، فاجعلْنا من المخلِّطين الذين خلطوا عملاً صالحاً وآخرَ سيئاً، أو ما هذا معناه، فَبَعْدَ انقضاء المجلس، اعترض عليَّ بعضُ السامعين، فقال: يا سيدي! كيف تدعو الله أن يجعلنا

стр. 26

من المخلِّطين، والمعصيةُ مقررةٌ فيهم؟ قلت: سبحان الله! والعملُ الصالح مقرَّرٌ فيهم - أيضاً -، وهو أولى من أن نكون من المُصِرِّين، ﴿فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ﴾، ثم وقفتُ على كلام مُطَرِّفٍ، وهو ما روى البيهقيُّ عن مطرِّفٍ، قال: إني لأستلقي في الليل على فراشي، وأتدبَّرُ القرآنَ، فأعرِض نفسي على أعمالِ أهلِ الجنة، فإذا أعمالُهم شديدة: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾، ﴿يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا﴾، ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا﴾، فلا أُراني منهم، فأعرض نفسي على هذه الآية: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (٤٢) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ﴾ إلى قوله: ﴿نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ , فأرى القومَ مكذِّبين، فلا أراني منهم، فأمُرُّ بهذه الآية: ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا﴾، فأرجو أن كون منهم، فحمِدْتُ اللهَ تعالى على موافقته، على أن المخلِّطين المذكورين كانوا من أعيان الأنصار، والصحابة الأخيار، وأنَّى لنا باللحاق بأقلِّهم؟ وقوله تعالى: ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ , فـ ﴿عَسَى﴾ و ﴿لَعَلَّ﴾ هو في القرآن يدلاَّنِ على تحقيق ما بعدَهما بإجماع المحققين من المفسرين، فالتوبة مقبولة منهم بفضل الله تعالى. انتهى (١). ومما ذكره: فيما يجتنب التشبيه بالثيران ونحوها من الفَظَاظة، وجهر الصوت، والتكلُّم بما لا يليق بالمكان والزمان، والناس يشبِّهون كلَّ فَظٍّ غليظٍ بَليدٍ أكُولٍ بالبقرة والثور، وتقدم فيما أنشدناه عن عبد الحق الإشبيلي، وهو:

стр. 27

يا راكبَ الرَّوع لِلَذَّاته ... كأنه في أُتُنٍ عَيْرُ يأكُلُ من كلِّ الذي يشتهي ... كأنّه في كَلأٍ ثَوْرُ وكنت يوماً في جماعة، منهم: العلامةُ المنلا أسدُ الدين بنُ معينِ الدينِ العجميُّ - أحد تلاميذ والدي - عند بعض الصوفية، فبينما المنلا أسدٌ يقرأ الفاتحة، إذا فقير من فقراء ذلك الصوفيِّ صرّح مثوِّراً، فانذعر المنلا أسدٌ وانزعج، ثم التفتَ إلينا، وقال: واللهِ! لم أعلم قولَ فقراء الصوفية: (ثوروا)، مِن أيِّ شيء اشتقاقُه إلَّا في هذا الوقت، علمتُ أنه مشتق من لفظِ الثور، فإني رأيتُ هذا الرجل الآن خار خواراً كأنه ثور. وذَكَر أنَّ بعض الوعاظ كان يعظ طائفةً من الناس وهو يلقي الكلام، فنظر منهم إعراضاً ولَغَطاً، فأراد أن يستبطنهم، فقال: ألا اسمعوا يا بقر! فقال بعضهم: قلْ: يا ثور! (١). ونقلت من خطه، قال: أوردت في بعض مجالسي هذا الحديث: "يقولُ اللهُ تعالى للحَفَظَةِ يومَ القيامة: اكتُبُوا لعبدي كذا وكذا من الأجر، فيقولون: ربَّنا! لم نَحْفَظْ ذلكَ عنه، ولا هُوَ في صُحُفِنا؟ فيقول: إنَّة نَواهُ"، وقلت على هذا بديهةً، حتى كأن المُنشدَ على لساني ينشد هذين البيتين: تَلُومُوني على فِعْلٍ ... بِفَرْطِ اللَّومِ والعَتْبِ ولَمْ تَدروا الَّذي بيني ... وبينَ اللهِ في قلبي

стр. 28

وحَكَى: أنه رأى النبيَّ صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم في النوم في ليلة مرتين، فأنشده يقول: لَئِنْ تَقَضَّى زَمَنٌ أنتَ فيهْ ... فإنَّ آثارَكَ تكفي النَّبِيه مَنْ تَبِعَ الآثارَ منكَ اهْتَدَى ... ومَنْ أباها فهو في أَيِّ تِيْه صَلَّى عليكَ اللهُ يا سيدي ... مُسَلِّماً ما فاهَ بالنطقِ فيهْ أصله: (فيهِ) - بالحركة الظاهرة -. وله فوائد منظومة كثيرة، منها: قوله جامعاً آداب العيادة للمريض، وهي: إِنْ تَعُدْ يوماً مريضاً فليكُنْ ... في زمانٍ لاقَ فيه أن تَعودْ واطرُقِ البابَ برفقٍ ثم باسـ ... ـمكَ صرِّح، ما صديقٌ كالحسودْ واغضُضِ الطَّرفَ ولا تُكْثِرْ إذاً ... من سؤالٍ ثم خفِّفْ في القعودْ لا تَكَلَّم في الذي يُضْجِرُهُ ... أو له فيه ارتيابٌ في الوجود

стр. 29

ضَعْ عليه يَدَكَ اليمنى وعَنْ ... حالِه سَلْهُ على وجهٍ يَجُودْ أَظْهِرِ الرِّقَّةَ، وسِّعْ مُدَّةً ... وعِدَنْهُ بالعوافي أن تعودْ وأَشِرْ بالصَّبرِ، حَذِّرْ جَزَعاً ... وادعُ بالإخلاص مولاك الوَدُودْ تلك آدابُك إن عُدْتَ ومَن ... يَحْفَظُ الآدابَ يُرجَى أنْ يسودْ وله: التاريخ الذي ألفه في أعيان المئة العاشرة، وسماه بـ: "الكواكب السائرة"، والذيل الذي سماه: "لطف السَّمَر وقطف الثمر من تراجم أعيان الطبقة الأولى من القرن الحادي عشر"، والثاني أحدُ مادة تاريخي هذا، وكِلا الأثرين له جيد، جزاه الله على صنعهما خيراً، إلا أنهما يحتاجان إلى تنقيح وحُسن ضبط، فإن فيهما الغَثَّ، وتكريرَ بعض تراجم، وبعض سَهْوٍ في الوَفَيات، وما إخاله إلا أنه أجاد كلَّ الإجادة في هذا الجمع على كل حال، وأما ما فيه من بعض الأغراض، فقد عرفت بها المؤرخون في الماضي. ثم تصدَّر للإقراء والتدريس، فدرَّس بالشامية البرَّانية، تفرغ له عنها الشهابُ العيثاوي اختياراً، وكذلك فَرَّغ له عن تدريسٍ بالعُمُرية، وعن إمامةٍ بالجامع الأموي، وعن وعظٍ به بعد أن وَلِيَه عن الشيخ أحمدَ بنِ الطيبي، ثم وَلِيَ العيثاويُّ الوعظَ - أيضاً - عن الشمس الداوديِّ،

стр. 30

ففرغ له ولابن أختِه البدرِ الموصلىِّ، وأذن له العيثاويُّ بالكتابة على الفتوى قبل وفاته بنحو عشرين سنة، فكتب في هذه المدة على فتوى واحدة في الفقه، وغير واحدة في التفسير؛ تأدبا مع العيثاوي، فلما كان قبل وفاته بنحو خمسة أيام، دخل النجمُ عليه، فحضَرَتْ فتوى، فقال له: اكتبْ عليها، فكتب وقال: اكتبْ اسمكم، قال: بل اكتبُ اسَمك، فكتبه، ثم تتابعت عليه الفتاوى، فاستمرَّ يُفتي من سنة خمس وعشرين وألف إلى سنة إحدى وستين، وهي سنة وفاته (١). وكان مُغْرَماً بالحج إلى بيت الله الحرام، واتفق له مَرَّاتٍ؛ فأولُ حَجَّاته كانت في سنة إحدى وألف، قال في ترجمة والده في "الكواكب": بمناسبة وقع لنا اتفاقٌ غريب، وهو أنَّا حَجَجْنا في سنة إحدى وألف، وهي أولُ حجةٍ حججتُها، وكنا نترجَّى أن يكون عرفة يومَ الإثنين، فرأينا هلالَ ذي الحجة ليلةَ السبت، وكان وقوفُنا بعرفةَ يوم الأحد، وهو خلافُ ما كان الناس يتوقعونه، فقلت لبعض إخواننا من أهل مكة وغيرهم؛ ظهر لي اتفاقٌ غريب، وهو أن الله تعالى قدر الوقوف

стр. 31

يومَ الأحد في هذا العام؛ لأنه عام أحد بعد الألف، فاستحسنوا ذلك، وقلت مقيِّدًا لهذا، وهو: لقد حَجَجْنا عامَ ألفٍ وأَحَدْ ... وكانتِ الوَقْفَةُ في يومِ الأَحَدْ اليومُ والعامُ توافَقَا معاً ... فَجَلَّ مولانا المُهيمنُ الأحَدْ وسافر إلى حلب مع شيخه العيثاويِّ في جماعة من مشايخ دمشق، منهم: السيدُ محمدُ بنُ عجلانَ نقيبُ الأشراف، والسيدُ إبراهيمُ بنُ مسلمٍ الصماديُّ، والسيدُ أحمدُ بنُ على الصفوريُّ، في آخرين، إلى الوزير محمد باشا؛ بقصد رفع التكليف عن أهل دمشق بسبب سفر العجم الواقع ذلك في سنة خمس وعشرين وألف. ولما وُجِّهَتْ عنه الشاميةُ للشمس الميداني - كما ذكرناه في ترجمة الميداني -، سافر إلى الروم في سنة اثنتين وثلاثين وألف، وقُرِّرَ في المدرسة، إلى أن جاء الميدانيَّ تقريرٌ آخر، فاشتركا في المعلوم، ثم لم تمض سنة حتى مات الميداني، فاستقل بالمدرسة، وجلس مكان الميداني تحت القبة في الجامع الأموي لإقراء "صحيح البخاري" في الأشهر الثلاثة: رجب، وشعبان، ورمضان، ورَأَس الرياسة التامة، ولم يبق من أقرانه الشافعية أحدٌ، وهَرَعَتْ إليه الناس والطلبة، وعظم قدرُه، وبَعُدَ صيتُه، وكان قارئُ الدَّرس بين يديه السيدَ أحمدَ بنَ عليٍّ الصفوريَّ، ثم الشيخَ الإمامَ رمضانَ بنَ عبدِ الحق العكاريَّ، ثم الشيخَ العالمَ مصطفى بنَ سوارٍ، وكانت مدةُ جلوسه تحت قبة

стр. 32

النسر سبعة وعشرين سنة، وهو قدرُ مدةِ المَيدانيِّ، وهو غريبُ الاتفاق، وانتفع الناس به، وأخذوا عنه طبقةً بعد طبقة، وهم في الكثرة لا يحوم الإحصاء حولهم. وكان له بالحجاز الصِّيتُ الذائع، والذكرُ الشائع، وحكى الشيخ العالم التقي الشيخ حمزةُ بنُ يوسفَ الدُّومانيُّ ثم الدمشقيُّ الحنبليُّ - أبقاه الله تعالى - غيرَ مرة: أنه لمَّا حج في سنة تسع وخمسين وألف، كان النجم حاجاً تلك السنة، وهي آخر حجاته، وكذلك الشيخ منصور السطوحيُّ كان حاجاً، قال: وكنت في صحبة الشيخ منصور، فبينما أنا ذات يوم عند الشيخ منصور بخَلْوة عند باب الزيارة، وإذا بحسِّ ضجة عظيمة، قال: فخرجت فنظرت، وإذا بالشيخ النجم بينهم وهم يقولون له: أجزنا، ومنهم من يقول: هذا حافظ العصر، ومنهم من يقول: هذا حافظ الشام، ومنهم من يقول: هذا محدث الدنيا، فوقف عند باب الزيارة، وقال لهم: أجزتكم بما تجوز لي روايتُه بشرطه عند أهله بشرط أن لا يلحقَنا أحدٌ حتى نطوف، ثم مشى إلى المَطاف، فما وصل إليه إلا وخلفَه أناسٌ أكثر من الأول، فوقف وأجازهم كما تقدم، وقال لهم: بشرط أن لا يَشْغَلَنا أحدٌ عن الطواف، قال: فوقف الناس، وطاف الشيخ، قال: ولم يكن يطوف مع الشيخ إلا أناسٌ قلائلُ كأنما أُخلي له المَطَاف، فلما فرغ من الطواف، طَلَبوا منه الإجازة - أيضاً -، فأجازهم، ثم أرسل الشيخ منصور، ودعاه إلى الخَلْوة، فذهب، ولحقه الناس إلى باب الخلوة، وطلبوا منه الإجازة، فأجازهم، ودخل

стр. 33

الخلوة، ثم جاء الشمس محمدٌ البابلىُّ، ثم بعد هُنَيَّةٍ جاء الشريفُ زيدٌ صاحبُ مكةَ، فلما استقر بهم المجلس، تذاكروا أمر الساعة، فأخذ الشمس البابلي في الكلام، فقال النجم بصوت مزعج، وقد جلس على ركبتيه، وشرع يُورد أحاديث الساعة بأسانيدها وعَزْوها لمخرِّجيها، ويتكلم على معانيها، حتى بَهَر العقولَ، وأطال في ذلك، ثم لما فرغ، قال البابليُّ: تجيزونا يا مولانا! بما لكم؟ وكذلك استجازه الشيخُ منصورٌ، والشريفُ زيدٌ، وأنا ومَنْ حضر، فأجازَ الجميعَ، ثم قدَّم لهم الشيخ منصور مِنْ عنده سماطاً، وأردفه الشريف زيدٌ بأشياءَ من المآكل، فلما فرغوا، انصرف الشيخُ النجمُ، وبقي البابلي، فقال للشيخ: سبحان الله! ما هذا إلا عن نبأ عظيم، فقال له الشيخ منصور: أنا كنتُ إذا رأيتُ كُتبَه وتصانيفَه أَعْجَبُ منها، وإذا اجتمعت به، لا يتكلم إلا قليلاً، فأَعْجَبُ من ذلك، ولكن الآن تحقَّقَ عندي علمُه وحفظُه، انتهى. وكان قبل موته بست سنوات أو سبع سنوات اعتراه طَرَفُ فالِجٍ، فكان لا يتكلم إلا قليلاً، فعُدَّ هذا المجلسُ وكثرةُ الكلام فيه بالمناسب لِمَا هُم بصدده من غير توقُّف ولا تلعثُم كرامةً له، وهو محل الكرامة، فقد أخبر بعض الثقات: أنه سأل بعض الصالحين عن الأبدال بالشام، فعدَّ منهم ثلاثة، أحدُهم النجم. وما اشتهر من أن سكوته بذلك العارض كان من الشيخ حسين بن فرفرة - كما ذكرناه في ترجمة الشيخ حسين - لا يقدح في ولايته كما

стр. 34

يُظن، ولعل ذلك كان سبباً لولايته في مقابلة انكسارٍ حصل له (١).

стр. 35

وتوجَّه إلى القدس قربَ موته هو والشيخُ إبراهيمُ الصماديُّ في جمعية عظيمة، ونزلا إلى الرَّملة، وزارا تلك المعاهد، ورجعا إلى دمشق، فتخلَّى النجمُ للعبادة، وتركَ التأليفَ، وبلغت به السنُّ إلى الهَرَم. وبالجملة: فهو خاتمة حُفَّاظ الشام (١). وكانت وفاتُه يوم الأربعاء، ثامن عشر جمادى الآخرة، سنة إحدى وستين وألف، عن ثلاث وثمانين سنة وعشرة أشهر وأربعة أيام، ودفن بمقبرة الشيخ أرسلان. ومن غريب ما اتفق له في درسه تحت القبة: أن الشمسَ الداوديَّ كان وصل في قراءته البخاري إلى (باب: كان ﷺ إذا صلَّى، لا يَكُفُّ شَعَراً ولا ثوباً)، ودرَّس بعده الشمسُ الميدانيّ من ذلك الباب إلى (باب: مناقب عمارِ بنِ ياسرٍ)، وتوفي، ودرَّس من بعده النجمُ إلى أن أكمله في ثلاث سنوات، ثم افتتحه وخَتَمه، وأعاد قراءته إلى أن وصل إلى (باب: البكاء على الميت). ووقع له قبل موته بيومين: أنه طلع إلى بساتينه أوقافِ جدِّه، واستبرأ الذمةَ من الفلاحين، وطلب منهم المسامحةَ، وفي اليوم الثاني

стр. 36

دَارَ على أهله: ابنتِه، وبنتها، وغيرِهم، وزارَهم، وأتى إلى منزله بيتِ زوجتِه أمِّ القاضي يحيى بنِ حميد بزقاق الوزير الآخذ إلى سوق جَقْمَق، وصلى المغرب، ثم جلس لقراءة الأوراد، وأخذ يسأل عن أذان العشاء، وأخذ في ذكر: لا إله إلا الله، وهو مستقبلٌ القبلةَ، ثم سُمعَ منه وهو يقول: بالذي أرسلكَ، ارفُقْ بي، فدخلوا عليه، فرأوه قد قَضَى نحبَه، ولَقِيَ ربَّه - رحمه الله تعالى -. ورثاه جماعة من الفضلاء، منهم: الأديبُ محمدُ بنُ يوسفَ الكريميُّ، رثاه بقصيدة طويلةٍ مطلعُها: لمَّا لِجنَّاتِ العُلا ... شيخُ الشيوخِ انتقلا وجعل تاريخَ الوفاة في بيت هو آخر القصيدة، وهو هذا: يا نجمَ دينِ الله مِنْ ... أُفْقِ دمشقٍ أَفَلا

стр. 37

الفَصْلُ الثَّاني: دِرَاسَة الكِتَاب المبحث الأَوَّل: تَحقِيْق اسمِ الكِتَاب لا أدلَّ على إثبات تسمية كتاب من الكتب من تنصيص المؤلِّف عليه، ورَقْمِه اسمَه بخطِّ يده، وهذا ما كان في هذا الكتاب؛ حيث جاء في آخر النسخة الخطية للجزء الأول بخط مؤلفه، وكذا على غلاف الجزء الثالث ونهايته قوله: "حسن التنبُّه لما ورد في التشبُّه". وكذا نصَّ المؤلف في مقدمة كتابه حيث قال: "سميت هذا الكتاب: حسن التنبه لما ورد في التشبه" (١). وكذا جاء على غلاف النسخة الخطية للمكتبة الظاهرية، والتي رمزنا لها بـ "أ"، وهو الذي اعتمدناه في اسم الكتاب، وأثبتناه على غلاف هذه الطبعة. أما المترجمون للإمام نجم الدين الغزي، فاختصروا اسم الكتاب، وبدَّلوا فيه؛ فذكره أبو المواهب الحنبليُّ في "مشيخته" بـ: "حسن التنبيه في التشبيه" (٢).

стр. 38

وكذا ذكره المحبي في "خلاصة الأثر" (١). وعرَّف شمسُ الدين الغزي مؤلِّفه بكتابه هذا حيث قال: "مؤلف حسن التنبيه فيما ورد في التشبيه" (٢). وذكره الحَمَوي في "فوائد الارتحال" بقوله: "التنبيه في التشبيه" (٣). والصواب ما أسلفنا قبلُ، وهو تسميته بـ "حسن التنبه لما ورد في التشبه"، كما أراده مؤلِّفه وسطَّره بيده.

стр. 39

المبحث الثَّاني: إِثباتُ صِحَّةِ نِسبَةِ الكِتَابِ إِلَى مُؤَلِّفِهِ اجتمعَتْ على صحة نسبة هذا الكتاب الجليل، والمنعوتِ بـ "حسن التنبه لما ورد في التشبه" للإمام نجم الدين محمد الغزي، عدة أمور، منها: ١ - النسخة الخطية لهذا الكتاب، والمكتوبة بخط مؤلفه، وهي نسخة قيمة جليلة؛ كما سنشير إلى ذلك في وصف الأصول المعتمدة في التحقيق؛ حيث جاء على غلافها قوله: "حسن التنبه لما ورد في التشبه" لكاتبه نجم الدين محمد بن محمد بن محمد بن محمد بن أحمد الغزي الشافعي - عفا الله عنه -. وجاء في آخرها: "جمع كاتبه نجم الدين محمد .... ". وكذا أثبت على غلاف النسخة الخطية للمكتبة الظاهرية في مجلداتها السبعة. ٢ - نقلُه عن والده الإمامِ بدرِ الدين محمدٍ الغزيٍّ بالتصريح بقوله: (قال شيخ الإسلام والدي)، ونحو ذلك، وسردُ إسناده المتصل في بعض المرويات عن طريقه، ونقلُه من كتبه في مواضع

стр. 40

كثيرة؛ خصوصاً "التفسير". وكذا الأمر في نقله عن جده الإمام رضيِّ الدين محمدٍ الغزيِّ في "ألفية التصوف"، وغيرها، وتصريحه بقوله: "قال جدي"، أو: "قال شيخ الإسلام جدي"، ونحو ذلك. ٣ - نقلُه في مواضعَ كثيرةٍ عن مشايخه؛ كالشيخِ العيثاويِّ، والشيخ يحيى العماريِّ، ومحبِّ الدينِ الحنفيِّ، وغيرِهم. ٤ - ذكرُ المؤلفِ لكثيرٍ من كتبه، ونقلُه عنها، والإحالةُ بالرجوع إليهاة ككتابه: "منبر التوحيد"، و"منظومة خصائص الجمعة"، و"بلغة الواجد في ترجمة الوالد"، وغيرها. ٥ - ذكرُ العلماءِ المترجمينَ له لكتابه هذا، ونقلُهم عنه مواضع كما مرَّ في ترجمته في نقل المحبي، وأبي المواهب.
следующие страницы →