← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 14592

حسن التنبه لما ورد في التشبه

نجم الدين الغزي

Полный текст (6 623 стр.). Показаны 1471–1510 · переход к 1476.

стр. 1471

ولفظ الترمذي: قلت: يا رسول الله! حدثني بأمر أعتصم به. قال: "قُلْ: ربي اللهُ، ثُمَّ اسْتَقِمْ". قال: قلت: يا رسول الله! ما أخوف ما تخاف علي؟ فأخذ بلسان نفسه، وقال: "هَذا" (١). في هذه الإشارة إلى اللسان: أن أهم شيء يستقيم فيه العبد حفظ لسانه على أن يقول الخير، أو يصمت. وقد روى الترمذي، وغيره عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه، عن النبي ﷺ قال: "إِذا أَصْبَحَ ابْنُ آدَمَ فَإِن الأَعْضاءَ تكفرُ اللسانَ؛ فتقولُ: اتَّقِ الله فِينا؛ فَإنَّا نحنُ بِكَ، فَإنِ اسْتَقَمْتَ اسْتَقَمْنا، وَإِنِ اعْوَجَجْتَ اعْوَجَجْنا". وأشار الترمذي إلى تصحيحه موقوفًا على أبي سعيد (٢). ومن هنا سئل بعض العارفين عن الكرامة، فقال: هي حصول الاستقامة. وقال القشيري: واعلم أن الاستقامة توجب إمامة الكرامة. قال الله تعالى: ﴿وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا﴾ [الجن: ١٦]. قال: لم يقل: سقيناهم، بل قال: أسقيناهم؛ يقال: أسقيته؛ أي:

стр. 1472

جعلت له سقياً، فهو يشير إلى الدوام، انتهى. وقال أبو علي الجوزجاني: بن صاحب الاستقامة لا طالب الكرامة؛ فإن نفسك متحركة في طلب الكرامة، وربك يطالبك بالاستقامة (١). قال الشيخ شهاب الدين السهروردي في "العوارف" بعد أن حكى كلام الجوزجاني: وهذا الذي ذكرته أصل كبير في الباب، وسر غفل عن حقيقته كثير من أهل السلوك والطلب، وذلك أن المجتهدين، والمتعبدين يسمعون بسير الصالحين والمتقدمين، وما منحوا به من الكرامات وخوارق العادات، فأبداً نفوسُهم لا تزال تتطلع إلى شيء من ذلك، ويحبون أن يرزقوا شيئًا من ذلك، ولعل أحدهم يبقى منكسر القلب متهمًا لنفسه في صحة عمله حيث لم يكاشف بشيء من ذلك، ولو علموا سر ذلك لهان عليهم الأمر فيه. فليعلم أن الله سبحانه قد يفتح على بعض المجتهدين الصادقين من ذلك بابًا والحكمة فيه أن (٢) يزداد بما يرى من خوارق العادات وآثار القدرة يقينا، فيقوى عزمه على الزهد في الدنيا، والخروج من دواعي الهوى. وقد يكون بعض عباده يكاشف بصرف اليقين، ويرفع عن قلبه الحجاب، ومن كوشف بصرف اليقين أغنى بذلك عن رؤية خوارق

стр. 1473

العادات لأن المراد منها كان حصول اليقين، وقد حصل اليقين، فلو كوشف المرزوق صرف اليقين بشيء من ذلك لازداد يقينًا، فلا تقتضى الحكمة كشف القدرة بخوارق العادات لهذا الموضع استغناء به، وتقتضى الحكمة كشف ذلك للآخر لموضع حاجته؛ فكان هذا الثاني يكون أتم استعدادًا وأهلية من الأول حيث أغنى عن رؤية شيء من ذلك، فسئل الصادق مطالبة النفس بالاستقامة، فهي كل الكرامة، ثم إذا وقع في طريقه شيء من ذلك جاز وحسن، وإن لم يقع فما يبالي ولا ينقص بذلك، وإنما ينقص بالإخلال بواجب من الاستقامة. قلت: وهذا الذي ذكره السهروردي هو أحد الأسباب في قلة ظهور الخوارق على الصحابة وأهل الصدر الأول، وأخذها من قرب عهدهم بالوحي ومشاهدة المعجزات، فاستغنوا بذلك عن كثرة ظهور الخوارق فيهم. وأما السبب في قلة الخوارق الآن في هذه الأعصار المتأخرة فاختفاء أولياء الله تعالى لظلمة الوقت، وكثرة المكذبين والمؤولين لما يشاهدونه من الأولياء في الأسرار والخوارق، والمنكرين، وقلة الطالبين للخير وأهله، ولو حصل طالب صادق لوجد؛ فإن وجدان الأدب من شرط صحة الطلب؛ فافهم! وفي المعنى قول ابن حبيب الصفدي رحمه الله تعالى: [من البسيط] وَكُلُّ وَقْتٍ لَهُ أَهْلٌ يَلِيقُ بِهِ ... وَبَعْدَهُ مِنْهُ شَرٌّ بِالنُّصوصاتِ

стр. 1474

يَكْفِي زَمانٌ يُرى ما لَمْ يَأْتِ فِيهِ نبِيْ ... وَالأَوْلِياءُ اخْتَفَوْا وَعْظًا لِيَقَظَاتِ قال الشيخ أبو العباس بن عطاء الله الإسكندري رحمه الله تعالى: سئل بعض العارفين عن أولياء العدد ينقصون في زمن، فقال: لو نقص منهم واحد ما أرسلت السماء قطرها, ولا أبرزت الأرض نباتها، وفساد الوقت لا يكون بذهاب أعدادهم ولا بنقص أمدادهم، ولكن إذا فسد الوقت كان مراد الله سبحانه وقوع اختفائهم مع وجود بقائهم، فإن كان أهل الزمان معرضين عن الله، مؤثرين لما سوى الله، لا تنجع فيهم الموعظة، ولا تميلهم إلى الله التذكرة، لم يكن أهلاً لظهور الأولياء فيه. وذكر القشيري عن سهل بن عبد الله رحمه الله تعالى: أكبر الكرامات أن تبدل خُلُقًا مذموماً من أخلاق نفسك بخُلُق محمود (١). قلت: والحكمة فيه أن حقيقة الكرامة خرق العادة، وإذا كان خُلق العبد سيئاً فبدله الله حسنًا، فقد خرق له هذه العادة لأن الانتقال عن الطبع لا قدرة للعبد عليه إلا أن ينقله الله تعالى عنه، فإذا تيسر للعبد أن ينتقل من خلق سيئ إلى خلق حسن فقد أكرمه بأعظم الكرامات. وفي معنى كلام سهل ما رواه ابن عساكر عن الأصمعي قال: قال لنا يونس: كتب عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى إلى محمَّد بن كعب

стр. 1475

القرظي رحمه الله تعالى، فكتب إليه: إن ابن آدم مطبوع على أخلاق شتى؛ كَيْسٌ وحمق، وجراءة وجبن، وحلم وجهل؛ فداو بعض ما فيك ببعض، وإذا صحبت فاصحب من كان ذا نية في الخير يعينك على نفسك، ويكفيك مؤونة الناس، ولا تصحب من الناس من خطرك عنده على قدر حاجتك إليك، فإذا انقطعت انقطعت أسباب مودتك من قلبه، وإذا غرست غرساً من المعروف فلا يضيق ذرعك أن تربيه (١). وروى أبو عبد الرحمن السلمي في "طبقاته" عن محمَّد بن عليان النسوي قال: آيات الأولياء وكرامتهم رضاهُم بما يسخط العوام عن مجاري المقدور (٢). قلت: وإنما رجع ابن عليان معنى الآيات والكرامات إلى الرضا؛ لأن الحكمة في الكرامة زيادة الإيمان وتقوى اليقين، فإذا رضي العبد بمجاري أقدار الله تعالى فقد تحقق بالإيمان المطلوب بالكرامة. وقد روى الإِمام أحمد، ومسلم، والترمذي عن العباس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ذاقَ طَعْمَ الإِيْمانِ مَنْ رَضِيَ بِاللهِ رَبًّا، وَبِالإِسْلامِ دِينا، وَبِمُحَمدٍ ﷺ رَسُولًا" (٣).

стр. 1476

* تَنبِيهٌ: قد تكون الكرامة مما يحسبه الجاهل عقوبة كالمصائب، وقلة ذات اليد، وقلة الأولاد، وقلة العشيرة، فيكرم الله العبد بذلك تمحيصًا لذنوبه، وزيادة في كرامته، وصيانة له عن الفتنة. ألا ترى أن الله تعالى يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٤) إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [التغابن: ١٤، ١٥]. وروى أبو نعيم عن أبي سنان ضرار بن مرة رحمه الله تعالى قال: يقول الله : يا دنيا! مري على المؤمن ليصبر عليك فيجزى، ولا تحلولي له فتفتنيه (١). وروى أبو عبد الرحمن السلمي في "طبقاته" عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "يَقُولُ اللهُ لِلدنْيا: يا دنيا! مرِّي على أَوْلِيائِي، وَلا تَحْلَوِلي فَتْفَتِنِيهِمْ" (٢). وروى الطبراني، والبيهقي في "الشعب"، والأصبهاني في "الترغيب"، والديلمي عن قتادة بن النعمان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ :

стр. 1477

"نزَلَ اللهُ تَعالَى عَلَيَّ جِبْرِيلَ في أَحْسَنِ ما كانَ يَأتِيني صُورةً، فَقالَ: إِنَّ الله يُقْرِئُكَ السَّلامَ يا محمدُ، وَيقُولُ لَكَ: إِني أَوْحَيْتُ إِلَى الدُّنْيا أَنْ تَمَرَّرِي وَتَكَدَّرِي، وَتَضَيقِي وَتَشَدَّدِي على أَوْلِيائِي حَتَّى يُحِبوا لِقائِيَ، وَتَحَبَّبِي وَتَسَهَّلِي، وَتَوَسَعِي وَتَصَفَّيْ لأَعْدائِي كَيْ يَكْرَهُوا لِقائِيَ؛ فَإِنِّي خَلَقْتُها سِجْنًا لأَوْلِيائِي، وَجَنَّةً لأَعْدائِي" (١). ولفظ الديلمي: "أَوْحَى اللهُ إِلَى جِبْريلَ ﵇ فَأَتانِي بِأَحْسَنِ ما كانَ يَأتِيني صُورَةً، فَقالَ: السَّلامُ يُقْرِئُكَ السَّلامَ، وَيقولُ لَكَ: إِنيِّ أَوْحَيْتُ إِلَى الدُّنْيا أَنْ تَمَرَّري وَتَضَيقِي، وَتَنَكَّرِي على أَوْلِيائِي حَتَّى يُحِبُّوا لِقائِيَ، وَتَبَحْبَحِي وَتَوَسَّعِي، وَتَسَهَّلِي وَتَزَيَّني عَلى أَعْدائِي حَتَّى يَكْرَهُوا لِقائِي؛ فَإِنِّي جَعَلْتُها سِجْناً لأَوْلِيائِي، وَجَنَّةً لأَعْدائِي" (٢). وقلت: [من السريع] أَوْحَى إِلَى الدُّنْيا الإِلَهُ الْحَكِيمُ ... وَهْوَ بِحالِ العَبْدِ أَوْلَى عَلِيمْ تَمَرَّرِي عَلى وَلِيِّيْ وَلا ... تَبْقَيْ عَلى حالٍ لَهُ مُسْتَقِيمْ

стр. 1478

وَأَزْعِجِيهِ كُلَّ وَقْتٍ إِلَى ... رَوْمِ لِقائِي في جَنَّاتِ النَّعِيمْ ضِيْقِي بِهِ تَكَدَّرِي وَانْكَدِرِي ... يَصْبِرْ فَيُجْزَى بِالثَّوابِ الْمُقِيمْ قَدْ يَكْرَهُ الإِنْسانُ حالًا وَفِي ... ذَلِكَ رِضوانٌ وَأَجْرٌ جَسِيمْ تَبارَكَ اللهُ وَأَوْحَى إِلَى الدُّ ... نْيا وَأَمْنُ الْمَكْرِ ذَنْبٌ عَظِيمْ تَبَحْبَحِي تَحَبَّبِي وَاسْهُلِي ... عَلى عَدُوِّي يَنْبَسِطْ أَوْ يَهِيمْ يَكْرَهُ إِذْ ذاكَ لِقائِي وَلا ... يَطْلُبُ مَرْضاتِي وَلا يَسْتَقِيمْ أَبْعَدْتُهُ بِالْمَكْرِ عَنِّي كَما ... قَرَّبْتُ بِاللُّطْفِ الوَليَّ الكَرِيمْ الْمُلْكُ لِي وَالأَمْرُ لِي دائِماً ... أَفْعَلُ ما شِئْتُ وإنِّي حَكِيمْ سُبْحانَ مَنْ قَدَّرَ ما شاءَهُ ... ذَلِكَ تَقْدِيرُ العَزِيزِ العَلِيمْ

стр. 1479

روى أبو الفرج بن الجوزي في "صفة الصفوة" عن أبي مسلم الخولاني رحمه الله تعالى قال: ما طلبت شيئًا من الدنيا قط فولى لي؛ حتى لقد ركبت مرة حمارًا فلم يمش، فنزلت عنه، وركبه غيري فعدا. قال: فرأيت في منامي كأن قائلًا يقول لي: لا يحزنك ما زوي عنك من الدنيا، وإنما يفعل ذلك بأوليائه وأحبائه وأهل طاعته. قال: فسري عني (١). قلت: ما تشهيت قط شهوة من شهوات الدنيا، ثم طلبتها إلا تعسرت علي، أو حصلت وتنغَّصتُ فيها بمنغص ما، وأنا أحمد الله على ذلك، وهذا أمر تكرر لي من أكثر من خمس وعشرين سنة، وإلى الآن. * تَنبِيهٌ: من معارف الولاية تمني الموت شوقًا إلى لقاء الله تعالى، لا فراراً من ضرر دنيوي يمسه. ومن ثم كذب الله تعالى اليهود في دعواهم ولايته بما امتحنهم من الأمر بتمني الموت؛ قال الله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٦) وَلَا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾ [الجمعة: ٦، ٧]. قال أبو عبيد الله القرطبي في تفسير الآية: لما ادعت اليهود الفضيلة، وقالوا: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ [المائدة: ١٨] قال الله تعالى: ﴿إِنْ زَعَمْتُمْ

стр. 1480

أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ﴾ [الجمعة: ٦]؛ فللأولياء عند الله الكرامة، ﴿فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ﴾ [الجمعة: ٦] لتصيروا إلى ما يصير إليه أولياء الله، ﴿وَلَا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾؛ أي: أسلفوه من تكذيب محمَّد ﷺ ، فلو تمنوه لماتوا، فكان في ذلك بطلان قولهم وما ادعوه من الولاية، انتهى (١). ولما تحقق يوسف ﵇ بولاية الله تعالى له تمنى الموت شوقاً إلى لقاء الله تعالى. قال: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ [يوسف: ١٠١]. قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في الآية: اشتاق إلى لقاء الله، وأحب أن يلحق به وبآبائه، فدعا الله أن يتوفاه وأن يلحقه بهم. قال ابن عباس: ولم يسأل نبي قط الموت غير يوسف ﵇. قال ابن جريج: وأنا أقول: في بعض القرآن -أي: في بعض الكتب-: من الأنبياء من قال: توفني. رواه ابن جرير، وابن المنذر، وأبو الشيخ عن ابن جريج عن ابن عباس (٢).

стр. 1481

قال القشيري: سمعت الأستاذ أبا علي الدقاق يقول: من علامات الشوق تمني الموت على بساط العوافي كيوسف ﵇ لما ألقي في الجب لم يقل: توفني، ولما دخل السجن لم يقل: توفني، ولما دخل عليه أبوه وخر الإخوة له سجدًا، وتم له الملك والنعم، قال: ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ [يوسف: ١٠١]. قال: وفي معناه أنشد بعضهم: [من الخفيف] نَحْنُ في أكمَلِ السُّرورِ وَلَكِنْ ... لَيسَ إِلاَّ بِكُمْ يَتِمُّ السُّرورُ عَيبُ ما نَحْنُ فِيهِ يا أَهْلَ وِدِّي ... أَنَّكمْ غُيَّبٌ وَنَحْنُ حُضورُ (١) قال: وفي معناه أنشدوا: [من مجزوء الكامل المرفل] مَنْ سَرَّهُ العِيدُ الْجَدِيـ ... ـدُ فَقَدْ عَدِمْت بِهِ السّرورا (٢) كانَ السُّرورُ يَتِمُّ لِي ... لَوْ كانَ أَحْبابِي حُضُورا (٣) (٤)

стр. 1482

قلت: وصبَرَ يوسف ﵇ على البلاء ولم يتمنَّ فيه الموت، إنما تمناه حين توفرت له النعم موافق لقوله ﷺ : "لا يتَمَنَّيَنَّ أَحَدُكُمُ الموتَ لضُرٍّ نزلَ بِهِ، فَإِنْ كانَ لا بُدَّ فَلْيقُلْ: اللهُمَّ أَحْيِني ما كانَتِ الحَياةُ خَيرًا لِي، وَأَمِتْنِي إِذا كانَ الْمَوْتُ خَيراً لِي". رواه الشيخان من حديث أنس رضي الله تعالى عنه (١). وفي هذا الحديث، وحديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، عن النبي ﷺ : "لا يتَمَنَّى أَحَدُكُمُ الْمَوْتَ؛ إِمَّا مُحْسِناً فَلَعَلَّهُ يَزْدادُ، وَإِمَّا مُسِيئاً فَلَعَلَّهُ يَسْتَعْتِبُ". رواه البخاري وغيرَه (٢)؛ إرشادٌ إلى ما هو الأولى والأفضل، وهو ترك تمني الموت، وكلة الأمر فيه إلى الله تعالى، واختيار ما اختار الله تعالى. ولقد رد الله تعالى يوسف ﵇ إلى مراده؛ فروى ابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن أبي الأخنس (٣) قال: لما قال يوسف ﵇: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ﴾ إلى قوله: ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ [يوسف: ١٠١] شكر الله تعالى له ذلك، فزاد في عمره

стр. 1483

ثمانين عامًا (١). ثم تمني الموت إن كان شوقا إلى الله تعالى وإلى ما عنده، فهو حسن، وأولى منه ترك الاختيار. وإن كان لضر مسه، أو يخاف أن يمسه فهو مكروه، وإن كان خوفا من الفتنة في الدين فهو أحسن أيضًا. وأما كراهية الموت فهو في طبع كل إنسان، وأما المكروه المذموم كراهية لقاء الله؛ لأنها تدل على الوحشة بينه وبين الله تعالى بالمعصية واليأس من رحمته. ولذلك قال ﷺ : "مَنْ كَرِهَ لِقاءَ اللهِ كَرِهَ اللهُ لِقاءَه" (٢). وهذا هو الذي كان سببًا في امتناع اليهود من الموت. وإن كان الموت لازما لكل إنسان لم يبق للمؤمن إلا الرضا به -وإن كان قد أوحش ما بينه وبين الله تعالى بالمعصية- ثم يتمسك بالانكسار والافتقار، وحسن الظن بالكريم الغفار. وأما الكافر والمنافق فلا ينفعه الرضا إلا لو آمن، وإذا آمن فقد أفلح، وإلا هلك قطعًا. ومن ثم قال الله تعالى لليهود حين علم أنهم لا يتمنون الموت وأخبر

стр. 1484

به؛ قال: ﴿إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجمعة: ٨]. قال قتادة وقد تلا هذه الآية: إن الله أذل ابن آدم بالموت. قال معمر عن قتادة: لا أعلمه إلا رفعه. رواه عبد الرزاق (١). وإذلال ابن آدم بالموت مختلف؛ فإن كان مؤمنا فإذلاله في الدنيا بالنسبة إلى ما يراه منها, لا بالنسبة إلى حاله في البرزخ، وفيما عند الله تعالى؛ فإنه إعزاز وراحة. روى الإِمام عبد الله بن المبارك، والطبراني في "الكبير"، والحاكم في "المستدرك"، وأبو نعيم، والبيهقي في "الشعب" عن عبد الله بن عمرو، وله عن جابر رضي الله تعالى عنهم قالا: قال رسول الله ﷺ : "تُحْفَةُ الْمُؤْمِنِ المْوْتُ" (٢). وروى الديلمي عن الحسين بن علي رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله ﷺ : "الْمَوْتُ رَيْحانُ المؤْمِنِ" (٣). وفي كتاب الله تعالى: ﴿فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ (٨٣) وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ (٨٤) وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ (٨٥) فَلَوْلَا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ (٨٦) تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٨٧) فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٨٨) فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ

стр. 1485

نَعِيمٍ (٨٩) وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (٩٠) فَسَلَامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (٩١) وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ (٩٢) فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ (٩٣) وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ﴾ [الواقعة: ٨٣ - ٩٤]. قال الربيع بن خُثيم رحمه الله تعالى في قوله: ﴿فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٨٨) فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ﴾ [الواقعة: ٨٨، ٨٩] قال: هذا عند الموت، تخبأ له الجنة يوم البعث. ﴿وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ (٩٢) فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ﴾ [الواقعة: ٩٢، ٩٣] قال: هذا عند الموت. ﴿وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ﴾ [الواقعة: ٩٤]؛ قال: تخبأ له الجحيم إلى يوم يبعث. رواه ابن أبي شيبة، والإمام أحمد في "الزهد"، وعبد بن حميد، وابن المنذر (١). وفي "موطأ الإِمام مالك"، و "مسند الإِمام أحمد", و"صحيحي البخاري ومسلم"، و"سنن النسائي" عن أبي قتادة رضي الله تعالى عنه قال: كنا مع رسول الله ﷺ إذ مرت جنازة، فقال: "مُسْتَرِيحٌ وَمُسْتَراحٌ مِنْهُ". فقلنا: يا رسول الله! ما المستريح؟ وما المستراح منه؟ فقال: "العَبْدُ الْمُؤْمِنُ يَسْتَرِيحُ مِنْ نصَبِ الدُّنْيا وَأَذاها إلَى رَحْمَةِ اللهِ تَعالَى، وَالعَبْدُ الفاجِرُ يَسْتَرِيحُ مِنْهُ العِبادُ وَالبِلادُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوابُّ" (٢). ***

стр. 1486

فَصْلٌ واعلم أن الأولياء من شأنهم الاختفاء والستر لأنهم معادن الأسرار الإلهية، ومن شأنها التحجب والاستتار. ويحكى أن في بعض الكتب: أوليائي تحت حبائي، لا يعرفهم أحد سواي؛ أي: لا يعلم بهم من كل وجه أحد سواي، وقد يعرَّف بهم العباد أو بعضهم بتعريف الله تعالى على حسب ما يقسم لهم من المعرفة. نعم؛ لا يطلع على الأولياء في الغالب إلا الأولياء لأنهم محارم. وقد قال أبو يزيد رضي الله تعالى عنه: أولياء الله عرائس الله، ولا يرى العرائس إلا المحرمون (١). وقال يحيى بن معاذ رضي الله تعالى عنه: الولي ريحان الله في الأرض يشمه الصديقون، فتصل رائحته إلى قلوبهم، فيشتاقون به إلى مولاهم، ويزدادون عبادة على تفاوت أخلاقهم (٢).

стр. 1487

وقال الشيخ تاج الدين بن عطاء الله في "الْحِكَم": سبحان من لم يجعل الدليل على أوليائه إلا من حيث الدليل عليه، ولم يوصل إليهم إلا من أراد أن يوصله إليه (١). وليس للولي أن يظهر ولايته إذا تحققها من نفسه إلا إذا أذن الإظهار، أو كان داعيا إلى الله تعالى بإذنه. ويعرف الإذن بالكشف، أو بإذن بعض أولياء الله تعالى له، أو بتيسير الدعوة والكلام لِما قيل: علامة الإذن التيسير. قال أبو العباس المرسي رحمه الله تعالى: يكون الولي مشحونًا بالعلوم والمعارف، والحقائق لديه مشهودة، حتى إذا أعطي العبارة كان كالإذن له من الله في الكلام (٢). وإنما منع الولي في الأصل من الإظهار لأن سر الولاية لا يحتمله عقول أكثر الخلق. ولقد قال الشيخ أبو العباس المرسي رحمه الله تعالى: لو كشف عن حقيقة الولي لعبد من دون الله؛ لأن أوصافه من أوصافه، ونعوته من نعوته (٣). ويكون اختفاء الولي سببًا داعيا لقلوب الناس إلى تحسين الظن بكل

стр. 1488

مسلم كما أخفيت ليلة القدر في ليالي رمضان طلباً إلى الاجتهاد في كل ليلة، وكما أخفيت ساعة الإجابة في كل ليلة وفي يوم الجمعة للاجتهاد في كل اليوم وكل الليلة، وكما أخفيت الصلاة الوسطى للاجتهاد في كل الخمس، وكما أخفي رضا الله تعالى في طاعاته للاجتهاد في كلها، وغضبه في معاصيه للحذر من كلها. ولأن سر الولاية من الأسرار الإلهية الباقية، فلا يظهر منه في دار الفناء إلا ما يحتاج إليه في جذب بعض القلوب القاسية إلى زمن البقاء، فيظهر الله تعالى سر الولاية والولي لينقاد صاحب ذلك القلب إلى الله وأمره، أو يصل إليه ما قسم له من طاعته، وبذلك يرتفع مقام الولي ويكثر أجره. ومن ثم قال رسول الله ﷺ : "لأَنْ يَهْدِيَ اللهُ بِكَ رَجُلًا واحِداً خَيْر لَكَ مِنْ حُمُرِ النَّعَمِ". رواه الشيخان (١). وفي رواية: "خَيْرٌ لَكَ مِنَ الدُّنْيا وَما فِيها". رواه ابن المبارك (٢). وفي حديث آخر: "لأَنْ يَهْدِيَ اللهُ عَلى يَدِكَ رَجُلاً خَيرٌ لَكَ مِمَّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ وَغَرَبَتْ". رواه الطبراني في "الكبير" - بسند حسن - عن أبي رافع رضي الله تعالى عنه (٣).

стр. 1489

ومن هنا يعلم أن الولي إذا أعطي مقام الدعوة إلى الله تعالى بالوراثة عن النبي ﷺ فلا بد من ظهوره للعباد؛ إذ لا يكون الداعي إلى الله تعالى إلا ظاهراً، وكذلك لو أمر برد بدعة أو دفع شبهة فلا بد أن يكون ظاهراً. وقد روى أبو نعيم عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، عن النبي ﷺ أنه قال: "إِنَّ لله عِنْدَ كُل بِدْعَةٍ كِيدَ بِها الإِسْلامُ وَلِيًّا مِنْ أَوْلِيائِهِ يَذُبُّ عَنْ دِينهِ" (١). ثم لا بد لمن يظهر من الأولياء لما تقدم أن يكسوه الله تعالى كسوتين: الجلالة، والبهاء. كما قال ابن عطاء الله في "لطائف المنن": أما الجلالة؛ فليعظمه العباد فيقفوا على حدود الأدب معه، فيضع الله تعالى في قلوب العباد حبه لمن ينصره بما يكون أمره ونهيه مسموعين لمن يأمره وينهاه، وهو من إعزاز الحق لعباده المؤمنين كما قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون: ٨]. وأما البهاء؛ فليحليهم به في قلوب عباده، فينظروا إليه بعين الاستحسان والمحبة، فيكون ذلك باعثًا لهم إلى الانقياد إليه (٢).

стр. 1490

قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾ [مريم: ٩٦]؛ أي: محبة في قلوب العباد، وقبولاً؛ يكون ذلك تمكينا لهم في مقام الاختلاف لهم عنهم الذي وعدهم به في قوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا﴾ [النور: ٥٥]. وقال ابن خفيف الشيرازي رحمه الله تعالى في كتابه "المسائل والجوابات": حكي أن الإِمام أحمد بن حنبل رضي الله تعالى عنه قال: يعطى الولي ثلاث خصال: عز من غير عشيرة، وإنشاء من غير جند، ورزق من غير كَدٍّ. قال ابن خفيف: قلت: يعطى الولي ثلاثة أشياء: المحبة في قلوب الأبرار، والهيبة في قلوب الفجار، والملاحة في عيون الخلق، انتهى. ومن علامة الولي حلاوة لسانه، وطلاوة كلامه كما قيل فيما جاء به النبي ﷺ : إِنَّ عَلَيْهِ لَطَلاوَةً، وَإِنَّ لَهُ لَحَلاوَةً، وإنَّ أَعْلاهُ لَمُثْمِرٌ، وَإِنَّ أَدْناهُ لَمُغْدِقٌ (١). وفي نفس الأمر أعظم الدليل على الرجل لسانه.

стр. 1491

ومن لطائف يحيى بن معاذ ﵁ قال: أفواه الرجال حوانيتها، وشفاهها مغاليقها، وأسنانها مغاليقها؛ فإذا فتح الرجل باب حانوته تبين لك العطار من البيطار. رواه ابن نعيم (١). وقال ابن عطاء الله في "لطائف المنن": سمعت شيخنا -يعني: أبا العباس المرسي رحمه الله تعالى- يقول: كلام المأذون له - يعني: في التكلم - يخرج وعليه كسوة وطلاوة، وكلام الذي لم يؤذن له يخرج مكسوف الأنوار؛ حتى إن الرجلين ليتكلمان بالحقيقة الواحدة، فتقبل من أحدهما، وترد على الآخر (٢). وروى ابن أبي الدنيا في "الإخلاص والنية"، وغيره عن أبي بحر البكراوي قال: اجتمع بمكة الفضل الرقاشي وعمر بن ذر، فشهدتهما، فتكلم الفضل، فأطال وأكثر، ووعظ وذهب من الكلام في مذاهب، فما رأيت أحدًا رق لكلامه، ثم سكت، فتكلم ابن ذر، فحيث تكلم بكى الناس ورقوا (٣). وعن ابن السَّمَّاك قال: قال ذر بن عمر بن ذر لأبيه: ما بال المتكلمين يتكلمون فلا يبكي أحد، وإذا تكلمت سمعت البكاء من ها هنا وها هنا؟

стр. 1492

فقال: يا بني! ليست النائحة المستأجرة كالنائحة الثكلى (١). وقال أبو العباس المرسي: إن أولياء هذا الوقت ليريدون بشيء الغنى واليقين؛ فالغنى لكثرة ما عند الناس من الإفلاس، واليقين لكثرة ما عند الناس من الشكوك. وأراد بالغنى غنى النفس المشار إليه بقوله ﷺ : "لَيس الغِنَى عَنْ كَثْرَةِ العَرَضِ، وَالغِنَى غِنَى النَّفْسِ" رواه الإِمام أحمد، والشيخان، وغيرهم من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه (٢). وروى أبو الحسن بن جهضم في "بهجة الأسرار" عن سهل بن عبد الله التُّستَري رحمه الله تعالى قال. إنّ الله تعالى اصطنع إلى أوليائه ثلاث خصال: لا يطمعهم من حيث يطمعون, ويشوش عليهم تدبيرهم لأنفسهم، ولا يظفر بهم عدوهم؛ يريد ألا يرجوا غيره، ولا يخافوا سواه؛ لأنه البارُّ بهم اللطيف الكريم (٣). وقال بعض العارفين: إن لله تعالى في أوليائه لطيفة، وذلك أن يضطرهم ويبتليهم حتى يسألوا الناس ويقصدونهم في حاجتهم، ثم يبقى

стр. 1493

في قلوب الناس القسوة عليهم، فإذا أيسوا من الخلق رجعوا إليه فيغنيهم، وإنما يفعل بهم ذلك لئلا يشهدوا غيره، ولا يرجوا إلا خيره. وقلت: [من الخفيف] إِنَّ لله في الوَليِّ لَطِيفَة ... لَيْسَ تَقْوى لَها القُلُوبُ الضَّعِيفَة يُحْوِجُ العَبْدَ الأَنامَ وُيلْقِي ... قَسوَةً في قُلُوبِهِمْ لِيُخِيفَه فَيَحارَ الوَليُّ ثُمَّ يَلْوِي ... قَلْبَهُ نَحوَ رَبهِ ويُطِيفَه فَيَرَى مِنْهُ ما يُرِيدُ فَيَغْدُو ... وَلَهُ في الأَنامِ نَفْسٌ عَفِيفَة فَإِذن يَشهَد الإله وينسى ... غيرَهُ تِلْكَ إِلَى حالٍ شَرِيفَة * تَتِمَّةٌ: نقل ابن عطاء الله في "لطائف المنن" عن بعض العارفين أنه قال: إن لله عباداً كما اشتدت ظلمة الوقت كما قويت أنوار قلوبهم؛ فمثلهم كمثل الكواكب كما قويت ظلمة الليل قوي إشراقها.

стр. 1494

قلت: وقد لمحت بذلك في خطبة هذا الكتاب، وقلت في المعنى: [من الكامل] نُورُ الوِلايَةِ لائِحٌ للمُؤتسي ... وَالوَقْتُ مِنْ ظُلْمِ الْهَوى في حِنْدِسِ مِثْلَ الكَواكِبِ زادَ نُورُ ضِيائِها ... ما اشْتَدَّ غَيْهَبُ لَيْلِها المغلنكس فَأدِرْ سلافات الصَّفَا في الأكؤُسِ ... وأشع أَحادِيثَ الظباء الكُنَّسِ دع يَحْتَسِي مِنْ كَأسِها مَنْ يَحْتَسِي ... أَوْ يَأْتَسِي بِذوي التُّقى مَنْ يَأتَسِي لا تَيْأسَنْ مِنْ رَوْحِ رَبِّكِ يا فَتَى ... إن الهمام الندب مَنْ لَمْ يَيْأَسِ اصْبِرْ فَإِنَّ الصَّبْرَ يُبْلِغُكَ الْمُنَى ... وَارْبِطْ حِبالَكَ بِالْجَنابِ الأَقْدَسِ وَائْنَسْ بِرَبِّكَ إِنْ رُمِيتَ بِوَحْشَةٍ ... وَبِغَيْرِ رَبِّكَ في الوَرَى لا تَأنسِ

стр. 1495

* تَتِمَّةٌ (١): أخرج ابن أبي الدنيا في كتاب "الإخلاص" عن بلال بن سعد قال: لا تكن وليًا لله في العلانية، وعدوه في السريرة (٢). معناه: لا تتلبس بأوصاف الأولياء ظاهراً، وتضمر في باطنك مثل أعمال أعداء الله تعالى؛ فإن هذا بعينه كان حال المنافقين، كما حكى الله تعالى ذلك عنهم في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤] الآية. بل إذا تلبست بأعمال الأولياء ظاهراً، فتشبه بهم باطنا في الصدق، وحسن النية، والإخلاص؛ إذ لا يشبه الزي الزي حتى يشبه القلب القلب، كما قال ابن مسعود ﵁، وسبق بيان ذلك. * تنبِيْهٌ: قال أبو سعيد بن الأعرابي: إن الله تعالى أعار بعض أخلاق أوليائه أعداءه؛ ليستعطف بهم على أوليائه. رواه السلمي في "طبقاته" (٣).

стр. 1496

ومعناه: إنَّ الله تعالى قد يُخلِّق بعض أعدائه ببعض أخلاق أوليائه عطفًا منه على أوليائه؛ فإنهم لا يستغنون عن مخالطة الناس، فإذا تَخَلَّقَ من يخالطونه بالرحمة، أو بالمودة، أو بالحياء، أو غيرها من الأخلاق الجميلة عاملهم بتلك الأخلاق دون أضدادها، فيكون رفقًا بهم؛ إذ لو عاملهم من يخالطهم بأضداد تلك الأخلاق ساءهم ذلك، وشق عليهم، فتلك الأخلاق الجميلة لا يعود نفعها على المتخَلِّقِ بها، بل على من يخالطه المُتَخَلِّقُ بها من أولياء الله تعالى. ومن هذا القبيل رفق أبي طالب بالنبي ﷺ ، ومودته له، وعطفه عليه. ويعلم من هذا: أنَّ محبة الكافر للمؤمن، ومودته له، لا تضر المؤمن؛ لأنها من باب التسخير للمؤمن الولي، كما ألقيت محبة موسى ﵇ في قلب فرعون حين كان موسى ﵇ صغيرًا. قال الله تعالى: ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي﴾ [طه: ٣٩]. قال ابن عباس ﵄: كان كل من رآه ألقيت عليه منه محبة. رواه ابن أبي حاتم، وغيره. وإنما يضر العبد أن تنفر عنه قلوب المؤمنين، وتمقته. قال أبو الدرداء ﵁: ليحذر امرؤ أن تمقته قلوب المؤمنين من حيث لا يعلم. رواه الإِمام أحمد في "الزهد" (١).

стр. 1497

وفي حديث "الصحيحين" من حديث أبي هريرة ﵁: "وَإِذا أَبْغَضَ اللهُ عَبْداً نادَىْ جِبْرِيْلَ ﵇ إِنِّي قَدْ أَبْغَضْتُ فُلانًا، فَيُنادِيْ فِيْ أَهْلِ السَّماءِ، ثُمَّ تَنْزِلُ لَهُ البَغضَاءُ فِيْ أَهْلِ الأَرْضِ" (١). وقال رسول الله ﷺ : "أنْتُمْ شُهَدَاءُ الله فيْ الأَرْضِ، وَالملائِكةُ شُهَدَاءُ الله فِيْ السمَاء". رواه الطبراني، وغيره من حديث سلمة بن الأكوع ﵁ (٢). والخطاب في قوله: "أنتم" للمؤمنين. * فائِدَةٌ لَطِيْفَةٌ: روى أبو نعيم عن علي بن الحسين ﵁ قال: قال علي بن أبي طالب ﵁: إذا كان يوم القيامة أتت الدنيا بأحسن زينتها، ثم قالت: يا رب! هبني لبعض أوليائك، فيقول الله تعالى لها: يا لا شيء! اذهبي فأنتِ لا شيء، أنتِ أهون من أن أهبك لبعض أوليائي، فتطوى كما يطوى الثوب الْخَلِقُ، فتلقى في النار (٣). وإنما لم تكن الدنيا صالحة في الآخرة لأن يثاب بها أحد من أولياء

стр. 1498

الله تعالى؛ لأنها ضد الآخرة وضَرَّتُها، فلا تجتمع معها, ولأن الله تعالى كتب على الدنيا الفناء، والآخرة دار البقاء، ولأنها لئيمة، والآخرة دار الكرامة للمؤمنين، والإهانة للكافرين، فاجتمعت هي وأتباعها اللؤماء في دار الإهانة، ولأن الدنيا سجن المؤمن وسنته، فكيف تصلح أن تكون دار الولي وسنته. قال رسول الله ﷺ : "الدُّنْيَا سِجْنُ المُؤْمِن وَسَنَتُه" (١)؛ فَإِذا خَرَجَ مِنَ الدُّنْيَا فَارَقَ السِّجْنَ والسَّنَةَ". رواه الإِمام أحمد، والحاكم وصححه، عن ابن عمرو ﵄ (٢). وروى ابن أبي الدنيا في "ذمها"، والبيهقي في "الشعب" عن عطاء ابن يسار ﵀ مرسلاً: أن النبي ﷺ قال "إِنَّ اللهَ -جَلَّ ثَنَاؤُهُ - لَمْ يَخْلُقْ خَلقًا أَبْغَضَ إِليْهِ مِنَ الدُّنْيَا، وإنَّهُ مُنْذُ خَلَقَهَا لَمْ يَنْظُرْ إِلَيْهَا" (٣). وإذا كانت أبغض خلقه إليه، فكيف يرضاها ثوابًا لبعض أوليائه؟ وقال ﷺ : "الدُّنْيَا مَلْعُوْنة، مَلْعُونٌ مَا فِيْهَا إِلاَّ مَا كَانَ مِنْهَا للهِ ". وفي لفظ: "إِلاَّ مَا أُرِيْدَ بِهِ وَجْهُ اللهِ".

стр. 1499

وفي لفظ آخر: "إلا ذِكْرُ الله وَمَا وَالاهُ، وَعَالِمًا وَمُتَعَلمًا". وفي آخر: "إِلَّا أَمْرًا بِمَعْرُوفِ، أَوْ نَهْيًا عَنْ مُنْكَرِ، أَو ذِكرَ الله". رواه باللفظ الأول أبو نعيم، والضياء المقدسي في "الأحاديث المختارة" عن جابر ﵁ (١). وباللفظ الثاني في الطبراني في "الكبير" عن أبي الدرداء (٢). ووقفه الإِمام أحمد في "الزهد" عليه بلفظ: "إِلَّا ذِكْرُ الله، وَمَا آوَى إِلى ذِكْرِ الله" (٣)، وهو قريب من اللفظ الثالث. وهو عند الترمذي، وابن ماجه من حديث أبي هريرة ﵁، والطبراني في "الأوسط" من حديث ابن مسعود ﵁ (٤). ورواه باللفظ الرابع البزار عن ابن مسعود ﵁ أيضًا (٥). وإذا كانت الدنيا ملعونة - واللعنة: البعد عن الله تعالى - فلا تليق أن

стр. 1500

تكون دارًا لأحد من الأولياء؛ لأنهم أهل القرب. روى الإِمام أحمد، والبيهقي عن عائشة ﵂: أن النبي ﷺ قال: "الدُّنْيَا دَارُ مَنْ لا دارَ لَهُ، وَمَالُ مَنْ لا مَالَ لَهُ، وَلهَا يَجْمَعُ مَنْ لا عَقْلَ لَه" (١). وكل أحد من أولياء الله تعالى له دار ومال مخصوصان به في الآخرة، فلا تصلح أن تكون الدنيا دارًا له أصلًا. وكأن التقدير في الحديث: دار من لا دار له في الآخرة، أو في الجنة. وحقيقة الدار: ما يحوط المرء، ويلم شعثه، ويسكن قلبه، بحيث يأمن ويطمئن ويأنس، ولا تصلح الدار إلا إذا كانت دار مقامة واستقرار، وذلك غير وصف الدنيا حقيقة لأن كل عبد مزعج منها مخرج منها، وإن الدار الآخرة هي دار القرار وهي دار المقامة، ومن ثم يقول أهل الجنة: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ (٣٤) الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ﴾ [فاطر: ٣٤، ٣٥]. فحقيقة الدار ما كانت هكذا دار مقامة وسرور وراحة، من غير إعياء ولا سآمة ولا ملل، ولا كذا دار الدنيا, ولا دار أعداء الله في الآخرة؛

стр. 1501

فإنها - وإن كانت دار مقامة وقرار - فإن مقامها بئس المقام، وقرارها بئس القرار، كما قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ﴾ [إبراهيم: ٢٨ - ٢٩]. ***

стр. 1502

فَصْلٌ ويقال للأولياء والصالحين: أولو الألباب، وذوو الألباب. ولب كل شيء: خالصه وقلبه. ومن ثم قيل لهؤلاء، أو لخواصهم: أرباب القلوب، وأصحاب القلوب؛ أخذاً من قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ﴾ [ق: ٣٧]. وكل إنسان له قلب، بل كل حيوان، إلا أنه لما كانت قلوب الحيوانات غير الإنسان، والملحقين بها من جنس الإنسان ممن لا يفهم ولا يعقل لا نفع فيها, ولا فائدة منها، كانت كأنها لم تكن؛ فلذلك قال تعالى: ﴿لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ﴾؛ أي: قلب يفهم به ولعقل به. وقال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [الرعد: ١٩]؛ أي: أصحاب القلوب الخالصة. وقال تعالى: ﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى (٩) سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى﴾ [الأعلى: ٩، ١٠]. وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨]. وقال تعالى: ﴿فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الذاريات: ٥٥]؛ أي:

стр. 1503

الكاملين في الإيمان، وهم العلماء بالله الذين يخشون الله تعالى، وهم أصحاب القلوب. وأولو الألباب الحكماء، كما قال الله تعالى: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [البقرة: ٢٦٩]. الحكمة: فهم كتاب الله وتدبره، والعمل بما فيه، ولا يتهيأ هذا إلا لذوي الألباب، وأصحاب العقول والآداب. قال خالد بن ثابت الربعي: وجدت فاتحة زيور داود ﵇: رأس الحكمة خشية الله. رواه الإِمام أحمد في "الزهد" (١). وقد روى الحكيم الترمذي في "نوادره"، وابن لال في مكارمه، عن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "رَأْسُ الحِكْمَةِ مَخَافَةُ الله" (٢). وروى ابن أبي حاتم عن الإِمام مالك بن أنس ﵁ قال: قال زيد ابن أسلم رحمهما الله تعالى: إن الحكمة العقل؛ لأنه ليقع في قلبي أنَّ الحكمة الفقه في دين الله، وأمر يدخله الله القلوب من رحمته وفضله.

стр. 1504

قال: ومما يبين ذلك أنك تجد الرجل عاقلاً في أمر الدنيا إذا نظر فيها، وتجد آخر ضعيفًا في أمر دنياه، عالمًا بأمر دينه، بصيرًا به، يؤتيه الله إياه، ويَحْرِمُهُ هذا (١). واختار النووي في "شرح مسلم": أن الحكمة عبارة عن: العلم بالأحكام المشتملة على المعرفة بالله ﵎، مصحوب بنفاذ البصيرة وتهذيب النفس وتحقيق الحق والعمل به، والصدِّ عن اتباع الهوى والباطل. وقوله تعالى: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة: ٢٦٩]؛ أي: من يختاره لها ويصطفيه لها، فأهل الحكمة وأولو الألباب هم المصطفون الأخيار، قليل من أعمالهم، كثير عند الله تعالى؛ لأنهم أحباب الله، وأولياؤه، ومختاروه، والقليل من الأحباب مقبول، وشتان بين المقبول والمردود. وفي كتاب الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة: ٢٧]، والتقوى نتيجة الخشية التي هي رأس الحكمة، ومحك العلم، والقليل إذا كان مقبولاً عند الله تعالى، لم يكن قليلاً في نفسه؛ لأن الذي قَبِلَهُ كريم، ومن شأن الكريم أن يرى القليل من غيره كثيرًا، وإن عين الرضى تكثر قليل المرضي عنه، وتعظم صغير المقبول منه. وقد روى ابن أبي شيبة عن الحسن ﵀ مرسلاً قال: قال

стр. 1505

رسول الله ﷺ : "إِنَّ اللهَ لا يَقبَلُ عَمَلَ عَبْدٍ حَتَّى يَرْضَى عَنْه" (١). وفي كتاب "التقوى" لابن أبي الدنيا عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: لا يقل عمل مع تقوى، وكيف يقل ما يتقبل؟ (٢). وفيه عن فضالة بن عبيد ﵁ قال: لأن أكون أعلم أنَّ الله تقبل مني مثقال حبَّة من خردل، أحبُّ إليَّ من الدنيا وما فيها؛ فإن الله تعالى يقول: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة: ٢٧] (٣). وروى ابن أبي حاتم نحوه عن أبي الدرداء ﵁، ولفظه: لأن أستيقن أن الله تعالى تقبل مني صلاة واحدة، أحبُّ إلي من الدنيا وما فيها؛ إنَّ الله تعالى يقول: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة: ٢٧] (٤). وروى ابن عساكر عن هشام، عن يحيى، عن أبيه قال: دخل سائل إلى ابن عمر ﵁ فقال لابنه: أعطه دينارًا، فأعطاه، فلما انصرف قال ابنه: تقبل الله منك يا أبتاه، فقال: لو علمت أن الله تعالى تقبل مني سجدة واحدة، أو صدقة درهم، لم يكن غائب أحب إلي من الموت؛ تدري ممن يتقبل الله؟ ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة: ٢٧] (٥).

стр. 1506

وروى الإِمام أحمد في "الزهد" عن أبي الدرداء ﵁ أنه قال: يا حبذا نوم الأكياسِ وإفطارهم، كيف يغبنون سهر الحمقى وصيامهم؟ ولَمِثْقال ذرة من صاحب تقوى ويقين، أعظم وأفضل وأرجح من أمثال الجبال عبادة من المغترين (١). وصدق ﵁؛ فإن نوم الأكياس -وهم الفطناء أولو الألباب - وإفطارهم يكون بنية صالحة، ولغرض صحيح، فهما أفضل من سهر المتكلف وصومه. وقد أطلق أبو الدرداء عليه اسم الحمق؛ لأنه يضرب في حديد بارد لم يعقل قوله ﷺ : "إِنَّما الأَعْمَالُ بِالنِّيَاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِ امْرِئٍ مَا نَوَى" (٢)، ولم يعمل بمقتضاه، ولو كان له عقل وكَيْسٌ لعقل هذا وغيره عن الله تعالي ورسوله ﷺ . ومن هنا قال رسول الله ﷺ : "أَفْلَحَ مَنْ رُزِقَ لُبًّا". وفي رواية: "قَدْ أَفْلَحَ". رواه البخاري في "تاريخه"، والبيهقي في "شعبه" عن قرة بن هبرة ﵁ (٣). و(قد) لتحقيق حصول الفلاح، وهو العون والبقاء في الخير لذوي الألباب، ومهما حصل لهم فيما بين ذلك من مشقة، فإن الله تعالى يأخذ

стр. 1507

بأيديهم فيها، ويخفف عنهم حتى يلقوه في سلامة، كما قال تعالى: ﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ﴾ [الأحزاب: ٤٤]. وفي حديث ابن عباس ﵄ قال: قال رسول ﷺ : "أَنَا الشَّاهِدُ عَلَى الله أَلا يَعثُرَ عَاقِلٌ إلا رَفَعَهُ، ثُمَّ لا يَعثُرَ إِلا رَفَعَهُ، ثُمَّ لا يَعثُرَ إِلا رَفَعَهُ، حَتَّى يَجْعَلَ مَصِيرَهُ إِلى الجَنَةِ". رواه ابن أبي الدنيا في كتاب "العقل"، والطبراني في "الأوسط" (١). ثم إن لأولي الألباب مزية ظاهرة في فهم كلام الله تعالى، وآياته، ومطالعة حكمه منه بريَّاتِه، ولقد أثنى الله تعالى عليهم بذلك، فقال تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٣]، فحصر فهم آياته وأمثاله في أهل العلم، وهم أولو الألباب كما علمت. قال عمرو بن مرة ﵁: ما مررت بآية في كتاب الله لا أعرفها إلا أحزنتني؛ لأني سمعت الله تعالى يقول: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾. رواه ابن أبي حاتم (٢). وعندي: أن المراد بالأمثال: كل مخلوق خلقه الله تعالى للعقل في

стр. 1508

مطالعته ومطالعة الحكمة التي لأجلها خُلِق مجالٌ، والقرآن العظيم لم يدع شيئًا مما هذا سَمْتُهُ إلا وقد وقعت فيه الإشارة إليه بوجه ما، وإن من أبعد الأمثال عن الأفهام -إلا فهم أولي الألباب - أن الله تعالى شرع القصاص، وهو إتلاف لعضو، أو إزهاق لروح لأجل وقاية الأعضاء، وحياة الأرواح؛ إذ يعلم العادي أنه يُقَاصَصَ فيكف، فلذلك قال الله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٧٩]؛ أي: تتقون الحياة بوقاية أنفسكم عنها، أو بمنع غيركم منها. وقال سفيان بن عيينة في قوله: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾؛ قال: بقية؛ تناهي بعضكم عن بعض. رواه ابن جرير (١). ومن ألطف ما اتفق: ما رواه عبد بن حميد، وابن أبي حاتم عن أبي الجوزاء أنه قرأ: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾، وقال: القصاص (٢) القرآن (٣). والأولى حمل القصاص (٤) على [قصص] القرآن، وما يوافقه من مواعظ الأنبياء، ونصائح الأولياء على سبيل القص عن المتقدمين. وعليه: فالمراد بالحياة الحياة الأخروية، وهي في الدنيا بالإيمان

стр. 1509

والعلم، وفي الآخرة بثوابها وما أعد الله لذويها. وفي نفس الأمر لا يحس بهذه الحياة في دار الدنيا إلا أولو الألباب، وهم الراسخون في العلم؛ لأنهم الذين نفخت فيهم روح الحياة في الدنيا. ولقد قال الله تعالى فيهم: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [آل عمران: ٧]، وهم الراسخون في العلم بأعيانهم، إلا أنه ذكرهم بصفة أخرى ثناء عليهم، وتفخيماً لأمرهم، فقال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ص: ٢٩]؛ فيه إشارة إلى أن المتدبرين للقرآن كثيرون، وإنما يتذكر منهم مما تدبره أولو الألباب، وأصحاب العقول النافعة ذويها، المخلصة الخالصة لباريها. وقال تعالى: ﴿هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ﴾ [إبراهيم: ٥٢]؛ أي: كفاية لهم في الموعظة والبيان، ﴿وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [إبراهيم: ٥٢]. وقال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [الزمر: ٩]. في الآية إشارة إلى الحكمة التي يتميز بها أهل العلم عن غيرهم، وهي أن أهل العلم أهل تذكر وتفطن، وأهل الجهل أهل غفلة ولهو، فإذا كان ذو العلم يغلب عليه ما يغلب على أهل الجهل لحق بهم، وكان أسوأ حالًا منهم.

стр. 1510

وقال الله تعالى: ﴿وَأَوْرَثْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ (٥٣) هُدًى وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [غافر: ٥٣، ٥٤]. فيه إشارة إلى أن ذوي الألباب هم المقصودون بالهداية والذكرى، وكأن الكتب لم يكن مطلوب بها حقيقة إلا هؤلاء، وقد علمت أنهم هم المتقون، فتوافقت هذه الآية هي وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢] الآيات، فهؤلاء قوم صلحت قلوبهم، فصلحت لقبول الحكم القرآنية والمعارف الربانية بما تحنن الله عليهم وعطف، ونظر إليهم ولطف. ولقد سبق قوله ﷺ : "أَلا إِنَّ في الجَسَدِ مُضْغَةً، إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّه" (١). وقوله ﷺ : "مَنْ كَانَ لَهُ قَلْب صالح تَحَنَّنَ اللهُ عَلَيْهِ، وإِذَا تَحَنَّنَ اللهُ عَلى قَلبِ عَبدٍ، حَنَّنَهُ لِلأَعمَالِ الصَّالِحَةِ، وَحَبَّبها إِلَيْهِ" (٢). ولقد وصف الله تعالى أولي الألباب بأوصاف الصالحين، فقال الله تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٠) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ﴾ إلى قوله: ﴿وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ﴾ [آل عمران: ١٩٠ - ١٩٥].
следующие страницы →