← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 14592

حسن التنبه لما ورد في التشبه

نجم الدين الغزي

Полный текст (6 623 стр.). Показаны 4306–4345 · переход к 4311.

стр. 4306

وقال في قوله: ﴿لَنَرْجُمَنَّكُمْ﴾: بالحجارة (١). وفي قوله: ﴿قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ﴾ [يس: ١٩]، يقولون: أئن ذكرناكم بالله تطيرتم بنا (٢)؟ أخرجه عبد الرزاق، والمفسرون. وقال ابن عباس في قوله: ﴿طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ﴾: شؤمكم معكم. أخرجه ابن المنذر (٣). وفي الحديث: "الطيِّرَةُ شِرْكٌ" (٤)، وسيأتي الكلام على ذلك في التشبه بالجاهلية. ٢٠٤ - ومنها: حب الحياة، وإطالة الأمل . وهذه الخصلة قَلَّ أن يسلم إنسان منها، ولذلك قيل: حب الحياة طبيعة الإنسان. ولكن المؤمن يحب طول الحياة للأعمال الصالحة، والإعتاب وتدارك ما فات، والفاسق والكافر يحبان طول الحياة ويأملان لغير ذلك.

стр. 4307

وقد يتميز اليهود من حب الحياة لغير طاعة الله تعالى، والاستكثار من الخير، بل للتلذذ والتنعم بالدنيا، والتبسط في الطغيان بزيادة على سائر الناس، فلذلك قال الله تعالى: ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: ٩٦]. ٢٠٥ - ومنها: الادخار شحًا وبخلًا . وتقدم أنَّ البخل من أخلاق بني إسرائيل، وعدم الثقة بوعد الله تعالى، وترك الاتكال عليه، والتوكل على ما سواه. قال الله تعالى حكاية عن موسى ﵇: ﴿يَاقَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ (٢١) قَالُوا يَامُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ﴾ [المائدة: ٢١، ٢٢]. يعني: العماليق، وهم الكنعانيون، وكان لهم ضخامة زائدة، وطول مُفْرِط. يحكى أن الواحد منهم كان يأخذ عشرة من بني إسرائيل في يده، وكان الله تعالى قد أمر موسى ﵇ بقتالهم، ووعده أن ينصره عليهم، ويدخلهم أرض الشام، وقال: يا موسى! إني كتبتها لكم دارًا وقرارًا، فلما تعرَّفَ بنو إسرائيل ما عليه الكنعانيون من القوة والإفراط في الطول والضخامة جبنوا، ولم يثقوا بالله تعالى ووعده: ﴿قَالُوا يَامُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا

стр. 4308

مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ (٢٢) قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ﴾؛ أي: من الله تعالى، وهما يوشع، وكالب. ﴿أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ﴾؛ أمروهم بالشجاعة. ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ﴾؛ فإن الله تعالى منجز وعده، ومصدق رسله. ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾. قيل: فلما قالا ذلك همَّ بنو إسرائيل أن يرجموهما بالحجارة. ﴿قَالُوا يَامُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ (٢٤) قَالَ رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (٢٥) قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ [المائدة: ٢٢ - ٢٦]. فلبثوا أربعين سنة في ستة فراسخ، وهم ستمئة ألف مقاتل، وكانوا يسيرون كل يوم جادين، فإذا أمسوا كانوا في الموضع الذي ارتحلوا عنه، ورزقهم الله تعالى في التيه المنَّ والسلوى. والمن: الترنجبين؛ وفي الحديث الصحيح: "الكَمأَةُ مِن الْمَنِّ" (١). والسلوى: طائر يشبه السَّمَّان. وكان مع موسى ﵇ فهو يضعه في مخلاته، يضربه فيسيل

стр. 4309

منه اثنتا عشرة عيناً، يشرب كل سبط منهم من عين منها. وكانوا إذا أصبحوا أنزل الله عليهم المنَّ والسلوى من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، فيأخذ كل واحد منهم ما يكفيه ليومه وليلته، وإذا كان يوم الجمعة يأخذ كل واحد منهم ما يكفيه ليومين لأنه كان لا ينزل عليهم يوم السبت، وكان لا يجوِّز لهم أن يدخروا ما يزيد على ذلك، فادخروا فأنتنَ اللحم، وخَنِز (١). روى الإمام أحمد، والشيخان عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لَوْلا بَنُو إِسْرائِيْلَ لَمْ يَخْبُثِ الطَّعامُ، وَلَمْ يَخْنَزِ اللَّحْمُ، وَلَوْلا حَوَّاءُ لَمْ تَخُنْ أُنْثَى زَوْجَهَا" (٢). هذا ما كان من اليهود. وأمَّا النصارى فإنهم لمَّا أنزل الله تعالى المائدة عليهم كانت تنزل عليهم كل يوم، ثمَّ ترتفع بعد أن يكتفوا، وكان عليهم أن لا يخونوا ولا يدخروا، فلم يقوموا بذلك. روى الترمذي -موقوفًا وصححه، ومرفوعًا وضعفه- عن عمار ابن ياسر رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله ﷺ : "أُنْزِلَتِ الْمائِدَةُ خُبْزًا وَلَحْمًا، وَأُمِرُوا أَنْ لا يَدَّخِرُوا لِغَدٍ، وَلا يَخُونُوا، فَخانُوا وادَّخَرُوا،

стр. 4310

وَدَفَعُو الِغَل"، فَمُسِحُوا قِرَدَةَ وَخَنازِيْرَ" (١). واعلم أن الادخار لم يمنع منه في شريعتنا إلا لو كان على سبيل البخل والشح، أو على سبيل الاحتكار. ثمَّ اللائق بمقام التوكل أن لا يدخر لنفسه شيئاً؛ فإن ادخر لعياله أو ليستريح من مشقة الاحتراف في كل يوم، ويتفرغ للعبادة، فلا يناقض التوكل. نعم، ينبغي أن لا يزيد على قوت سنة؛ ففي "الصحيحين" عن عمر رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ كان يعزل نفقة أهله سنة (٢). والحاصل أن التوكل هو الثقة بالله، وتعلق القلب به لا بالأسباب من حرفة، أو تجارة، أو جراية، أو قوت مدخر، أو مال، أو منفق. فمن تعانى هذه الأسباب، ولم يعتمد بقلبه عليها لأنها قد تتعطل وتهلك، وتعرض لها الآفات، بل كلما كان اعتماده على الله تعالى وكان تعلقه بالأسباب استناناً وابتغاء فقد قام في مقام التوكل، وحافظ على السنة. وقد قال الإمام الجليل أبو محمَّد سهل بن عبد الله التستَري رحمه الله تعالى: من طعن في الحركة فقد طعن في السنة، ومن طعن في

стр. 4311

التوكل فقد طعن في الإيمان (١). وقال الله تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ [النساء: ٨١]. ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ﴾ [الفرقان: ٥٨]. ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا﴾ [المائدة: ٢٣]. وقال تعالى: ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ﴾ [الملك: ١٥]. وقال: ﴿فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ١٠]. وروى عبد الله ابن الإمام أحمد عن عقبة بن أبي زينب قال: في التوراة مكتوب: لا تتوكل على ابن آدم؛ فإن ابن آدم ليس له قوام، ولكن توكل على الحي الذي لا يموت (٢). وعن الوليد بن عمرو قال: بلغني أنه مكتوب في التوراة: ابن آدم! حركْ يدك أفتحْ لك بابًا من الرزق، وأطعني فيما أمرتك فما أعلَمَني بما يصلحك (٣). وقد بسطنا القول في التوكل، والاكتساب وآداب الكسب في "منبر التوحيد" بما لا مزيد عليه.

стр. 4312

٢٠٦ - ومن أخلاق اليهود والنصارى: الوقاحة، وعدم الحياء من الله تعالى . ويكفي من وقاحتهم قول اليهود: عزير ابن الله، وقول النصارى: المسيح ابن الله. وروى ابن أبي الدنيا في "المنامات"، وأبو نعيم في "الحلية" عن جعفر بن سليمان قال: غدوت على فرقد السبخي رحمه الله تعالى يوما، فسمعته يقول: إني رأيت في المنام كأنَّ منادياً ينادي في السماء: يا أشباه اليهود! كونوا على حياء من الله تعالى (١). ٢٠٧ - ومنها: سخط المقدور، والتدبير والاختيار لغير ما يختاره الله، وعدم الرضا بالقضاء، والجزع، وترك الصبر على البلاء . وقد ورد في وصف أمة محمَّد ﷺ في التوراة بأنهم الحمَّادون، يحمدون الله على كل حال (٢). فأما اليهود فلما كان رزقهم في التيه يأتيهم بغير مشقة ولا تعب، غير أنه نوعان من المآكل ليس غير، وهما: المنُّ والسلوى، اختاروا ما فيه التعب والمشقة تفكهاً، واختياراً لأنفسهم، وملالة من ملازمة لون واحد، وسَخَطاً لذلك؛ كما قال الله تعالى مخاطباً لبني إسرائيل:

стр. 4313

﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ﴾ [البقرة: ٦١] الآية. والأخبار عنهم كثيرة، وتأمل ما في قولهم: ﴿فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ﴾ من حيث لم يقولوا: ادع لنا ربنا. وأما النصارى فإن المائدة لما نزلت عليهم كان يأكل منها الأغنياء والفقراء، فلما تم أربعون يومًا أوحى الله تعالى إلى عيسى ﵇: يا عيسى! اجعل مائدتي هذه للفقراء دون الأغنياء، فتمارى الأغنياء في ذلك، وعادَوا الفقراء، وشككوا الناس، فقال الله تعالى: يا عيسى! إني آخذ شرطي؛ يعني: قوله: ﴿إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ [المائدة: ١١٥]، فأصبح منهم ثلاثة وثلاثون خنزيرًا. رواه الحكيم الترمذي في "حديث المائدة" عن سلمان الفارسي رضي الله تعالى عنه (١). * تنبِيهاتٌ: الأَوَّلُ: تأمل فإن مزاحمة الأغنياء للفقراء في أرزاقهم ومرتفقاتهم ظلم بيِّن، وقد يكون سبب نزول العقوبة، ومن ثمَّ قال النبي ﷺ : "عِنْدَ اتِّخاذِ الأَغْنِياءِ الدَّجاجَ هَلاكُ القُرَى". رواه ابن ماجه، وابن عساكر من

стр. 4314

حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه (١). والمراد اتخاذ الأغنياء الدجاج للاستنتاج؛ فإن ذلك كسب يليق بالفقراء، ولا يليق بالأغنياء، فدخولهم فيه مزاحمة للفقراء، فتقع العقوبة بالقرية التي يكون فيها ذلك فيهلكون. التَّنْبِيْهُ الثَّانِي: الصبر عبادة قديمة، وهو خُلُق أولي العزم من المرسلين، بل وسائر النبيين عليهم الصلاة والسلام أجمعين كما تقدم في محله. وأول من تعبد بالصبر آدم ﵇؛ أُمر بالصبر عن أكل الشجرة. وقال يعقوب ﵇: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ [يوسف: ١٨]. ووصف الله تعالى أيوب ﵇ بقوله: ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا﴾ [ص: ٤٤]. وقال تعالى: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: ٣٥]. غير أن الله تعالى خصَّ هذه الأمة بالاسترجاع عند المصيبة زيادة على ما شاركوا فيه الأمم من الصبر، فقال تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (١٥٥) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (١٥٦) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة: ١٥٥ - ١٥٧]. وقد قال عمر رضي الله تعالى عنه في هذه الآية: نعم العدلان، والعلاوة (٢).

стр. 4315

وروى عبد الرزاق، وابن جرير عن سعيد بن جبير رحمه الله تعالى قال: لم يُعطَ أحد الاسترجاع غير هذه الأمة؛ ألا ترون إلى قول يعقوب ﵇: ﴿يَاأَسَفَى عَلَى يُوسُفَ﴾ [يوسف: ٨٤] (١). بل روى الطبراني في "الكبير"، وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله ﷺ : "أُعْطِيَتْ أُمَّتِي شَيْئاً لَمْ يُعْطَهُ أَحَدٌ مِنَ الأُمَمِ؛ أَنْ يَقُوْلُوا عِنْدَ الْمُصِيْبَةِ: إِنَّا للهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُوْنَ" (٢). التَّنْبِيْهُ الثَّالِثُ: الصبر لم يكن معدومًا في بني إسرائيل ومن بعدهم، بل كان موجودًا فيهم، إلا أن الصابرين منهم قليل. فالصبر في هذه الأمة كثير، بل شملهم وصف الصبر من حيث إنهم قاموا بحق "شهر الصبر" (٣) الذي هو رمضان، كما سمي به في الحديث من الصيام الذي هو "نصف الصبر" (٤) كما في الحديث أيضاً. واليهود لم يقوموا بحقه حين كلفوه، بل صاموا يومًا واحداً ثم تركوه. والنصارى وإن صاموه إلا أنهم لم يصبروا له كيف وافق الزمان،

стр. 4316

بل نقلوه إلى زمن الربيع. ثمَّ إن الصبر كثير الفوائد في الدنيا والآخرة. ومن أعظم فوائده الدنيوية أن الصابر يسود، ويرأس بالصبر كما قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَلَا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَائِهِ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ (٢٣) وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة: ٢٣، ٢٤]. والضمير في قوله: ﴿صَبَرُوا﴾ عائد على الأئمة، لا على كل بني إسرائيل. قال قتادة في قوله: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً﴾: رؤساء في الخير سوى الأنبياء. ﴿يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا﴾ قال: على ترك الدنيا. رواه ابن أبي حاتم (١). وروى الحاكم عن الإمام مالك بن أنس رحمه الله تعالى أنه تلا: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا﴾ قال حدثني الزهري: أن عطاء بن يزيد، حدثه عن أبي هريرة ﵁: أنه سمع النبي ﷺ يقول: "ما رُزِقَ عَبْدٌ خَيْرًا لَهُ وَلَا أَوْسَعَ مِنَ الصَّبْرِ" (٢).

стр. 4317

٢٠٨ - ومن أخلاق اليهود والنصارى: كفران النعم، وترك الشكر . قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (٥) وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنْجَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (٦) وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ [إبراهيم: ٥ - ٧]. روى النسائيُّ، والمفسرون، والبيهقيُّ في "الشعب" عن أُبيّ بن كعب رضي الله تعالى عنه، عن النبي ﷺ في قوله تعالى: ﴿وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ﴾ [إبراهيم: ٥]؛ قال: "بِنِعَمِ اللهِ وَآلائِهِ" (١). وقال الله تعالى: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ: ١٣]. فيه تعريض لمن كان كافرًا لنعمه من بني إسرائيل وغيرهم. وقال تعالى في قصة المائدة: ﴿قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ [المائدة: ١١٥].

стр. 4318

فإن الكفر هنا أعم من كفر الشرك، بل هو كفر النعمة الشامل له ولغيره. وحاصل معنى الشكر يرجع إلى الطاعة، ومعنى الكفر أن يرجع إلى المعصية. ومعاصي اليهود والنصارى مقررة. وروى ابن الأنباري في كتاب "الأضداد" عن سعيد بن جبير قال: نزلت المائدة -يعني: على أصحاب عيسى ﵇ وهي طعام يفور، فكانوا يأكلون منها قعودًا، فأحدثوا -يعني: معصية- فرفعت شيئًا، فكانوا يأكلون على الركب، ثمَّ أحدثوا فرفعت شيئاً، فأكلوا قيامًا، ثمَّ أحدثوا فرفعت ألبتة. وعن وهب بن منبه قال: كانت مائدة عيسى ﵇ يجلس عليها أربعة آلاف، فقالوا لقوم من وضعاء قوم: إن هؤلاء يلطخون ثيابنا علينا، فلو بنينا لها دكاناً، فجعلت الضعفاء لا تصل إلى شيء، فلما خالفوا أمر الله رفعها عنهم (١). وروى الإمام أحمد عنه قال: بلغني أن نبي الله موسى ﵇ مرَّ برجل يدعو ويتضرع، فقال: يا رب! ارحمه؛ فإني رحمته، فأوحى الله تعالى إليه: لو دعانا حتى ينقطع قواه فإني لا أستجيب له حتى ينظر في حقي عليه (٢).

стр. 4319

وروى ابن أبي الدنيا في كتاب "المنامات"، وأبو نعيم عن جعفر ابن سليمان رحمه الله تعالى قال: غدوت على فَرْقد رحمه الله تعالى، فسمعته يقول: إني رأيت الليلة في المنام مناديًا ينادي من السماء: يا أصحاب القصور! ويا أشباه اليهود! إن أعطيتم لم تشكروا، وإن ابتليتم لم تصبروا، ليس فيكم خير بعد العذاب (١). * تنبِيْهٌ: من كفران النعم إضاعتها، والإساءة في صحبتها. وقد روى الحكيم الترمذي، والبيهقي في "الشعب" وضعفه، والأصبهاني عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: دخل علي النبي ﷺ فرأى كسرة ملقاة، فقال: "يا عائِشَةُ! أَحْسِنِي جِوارَ نِعَمِ الله؛ فَإِنَّها قَلَّما نَفَرَتْ عَنْ أَهْلِ بَيْتٍ فَكادَتْ أَنْ تَرْجِعَ إِلَيْهِمْ" (٢). ومعنى نفرة النعم عن القوم أن يكفروها، فتزول عنهم عقوبةً للكفران. وروى ابن المبارك في كتاب "البر والصلة" عن [يحيى بن] جابر الطائي رحمه الله تعالى قال: إن امرأة من بني إسرائيل أنجت صبيًا لها

стр. 4320

بكسرة من خبز، وجعلتها في حجر، فسلط الله عليها الجوع حتى أكلتها (١). وعن الحسن قال: كان أهل قرية أوسع الله عليهم الرزق حتى جعلوا يستنجون بالخبز، فبعث الله عليهم الجوع حتى جعلوا يأكلون ما يقذرون (٢). ولا يجوز الاستنجاء بالخبز وغيره من مطعومات بني آدم، وكذلك العظام لأنها مطعومات الجن. ٢٠٩ - ومن أخلاق اليهود والنصارى: الظلم بجميع أنواعه، والعدوان، وولاية الظالمين والفاسقين والكافرين . وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَاءَكُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ﴾ [البقرة: ٩٢]. وقال تعالى: ﴿وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ﴾ [البقرة: ٥١]. وجعل الواو في الآيتين للاستئناف، أو للعطف أولى من جعلها للحال. وقال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ [البقرة: ٦١]. وقال تعالى ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ

стр. 4321

وَقَالَ الْمَسِيحُ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ [المائدة: ٧٢]. وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [المائدة: ٥١]. أي: الظالمي أنفسهم بموالاة الكفار والفجار. وفي الآية إشارة إلى أن تولي بعض الناس لبعضهم، واتباعهم ينبغي ألا يكون إلا للهداية إلى الله تعالى، فقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾، فكيف يهدي بهم؟ فإذا لم يكن لهم هداية فلا ينبغي للعاقل أن يجعل بينه وبينهم ولاية؛ فإن الأعمى لا يكون دليل غيره، بل قد يوقعه إذا اتبعه في الهلكات كما قال تعالى: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ﴾ [هود: ١١٣]. الركون هو الميل اليسير؛ أي: لا تميلوا إليهم أدنى ميل كأن تتزيوا بزيهم، أو تذكروهم بتعظيم، أو تلينوا الخطاب معهم لغير ضرورة كاتقاء الشر؛ فتمسكم النار بركونكم إليهم. قال القاضي ناصر الدين البيضاوي في الآية: إذا كان الركون إلى من وجد منه ما يسمى ظلمًا كذلك، فما ظنك بالركون إلى الظالمين الموسومين بالظلم، ثم بالميل إليهم كل الميل، ثم بالظلم نفسه،

стр. 4322

والانهماك فيه، ولعل الآية أبلغ ما يتصور في النهي عن الظلم والتهديد عليه، انتهى (١). قلت: وتأمل في الوعيد المذكور في الآية على الميل إلى من له ظلم ما؛ فإنه توعده بمس النار ناصاً على المس الذي به يتحقق ألم النار، وبأنه لا ولي له ينصره ولو بالشفاعة، وبأنه على تقدير أن يكون له ولي، لا تؤثر ولايته في نصرته، وهذا وجه الأبلغية التي أشار إليها القاضي. وروى عبد الله ابن الإمام أحمد في "زوائد الزهد" عن زيد بن رفيع قال: نظر داود ﵇ إلى سجل من نار يهوي بين السماء والأرض؛ قال: يا رب! ما هذا؟ قال: هذه لعنتي أدخلها بيت كل ظَلَّام (٢). والسجل: الدلو الملأى ماء، وقد تقال على الملأى نارًا كما في الأثر؛ إمَّا على وجه المجاز تهكماً واستهزاء بمن توعدوا بها، أو على وجه الاشتراك. ومثلها: الذَّنوب. وفي كتاب الله تعالى: ﴿فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ فَلَا يَسْتَعْجِلُونِ﴾ [الذاريات: ٥٩].

стр. 4323

والذنوب هي: الدلو العظيم، وقيل: لا يقال ذَنوب إلا إذا كانت ملأى ماء. وقوله تعالى: ﴿مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ﴾؛ أي: أمثالهم من الظلمة، أو الذين يصحبونهم على ظلمهم، ويوالونهم. ولقد قدمنا ذم الظلم في التشبه بنمرود، وفرعون، وغيرهما. بل الظلم مما تواردت عليه الأمم وكان سبب هلاكهم كما قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ (١٣) ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ [يونس: ١٣ - ١٤]. نعم، لا يكون الظلم سببًا للاستئصال إلا إذا عمَّ، ولم يكن في القوم منصف بدليل قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾ [هود: ١١٧]. وروى ابن أبي حاتم، والخرائطي في "مساوئ الأخلاق" عن جرير ابن عبد الله رضي الله تعالى عنه -موقوفًا عليه- والطبراني، وابن مردويه، وغيرهما عنه -مرفوعًا- قال: سمعت رسول الله ﷺ يُسأل عن تفسير هذه الآية: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾ [هود: ١١٧]، فقال رسول الله ﷺ : "وَأَهْلُها يُنْصِفُ بَعْضُهُمْ بَعْضاً" (١).

стр. 4324

٢١٠ - ومن أخلاق اليهود والنصارى: الرياء . وقد تقدم أنه محرم في سائر الملل. قال الله تعالى: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ إلى قوله: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة: ١ - ٥]. نقل الثعلبي، وغيره عن ابن عباس في هذه الآية قال: وما أمروا في التوراة والإنجيل إلا بإخلاص العبادة لله موحدين له (١). ٢١١ - ومنها: عدم الاستقامة على الأمر من الدين، والروغان عنه، والطغيان في النعمة . روى أبو القاسم الأصبهاني في "الترغيب" من طريق ابن جرس عن الضحاك، عن ابن عباس قال: جاء جبريل إلى النبي ﷺ فقال: يا محمد! أتيتك بهدية من عند ربك لك ولأمتك؛ تقر بها عينك. قال: "ما هِيَ؟ إِنَّكَ لتَسُرُّني فِيْهِمْ كَثِيْرًا". قال: قالت اليهود: ربنا الله، ثمَّ لم يستقيموا حتى قالوا: يد الله

стр. 4325

مغلولة، و: عزير ابن الله. وقالت النصارى: ربنا الله، ثم لم يستقيموا حتى قالوا: عيسى ابن الله. وقالت أمتك: ﴿رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ عليه، فلم يشوبوه بغيره، ولم يخلطوا به سواه؛ ﴿تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا﴾ مما تقدمون عليه، ﴿وَلَا تَحْزَنُوا﴾ لما تخلفونه من دين أو عيال؛ فالله خليفتكم فيهم، ﴿وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [فصلت: ٣٠] بقول: لا إله إلا الله. قال النبي ﷺ : "أَقْرَرْتَ عَينْي يَا جِبْرِيْلُ". قال: أقر الله عينك يا محمد. وحقيقة الاستقامة: قول الحق والعمل به، والتنزه عن الباطل والعمل به، والدوام على ذلك إلى الموت. قال أنس رضي الله تعالى عنه: قرأ علينا رسول الله ﷺ هذه الآية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ [فصلت: ٣٠]؛ قال: "قَدْ قَرَأَها ناسٌ مِنَ النَّاسِ، ثُمَّ كَفَرَ أَكْثَرُهُمْ، فَمَنْ قالَها حَتَّى يَمُوْتَ فَقَدِ اسْتَقامَ عَلَيْها". رواه الترمذي، والنسائي، وآخرون (١). والمراد: من قالها قائمًا بحقوقها غير منحرف عن سبيلها؛ ألا

стр. 4326

ترى إلى قوله تعالى: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [هود: ١١٢]؟ قال قتادة رضي الله تعالى عنه: أمر الله تعالى نبيه ﷺ أن يستقيم على أمره، ولا يطغى في نعمته. رواه ابن أبي حاتم (١). وروى الإمام أحمد، والبخاري في "تاريخه"، ومسلم، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه عن سفيان الثقفي رضي الله تعالى عنه: أن رجلًا قال: يا رسول الله! مرني بأمر في الإسلام لا أسأل عنه أحدًا بعدك. قال: "قُلْ آمَنْتُ بِاللهِ، ثُمَّ اسْتَقِمْ". قلت: فما أتقي؟ قال: "فَأَوْمَأَ إلَى لِسانِهِ". وفي رواية: إن سفيان هو السائل (٢). وروى الأصبهاني في "الترغيب" عن يحيى بن معاذ الرازي رحمه الله تعالى: أنه سئل عن هذه الآية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ [فصلت: ٣٠] فقال: استقاموا عليه فعلًا كما أقرُّوا به قولًا.

стр. 4327

ثم قال يحيى: كونوا عباد الله بأفعالكم كما زعمتم أنكم عبيد الله بأقوالكم (١). ويؤيد قولَ يحيى بن معاذ قولُ عمر رضي الله تعالى عنه في الآية: ثم استقاموا بطاعته. وفي رواية: ولم يروغوا -أي: عنها- روغان الثعالب. رواه الإمامان ابن المبارك، وأحمد؛ كلاهما في "الزهد"، وغيرهما (٢). وإنما اشترط في الاستقامة المذكورة في الآية الدوام عليها إلى الموت؛ لأن الإنسان قد يستقيم البُرهة من الزمان على الأمر، ثم يحول عنه كما في الحديث: "إِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ حَتَّى لا يَبْقَى بَيْنَهُ وَبَيْنَها إِلَّا ذِرَاعٌ أَوْ بَاعٌ، فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ فَيَدْخُلُها" (٣). وهذه الاستقامة هي المعنية في قوله تعالى: ﴿وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا (١٦) لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا﴾ [الجن: ١٦ - ١٧]؛ أي: لا راحة فيه. قال عمر ﵁ في قوله تعالى: ﴿لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾: حيث ما كان الماء

стр. 4328

كان المال، وحيث كان المال كانت الفتنة. رواه عبد بن حميد (١). وروى هو عن الحسن في الآية قال: يقول: لو استقاموا على طاعة الله وما أمروا به لأكثر الله لهم من الأموال حتى يفتتنوا بها. ثم يقول الحسن: والله إن كان أصحاب محمد ﷺ لكذلك كانوا سامعين له، مطيعين لله، ففتحت عليهم كنوز كسرى وقيصر، ففتنوا بها، فوثبوا بإمامهم فقتلوه (٢). وحقيقة الفتنة في الآية الابتلاء، كما فسرها به ابن عباس فيما رواه ابن جرير (٣). وحاصله أن العبد قد يستقيم على الطاعة فيوسَّع عليه ابتلاءً وامتحاناً، فإن بقي على استقامته إلى الموت ولم تبطره النعمة والسعة فقد سعد، ولكن إرغاد العيش هو الصفاء الزلال الذي لا يستقيم عليه إلا أقدام الرجال الأبطال؛ فإن الإنسان مجبول على الطغيان بالنعمة إلا من وقى الله وأعان. ألا ترى إلى قول الله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾ [العلق: ٦ - ٧]؟

стр. 4329

ومن هنا قال ﷺ : "شَيَّبَتْنِي هُوْدٌ وَأَخَواتُها" (١) لاشتمالها على قوله تعالى: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١١٢) وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾ [هود: ١١٢ - ١١٣]. كما روى البيهقي في "الشعب" عن أبي علي السَّري قال: رأيت النبي ﷺ في المنام، فقلت: يا رسول الله! رُوي عنك أنك قلت: "شَيَّبَتْنِي هُودٌ". قال: "نَعم". قلت: ما الذي شيبك منه؛ قصص الأنبياء وهلاك الأمم؟ قال: "لا، وَلَكِنْ قَوْلُهُ: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾ [هود: ١١٢] " (٢). وروى عبد الرزاق، وابن جرير، وابن المنذر عن أبي قلابة رضي الله تعالى عنه قال: أراد ناس من أصحاب محمد ﷺ أن يرفضوا الدنيا، ويتركوا النساء، ويترهبوا، فقام رسول الله ﷺ ، فغلظ فيهم المقالة، ثم قال: "إِنَّما هَلَكَ مَنْ قَبْلَكُمْ بِالتَّشْدِيْدِ، شَدَّدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ فَشَدَّدَ اللهُ عَلَيْهِمْ، فَأُولَئِكَ بَقاياهُمْ في الدِّيارِ والصَّوامِعِ، اعْبُدُوا الله وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً، وَحُجُّوا، واعْتَمِرُوا، واسْتَقِيْمُوا يُسْتَقَمْ لَكُمْ". قال: ونزلت فيهم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٨٧] (٣).

стр. 4330

٢١٢ - ومن أخلاق اليهود والنصارى: إقرار المنكر، والسكوت عن الحق، وترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر . قال الله تعالى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (٧٨) كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المائدة: ٧٨ - ٧٩]. قال أبو مالك الغفاري: لعنوا على لسان داود فجعلوا قردة، وعلى لسان عيسى فجعلوا خنازير. رواه أبو عبيد القاسم بن سلام، والمفسرون (١). وروى عبد بن حميد عن قتادة (٢)، وابن جرير عن مجاهد نحوه (٣). وروى ابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: لعنوا بكل لسان؛ لعنوا على عهد موسى في التوراة، ولعنوا على عهد عيسى في الإنجيل، ولعنوا على عهد داود في الزبور، ولعنوا على عهد محمد ﷺ في القرآن (٤). وقال الله تعالى معرضاً بسائر الأمم أنهم كانوا لا يأمرون بالمعروف ولا ينهون عن المنكر، وأن هذه الأمة إنما فضلهم بالأمر والنهي:

стр. 4331

﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ [آل عمران: ١١٠]. وروى الإمام أحمد، والبيهقيُّ في "الزهد" عن درة بنت أبي لهب رضي الله تعالى عنها قالت: قلت: يا رسول الله! من خير الناس؟ قال: "أَتْقَاهُمْ لِلرَّبِّ، وَأَوْصَلُهُمْ لِلرَّحِمِ، وآمَرُهُمْ بِالْمَعْرُوْفِ، وَأَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ" (١). وروى الإمام أحمد، وأبو داود، والترمذي وحسنه، وابن ماجه، والمفسرون عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول اللهِ ﷺ : "إِنَّ أَوَّلَ ما دَخَلَ النَّقْصُ عَلَى بَنِي إِسْرائِيْلَ أَنَّهُ كَانَ الرَّجُلُ يَلْقَى الرَّجُلَ فَيقُوْلُ: يا هَذا! اتَّقِ الله وَدَع ما تَصْنعُ؛ فَإِنَّهُ لا يَحِلُّ لَكَ، ثُمَّ يَلْقاهُ مِنَ الغَدِ وَهُوَ عَلَى حالِهِ فَلا يَمْنَعُهُ ذَلِكَ أَنْ يَكُوْنَ أكِيْلَهُ وَشَرِيبهُ وَقَعِيْدَهُ، فَلَمَّا فَعَلُوا ذَلِكَ ضَرَبَ اللهُ قُلُوْبَ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ، ثُم قَالَ: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ إلى قوله: ﴿فَاسِقُونَ﴾ [المائدة: ٧٨ - ٨١] ". ثمَّ قال: "كَلَّا واللهِ لتأْمُرُنَّ بِالْمَعْرُوْفِ، وَلَتنْهَوُنَّ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَلتأْخُذنَّ عَلَى يَدِ الظَّالِمِ، وَلتأْطُرُنَّهُ عَلَى الْحَقِّ أَطْرًا، أَوْ لَيَضْرِبُ اللهُ بِقُلُوبِ بَعْضِكُمْ عَلَى بَعْضٍ، وَلَيَلْعَننكُمْ كَما لَعَنَهُمْ" (٢).

стр. 4332

وقوله: ولتأطرنه على الحق أطرًا؛ أي: قهرًا، أو إلزامًا باتباع الحق. وروى الأصبهاني عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله ﷺ : "أَيُّها النَّاسُ! مُرُوا بِالْمَعْرُوفِ، وَانْهَوا عَنِ الْمُنْكَرِ قَبْلَ أَنْ تَدْعُوا اللهَ فَلا يَسْتَجِيْبَ لَكُمْ، وَقَبْلَ أَنْ تَسْتَغْفِرُوا الله فَلا يَغْفِرَ لَكُمْ؛ إِنَّ الأَمْرَ بِالْمَعْرُوْفِ لا يَدْفَعُ رِزْقًا وَلا يُقَرِّبُ أَجَلًا، وَإِنَّ الأَحْبَارَ والرُّهْبانَ مِنَ النَّصارَى لَمَّا تَرَكُوا الأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ والنَّهْيَ عَنِ الْمُنْكَرِ لَعَنَهُمُ اللهُ عَلَى لِسانِ أَنْبِيائِهِمْ، ثُمَّ عُمُّوا بِالبَلاءِ" (١). وإنما يسقط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عند خوف الضرر والفتنة، وهل يسقط بعلمه أن لا ينفذ ولا ينفع؟ قولان، فأظهرهما الثاني. ومتى سقط طلبه أمنت اللعنة عند تركه. ٢١٣ - ومنها: الاسترسال في المعاصي، والانهماك فيها، والإصرار عليها . قال الله تعالى: ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ [البقرة: ٦١].

стр. 4333

وذلك أن بني إسرائيل كان الواحد منهم يرتكب المعصية بينه وبين الله، فكان يستخف بها، ويستصغرها، ويمضي عليها حتى تصير له خُلُقًا، ثم يرتكب الأخرى كذلك حتى تهون عليه المعاصي، فينتقل إلى ظلم الناس واعتدائه عليهم، ويسترسل فيه حتى يفعل العظائم فيقتل، ويكفر، ويطغى ويفجُر، فلمَّا تواردوا على المعاصي استجر بهم إلى قتل الأنبياء، والكفر بالآيات، فبين الله تعالى أنه غضب عليهم وأذلهم بسبب كفرهم وقتلهم الأنبياء، وأنَّ سبب كفرهم وقتلهم الأنبياء الاسترسال في المعاصي والعدوان حتى صار العدوان لهم خُلُقًا، فقتلوا الأنبياء، وكفروا بالآيات. وروى ابن أبي الدنيا في "العقوبات" عن حذيفة ﵁ قال: ما استخفَّ قوم بحق الله إلا بعث الله عليهم من يستخف بهم، ولا أهان قوم أمر الله إلا أهانهم الله، ولا ارتكب قوم محارم الله إلا ركبهم الذل. ٢١٤ - ومنها: أنهم كانوا مع انهماكهم في المعاصي يتمنون على الله المغفرة . وهذا غاية الغرور، وهذا يغلب في هذه الأمة على أكثرهم، وربما زَّينه لهم علماء السوء. قال الله تعالى في بني إسرائيل: ﴿وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَمًا مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (١٦٨) فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى

стр. 4334

﴿وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لَا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (١٦٩) وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ﴾ [الأعراف: ١٦٨ - ١٧٠]. وروى ابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ﴾؛ قال: النصارى (١). والظاهر أن الخلف أعم من النصارى، ومنهم ومن هذه الأمة. وهم -كما رواه أبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه -: أقوام يقبلون على الدنيا فيأكلونها، ويتبعون رُخَص القرآن، ويقولون: سيغفر لنا. لا يعرض لهم شيء من أمر الدنيا إلا أخذوه، ويقولون: سيغفر لنا (٢). وروى سعيد بن منصور، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي عن سعيد بن جبير رحمه الله تعالى في الآية قال: كانوا يعملون بالذنوب، ويقولون: سيغفر لنا (٣).

стр. 4335

وقال السدي: كانت بنو إسرائيل لا يستقضون قاضياً إلا ارتشى في الحكم، فإذا قيل له يقول: سيغفر لي. رواه أبو الشيخ (١). وما أشبه هذا بحال قضاة هذا الزمان وولاته، وأعجب منه من يحسن لهم حالهم، ويطمعهم أن يبلغوا بمجرد الاستغفار آمالهم. ولقد قال عطاء رحمه الله تعالى في الآية: يأخذون ما عرض لهم من الدنيا، ويقولون: نستغفر الله ونتوب إليه. أخرجه ابن أبي حاتم (٢). أي: يقولون ذلك من غير إقلاع، بل مع الإصرار. وقال أبو الجلد رحمه الله تعالى: يأتي على الناس زمان تخرب صدورهم من القرآن، ويتهافت ويبلى كما يبلى الثوب، لا يجدون له حلاوة ولا لَذاذة، إن قصروا عما أمروا قالوا: إن الله غفور رحيم، وإن عملوا بما نهوا عنه قالوا: سيغفر لنا إنَّا لا نشرك بالله شيئًا، أمرهم كله طمع ليس فيه خوف، لبسوا جلود الضأن على قلوب الذئاب، أفضلهم المُدْهن. رواه أبو الشيخ (٣). ولنختم هذا الباب بلطائف من أخبار أهل الكتاب: روى ابن ماجه عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "حَدِّثُوا عَنْ بَنِي إِسْرائِيْلَ وَلا حَرَجَ" (٤).

стр. 4336

أي: حدِّثوا عنهم ما علمتم إن وقع فيه. ولا حرج؛ أي: وإن كان فيما تحدثون عنهم العجائب والأمور المستبعدة. وليس معناه إجرارَ التحديث بما لم يرد عنهم، أو بكل ما ذكر عنهم. وروى الإمام أحمد، والبخاري، والترمذي عن عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنهما، عن النبي ﷺ : "بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً، وَحدِّثُوا عَنْ بَنِي إِسْرائِيْلَ وَلا حَرَجَ، وَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ فَلْيتَبَوَأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ" (١). وروى الإمام مالك، والبخاري، والترمذي عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: أن النبي ﷺ قال: "إِنما أَجَلُكُمْ فِيْما خَلا مِنَ الأُمَمِ كَمَا بَيْنَ صَلاةِ العَصْرِ إلَى مَغارِبِ الشَّمْسِ، وَإِنَّما مَثَلُكُم وَمَثَلُ اليَهُودِ والنَّصارَى كَمَثَلِ رَجُلٍ اسْتَأجَرَ أُجَرَاءَ فَقَالَ: مَنْ يَعْمَلُ لِي مِنْ غَدْوَةٍ إلَى نِصْفِ النَّهارِ عَلَى قِيْراطِ قِيْراطٍ، فَعَمِلَتِ اليَهُودُ، ثُمَّ قَالَ: مَنْ يَعْمَلُ لِي مِنْ نِصْفِ النَّهارِ إلَى صَلاةِ العَصْرِ عَلَى قِيْراطِ قِيْراطٍ، فَعَمِلَتِ النَّصارَى، ثُمَّ قَالَ: مَنْ يَعْمَلُ مِنَ العَصْرِ إلَى أَنْ تَغِيْبَ الشَّمْسُ عَلَى قِيْراطَيْنِ قِيْراطَيْنِ، فَأَنتُمْ هُمْ، فَغَضِبَ اليَهُودُ والنَّصارَى؛ قالُوا: مَا لَنا أَكثَرَ عَمَلاً وَأقلَّ عَطَاءً؟ قَالَ: هَلْ ظَلَمَكُمْ مِنْ حَقِّكُمْ شَيْئاً؟ قالُوا: لا، قَالَ:

стр. 4337

فَذَلِكَ فَضْلِي أُوْتيْهِ مَنْ أَشاءُ" (١). وروى البخاري عن أبي موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه، عن النبي ﷺ قال: "مَثَلُ الْمُسْلِمِيْنَ واليَهُودِ والنَّصارَى كَمَثَلِ رَجُلٍ اسْتَأْجَرَ قَوْمًا يَعْمَلُونَ لَهُ عَمَلًا يَوْماً إلَى اللَّيْلِ عَلَى أَجْرٍ مَعْلُوْمٍ، فَعَمِلُوا لَهُ إلَى نِصْفِ النَّهارِ، فَقَالُوا: لا حَاجَةَ لَنا في أَجْرِكَ الَّذِي شَرَطْتَ لَنا، وَما عَمِلْنا بَاطِلٌ، فَقَالَ لَهُمْ: لا تَفْعَلُوا، أَكْمِلُوا بَقِيَّةَ عَمَلِكُمْ وَخُذُوا أَجْرَكُمْ كَامِلًا، فَأَبَوْا وَتَرَكُوا، واسْتَأْجَرَ آخَرِيْنَ بَعْدَهُمْ فَقَالَ: أَكْمِلُوا بَقِيَّةَ يَوْمِكُمْ هَذَا وَلَكُمُ الَّذِي شَرَطْتُ لَهُمْ مِنَ الأَجْرِ، فَعَمِلُوا حَتَّى إِذا كانَ حِيْنُ صَلاةِ العَصْرِ قَالُوا: كُلُّ ما عَمِلْنا بَاطِلٌ، وَلَكَ الأَجْرُ الَّذِي جَعَلْتَ لَنَا، فَقَالَ: أَكْمِلُوا بَقِيَّةَ عَمَلِكُمْ؛ فَإِنَّما بَقِيَ مِنَ النَّهارِ شَيْءٌ يَسِيْرٌ، فَأَبَوْا، واسْتَأْجَرَ قَوْمًا أَنْ يَعْمَلُوا بَقِيَّةَ يَوْمِهِمْ حَتَّى غابَت الشَّمْسُ، فاسْتكمَلُوا أَجْرَ الفَرِيْقَيْنِ كِلَيْهِما، فَذَلِكَ مَثَلُهُمْ وَمَثَلُ ما قَبِلُوا مِنْ هَذَا النُّوْرِ" (٢). قلت: حديث ابن عمر السابق فيه إشارة إلى ما أكرم الله به هذه الأمة من تقليل أعمارهم، وتقريب مدة التكليف عليهم مع مضاعفة أجورهم على أجور من تقدمهم. وحديث أبي موسى هذا فيه إشارة إلى استكمال هذه الأمة لما كلفهم الله تعالى به من طاعته، ووفائهم بما أخذ عليهم من العهود مما

стр. 4338

قصر فيه أهل الكتابين كالجمعة، وصوم رمضان، وخصال الفطرة، وإخلاص الدين؛ فوفَّاهم الله ثواب أعمالهم الذي فات أولئك. ومن ثم: "إِذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ دَفَعَ اللهُ تَعالَى إِلَى كُل مُسْلِمٍ يَهُودِيًّا أَوْ نَصْرانِيًّا، فَيَقُولُ لَهُ: هَذا فِداؤُكَ مِنَ النَّارِ". رواه مسلم من حديث أبي موسى الأشعري ﵁ (١). وروى مسلم من حديثه أيضًا: أن النبي ﷺ قال: "يَجِيْءُ يَوْمَ القِيامَةِ نَاسٌ مِنَ الْمُسْلِمِيْنَ بِذُنُوْبٍ أَمْثالِ الْجِبالِ؛ يَغْفِرُها اللهُ لَهُمْ وَيَضَعُها عَلَى اليَهُوْدِ" (٢). وروى الشيخان عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: أَنَّه سمع رسول الله ﷺ يقول: "إِنَّ ثَلاثَةً في بِنَي إِسْرائِيْلَ؛ أَبْرَصَ، وَأَقْرَعَ، وَأَعْمَى بَدا للهِ تَعالَى أَنْ يَبْتَلِيَهُمْ، فَبَعَثَ اللهُ إِلَيْهِمْ مَلَكاً، فَأَتَى الأَبْرَصَ فَقَالَ: أَيُّ شَيْءٍ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: لَوْنٌ حَسَنٌ وَجِلْدٌ حَسَنٌ؛ قَدْ قَذِرَنِي النُّاسُ. قَالَ: فَمَسَحَهُ، فَذَهَبَ عَنْهُ، فأُعْطِيَ لَوْناً حَسَناً وَجِلْدًا حَسَنًا. فَقالَ: أيُّ الْمَالِ أَحَبَّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: الإِبِلُ، أَوْ قَالَ: البَقَرُ؛ هُوَ شَكَّ في ذَلِكَ أَنَّ الأَبْرَصَ والأَقْرَعَ قَالَ أَحَدُهُما: الإِبِلُ، وَقَالَ أَحَدُهُما: البَقَرُ.

стр. 4339

فَأُعْطِيَ نَاقَةً عشَراءَ، فَقالَ: يُبارَكُ لَكَ فِيْها. وَأتى الأَقْرَعَ فَقالَ: أَيُّ شَيْءٍ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: شَعْرٌ حَسَنٌ، وَيَذْهَبَ عَنِّي هَذا؛ قَدْ قَذِرَني النَّاسُ. قَالَ: فَمَسَحَهُ، فَذَهَبَ، وَأُعْطِيَ شَعْرًا حَسَنًا. قَالَ: فَأَيُّ الْمالِ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: البَقَرُ. فَأَعْطاهُ بَقَرَةً حَامِلًا، قَالَ: يُبارَكُ لَكَ فِيْها. وَأتَى الأَعْمَى فَقالَ: أَيُّ شَيْءٍ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: يَرُدُّ اللهُ عَلَيَّ بَصَرِيْ، فأُبْصِرُ بِهِ النَّاسَ. قَالَ: فَمَسَحَهُ، فَرَدَّ اللهُ عَلَيْهِ بَصَرَهُ. قَالَ: فَأَيُّ الْمالِ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: الغَنَمُ. فأَعْطاهُ شاةً والِدًا. فَأُنْتِجَ هَذانِ، وَوَلَّدَ هَذا، فَكانَ لِهَذا وادٍ مِنَ الإِبِلِ، وَلِهَذا وادٍ مِنَ البَقَرِ، وَلِهَذا وادٍ مِنْ غَنَمٍ. ثُمَّ إنَّهُ أَتَى الأَبْرَصَ في صُوْرَتِهِ وَهَيْئَتِهِ، فقالَ: رَجُلٌ مِسْكِيْنٌ تَقَطَّعَتْ بِهِ الْحِبالُ في سَفَرِهِ، فَلا إِبْلاغَ اليَومَ إِلَّا بِاللهِ ثُمَّ بِكَ، أَسْألكَ بِالَّذِيْ أَعْطاكَ اللَّوْنَ الْحَسَنَ والْجِلْدَ الْحَسَنَ بَعِيْرًا أتبَلَّغُ عَلَيْهِ في سَفَرِي.

стр. 4340

فَقالَ لَهُ: إِنَّ الْحُقُوْقَ كَثِيْرَةٌ. فقالَ لَهُ: كأَنِّي أَعْرِفُكَ؛ أَلَمْ تَكُنْ أَبْرَصَ يَقْذَرُكَ النَّاسُ؟ فَقِيْرًا فَأَعْطاكَ اللهُ؟ فَقَالَ: وَرِثْتُ هَذا كابِرًا عَنْ كابِرٍ. فَقَالَ: لَئِنْ كُنْتَ كاذِباً فَصَيَّرَكَ اللهُ إلَى ما كُنْتَ. وَأتَى الأَقْرَعَ في صُوْرتَهِ وَهَيْئَتِهِ، فَقالَ لَهُ مِثْلَ ما قَالَ لِهَذا، وَرَدَّ عَلَيْهِ مِثْلَ ما رَدَّ عَلَيْهِ هَذا، فَقالَ: إِنْ كُنْتَ كَاذِباً فَصَيَّرَكَ اللهُ إلَى ما كُنْتَ. وَأتَى الأَعْمَى في صُوْرتهِ، فَقَالَ لَهُ: رَجُلٌ مِسْكِيْنٌ، وابْنُ سَبِيْلٍ وَتَقَطَّعَتْ بِيَ الْحِبالُ في سَفَرِي، فَلا بَلاغَ اليَوْمَ إِلَّا بِاللهِ ثُمَّ بِكَ، أَسْألكَ بِالَّذِي رَدَّ عَلَيْكَ بَصَرَكَ شاةَ أتَبَلَّغُ بِها في سَفَرِي. فَقالَ: قَدْ كُنْتُ أَعْمَى فَرَدَّ اللهُ عَلَيَّ بَصَرِي، فَقِيْرًا [فَقَدْ أَغْنَاني] فَخُذْ ما شِئْتَ؛ فَواللهِ [لا أَجْهَدُكَ] اليَوْمَ شَيئًا أَخَذْتَهُ للهِ. فَقالَ: أَمْسِكْ مالَكَ؛ فَإِنَّما ابْتُلِيْتُمْ، فَقَدْ رَضِيَ اللهُ عَنْكَ، وَسَخِطَ عَلَى صاحِبَيْكَ" (١). وروى عبد الرزاق، وابن أبي شيبة، والترمذي، والنسائي عن صهيب رضي الله تعالى عنه قال: كان رسول الله ﷺ إذا صلَّى العصر همس، فقيل له: يا رسول الله! إنك إذا صليت العصر همست؟

стр. 4341

فقال: "إِنَّ نَبِيًّا مِنَ الأَنْبِياءِ كَانَ أُعْجِبَ بِأُمَّتِهِ فَقالَ: مَنْ يَقُوْمُ لِهَؤُلاءِ؟ فأوْحَى اللهُ تَعالَى إِلَيْهِ أَنْ خَيِّرْهُمْ بَيْنَ أَنْ أَنتقِمَ وَبَيْنَ أَنْ أُسَلِّطَ عَلَيْهِمْ عَدُوَّهُمْ، فاخْتارُوا النِّقْمَةَ، فَسَلَّطَ اللهُ عَلَيْهِمُ الْمَوْتَ، فَمَاتَ مِنْهُمْ في يَوْمٍ سَبْعُونَ ألفًا" (١). وكان ﷺ إذا حدَّث بهذا الحديث قال: "كانَ مَلِكٌ مِنَ الْمُلُوكِ، وَكانَ لِذَلِكَ الْمَلِكِ كاهِنٌ يكهنُ لَهُ، فَقالَ الكاهِنُ: انْظُرُوا لِي غُلامًا فَهِماً، أَوْ قَالَ: فَطِنًا لَقِناً، فَأُعَلِّمَهُ عِلْمِي هَذا؛ فَإِنِّي أَخافُ أَنْ أَمُوتَ فَيَنْقَطِعَ عَنْكُمْ هَذا العِلْمُ، قَالَ: فَنَظَرُوا غُلامًا عَلَى ما وَصَفَ، فَأَمَرُوْهُ أَنْ يَحْضُرَ ذَلِكَ الكاهِنَ، وَأَنْ يَخْتَلِفَ إِلَيْهِ". [وروى] عبد بن حميد هذا الحديث، والإمام أحمد عن صهيب، عن النبي ﷺ قال: "كانَ مَلِكٌ مِمَّنْ كانَ قَبْلَكُمْ، وَكانَ لَهُ ساحرٌ، فَلَمَّا كَبِرَ السَّاحِرُ قَالَ لِلْمَلِكِ: إِنِّي قَدْ كَبِرَتْ سِنِّي، وَحضَرَ أَجَلِي، فادْفَعْ إِلَيَّ غُلامًا لأُعَلِّمَهُ السِّحْرَ، فَدَفَعَ إِلَيْهِ غُلامًا، وَكانَ يُعَلِّمُهُ السِّحْرَ، وَكانَ بَيْنَ السَّاحِرِ وَبَيْنَ الْمَلِكِ رَاهِبٌ". وقال في الرواية الأولى: "وَكانَ عَلَى طَرِيْقِ الغُلامِ راهِبٌ في صَوْمَعَةٍ، فَجَعَلَ الغُلامُ يَسْأَلُ ذَلِكَ الرَّاهِبَ كُلَّما مَرَّ بِهِ، فَلَمْ يَزَلْ بِهِ

стр. 4342

حَتَّى أَخْبَرَهُ، فَقالَ: إِنَّما أَعْبُدُ الله، فَجَعَلَ الغُلامُ يَمْكُثُ عِنْدَ الرَّاهِبِ، وَيُبْطِئُ عَلَى الكاهِنِ، فَأَرْسَلَ الكاهِنُ إلَى أَهْلِ الغُلامِ: إِنَّهُ لا يَكادُ يَحْضُرُني، فأَخْبَرَ الغُلامُ الرَّاهِبَ بِذَلِكَ، فَقالَ لَهُ الرَّاهِبُ: إِذا قَالَ لَكَ الكاهِنُ: أَيْنَ كُنْتَ؟ فَقُلْ: عِنْدَ أَهْلِي، وَإِذا قَالَ لَكَ أَهْلُكَ: أَيْنَ كُنْتَ؟ فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّكَ كُنْتَ عِنْدَ الكاهِنِ، فَبَيْنَما الغُلامُ عَلَى ذَلِكَ إِذْ مَرَّ بِجَماعَةٍ مِنَ النَّاسِ كَثِيْرَةٍ قَدْ حَبَسَتْهُمْ دابَّهٌ يُقالُ: كانَتْ أَسَدًا، فَأَخَذَ الغُلامُ حَجَرًا، فَقالَ: إِنْ كانَ ما يَقُوْلُ الرَّاهِبُ حَقًّا فَأَسْألُكَ أَنْ أَقْتُلَ هَذهِ الدَّابَّةَ، وَإِنْ كانَ ما يَقُولُ الكاهِنُ حَقًّا فَأَسْألُكَ أَنْ لا أَقْتُلَها، ثُمَّ رَمَى فَقَتَلَ الدَّابَّةَ، فَقَالَ النَّاسُ: مَنْ قتلَها؟ فَقَالُوا: الغُلامُ، فَفَزِعَ النَّاسُ، وَقالُوا: قَدْ عَلِمَ هَذا الغُلامُ عِلْمًا لَمْ يَعْلَمْهُ أَحَدٌ، فَسَمِعَ أَعْمَى فَجَاءَهُ". وقال في الرواية الثانية: "فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ إِذا أتَى ذَاتَ يَوْمٍ عَلَى دَابَّةٍ فَظِيْعَةٍ عَظِيْمَةٍ قَدْ حَبَسَتِ النَّاسَ فَلا يَسْتَطِيْعُوْنَ أَنْ يَجُوْزُوا، فَقَالَ الغُلامُ: اليَوْمَ أَعْلَمُ؛ أَمْرُ الرَّاهِبِ أَحَبَّ إِلَى اللهِ أَمْ السَّاحِرُ، فأَخَذَ حَجَرًا فَقالَ: اللهُمَّ إِنْ كانَ أَمْرُ الرَّاهِبِ أَحَبَّ إِلَيْكَ وَأَرْضى لَكَ مِنْ أَمْرِ السَّاحِرِ فاقْتُلْ هَذهِ الدَّابَّةَ حَتَّى يَجُوزَ الناسُ، وَرَمَاها فَقَتَلَها، وَمَضَى النَّاسُ، فَأُخْبِرَ الرَّاهِبُ بِذَلِكَ، فَقالَ: أَيْ بُنَي! أَنْتَ أَفْضَلُ مِني وَإِنَّكَ سَتُبْتلَى، فَإِذا ابْتُلِيْتَ فَلا تَدُلَّ عَلَيَّ، وَكانَ الغُلامُ يُبْرِئُ الأَكْمَهَ وَسائِرَ الأَدْواءِ وَيَشْفِيهِمْ، وَكانَ جَلِيْسُ الْمَلِكِ أَعْمَى فَسَمعَ بِهِ، فَأَتاهُ وَأتاهُ بِهَدايَا كَثِيْرَةٍ، فَقالَ: اشْفِنِيْ وَلَكَ ما هَا هُنا، فَقالَ: ما أَشْفِي أَنَا أَحَدًا، إِنَّمَا يَشْفِي اللهُ؛ فَإِنْ آمَنْتَ باللهِ دَعَوْتُ اللهَ فَشَفاكَ، فآمَنَ فَدَعا الله، فَشَفاهُ،

стр. 4343

ثُمَّ أتى الْمَلِكَ فَجَلَسَ مِنْهُ نَحْوَ مَا كانَ يَجْلِسُ، فَقالَ لَهُ الْمَلِكُ: يا فُلانُ! مَنْ رَدَّ عَلَيْكَ بَصَرَكَ؟ قَالَ: رَبِّي، قَالَ: أَنَا؟ قَالَ: لا. قَالَ: أَوَلَكَ رَبٌ غَيْرِيْ؟ قَالَ: نَعَمْ. فَلَمْ يَزَلْ بِهِ يُعَذِّبُهُ حَتَّى دَلَّ عَلَى الغُلامِ، فَبَعَثَ إِلَيْهِ الْمَلِكُ فَقَالَ: أَيْ بُنَي! قَدْ بَلَغَ مِنْ سِحْرِكَ أَنْ تُبْرِئَ الأَكْمَهَ والأَبْرَصَ وَهَذِهِ الأَدْوَاءَ، قَالَ: ما أَشْفِي أَنا أَحَدًا ما يَشْفِي غَيْرُ اللهِ، قَالَ: أَنا؟ قَالَ: لا، قَالَ: وإِنَّ لَكَ رَبًّا غَيْرِيْ؟ قَالَ: نعمْ، رَبِّي وَربُّكَ اللهُ، فأَخَذَهُ أَيْضاً بِالعَذابِ، فَلَمْ يَزَلْ بِهِ حَتَّى دلَّ عَلَى الرَّاهِبِ، فَقالَ لَهُ: ارْجِعْ عَنْ دِيْنَكَ، فَأَبَى، فَوَضَعَ الْمِيْشارَ عَلَى مَفْرِقِ رَأْسِهِ حَتَّى وَقَعَ شِقَّاهُ عَلَى الأَرْضِ، وَقالَ لِلأَعْمَى: ارْجِعْ عَنْ دِيْنكَ، فَأَبَى، فَوَضَعَ الْمِيْشارَ عَلىَ مَفْرِقِ رَأْسِهِ حَتَّى وَقَعَ شِقّاهُ إلَى الأَرْضِ". وقال في الرواية الأولى: "فَجاءَهُ فَقالَ: إِنْ أَنْتَ رَدَدْتَ بَصَرِي فَلَكَ كَذا وَكَذا، فَقال الغُلامُ: لا أُريدُ مِنْكَ هَذا، وَلَكِنْ أَرَأَيْتَ إِنْ رَجَعَ عَلَيْكَ بَصَرُكَ أتؤْمِنُ بِالَّذِيْ رَدَّهُ عَلَيْكَ؟ قَالَ: نعمْ، فَدَعا الله فَرَدَّ عَلَيْهِ بَصَرَهُ، فآمَنَ الأَعْمَى، فَبَلَغَ الْمَلِكَ أَمْرُهُمْ، فَبَعَثَ إِلَيْهِمْ، فأُتِيَ بِهِمْ، فَقالَ: لأَقْتُلَنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنْكُمْ قِتْلَةً لا أَقْتُلُ بِها صاحِبَهُ، فَأَمَرَ بِالرَّاهِبِ وَالرَّجُلِ الَّذِيْ كَانَ أَعْمَى فَوَضَعَ الْمِيْشارَ عَلَى مَفْرِقِ أَحَدِهِما، فَقَتَلَهُ، وَقَتَلَ الآخَرَ بِقِتْلَةٍ أُخْرَى، ثُمَّ أَمَرَ بِالغُلامِ فَقالَ: انْطَلِقُوا بِهِ إلَى جَبَلِ كَذَا وَكَذا فَأَلْقُوْهُ مِنْ رَأْسِهِ، فانْطَلَقُوا بِهِ إلَى ذَلِكَ الْجَبَلِ، فَلَمَّا انتهَوْا إلَى

стр. 4344

ذَلِكَ الْمَكانِ الّذِي أَرَادُوا أَنْ يُلْقُوْهُ مِنْهُ فَجَعَلُوا يَتَهافتوْنَ مِنْ ذَلِكَ الْجَبَلِ، وَيَتَرَدَّوْنَ حَتَّى لَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ إلا الغُلامُ، ثُمَّ رَجَعَ الغُلامُ، فَأَمَرَ بِهِ الْمَلِكُ أَنْ يَنْطَلِقُوا بِهِ إلَى البَحْرِ فَيُلْقُوْهُ فِيْهِ، فانْطَلَقُوا بِهِ إلَى البَحْرِ، فَأَلْقَى القَوْمُ الغُلامَ، فَغَرَّقَ اللهُ الَّذِيْنَ كانُوا مَعَهُ، وَأَنْجاهُ اللهُ، فَقالَ الغُلامُ لِلْمَلِكِ: إِنَّكَ لا تَقْتُلُنِي حَتَّى تَصْلُبَنِي وَتَرْمِيَني، وَتَقُوْلَ إِذا رَمَيْتَنِي: بِسْمِ اللهِ رَبِّ الغُلامِ، فأَمَرَ بِهِ فَصُلِبَ، ثُمَّ رَماهُ وَقالَ: بِاسْمِ اللهِ رَبِّ الغُلامِ، فَوَضَعَ الغُلامُ يَدَهُ عَلَى صُدْغِهِ حِيْنَ رُمِيَ، ثُمَّ ماتَ، فَقالَ النَّاسُ: لقَدْ أوْتِيَ هَذا الغُلامُ عِلْماً ما عَلِمَهُ أَحدٌ؛ فَإِنَّا نُؤْمِنُ بِرَبِّ هَذا الغُلامُ. فَقِيْلَ لِلْغُلامِ: إِنْ خالَفَكَ ثَلاثةٌ فَهَذا العالَمُ كُلُّهُمْ قَدْ خالَفُوكَ. قَالَ: فَخَدَّ أُخْدُوْداً، ثُمَّ أُلقِيَ فِيْها الْحَطَبَ والنَّارَ، ثُمَّ جَمَعَ النَّاسَ وَقالَ: مَنْ رَجَعَ عَنْ دِيْنهِ تَرَكْناهُ، وَمَنْ لَمْ يَرْجِعْ ألقَيْناهُ في هَذِهِ النَّارِ، فَجَعَلَ يُلْقِيْهِمْ في تِلْكَ الأخْدُوْدِ، فَقالَ: يَقُولُ اللهُ : ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ (٤) النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ﴾ حتى بلغ ﴿الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ [البروج: ٤ - ٨] ". فأمَّا الغلامُ فإنَّه دفن ثم أخرج فيذكر أنه أخرج في زمن عمر بن الخطَّاب رضي الله تعالى عنه وأصبعه على صُدغه كما وضعها حين قُتل. وقال في الرواية الثانية: "فقالَ النَّاسُ: آمَنَّا بِرَبِّ الغُلامِ، فَقِيْلَ لِلْمَلِكِ: أَرَأَيْتَ ما كُنْتَ تَحْذَر، فَقَدْ واللهِ نزَلَ بِكَ هَذَا مِنَ النَّاسِ كُلِّهِمْ، فَأَمَرَ بِأَفْواهِ السِّكَكِ فَخُدَّتْ فِيْها الأُخْدُوْدُ، وَأُضْرِمَتْ فِيْها النِيْرانُ، وَقالَ: مَنْ رَجَعَ عَنْ دِيْنهِ فَدَعُوْهُ، وَإِلَّا فأَقْحِمُوْهُ فِيْها، فَكَانُوا يَتَقاحَمُونَ

стр. 4345

فِيْها وَيَتَدافَعُوْنَ، فَجاءَتِ امْرَأةٌ بِابنٍ لَها صَغِيْر فَكَأَنَّها تَقاعَسَتْ أَنْ تَقَعَ في النَّارِ، فَقالَ الصَّبِيُّ: يا أُمَّهْ! اِصْبِرِيْ؛ فَإِنَّكِ عَلَى الْحَقِّ" (١). وروى ابن جرير عن ابن عباس: أنَّ أصحاب الأخدود ناس من بني إسرائيل (٢). وعن عكرمة: أنهم كانوا من القبط (٣). وروى ابن المنذر عن مجاهد: أنَّ الأخدود شَقٌّ بنجران كانوا يعذبون الناس فيه (٤). وعن الحسن، عن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه: أن أصحاب الأخدود الحبشة (٥). وعن قتادة: أن علياً رضي الله تعالى عنه كان يقول: هم أناس بمزارع اليمن (٦). وروى ابن عساكر عن عبد الله بن جبير بن نفير قال: كانت الأخدود زمان تُبَّع (٧).
следующие страницы →