← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 14592

حسن التنبه لما ورد في التشبه

نجم الدين الغزي

Полный текст (6 623 стр.). Показаны 1506–1545 · переход к 1511.

стр. 1506

وروى الإِمام أحمد في "الزهد" عن أبي الدرداء ﵁ أنه قال: يا حبذا نوم الأكياسِ وإفطارهم، كيف يغبنون سهر الحمقى وصيامهم؟ ولَمِثْقال ذرة من صاحب تقوى ويقين، أعظم وأفضل وأرجح من أمثال الجبال عبادة من المغترين (١). وصدق ﵁؛ فإن نوم الأكياس -وهم الفطناء أولو الألباب - وإفطارهم يكون بنية صالحة، ولغرض صحيح، فهما أفضل من سهر المتكلف وصومه. وقد أطلق أبو الدرداء عليه اسم الحمق؛ لأنه يضرب في حديد بارد لم يعقل قوله ﷺ : "إِنَّما الأَعْمَالُ بِالنِّيَاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِ امْرِئٍ مَا نَوَى" (٢)، ولم يعمل بمقتضاه، ولو كان له عقل وكَيْسٌ لعقل هذا وغيره عن الله تعالي ورسوله ﷺ . ومن هنا قال رسول الله ﷺ : "أَفْلَحَ مَنْ رُزِقَ لُبًّا". وفي رواية: "قَدْ أَفْلَحَ". رواه البخاري في "تاريخه"، والبيهقي في "شعبه" عن قرة بن هبرة ﵁ (٣). و(قد) لتحقيق حصول الفلاح، وهو العون والبقاء في الخير لذوي الألباب، ومهما حصل لهم فيما بين ذلك من مشقة، فإن الله تعالى يأخذ

стр. 1507

بأيديهم فيها، ويخفف عنهم حتى يلقوه في سلامة، كما قال تعالى: ﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ﴾ [الأحزاب: ٤٤]. وفي حديث ابن عباس ﵄ قال: قال رسول ﷺ : "أَنَا الشَّاهِدُ عَلَى الله أَلا يَعثُرَ عَاقِلٌ إلا رَفَعَهُ، ثُمَّ لا يَعثُرَ إِلا رَفَعَهُ، ثُمَّ لا يَعثُرَ إِلا رَفَعَهُ، حَتَّى يَجْعَلَ مَصِيرَهُ إِلى الجَنَةِ". رواه ابن أبي الدنيا في كتاب "العقل"، والطبراني في "الأوسط" (١). ثم إن لأولي الألباب مزية ظاهرة في فهم كلام الله تعالى، وآياته، ومطالعة حكمه منه بريَّاتِه، ولقد أثنى الله تعالى عليهم بذلك، فقال تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٣]، فحصر فهم آياته وأمثاله في أهل العلم، وهم أولو الألباب كما علمت. قال عمرو بن مرة ﵁: ما مررت بآية في كتاب الله لا أعرفها إلا أحزنتني؛ لأني سمعت الله تعالى يقول: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾. رواه ابن أبي حاتم (٢). وعندي: أن المراد بالأمثال: كل مخلوق خلقه الله تعالى للعقل في

стр. 1508

مطالعته ومطالعة الحكمة التي لأجلها خُلِق مجالٌ، والقرآن العظيم لم يدع شيئًا مما هذا سَمْتُهُ إلا وقد وقعت فيه الإشارة إليه بوجه ما، وإن من أبعد الأمثال عن الأفهام -إلا فهم أولي الألباب - أن الله تعالى شرع القصاص، وهو إتلاف لعضو، أو إزهاق لروح لأجل وقاية الأعضاء، وحياة الأرواح؛ إذ يعلم العادي أنه يُقَاصَصَ فيكف، فلذلك قال الله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٧٩]؛ أي: تتقون الحياة بوقاية أنفسكم عنها، أو بمنع غيركم منها. وقال سفيان بن عيينة في قوله: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾؛ قال: بقية؛ تناهي بعضكم عن بعض. رواه ابن جرير (١). ومن ألطف ما اتفق: ما رواه عبد بن حميد، وابن أبي حاتم عن أبي الجوزاء أنه قرأ: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾، وقال: القصاص (٢) القرآن (٣). والأولى حمل القصاص (٤) على [قصص] القرآن، وما يوافقه من مواعظ الأنبياء، ونصائح الأولياء على سبيل القص عن المتقدمين. وعليه: فالمراد بالحياة الحياة الأخروية، وهي في الدنيا بالإيمان

стр. 1509

والعلم، وفي الآخرة بثوابها وما أعد الله لذويها. وفي نفس الأمر لا يحس بهذه الحياة في دار الدنيا إلا أولو الألباب، وهم الراسخون في العلم؛ لأنهم الذين نفخت فيهم روح الحياة في الدنيا. ولقد قال الله تعالى فيهم: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [آل عمران: ٧]، وهم الراسخون في العلم بأعيانهم، إلا أنه ذكرهم بصفة أخرى ثناء عليهم، وتفخيماً لأمرهم، فقال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ص: ٢٩]؛ فيه إشارة إلى أن المتدبرين للقرآن كثيرون، وإنما يتذكر منهم مما تدبره أولو الألباب، وأصحاب العقول النافعة ذويها، المخلصة الخالصة لباريها. وقال تعالى: ﴿هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ﴾ [إبراهيم: ٥٢]؛ أي: كفاية لهم في الموعظة والبيان، ﴿وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [إبراهيم: ٥٢]. وقال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [الزمر: ٩]. في الآية إشارة إلى الحكمة التي يتميز بها أهل العلم عن غيرهم، وهي أن أهل العلم أهل تذكر وتفطن، وأهل الجهل أهل غفلة ولهو، فإذا كان ذو العلم يغلب عليه ما يغلب على أهل الجهل لحق بهم، وكان أسوأ حالًا منهم.

стр. 1510

وقال الله تعالى: ﴿وَأَوْرَثْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ (٥٣) هُدًى وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [غافر: ٥٣، ٥٤]. فيه إشارة إلى أن ذوي الألباب هم المقصودون بالهداية والذكرى، وكأن الكتب لم يكن مطلوب بها حقيقة إلا هؤلاء، وقد علمت أنهم هم المتقون، فتوافقت هذه الآية هي وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢] الآيات، فهؤلاء قوم صلحت قلوبهم، فصلحت لقبول الحكم القرآنية والمعارف الربانية بما تحنن الله عليهم وعطف، ونظر إليهم ولطف. ولقد سبق قوله ﷺ : "أَلا إِنَّ في الجَسَدِ مُضْغَةً، إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّه" (١). وقوله ﷺ : "مَنْ كَانَ لَهُ قَلْب صالح تَحَنَّنَ اللهُ عَلَيْهِ، وإِذَا تَحَنَّنَ اللهُ عَلى قَلبِ عَبدٍ، حَنَّنَهُ لِلأَعمَالِ الصَّالِحَةِ، وَحَبَّبها إِلَيْهِ" (٢). ولقد وصف الله تعالى أولي الألباب بأوصاف الصالحين، فقال الله تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٠) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ﴾ إلى قوله: ﴿وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ﴾ [آل عمران: ١٩٠ - ١٩٥].

стр. 1511

وصفهم بالذكر وملازمته في سائر الأحوال، والفكر في مخلوقات الله تعالى، والمعرفة بأنه سبحانه لم يخلق شيئًا باطلًا، والتسبيح والاستعاذة من النار، والإيمان بأمور الآخرة التي منها عذاب النار، وسؤال الله الوقاية منها، وأنَّ دخولها هو الخزي، وأنَّ الظالم هو المخذول يوم القيامة لا أنصار له، وحسن الاستماع، وسؤال الله المغفرة، وتكفير السيئات، والثناء على الأبرار، وطلب اللحاق بهم، والجهاد في سبيل الله تعالى، والهجرة، واحتمال الأذى في ذات الله، والرغبة في الشهادة؛ وكل ذلك من خواص أعمال الصالحين وأخلاقهم. ثم بين الله تعالى أنه يستجيب لهم بقوله تعالى: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى﴾ [آل عمران: ١٩٥] الآية. فأهل الاستجابة هم أولو الألباب الذين يدعون الله تعالى، وقلوبهم في مشاهدته تشهد أن العطاء والمنع بيده، ولذلك قال رسول الله ﷺ : "ادْعُوْا الله وَأنتُم مُوقنُوْنَ بِالإِجَابَةِ، وَاعْلَمُوْا أَنَّ اللهَ لا يَقبَلُ دُعَاء مِنْ قَلب غَافِلِ لاهٍ". رواه الترمذي، والحاكم عن أبي هريرة ﵁ (١). وروى الإِمام أحمد في "الزهد" عن مالك بن دينار رحمه الله تعالى قال: قال الله ﵎ على لسان نبي من أنبياء بني إسرائيل: قل لبني إسرائيل: تدعوني بألسنتكم، وقلوبكم بعيدة مني؟ باطل ما ترهبون،

стр. 1512

وقال: تدعونني وعلى أيديكم الدم؟ اغسلوا أيديكم من الدم؛ أي: من الخطايا، هلموا نادوني (١). وروى الحكيم الترمذي عن معاذ ﵁: أن النبي ﷺ قال: "لَوْ عَرَفْتُمُ الله حَقَّ مَعرِفَتِهِ، لَزَالت بِدُعَائِكُمُ الجِبَالُ" (٢). وقد فهم الحسن ﵀ من الآية: أن سبب استجابة الله تعالى لهم (٣) تكرار الدعاء، والإلحاح فيه. فروى ابن أبي حاتم عن عطاء ﵀: أنه قال: ما من عبد يقول: يا رب، يا رب، ثلاث مرات، إلا نظر الله إليه، فذكر للحسن ﵀، فقال: أما يقرأ القرآن: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا﴾ إلى قوله: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ﴾ [آل عمران: ١٩٣ - ١٩٥]؟ (٤). ولا شك أن في التكرار تحقيقًا لاستحضار القلب في الدعاء؛ لأن له تأثيرًا في التوجه. وروى الأصبهاني في "الترغيب" عن أبي هريرة ﵁ قال: قال

стр. 1513

رسول الله ﷺ : "يُنَادِيْ مُنَادٍ يَوْمَ القِيَامَةِ: أَينَ أُولُوْ الأَلبَابِ؟ قَالُوا: أَيَّ أُولِيْ الأَلبَابِ تُريْد؟ قالَ: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران: ١٩٠ - ١٩١]، قَالَ: عُقِدَ لَهُمْ لِوَاءٌ، واتَّبَعَ القَوْمُ لِوَاءَهُمْ، وَقَالُوا لَهُم: اُدخُلوْهَا خَالِدْينَ" (١). وقال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ (١٧) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [الزمر: ١٧، ١٨]. وصفهم باجتناب عبادة الطاغوت، وهو الشيطان، أو كل ما سوى الله تعالى؛ فإن عبادة من سواه طغيان، وبالإنابة إلى الله، وهي الرجوع إليه، وهو حقيقة التوبة واستماع القول، واتباع أحسنه؛ قال: أحسنه طاعة الله. رواه ابن جرير (٢). وقال الكلبي: هو الرجل الذي يقعد إلى المحدث فيقوم بأحسن ما سمع. رواه سعيد بن منصور. وهذا وصف العاقل؛ فإن العاقل من إذا عُرضَ عليه أمور يتخير منها، اختار لنفسه أحسنها، فإن اختار لنفسه دون الأحسن فهو سخيف العقل؛ ومن ثم كرهوا الإيثار في القُرَبِ، فإن اختار لنفسه أدناها كان

стр. 1514

أحمق عاريًا عن العقل. وقد مثله النبي ﷺ بمثال منطبق على حاله، فقال ﷺ : "مَثَلُ الَّذِي يَجْلِسُ يَسْمَعُ الْحِكْمَةَ وَلا يُحَدِّثُ عَن صَاحِبِهِ إِلاَّ بِشَرِّ مَا يَسْمَعُ، كَمَثَلِ صَاحِبِ رَجُلٍ أتى رَاعِيًا فَقَالَ: يَا رَاعِي! اُجْزُر لِي شَاةً، فَقَالَ: اذهبْ فَخُذْ بِأُذُنِ خَيْرِهَا شَاةً، فَذهبَ فَأَخَذَ بِأُذُنِ كَلبِ الغَنَمِ"، رواه الإِمام أحمد، وابن ماجه عن أبي هريرة ﵁ (١). وهذا المثال - وإن كان ضربه لمن يسمع فيحدث شر ما سمع - فهو بمن يعمل بشر ما سمع، أو بضد ما سمع من الخير أولى. ثم قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [الزمر: ٢١]؛ أي: إن في ذلك تذكيراً لأولي الألباب دون غيرهم، بأنه لا بد لذلك من صانع حكيم دبره، وسوَّاه، وأوجده، وأحكمه، ثم أفناه، وبأن هذا مثل الحياة الدنيا فلا يغتر به، وبأن هذا مثل ابن آدم يبدو به والزرع في ريعانه وخضرته، ثم يكون آخره إلى الموت والفناء، وهذا لا يهتدي إليه إلا أولو الألباب، وهم أصحاب الصدور المشروحة، ولذلك عقبه بقوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ [الزمر: ٢٢]؛ أي: كغيره.

стр. 1515

وشرح الصدر بخلوص القلب للتوجه إلى الله تعالى، وطلب الآخرة الموصل إليه. قال محمَّد بن كعب القرظي: رحمه الله تعالى: لما نزلت هذه الآية: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ﴾ قالوا: يا رسول الله! هل ينشرح الصدر؟ قال: "نعمْ"، قالوا: هل لذلك علامة؟ قال: "نعمْ، التَجَافِي عَنْ دارِ الغُرُورِ، والإِناَبَةُ إِلى دارِ الخُلُودِ، والاسْتِعْدَادُ لِلمَوتِ قَبْلَ نُزُولِهِ". أخرجه ابن مردويه هكذا مرسلاً (١). وأخرجه عن ابن مسعود ﵁ قال: تلا نبي الله ﷺ هذه الآية: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ﴾، فقلنا: يا رسول الله! كيف انشراح صدره؟ قال: "إِذَا دَخَلَ النُّورُ القَلْبَ انشَرَحَ وَانْفَسَحَ"، قلنا: فما علامة ذلك؟ الحديث (٢). وهو عند الحاكم، والبيهقي في "الزهد" عن ابن مسعود إلا أنه قال: لما تلا رسول الله ﷺ : ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ﴾ [الأنعام: ١٢٥] قيل: ما هذا الشرح؟ فقال: "إِنَّ النُّورَ إِذا قُذِفَ في القَلبِ، انشَرَحَ لَهُ الصدْرُ وانْفَسَحَ"، قيل: فهل لذلك من علامة؟ قال: "نعمْ، التَّجَافِي عَن دَارِ الغُرُورِ، والإِنَابَةُ إِلى دارِ الخُلُودِ، والاسْتِعْدَادُ

стр. 1516

لِلمَوْتِ قَبْلَ نُزُولِهِ" (١). ولا شك أنَّ هذه الثلاثة من أوضح ما يظهر من الأخلاق على ذوي القلوب الصالحة، والعقول السليمة، والألباب الخالصة؛ لأن هذا أنفع شيء لهم في مصيرهم الذي لا بد لهم من المصير إليه. قال ابن عمر ﵄: أتيت النبي ﷺ عاشر عشرة، فقام رجل من الأنصار، فقال: يا رسول الله! من أَكْيَس الناس، وأحزم الناس؟ قال: "أَكْثَرُهُمْ ذِكْرًا لِلمَوتِ، وَأَكْثَرُهُمُ اسْتِعدَادًا لِلمَوْتِ؛ أُولَئِكَ الأكيَاس، ذَهَبُوا بِشَرَفِ الدُّنْيَا، وَكَرَامَةِ الآخِرَة". رواه ابن أبي الدنيا في "كتاب الموت"، والطبراني في "الصغير" بسند جيد (٢). وقال رسول الله ﷺ : "الكَيسُ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ -أي: حاسبها في الدنيا -، وَعَمِلَ لِمَا بَعْدَ المَوْتِ، وَالعَاجِزُ - وفي رواية: وَالأَحْمَقُ - مَنْ أتبَعَ نفسَهُ هَواهَا، وَتَمَنَّى عَلى اللهِ". رواه الإِمام أحمد، والترمذي، وابن ماجه، والحاكم في "المستدرك" عن شداد بن أوس ﵁ (٣).

стр. 1517

وقال الله تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [الرعد: ١٩]؛ أي: ليس من يعلم أن ما أنزل إليك من ربك الحق -وهو شامل للقرآن، وغيره مما جاء به ﷺ كمن هو أعمى القلب عن الحق فلا يبصره، ولا يعقله ﴿إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾؛ أي: أصحاب العقول السليمة البصيرة. ثم بين من هم بقوله: ﴿الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ (٢٠) وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ (٢١) وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ (٢٢) جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (٢٣) سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾ [الرعد: ٢٠ - ٢٤]. قيل: أراد بقوله: ﴿وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ﴾: صلة الرحم. قال ابن عباس ﵄: قال رسول الله ﷺ : "إِنَّ البِرَّ وَالصِلَةَ ليُخَفّفَانِ سُوءَ الحِسَابِ يَوْمَ القِيَامةَ"، ثم تَلا رسول الله ﷺ : ﴿وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ﴾ ". رواه ابن عساكر (١).

стр. 1518

وفي "الكشاف" في قوله: ﴿وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ﴾ من القرابات؛ قال: ويدخل فيه وصل قرابة رسول الله ﷺ ، وقرابة المؤمنين الثابتة بالإيمان ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: ١٠] بالإحسان إليهم على حسب الطاقة، ونصرهم، والذب عنهم، والشفقة عليهم، والنصيحة لهم، وطرح التفرقة بين أنفسهم وبينهم، وإفشاء السلام عليهم، وعيادة مرضاهم، وشهود جنائزهم. ومنه مراعاة حق الأصحاب، والخدم، والجيران، والرفقاء في السفر، وكل ما تعلق منهم بسببٍ، حتى الهرة والدجاجة (١). والمراد بإقامة الصلاة: إتمامها، كما رواه ابن أبي حاتم عن سعيد ابن جبير، وبالإنفاق سرًا وعلانية النفقة الفرض، والأولى فيها إعلانها وإظهارها للقدوة، واسقاط العتاب عنه، والوقوع في غيبته، والتطوع، والأولى فيها الإسرار لأنه أبعد عن الرياء. وقوله: ﴿وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ﴾ [الرعد: ٢٢]، أي: يدفعون الشر بالخير، ولا يكافئون الشر بالشر، ولكن يدفعونه بالخير. رواه ابن أبي شيبة، وابن أبي حاتم عن الضحاك (٢). وقال سعيد بن جبير في معناه: يردون معروفاً على من يسيء إليهم.

стр. 1519

رواه ابن أبي حاتم (١). وحاصل ما في هذه الآية: أن الله تعالى وصف أولي الألباب بالوفاء والصلة والخشية، وخوف سوء الحساب في العاقبة، والصبر والإخلاص، وإقامة الصلاة، والإنفاق في وجوه الخير سرًا وعلانيةً؛ لأنهم لا يتوقفون على حالة تبعثهم على النفقة أو تؤخرهم عنها؛ لأن الكرم سجيتهم وعادتهم، ولأنهم لا يراقبون غير الله، فاستوى سرهم وعلنهم. ثم ختم وصفهم بالخلق العظيم المشتق من خلق نبيهم ﷺ الذي وصفه ربه به في التوراة لا يجزي بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويصفح (٢). فذكر أنهم بعد استيفاء الحلم والعفو والاحتمال، يدرؤون بالحسنة السيئة فضلاً عن مقابلتها بمثلها، وهذا منهم مصانعة لربهم، طلباً منهم أن يعاملهم ربهم بالعفو والإحسان, وهذا يدل على أنهم في أعلى طبقات العقل والنُّهَى؛ لأنهم وضعوا الإحسان والمعروف عند من لا يضيع عنده مثقال ذرة. ولقد علمت أن ذوي الألباب هم الحكماء حقيقة. والحكيم: هو من يضع الشيء في موضعه.

стр. 1520

ومن بدائع حكم ذوي الألباب ما ذكره محمود الوراق في قوله: [من المتقارب] تَمَثَّلَ ذُوْ اللُّبِّ فِيْ نَفْسِهِ ... مَصائِبَهُ قَبْلَ أَنْ تَنْزِلا فَإِنْ نزلَتْ بِهِ لَمْ يَرْعُه ... لِما كانَ فِيْ نَفْسِهِ مَثَّلا رَأى الأَمْرَ يُفْضِيْ إِلَى آخِر ... فَصَيرَ آخِرَه أَوَّلا ومن معناه أن اللبيب العاقل وَطَّنَ نفسه على مصائب الدنيا، وأنَّ ما قُدِرَ منها نازل لا محالة، فلم يجزع لما دهمه من خطوبها, ولم يفرح لما نأى منها، وعلم أن آخرها للانقضاء والزوال، فعمل لما بعدها، وتجافى عنها، وأناب إلى الآخرة، وانتظر الموت، كما قال الحسن رحمه الله تعالى: إن الموت فضح الدنيا، فلم يترك لذي لب فرحاً. رواه عبد الله ابن الإِمام أحمد في "زوائد الزهد" (١). * تَتِمَّةٌ: قال الله تعالى: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشًا فَنَقَّبُوا فِي الْبِلَادِ هَلْ مِنْ مَحِيصٍ﴾ [ق: ٣٦].

стр. 1521

قال ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: ﴿فَنَقَّبُوا﴾: أثروا؛ أي: تركوا آثارهم ﴿فِي الْبِلَادِ﴾ (١). وقال مجاهد: ضربوا في الأرض. رواهما ابن جرير (٢). وقال الضحاك في قوله: ﴿هَلْ مِنْ مَحِيصٍ﴾: هل من مهرب يهربون إليه من الموت. رواه ابن المنذر (٣). وقال قتادة في الآية: حاص أعداء الله، فوجدوا أمر الله لهم مدركًا. رواه عبد الرزاق، وابن جرير، وابن المنذر (٤). ثم قال الله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِك﴾ [ق: ٣٧]؛ أي. ما ذكرناهم به من أمر الأمم الماضية، وما أثروا في البلاد، وتصرفوا فيها، وخربوا في أرجائها، فلم يجدوا لهم مهربا من الموت، بل أدركتهم آجالهم التي قدرناها لهم، وكان مصيرهم إلينا ﴿لَذِكْرَى﴾ [ق: ٣٧]؛ أي: تذكرة ﴿لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ [ق: ٣٧]؛ أي: لمن كان له قلب يستمع به فيتذكر، أو ألقى السمع إلى ما يملى عليه بحيث يصغي إليه، ويستمع له وهو شهيد؛ أي: القلب.

стр. 1522

فقسم المنتفعين بالذكرى إلى قسمين: على ذي قلب يتذكر به ما عليه، ومستمع شهد القلب ما يسمعه؛ فالواعظ والمستمع إذا كانا من أهل القلوب تمت سعادتهما. وقد قال عمر بن عبد العزيز ﵀: إن الكلام إذا خرج من القلب دخل القلب (١). قال مجاهد في قوله: ﴿أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾؛ قال: لا يحدث نفسه بغيره؛ أي بغير ما يسمعه، وهو شهيد؛ أي: شاهد بالقلب؛ أي: لما سمعه. رواه ابن جرير (٢). وقال محمَّد بن كعب في الآية: يستمع وقلبه شاهد، لا يكون قلبه مكاناً آخر. رواه ابن المنذر (٣). ففي الآية دليل على أن قصص القرآن لا ينتفع به إلا ذوو القلوب، وأولو الألباب من قارئ ومستمع، ومن قرأ بلسانه، وقلبه غافل عن تدبر ما يقرأه، أو يسمع بأذنه، وقلبه غافل عما يسمعه فهو لما أن [ .... ] (٤) بما قرأ أو سمع أقرب من أن ينتفع. ومثل ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ﴾ [الحاقة: ١١]؛

стр. 1523

هي سفينة نوح ﵇ ﴿لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾ [الحاقة: ١٢]. قال أبو عمران الجوني رحمه الله تعالى: أذن عقلت عن الله. رواه ابن المنذر (١). وقال علي بن أبي طالب ﵁ في الآية: قال لي رسول ﷺ : "سَأَلتُ الله أَنْ يَجْعَلَهَا أُذُنكَ يَا عَليُّ"، فقال علي: ما سمعت من رسول الله شيئًا فنسيته. رواه سعيد بن منصور، وأبو نعيم في "المعرفة" (٢). والأذن الواعية: هو الذي يعي الشيء فيحفظه، وينتفع به، ثم لا ينساه، ولا يغفل عنه، كحال علي ﵁، ولذلك كان بابَ العلم كما روى الحاكم، وغيره من حديث جابر، وابن عباس ﵄: أن رسول الله ﷺ قال: "أَناَ مَدِيْنةَ العِلْمِ، وعَلى بَابُهَا؛ فَمَنْ أَرَادَ العِلمَ فَليَأتِ البَابَ" (٣).

стр. 1524

وحمله بعض الصوفية على العلم اللَّدُنِّيِّ (١) أو لذلك تنتهي معظم طرق الصوفية إلى سيدنا علي ﵁، وأكثرها من طريق الحسن البصري, ولقد كان من أبواب العلم اللَّدُنِّيِّ النافع. ولقد روى ابن أبي الدنيا في كتاب "قصر الأمل", وابن حيان في "الثقات"، وأبو نعيم عن أبي عبيدة الناجي رحمه الله تعالى قال: دخلنا على الحسن في مرضه الذي مات فيه فقال: مرحبًا بكم وأهلًا, وحياكم الله بالسلام، وأدخلنا وإياكم دار المقام, هذه علانية حسنة إن صبرتم وصدقتم، وأيقنتم، فلا يكن حظكم من هذا الخير أن تسمعوه بهذه الأذن، وتخرجوه من هذه؛ فإنَّه من رأى محمد ﷺ فقد رآه غاديًا ورائحًا، لم يضع لبنة على لبنة، ولا قصبة على قصبة، ولكن رفع له علم

стр. 1525

فشمر إليه؛ الوَحَاءَ الوَحَا (١)، النجاء النجاء، على ما تعرجون أنتم ورب الكعبة كأنكم والأمر معا، رحم الله عبدًا جعل العيش عيشا واحدًا، وأكل كسرة، ولبس خرقًا, ولزق بالأرض، واجتهد في العبادة، وبكى على الخطيئة، وهرب من العقوبة، وابتغى الرحمة، حتى يأتيَه أجله وهو على ذلك (٢). ومعنى قوله: جعل العيش عيشًا واحدًا؛ أي: لم يلتفت إلا إلى عيش واحد وهو عيش الآخرة؛ إذ لا عيش إلا عيش الآخرة، كما في الحديث. وقوله: وكل كسرة، ولبس خَلِقًا؛ أي: أكل ما وجد ولو كسرة، ولبس ما وجد ولو خَلِقًا؛ أي: لم يتقيد في طعام أو لباس بهوى نفسه، بل يكتفي بالميسور. وقوله: ولزق بالأرض معناه: ترك السعي في طلب الدنيا، والتأنق في تحصيل ملاذها بحيث لا يهتم بشيء منها، بل يكون اهتمامه واجتهاده فيما خلق له من العبادة. وبكى على خطيئته، وهرب من موجبات العقوبة، وابتغى الرحمة من الله تعالى من مظانها؛ ومن أهم مظانها البكاء على الخطيئة، والخوف من العقوبة.

стр. 1526

قال الحسن: إن البكاء داع إلى الرحمة (١). وقال أبو حازم ﵀: بلغنا أن البكاء من خشية الله مفتاح الرحمة (٢). وقال محمَّد بن واسع ﵀: بلغنا أن الباكي مرحوم (٣). وقال الحسن ﵀: بلغنا أنَّ الباكي من خشية الله مرحوم يوم القيامة (٤). وقال فرقد السبخي: قرأت في بعض الكتب: قل للبكائين من خشية الله : أبشروا؛ فإنكم أول من تنزل عليه الرحمة إذا نزلت (٥). وقال رشدين (٦) بن سعد عن بعض أصحابه: قرأت في بعض الكتب: قل للمريدين من عبادي فليجالسوا البكائين من خشيتي؛ لعلي أصيبهم برحمتي إذا أنا رحمت البكائين (٧). وقال الحسن: لو بكى عبد من خشية الله لرحم من حوله ولو

стр. 1527

كانوا عشرين ألفًا (١). وقال هو، وشهر بن حوشب رحمهما الله تعالى: لو أنَّ عبدًا بكى في ملأ من الناس لرحموا ببكائه (٢). روى هذه الآثار ابن أبي الدنيا في كتاب "الرقة والبكاء". واعلم أنَّ البكاء النافع الداعي إلى الرحمة هو البكاء من خشية الله، ومحله القلب، وقد يكون الباعث عليه رؤية الآثار بالبصر، أو سماع الأخبار والعبر، أو تذكر الأحوال والفكر، وهو من أعمال أفضل أعضاء البشر، ولها رابع وهو اللسان، وقد يكون عمله باعثًا على البكاء أيضًا، وسلطانها القلب، والثلاثة وزراؤه ونصراؤه، فإذا صلحت هذه الأربعة عمرت مدينة إنسانيته، وقد نهى الله تعالى ما دون اللسان منها إلى [التلهي عن] ما خلق له، وعاتب أصحابها على [إيقافها] (٣) عن أدائها بقوله: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦]. روى البيهقي في "شعبه"، وغيره عن عبد الله بن جراد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لَيْسَ الأَعْمَى مَنْ يَعْمَى بَصَرُهُ، وَلَكِنَّ الأَعْمَى مَنْ

стр. 1528

تَعْمَى بَصِيرَتُه" (١) وقد تبيَّن أن اللسان والسمع والبصر لا فائدة للإنسان فيها إلا إذا توافقت مع القلب الصالح، وإلا شارك فيها البهائم وصار من أهل النار. قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٩]. ***

стр. 1529

فَصْلٌ أولو الألباب من الأولياء والصالحين على قسمين: صديقون، وأبرار. فإما الصديقون، فهم الذين لا يريدون من الله غيره، وسيأتي الكلام على أخلاقهم، وهم أشرف الأولياء، وأكمل الصالحين، وأعقل أولي الألباب. وأمَّا الأبرار فهم الذين لا يريدون من غيره شيئًا، ولكن يريدونه، ويريدون منه ثوابه المعدَّ لهم في الآخرة، وهي إرادة محمودة لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا﴾ [الإسراء: ١٩]. وذكر سبحانه الأبرار، وما أعد لهم، ثم قال: ﴿إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا﴾ [الإنسان: ٢٢]. وقال تعالى: ﴿وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ﴾ [آل عمران: ١٩٨]. وينبغي أن نذكر جملة من أخلاقهم وأعمالهم، وإن كانت داخلة في أخلاق الصالحين والأولياء وأعمالهم، أو هي هي؛ فإن العمل الصالح

стр. 1530

والخلق الحسن إذا كان مضافاً إلى قوم ممدوحين كانت النفس أرغب فيه من هذه الحيثية، وإن كان هو في نفسه محبوبًا وفيه مرغوبًا. وقد أثنى الله تعالى على قوم طلبوا الحشر مع الأبرار، وسماهم أولي الألباب، فقال تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٠) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران: ١٩٠، ١٩١] إلى قوله - حكايته عنهم -: ﴿رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ﴾ [آل عمران: ١٩٣]؛ أي: مصاحبين لهم، معدودين في زمرتهم، وذلك يدل على أنهم كانوا معهم في الدنيا, ولو بالأعمال والمحبة. ونقل القرطبي في "تفسيره" قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا﴾ [الفرقان: ٢٧] عن مالك بن دينار ﵀ قال: إنك أن تنقل الأحجار مع الأبرار، خير لك من أن تأكل الخبيص مع الفجَّار، وأنشد: [من الطويل] وَصاحِبْ خِيارَ النَّاسِ تَنْجُ مُسَلَّماً ... وَصاحِبْ شِرارَ النَّاسِ يَوْما فَتَنْدَما (١) وروى ابن أبي شيبة في "مصنفه" عن طلحة بن يحيى قال: كنت

стр. 1531

جالسا عند عمر بن عبد العزيز ﵀، فدخل عليه عبد الأعلى بن هلال، فقال: أبقاك الله يا أمير المؤمنين ما دام البقاء خيراً لك، قال: قد فرغ من ذلك يا أبا النضر، ولكن قل: أحياك الله حياة طيبة، وتوفاك مع الأبرار (١). وروى أبو نعيم في "الحلية" عن إسماعيل بن عبيد الله: أنَّ أبا الدرداء ﵁ كان يقول: اللهم توفني مع الأبرار، ولا تبقني مع الأشرار (٢). وعن أنس ﵁ قال: كان بعضنا يدعو لبعض: جعل الله عليكم صلاة قوم أبرار يقومون الليل، ويصومون النهار، ليسوا بأثَمَةٍ ولا فجار (٣). ورواه ابن السُّنِّي، ولفظه: كان أحدنا إذا دعا لأخيه فاجتهد قال: جعل الله عليك صلاة قوم أبرار يقومون الليل، ويصومون النهار، ليسوا بأَثَمَةٍ ولا فجار (٤). وروى أبو نعيم عن مغيرة قال: كنا إذا قلنا لعبد الرحمن بن أبي نعم: كيف أنت يا أبا الحكم؟ قال: إن نكن أبراراً فكرام أتقياء، وإن نكن فجاراً فلئام أشقياء (٥).

стр. 1532

وروى الخرائطي في "مكارم الأخلاق" عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: من ينصف الناس من نفسه، يعطى الظفر في أمره، والذل في الطاعة، أقرب إلى البر من التعزز في المعصية (١). وقد أمرنا الله تعالى بالبر والتعاون عليه بقوله: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٢]. قال القشيري ﵁ في الآية: البر فعل ما أمرت به، والتقوى ترك ما نهيت عنه (٢). وهو مروي عن الربيع بن أنس. أخرجه عبد بن حميد (٣). وأراد رحمه الله تعالى بهذا التفسير دفع المغايرة بين اللفظين، المستلزمة للتكرار، وإلا فإن التقوى في الأصل بمعنى الحذر، والبر هو "الإحسان قولًا وعملًا ونية، والحذر من المعصية داخل فيه؛ فالتقوى من البر، والبر هو الإحسان؛ قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ [فصلت: ٣٣]؛ فالمحسنون هم الصالحون، وقد علمت محل التقوى بهم، وهم الأبرار -أيضًا- كما علمت. وقال الله تعالى: ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى﴾ [البقرة: ١٨٩]؛ أي: بر من أتقى.

стр. 1533

وفيه: أن الإحسان الصوري ليس معتدًا به حتى يكون مقرونا بتقوى القلب، ولذلك جمع الله بينهما في قوله: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٢]. واعلم أنَّ الله تعالى أمرنا في هذه الآية بالبر والتقوى، ولم يذكر ثوابهما فيها، وإنما ذكره في آيات أخر، فقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ [النحل: ١٢٨]. قال الفضيل بن عياض رحمه الله تعالى في هذه الآية: اتقوا فيما نهاهم الله عنه، وأحسنوا فيما أمرهم الله به. وهذا أعم مما رواه عبد الرزاق، وسعيد بن منصور، وابن جرير، وابن أبي حاتم عن الحسن أنه قال في الآية: اتقوا فيما حرم الله عليهم، وأحسنوا فيما افترض الله عليهم (١). وهو موافق لما ذكره القشيري في الآية السابقة. والمراد بهذه المعية معية الكَلأَة والحفظ، بحيث يكون العبد بالله في حركاته وسكناته، لا معية القدرة المشار إليها في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد: ٤]؛ فإنها قد تكون للإضلال والانتقام. قال ممشاء الدينوري ﵁: رأيت ملكا من الملائكة يقول لي: من

стр. 1534

كان مع الله فهو هالك إلا رجلًا واحدًا، قلت: ومن هو؟ قال: من كان الله تعالى معه. وهو قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ [النحل: ١٢٨]. فمن تشبه بالأبرار والمحسنين كان الله تعالى معه بالكلأة والحفظ والمعونة؛ لأنه كان مع الله بالبر والحفظ لحقوقه، فكان الله له في سائر أموره جزاءً وفاقا من جنس العمل ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾ [الرحمن: ٦٠]. وقيل: ما جزاء من يحب إلا أن يُحب. وقال الله تعالى: ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة: ٥٤]، ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [المائدة: ٩٣]. وروى الأصبهاني في "الترغيب" عن سليم بن أخضر قال: أردت السفر إلى مكة، فأتيت ابن عون لأودعه، فقال: يا سليم! اتقِ الله، وعليك بالإحسان؛ فإن المحسن معانٌ: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ [النحل: ١٢٨] (١). وروى أبو نعيم عن عبد المعز بن سليمان، عن مالك بن دينار، قال: كنت عند أنس ﵁ إذ جاءه شيخ، فاستأذن عليه، فقام وتوكأ على عصاه من الكبر، فقال: يا أبا حمزة! لقد أعهدك بين ظهراني قوم ليسوا

стр. 1535

كقوم أنت بين ظهرانيهم اليوم، قال: يا أخي! ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ (١). وفي كلامه إشارة إلى أن المحسن في حفظ الله ومعونتهِ، سواء كان في محسنين أو غيرهم، وسواء كان في زمان صالح، أو غير صالح، فلا يمنع كدر الزمان، وقلة الخير حفظ الله إياهم، ومعونته لهم، وإنهم لا يضامون كيف كانوا، ومتى كانوا. وقال الله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [يونس: ٢٦]. روى ابن أبي شيبة، والدارقطني في "الرؤية"، وآخرون عن أبي بكر الصديق، وعن حذيفة، وابن مردويه عن علي بن أبي طالب، والدارقطني، والبيهقي، وغيرهما عن أبي موسى الأشعري، والبيهقي في "الأسماء والصفات"، وغيره عن ابن عباس، وابن أبي حاتم، واللالكائي في "السنة" عن ابن مسعود، والدارقطني عن قتادة، وعن الضحاك، وعن عبد الرحمن بن أبي ليلى، وعن عامر بن سعد البجلي، وعن السدي، وعن أبي إسحاق السبيعي، وعن عبد الرحمن بن سابط: أنَّ ﴿الْحُسْنَى﴾: الجنة، و ﴿وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦]: النظر إلى وجه الله تعالى (٢).

стр. 1536

ورواه الدارقطني عن أبي موسى، وعن أبي بن كعب، وعن أنس، واللالكائي، والبيهقي في "الاعتقاد" (١) عن كعب بن عجرة، وابن مردويه عن ابن عمر، وأبو الشيخ عن أبي هريرة، والدارقطني، وابن مردويه عن صهيب ﵁ مرفوعًا إلى النبي ﷺ (٢). وهو حديث صهيب عند مسلم، والترمذي، وابن ماجه، وابن خزيمة، وابن حبان في "صحيحيهما"، وغيرهم: أنَّ رسول الله ﷺ تلا

стр. 1537

هذه الآية: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦] قال: "إِذَا دَخَلَ أَهْلُ الجَنّةِ الجَنَّةَ، وَأَهْلُ النَّارِ النَارَ نَادَى مُنَادٍ: يَا أَهْلَ الجَنَّةِ! إِنَّ لَكُمْ عِنْدَ اللهِ مَوعِدًا يُرِيدُ أَنْ يُنْجِزكُمُوهُ, فَيقولُونَ: وَمَا هُوَ؟ ألمْ يُثَقِّلْ مَوَازِيْنَنَا، وَيُبيِّضْ وُجُوهَنَا، ويُدخِلْنَا الجَنَّةَ، وُيزَحْزِحْنَا عَنِ النَّارِ؟ قَالَ: فَيُكْشَفُ لَهُمُ الحِجَابُ، فَينظُرُونَ إِليْه، فَوَاللهِ مَا أَعْطَاهُمُ اللهُ شَيْئًا أَحَبَّ إِلَيْهِمْ مِنْ النَّظَرِ إِلَيْهِ" (١). وقال الله تعالى: ﴿وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا خَيْرًا لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ (٣٠) جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ كَذَلِكَ يَجْزِي اللَّهُ الْمُتَّقِينَ﴾ [النحل: ٣٠، ٣١]. وقال تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ (١١٤) وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [هود: ١١٤، ١١٥]. وهذه الآية تلويح بأن البر والإحسان يكفر الإساءات والفجرات، وأنَّ المحسن لا بد أن يُوفَّى أجره، إلا أن للثواب أجلاً، فهو يحتاج إلى الصبر على أمر الله تعالى، وبالصبر تمام البر والإحسان. ومن الآيات الواردة في ثواب الأبرار -وهم أهل "الإحسان بأعيانهم-

стр. 1538

قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (٢٢) عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ﴾ [المطففين: ٢٢، ٢٣]؛ أي: ينظرون إلى ما يسرهم، أو إلى الله تعالى، وهو موافق لما ذكره في جزاء المحسنين من تفسير الزيادة بالنظر إلى وجه الله تعالى. ثم قال : ﴿تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ (٢٤) يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ (٢٥) خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ [المطففين: ٢٤ - ٢٦]، وفيه إرشاد إلى مشاركة الأبرار في برهم لتحصل المشاركة في ثوابهم. قال تعالى: ﴿وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ (٢٧) عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ﴾ [المطففين: ٢٧، ٢٨]. قال ابن عباس: تسنيم: أشرف شراب أهل الجنة، وهو صرف للمقربين، وممزوج لأصحاب اليمين. رواه عبد الرزاق، وسعيد بن منصور، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي (١). وقال ابن مسعود في قوله: ﴿وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ﴾: عين في الجنة تمزج لأصحاب اليمين، ويشربها المقربون صرفًا. رواه ابن المبارك، وابن أبي شيبة، وسعيد بن منصور، وابن المنذر، وابن أبي حاتم (٢).

стр. 1539

وقال حذيفة بن اليمان ﵁: تسنيم: عين في عدنٍ يشرب بها المقربون صرفًا، وتجري تحتهم أسفل منهم إلى أصحاب اليمين، فيمزج بها أشربتهم كلها؛ الماء، والخمر، واللبن، والعسل، يطيب بها أشربتهم. رواه ابن المنذر (١). وأصحاب اليمين هم الأبرار، والمقربون هم الصديقون، كما سيأتي، وهم أفاضل أهل الجنة، فلذلك كان شرابهم أفضل شراب الجنة. قال عكرمة: التسنيم أفضل شراب أهل الجنة، ألم تسمع يقال للرجل: إنه لفي سنام من قومه؟ رواه عبد بن حميد (٢). وقال الله تعالى: ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ (١٩٨)﴾ [آل عمران: ١٩٨]، وهم الذين اتقوا ربهم فبروه، وأطاعوه. وفي قوله: ﴿فِيهَا نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ من التخصيص والتشريف ما لا يخفى. والنزل: ما أُعِدَّ للنازل من طعام، أو شراب، أو صلة. وقال تعالى: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا (٥) عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا﴾ إلى قوله: ﴿فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا (١١) وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا﴾ إلى قوله: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ

стр. 1540

ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا﴾ [الإنسان: ٥ - ٢٠]. قال مجاهد: هو استئذان الملائكة عليهم لا يدخل عليهم إلا بإذن. رواه ابن جرير، والبيهقي، وغيرهما (١). قال تعالى: ﴿عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا (٢١) إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا﴾ [الإنسان: ٢١، ٢٢]. قال قتادة: لقد شكر الله سعيا قليلاً. رواه عبد الرزاق، وابن جرير (٢). أشار قتادة إلى أن البَرَّ مهما عمل في الدنيا من أعمال البِر، فإنه قليل بالنسبة إلى ما يقابله من ثواب الآخرة، وما الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل، وهذا لأن الله تعالى من كرمهِ يقبل القليل، ويجازي عليه بالكثير. وقال الله تعالى: ﴿وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ﴾ [الواقعة: ٢٧]، فخَّم أمرهم، وعظم شأنهم، والمراد بهم الأبرار؛ لأنه قسَّمَ في هذه السورة إلى ثلاثة أقسام: السابقين وهم المقربون، وأصحاب اليمين، وأصحاب الشمال، فوصف ما للمقربين، ثم وصف ما للأبرار بقوله: ﴿(٢٧) فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ (٢٨) وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ (٢٩) وَظِلٍّ مَمْدُودٍ (٣٠)﴾

стр. 1541

﴿وَمَاءٍ مَسْكُوبٍ (٣١) وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ (٣٢) لَا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ (٣٣) وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ (٣٤) إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً (٣٥) فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا (٣٦) عُرُبًا أَتْرَابًا (٣٧) لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ (٣٨) ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ﴾ [الواقعة: ٢٧ - ٣٩]. قال أبو بكرة ﵁: هما جميعًا من هذه الأمة. رواه أبو داود الطيالسي، وغيره (١). وأخرجه عبد الرزاق، وغيره عن ابن عباس ﵄ (٢). وإنَّما سمي الأبرار أصحاب اليمين لوقوعهم في اليمين من القبضتين؛ أي: المباركة. روى الإِمام أحمد عن معاذ بن جبل ﵁: أن رسول ﷺ تلا هذه الآية: " ﴿وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ﴾ [الواقعة: ٢٧]، ﴿وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ﴾ [الواقعة: ٤١]، فقبض بيديه قبضتين، فقال: هَذهِ في الجَنَّةِ وَلا أُبَالِي، وَهَذ في النَّارِ وَلا أُبَالِي" (٣). وروى هو، والبزار، والطبراني، والآجري في "الشريعة" عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إِنَّ اللهَ جَلَّ ذِكْرُهُ يَومَ خَلَقَ

стр. 1542

آدَمَ ﵇ قَبَضَ مِنْ صُلْبِهِ قَبضَتَيْنِ، فَوَقَعَ كُلُّ طَيِّبٍ في يَمِيْنهِ، وَكُلُّ خَبِيْث بِيَدهِ الأُخْرَى، فَقَالَ: هَؤُلاءِ أَصْحَابُ الجَنَّةِ وَلا أُبالِي، وَهَؤُلاءِ أَصْحَابُ النَّارِ وَلا أُبَالِي، ثُمَّ أَعَادهمْ في صُلْبِ آدَمَ، فَهُمْ يَنْسِلُونَ عَلى ذَلِكَ إِلى الآن" (١). وروى الإِمام مالك في "موطئه"، والإمام أحمد، والبخاري في "تاريخه"، وأبو داود، والترمذي وحسنه، والنسائي، وآخرون عن مسلم ابن يسار الجهني ﵀: أنَّ عمر بن الخطاب ﵁ سُئِلَ عن هذه الآية: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [الأعراف: ١٧٢] الآية، فقال: سمعت رسول الله ﷺ يسأل عنها، فقال: "إِنَّ الله خَلَقَ آدَمَ، ثُمَّ مَسَحَ ظَهْرَهُ بِيَمِيْنهِ، فَاسْتَخْرَجَ مِنْهُ ذُرِّيَةً، فَقَالَ: خَلَقْتُ هَؤُلاءِ لِلجَنَّةِ، وَبِعَمَلِ أَهْلِ الجَنَّةِ يعْمَلُون، ثُمَّ مَسَحَ ظَهْرَهُ، فَاستَخْرَجَ مِنْهُ ذُرِّيَةً، فَقَالَ: خَلَقْتُ هَؤُلاءِ لِلنَّارِ، وَبِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ يَعْمَلُونَ"، فقال الرجل: يا رسول الله! ففيم العمل؟ فقال: "إِن الله إِذَا خَلَقَ العَبْدَ لِلجَنَّةِ اسْتَعْمَلَهُ بِعَمَلِ أَهْلِ الجَنَّةِ حَتَّى يَمُوْتَ عَلى عَمَلٍ مِنْ أَعْمَالِ أَهْلِ الجَنَّةِ، فَيُدْخِلَهُ اللهُ الجَنَّةَ، وَإِذَا خَلَقَ العَبْدَ لِلنَّارِ اسْتَعْمَلَهُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ حَتَّى يَمُوتَ عَلى

стр. 1543

عَمَل مِنْ أَعْمَالِ أَهْلِ النَّار، فَيُدْخِلَهُ اللهُ النَارَ" (١). وروي حديث القبضتين عن ابن عباس، وأبي أمامة، وهشام بن حكيم، وابن عمرو، وعبد الله بن أبي قتادة السلمي، وأبي الدرداء، وأبي سعيد الخدري، وابن عمر، وأبي هريرة، وأنس، وغيرهم رضي الله تعالى عنهم (٢). والمقربون -وهم السابقون، والصديقون، والمصطفون الأخيار- خواص أصحاب اليمين والأبرار، إلا أنهم استخلصوا منهم، وخصُّوا، فتميزوا عنهم بهذه الأوصاف. وأول البر التوفيق من الله تعالى إليه، وقد قيل في الحكم: التوفيق خير قائد (٣). فإذا استنارت القلوب بتوفيق الله تعالى، واستضاءت بالتصديق به، أبصرت، فأرسلت الجوارح في البر، كما قال أبو بكر محمَّد بن حامد الترمذي رحمه الله تعالى: إذا تمكنت الأنوار في السر، نطقت الجوارح بالبر. رواه السلمي في "طبقاته" (٤).

стр. 1544

وأعظم أخلاق الأبرار حسن الخلق؛ لما رواه مسلم، والترمذي عن النواس بن سَمعان ﵁ قال: سألت رسول الله ﷺ عن البر والإثم، فقال: "البِرُّ حُسْنُ الخُلُقِ، وَالإِثْمُ مَا حَاكَ [في] صَدْرِكَ، وَكَرِهْتَ أَنْ يَطَّلِعَ النَّاسُ عَليْهِ" (١). وروى الإِمام أحمد، وأبو نعيم عن وابصة بن معبد ﵁ قال: أتيت النبي ﷺ وأنا أريد أن لا أدع شيئًا من البر والإثم إلا سألته عنه، فجعلت أتخطى، فقالوا: إليك يا وابصة عن رسول الله ﷺ ، فقلت: دعوني [فدنوتُ (٢) منه، فإنه من أَحَبِّ الناس إلى أن أَدْنُوَ منه. فقال لي: "ادْنُ، يا وَابِصَةُ! " فَدَنَوْتُ حتى مَسَّتْ ركبتي رُكْبَتَهُ. فقال: "يا وَابِصَةُ! أُخْبِرُكَ ما جِئْتَ تسألني عنه؟ " فقلت: أخبرني يا رَسُولَ اللهِ! ، قال: "جِئْتَ تسألني عَنِ الْبِرِّ وَالإِثْمِ"، قلت: نعم، قال: فَجَمَعَ أَصَابِعَهُ ثمَّ جَعَلَ يَنْكُتُ بها في صدري، وَيقُولُ: "يا وَابِصَةُ! اسْتَفْتِ قلبَكَ، استفتِ نفسَكَ، الْبِرُّ ما اطْمَأَنَّ إليه الْقَلْبُ، وَاطْمَأَنَّتْ إليه النَّفْسُ، وَالإِثْمُ ما حَاكَ في الصَّدْرِ، وَتَرَدَّدَ في النَّفسِ، وإن أَفْتَاكَ الناس وَأَفْتَوْكَ] " (٣).

стр. 1545

وروى الترمذي، والحاكم، والطبراني -بسندين جيدين- عن أبي عامر الأشعري -ويقال: المسكوني- رضي الله تعالى عنه قال: قلت: يا رسول الله! ما تمام البر؟ قال: "أَنْ تَعْمَلَ في السِّرِّ عَمَلَ العَلانِيَةِ" (١). ومعناه: إخلاصُ القلب في سائر الأعمال. وإليه الإشارة بقوله تعالى حكايته عن الأبرار: ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ﴾ [الإنسان: ٩]. وأعظم أعمال الأبرار: الصلاة. ولذلك قال النبي ﷺ : "صَلاةٌ عَلى إِثْرِ صَلاةٍ لا لَغْوَ بَيْنَهُما كِتابٌ في عِليّينَ". رواه الإِمام أحمد، وأبو داود عن أبي أمامة رضي الله تعالى عنه (٢). وكلُّ ما كان مكتوبا في عليّين فهو من أعمال البر لقوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ (١٨) وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ (١٩) كِتَابٌ مَرْقُومٌ (٢٠) يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ﴾ [المطففين: ١٨ - ٢١]. وروى ابن أبي شيبة عن مكحول رحمه الله تعالى بلاغا: أن النبي ﷺ
следующие страницы →