← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 14592

حسن التنبه لما ورد في التشبه

نجم الدين الغزي

Полный текст (6 623 стр.). Показаны 1401–1440 · переход к 1406.

стр. 1401

ونقل أبو طالب المكي عن سهل بن عبد الله التُّستري رحمه الله تعالى أنه قال: مخالطة الولي للناس ذل، وتفرده عز، وقَلَّما رأيت ولياً لله إلا منفردًا (١). ونقل القشيري عنه قال: الولي الذي توالت أفعاله على الموافقة (٢). ونقل عنه غيره أنه قال: الولاية ملك (٣) النفس وسعة الصدر (٤). وروى أبو نعيم عن أبي يزيد رحمه الله تعالى قال: أولياء الله مخدرون معه في جمال (٥) الأنس به، لا يراهم أحد في الدنيا والآخرة إلا من كان محرمًا لهم، وأما غيرهم فلا إلا منتقبين من وراء حجبهم (٦). وروى القشيري عنه قال: أولياء الله عرائس الله، ولا يرى العرائس إلا المحرمون، وهم مخدرون عنده في جمال الإنس، لا يراهم أحد في الدنيا ولا في الآخرة (٧)؛ فلا يراهم أحد على ما هم عليه وإن رأوا أجسادهم وخالطوهم وهم غير عارفين بهم.

стр. 1402

أما في الدنيا فالولي يكون بين ظهرانيهم وهم يحسبونه كواحد منهم، وهو مشاهد لمولاه ملاحظ لرضاه. وأما في الآخرة فالولي يراه من يراه فيما يكون فيه بظاهره، ولا يعلمون ما بينه وبين الله من القرب والمسارة. بل من أولياء الله تعالى من يستره الله تعالى في الدنيا بما يخيِّله إلى حُسَّاده من الركون إليها والعكوف عليها، والعصيان فيها، وهو فيما بينه وبين الله تعالى في طاعة (١). وفي المعنى قلت: [من الهزج] يَلُومُوني على فِعْلِي ... بِفَرْطِ اللَّوْمِ وَالعَتَبِ وَلا يَدْرُونَ ما بَيْني ... وَبَيْنَ اللهِ في قَلْبِي تَرانِي مُبْعِداً عَنْهُ ... وَإِنِّي مِنْهُ في قُرْبِ وروى [القشيري عن] النصرآبادي قال: ليس للأولياء سؤال، إنما هو الذبول والخمود. قال: نهايات الأولياء بدايات الأنبياء ﵈ (٢).

стр. 1403

قال القشيري: وقال أبو عثمان المغربي: الولي قد يكون مشهوراً، ولكن لا يكون مفتونًا. قال: وقال يحيى بن معاذ: الولي لا يرائي ولا ينافق، وما أقل صديق من كان هذا خلقه. قال: وقال أبو علي الجوزجاني: الولي هو الفاني في حاله، الباقي في مشاهدة الحق، تولى الله سياسته (١) فتوالت عليه أنوار التولي، لم يكن له عن نفسه أخبار ولا مع غيره قرار (٢). قال: وقال يحيى بن معاذ. الولي ريحان الله في الأرض يشمه الصديقون، فتصل رائحته إلى قلوبهم، فيشتاقون به إلى مولاهم، ويزدادون عبادة على تفاوت أخلاقهم (٣). قلت: وهذا من معاني قوله ﷺ في الأولياء: "الَّذِينَ يُذْكَرُ اللهُ لِرُؤْيتهِمْ أَوْ بِذِكْرِهِمْ" كما تقدم. قال القشيري: وقال يحيى في صفة الأولياء: هم عباد تسربلوا بالأنس بعد المكابدة، واعتنقوا الرَّوح بعد المجاهدة بوصولهم إلى مقام الولاية (٤).

стр. 1404

قال: وسئل الواسطي رحمه الله تعالى: كيف يغذى الولي في ولايته؟ قال: في بدايته بعبادته، وفي كهولته بستره بلطافته، ثم يجذبه إلى ما سبق له من نعوته وصفاته، ثم يذيقه طعم قيامه به في أوقاته. قال: وقال الخرّاز رحمه الله تعالى: إذا أراد الله أن يوالي عبدًا من عبيده فتح عليه باب ذكره، فإذا استلذ الذكر فتح عليه باب القرب، ثم رفعه إلى مجالس الأنس، ثم أجلسه على كرسي التوحيد، ثم رفع عنه الحجب، وأدخله دار الفردانية، وكشف عنه الجلال والعظمة، فإذا وقع بصره على الجلال والعظمة بقي بلا هو، فحينئذ صار العبد زمِناً فانيًا، فوقع في حفظه سبحانه، وبرئ من دعاوى نفسه (١). وقال في باب الذكر: سمعت الأستاذ أبا علي الدقاق رحمه الله تعالى يقول: الذكر منشور الولاية؛ فمن وفق للذكر فقد أعطي المنشور، ومن سلب الذكر فقد عزل (٢). وقال جدي رضي الدين رضي الله تعالى عنه في "ألفيته" في معناه: [من الرجز] وَالذِّكْرُ مِنْهُ مَدَدُ الكَرامَة ... وَهْوَ عَلى وِلايَةٍ عَلامَة ويؤيده ما رواه الشيخان، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه عن

стр. 1405

أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "يَقُولُ اللهُ تَعالَى: أَنا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، وَأَنا مَعَهُ إِذا ذَكَرَني" (١). وروى ابن ماجه، وابن حبان، والبيهقي من حديثه، والحاكم -وصححه - من حديث أبي الدرداء رضي الله تعالى عنه عن النبي ﷺ أن الله يقول: "أَنا مَعَ عَبْدِي إِذا هُوَ ذَكَرَني وَتَحَرَّكَتْ بِي شَفَتاه" (٢). وصحح الحاكم أيضًا عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "قالَ اللهُ تَعالَى: عَبْدِي! أَنا عِنْدَ ظَنكَ بِي وَأَنا مَعَكَ إِذا ذَكَرْتَنِي" (٣). وهذه المعية معية النظرة والحفظ والمعونة، وهو معنى ولاية الله تعالى لعبده؛ فمن ذكر الله تعالى ذِكْرَ طاعة وتعظيم وإجلال، فتوفيقه للذكر دليل ولاية الله تعالى. وروى أبو عبد الرحمن السلمي في "طبقاته" عن أبي حفص الحداد

стр. 1406

رحمه الله تعالى قال: الولي من أيد بالكرامات وغيب عنها (١). وروى أبو الحسن بن جهضم عن أبي محمَّد الجريري رحمه الله تعالى قال: من لم تكن فيه خصلتان فلا يطمع في الولاية: نزاهة طبع، وخلقه ظرف. قلت: نزاهة الطبع طهارته ونظافته من الأخلاق السيئة والخلال القبيحة، فإما أن يكون ذلك في أصل الطبع والجبلة كحال ابني الخالة عيسى ويحيى ﵉. وإما أن يكون ذلك مخالفًا لطبعه، وهو أعظم أجرًا من الأول لأنه في جهاد، ولا يعذر في موافقة طبعه المخالف لما أمر به كما قال أبو القاسم الجنيد رحمه الله تعالى: الإنسان لا يعاب بما في طبعه، إنما يعاب إذا فعل ما في طبعه. رواه أبو نعيم (٢). والمراد بالظرف ما رواه ابن جهضم عن الجنيد رحمه الله تعالى: أن رجلًا وقف عليه في حلقته فقال له: جئتك من أقصى خراسان في مسألة. فقال له: سل. فقال له: ما الظرف؟ فأطرق أبو القاسم رأسه، ثم قال: الاجتناب لكل خلق دنِيٍّ،

стр. 1407

واستعمال كل خلق سنِيٍّ، وأن يعمل لله ثم لا ترى أنك عملت. وسئل الحسن عن الظريف، فقال: هو الحسن الدين، المتنزه عن القبيح. رواه ابن جهضم أيضًا. وأنشدوا: [من الكامل] لَيْسَ الظَّرِيفُ بِكامِلٍ فِيْ ظُرْيفهِ ... حَتَّى يَكُونَ عَنِ الْحَرامِ عَفِيفا (١) فالظرف (٢): في اللسان البلاغة، وفي الوجه الحسن، وفي القلب الذكاء؛ كما في "النهاية" (٣). وذكر السلمي في "حقائقه" عن أبي عبد الله السِّجزي رحمه الله تعالى قال: علامة الأولياء ثلاث: تواضع عن رفعة، وزهد عن قدرة، وإنصاف عن قوة. وكل واعظ يقوم الغني من مجلسه فقيرًا والفقير غنيًّا فليس بواعظ (٤). وعن أبي بكر الواسطي رحمه الله تعالى قال: علامة الولي أربعة: أولها: أن يحفظ سرائره التي بينه وبين ربه مما يرد عليه من

стр. 1408

المصائب فلا يشكو. والثاني: أن يصون كرامته له، فلا يتخذها رياء ولا سمعة، ولا يغفل عنها هواناً. والثالث: أن يحتمل أنس خلقه فلا يكافئهم. والرابع: أن يداري عباده على تفاوت أخلاقهم لأنه رأى الخلق لله، وفي أسر القدرة، فعاشرهم على رؤية ما منهم إليه (١). وعن جعفر الصادق رحمه الله تعالى قال: لا بد للعبد المؤمن من ثلاث سنن: سنة الله، وسنة الأنبياء صلى الله عليهم وسلم، وسنة الأولياء. فسنة الله كتمان السر. قال تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا﴾ [الجن: ٢٦]. وسنة النبي ﷺ مداراة الخلق. وسنة الأولياء الوفاء بالعهد، والصبر في البأساء والضراء (٢). وقال الأستاذ أبو القاسم الجنيد رحمه الله تعالى: الإيمان بطريقنا هذا ولاية. وروى أبو القاسم الأصبهاني عن عبد الصمد بن معقل قال: سمعت

стр. 1409

رجلًا يسأل وهبًا (١) -يعني: ابن منبه- في المسجد الحرام، فقال: حدثني عن زبور داود ﵇. فقال: وجدت في آخره ثلاثين سطراً: يا داود! اسمع مني والحق أقول؛ من لقيني وهو يحبني أدخلته جنتي. يا داود! اسمع مني والحق أقول؛ من لقيني وهو مستحي من معاصيَّ أنسيت حفظَتَه ذنوبه. يا داود! اسمع مني والحق أقول؛ لو أن عبدًا من عبادي عمل حشو الدنيا ذنوبًا، ثم ندم حلب شاة، واستغفرني مرة واحدة، فعلمت من قلبه أنه لا يريد أن يعود إليها، ألقيتها عنه أسرع من هبوط (٢) المطر من السماء على الأرض. يا داود! اسمع مني والحق أقول؛ لو أن عبدًا من عبادي أتاني بحسنة واحدة حكمته في جنتي. قال داود ﵇: إلهي! من أجل ذلك لا يحل لمن عرفك أن يقطع رجاءه منك. قال: يا داود! إنما يكفي أوليائي اليسير من العمل كما يكفي الطعام القليل من الملح. هل تدري يا داود متى أتولاهم؟ إذا طهروا قلوبهم من الشرك،

стр. 1410

ونزعوا من قلوبهم الشك، وعلموا أن لي جنةً وناراً، وأني أحي وأميت، وأبعث من في القبور، ولم أتخذ صاحبة ولا ولدًا؛ فإن توفيتهم بيسير من العمل وهم يوقنون بذلك جعلته عظيمًا. هل تدري يا داود من أسرع الناس مَرًّا على الصراط؟ الذين يرضون بحكمي وألسنتهم رطبة من ذكري. هل تدري يا داود أي المؤمنين أحب إلي؟ الذي إذا قال: لا الله إلا الله اقشعر جلده، إني أكره له الموت كما يكرهه (١) الوالد لولده، ولا بد له منه، إني أريد أن أُسره في دار سوى هذه [الدار]؛ فإن نعيمها فيها بلاءً، ورخاءها فيها شدة، فيها عدو لا يألوهم فيها خَبالاً، من أجل ذلك عجلت أوليائي إلى الجنة، لولا ذلك ما مات آدم وولده حتى ينفخ في الصور. يا داود! [إني أدري] ما تقول في نفسك؛ تقول: قطعت عنهم عبادتهم؛ أما تعلم ما أثيب المؤمن على عشرة يعثرها؟ فكيف إذا ذاق الموت، وهو أعظم المصيبات، وهو بين أطباق التراب؟ إنما أحبسه طول ما أحبسه لأعظم له الأجر، وأجري عليه أحسن ما كان يعمل إلى يوم القيامة. يا داود! من أجل ذلك سميت نفسي أرحم الراحمين (٢).

стр. 1411

قلت: جميع ما في هذا الأثر موافق لما جاء مرفوعًا عن النبي ﷺ ، ولا يناقض قوله فيه: وأجري عليه أحسن ما كان يعمل إلى يوم القيامة؛ حديثَ مسلم: "يَنْقَطِعُ عَمَلُ ابْنِ آدَمَ إِلاَّ مِنْ ثلاثٍ" (١)، ونحوه لأن قوله: وأجري عليه أحسن ما كان يعمل؛ أن الله تعالى يجري على المؤمن بعد موته ثواب ما نوى أن يعمله وأدركه الأجل قبل العمل. ومن ثم قال رسول الله ﷺ : "نِيَّةُ الْمُؤْمِنِ خَيْر مِنْ عَمَلِه". رواه الطبراني في "الكبير" من حديث سهل بن سعد، والبيهقي في "الشعب" من حديث أنس رضي الله تعالى عنه (٢). وقال سعيد بن المسيب رحمه الله تعالى: مَن همَّ بصلاة أو صيام، أو حج أو عمرة، أو غزو، فحيل بينه وبين ذلك، بلَّغه الله ما نوى (٣). وقال ثابت البناني رحمه الله تعالى: نية المؤمن أبلغ من عمله؛ إن المؤمن ينوي أن يقوم الليل، ويصوم النهار، ويخرج من ماله، فلا تتابعه

стр. 1412

نفسه على ذلك، فنيته أبلغ من عمله (١). وقال مالك بن دينار رحمه الله تعالى: إن للمؤمن نية في الخير هي أبدًا أمامه لا يبلغها عمله، وإن للفاجر نية في الشر هي أبدًا أمامه لا يبلغها عمله، والله مبلغ بكل ما نوى (٢). وقال الحسن رحمه الله تعالى: المؤمن تبلغ نيته وتضعف قوته، والمنافق تضعف نيته وتبلغ قوته (٣). روى هذه الآثار ابن أبي الدنيا في كتاب "الإخلاص والنية". قلت: وفي قوله ﷺ في حديث عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه: "إِنَّما الأَعْمالُ بِالنيَّاتِ، وَإِنَّما لِكُلِّ امْرِئٍ ما نَوى" (٤) إشارة إلى مسألتين عظيمتين: الأولى: أن النية تارة تكون مع العمل، وتارة تكون دون عمل، فأشار إلى الأول بقوله: "إِنَّما الأَعْمالُ بِالنِّيَّاتِ"، وإلى الثاني بقوله: "وَإِنَّما لِكُلِّ امْرِئٍ ما نَوى"؛ أي: سواء عمل أو لم يعمل. والمسألة الثانية: أن العمل لا ينفع مستقلًّا دون نية، وأن النية تنفع مستقلة دون العمل، ومن ثم كانت نية المؤمن خيراً من عمله

стр. 1413

وأبلغ من عمله. وروى الإِمام أحمد، والترمذي -وصححه، واللفظ له - عن أبي كبشة الأنماري رضي الله تعالى عنه: أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "ثَلاثٌ أُقْسِمُ عَلَيْهِنَّ، وَأُحَدِّثُكُمْ حَدِيثًا فَاحْفَظُوه" قال: "ما نَقَصَ مالُ عَبْدٍ مِنْ صَدَقَةٍ، وَلا ظُلِمَ عَبْدٌ مَظْلَمَةً فَصَبَرَ عَلَيْها إِلاَّ زادهُ اللهُ عِزًّا، وَلا فَتَحَ عَبْدٌ بابَ مَسْأَلَةٍ إِلاَّ فَتَحَ اللهُ عَلَيْهِ بابَ فَقْرٍ"؛ أو كلمة نحوها. قال: "وَأُحَدِّثُكُمْ حَدِيثًا فَاحْفَظُوهُ؛ إِنَّما الدُّنْيا لأَرْبَعَةِ نَفَرٍ؛ عَبْدٍ رَزَقَهُ اللهُ مالًا وَعِلْمًا، فَهُوَ يتَّقِي فِيهِ رَبَّهُ، وَيَصِلُ فِيهِ رَحِمَهُ، وَيَعْلَمُ لِلَّهِ فِيهِ حَقًّا؛ فَهَذا بِأفْضَلِ الْمَنازِلِ. وَعَبْدٍ رَزَقَهُ اللهُ عِلْمًا وَلَمْ يَرْزُقْهُ مالًا، فَهُوَ صادِقُ النِّيَّةِ، يَقُولُ: لَوْ أَنَّ لِي مالًا لَعَمِلْتُ فِيهِ بِعَمَلِ فُلانٍ، فَهُوَ بِنِيَّتِهِ؛ فَأَجْرُهُما سَواءٌ. وَعَبْدٍ رَزَقَهُ اللهُ مالًا وَلَمْ يَرْزُقْهُ عِلْمًا، فَهُوَ يَخْبِطُ في مالِهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ، وَلا يتَّقِي فِيهِ رَبَّهُ، وَلا يَصِلُ فِيهِ رَحِمَهُ، وَلا يَعْلَمُ لِلَّهِ فِيهِ حَقًّا؛ فهُوَ بِأَخْبَثِ الْمَنازِلِ. وَعَبْدٍ لَمْ يَرْزُقْهُ اللهُ مالًا وَلا عِلْمًا، فَهُوَ يَقُولُ: لَوْ أَنَّ لِي مالًا لَعَمِلْتُ فِيهِ بِعَمَلِ فُلانٍ، فَهُوَ بِنِّيَّتِهِ؛ فَوِزْرُهُما سَواءٌ" (١). قلت: وفي هذا الحديث دليل على أن العلم هو الذي ينفع العبد

стр. 1414

-سواء كان له مال، أو لا مال له- وأن الجهل مع المال ودونه ضار، وإذا كان كذلك فكيف بعالم عَمِل عمَل هذين الجاهلَين، فهو أخبث منهما. وسيأتي في (١) القسم الثاني من الكتاب الكلام على قباحة تشبه العالم بالجاهل. ثم يعلم من الحديث أن الولاية لا تكون مع الجهل؛ لأنَّ من آمن ونوى خيرًا، وعمل صالحًا هو الولي بعينه، فإذا جهل في نيته وجهل في عمله فليس له من الولاية نصيب. ومن ثم قال الإِمام أبو حنيفة، والإمام الشافعي رضي الله تعالى عنهما: إن لم يكن العلماء العاملون أولياءَ الله فليس لله ولي (٢). وقال بعض السلف: ما اتخذ الله من ولي جاهل، ولو اتخذه لعلَّمه. وليس هذا بحديث، ولكنه مشهور على الألسنة. قال السخاوي في "المقاصد الحسنة": قال شيخنا؛ يعني: قاضي القضاة ابن حجر العسقلاني: ليس بثابت في المرفوع، ولكن معناه صحيح (٣). والمراد بقوله: ولو اتخذه لعلَّمه؛ يعني: لو أراد اتخاذه وليًا لعلمه ثم اتخذه وليًا.

стр. 1415

قلت: وحكى السخاوي في ترجمة ابن حجر: أنه مر بالشيخ محمَّد ابن أحمد الصعيدي المعروف بالفرغل، وكان يومئذ بمصر دخلها في شفاعة، فقال ابن حجر في سره: ما اتخذ الله من ولي جاهل، ولو اتخذه لعلَّمه؛ على طريق الإنكار. فقال له الشيخ محمَّد: قف يا قاضي، فوقف، فأمسكه وأخذ يقول: بل اتخذني وعلمني! بل اتخذني وعلمني (١)! قلت: ويكفي الولي من العلم قدر ما يحتاج إليه في إصلاح طريقه من علوم الشريعة، ثم إن لجماعة من أولياء الله تعالى علومًا خصهم الله بها من علوم المعاملات، أو علوم المكاشفات، وهو حقيقة العلم، ومطلوب كل متعلم أخلص في طلبه. روى ابن باكويه الشيرازي عن عبد الله بن أحمد بن حنبل قال: جرى ذكر معروف الكرخي في مجلس والدي، فقال واحد من الجماعة: هو قصير العلم. فقال له والدي: أمسك عافاك الله؛ وهل يراد العلم إلا لما وصل إليه معروف؟ ورواه الخطيب من طريق آخر وقال: وهل يراد من العلم إلا ما وصل إليه معروف (٢)؟

стр. 1416

وقال المعافى بن زكريا: حدثت عن عبد الله بن أحمد بن حنبل أنه قال: قلت لأبي: هل كان مع معروف شيء من العلم؟ فقال: يا بني! كان معه رأس العلم، خشية الله تعالى. رواه ابن الجوزي في ترجمة معروف رضي الله تعالى عنه (١). وقال أبو سعيد الخرّاز رحمه الله تعالى عن الأولياء في الدنيا: يطيرون بقلوبهم في الملكوت، يرتادون (٢) ألوان الفوائد والحكمة، ويشربون من عين المعرفة، فهم يفرون من فضول الدنيا، ويأنسون بالمولى، ويستوحشون من نفوسهم إلى وقت موافاة الرحيل (٣). وأقول: [من المجتث] لله أَهْلُ الرِّعايَة ... نالُوا الرِّضا بِالرِّعايَة بِالعِلْمِ حازُوا الوِلايَة ... رِوايَةً أَوْ دِرايَة عُوفُوا مِنَ الْجَهْلِ حَتَّى ... نالُوا التُّقَى وَالْهِدايَة أَوْلاهُمُ اللهُ مِنْهُ ... حِمايَةً وَكِفايَة بِدايَةُ القَوْمِ مِنْهُ ... كَما إِلَيهِ النِّهايَة ***

стр. 1417

فَصْلٌ ينبغي للعبد طلب الولاية من الله تعالى مع التحري لما ورد في الحديث: "وَمَنْ يَتَحَرَّ الْخَيْرَ يُعْطَهُ" (١). وقيل: لكل طالب نصيب. وقد شرع لنا طلب الهداية والعافية، والولاية، والبركة، والوقاية في كل يوم مرة في صلاة الفجر في دعاء القنوت: "اللهُمَّ اهْدِنِي فِيمَنْ هَدَيْتَ، وَعافِنِي فِيْمَنْ عافَيْتَ، وَتَوَلَّنِي فِيمَنْ تَوَلَّيْتَ، وَبارِكْ لِي فِيما أَعْطَيْتَ، وَقِنِي شَرَّ ما قَضَيْتَ" إلى آخره (٢). وقوله: "تَوَلَّنِي فِيمَنْ تَوَلَّيْتَ"؛ أي: اجعلني من أهل ولايتك الذين حففتهم بعنايتك، وحفظتهم بحسن رعايتك، وأقبلت بقلوبهم عليك، ورددتها إذ شَرَدت إليك، فبذلك تتم الولاية وتكمل الرعاية.

стр. 1418

وفي الحديث: "وإذا أَحَبَّ اللهُ عَبْداً لَمْ يَضُرَّهُ ذَنبٌ". رواه القشيري في "الرسالة"، وغيره عن أنس رضي الله تعالى عنه (١). ومعناه: أن الله تعالى إذا أحب العبد فزل العبد زلة، أخذ بيده، فوفقه للتوبة، ورجع به إليه، فإن ذلك من تمام التولي. وفي كتاب الله تعالى: ﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [آل عمران: ١٢٢]. قال جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما: فينا نزلت في بني حارثة وبني سلمة: ﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا﴾ [آل عمران: ١٢٢]، وما يسرني أنها لم تنزل لقول الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا﴾ [آل عمران: ١٢٢]. رواه الشيخان، وغيرهما (٢). قال قتادة: وذلك يوم أحد، هموا بأمر فعصمهم الله تعالى من ذلك. قال: وقد ذكر لنا أنه لما نزلت هذه الآية قالوا: ما يسرنا أنا لم نهم بالذي هممنا، وقد أخبر الله أنه ولينا. رواه ابن جرير (٣). يعني: إن الطائفتين هموا بالفرار فشلاً - والفشل الجبن؛ كما رواه

стр. 1419

ابن جرير عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما - (١)، فعصمهم الله تعالى لولايته لهم، وكذلك عادة الله تعالى يأخذ بيد وليّه عند الزلات، ويقيله العثرات لأن أولياءه يتوكلون عليه ويتخذونه وكيلًا، فكفاهم؛ ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ [الأحزاب: ٣]. ولذلك قال تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [آل عمران: ١٢٢]؛ أي: ليتولاهم ويكفيهم ما أهمهم، وما هموا به من عصيانه، وما عصوه فيرجع بهم إلى التوبة. ولله تعالى في عصمة أوليائه أنواع من الإحسان؛ فتارة يحول بينهم وبين العصيان بالكلية، وتارة يهمون بالعصيان فيحول بينهم وبين الاسترسال بالهم وبلوغ الفعل، وتارة تقع منهم الزلات فيوفقهم للتوبة كما قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا﴾ [التوبة: ١١٨]. ومن النوع الأول ما رواه القشيري، وغيره عن الجنيد عن الحارث ابن أسد أنه قال: بيني وبين الله علامة أن لا يسوغني طعاما فيه شبهة (٢). وعن إسماعيل بن نجيد قال: كان أبو تراب يقول: بيني وبين الله تعالى عهد أن لا أمد يدي إلى حرام إلا قصرت يدي عنه (٣). وحكى ابن عطاء الله الإسكندري في "لطائف المنن" عن أستاذه

стр. 1420

أبي العباس المرسي رحمه الله تعالى قال: عزم علينا بعض صلحاء الإسكندرية في بستان له بالرمل، فخرجت أنا وجماعة من صلحاء الثغر، ولم يخرج معنا صاحب البستان ذلك الوقت، بل وصف لنا المكان، فتجارينا ونحن خارجون في الكلام في الورع، وكلٌّ قال شيئًا، فقلت لهم: إن الورع من ورعه الله. فلما أتينا إلى البستان -وكان زمن ثمرة التوت- كلهم أسرع إلى الأكل وأكل، وكنت كما جئت لآكل أجد وجعاً في بطني فأرجع، فينقطع الوجع عني، فعلت ذلك مراراً فجلست ولم آكل شيئًا، وهم يأكلون، وإذا بإنسان يصيح: كيف يحل لكم أن تأكلوا من ثمرة بستاني بغير إذني؟ فإذا هم قد غلطوا بالبستان، فقلت لهم: ألم أقل لكم: إن الورع من ورعه الله سبحانه؟ وقوله: "وَعافِنِي فِيمَنْ عافَيتَ"؛ قال سهل بن عبد الله رحمه الله تعالى: أجمع العلماء أن تفسير العافية أن لا يكل الله العبد إلى نفسه، وأنه يتولاه، وهو قول النبي ﷺ : "لا تَكِلْنِي إِلَى نفسِي". رواه أبو الحسن بن جهضم. وفي كلامه أن العافية تمام الولاية، وأول الولاية الهداية، فلذلك بدأ النبي ﷺ بطلب الهداية، ثم العافية، ثم الولاية في دعاء القنوت. وسئل الجنيد عن العافية فقال: العافية واسطة بين الهداية والولاية. قيل له: هل له في السنة أثر؟

стр. 1421

قال: نعم؛ قوله ﷺ : "اللهُمَّ اهْدِنِي فِيمَنْ هَدَيْتَ، وَعافِنِي فِيمَنْ عافَيْتَ، وَتَوَلنِي فِيمَنْ تَوَلَّيْتَ". وقال أبو عبد الرحمن السلمي: سئل أبو حفص عن العافية، فقال: الناس طلبوا العافية فأخطؤوا الطريق، وأخطؤوا السؤال، سألوا الله العافية ولم يعرفوا أن البلاء يتولد من العافية، ومحلها أن آدم ﵇ كان في الجنة معافى منعمًا، فتولد من العافية البلاء. فالواجب على الإنسان أن يطلب من الله تعالى أن يتولاه في العافية وإمساك العافية. قلت: فالإنسان في العافية محتاج إلى العافية في العافية، وإنما يعافيه في عافيته إذا تولاه وكان له ولياً، فلا يكله إلى نفسه طرفة عين، والعافية في العافية ثمرة الشكر في العافية لأن الله تعالى يقول: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم: ٧]. وروي أن الله تعالى أوحى إلى موسى ﵇: ارحم عبادي المبتلى والمعافى. قال: فما بال المعافى؟ قال: لقلة شكره على معافاتي (١). ومعنى الهداية التوفيق إلى طاعة الله وخدمته، فإذا استجاب الله تعالى لقوله: "اهدني فيمن هديت، وعافني فيمن عافيت، وتولني فيمن

стр. 1422

توليت"؛ وفقه للطاعة، وإذا شرد عنها شردة وفقه إلى التوبة، وعافاه في الطاعة من الإعجاب والرياء ونحوهما، وفي المعصية من الإصرار، وتولى نصره على عدوه، وحفظه منه ومن شؤم نفسه وتزكيتها، وتولاه فلم يكله إلى نفسه طرفة عين ورجع بقلبه إليه. قال أبو تراب النخشبي رحمه الله تعالى: رأيت رجلًا بالبادية، فقلت له: من أنت؟ قال: أنا الخضر الموكل بالأولياء؛ أردُّ قلوبهم إذا شردت عن الله تعالى. يا أبا تراب! التلف في أول قدم، والنجاة في آخر قدم (١). وما أحسنَ قولَ سمنون المحب رحمه الله تعالى كما رواه عن السلمي في "طبقاته"، والرفاعي في "أماليه": [من المنسرح] كانَ لِي قَلْبٌ أَعِيشُ بِهِ ... ضاعَ مِنِّي في تَقَلُّبِه رَبِّ فَارْدُدْهُ عَلَيَّ فَقَدْ ... ضاقَ صدْرِي في تَطَلُّبِه وَأَغِثْ ما دامَ بي رَمَق ... يا غِياثَ الْمُسْتَغِيثِ بِهِ (٢) وكان أحمد بن الطيب رحمه الله تعالى يقول في وجوده: [من المجتث] سَلَبْتَ مِنِّي فُؤادِي ... فَارْدُدْ فُؤادِي إِليَّهْ

стр. 1423

شَوَّشْتَ عَقْلِيَّ عَلَيَّ ... فَجُدْ بِعَقْلِي عَلَيَّهْ رواه ابن جهضم في "بهجة الأسرار". وروى فيه عن يحيى بن معاذ الرازي رحمه الله تعالى قال: لن يصل إلى قلبك روح التوحيد ولله في قلبك حق لم تؤده، ومن لم يصلح لخدمته كيف يصلح لولايته؟ ومن مل خدمته لم يصل إلى رؤيته. وروى عبد الله ابن الإِمام أحمد في "زوائد الزهد" عن الوضين بن عطاء ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ إذا أحس من الناس بغفلة عن الموت [١٦٨] جاء فأخذ بعضادتي الباب، فهتف ثلاثًا، ثم نادى: "يا أيُّهَا النَّاسُ! يا أَهْلَ الإِسْلامِ! قَدْ أتَتْكُمُ الْمَوْتَةَ لازِمَةً راكِبَةً، جَاءَ الْمَوْتُ بِما جاءَ بِهِ جاءَ بِالرَّوْحِ وَالرَّاحَةِ، وَالكَرَّةِ الْمُبارَكَةِ لأَوْلِياءِ الرَّحْمَنِ مِنْ أَهْلِ دارِ الْخُلُودِ الَّذِينَ كانَ سَعْيُهُمْ وَرَغْبَتُهُمْ فِيها لَهُ. جاءَ الْمَوْتُ بِما جاءَ بِالْحَسْرَةِ وَالنَّدامَةِ، وَالكَرَّةِ الْخاسِرَةِ لأَوْلِياءِ الشَّيْطانِ مِنْ أَهْلِ دارِ الغُرُورِ الَّذِينَ كانَ سَعْيُهُمْ وَرَغْبَتُهُمْ فِيها لأَهْلِها. أَلا إِنَّ لِكُلِّ ساعٍ غايَةً، وَغايَةُ كُلِّ ساعٍ الْمَوْتُ، فَسابِقٌ وَمَسْبُوقٌ" (١). ***

стр. 1424

فَصْلٌ قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ﴾ [البقرة: ٢٥٧]. النور الإيمان, والظلمات الكفر. رواه ابن جرير عن الضحاك، وأبو الشيخ عن السدي (١). وقال قتادة: النور الهدى، والظلمات الضلالة. رواه عبد بن حميد، وابن جرير (٢). والآية قاضية بأن الله تعالى ولي كل مؤمن، وهو كذلك. لكن الولاية على قسمين: عامة لسائر المؤمنين. وخاصة للمتقين.

стр. 1425

نعم؛ يتولى الله تعالى أمر كل مؤمن حتى يوصله إلى مقامه الذي كتبه له في الأزل بأن يوفقه إلى طاعته، ثم يزيده إيمانا، ثم يوفقه، وهكذا. قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ (٧) وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد: ٧، ٨]. ثم قال الله : ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ﴾ [محمد: ١١] أي لا ناصر لهم ولا متولي لأمرهم، وهو لا يخالف قوله تعالى: ﴿ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ﴾ [الأنعام: ٦٢]. فإن المولى فيه بمعنى المالك، ثم إن ولاية الله للمؤمن إنما هي للمؤمن في الأزل، بخلاف من سبقت له سابقة السوء، فما يكون له في الدنيا من نصرة ورزق فهو استدراج أو توفية عن عمل حسن الظاهر أو خلق جميل فيه، ولكن يجوز أن يطلق كل مؤمن على نفسه أن الله تعالى وليّه، ويتعلق بنصرته وكلأته من باب التفاؤل وحسن الظن بالله لأنه عند حسن ظن عبده به، وكلٌّ ميسر لما خلق له، ولذلك لما قال أبو سفيان في أحد: إن لنا عزى ولا عزى لكم، قال رسول الله ﷺ : "أَجِيبُوه". قالوا: كيف نجيبه؟ قال: "قُولُوا لَهُ: اللهُ مَولانا وَلا مَوْلَى لَكُمْ" (١).

стр. 1426

وليس له أن يدعي الولاية لنفسه وإن جاز علمه بها -كما سيأتي- هضماً للنفس، وخوفا من المكر، واتضاعًا لله تعالى. ثم ليعتبر نفسه؛ فإذا وجدها تقبل الخير وتترقى فيه فليحمد الله تعالى، وليستبشر بتوليه له، وإذا وجد نفسه بخلاف ذلك فليحزن، وليخف أن لا يكون الله تعالى وليّه. ومن ثم ورد: كل يوم لا أزداد فيه خيرًا فلا بورك لي في طلوع شمس ذلك اليوم (١). ومما يدل على ما سبق ما جاء في أدعية النبي ﷺ قال: "يا عُدَّتِي عِنْدَ كُرْبَتِي! وَلا صاحِبِي عِنْدَ شِدَّتِي! وَيا وَليَّ نِعْمَتِي! يا إِلَهِي وإلَهَ آبائِي! لا تَكِلْنِي إِلَى نَفْسِيَ فَأَقْتَرِبَ مِنَ الشَّرِّ وَأتباعَدَ مِنَ الْخَيْرِ، وَآنِسْنِي في قَبْرِي مِنْ وَحْشَتِي، وَاجْعَلْ لِي عَهْداً يَومَ القِيامَةِ مَسْؤُولاً". رواه الحاكم في "تاريخ نيسابور" (٢). وأما حال المؤمن مع أخيه المؤمن فالواجب عليه أن يعتقد فيه الخير لأن الله تعالى يقول: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة: ٢٥٧]، فإذا

стр. 1427

ظهر من حاله الإيمان لا ينبغي له أن يخرجه من ولاية الله تعالى إلا ببرهان ظاهر بأن تحقق منه غلبة الفسق والشر، فله أن يتحرز منه بسوء الظن وإلا فلا. وقد قال بعض المحققين: إن الله تعالى أخفى وليّه في عباده المؤمنين لئلا يساء الظن بهم. وفي كتاب الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ﴾ [الحجرات: ١٢]. قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: نهى الله المؤمن أن يظن بالمؤمن سوءاً. رواه ابن جرير، وابن أبي حاتم، والبيهقي في "الشعب" (١). وروى ابن ماجه عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: رأيت النبي ﷺ يطوف بالكعبة ويقول: "ما أَطْيَبَكِ وَأَطْيَبَ رِيْحَكِ! وَما أَعْظَمَكِ وَأَعْظَمَ حُرْمَتَكِ! وَالذِي نَفْسُ مُحمدٍ بِيَدهِ لَحُرْمَةُ الْمُؤْمِنِ أَعْظَمُ عِنْدَ اللهِ حُرْمَةً مِنْكِ؛ مالُهُ وَدَمُهُ، وَأَنْ يُظَن بِهِ إلا خَيراً" (٢). وروى البيهقي في "الشعب" عن سعيد بن المسيب قال: كتب إلي

стр. 1428

بعض إخواني من أصحاب رسول الله ﷺ أن ضع أمر أخيك على أحسنه ما لم يأتك ما يغلبك. ولا تظنن بكلمة خرجت من امرئ مسلم شرًا وأنت تجد له في الخير محملاً. ومن عرض نفسه للتهم فلا يلومن إلا نفسه. ومن كتم سره كانت الخيرة في يده. وما كافأت من عصى الله فيك بمثل أن تطيع الله فيه. وعليك بإخوان الصدق فعش بأكنافهم؛ فإنهم زينة في الرخاء، وعدة عند عظيم البلاء. ولا تتهاون في الحلف فيهينك الله. ولا تسألن عما لم يكن حتى يكون. ولا تضع حديثك إلا عند من يشتهيه. وعليك بالصدق وإن قتلك الصدق. واعتزل عدوك، واحذر صديقك إلا الأمين، ولا أمين إلا من خشي الله. وشاور في أمرك الذين يخشون ربهم بالغيب (١). ورواه الزبير بن بكار، وغيره عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى

стр. 1429

عنه، وقال فيه: من تَعرَّض للتهمة فلا يلومن من أساء به الظن (١). وينبغي للمؤمن إذا اشتبه عليه حال أخيه المؤمن أن يعود على نفسه باللائمة، ويقول: إنما الخطأ في نظرك، وإنما رأيت عيوبك في أخيك لأن المؤمن مرآة أخيه. وإذا تحقق من عبد فسقًا أو فجوراً ثم غاب عنه فلا ينبغي أن يستصحب فيه ما يعلمه منه؛ بل يقول: لعله تاب ورجع، حتى يتحقق من خلاف ذلك. وليعلم أن الله تعالى ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ [الرحمن: ٢٩] فلعل من شأنه أن هداه وأصلحه، واتخذه وليا. قال أبو طالب المكي: حدثني بعض الأشياخ عن الخضر ﵇ قال: ما حدثت نفسي يومًا قط أنه لم يبقَ ولي لله إلا عرفته إلا رأيت ذلك اليوم وليًّا لم أكن أعرفه. قال: وإني كنت يوما جالسا في حلقة عبد الرزاق بصنعاء، فنظرت إلى شاب قاعد ناحية، فجئت إليه، فقلت له: لم لا تسمع من عبد الرزاق؟ فقال: ما أسمع منه؟ قلت: حديث معمر عن الزهد. فقال: قد سمعت من الله تعالى فأغناني عن عبد الرزاق. فقلت: وأنت ممن يحسن أن يسمع من الله ؟

стр. 1430

قال: نعم. قلت: فمن أنا؟ قال: الخضر. ثم غاب عني فلم أقدر على النظر إليه (١). وروى أبو الحسن بن جهضم، عن ابن مسروق، عن أبي عمران الخياط قال: قال لي الخضر ﵇: ما كنت أظن أن لله وليًّا إلا وقد عرفته، وكنت بصنعاء اليمن في المسجد، والناس حول عبد الرزاق يسمعون منه الحديث، وشاب جالس في ناحية المجلس، فقال لي: ما شأن هؤلاء؟ فقلت: يسمعون من عبد الرزاق. فقال عمن؟ قلت: فلان عن فلان، عن النبي ﷺ . فقال: هلا سمعوا عن الله تعالى؟ قلت: فأنت ممن يسمع عن الله تعالى؟ قال: نعم. قلت: فمن أنا؟ قال: أنت الخضر.

стр. 1431

فعلمت أن لله أولياء ما عرفتهم (١). وروى الطبراني في "الكبير"، وأبو نعيم عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله ﷺ : "إِنَّ لِلَّهِ ضَنائِنَ مِنْ خَلْقِهِ، يَغْذُوهُمْ في رَحْمَتِهِ، يُحْيِيهِمْ في عافِيَةٍ، وُيمِيتُهُمْ في عافِيَةٍ، وَإِذا تَوَفَّاهُمْ تَوَفَّاهُمْ إِلَى جَنَتِهِ؛ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ تَمُرُّ عَلَيهِمُ الفِتَنُ كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ وَهُمْ مِنْها في عافِيَةٍ" (٢). الضنائن: جمع ضنينة بمعنى: مضنون بها. والمراد: أن من أولياء الله تعالى من يضن الله تعالى بهم، ويغار عليهم أن يطلع عليهم غيره. ويحتمل أن يكون المراد: أنه يضن بهم عن الإهانة والقتل كما في حديث ابن مسعود رضي الله تعالى عنه مرفوعًا: "إِنَّ لِلَّهِ عِباداً يَضِنُّ بِهِمْ عَنِ القَتْلِ، وَيُطِيلُ أَعْمارَهُمْ في حُسْنِ العَمَلِ، ويحَسَّنُ أَرْزاقَهُمْ، وَيُحْيِيهِمْ في عافِيَةٍ، وَيَقْبِضُ أَرْواحَهُمْ في عافِيَةٍ عَلى الفُرُشِ فَيُعْطِيهِمْ مَنازِلَ الشُّهَداء". رواه الطبراني في "الكبير" أيضًا (٣).

стр. 1432

وفي حديث ابن عمر دليل على أن الله تعالى يكرم أولياءه، يحفظهم في أيام الفتنة منها كما سيأتي نحو ذلك في الأبرار، بل قد يطفئ الله تعالى ببعض أوليائه الفتنة، ويهين البدعة، كما روى أبو نعيم عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "إِنَّ لِلَّهِ تَعالَى عِنْدَ كُلِّ بِدْعَةٍ كِيدَ بِها الإِسْلامُ وَأَهْلُهُ وَلِيًّا صالِحًا يَذُبُّ عَنْهُ، وَيَتَكَلَّمُ بِعَلاماتِهِ؛ فَاغْتَنِمُوا حُضُورَ تِلْكَ الْمَجالِسِ بِالذَّبِّ عَنِ الضُّعَفاءِ، وَتَوَكَّلُوا عَلى اللهِ؛ وَكَفَى بِاللهِ وَكِيلاً" (١). * تَتِمَّةٌ: روى الإِمام أحمد عن الحسن رحمه الله تعالى -مرسلاً- عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه -ورجال إسناده رجال الصحيح - قال: قال رسول الله ﷺ : "إِنَّ لِلَّهِ مِئَةَ رَحْمَةٍ، وَإنَّهُ قَسَمَ رَحْمَةً واحِدَة بَينَ أَهْلِ الأَرْضِ فَوَسِعَتْهُمْ إِلَى آجالِهِمْ، وَادَّخَرَ عِنْدَهُ تِسعاً وتسعِينَ لأَوْلِيائِهِ يَومَ القِيامَةِ" (٢). ***

стр. 1433

فَصْلٌ تقدم أن الصالحين ينبغي للعبد محبتهم وصحبتهم، وزيارتهم والتبرك بهم وبآثارهم، وطلب الدعاء منهم، فكذلك الأولياء لأنهم هم (١). وقد قال شاه الكرماني رحمه الله تعالى: ما تعبد متعبد بأكثر من التحبب إلى أولياء الله تعالى بما (٢) يحبونه. وقال: أيضًا: محبة أولياء الله تعالى دليل على محبة الله. رواه أبو عبد الرحمن السلمي في "طبقاته" (٣). وروى ابن باكويه الشيرازي عن أبي موسى الدئيلي قال: سمعت رجلًا سأل أبا زيد فقال: دلني على عمل أتقرب به إلى ربي. فقال: أَحِبَّ أولياء الله؛ فإن الله ينظر إلى قلوب أوليائه، فلعله أن

стр. 1434

ينظر إلى اسمك في قلب وليّه فيغفر لك (١). وروى أبو نعيم عن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "أَوْحَى اللهُ إِلَى نبِيٍّ مِنَ الأَنْبِياءِ ﵈ أَنْ قُلْ لِفُلانٍ العابِدِ: أَمَّا زُهْدُكَ في الدُّنْيا فتَعَجَّلْتَ راحَةَ نفسِكَ، وَأَمَّا انْقِطاعُكَ إِلَيَّ فتَعَزَّزْتَ بِي؛ فَماذا عَمِلْتَ في ما لِيَ عَلَيْكَ؟ فَقالَ: يا رَبِّ! وَماذا لَكَ عَلَيَّ؟ قالَ: هَلْ والَيْتَ لِي وَلِيًّا؟ أَوْ عاديتَ لِي عَدُوًّا؟ " (٢). وروى الحكيم الترمذي في "نوادره" عن واثلة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "يَبْعَثُ اللهُ تَعالَى يَومَ القِيامَةِ عَبْدًا لا ذَنْبَ لَهُ، فَيَقُولُ لَهُ: بِأَيِّ الأَمْرَيْنِ أَحَبُّ إِلَيْكَ أَنْ أَجْزِيَكَ؟ بِعَمَلِكَ أَمْ بِنِعْمَتِي عَلَيْكَ؟ قالَ: يا رَبِّ! أَنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي لَمْ أَعْصِكَ. قالَ: خُذوا عَبْدِي بنعَمَةٍ مِنْ نِعَمِي، فَما تَبْقَى لَهُ حَسَنة إِلاَّ اسْتَغْرَقَتْها تِلْكَ النِّعْمَةُ، فَيَقُولُ: يا رَبِّ! بِنِعْمَتِكَ وَرَحْمَتِكَ. فَيَقُولُ: بِنِعْمَتِي وَرَحْمَتِي. وُيؤْتَى بِعَبْدٍ مُحْسِنٍ في نَفْسِهِ لا يَرَى أَنَّ لَهُ سَيئةً، فَيُقالُ لَهُ: هَلْ كُنْتَ تُوالِي أَوْلِيائِي؟

стр. 1435

فَيَقُولُ: يا رَبِّ! كُنْتُ مِنَ النَّاسِ سِلْمًا. قالَ: هَلْ كُنتَ تُعادِي أَعْدائِي؟ قالَ: يا رَبِّ! لَمْ أكُنْ أُحِبُّ أَنْ يَكُونَ بَيْني وَبَينَ أَحَدٍ شَيْءٌ. فَيقُولُ اللهُ : وَعِزَّتي، لا يَنالُ رَحْمَتِي مَنْ لَمْ يُوالِ أَوْلِيائِيَ وَيُعادِ أَعْدائِيَ" (١). وروى أبو الحسن بن جهضم عن يحيى بن معاذ رحمه الله تعالى قال: ولي الله ريحانه في أرضه؛ فإذا شمه المريدون وصارت رائحته إلى قلوبهم، فيشتاقون به إلى ربهم، ومجالستك إياه تلهيك عن الأهل والمال، وتشغلك عن جميع الأشغال (٢). وقال: من هجر الأقرباء في الله عوضه الله تعالى صحبة الأولياء. وفي معنى كلامه الأول ما قدمناه عن الجد رحمه الله تعالى: [من الوافر] جُلُوسُكَ مَعْ رِجالِ اللهِ يُلْهِي ... عَنِ الدُّنْيا وَعَنْ أَهْل وَشُغْلِ

стр. 1436

وروى أبو نعيم عن أبي إسحاق إبراهيم بن داود القصار أنه كان يقول: حسبك من الدنيا شيئان: حرمة وَلي، وصحبة فقير (١). وروى أبو عبد الرحمن السلمي عن أبي القاسم الجنيد رحمه الله تعالى قال: من نظر إلى ولي من أولياء الله تعالى، فقبله وكرمه، أكرمه الله على رؤوس الأشهاد (٢). وعن أبي عثمان النيسابوري رحمه الله تعالى قال: من صحب نفسه صحبه العجب، ومن صحب أولياء الله وفق للوصول إلى الطريق لله (٣). وعن علي بن سهل الأصبهاني قال: الإنس بالله أن تستوحش من الخلق إلا من أهل ولاية الله تعالى؛ فإن الإنس بأهل ولاية الله هو الإنس بالله (٤). وذكر سيدي محمَّد بن عراق رحمه الله تعالى في كتابه المسمى بِ: "السفينة العراقية المشحونة بنفائس الآي القرآنية الجارية بالأنفاس النبوية" عن الفقيه الأجل محمَّد بن الحسين البجلي: أنه رأى رسول الله ﷺ في المنام قال: فقلت: يا رسول الله! أي الأعمال أفضل؟ قال: وُقُوفُكَ بَيْنَ يَدَيْ وَلِي مِنْ أَوْلِياءِ اللهِ تَعالَى كَحَلْبِ شاةٍ، أَوْ

стр. 1437

شَيِّ بَيْضَةٍ خَيْر لَكَ مِنْ أَنْ تَعْبُدَ الله إرْبا إرْبًا (١). قال: فقلت: يا سيدي! حيا كان أو ميتًا؟ قال: "حَيًّا كانَ أَوْ مَيْتاً". والمراد بالوقوف بين يديه أن يتواضع له، ويطلب مرضاته، ويرجو بركاته، [وإذا كان ميتاً أن يترحم عليه ويرجو بركاته]، ولا بأس أن تدل غيرك من المسلمين على مقام من تعرفه بالولاية لينتفع المدلول به وباعتقاده. وقد روى ابن أبي الدنيا، ومن طريقه الدينوري عن حماد بن زيد قال: سمعت أيوب ﵀ يقول: ما أحب الله عبدًا إلا أحب أن [لا] يشعر به (٢). وأما بغض أولياء الله تعالى والوقيعة فيهم فإنها من الكبائر الفواحش الموجبة للمقت والسخط. روى أبو نعيم عن أبي تراب النخشبي قال: إذا ألفت القلوب الإعراض عن الله صحبتها الوقيعة في الأولياء (٣).

стр. 1438

وفي الحديث القدسي: "مَنْ عادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ بارَزَني بِالْمُحارَبَةِ" (١). وروى أبو عبد الرحمن السلمي في "طبقاته" عن محمَّد بن حامد الترمذي رحمه الله تعالى قال: الاستهانة بالأولياء من قلة المعرفة بالله (٢). * فائِدَةٌ لَطِيفَةٌ: روى الإِمام أحمد في "الزهد" عن بلال بن كعب قال: مر أبو حازم رحمه الله تعالى بأبي جعفر المديني وهو مكتئب حزين، فقال له: ما لي أراك مكتئباً حزيناً؟ وإن شئت أخبرتك! [قال: أخبرني ما وراءك! قال: ذكرت ولدك من بعدك] (٣). قال: نعم. قال: فلا تفعل؛ فإن كانوا لله أولياء فلا تخف عليهم الضيعة، وإن كانوا لله أعداء فلا تبال ما لقوا بعدك (٤). * لَطِيفَةٌ أخرَى: روى أبو الحسن بن جهضم في "بهجة الأسرار" عن ذي النون

стр. 1439

المصري رحمه الله تعالى قال: إن الله لم يمنع الجنة أعداءه بخلًا، ولكنه صان أولياءه الذين أطاعوه أن يجمع بينهم وبين أعدائه الذين عصوه (١). * فائِدَةٌ ثالِثةٌ: روى ابن أبي الدنيا في كتاب "الأولياء" عن جعفر بن سليمان قال: سمعت مالك بن دينار يسأل علي بن زيد وهو يبكي، فقال: يا أبا الحسن! كم بلغك أن ولي الله يحبس على الصراط؟ قال: كقدر رجل دخل في صلاة مكتوبة أتم ركوعها وسجودها. قال: فهل بلغك أن الصراط يتسع لأولياء الله؟ قال: نعم (٢). قلت: يحتاج العبد يوم القيامة حين يمر على الصراط إلى النجاة والرفق في النجاة، والرفق يكون بتقريب مسافة المرور عليه، وبتوسعته، وذلك إنما يتم لأولياء الله تعالى المتقين الصالحين. قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾ [مريم: ٧٢]. وروى الحاكم -وصححه-[عن] عبد الله بن سلام رضي الله تعالى

стр. 1440

عنه قال: إذا كان يوم القيامة يبعث الله الخليقة أمة أمة، ونبيًّا نبيًّا حتى يكون أحمد وأمته آخر الأمم مركزاً، ثم يوضع جسر على جهنم، ثم ينادي مناد: أين أحمد وأمته؟ فيقوم ﷺ ، فتتبعه أمته؛ بَرُّها وفاجرُها، فيأخذون الجسر، فيطمس الله أبصار أعدائه، فيتهافتون فيها من شمال ويمين، وينجو النبي ﷺ والصالحون معه، فتتلقاهم الملائكة تبوئهم منازلهم في الجنة؛ على يمينك، على يسارك، على يمينك، على يسارك، حتى ينتهي إلى ربه، فيلقى له كرسي عن يمين الله، ثم ينادي مناد: أين عيسى وأمته؟ فيقوم ﷺ ، فتتبعه أمته؛ برُّها وفاجرها، فيأخذون الجسر، فيطمس الله أبصار أعدائه، فيتهافتون فيها من شمال ويمين، وينجو النبي والصالحون، ثم يتبعهم الناس حتى يكون آخرهم نوح ﵊ (١). وروى الإِمام عبد الله بن المبارك في "الزهد"، وابن أبي الدنيا عن سعيد بن أبي هلال قال: بلغنا أن الصراط يوم القيامة يكون على بعض الناس أدق من الشعر، وعلى بعض مثل الوادي الواسع (٢). وروى أبو نعيم عن سهل بن عبد الله رحمه الله تعالى قال: من دق الصراط عليه في الدنيا عرض عليه في الآخرة، ومن عرض عليه الصراط
следующие страницы →