← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 14592

حسن التنبه لما ورد في التشبه

نجم الدين الغزي

Полный текст (6 623 стр.). Показаны 4271–4310 · переход к 4276.

стр. 4271

اقتتلوا بها تسع مرات حتى تفانوا، وأن العرب سيقتتلون بها العاشرة حتى يتفانوا، ويتقاذفون بالحجارة التي تقاذفت بها بنو إسرائيل (١). وروى ابن أبي الدنيا، ومن طريقه البيهقي في "الشعب" عن الحسن رحمه الله تعالى -مرسلًا- قال: خرج رسول الله ﷺ على أصحابه فقال: "هَلْ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيْدُ أَنْ يُذْهبَ اللهُ عَنْهُ العَمَى وَيجْعَلَهُ بَصِيْراً؟ ". قالوا: بلى يا رسول الله. قال: "أَلا إِنَّهُ مَنْ رَغِبَ في الدُّنْيا وَأَطالَ أَمَلَهُ فِيْها أَعْمَى اللهُ قَلْبَهُ عَلَى قَدْرِ ذَلِكَ، وَمَنْ زَهِدَ في الدُّنْيا وَقَصُرَ أَمَلُهُ أَعْطاهُ اللهُ تَعالَى عِلْمًا بِغَيْرِ تَعَلُّمٍ، وَهُدًى بِغَيْرِ هِدايَةٍ، أَلا إنَّهُ سَيَكُونُ قَوْمٌ لا يَسْتَقِيْمُ لَهُمُ الْمُلْكُ إِلَّا بِالقَتْلِ والتَجَبُّرِ، وَلا الغِنَى إِلَّا بِالفَخْرِ والبُخْلِ، وَلا الْمَحَبَّةِ إِلَّا بِاتّباعِ الْهَوَى، أَلا فَمَنْ أَدْرَكَ ذَلِكَ الزَّمانَ مِنْكُمْ فَصَبَرَ عَلَى الفَقْرِ وَهُوَ يَقْدِرُ عَلَى الغِنَى، وَصَبَرَ لِلْبَغْضاءِ وَهُوَ يَقْدِرُ عَلَى الْمَحَبَّةِ، وَصَبَرَ عَلَى الذُّلِ وَهُوَ يَقْدِرُ عَلَى العِزِّ -لا يُرِيْدُ بِذَلِكَ إِلَّا وَجْهَ اللهِ- أَعْطاهُ اللهُ ثَوابَ خَمْسِيْنَ صِدّيْقاً" (٢). ١٩٨ - ومنها: الولاية، والقضاء لأجل الدنيا لا لوجه الله تعالى، والتقرب إليه بالفصل بين الحق والباطل، وإيصال الحق إلى أهله ،

стр. 4272

والأخذ على يد الظالم، والحكم بالباطل، وترك القاضي الحكم بالحق إذا سئل عنه، واتباع الهوى في الحكم، والمداهنة فيه، وهذه صفات قضاة السوء. قال الله تعالى: ﴿فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤]. وقال تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [المائدة: ٤٥]، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [المائدة: ٤٧]. روي عن الشعبي، واختاره النحاس: أنَّ الآيات الثلاث في اليهود (١). وقال البراء بن عازب رضي الله تعالى عنهما: في الكفار؛ كما رواه عنه مسلم (٢). وعن ابن عباس، وجابر بن زيد، وابن أبي زاهدة، وابن شبرمة: أنَّ الآية الأولى في المسلمين، والثانية في اليهود، والثالثة في النصارى (٣). وهذا اختاره القاضي أبو بكر بن العربي؛ لأنه ظاهر الآيات (٤).

стр. 4273

وعن ابن مسعود ﵁، والحسن، وغيرهما أنهن عامات في كل من لم يحكم بما أنزل الله (١). وتأولوا قوله: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ على اعتقاد الحل، أو على التغليظ كما قيل في إطلاق الكفر على ترك الصلاة. وروى الحاكم وصححه، عن ابن عباس في الآية: أنه ليس كفرًا ينتقل عن الملة، ولكن كفر دون كفر (٢). وصحح الحاكم أيضاً عن همام قال: كنا عند حذيفة ﵁ فذكروا: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤]، فقال رجل من القوم: إن هذا في بني إسرائيل، فقال حذيفة: نعم الأخوة بنو إسرائيل، إن كان لهم المر ولكم الحلو، كلا والذي نفسي بيده حتى تحذوا السنة بالسنة والقذة بالقذة (٣). وروى نحوه ابن المنذر عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما (٤). وروى عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير عن إبراهيم النخعي رحمه الله تعالى قال: نزلت هذه الآيات في بني إسرائيل، ورضي لهذه الأمة بها (٥).

стр. 4274

وعن الحسن نحوه (١). وروى سعيد بن منصور عن عمر بن الخطّاب رضي الله تعالى عنه أنَّه قال: ما رأيت مثل من قضى بين اثنين بعد هذه الآيات الثلاث (٢). وروى الثعلبي، وغيره عن الحسن رحمه الله تعالى قال: أخذ الله على الحكام ثلاثة أشياء: أن لا يتبعوا الهوى، ولا يخشوا الناس ويخشوه، وأن لا يشتروا بآياته ثمنا قليلًا؛ يعني: الرشوة، وبيع الحكم (٣). وروى أبو داود، والترمذي، وابن ماجه عن بريدة رضي الله تعالى عنه، عن النبي ﷺ قال: "القُضاةُ ثَلاثةٌ: واحِدٌ في الْجَنَّةِ، واثْنانِ في النَّارِ؛ فَأمَّا الّذِي في الْجَنّةِ فَرَجُلٌ عَرَفَ الْحَقَّ فَقَضَى بِهِ، وَرَجُلٌ عَرَفَ الْحَقَّ فَجارَ في الْحُكْمِ فَهُوَ في النَّارِ، وَرَجُل قَضَى لِلنَّاسِ عَلَى جَهْلِ فَهُوَ في النَّارِ" (٤). وروى البزار، والطبراني في "الكبير" -ورجاله رجال الصحيح- عن عوف بن مالك رضي الله تعالى عنه: أن رسول الله ﷺ قال: "إِنْ شِئتمْ أَنْبَأتُكُمْ عَنِ الإِمارَةِ وَما هِيَ".

стр. 4275

فناديت بأعلى صوتي: وما هي يا رسول الله؟ قال: "أَوَّلُها مَلامَةٌ، وَثانِيْها نَدامَةٌ، وَثالِثُها عَذابٌ يَوْمَ القِيامَةِ إِلَّا مَنْ عَدَلَ؛ وَكَيْفَ يَعْدِلُ مَعَ أَقْرَبِيْهِ؟ " (١). وروى أبو يعلى، وابن حبَّان في "صحيحه" -وأصله عند الترمذي- عن عبد الله بن موهب: أنَّ عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه قال لابن عمر رضي الله تعالى عنهما: اذهب فكن قاضياً. قال: أو تعفيني يا أمير المؤمنين؟ قال: اذهب فاقض بين الناس. قلت: أو تعفيني يا أمير المؤمنين. قال: عزمت عليك إلا ذهبت وقضيت. قال: لا تعجل؛ سمعت رسول الله ﷺ يقول: "مَنْ عاذَ بِاللهِ فَقَدْ عاذَ بِمَعاذٍ". قال: نعم، قال: فإني أعوذ بالله أن أكون قاضيًا. قال: وما يمنعك وقد كان أبوك يقضي؟ قال: لأني سمعت رسول الله ﷺ يقولُ: "مَنْ كانَ قاضِياً فَقَضَى بِالْجَهْلِ فَهُوَ في النَّارِ، وَمَنْ كانَ قاضِياً فَقَضَى بِالْجَوْرِ كانَ في النَّارِ،

стр. 4276

وَمَنْ كانَ قاضِياً فَقَضَى بِحَق -أَوْ قَالَ: فَعَدَلَ- سَأَلَ التَّفَلُّتَ كِفافاً، فَمَا أَرْجُو مِنْهُ بَعْدَ ذَلِكَ؟ " (١). وروى ابن سعد في "طبقاته" عن يزيد بن موهب: أن عثمان قال لعبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهم: اقض بين الناس. قال: لا أقضي بين اثنين، ولا أؤم. فقال عثمان: أتعصيني؟ قال: لا، ولكنه بلغني أن القضاة ثلاثة: رجل قضى بجهل فهو في النار، ورجل حاف ومال به الهوى فهو في النار، ورجل اجتهد فأصاب فهو كفاف لا أجر له ولا وزر عليه. قال: فإن أباك كان يقضي؟ قال: كان يقضي، فإذا أُشكل عليه شيء سأل النبي ﷺ ، وإذا أشكل على النبي ﷺ سأل جبريل ﵇، وإني لا أجد من أسأل؛ أما سمعت النبي ﷺ يقول: "مَنْ عاذَ بِاللهِ فَقَدْ عاذَ بِمَعاذِ؟ ". فقال عثمان: بلى. قال: فإني أعوذ بالله أن تستعملني. فأعفاه، وقال: لا تخبر بهذا أحداً (٢).

стр. 4277

قلت: أراد عثمان بقوله: (لا تخبر بهذا أحداً) أن لا يسمعه الناس من ابن عمر، فيتقاعدوا عن القضاء، فيتعطل هذا المنصب، وتضيع مصالح المسلمين لأنهم كانوا في غاية الخوف على دينهم، وكان الإِسلام إذ ذاك في عزَّة، والناس في رغبة إلى الانقياد إلى أحكامه والاتصاف بأخلاقه. وأما الآن فلو سمعوا مثل ذلك أضعافاً ما منعهم عن طلب القضاء فضلَّا عَن الفرار منه، بل هم الآن يبذُلون الأموال في مقابلة الولايات استكثارًا لها، وتوصلَّا إلى أموال الناس. ومن محاسن الشيخ زين الدين بن الوردي رحمه الله تعالى: [من مجزوء الخفيف] قِيلَ [لي] ابْذُلِ الذَّهَبْ ... تتَوَلَّ قَضا حَلَبْ قُلْتُ هُمْ يُحْرِقُوننِي ... وَأَنا أَحْمِلُ الْحَطَبْ (١) ومن لطائف الفرار من ولاية القضاء لعزَّة الخلاص من فتنته: ما رواه أبو نعيم عن شجاع بن الوليد قال: كان فيمن قبلكم رجل حلف لا يتزوج امرأة حتى يستشير مئة نفس، وإنه استشار تسعة وتسعين رجلًا فاختلفوا عليه، فقال: بقي واحد وهو أول من يطلع من هذا الفج، فآخذ بقوله ولا أعدوه، فبينما هو كذلك إذ طلع عليه رجل يركب قصبة، فأخبره بقصته، فقال له: النساء ثلاث: فواحدة لك، وواحدة عليك،

стр. 4278

وواحدة لا لك ولا عليك؛ فالبكر لك، وذات الولد عليك، والثَّيب لا لك ولا عليك. ثمَّ قال: أطلق الجواد، فقال له: أخبرني بقصتك. فقال: أنا رجل من علماء بني إسرائيل، مات قاضيها فركبت هذه القصبة، وتألَّهت لأخلص من القضاء. وأخرجه المعافى بن زكريا في كتاب "الأنيس والجليس" عنه، عن حريش بن أبي الحريش بنحوه (١). وأخرج فيه عن أبي هريرة ﵁ قال: حلف رجل أن لا يتزوج حتى يستشير مئة رجل، فاستشار تسعة وتسعين رجلًا، ثمَّ خرج وقال: أول من يستقبلني أستشيره، فإذا هو برجل قد طيَّن رأسه، وركب قصبة، وبيده سوط ليضرب القصبة، فلما انتهى إليه سأله، فقال له: يا عبد الله! تأخر عن الفرس؛ لا يَرْمَحُك، فركض على قصبته شوطاً، ثمَّ رجع، وقال له: هات حاجتك. قال: إني حلفت أن لا أتزوج حتى أستشير مئة رجل، فاستشرت تسعة وتسعين رجلًا، وأنت تمام المئة. فقال له: صاحب الواحدة إذا حاضت حاض معها، وإذا مرضت مرض معها، وإذا غابت غاب معها، وصاحب اثنتين قاض، وصاحب ثلاث ملك، وصاحب الملك مسافر.

стр. 4279

فقال الرجل: لقد استشرت تسعة وتسعين رجلًا ما فيهم أعقل منك. قال: أنا الذي أرادت بنو إسرائيل أن يستقضوني، ففعلت هذا كيما أنجو منهم (١). وأحسب في غير هذه الرواية أنه قال: أراد بنو إسرائيل أن يذبحوني، ففررت من الذبح. قيل: كيف يذبحونك؟ قال: أرادوا أن يولُّوني القضاء. وقد اتفق التحامق فرارًا من ولاية القضاء لبعض هذه الأمة. قال عبد الرحمن بن مهدي: أجبر أمير المؤمنين؟ يعني: أبا جعفرٍ، سفيانَ -يعني: الثوري- على القضاء، فتحامق عليه ليخلص نفسه منه. رواه أبو نعيم (٢). وفرار سفيان من ولاية القضاء من بلد إلى بلد، واستخفاؤه مشهور. وقال مسعر بن كدام رحمه الله تعالى: دعاني أبو جعفر ليوليني فقلت: أصلح الله الأمير! إن أهلي ليرددوني على أن أشتري الشيء بدرهمين، فأقول: أعطوني أشتر لكم، فيقولون: لا والله، لا نرضى

стр. 4280

اشتراءك، فأهلي لا يرضون اشترائي الشيء بدرهمين، وأمير المؤمنين يوليني؟ أصلحك الله! إن لي قرابة وحقاً، وقد قال الشاعر: [من الوافر] تُشارِكُنا قُرَيْشٌ في تُقاها ... وَفِي أَنْسابِها شركَ العِنانِ لَما وَلَدَتْ نِساءُ بَنِي هِلالٍ ... وَما وَلَدَتْ نِساءُ بَنِي إبانِ قال: أما والله ما لنا في العرب قرابة أحب إلينا منهم، فأعفاه. رواه أبو نعيم (١). والبيتان المذكوران في كلام مسعر لنابغة بن جعدة أحد نوابغ الشعراء (٢). وكذلك شأن الإمام أبي حنيفة رضي الله تعالى عنه، وامتناعه عن ولاية القضاء، وضربه على ذلك مشهور، ولما دُعيَ إلى ذلك قال: أنا لا أصلح للقضاء. فقيل له في ذلك، فقال: إن كنت صادقاً فأنا لا أصلح للقضاء، وإن كنت كاذباً فالكاذب لا يصلح للقضاء (٣). وروى أبو نعيم عن عبد الرحمن بن أبي ليلى: أنه لما ولي القضاء ركب أول يوم للقضاء، فاصطف له الناس ينظرون إليه، فقال مجنون من مجانين أهل الكوفة: انظروا إلى من جمع الله له سرور

стр. 4281

الدنيا إلى حزن الآخرة. فقال ابن أبي ليلى: لو قد سمعتها قبل أن ألي ما وليت لهم شيئاً (١). وروى الحكيم الترمذي عن عبد العزيز بن أبي روَّاد قال: بلغني أن قاضيًا كان في زمن بني إسرائيل بلغ من اجتهاده أن طلب إلى ربه أن يجعل بينه وبينه علمًا، إذا هو قضى بالحق عرف ذلك، فإذا هو قصر عن الحق عرف ذلك، فقيل له: ادخل منزلك فمد يدك في جدارك، ثمَّ انظر كيف تبلغ أصابعك من الجدار، فاخطط عندها خطًّا، فإذا أنت قمت من مجلس القضاء فارجع إلى ذلك الخط فامدد يدك إليه؛ فإنك متى ما كنت على الحق فإنك ستبلغه، وإن قصرت عن الحق قصر بك. فكان يغدو إلى القضاء وهو مجتهد، فكان لا يقضي إلا بحق، وإذا قام من مجلسه وفرغ لم يذق طعاماً ولا شرابًا، ولا يفضي إلى أهله بشيء حتى يأتي ذلك الخط، فإذا بلغه حمد الله، وأفضى إلى كل ما أحل الله له من أهل ومطعم ومشرب. فلمَّا كان ذات يوم وهو في مجلس القضاء أقبل إليه رجلان يريدانه، فوقع في نفسه أنهما يريدان أن يختصما إليه، وكان أحدهما له صديقًا وخَدَنًا، فتحرك قلبه عليه محبة أن يكون الحق له فيقضي له به، فلما أن تكلما كان الحق على صاحبه، فقضى عليه، فلما قام من

стр. 4282

مجلسه ذهب إلى خطه فإذا الخط قد ذهب وتشمر إلى السقف، وإذا هو لا يبلغه، فخر ساجدًا وهو يقول: يا رب! شيئًا لم أتعمده ولم أرده؛ فبينه لي. فقيل له: أتحسبن أن الله لم يطلع على جور قلبك حيث أحببت أن يكون الحق لصديقك فتقضي له به؟ قد أردته وأحببته، ولكن الله قد ردَّ الحق إلى أهله وأنت لذلك كاره (١). وروى ابن أبي الدنيا في كتاب "من عاش بعد الموت" عن عطاء الخراساني قال: استقضي رجل من بني إسرائيل أربعين سنة، فلما حضرته الوفاة قال: إني أرى أني هالك في مرضي هذا، فإن هلكت فاحبسوني عندكم أربعة أيام، أو خمسة أيام، فإن رابني منكم شيء فلينادني رجل منكم، فلما قضى جعل في تابوت، فلما كان بعد ثلاثة أيام آذاهم بريحه، فناداه رجل منهم: يا فلان! ما هذا الريح؟ فأذن له فتكلم، فقال: قد وليت القضاء فيكم أربعين سنة، فما رابني شيء إلا رجلان أتياني، وكان لي في أحدهما هوى، فكنت أسمع منه بأذني التي تليه أكثر مما أسمع بالأخرى، فهذه الريح منها، فضرب الله على أذنه فمات (٢). ومن لطائف الأقضية في هذه الأمة: ما روى أبو نعيم عن إبراهيم

стр. 4283

ابن يزيد التيمي عن أبيه قال: وجد علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه درعًا له عند يهودي التقطها فعرفها، فقال: درعي سقطت عن جمل لي أَورق. فقال اليهودي: درعي وفي يدي. ثم قال له اليهودي: بيني وبينك قاضي المسلمين. فأتوا شريحاً، فلما رأى عليًّا تحرف عن موضعه، وجلس علي رضي الله تعالى عنه فيه، فقال علي رضي الله تعالى عنه: لو كان خصمي من المسلمين لساويته في المجلس، ولكني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا تُساوُوْهُمْ في الْمَجْلِسِ، وَألْجِئُوْهُمْ إلَى أَضْيَقِ الطُّرُقِ، فَإِنْ سَبُّوكُمْ فاضْرِبُوْهُمْ، فَإِنْ ضَربُوْكُمْ فاقْتُلُوهُمْ". ثمَّ قال شريح رحمه الله تعالى: ما تشاء يا أمير المؤمنين؟ قال: درعي سقطت عن جمل لي أورق، فالتقطها هذا اليهودي. فقال شريح: ما تقول يا يهودي؟ قال: درعي وفي يدي. فقال شريح: صدقت والله يا أمير المؤمنين، إنها لدرعك، ولكن لا بد من شاهدين. فدعا قنبرًا مولاه، والحسن بن علي، فشهدا إنها لدرعه. فقال شريح: أما شهادة مولاك فقد أجزناها، وأما شهادة ابنك فلا نجيزها. فقال علي رضي الله تعالى عنه: ثكلتك أمك! أما سمعت عمر

стр. 4284

ابن الخطاب رضي الله تعالى عنه يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "الْحَسَنُ والْحُسَيْنُ سَيِّدا شَبابِ أَهْلِ الْجَنَّةِ؟ " قال: اللهم نعم. قال: أفلا تجيز شهادة سيد شباب أهل الجنة؟ والله لأوجهنك إلى باتقيا تقضي بين أهلها أربعين ليلة. ثمَّ قال لليهودي: خذ الدرع. فقال اليهودي: أمير المؤمنين جاء معي إلى قاضي المسلمين يقضي عليه، ورضي؟ صدقت والله يا أمير المؤمنين! إنَّها لدرعك سقطت عن جملٍ لك، أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فوهبها له علي، وأجازه بتسعمئةٍ، وقُتلَ يوم صفين (١). هكذا في هذه الرواية. وفي رواية أخرى: فقال اليهودي: أمير المؤمنين قدَّمني إلى قاضيه، وقاضيه قضى عليه؟ أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وأن الدرع درعك، كنت راكبًا على جملك الأورق وأنت متوجه إلى صفين، فوقعت منك ليلًا، فأخذتها، وخرج يقاتل مع علي الشراة بالنهروان، فقتل (٢). ١٩٩ - ومن أعمال اليهود والنصارى: اتخاذ الولاة الشُّرَط . وتقدم نظيره في التشبه بنمرود وفرعون.

стр. 4285

روى أبو نعيم في "الحلية" عن وهب قال: أُتِيَ برجل من أفضل زمانه إلى ملك كان يفتن الناس على أكل لحوم الخنازير، فلما أُتيَ به استعظم الناس مكانه، وهالهم أمره، فقال له صاحب شرط الملك: ائتني بجَدْي نذبحه مما يحل أكله فأعطنيه؛ فإن الملك إذا دعا بلحم الخنزير آتيك به وكُلْهُ، فذبح جديًا، فأعطاه إياه، ثمَّ أتي به إلى الملك فدعا لهم بلحم الخنزير، فأتى صاحب الشرط باللحم الذي كان أعطاه إياه، لحم الجدي، فأمره الملك أن يأكل. قال: فجعل صاحب الشرط يغمز إليه، ويأمره بأكله، ويريه أنه اللحم الذي دفعه إليه، فأبى أن يأكله، فأمر صاحب شرطته أن يقتله. فلما ذهب به قال له: ما يمنعك أن تأكل وهو اللحم الذي دفعت إلى؟ أظننت أني آتيك بغيره؟ قال: قد علمت أنه هو، ولكن خفت أن يقتاس الناس بي، فكلما أُريدَ أحد على أكل لحم الخنزير قال: قد أكله فلان فيقتاس الناس بي، فأكون فتنة لهم (١). وقد أخبر النبي ﷺ بشرط هذه الأمة، فأتوا بعد زمانه كما أخبر ﵊. قال أبو هريرة ﵁: قال رسول الله ﷺ : "يُوْشِكُ إِنْ طَالَتْ بِكَ مُدَّةً أَنْ تَرَى قَوْمًا في أَيْدِيْهِمْ مِثْلُ أَذْنَابِ البَقَرِ؛ يَغْدُوْنَ في غَضَبِ اللهِ،

стр. 4286

ويَرُوْحُونَ في سَخَطِهِ" (١). وقال أيضًا: قال رسول اللهِ ﷺ : "صِنْفانِ مِنْ أَهْلِ النَّارِ لَمْ أَرَهُما: قَوْمٌ مَعَهُمْ سِياطٌ كأَذْنابِ البَقَرِ يَضْرِبُونَ بِها النَّاسَ، كاسِياتٌ عارِياتٌ مُمِيْلاتٌ مائِلاتٌ، رُؤُوْسُهُنَّ كَأَسْنِمَةِ البُخْتِ الْمائِلَة" (٢). رواهما مسلم. ٢٠٠ - ومن أعمال اليهود، والنصارى، وعباد الشمس: تولية المُلك والحكم للنساء كما في قصة بلقيس . وكانت هي وقومها يعبدون الشمس، ويسجدون لها من دون الله تعالى، ثمَّ أسلمت لسليمان ﵇، وتزوجها على أحد القولين. وقد روى الإمام أحمد، والشيخان، والترمذي، والنسائي عن أبي بكرة رضي الله تعالى عنه قال: ذُكرت بلقيس عند رسول الله ﷺ فقال: "لَنْ يُفْلحَ قَوْمٌ وَلَّوْا أَمْرَهُمُ امْرَأة" (٣). وذكر المفسرون: أنَّ إلياس ﵇ كان من بني إسرائيل من ذرية هارون أخي موسى ﵉، بعث إلى سبط من بني إسرائيل كانوا يسكنون بَعْلَبَكَّ من بلاد الشام، وكانوا يعبدون صنماً يُقال له: بعل، وكان إلياس ﵇ يدعوهم إلى عبادة الله تعالى،

стр. 4287

وهم لا يسمعون، ولم يؤمن به إلا ملكهم، وكان اسمه: لاجب، وكان لهذا الملك امرأة كان يستخلفها على رعيته إذا غاب عنهم في غَزاة أو غيرها، وكانت تبرز للناس كما يبرز غيرها، وتركب كما يركب، وتجلس بين الناس فتقضي بينهم، وكان لزوجها جار صالح من بني إسرائيل يقال له: مزدكي، وكان له جنينة إلى جانب قصر الملك يعيش فيها، وكان الملك وزوجته يشرفان على الجنينة، فحسدته عليها، وأرادت أن تسلبه إياها، فنهاها زوجها الملك عن ذلك، فاتفق أن زوجها خرج مرة إلى سفر بعيد، فاغتنمت الفرصة واحتالت على مزدكي، وأمرت جماعة أن يشهدوا عليه أنه يسب الملك، وكان حكمهم في ذلك الزمان على من سب الملك القتل إذا قامت عليه البينة بذلك، ففعلوا، فقتلته بالزور، فلمَّا قدم بعلها لم يرض منها بذلك، وعنَّفها عليه، فأوحى الله تعالى إلى إلياس ﵇ أن قل للاجب وزوجته: إن الله غضب لوليه، وآلى على نفسه إن لم يتوبا ويردا الجنينة على ورثته لنهلكنَّهما في جوف الجنينة، ثمَّ يدعهما جيفتين ملقاتين فيها، ولا يمتعان فيها إلا قليلًا، فكذبوا إلياس وأرادوا قتله، وفرَّ منهم في شواهق الجبال، ثمَّ كساه الله الريش في قصة طويلة، وسلط الله على لاجب وقومه عدوًا فأرهقهم، وقتل لاجباً وزوجته في جنينة مزدكي، فلم تزل جيفتاهما ملقاتين فيها حتى بليت لحومهما، ورمَّت عظامهما (١).

стр. 4288

وروى ابن عساكر عن الحسن رحمه الله تعالى: أن ملك بَعْلَبَكَّ الذي كان في زمن إلياس كان على هدى حتى دفع إليهم قوم من عبدة الأوثان زينوا له عبادتها، وكان الذي زين ذلك له امرأته، وكانت قبله تحت ملك جبار من الكنعانيين في طول وجسم وحسن، فمات بعلها المذكور، فاتخذت تمثالًا على صورة بعلها المذكور من ذهب، جعلت له حدقتين من ياقوتتين، وتوَّجته بتاج مكلَّل بالحُّر والجوهر، ثمَّ أقعدته على سرير تدخل عليه، وتدخله وتطيبه، وتسجد له، ثمَّ تخرج عنه، فتزوجت بعد ذلك هذا الملك الذي كان إلياس معه، وكانت فاجرة قهرت زوجها، ووضعت التمثال في بيت، وجعلت له سبعين سادِناً، ودعت الناس إلى عبادته، فهو البعل الذي قال لهم إلياس: ﴿أَتَدْعُونَ بَعْلًا﴾ [الصافات: ١٢٥]. فدعاهم إلياس إلى الله فلم يزدهم ذلك إلا بعدًا، فقال إلياس ﵇: اللهم إن بني إسرائيل قد أبوا إلا الكفر بك، وعبادة غيرك، اللهم فغيِّر ما بهم من نعمة. فأمسك الله القَطْر عنهم ثلاث سنين (١). وقد اتفق في هذه الأمة كثير من تولية النساء الملك والحكم كما يؤخذ من كتب التاريخ إلى عصرنا هذا، وليس هذا بصالح من المسلمين، ومن شروط الإمامة والحكم المذكورة كما لا يخفى، إلا أن من العلماء من أجاز قضاء النساء فيما تجوز به شهادتهن.

стр. 4289

٢٠١ - ودلت قصة لاجب وامرأته على أن من أعمال بني إسرائيل: تشبه النساء بالرجال كعكسه، وعدم احتجاب النساء منهم، وإتلاف النفس أو العضو بغير حق، بل بمجرد الرأي والقوانين الموضوعة على غير شرع كقتل من سب الملك، ومثل قطع يد من مزق ثوب جندي، أو ضربه، وأن الجندي إذا قتل من الرعية فحده قطع جامكيته، وإخراج منصبه عنه، والزور، وإقراره، والعمل به خصوصًا في قتل النفوس، وغصب عقارات الناس، وإيذاء الجيران. وكل ذلك من القبائح ومن أعمال الجبارين. ٢٠٢ - ومن أخلاق اليهود والنصارى: الاحتفال لأعيادهم . ولكل أمة عيد يحتفلون فيه، فجعل الله تعالى لهذه الأمة عيدين في كل عام، وعيد في كل أسبوع ليحتفلوا بأعيادهم، ولا يحتفلوا بأعياد غيرهم. روى الإمام أحمد، وأبو داود، والنسائي -وهو حديث صحيح على شرط مسلم- عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: قدم رسول الله ﷺ المدينة ولهم يومان يلعبون فيهما، فقال: "ما هذانِ الْيَومانِ؟ ". قالوا: كنا نلعب فيهما في الجاهلية. فقال رسول اللهِّ ﷺ : "إِنَّ الله قَدْ أَبْدَلَكُمْ بِهِمَا خَيْرًا مِنْهُما؛ يَوْمَ الأَضْحَى، وَيوْمَ الفِطْرِ" (١).

стр. 4290

وروى ابن ماجه عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول اللهِ ﷺ : "هَذا يَوْمُ عِيْدٍ جَعَلَهُ اللهُ لِلْمُسْلِمِيْنَ" (١)؛ يعني: يوم الجمعة. فينبغي للمؤمن أن لا يحتفل بغير هذه الأعياد الثلاثة، ولا يتخذ غيرها عيداً -سواء كان ذلك على سبيل الابتداع، أو على سبيل المشاركة لأهل الذمة في أعيادهم- لأنَّ من تشبه بقوم فهو منهم. وقد ألَّف العلماء في ذلك مؤلفات، ونحن نورد هنا ما فيه مَقْنعَ في ذلك. قال الله تعالى في وصف عباد الرحمن: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ [الفرقان: ٧٢]. قال ابن عباس: أعياد المشركين. رواه الخطيب (٢). وقال الضحَّاك مثله (٣). وقال عمرو بن مُرَّة رحمه الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾: لا يُمالئون أهل الشرك على شركهم، ولا يخالطونهم (٤). رواهما أبو الشيخ الأصفهاني في "شروط أهل الذمة".

стр. 4291

وقال ابن سيرين: هو الشعانين؛ يعني: أعياد النصارى (١). وقال مجاهد، والربيع بن أنس: أعياد المشركين (٢). رواهما أبو بكر الخلال في "الجامع". وقال قتادة ﴿لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾: لا يساعدون أهل الباطل على باطلهم، ولا يمالئونهم (٣). وقال عمرو بن قيس المُلائي في قوله: ﴿لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾: مجالس السوء (٤). رواهما ابن أبي حاتم. حملا الزور على ما هو أعم من أعياد المشركين، وهو مجالس المشركين (٥). وروى الشيخان عن عائشة رضي الله تعالى عنها قال: دخل عليَّ أبو بكر رضي الله تعالى عنه وعندي جاريتان من جواري الأنصار تغنيان بما قالت به الأنصار يوم بعاث، وليستا بمغنيتين، فقال أبو بكر رضي الله

стр. 4292

تعالى عنه: أبمزمور الشيطان في بيت رسول الله ﷺ ؟ وذلك يوم عيد. فقال رسول الله ﷺ : "يا أَبا بَكْرٍ! إِنَّ لِكُلِّ قَوْمٍ عِيْدًا، وَهَذا عِيْدُنَا". وفي رواية: "وَإنَّ عِيْدَنا هَذا اليَوْمُ" (١). ففي الحديث إشارة إلى أن لكل قوم عيدًا يختص بهم، فأعياد أهل الكتاب خاصة بهم، وأعيادنا خاصة بنا، وأن عيد أهل الإِسلام محصور في جنس ذلك اليوم، وهو ما كان عيدًا شرعيًا، فليس لأحد أن يتخذ عيدًا لم يرد به الشرع الشريف. وتقدم حديث أم سلمة رضي الله تعالى عنها في صوم يوم السبت والأحد، وقول النبي ﷺ : "إنَّهُما يَوْما عِيْدٍ للْمُشْرِكِيْنَ، فَأُحِبُّ أَنْ أُخالِفَهُمْ". وروى البيهقي بإسناد صحيح، عن عمر ﵁ أنه قال: لا تعلَّموا رَطانة الأعاجم، ولا تدخلوا على المشركين في كنائسهم يوم عيدهم؛ فإن السخطة تنزل عليهم. وروى بإسناد صحيح، عنه أيضًا أنه قال: اجتنبوا أعداء الله في عيدهم (٢). ونقل الإمام أبو الحسن الآمدي عن الإمام أحمد: أنه نصَّ على أنَّه لا يجوز شهود أعياد النصارى واليهود احتجاجًا بالآية المتقدمة.

стр. 4293

قال: فأما ما يبيعون في الأسواق في أعيادهم فلا بأس بحضوره. نص عليه أحمد رضي الله تعالى عنه (١). ونص الحافظ الذهبي على تحريم مشاركة المسلمين في أعيادهم، وألَّف في ذلك مؤلفًا. ونصَّ بعض علماء الحنفية على أن ذلك كفر، وبالغوا في التنفير من ذلك (٢). قال ابن الحاج في "المدخل" نقلًا عن "مختصر الواضحة": سُئل ابن القاسم عن الركوب في السفن التي يركب فيها النصارى لأعيادهم، فكره ذلك مخافة نزول السخطة عليهم لشركهم الذي اجتمعوا. قال: وكره ابن القاسم للمسلم أن يهدي إلى النصراني في عيده مكافأة له، ورآه من تعظيم عيده، وعوناً له على مصلحة كفره؛ ألا ترى أنه لا يجمل للمسلمين أن يبيعوا من النصارى شيئًا من مصلحة عيدهم لا لحماً، ولا إداماً، ولا ثوبًا، ولا يعارون دابة، ولا يعانون على شيء من دينهم؛ لأن ذلك من تعظيم شركهم، وعونهم على كفرهم؟ قال: وينبغي للسلاطين أن ينهوا المسلمين عن ذلك، وهو قول مالك وغيره، ولم أعلمه اختلف في ذلك.

стр. 4294

ثم ذكر ابن الحاج أن مشاركة المسلمين لأهل الكتاب في الأعياد يزيدهم طغياناً، ويؤدي بهم إلى الغبطة والظن أنهم على حق (١). واعتبر ابن تيمية في كتاب له سمَّاه "الصراط المستقيم" تحريم مشاركتهم في عيدهم من وجوه: أحدها: أن الأعياد من جملة المناهج والمناسك، بل الأعياد أخص ما تتميز به الشرائع. وقد قال الله تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: ٤٨]. وقال تعالى: ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ﴾ [الحج: ٦٧]. فالموافقة في العيد موافقة في النسك. الثاني: أنَّ ما يفعله المشركون في أعيادهم معصية لأنه إما بدعة، وإما منسوخ، وكلاهما لا يجوز الأخذ به. الثالث: أنه متى سوِّغ للمسلمين القليل من مشاركتهم في الأعياد أدى إلى فعل الكثير، وإذا اشتهر الشيء دخل فيه عوام الناس وتناسَوا أصله، وقد يؤدي ذلك بهم إلى مضاهاتهم عيد الكفر بعيد الإِسلام، واختلاط الأديان؛ والعياذ بالله. الرابع: أن النبي ﷺ لم يترك أمته إلا وقد أكمل لهم دينهم، فاتخاذ أعياد الكفار عيدًا لم يوافق أصلًا من أصول الدين المحمدي،

стр. 4295

بل مصادمة له، فيجب التنزه عنها. الخامس: أن مشاركتهم في أعيادهم يوجب سرور قلوبهم، وابتهاجها بما هم عليه من الباطل، فيكون ذلك سببًا لدوامهم على ذلك، بل ولطمعهم في ضعفاء الخلق. السادس: أن ما يفعلونه في أعيادهم بعضه كفر، وبعضه منهي عنه، وبعضه مباح، والتمييز بين ذلك مما يخفى على العامة، فتعين اجتناب الكل حسماً للمادة. ولو فعل من مباحات ذلك من ينسب إلى العلم شيئًا فربما ظن الناس من فعله إباحة فعل الكل، فوجب على العالم اجتناب كل ذلك. السابع: أن المشابهة تدل على التفاعل في الأخلاق والصفات، والموافقة في الهَدي الظاهر توجب مناسبة وائتلافًا، فربما أدى الدخول معهم في أعيادهم إلى اكتساب شيء من أخلاقهم واعتقاداتهم. الثامن: أن المشابهة في الظاهر تورث نوع مودة وموالاة. وقد قال الله تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ [المجادلة: ٢٢] (١).

стр. 4296

واعلم أن ما ذكرناه من مشابهة أهل الكتاب في أعيادهم تتناول أمورًا ربما فعلها كثير من عوام الناس، فينبغي التنبيه عليها لتُحْذَر. ١ - فمن ذلك: احتفالهم للخميس الحقير هو وأهله ، والأسبوع الذي هو فيه من الأحد إلى الأحد هو أكبر أعياد النصارى، فيحتفلون له بصبغ البيض، وبيعه، والمقامرة به، وتبخير القبور، ووضع الثياب على السطح، وكتابة الأوراق وإلصاقها بالأبواب، وبيع البخور وشرائه، وخروج النساء لذلك، واتخاذه قرباناً، وطبخ العدس وغيره من الأطعمة المختصة بذلك اليوم، وأخذ النساء لورق الزيتون، والاغتسال بمائه أو بشيء مخصوص غيره؛ فإن أصل ذلك من ماء المعمودية، واتخاذ تلك الأيام أيام راحة ولعب بالخيل وغيرها، والخروج إلى الضواحي، وترك الأشغال والصنائع (١). وذلك وأمثاله في هذه الأيام من أعمال النصارى، فعلى المسلم أن لا يشاركهم في شيء منها، وإن غضب منه ولده الصغير وزوجته فلا يرضيهما بسخط الله تعالى، ولا يطيعهما؛ فإن طاعتهما في ذلك فتنة. وفي "صحيح البخاري" عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "لا أَفْلَحَ قَوْمٌ وَلَّوْا أَمْرَهُمُ امْرَأة" (٢). وقال الحسن: ما أصبح رجل يطيع امرأته في كل ما تريد إلا أكبَّه الله

стр. 4297

في النار (١). ومن ذلك ما يحتفل به كثير من الجهلة في عيد الفطر من شراء الفطير منهم، والحرص على ذلك؛ فإن فيه ترويجًا لما هم فيه، وإعانة لهم عليه، وهو مكروه، وبقصد التودد إليهم حرام. والاحتفال بهذا العيد يتفق كثيرًا من العوام بهذه الأمور أو ببعضها، وهم أرباب الجهالة وأهل الحماقة. وأخبث منهم من يخرج من المتصوفة في هذه الأيام إلى المشاهد كالمحل المعروف بسيدي تميم، وسيدي سعد، وقبر الست، وقرية برزة، وقرى المرج وغيرها من قرى دمشق وغيرها، فيخرجون بالمزاهر، والفقراء، والحيات في جيوبهم يقطعونها ويأكلونها إذا اجتمعوا، ويزعمون أن ذلك كرامة لشيخهم الفاسق. وقد تقدم الكلام على ذلك، وهؤلاء من شرار العباد. وقد قال علي ﵁: قصم ظهري عالمُ متهتك، وجاهل متنسك؛ فالجاهل يغش الناس، والعالم يغريهم بتهتك (٢). وقيل في المعنى: [من الطويل] فَسادٌ كَبِيْرٌ عالِمٌ مُتَهَتِّكٌ ... وَأَكْبَرُ مِنْهُ جاهِلٌ مُتَنَسِّكُ

стр. 4298

هُما فِتْنَةٌ لِلْعالَمِيْنَ عَظِيْمَةٌ ... لِمَنْ بِهِما في دِينِهِ يَتَمَسَّكُ (١) ٢ - ومن ذلك: ما يفعله النساء من طبخ العصيدة ونحوها في صبيحة اليوم المعروف عند النصارى بميلاد عيسى ، زعماً منهن أنَّ من لم يفعل ذلك يشتد عليه البرد في تلك السنة وإن تدثر. ٣ - ومن ذلك: الاغتسال لغير ضرورة في يوم غطاس النصارى ، وهو اليوم الذي يزعمون أن مريم اغتسلت فيه من النفاس، كما قال في "المدخل" (٢). وقال ابن تيمية: إنَّ النصارى تزعم أنه بعد الميلاد بأيام عُمِّد يحيى وعيسى ﵉ بماء المعمودية، فهم يتعمدون في هذا الوقت، ويسمونه عيد الغطاس. قال: وقد صار كثير من النساء يدخلن أولادهن الحمام في هذا الوقت، ويزعمن أن هذا ينفع الولد، وهذا من دين النصارى، وهو من أقبح المنكرات المحرمة، انتهى (٣). وبلغني أن الروافض يحتفلون بالاغتسال في هذا اليوم. وكذلك يحرم الاحتفال لهذا اليوم بغير ما ذكر مما فيه تعظيمه من

стр. 4299

حيث إنه عيد للنصارى كما ذكره ابن الحاج عن أهل مصر أنهم كانوا يزفون عيدان القصب والفواكه وعليها الشموع موقدة، وكانوا يتهادون فيها أطنان القصب (١). ٤ - ومن ذلك: احتفال أهل مصر بعيد الزيتونة ؛ فإن النصارى تخرج فيه إلى بئر البلسم بالمطرية، فيغتسلون منها، وربما قلدهم في ذلك بعض المسلمين، كما ذكره ابن الحاج أيضًا (٢). ٥ - ومن ذلك: ما يفعله النساء من الامتناع عن شراء السمك وأكله يوم السبت . وقد علمت مما تقدم أن ذلك كان مخصوصًا باليهود. وكذلك امتناعهن عن دخول الحمام، ويتركن الصلاة بسبب ذلك، ولا يبالين. وكذلك لا يشترين فيه الصابون والسِّدر ونحوهما، ولا يغسلن فيه الثياب. وهذه كلها من خصال اليهود كما قال في "المدخل" (٣). ولعل ذلك في مصر وما والاها لأنها كانت بلده. نعم ربما تحرَّج نساء البلاد الشامية عن غسل الثياب يوم الجمعة،

стр. 4300

وهو شبيه بتحرج اليهود عن الأشغال يوم السبت، وكذلك من الرجال من يمتنع عن الصنائع والتجارة يوم الجمعة تعظيماً لليوم، وهذا إن كان أول النهار للغسل والتنظيف، والطيب، والتبكير للجمعة فهو موافق للسنة، وأما بعد الصلاة فالانتشار فيه للابتغاء من فضل الله أولى كما فعله بعض السلف. فأمَّا التحرج عن الاحتراف والشغل حتى يراه كأنه واجب عليه فهو شبيه بحال اليهود بالنسبة إلى يوم السبت، والنصارى بالنسبة إلى يوم الأحد إذا قعد بطّالًا، ولم يشتغل بأوراد يوم الجمعة من ذكر وقراءة، وصلاة وسلامٍ على رسول الله ﷺ . بل كان معيلًا لا يكتفي، ولا يكفي عياله إلا من حرفته التي لا اعتراض في الشرع عليه فيها، وترك الحرفة يوم الجمعة في غير وقت الصلاة تعظيمًا ليوم الجمعة، مع علمه بأن ترك الحرفة ذلك اليوم يضر بعيلته ولو في انتقاص بعض حقوقهم، فهو آثم لقوله ﷺ : "كَفَى بِالْمَرْءِ إِثْماً أَنْ يُضَيِّعَ مَنْ يَمُوْنُ" (١). فإن كان يحتج بتعظيم يوم الجمعة في البطالة، ثمَّ يذهب إلى بيوت القهوات ونحوها من المفترجات وأماكن اللهو فهو ممقوت عند الله تعالى. ويتفق ذلك لكثير من الناس في هذه الأعصار، وبلغني عن أهل

стр. 4301

حلب أنهم اعتادوا أن يخرجوا للمتنزهات يوم الجمعة يتحرون ذلك، وهي عادة قبيحة؛ ولا حول ولا قوة إلا بالله. وأما تخصيص يوم الجمعة بالتعظيم والتبجيل من حيث الاهتمامُ فيه بالقراءة لا سيما سورة الكهف، وسورة الدخان، وقراءة ﴿الم﴾ السجدة، و ﴿هَلْ أَتَى﴾ [الإنسان: ١]، في صبحها، وسائر أنواع الذكر والعبادة شكرًا لله تعالى على هدايته إياه ليوم الجمعة، والصلاة والسلام على رسول الله ﷺ من باب تعظيم شعائر الدين، والتشبه بالعباد الصالحين إلا ما استثناه الشرع من تخصيص يوم الجمعة بصيام وليلتها بقيام. وقد روى الإمام أحمد عن ابن سيرين قال: أنبئت أن الأنصار قبل قدوم رسول الله ﷺ قالوا: لو نظرنا يومًا فاجتمعنا فيه، فذكرنا هذا الأمر الذي أنعم الله به علينا، فقالوا: يوم السبت، ثمَّ قالوا: لا نجامع اليهود في يومهم، قالوا: يوم الأحد، قالوا: لا نجامع النصارى في يومهم، قالوا: فيوم العروبة، وكان يسمون يوم الجمعة: يوم العروبة، فاجتمعوا في بيت أبي أسامة أسعد بن زرارة، فذبحت لهم شاة، فكفتهم (١). فانظر كيف كان الاجتماع على الذكر والشكر تغلي به قلوب الأنصار ألهمهم الله تعالى أن يكون يوم الجمعة، وهداهم الله، وهو اليوم الذي أضلته اليهود والنصارى، وهدى الله هذه الأمة إليه كما في الحديث، لا يوم السبت ولا يوم الأحد فراراً من مشابهة أهل الكتاب،

стр. 4302

ثمَّ فرض الله تعالى عليهم الجمعة، فوافقت خواطرهم لما هو مخبوء لهم في علم الله تعالى. ولقد قال بعض أكابر العارفين: من علامة توفيق العبد أن يلهمه الله تعالى نوعًا من الخير، ثمَّ يجده موافقا للأثر، وكذلك اتفق للأنصار ﵃ في قصتهم هذه، ولله الحمد. * تنبِيْهٌ: قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾ [الفرقان: ٧٢]؛ أي: يعرضون عن أهله لا يكلمونهم؛ قاله السدي (١). أو: إذا أُوذوا صَفَحوا؛ قاله مجاهد (٢). رواهما ابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم. وقال إبراهيم بن ميسرة ﵄: بلغني أنَّ ابن مسعود رضي الله تعالى عنه مرَّ بلهو معرضاً ولم يقف، فقال رسول الله ﷺ : "لَقَدْ أصْبَحَ ابنُ مَسْعُودٍ كَرِيْماً" ثُمَّ تَلا إبراهيم: ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾ [الفرقان: ٧٢]. رواه ابن أبي حاتم، وابن عساكر (٣).

стр. 4303

فالكرم هو الإعراض عن اللغو، واحتمال الأذى. ولنا في المعنى هذا البيت: [من الرَّمل] أَعْرِضُوا عَنْ كُلِّ لَغْوٍ واسْتَقِيْمُوا ... إِنَّ مَنْ يُعْرِضُ عَنْ لَغْوٍ كَرِيْمُ قال الحسن: اللغو كل المعاصي. رواه ابن جرير (١). قلت: أو ما يجر إليها مما لا يعني العبد. فمن الكرم الإعراض عن الغيبة والنميمة، والأحاديث التي تبثها للناس مما لا غرض فيه صحيح، ومحاباة الناس، وكثير المزاح، وما يضحك، واستماع الملاهي، واللعب، والشعبذة، ومهارشة الكلاب، وترقيص الحيوانات، والرقص، والحباط، والسخرية، وخيال الظل، وغير ذلك مما يكتب في سيئات العبد، بل ربما لا يكتب في حسناته. ولقد أثنى الله تعالى على مؤمني أهل الكتاب بالإعراض عن اللغو معرِّضًا بمن سواهم ممن يخوض فيه، ولا يعرض عنه، فقال تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ (٥٢) وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ (٥٣) أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٥٤) وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾ [القصص: ٥٢ - ٥٥].

стр. 4304

قال مجاهد: هم أناس من أهل الكتاب أسلموا، وكان أناس من اليهود إذا مروا عليهم سبُّوهم. رواه ابن أبي حاتم (١). ومما يدخل في مشاركة أهل الكتاب ما يفعله النساء من ترك الاشتغال بأشغالهن ليلة الأحد ويوم الأحد، وهن متشبهات في ذلك بالنصارى، كما نبَّه عليه ابن الحاج في "المدخل" أيضاً (٢). ومن ذلك تطير العوام من عيادة المريض يوم السبت، حتى إن كثيرًا من جهلتهم لا يأذنون لمن يستأذن على المريض في يوم السبت. قال في "المدخل": وذكر بعضهم أن يهوديًا كان طبيبًا لملك من الملوك، فمرض الملك مرضاً شديدًا، فكان الطبيب لا يفارقه، فجاء يوم الجمعة فأراد اليهودي أن يمضي إلى سبته، فمنعه قدر اليهودي أن يستحل سبته، وخاف على سفك دمه، فقال له اليهودي: إن المريض لا يدخل عليه يوم السبت، فتركه الملك، ومضى لسبته، ثمَّ شاعت هذه البدعة، وصار كثير من الناس يعتمدونها (٣). ٢٠٣ - ومن أخلاق اليهود والنصارى: الطيرة من حيث هي . قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ﴾؛ أي: من جَذب ومَحْل ﴿يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ﴾ [النساء: ٧٨]؛ أي: أصابنا ذلك من شؤمك وشؤم أصحابك.

стр. 4305

قال جماعة من المفسرين: نزلت هذه الآية في اليهود، والمنافقين لما قدم رسول الله ﷺ عليهم المدينة قالوا: ما زلنا نعرف النقص في ثمارنا ومزارعنا منذ قدم علينا هذا الرجل وأصحابه (١). وعرَّفهم أن نقص أرزاقهم إنَّما هو سبب كفرهم وشقاقهم، فقال: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٦٥) وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ [المائدة: ٦٥، ٦٦]. قال ابن عباس وغيره: يعني: المطر، والنبات (٢). وذكر الله تعالى الطيرة من أخلاق أهل القرية التي أَرْسل إليها عيسى ﵇ رسولين، ثمَّ عززهما بثالث بإذن الله تعالى، وهي أنطاكية على قول الأكثرين: ﴿قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [يس: ١٨]. قال قتادة في قوله: ﴿إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ﴾: يقولون: إذا أصابنا شر فإنَّما هو من أجلكم (٣).

стр. 4306

وقال في قوله: ﴿لَنَرْجُمَنَّكُمْ﴾: بالحجارة (١). وفي قوله: ﴿قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ﴾ [يس: ١٩]، يقولون: أئن ذكرناكم بالله تطيرتم بنا (٢)؟ أخرجه عبد الرزاق، والمفسرون. وقال ابن عباس في قوله: ﴿طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ﴾: شؤمكم معكم. أخرجه ابن المنذر (٣). وفي الحديث: "الطيِّرَةُ شِرْكٌ" (٤)، وسيأتي الكلام على ذلك في التشبه بالجاهلية. ٢٠٤ - ومنها: حب الحياة، وإطالة الأمل . وهذه الخصلة قَلَّ أن يسلم إنسان منها، ولذلك قيل: حب الحياة طبيعة الإنسان. ولكن المؤمن يحب طول الحياة للأعمال الصالحة، والإعتاب وتدارك ما فات، والفاسق والكافر يحبان طول الحياة ويأملان لغير ذلك.

стр. 4307

وقد يتميز اليهود من حب الحياة لغير طاعة الله تعالى، والاستكثار من الخير، بل للتلذذ والتنعم بالدنيا، والتبسط في الطغيان بزيادة على سائر الناس، فلذلك قال الله تعالى: ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: ٩٦]. ٢٠٥ - ومنها: الادخار شحًا وبخلًا . وتقدم أنَّ البخل من أخلاق بني إسرائيل، وعدم الثقة بوعد الله تعالى، وترك الاتكال عليه، والتوكل على ما سواه. قال الله تعالى حكاية عن موسى ﵇: ﴿يَاقَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ (٢١) قَالُوا يَامُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ﴾ [المائدة: ٢١، ٢٢]. يعني: العماليق، وهم الكنعانيون، وكان لهم ضخامة زائدة، وطول مُفْرِط. يحكى أن الواحد منهم كان يأخذ عشرة من بني إسرائيل في يده، وكان الله تعالى قد أمر موسى ﵇ بقتالهم، ووعده أن ينصره عليهم، ويدخلهم أرض الشام، وقال: يا موسى! إني كتبتها لكم دارًا وقرارًا، فلما تعرَّفَ بنو إسرائيل ما عليه الكنعانيون من القوة والإفراط في الطول والضخامة جبنوا، ولم يثقوا بالله تعالى ووعده: ﴿قَالُوا يَامُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا

стр. 4308

مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ (٢٢) قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ﴾؛ أي: من الله تعالى، وهما يوشع، وكالب. ﴿أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ﴾؛ أمروهم بالشجاعة. ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ﴾؛ فإن الله تعالى منجز وعده، ومصدق رسله. ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾. قيل: فلما قالا ذلك همَّ بنو إسرائيل أن يرجموهما بالحجارة. ﴿قَالُوا يَامُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ (٢٤) قَالَ رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (٢٥) قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ [المائدة: ٢٢ - ٢٦]. فلبثوا أربعين سنة في ستة فراسخ، وهم ستمئة ألف مقاتل، وكانوا يسيرون كل يوم جادين، فإذا أمسوا كانوا في الموضع الذي ارتحلوا عنه، ورزقهم الله تعالى في التيه المنَّ والسلوى. والمن: الترنجبين؛ وفي الحديث الصحيح: "الكَمأَةُ مِن الْمَنِّ" (١). والسلوى: طائر يشبه السَّمَّان. وكان مع موسى ﵇ فهو يضعه في مخلاته، يضربه فيسيل

стр. 4309

منه اثنتا عشرة عيناً، يشرب كل سبط منهم من عين منها. وكانوا إذا أصبحوا أنزل الله عليهم المنَّ والسلوى من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، فيأخذ كل واحد منهم ما يكفيه ليومه وليلته، وإذا كان يوم الجمعة يأخذ كل واحد منهم ما يكفيه ليومين لأنه كان لا ينزل عليهم يوم السبت، وكان لا يجوِّز لهم أن يدخروا ما يزيد على ذلك، فادخروا فأنتنَ اللحم، وخَنِز (١). روى الإمام أحمد، والشيخان عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لَوْلا بَنُو إِسْرائِيْلَ لَمْ يَخْبُثِ الطَّعامُ، وَلَمْ يَخْنَزِ اللَّحْمُ، وَلَوْلا حَوَّاءُ لَمْ تَخُنْ أُنْثَى زَوْجَهَا" (٢). هذا ما كان من اليهود. وأمَّا النصارى فإنهم لمَّا أنزل الله تعالى المائدة عليهم كانت تنزل عليهم كل يوم، ثمَّ ترتفع بعد أن يكتفوا، وكان عليهم أن لا يخونوا ولا يدخروا، فلم يقوموا بذلك. روى الترمذي -موقوفًا وصححه، ومرفوعًا وضعفه- عن عمار ابن ياسر رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله ﷺ : "أُنْزِلَتِ الْمائِدَةُ خُبْزًا وَلَحْمًا، وَأُمِرُوا أَنْ لا يَدَّخِرُوا لِغَدٍ، وَلا يَخُونُوا، فَخانُوا وادَّخَرُوا،

стр. 4310

وَدَفَعُو الِغَل"، فَمُسِحُوا قِرَدَةَ وَخَنازِيْرَ" (١). واعلم أن الادخار لم يمنع منه في شريعتنا إلا لو كان على سبيل البخل والشح، أو على سبيل الاحتكار. ثمَّ اللائق بمقام التوكل أن لا يدخر لنفسه شيئاً؛ فإن ادخر لعياله أو ليستريح من مشقة الاحتراف في كل يوم، ويتفرغ للعبادة، فلا يناقض التوكل. نعم، ينبغي أن لا يزيد على قوت سنة؛ ففي "الصحيحين" عن عمر رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ كان يعزل نفقة أهله سنة (٢). والحاصل أن التوكل هو الثقة بالله، وتعلق القلب به لا بالأسباب من حرفة، أو تجارة، أو جراية، أو قوت مدخر، أو مال، أو منفق. فمن تعانى هذه الأسباب، ولم يعتمد بقلبه عليها لأنها قد تتعطل وتهلك، وتعرض لها الآفات، بل كلما كان اعتماده على الله تعالى وكان تعلقه بالأسباب استناناً وابتغاء فقد قام في مقام التوكل، وحافظ على السنة. وقد قال الإمام الجليل أبو محمَّد سهل بن عبد الله التستَري رحمه الله تعالى: من طعن في الحركة فقد طعن في السنة، ومن طعن في
следующие страницы →