← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 14592

حسن التنبه لما ورد في التشبه

نجم الدين الغزي

Полный текст (6 623 стр.). Показаны 1366–1405 · переход к 1371.

стр. 1366

وفي المعنى قيل: [من الوافر] أُحِبُّ الصَّالِحِينَ وَلَسْتُ مِنْهُمْ ... لَعَلِّي أَنْ أَنالَ بِهِمْ شَفاعَة وروى أبو الحسن بن جهضم عن محمَّد بن [حسان] (١) قال: سمعت الفضيل بن عياض وجلس إليه سفيان بن عيينة، فتكلم الفضيل بكلام، فقال فيما تكلم: كنتم معشرَ العلماء سُرُجَ البلاد يستضاء بكم، فصرتم ظلمة، وكنتم نجومًا يهتدى بكم، فصرتم حيرة، لم لا يستحي أحدكم يأخذ من مال هؤلاء وقد علم من أين هو، حتى بسند ظهره ويقول: حدثني فلان عن فلان، وحدثنا فلان عن فلان. فرفع سفيان رأسه وكان مطأطئه، فقال: هاه! هاه! والله لئِن كنا لسنا صالحين فإنا نحب الصالحين. قال: فأسكت الفضيل، وطلب إليه سفيان فحدثنا بثلاثين حديثا (٢). وروى ابن الجوزي في "صفة الصفوة" عن عبد الله بن أبي زكريا الدمشقي أنه كان يقول: لو خيرت أن أعمر مئة سنة في طاعة الله، أو أن أقبض في يومي هذا أو في ساعتي هذه، لاخترت أن أقبض في يومي هذا أو ساعتي هذه شوقًا إلى الله، وإلى رسوله، وإلى

стр. 1367

الصالحين من عباد الله (١). وهذا منتزع من قول يوسف ﵇: ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ [يوسف: ١٠١]. وكأن ابن أبي زكريا وثق من حبه لله تعالى ولرسوله وللصالحين ما لم يشق من طاعة مئة سنة؛ لأن الطاعة يدخلها الرياء والفساد بخلاف حب من ذكر؛ فإنه من أفضل الحسنات، ولا يدخله ما يفسده. ولذلك قال رسول الله ﷺ لمن سأل عن الساعة فقال له: "ما أَعْدَدْتَ لَها؟ ". قال: ما أعددت لها كبير صلاة، ولا صيام، ولا صدقة، ولكني أحب الله ورسوله. فقال له: "إِنكَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ". رواه الشيخان، وغيرهما، وتقدم (٢). * فائِدَةٌ تاسِعَةٌ وتسعونَ: قال الله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (٦٣) لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [يونس: ٦٢ - ٦٤]. روى ابن أبي الدنيا في كتاب "الموت"، وأبو الشيخ، وابن منده

стр. 1368

في كتاب "سؤال القبر" عن جابر رضي الله تعالى عنه قال: أتى رجل من أهل البادية رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله! أخبرني عن قول الله: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (٦٣) لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [يونس: ٦٣، ٦٤]. فقال رسول الله ﷺ : "أَمَّا قَوْلُهُ: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [يونس: ٦٤] فَهِيَ الرُّؤْيا الْحَسَنَةُ تُرَى لِلْمُؤْمِنِ فُيَبَشَّرَ بِها. وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [يونس: ٦٤] فَإِنَّها بِشارَةُ الْمُؤْمِنِ عِنْدَ الْمَوْتِ أَنَّ اللهَ قَدْ غَفَرَ لَكَ وَلِمَنْ حَمَلَكَ إِلَى قَبْرِكَ" (١). وأراد بالمؤمن الكامل في الإيمان, وهو العبد الصالح؛ لأن قوله: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يونس: ٦٣] صفة الصالحين. وقد روى الإِمام أحمد، والبخاري، والنسائي، وابن ماجه عن أنس ﵁: أن النبي ﷺ قال: "الرُّؤْيا الْحَسَنَةُ مِنَ الرَّجُلِ الصَّالحِ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةِ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ" (٢). وروى ابن جرير، وأبو الشيخ عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، عن النبي ﷺ في قوله: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [يونس: ٦٤]؛ قال: "هوَ في الدُّنْيا الرُّؤْيا الصَّالِحَةُ يَراها العَبْدُ

стр. 1369

الصَّالحُ أَوْ تُرى لَهُ، وَفِي الآخِرَةِ الْجَنَةُ" (١). أي: البشرى بالجنة كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [فصلت: ٣٠]. وقال زيد بن أسلم رحمهما الله تعالى في الآية: يبشر بها عند موته، وفي قبره، ويوم يبعث؛ فإنه لقي الجنة وما ذهبت فرحة البشارة من قلبه. رواه ابن أبي شيبة، وابن أبي حاتم (٢). وقال أيضًا: يؤتى المؤمن عند الموت فيقال: لا تخف مما أنت قادم عليه، فيذهب خوفه، ولا تحزن على الدنيا ولا على أهلها، وأبشر بالجنة، فيموت قد أقرَّ الله عينه. رواه عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم (٣). وقال مجاهد: إن المؤمن ليبشر بصلاح ولده من بعده لتقر عينه. رواه أبو نعيم (٤). وفي "صحيح مسلم"، وغيره عن أبي ذر رضي الله تعالى عنه قال: قيل لرسول الله ﷺ : أرأيت الرجل يعمل العمل من الخير ويحمده الناس

стр. 1370

عليه؟ وفي رواية: ويحبه الناس عليه؟ قال: "تِلْكَ عاجِلُ بُشْرى الْمُؤْمِنِ" (١). فثناء الناس عليه دليل على صلاحه، وقبوله عند الله تعالى حتى جعل إطلاق ألسنتهم بالثناء عليه بشارة له بذلك، وكذلك حب الناس له كما تقدم. * فائِدَةٌ بِها تَتِمُّ مِئةُ فائِدَةٍ: وهي آخر الفوائد: قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٥]. قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: أرض الجنة يرثها الذين يصلون الصلوات الخمس في الجماعات. ﴿إِنَّ فِي هَذَا لَبَلَاغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٦]؛ أي: بشارة لقوم عابدين. قال: الذين يصلون الصلوات في الجماعات. رواه البيهقي في "الشعب" (٢). وروى عنه ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم أنه قال في الآية: أخبر الله سبحانه في التوراة والزبور وسابق علمه قبل أن تكون

стр. 1371

السموات والأرض أنه يورث أمة محمَّد الأرض، ويدخلهم الجنة، وهم الصالحون (١). وقال أبو الدرداء ﵁: قال الله تعالى: ﴿أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٥]؛ فنحن الصالحون. رواه البخاري في "تاريخه"، وابن أبي حاتم (٢). وفي ذلك فضيلة لأمة محمَّد ﷺ لا تخفى من حيث إن الله تعالى سماهم في الذكر الأول الصالحين، ومن حيث إنهم -وإن كان فيهم الظالم لنفسه- فإنهم صالحون لدخول الجنة، وميراث أرضها كما يقول أهل الجنة: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ [الزمر: ٧٤]. قال رسول الله ﷺ : "كُلُّ أُمَّتِي يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ إلا مَنْ أَبَى". قالوا: ومن يأبى؟ قال: "مَنْ أَطاعَنِي دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَمَنْ عَصانِي فَقَدْ أَبي". رواه البخاري عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه (٣). ولعله أراد بقوله: "وَمَنْ عَصانِي": من عصاه في التوحيد، ولا يخلد في النار عاص موحد.

стр. 1372

وروى الحاكم -وصححه- عن أبي أمامة رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ قال: "كُلُّكُمْ يدخلُ الْجَنَّةَ إِلاَّ مَنْ شَرَدَ عَنِ الله شِرادَ البَعِيرِ عَلى أَهْلِهِ" (١). وروى الطبراني في "الكبير"، والحاكم -وصححه - عن عبد الله بن يزيد رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ قال: "عَذابُ أُمَّتِي في دنياها" (٢). وروى البيهقي في "الشعب" عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في قوله تعالى: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ [الضحى: ٥]؛ قال: رضاه أن تدخل أمته كلهم الجنة (٣). وروى الخطيب البغدادي في "تلخيص المتشابه" عنه قال: لا يرضى محمَّد ﷺ وأحد من أمته (٤) في النار (٥).

стр. 1373

وفي "صحيح مسلم" عن عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنهما: أن النبي ﷺ تلا قول الله تعالى في إبراهيم ﵇: ﴿فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي﴾ [إبراهيم: ٣٦]، وقول عيسى ﵇: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ﴾ [المائدة: ١١٨] الآية، فرفع يديه وقال: "اللَّهُمَّ! أُمَّتِي أُمَّتِي"، وبكى. فقال الله تعالى: يا جبريل! اذهب إلى محمَّد ﷺ فقل له: إنا سنرضيك في أمتك ولا نسوؤك (١). وروى أبو نعيم، وغيره عن علي رضي الله تعالى عنه: أن رسول الله ﷺ . قال: "أَشْفَعُ لأُمَّتِي حَتَّى يُنادِينِي رَبِّي: أَرَضِيتَ يا مُحَمَّدُ؟ فَأقولُ: نعَمْ يا رَب رَضِيتُ" (٢). ***

стр. 1374

فَصْلٌ علم مما تقدم أن الصالحين هم أولياء الله تعالى الولاية الخاصة، وهم المحفوفون بالعنايات، المتحفون بأنواع الكرامات الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون كما قال الله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [يونس: ٦٢]؛ أي: لفقد الدنيا، أو لفقد ما سوى الله تعالى، أو: ﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [يونس: ٦٢] يوم القيامة كما قال الله تعالى: ﴿لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ﴾ [الأنبياء: ١٠٣]. وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا﴾ [فصلت: ٣٠]. وهذا الأخير أرجح. ثم بين الله تعالى أولياءه من هم بقوله: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يونس: ٦٣]. فالإيمان والتقوى يجمعان جميع أوصاف الأولياء، وجميع أقسام الولاية بهذه الآية. ولقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ

стр. 1375

الْمُتَّقِينَ﴾ [الجاثية: ١٩]. * وقد أحببت أن أذكر هنا جملًا من أوصاف الأولياء -وإن كانت هي أوصاف الصالحين المندرجة تحت الإيمان والتقوى- تحريكاً للعبد ليتحلى بحليتهم، ويتشبه بهم في طريقتهم: روى الطبراني -ورجاله ثقات- عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، عن النبي ﷺ في قوله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [يونس: ٦٢]؛ قال: "الَّذِينَ يُذْكَرُ اللهُ بِذِكْرِهِمْ" (١). وفي لفظ: "الَّذِينَ إِذا رُؤُوا يُذْكَرُ اللهُ لِرُؤْيتِهِمْ". وأخرجه الضياء في "المختارة" (٢). وفي لفظ آخر عنه قال: قيل لرسول الله ﷺ : من أولياء الله؟ قال: "الَّذِينَ إِذا رُؤُوا ذُكِرَ الله". أخرجه ابن المبارك، والبزار، وآخرون (٣).

стр. 1376

وروى الإِمام أحمد، وابن ماجه، وابن أبي الدنيا في "الأولياء" عن أسماء بنت يزيد رضي الله تعالى عنها قالت: قال رسول الله ﷺ : "أَلا أُخْبِرُكُمْ بِخِيارِكُمْ؟ ". قالوا: بلى. قال: "الَّذِينَ إِذا رُؤُوا ذُكِرَ الله" (١). وروى أبو نعيم عن سعد ﵁ قال: سئل رسول الله ﷺ : من أولياء الله؟ قال: "الَّذِينَ إِذا رُؤُوا ذُكِرَ الله" (٢). وروى سعيد بن منصور عن الحسن -مرسلاً- والطبراني في "الأوسط" عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ في حجة الوداع: "إِنَّ أَوْلِياءَ الله الْمُصَلُّونَ، وَمَنْ يُقِيمُ الصَّلَواتِ الْخَمْسَ الَّتِي كَتَبَهُنَّ اللهُ عَلَيْهِ، وَيصُومُ رَمَضانَ وَيحْتَسِبُ صَوْمَهُ، وُيؤْتي الزَّكاةَ مُحْتَسِباً طَيِّبَةً بِها نَفْسُهُ، وَيَجْتَنِبُ الكَبائِرَ الَّتِي نَهى اللهُ عَنْها". فقال رجل من أصحابه: يا رسول الله! وكم الكبائر؟ قال: "تِسْعٌ؛ أَعْظَمُهُنَّ الإِشْراك باللهِ، وَقَتْلُ الْمُؤْمِنِ بِغَيْرِ حَقٍّ،

стр. 1377

وَالفِرارُ مِنَ الزَّحْفِ، وَقَذْفُ الْمُحْصَناتِ، وَالسِّحْرُ، وَأكلُ مالِ اليتيمِ، وَأَكْلُ الرِّبا، وَعُقوقُ الوالِدَيْنِ". وأخرجه الطبراني -بسند جيد- بنحوه من حديث عبيد بن عمير الليثي عن أبيه (١). وروى أبو داود، وغيره عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إِنَّ مِنْ عِبادِ اللهِ لأُناسًا ما هُمْ بِأنْبِياءَ وَلا شُهَداءَ، يَغْبِطُهُمُ الأَنْبِياءُ وَالشُّهَداءُ يَومَ القِيامَةِ بِمَكانِهِمْ مِنَ اللهِ ". قيل: يا رسول الله! خبرنا من هم؟ وما أعمالهم؟ لعلنا نحبهم. قال: "هُمْ قَوم تَحابُّوا في الله عَلى غَيْرِ أَرْحامٍ بَيْنَهُمْ وَلا أَمْوالٍ يَتَعاطَوْنَ بِها، فَوَاللهِ إِنَّ وُجُوهَهُمْ لتنَوِّرُ، وَإِنَّهُمْ عَلى مَنابِرَ مِنْ نُورٍ، لا يَخافُونَ إِذا خافَ النَّاسُ، وَلا يَحْزَنونَ إِذا حَزِنَ النَّاسُ". ثم قرأ: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [يونس: ٦٢] (٢). وروى الإمام أحمد، وابن أبي الدنيا في كتاب "الإخوان"، وأبو يعلى -بإسناد حسن- والحاكم -وقال: صحيح الإسناد- عن أبي مالك الأشعري ﵁، عن النبي ﷺ قال: "يا أيها النَّاسُ! اسْمَعُوا واعْقِلُوا

стр. 1378

وَاعْلَمُوا: إنَّ لِلَّهِ عِباداً لَيسُوا بِأَنْبِياءَ وَلا شُهَداءَ، يَغْبِطُهُمُ النَّبِيُّونَ وَالشُّهَداءُ عَلى مَنازِلِهِمْ وَقُرْبِهِمْ مِنَ اللهِ تَعالَى". فجثا رجل من الأعراب من قاصية الناس، فألوى بيده إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله! ناس من الناس ليسوا بأنبياء ولا شهداء يغبطهم النبيون على منازلهم وقربهم من الله تعالى؟ انعتهم لنا، حلهم لنا، شكلهم لنا. فَسُرَّ وجه النبي ﷺ بسؤال الأعرابي، فقال رسول الله ﷺ : "هُمْ مِنْ أفناءِ النَّاسِ وَنَوازعِ القَبائِلِ، لَمْ تَصِلْ بَيْنَهُمْ أَرحامٌ مُتَقارِبَةٌ، تَحابُّوا في اللهِ وَتَصادَقُوا، يَضَعُ اللهُ لَهُمْ يَومَ القيامَةِ مَنابِرَ مِنْ نُورٍ فَيَجْلِسُونَ عَلَيها، فَيَجْعَلُ وُجُوهَهُمْ نوراً، وثيابَهُمْ نوراً، يَفْزَعُ النَّاسُ يَومَ القِيامَةِ وَلا يَفْزَعُونَ، وَهُمْ أَوْلِياءُ اللهِ الَّذِينَ لا خَوفٌ عَلَيهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنونَ" (١). وروى الإِمام أحمد، والحاكم عن أبي إدريس الخولاني: أنه قال لمعاذ بن جبل رضي الله تعالى عنه: إني أحبك في الله، فقال له: أبشر، ثم أبشر؛ فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "يُنْصَبُ لِطائِفَةٍ مِنَ النَّاسِ كَراسِيُّ حَولَ العَرْشِ يَومَ القِيامَةِ، وَمَنابِرُ مِنْ نُورٍ عَلَيها قَومٌ وُجُوهُهُمْ كَالقَمَرِ لَيلَةَ البَدْرِ، يَفْزَعُ النَّاسُ وَهُمْ لا يَفْزَعُونَ، وَيَخافُ النَّاسُ

стр. 1379

وَلا يَخافونَ، وَهُمْ أَوْلِياءُ الله الّذِينَ لا خَوف عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنونَ". فقيل: من هؤلاء؟ قال: "الْمُتَحابونَ في اللهِ" (١). وروى ابن مردويه عن أبي الدرداء رضي الله تعالى عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: قالَ اللهُ تَعالَى: حَقَّتْ مَحَبتي لِلْمُتَحابينَ فِيَّ، وَحَقَّتْ مَحَبَّتي لِلْمُتَزاوِرِينَ فِيَّ، وَحَقَّتْ مَحَبَتي لِلْمُتَجالِسِينَ فِيَّ، الَّذِينَ يَعْمُرونَ مَساجِدِي بِذِكْرِي، يُعَلِّمونَ النَّاسَ الْخَيْرَ، وَيدْعُونهمْ إِلَى طاعَتِي؛ أُوْلَئِكَ أَوْلِيائِيَ الَّذِينَ أُظِلُّهُمْ في ظِل عَرْشِي، وَأُسْكِنُهْم في جِوارِي، وَأُؤَمنُهُمْ مِنْ عَذابِي، وَأُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ قَبلَ الناسِ بِخَمْسِ مِئَةِ عامٍ يَتَنَعَّمُونَ فِيها، وَهُمْ فِيها خالِدُونَ". ثم قرأ نبي الله ﷺ : ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [يونس: ٦٢] (٢). وروى الإِمام أحمد، والطبراني عن عمرو بن الجموح رضي الله تعالى عنه: أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "لا يَجِدُ العَبْدُ صَرِيحَ الإِيْمانِ حَتى يُحبَّ لله ويبْغِضَ للهِ، فَإِذا أَحَبَّ لله وَأَبْغَضَ لله فَقَدِ اسْتَحَقَّ

стр. 1380

الولايَةَ لِلَّهِ" (١). وأخرجه ابن أبي الدنيا بنحوه، وزاد: "قالَ اللهُ تَعالَى: إِنَّ أَوْلِيائِي مِنْ عِبادِي وَأَحِبَّائِي مِنْ خَلْقِي الَّذِينَ يُذْكَرُونَ بِذِكْرِي وَأُذْكَرُ بِذِكْرِهِمْ" (٢). وروى البيهقي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: عادِ في الله ووالِ في الله؛ فإنه لا ينال ولاية الله إلا بذلك، ولا يجد رجل طعم الإيمان -وإن كثرت صلاته وصيامه- حتى يكون كذلك (٣). وروى ابن أبي الدنيا عنه، عن النبي ﷺ قال: "ثلاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ اسْتَحَقَّ ولايَةَ اللهِ وَطاعَتَهُ: حِلْمٌ أَصِيلٌ يَدْفَعُ بِهِ سَفَه السَّفِيهِ عَنْ نَفْسِهِ، وَوَرَعٌ صادِقٌ يَحْجُزُهُ عَنْ مَعاصِي اللهِ، وَخُلُقٌ حَسَنٌ يُدارِي بِهِ النَّاسَ" (٤). وروى أبو نعيم عن حذيفة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إِنَّ الله تَعالَى أَوْحَى إِلَيَّ: يا أَخا الْمُرْسَلِينَ! وَيا أَخا الْمُنْذِرِينَ! أَنْذِرْ قَوْمَكَ أَنْ لا يَدْخُلُوا بَيْتًا مِنْ بُيوتي وَلأَحِدٍ عِنْدَهُمْ مَظْلَمَةٌ؛ فَإِنِّي ألعَنُهُ ما دامَ قائِمًا بَيْنَ

стр. 1381

يَدَيَّ يُصَلِّي حَتَّى يَرُدَّ تِلْكَ الْمَظْلَمَةَ إِلَى أَهْلِها، فَأكُونَ سَمْعَهُ الّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَأكُونَ بَصَرُهَ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَكُونَ مِنْ أَوْلِيائِي وَأَخِصَّائِي، وَيَكُونَ جارِيَ مَعَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ في الْجَنَّةِ" (١). وروى ابن المبارك في "الزهد والرقائق" عن عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: ثلاث من كن فيه دخل الجنة: من إذا عرف حقًّا لله لم يؤخره إلى أيام لا يدركها، وكان عمله صالحا في العلانية على قوام من السريرة، وكان يجمع مع ما قد عمل صلاح ما يأمل؛ فهكذا ولي الله (٢). وروى الطبراني في "الأوسط" عن جابر ﵁، عن النبي ﷺ قال: "إِنَّ مِنْ مُوجِباتِ ولايَةِ الله تَعالَى ثلاثًا: إِذا رَأى حَقًّا مِنْ حُقوقِ اللهِ تَعالَى لَمْ يُؤَخِّرْهُ إِلَى أَّيامٍ لا يُدْرِكُها، وَأَنْ يَعْمَلَ العَمَلَ الصَّالح في العَلانِيَةِ على قِوامٍ مِنْ عَمَلِهِ في السَّرِيرَةِ، وَهُوَ يَجْمَعُ مَعَ ما يَعْمَلُ صَلاحَ ما يَأْمَلُ". قال رسول الله ﷺ : "فَهَكَذا وَلِيُّ اللهِ"؛ وعقد ثلاثًا (٣).

стр. 1382

وروى هو وأبو نعيم عن أبي أمامة رضي الله تعالى عنه، عن النبي ﷺ قال: "إِنَّ أَغْبَطَ أَوْلِيائِي عِنْدِي مُؤْمِنٌ خَفِيفُ الْحاذِّ (١)، ذُو حَظٍّ مِنْ صَلاةٍ وَصِيامٍ، أَحْسَنَ عِبادةَ رَبِّهِ وَأَطاعَهُ في السِّرِّ وَالعَلانِيَةِ، وَكانَ غامِضاً في النَّاسِ لا يُشارُ إِلَيْهِ بِالأَصابعِ، وَكانَ عَيْشُهُ كفافاً، وَصَبَرَ على ذَلِكَ، فَعُجِّلَتْ مَنِيتُهُ، وَقَلَّتْ بَواكِيهِ، وَقَلَّ تراثُهُ" (٢). ورواه الإمام أحمد، والبيهقي، ولفظه: "إِنَّ أَحْسَنَ أَوْلِيائِي عِنْدِي مَنْزِلَةً رَجُلٌ ذُو حَظٍّ مِنْ صَلاةٍ، أَحْسَنَ عِبادةَ رَبهِ في السِّرِّ، وَكانَ غامِضاً في النَّاسِ لا يُشارُ إِلَيْهِ بِالأَصابعِ، عُجِّلَتْ مَنِيَّتُهُ، وَقَلَّ تُراثُهُ، وَقَلَّتْ بَواكِيهِ" (٣). قلت: ولا شك أن من كان من أولياء النبي ﷺ فهو من أولياء الله تعالى. وقلت في معناه: [من الوافر]

стр. 1383

وَلِيُّ الله مَنْ والَى النَبِيَّا ... وَكانَ بِالاقْتِداءِ بِهِ حَرِيَّا غَمِيضٌ في الوَرى لَمْ يُوْمَ يَومًا ... إِلَيْهِ وَلَمْ يَنَلْ صِيتًا عَلِيَّا يُصَلِّي مُحْسِنًا في السِّرِّ ناجَى ... بِإخلاصٍ وَإِشْفاقٍ خَفِيَّا كَفافًا عَيْشُهُ قَدْ نالَ صَبراً ... يَمُوتُ فَلَمْ تَجِدْ قَوما بُكِيَّا وَلَمْ يَتْرُكْ مِنَ الدّنْيا تراثًا ... وَلَكِنْ كانَ بِالتَّقْوى مَلِيَّا وحديث أبي أمامة عند الإِمام أحمد، والترمذي، وابن ماجه، والحاكم في "المستدرك"، ولكن لفظه: "إِنَّ أَغْبَطَ النَّاسِ عِنْدِي لَمُؤْمِنٌ خَفِيفُ الْحاذِّ، ذُو حَظٍّ مِنَ الصَّلاةِ، أَحْسَنَ عِبادةَ ربهِ، وَأَطاعَهُ في السِّرِّ، وَكانَ غامِضًا في النَّاسِ لا يُشارُ إِلَيْهِ بِالأَصابعِ، وَكانَ رِزْقُهُ كفافًا فَصَبَرَ عَلى ذَلِكَ، عُجلَتْ مَنِيتُهُ، وَقَلَّتْ بَواكِيهِ، وَقَلَّ تراثُهُ (١) " (٢). وروى الثعلبي وغيره عن علي ﵁: أنه قال في أولياء الله تعالى: [من مجزوء الكامل] صُفْرُ الوُجُوه مِنَ السَّهَر ... عُمْشُ العُيونِ مِنَ العِبَر

стр. 1384

خُمْصُ البُطُونِ مِنَ الطَّوَى ... يُبْسُ الشِّفاهِ مِنَ الذَّوَى (١) (٢) وروى الدينوري في "المجالسة" عن المدائني قال: نظر علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه إلى قوم ببابه، فقال لقنبر: يا قنبر! من هؤلاء؟ قال: هؤلاء شيعتك يا أمير المؤمنين. قال وما لي لا أرى فيهم سيماء الشيعة؟ قال: وما سيماء الشيعة؟ فقال: خُمْصُ البُطُونِ مِنَ الطوَى يُبْسُ الشِّفاهِ مِنَ الظَّما عُمْشُ العُيونِ مِنَ البُكا (٣) فوصف شيعته في هذا الخبر بما وصف به الأولياء في الخبر الآخر، فشيعة علي رضي الله تعالى عنه هم أولياء الله تعالى. وكيف يكون من أوليائه من يبغض أولياءه؟ وأفضل أولياء الله الصحابة رضي الله تعالى عنهم، وأفضل الصحابة أبو بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما.

стр. 1385

وروى عبد الله ابن الإِمام أحمد في "زوائد الزهد" عن يوسف بن يعقوب الحنفي قال: بلغنا أن الله يقول: يا أوليائي! طال ما نظرت إليكم في الدنيا وقد قَلَصَتْ شفاهكم عن الأشربة، وغارت أعينكم، وَخَمصَت بطونكم؛ فكونوا اليوم في نعيمكم، وكلوا واشربوا هنيئًا بما أسلفتم في الأيام الخالية (١). وروى الإِمام أحمد في "الزهد"، وابن أبي الدنيا في كتاب "الأولياء" عن وهب بن منبه قال: قال الحواريون لعيسى بن مريم ﵉: مَنْ أولياء الله الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون؟ قال عيسى ﵇: الذين نظروا إلى باطن الدنيا حين نظر الناس إلى ظاهرها، والذين نظروا إلى آجل الدنيا حين نظر الناس إلى عاجلها، وأماتوا منها ما خشوا أن يميتهم، وتركوا ما علموا أن سيتركهم، فصار استكثارهم منها استقلالاً، وذكرهم إياها فواتاً، وفرحهم بما أصابوا منها حزنا، فما عارضهم من نائلها رفضوه، وما عارضهم من رفعتها بغير حق وضعوه، خلقت الدنيا عندهم فليسوا يجددونها، وخربت بينهم فليسوا يعمرونها، وماتت في صدورهم فليسوا يحبونها، يهدمونها فيبنون بها آخرتهم، ويبيعونها فيشترون بها ما يبقى لهم، رفضوها فكانوا برفضها فرحين، وباعوها فكانوا ببيعها رابحين، ونظروا إلى أهلها صرعى قد خلت فيهم المَثُلات، فأحبوا ذكر الموت، وأماتوا ذكر الحياة، يحبون الله

стр. 1386

ويحبون ذكره، يستضيئون بنوره، لهم الخبر العجيب، وعندهم الخبر العجيب، بهم قام الكتاب وبه قاموا، وبهم نطق الكتاب وبه نطقوا، وبهم علم الكتاب وبه علموا، ليسوا يرون نائلاً مع ما نالوا، ولا أمانًا دون ما يرجون، ولا خوفاً دون ما يحذرون (١). وروى أبو نعيم عن وهب: أن الله أوحى إلى داود ﵇: يا داود! إنما يكفي أوليائي اليسير من العمل، كما يكفي الطعام [القليل] من الملح. يا داود! هل تدري متى أتولاهم؟ إذا طهَّروا قلوبهم من الشرك، ونزعوا قلوبهم من الشك، وعلموا أن لي جنة وناراً، وأني أحي وأميت، وأبعث من في القبور، وأني لم أتخذ صاحبة ولا ولدًا؛ فإن توفيتهم بيسير من العمل وهم موقنون بذلك جعلته عظيمًا عندي (٢). وروى ابن أبي الدنيا عن عثمان بن عمارة عن بعضهم قال: إن أولياء الله أرضى عن الله ﷺ من أن يسألوه ينقلهم من حالة إلى حالة حتى يكون هو الذي ينقلهم (٣). وعن أحمد بن أبي الحواري قال: أخبرني محمَّد بن جعفر من

стр. 1387

الأبناء قال: ذكروا عند رابعة عابداً من بني إسرائيل ينزل من متعبده في كل سنة، فيأتي مزبلة على باب الملك، فيلتقم من فضول مائدته، فقال رجل عندها: وما على هذا إذ كان له هذه المنزلة أن يسأل الله أن يجعل رزقه من غير هذا؟ فقالت رابعة: يا هذا! إن أولياء الله إذا قضي لهم قضاء لم يسخطوه (١). وروى الإِمام أحمد في "الزهد"، وعبد بن حميد، وابن أبي الدنيا، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن وهب بن منبه رحمه الله تعالى: أن الله تعالى قال لموسى وهارون ﵉ حين بعثهما إلى فرعون: ولا تغرنكما بزَّته، ولا ما متع به، ولا تمدان إلى ذلك أعينكما؛ فإنها زهرة الدنيا وزينة المترفين، وإني لو شئت أن أزينكما من الدنيا بزينة يعلم فرعون حين ينظر إليها أن مقدرته [تعجز] عن مثل ما أوتيتما فعلت، ولكن أرغب بكما عن ذلك، وأزويه عنكما، وكذلك أفعل بأوليائي، وقديمًا ما خرت لهم في أمور الدنيا؛ فإني لأذودهم عن نعيمها ورخائها كما يذود الراعي الشفيق غنمه عن مواقع الهَلَكة، وإني لأجنبهم سكونها (٢) وعيشها كما يجنب الراعي الشفيق إبله عن مبارك الغرة، وما ذلك لهوانهم علي، ولكن ليستكملوا نصيبهم من كرامتي سالماً موفراً لم تكلمه

стр. 1388

الدنيا, ولم يُطْغِه الهوى. واعلم أنه لم يتزين لي العباد بزينة هي أبلغ فيما عندي من الزهد في الدنيا؛ فإنه زينة المتقين، عليهم منه لباس يعرفون به من السكينة والخشوع، سيماهم في وجوههم من أثر السجود، أولئك هم أوليائي حقًا، فإذا لقيتهم فاخفض لهم جناحك، وذلل لهم قلبك ولسانك. واعلم أن من أهان لي ولياً، أو أخافه فقد بارزني (١) بالمحاربة، وبادأني وعرض لي نفسه، ودعاني إليها، وأنا أسرع شيء إلى نصرة أوليائي، أفيظن الذي يحاربني أن يقوم بي، أَوَيظن الذي يحاددني أو يعاديني أن يعجزني، أَوَيظن الذي يبارزني أن يسبقني أو يفوتني؛ كيف وأنا الثائر لهم في الدنيا والآخرة، لا أكِلُ نصرتهم إلى غيري (٢). وذكر حجة الإِسلام أبو حامد الغزالي في "الإحياء" أن ابن لقمان قال لأبيه: يا أبت! أي الخصال من الإنسان خير؟ قال: الدين. قال: فإذا كانتا اثنتين؟ قال: الدين، والمال. قال: فإذا كانت ثلاثًا؟

стр. 1389

قال: الدين، والمال، والحياء. قال: فإذا كانت أربعاً؟ قال: الدين، والمال، والحياء، وحسن الخلق. قال: فإذا كانت خمساً؟ قال: الدين، والمال، والحياء، وحسن الخلق، والسخاء. قال: فإذا كانت ستاً؟ قال: يا ولدي! إذا اجتمعت فيه الخمس فهو تقي نقي، لله ولي، ومن الشيطان بري (١). وقلت في المعنى: [من الرجز] الدّينُ ثُمَّ الْمالُ فَالْحَياءُ ... فَالْخُلُقُ الْحَسَنُ فَالسَّخاءُ خَيْرُ خِصالٍ هِيَ في الإِنْسانِ ... كَما أَتَى في النَّقْلِ عَنْ لُقْمانِ فَإِنْ تَكُنْ مَجْمُوعَةً في رَجُلِ ... فَهْوَ التَّقِيُّ وَالنَّقِيُّ وَالوَليْ وروى أبو الشيخ بن حيان في كتاب "الثواب" عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : "ما جُبِلَ وَلِيٌّ لِلَّهِ إِلاَّ عَلى السَّخاءِ وَحُسْنِ الْخُلُقِ" (٢).

стр. 1390

وروى ابن أبي الدنيا في كتاب "الأولياء" عن عبد الواحد بن زيد رحمه الله تعالى قال: أولياء الله تعالى هم الألباء العقلاء، الحذِرون المسارعون في رضوان الله المراقبون لله (١). وروى أبو نعيم عن أبي عمرو الرازي (٢) قال: من صفات الأولياء ثلاث: الرجوع إلى الله في كل شيء، والفقر إلى الله في كل شيء، والثقة بالله في كل شيء (٣). وعن محمَّد بن أبي الورد رحمه الله تعالى قال: ولي الله إذا زاده (٤) ثلاثة أشياء زاد منه ثلاثة أشياء: إذا زاد جاهه زاد تواضعه، وإذا زاد ماله زاد سخاؤه، وإذا زاد عمره زاد اجتهاده (٥). وعن يحيى بن معاذ الرازي رحمه الله تعالى قال: تضاحكت الأشياء إلى أولياء الله العارفين بأفواه القدرة عن مليكهم لما يرون من آثار صنعه فيها، ويعاينون من بدائع خلقه معهم، فلهم في كل شيء معتبر، وعند كل شيء مذكر (٦).

стр. 1391

وعن الربيع بن أنس قال: كنت عند صفوان بن محرز خاليًا، فدخل علينا شابٌّ من أصحاب الأهواء، فذكر أشياء، فقال: أيها الفتى! ألا أدلك على خاصة الله التي خص بها أولياءه؟ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة: ١٠٥] الآية (١). وروى أبو الحسن بن جهضم عن عمرو بن عثمان المكي: قال: ثلاثة أشياء من صفات أولياء الله: الرجوع إلى الله في كل شيء ... إلى آخر ما ذكره أبو نعيم عن ابن عمرو الرازي (٢). وروى أبو عبد الرحمن السلمي في "طبقاته" عن معروف الكرخي رحمه الله تعالى أنه سئل ما علامة الأولياء؟ قال: ثلاثة: همومهم الله، وشغلهم فيه، وفرارهم إليه (٣). وعن أحمد بن خضرويه قال: ولي الله لا يَسِم (٤) نفسه بسيماء، ولا يكون له اسم يتسمى به (٥). وعن يحيى بن معاذ الرازي رحمه الله تعالى قال: ثلاث خصال من خصال الأولياء: الثقة بالله في كل شيء، والغنى به عن كل شيء،

стр. 1392

والرجوع إليه في كل شيء (١). وعن أبي القاسم الجنيد رحمه الله تعالى قال: الحياء من الله أزال عن قلوب أوليائه سرور المنة (٢). وعن شاه الكرماني رحمه الله تعالى قال: لأهل الفضل فضلٌ ما لم يَرَوْهُ، فإذا رأوه فلا فضل لهم، ولأهل الولاية ولايةٌ ما لم يروها، فإذا رأوها فلا ولاية لهم (٣). وعن محمَّد بن حامد الترمذي رحمه الله تعالى قال: الولي في ستر حاله أبدًا، والكون كله ناطق عن ولايته، والدَّعِي ناطق به؛ أي: بنفسه، والكون كله ينكر عليه (٤). وعن أبي عبد الله محمَّد بن أحمد بن سالم صاحب سهل التُّسْتَري رحمهما الله تعالى أنه سئل: بم تعرف الأولياء في الخلق؟ قال: بلطف لسانهم، وحسن أخلاقهم، وبشاشة وجوههم، وسخاوة أنفسهم، وقلة اعتراضهم، وقبول عذر من اعتذر إليهم، وتمام الشفقة على جميع الخلائق؛ بَرِّهِم وفاجرهم (٥).

стр. 1393

وعن عبد الله الرازي قال: الخلق كلهم يدعون المعرفة، لكنهم عن صدق المعرفة بمعزل. قال: وصدق المعرفة خص بها الأنبياء ﵈، والسادة من الأولياء ﵃ (١). وعن أبي الحسن البوشنجي رحمه الله تعالى قال: الناس على ثلاث منازل: الأولياء: وهم الذين باطنهم أفضل من ظاهرهم. والعلماء: وهم الذين سرهم وعلانيتهم سواء. والجهال: وهم الذين علانيتهم تخالف أسرارهم، وهم لا ينصفون من أنفسهم ويطلبون الإنصاف من غيرهم (٢). ونقل الثعلبي عن ابن كيسان في قوله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ﴾ [يونس: ٦٢] الآية؛ قال: هم الذين تولى الله هداهم بالبرهان، وتولوا القيام بحقه والدعاء إليه (٣). وهذا مبني على جعل الولي بمعنى المفعول وبمعنى الفاعل جميعًا. وقال أبو القاسم القشيري في باب الولاية من "رسالته": الولي له معنيان:

стр. 1394

أحدهما: فعيل بمعنى مفعول، وهو من يتولى الله سبحانه أمره. قال تعالى: ﴿وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٦]، فلا يكله إلى نفسه لحظة، بل يتولى الحق رعايته. والثاني: فعيل مبالغة من الفاعل، وهو الذي يتولى عبادة الله بطاعته، فعبادته تجري على التوالي من غير أن يتخللها عصيان. قال: وكذا الوصفين واجب حتى يكون الولي ولياً يجب قيامه بحقوق الله على الاستقصاء والاستيفاء، ودوام حفظ الله إياه في السراء والضراء. قال: ومن شرط الولي أن يكون محفوظا كما أن من شرط النبي أن يكون معصوماً، وكل من كان للشرع عليه اعتراض فهو مغرور مخدوع. قال: وسمعت الأستاذ أبا علي الدقاق رحمه الله تعالى يقول: قصد أبو يزيد البسطامي رحمه الله تعالى بعض من وُصف بالولاية، فلما وافى مسجده قعد ينتظر خروجه، فخرج الرجل وتنخم في المسجد، فانصرف أبو يزيد ولم يسلم عليه، وقال: هذا رجل غير مأمون على أدب من آداب الشريعة؛ فكيف يكون أمينا على أسرار الحق؟ انتهى (١). وذكر نحو ذلك في "عيون الأجوبة"، وزاد فيه: إن الولي من حيث الاستحقاق -يعني: للولاية- من يكون لربه ولا يكون لنفسه. قال: ومعناه سقوط حظوظه، وقيام حقوق الحق بعد زوال نفسه

стр. 1395

كما قيل: [من الوافر] فَسِرْتُ إِلَيْكَ في طَلَبِ الْمَعالِي ... وَسارَ سِوايَ في طَلَبِ الْمَعاشِ (١) وقد علمت من كلامنا السابق أن الولاية لا تتم إلا بولاية الله تعالى للعبد، فإذا تولى الله العبد تولى العبد طاعة الله تعالى فصار ولياً. وهذا معنى قوله: وكذا الوصفين واجب حتى يكون الولي وليا. وذكر في "التحبير": من علامات من يكون الحق وليّه أن يصونه ويمونه، ويعينه على قلبه في كل نفس بتحقيق آماله عند إشارته، وتعجيل مآربه عن خطراته، وأن يديم توفيقه حتى لو أراد سوءًا أو قصد محذوراً عصمه عن ارتكابه، ولو مال إلى تقصير في طاعته لم يتسهل له، بل ينقلب ذلك توفيقا وتأييدًا، وأن يرزقه مودة في قلوب أوليائه تجلب له زيادة الإفضال والإنعام من الله . قلت: وقد أمر الله نبيه ﷺ أن يستنصر بتولي الله تعالى له، فقال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلَا تُنْظِرُونِ (١٩٥) إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٥، ١٩٦]؛ أي: الذي يتولى نصرتي وحفظي الله، فالولي بمعنى الناصر والحفيظ، فإذا تولى الله العبد وفقه لولايته فيكون ناصرًا لله تعالى ولأمره، حفيظا لحقوقه وحقوق

стр. 1396

خلقه، فإذا كان كذلك زاده الله تعالى نصرة وحفظًا وتوفيقاً. قال الله تعالى: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ﴾ [الحج: ٤٠]. وقال: ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد: ٧]. وقال رسول الله ﷺ . لابن عباس رضي الله تعالى عنهما: "احْفَظِ الله يَحْفَظْكَ، احْفَظِ الله تَجِدْهُ تُجاهَكَ" (١). فالغالب على الولي في حال صحوه كما قال القشيري في باب كرامات الأولياء من "رسالته" صدقُه في أداء حقوق ربه سبحانه، ثم رفقه والشفقة على الخلق في جميع أحواله، ثم انبساط رحمته لكافة الخلق، ثم دوام تحمله عنهم بجميل الخلق، وانتدابه لطلب الإحسان من الله إليهم من غير التماس منهم، وتعليق الهمة تجاه الخلق، وترك الانتقام منهم، والتوقي عن استشعار حقه عليهم مع قصر اليد عن أموالهم، وترك الطمع بكل وجه فيهم، وقبض اللسان عن بسطه بالسوء فيهم، والتصاون عن شهود مساوئهم، وترك الانتقام منهم، ولا يكون خصماً لأحد في الدنيا والآخرة (٢). هذا ما ذكره القشيري، ويستثنى من قوله: وترك الانتقام منهم والتوقي عن استشعار حقه عليهم: ما لو انتهكت محارم الله؛ فيجب الغضب عند ذلك على المنتهك من حيث جرأتُه على الله تعالى، لا من

стр. 1397

حيث إن الله تعالى قلبه في ذلك، فيرحمه من هذه الحيثية ويود أن لو عوفي من ذلك. وكذلك انبساط رحمته لكافة الخلق من حيث ضعفهم، لا من حيث إن الله تعالى أراد ما أراد فيهم، فليس له أن يريد خلاف ما أراده الله تعالى. قال القشيري: وقيل: إن إبراهيم بن أدهم رحمه الله تعالى قال لرجل: أتحب أن تكون لله وليًا؟ قال: لا ترغب في شيء من الدنيا والآخرة، وفَرغ نفسك لله ، وأقبل بوجهك عليه ليقبل عليك ويواليك (١). وروى ابن أبي الدنيا في كتاب "الأولياء" عن مسمع بن عاصم قال: اختلف العابدون عندنا في الولاية، فقال بعضهم إذا استحقها عبد لم يهم بشيء إلا ناله في دين كان أو دنيا. وقال الآخر: الولي لا يعصى غير أنه لا يدرك الشيء الذي يريده من الدنيا بهمه، ولا يدركه إلا بطلبه كأنهم يقولون: يدعو فيجاب. وقال آخرون: المستحق للولاية لا يعرض لانتقاص حظه من الآخرة. فتكلموا في ذلك بكلام كثير، فأجمعوا على أن يأتوا امرأة من بني عدي يقال لها: أمة الجليل بنت عمرو العدوية، وكانت منقطعة جداً من طول الاجتهاد، فاستأذنوا عليها، فأذنت لهم، فعرضوا عليها اختلافهم،

стр. 1398

فقالت: ساعات الولي ساعات شغل عن الدنيا، ليس للولي المستحق في الدنيا من حاجة. ثم أقبلت على بعضهم فقالت: من حدثك، أو أخبرك أن وليّه له هم غيره فلا تصدقه (١). وفي معناه أنشدوا: [من البسيط] كانَتْ لِقَلْبِيَ أَهْواء مُشَتَّتَةٌ ... فَاسْتَجْمَعَتْ مُذْ رَأتكَ النَّفْسُ أهْوائِي وَصارَ يَحْسُدُنِي مَنْ كُنْتُ أَحْسُدُهُ ... وَصِرْتُ مَولَى الوَرى مُذْ صِرْتَ مَوْلائِي (٢) وأنشدوا أيضًا: [من الخفيف] لِي شُغُلٌ وَلِلْعَوالِمُ شُغْلُ ... شُغْلُها فَضْلَةٌ وَشُغْلِيَ فَضْلُ أَنْتَ يا واهِبَ الْمَحامِدِ شُغْلِي ... حَبَّذا الشُّغْلُ شُغْلُ مَنْ لا يَمَلُّ

стр. 1399

كُلّ ما هامَتِ الْعَوالِمُ فيه ... فَهْوَ فَرْعٌ وَأَنْتَ لِلْكُلِّ أَصْلُ وذكرت بذلك ما رواه الدارقطني في "الأفراد" عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "أهلُ شُغْلِ الله في الدُّنْيا هُمْ أَهْلُ شُغْلِ الله في الآخِرَةِ، وَأَهْلُ شُغْلِ أَنْفُسِهِمْ في الدنْيا هُمْ أَهْلُ شُغْلِ أَنْفُسِهِمْ في الآخِرَةِ" (١). وروى عبد الله ابن الإِمام أحمد في "الزهد" عن شميط بن عجلان قال: إن أولياء الله آثروا رضي ربهم على هوى أنفسهم، فأرغموا أنفسهم كثيرًا لرضى ربهم ﵎، فأفلحوا وأنجحوا (٢). وروى أبو عبد الرحمن السلمي في "طبقاته"، وأبو نعيم عن أبي يزيد البسطامي رحمه الله تعالى: اطلع الله على قلوب أوليائه فمنهم من لم يكن يصلح لحمل المعرفة صرفًا فشغلهم بالعبادة (٣). وذكر السلمي في "الحقائق" عنه قال: ولي الله الذي يأخذ كتاب الله بيمينه، وسنة رسوله ﷺ بشماله، ويتزر بالدنيا، ويرتدي بالآخرة، ويلي

стр. 1400

من بينهما للهولى؛ أي: يجيبه إلى أوامره. ونقل القشيري عنه قال: حظوظ الأولياء مع تباينها من أربعة أسماء، وقيام كل طائفة منهم من اسم منها؛ وهي الأول، والآخر، والظاهر، والباطن، فمن فني عنها بعد ملابستها فهو الكامل التام. فمن كان حظه من اسمه الظاهر لاحظ عجائب قدرته. ومن كان حظه من اسمه الباطن لاحظ ما جرى في السرائر من أنواره. ومن كان حظه من اسمه الأول كان شغله بما سبق. ومن كان حظه من اسمه الآخر كان مرتبطاً بما يستقبله. وكلٌّ كوشف على قدر طاقته إلا من تولاه الله ببره وقام عنه بنفسه (١). قال القشيري رحمه الله تعالى: هذا الذي قاله أبو يزيد يشير إلى أن الخواص من عباده سبحانه ارتفعوا عن هذه الأقسام، فلا العواقب هم في ذكرها, ولا السوابق هم في فكرها, ولا الطوارق هم في أسراها. قال: وكذا أصحاب الحقائق يكونون محواً عن نعوت الخلائق. قال الله تعالى: ﴿وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ﴾ [الكهف: ١٨] , انتهى (٢).

стр. 1401

ونقل أبو طالب المكي عن سهل بن عبد الله التُّستري رحمه الله تعالى أنه قال: مخالطة الولي للناس ذل، وتفرده عز، وقَلَّما رأيت ولياً لله إلا منفردًا (١). ونقل القشيري عنه قال: الولي الذي توالت أفعاله على الموافقة (٢). ونقل عنه غيره أنه قال: الولاية ملك (٣) النفس وسعة الصدر (٤). وروى أبو نعيم عن أبي يزيد رحمه الله تعالى قال: أولياء الله مخدرون معه في جمال (٥) الأنس به، لا يراهم أحد في الدنيا والآخرة إلا من كان محرمًا لهم، وأما غيرهم فلا إلا منتقبين من وراء حجبهم (٦). وروى القشيري عنه قال: أولياء الله عرائس الله، ولا يرى العرائس إلا المحرمون، وهم مخدرون عنده في جمال الإنس، لا يراهم أحد في الدنيا ولا في الآخرة (٧)؛ فلا يراهم أحد على ما هم عليه وإن رأوا أجسادهم وخالطوهم وهم غير عارفين بهم.

стр. 1402

أما في الدنيا فالولي يكون بين ظهرانيهم وهم يحسبونه كواحد منهم، وهو مشاهد لمولاه ملاحظ لرضاه. وأما في الآخرة فالولي يراه من يراه فيما يكون فيه بظاهره، ولا يعلمون ما بينه وبين الله من القرب والمسارة. بل من أولياء الله تعالى من يستره الله تعالى في الدنيا بما يخيِّله إلى حُسَّاده من الركون إليها والعكوف عليها، والعصيان فيها، وهو فيما بينه وبين الله تعالى في طاعة (١). وفي المعنى قلت: [من الهزج] يَلُومُوني على فِعْلِي ... بِفَرْطِ اللَّوْمِ وَالعَتَبِ وَلا يَدْرُونَ ما بَيْني ... وَبَيْنَ اللهِ في قَلْبِي تَرانِي مُبْعِداً عَنْهُ ... وَإِنِّي مِنْهُ في قُرْبِ وروى [القشيري عن] النصرآبادي قال: ليس للأولياء سؤال، إنما هو الذبول والخمود. قال: نهايات الأولياء بدايات الأنبياء ﵈ (٢).

стр. 1403

قال القشيري: وقال أبو عثمان المغربي: الولي قد يكون مشهوراً، ولكن لا يكون مفتونًا. قال: وقال يحيى بن معاذ: الولي لا يرائي ولا ينافق، وما أقل صديق من كان هذا خلقه. قال: وقال أبو علي الجوزجاني: الولي هو الفاني في حاله، الباقي في مشاهدة الحق، تولى الله سياسته (١) فتوالت عليه أنوار التولي، لم يكن له عن نفسه أخبار ولا مع غيره قرار (٢). قال: وقال يحيى بن معاذ. الولي ريحان الله في الأرض يشمه الصديقون، فتصل رائحته إلى قلوبهم، فيشتاقون به إلى مولاهم، ويزدادون عبادة على تفاوت أخلاقهم (٣). قلت: وهذا من معاني قوله ﷺ في الأولياء: "الَّذِينَ يُذْكَرُ اللهُ لِرُؤْيتهِمْ أَوْ بِذِكْرِهِمْ" كما تقدم. قال القشيري: وقال يحيى في صفة الأولياء: هم عباد تسربلوا بالأنس بعد المكابدة، واعتنقوا الرَّوح بعد المجاهدة بوصولهم إلى مقام الولاية (٤).

стр. 1404

قال: وسئل الواسطي رحمه الله تعالى: كيف يغذى الولي في ولايته؟ قال: في بدايته بعبادته، وفي كهولته بستره بلطافته، ثم يجذبه إلى ما سبق له من نعوته وصفاته، ثم يذيقه طعم قيامه به في أوقاته. قال: وقال الخرّاز رحمه الله تعالى: إذا أراد الله أن يوالي عبدًا من عبيده فتح عليه باب ذكره، فإذا استلذ الذكر فتح عليه باب القرب، ثم رفعه إلى مجالس الأنس، ثم أجلسه على كرسي التوحيد، ثم رفع عنه الحجب، وأدخله دار الفردانية، وكشف عنه الجلال والعظمة، فإذا وقع بصره على الجلال والعظمة بقي بلا هو، فحينئذ صار العبد زمِناً فانيًا، فوقع في حفظه سبحانه، وبرئ من دعاوى نفسه (١). وقال في باب الذكر: سمعت الأستاذ أبا علي الدقاق رحمه الله تعالى يقول: الذكر منشور الولاية؛ فمن وفق للذكر فقد أعطي المنشور، ومن سلب الذكر فقد عزل (٢). وقال جدي رضي الدين رضي الله تعالى عنه في "ألفيته" في معناه: [من الرجز] وَالذِّكْرُ مِنْهُ مَدَدُ الكَرامَة ... وَهْوَ عَلى وِلايَةٍ عَلامَة ويؤيده ما رواه الشيخان، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه عن

стр. 1405

أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "يَقُولُ اللهُ تَعالَى: أَنا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، وَأَنا مَعَهُ إِذا ذَكَرَني" (١). وروى ابن ماجه، وابن حبان، والبيهقي من حديثه، والحاكم -وصححه - من حديث أبي الدرداء رضي الله تعالى عنه عن النبي ﷺ أن الله يقول: "أَنا مَعَ عَبْدِي إِذا هُوَ ذَكَرَني وَتَحَرَّكَتْ بِي شَفَتاه" (٢). وصحح الحاكم أيضًا عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "قالَ اللهُ تَعالَى: عَبْدِي! أَنا عِنْدَ ظَنكَ بِي وَأَنا مَعَكَ إِذا ذَكَرْتَنِي" (٣). وهذه المعية معية النظرة والحفظ والمعونة، وهو معنى ولاية الله تعالى لعبده؛ فمن ذكر الله تعالى ذِكْرَ طاعة وتعظيم وإجلال، فتوفيقه للذكر دليل ولاية الله تعالى. وروى أبو عبد الرحمن السلمي في "طبقاته" عن أبي حفص الحداد
следующие страницы →