← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 14592

حسن التنبه لما ورد في التشبه

نجم الدين الغزي

Полный текст (6 623 стр.). Показаны 4376–4415 · переход к 4381.

стр. 4376

فقيل له: أما فلان الجبار فإنَّه لم يكن له إلا حسنة واحدة، فأحبَّ الله أن يخرجه من الدنيا وليس له في الآخرة نصيب، وأمَّا فلان السائح فإنَّه كان قد عمل عملًا فأخرجه الله من الدنيا وهو لا يجد ألم ذلك (١). وروى الديلمي عن أبي سعيد رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "قَالَ مُوسَى النَّبِيُّ ﵇: يا رَبِّ! إِنَّكَ تُغْلِقُ عَلَى عَبْدِكَ الْمُؤْمِنِ الدُّنْيَا، فَفَتَحَ اللهُ لَهُ بَابًا مِنْ أَبْوابِ الْجَنَّةِ، فَقالَ: هَذا ما أَعْدَدْتُ لَهُ، قَالَ: وَعِزَّتِكَ وَجَلالِكَ وارْتفاعِ مَكَانِكَ لَوْ كَانَ أَقْطَعَ اليَدَيْنِ والرِّجْلَيْنِ يُسْحَبُ عَلَى وَجْهِهِ مُنْذُ خَلَقْتَهُ إلَى يَوْمِ القِيامَةِ، ثُمَّ كانَ هَذا مَصِيْرُهُ لَكَأَنْ لَمْ يَرَ بَأسًا قَطُّ. قَالَ: يا رَبِّ! إِنَّك تُعْطِي الكافِرَ الدُّنْيَا فَفَتَحَ لَهُ بَابًا إلَى النَّارِ، فَقَالَ: هَذا ما أَعْدَدْتُ لَهُ، فَقَالَ: يا رَبِّ! وَعِزَّتك لَوْ أَعْطَيْتَهُ الدُّنْيا وَمَا فِيَها لَمْ يَزَلْ ذَلِكَ مُنْذُ خَلَقْتَهُ إلَى يَوْمِ القِيامَةِ، ثُمَّ كانَ هَذا مَصِيْرُهُ كأَنْ لَمْ يَرَ خَيْرًا قَطُّ" (٢). وروى أبو نعيم عن وهب قال: كان في بني إسرائيل رجل عصى الله مئتي سنة ثمَّ مات، فأخذوه فألقوه على مَزبلة، فأوحى الله إلى موسى

стр. 4377

عليه السلام أن اخرج فصلِّ عليه. قال: يا رب! بنو إسرائيل شهدوا أنَّه عصاك مئتي سنة. فأوحى الله : هكذا كان، إلا أنَّه كان كلما نشر التوراة، ونظر إلى اسم محمَّد وضعه على عينيه وصلَّى، فشكرت له ذلك، وغفرت له ذنوبه، ووهبته سبعين حوراء (١).

стр. 4378

(١٢) بَابُ النَّهْيِ عَنِ التَّشَبُّهِ بِالأَعَاجِمِ وَالمَجُوسِ

стр. 4379

(١٢) بَابُ النَّهْيِ عَنِ التَّشَبُّهِ بِالأَعَاجِمِ وَالمَجُوسِ جمع مجوسي، منسوب إلى مجوس كصبور؛ رجل صغير الأذنين وضع دينًا ودعا إليه، معرب من جكوس (١)؛ قاله في "القاموس" (٢). وهم يعبدون النار والكواكب، ولا كتاب لهم، ومن ثمَّ تباشرت قريش بغلبة فارس على الروم، وتفاءلوا بأنهم يغلبون المسلمين كما غلبت فارس الروم لأنهم ليسوا بأهل كتاب، والمسلمون أهل كتاب، فأنزل الله تعالى ذلك: ﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (٣) فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾ [الروم: ١ - ٤] كما ثبت في "جامع الترمذي"، وكتب التفسير (٣). ولفظ: الأعاجم، والعجم قد يطلق ويراد به فارس خاصة كما سيأتي. وتارة يطلق ويراد به ما عدا العرب من الناس كما تطلق العجمية

стр. 4380

ويراد بها ما سوى العربية. وعلى هذا: فمهما أطلق مدح العرب في موضع كان مفهومه إطلاق ذم العجم به. وبالجملة: ففضل العربية والعرب لا ينكر، ويدل عليه العقل والنقل. أما العقل فلأن بني آدم أفضل من الحيوان كما قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ [الإسراء: ٧٠] وكرامة بني آدم بالنطق، والعقل، والبيان المتولد عنهما. ولقد امتن الله تعالى على الإنسان بتعليمه البيان في قوله تعالى: ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ (٣) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾ [الرحمن: ٣، ٤]. فكلما كان النطق والعبادة أوضح وأفهم، وكان العقل أقوى وأحكم، كان الفضل أظهر. ولا شك أن العرب أحلى منطقًا وأوضح عبارة، ولسانهم أتم الألسنة بيانًا وتمييزًا للمعاني جمعًا وفرقًا. يجمع المعاني الكثيرة في العبارات القصيرة، ويميز بين المعاني المختلفة تارةً بالكلمات، وتارة بالحركات، وهم يتصرفون بالألفاظ ما لا يتصرف به غيرهم مع الفصاحة والبلاغة، ولذلك كان القرآن معجزًا. ثمَّ إذا ثبت أن لسان العرب بهذه المثابة علمت أن عقولهم أتم لأنَّ اللسان ترجمان عن معقول كل إنسان، ومن ثمَّ لم تحتج عقول

стр. 4381

العرب في فهم المعاني والعلوم إلى رياضتها بآلة قانونية تعصم مراعاتها الذهن عن الخطأ -وهي المسماة بعلم المنطق- بخلاف الأعاجم. وحكي عن يونس بن عبد الأعلى قال: سمعت الشافعي رضي الله تعالى عنه يقول: اصطنع رجل إلى رجل من العرب معروفًا فوقع منه، فقال له: أجارك الله من غير أن يبتليَك. وقال الشافعي: هم أَحَدُّ الناس عقولًا (١)؛ يعني: العرب. وأيضًا: فإنَّ مما تظهر به كرامة ابن آدم حسن الخلق واعتدال الغريزة، وإلا كان هو والبهائم سواء، وكلما حسن خلقه واعتدلت خليقته تمَّ كماله، وظهرت كرامته، ومن ثمَّ أثنى الله تعالى على نبيه ﷺ بقوله: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤]. ولا شك أن غرائز العرب أطوع للخير من غيرهم، فهم أقرب إلى السماحة، والسخاوة، والحلم، والعفو، والشجاعة، والوفاء، وغيرها من الأخلاق الكريمة. ولكن كانت قبل الإِسلام طبائعهم قابلة للخير معطلة عن فعله لما ألفته نفوسهم من الجهل وعدم الهدى؛ إذ لم تبق فيهم شريعة موروثة عن نبي، ولا كان فيهم علم منزل من السماء، حتى بعث الله تعالى فيهم محمدًا ﷺ بالهدى والكتاب المنير كما قال تعالى: ﴿بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ

стр. 4382

لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾ [السجدة: ٣]، فتلقوا عنه ما جاء به ﷺ كل منهم على حسب قابليته وتهيئته؛ بعضهم بمجرد الدعوة كأبي بكر، وعمار، وعلي، وزيد بن حارثة، وخديجة، وإخوانهم رضي الله تعالى عنهم. وبعضهم بالمجاهدة والمعالجة -وهم الأكثرون- فصاروا بهذا الاعتبار أفضل الخلق بعد الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. وأفضلهم السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار بسبب ما تنبهت له قلوبهم من الإيمان بما جاء به محمد ﷺ ، والتصديق له، والاقتداء به، والأخذ عنه. وبان بعد ذلك أن الفضل إنما هو بالإيمان والتصديق، وحسن الاتباع كما قال الله : ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣]. وفي الحديث: "أَلا لا فَضْلَ لِعَرَبِيٍّ عَلَى أَعَجَمِيٍّ، وَلا لأَسْوَدَ عَلَى أَحْمَرَ إِلَّا بِالتَّقْوَى" (١). وقال ابن مسعود رضي الله تعالى عنه: لوددت أني أعلم أن الله قد غفر لي ذنبًا من ذنوبي، وإني لا أبالي أي ولد آدم ولدني. رواه ابن أبي شيبة (٢).

стр. 4383

نعم، إذا استوى الناس في التقوى قدِّم العربي على غيره لقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢) وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣) ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الجمعة: ٢ - ٤]. روى سعيد بن منصور، والمفسرون عن مجاهد في قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ قال: العرب. ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾ قال: العجم (١). ولحديث مسلم عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "النَّاسُ مَعادِنُ كَمَعادِنِ الذَّهَبِ والفِضَّةِ؛ خِيارُهُمْ في الْجاهِلِيَّةِ خِيَارُهُمْ في الإِسْلامِ إِذَا فَقُهُوا، والأَرْواحُ جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ؛ مَا تَعارَفَ مِنْهَا ائْتَلَفَ، وَمَا تَناكَرَ مِنْهَا اخْتَلَفَ" (٢). وتأمل ما رواه أبو داود عن عبد الرحمن بن أبي عقبة عن أبي عقبة -وكان مولى من أهل فارس- قال: شهدت مع رسول الله ﷺ أُحُدًا، فضربت رجلًا من المشركين، فقلت: خذها وأنا الغلام الفارسي.

стр. 4384

فالتفت إليَّ -يعني: النبي ﷺ فقال: "هَلَّا قُلْتَ خُذْهَا وَأَنَا الغُلامُ الأَنْصارِيُّ" (١). فانظر كيف حثَّه النبي ﷺ على الانتساب إلى الأنصار وإن كان بالولاء، وكان الإظهار لذلك أحب إليه من الانتساب إلى فارس، وفي ذلك أمران: الأوَّل: أنَّ من أمكنه الانتساب إلى العرب ولو بالولاء فلا ينبغي له أن ينتسب إلى العجم، وهنا أمكن أبا عقبة أن ينتسب إلى الأنصار وهم من العرب، فلم يرض له رسول الله ﷺ أن ينتسب إلى العجم مع ذلك. والأمر الثاني: أن من أمكنه أن ينتسب إلى جهة أعزها الإِسلام كالنصرة والهجرة، فلا ينبغي أن يعدل عنها إلى الشعوب والقبائل لأنه خلق جاهي كما سيأتي. ومن هنا مدح النبي ﷺ سلمان الفارسي رضي الله تعالى عنه بنسبته إلى بيته، فقال: "سَلْمَانُ مِنَّا أَهْلَ البَيْتِ" كما رواه ابن سعد في "طبقاته"، والحسن بن سفيان في "مسنده"، والطبراني في "معجمه الكبير"، والحاكم في "مستدركه"؛ وإن تعقب عليه في تصحيحه عن كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف المزني، عن أبيه، عن جده رضي الله تعالى عنه (٢).

стр. 4385

وروى الطبراني في "معجمه الصغير"، و"الأوسط" بإسناد حسن، عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: كان لرسول الله ﷺ موليان؛ حبشي وقبطي، فاستبَّا يومًا فقال أحدهما: يا حبشي، وقال الآخر: يا قبطي، فقال رسول الله ﷺ : "لا تَقُوْلا هَذَا؛ إِنَّما أَنْتُمَا رَجُلانِ مِنْ آلِ مُحَمَّدٍ ﷺ " (١). وأما النقل الدال على فضل العرب بعد كتاب الله تعالى فأحاديث كثيرة نذكر بعضها: روى مسلم، والترمذي عن واثلة بن الأسقع رضي الله تعالى عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إِنَّ الله اصطَفَى كِنانَةَ مِنْ وَلَدِ إِسْماعِيْلَ، واصْطَفَى قُرَيْشًا مِنْ كِنانَةَ، واصطَفَى مِنْ قُرَيْشٍ بَنِي هاشِمٍ، واصْطَفَانِي مِنْ بَنِي هاشِمٍ" (٢). ورواه الإمام أحمد، والترمذي بلفظ: "إِنَّ اللهَ اصْطَفَى مِنْ وَلَدِ إِبْراهِيْمَ إِسْماعِيْلَ، واصْطَفَى مِنْ وَلَدِ إِسْماعِيْلَ بَنِي كِنَانَةَ" إلى آخره (٣).

стр. 4386

قال ابن تيمية: وهذا يقتضي أن إسماعيل وذريته صفوة ولد إبراهيم ﵉، فيقتضي أنهم أفضل من ولد إسحاق الذين هم بنو إسرائيل، فإذا ثبت فضلهم عليهم وهم أفضل العجم فعلى غيرهم أولى، ولو لم يكن هذا مقصودًا في الحديث لم يكن لذكر اصطفاء إسماعيل فائدة حيث لم يكن اصطفاؤه دالًّا على اصطفاء ذريته، انتهى ملخصًا (١). وروى الحاكم وصححه، عن ابن عمر ﵄، عن النبي ﷺ أنَّه قال: "إِنَّ اللهَ اخْتارَ مِنْ بني آدَمَ العَرَبَ، واخْتَارَ مِنَ العَرَبِ مُضَرَ، واخْتَارَ مِنْ مُضَرٍ قُرَيْشًا، واخْتَارَ مِنْ قُرَيْشٍ بني هاشِمٍ، واخْتَارَنِي مِنْ بني هاشِمٍ؛ فأنا مِنْ خِيَارٍ إلَى خِيَارٍ، فَمَنْ أَحَبَّ العَرَبَ فَبِحُبِّي أَحَبَّهُمْ، وَمَنْ أَبْغَضَ العَرَبَ فَبِبُغْضِي أَبْغَضَهُمْ" (٢). وروى البزار بإسناد جيد، عن سلمان الفارسي ﵁ قال: نُفَضِّلكم يا معشر العرب لتفضيل رسول الله ﷺ إياكم؛ لا ننكح نساءكم، ولا نؤمكم في الصلاة (٣). وروى الطبراني في "الكبير"، و"الأوسط"، والحاكم وصححه،

стр. 4387

والبيهقيُّ، والسِّلَفي -وقال: هذا حديث حسن- عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله ﷺ : "أَحِبُّوا العَرَبَ لِثَلاثٍ: لأَنِّي عَرَبِيٌّ، والقُرْآنُ عَرَبِيٌّ، وَلِسَانُ أَهْلِ الْجَنَّةِ عَرَبِيٌّ" (١). وروى الطبراني في "الأوسط" عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "أَنا عَرَبِيٌّ، والقُرْآنُ عَرَبِيٌّ، وَلِسانُ أَهْلِ الْجَنَّةِ عَرَبِيٌّ" (٢). وعنه أيضًا قال: قال رسول الله ﷺ : "والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ما أَنْزَلَ اللهُ وَحْيًا قَطُّ عَلَى نبِيٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ إِلَّا بِالعَرَبِيَّةِ، ثُمَّ يَكُونُ هُوَ بَعْدُ يُبَلِّغُهُ قَوْمَهُ بِلِسَانِهِ" (٣). وروى الطبراني أيضًا -ورجاله ثقات- عن أبي موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "إِنِّي دَعَوْتُ لِلْعَرَبِ فَقُلْتُ: اللَّهُمَّ مَنْ لَقِيَكَ مِنْهُمْ مُعْتَرِفًا بِكَ فاغْفِرْ لَهُ أَيَامَ حَيَاتِهِ، وَهِيَ دَعْوَةُ إِبْراهِيْمَ وإِسْماعِيْلَ ﵉، وإِنَّ لِوَاءَ الْحَمْدِ يَوْمَ القِيامَةِ

стр. 4388

بِيَدِي، وإِنَ أَقْرَبَ الْخَلْقِ مِنْ لِوائِي يَوْمَ القِيامَةِ العَرَبُ" (١). وقوله: "فاغْفِرْ لَهُ أيَّامَ حَياتِهِ"؛ أي: ذنوب أيام حياته. وروى الإمام أحمد، والترمذي وحسنه، والحاكم وصححه، عن سلمان الفارسي رضي الله تعالى عنه قال: قال لي رسول الله ﷺ : "إلا تُبْغِضْنِي فَتُفارِقَ دِيْنَكَ". قلت: يا رسول الله! كيف أبغضك وبك هداني الله؟ قال: "تَبْغَضُ العَرَبَ فَتَبْغَضُنِي" (٢). وروى الحاكم وصححه، عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "حُبُّ قُرَيْشٍ إِيْمانٌ، وَبُغْضُهُمْ كُفْرٌ، وَحُبُّ العَرَبِ إِيْمانٌ، وَبُغْضُهُمْ كُفْرٌ؛ فَمَنْ أَحَبَّ العَرَبَ فَقَدْ أَحَبَّني، وَمَنْ أَبْغَضَ العَرَبَ فَقَدْ أَبْغَضَنِي" (٣).

стр. 4389

وروى السِّلَفي في "فضل العرب" عن جابر رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "حُبُّ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ مِنَ الإِيْمانِ، وَبُغْضُهُمَا مِنَ الكُفْرِ، وَحُبُّ العَرَبِ مِنَ الإِيْمانِ، وَبُغْضُهُمْ مِنَ الكُفْرِ" (١). وإنما استدللنا بهذه الأحاديث على أفضلية العرب لأنَّ الفضل تابع للمحبة، ومن كان حبه دينًا وإيمانًا فإنما هو لما فيه من زيادة الفضل والمزية. وروى الإمام أحمد، والترمذي عن عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ غَشَّ العَرَبَ لَمْ يَدْخُلْ فِي شَفَاعَتِي، وَلَمْ تَنَلْهُ مَوَدَّتِي" (٢). وروى أبو يعلى بإسناد قريب، عن جابر رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ قال: "إِذَا ذَلَّتِ العَرَبُ ذَلَّ الإِسْلامُ" (٣). وقد ثبت أن عمر ﵁ لما وضع ديوان العطاء كتب الناس على

стр. 4390

قدر أنسابهم، فبدأ بأقربهم نسبًا إلى رسول الله ﷺ ، فلما انقضت العرب ذكر العجم. وهكذا كان الديوان على عهد بقية الخلفاء الراشدين، وسائر الخلفاء من بني أمية وبني العباس إلى أن تغير الأمر. فإن قلت: فما تصنع بقوله ﷺ : "لَوْ كَانَ العِلْمُ (١) عِنْدَ الثُّريَّا لتَنَاوَلَهُ رِجالٌ مِنْ أَبْنَاء فَارِسَ". رواه مسلم عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه (٢). وفي "الصحيحين" عنه قال: كنا جلوسًا عند النبي ﷺ فأنزلت سورة الجمعة، فتلاها، فلما بلغ: ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾ [الجمعة: ٣] قال قائل منهم: يا رسول الله! من هؤلاء الذين لم يلحقوا بنا؟ فلم يراجعه حتى سأل ثلاثًا وفينا سلمان الفارسي، فوضع رسول الله ﷺ يده على سلمان، وقال: "والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ كان الإِيْمَانُ عِنْدَ الثُّرَيَّا لَنَالَهُ رِجالٌ مِنْ هَؤُلاء" (٣). وروى الترمذي وحسنه، عنه قال: تلا رسول الله ﷺ هذه الآية: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٨] فقالوا: ومن يستبدل بنا؟ فضرب رسول الله ﷺ بمنكب سلمان رضي الله تعالى عنه، ثمَّ قال: "هَذَا وَقَوْمَهُ" (٤).

стр. 4391

وفي رواية: فضرب رسول الله ﷺ فَخِذَ سلمان فقال: "هَذَا وَأَصْحَابَهُ، والَّذِيْ نَفْسِيْ بِيَدِهِ لَوْ كانَ الإِيْمانُ مَنُوْطًا بِالثُّرَيَّا لتَنَاوَلَهُ رِجَالٌ مِنْ فارس" (١). فهذه الآية على ما فسرت به هذا الحديث دالة على فضل أبناء فارس؛ فإن المستبدل في مثل هذا المقام لا بد أن يكون أمثل من المستبدل منه. فالجواب عن ذلك: أما الحديث الأوَّل: فإن العلم لا يستلزم الفضل المطلق، فقد يوجد أفضل من العالم بالشيء ممن لا يعلم به كما علم الخضر ﵇ ما لم يعلمه موسى ﵇ مع أن موسى أفضل منه، ولا يلزم من نيل رجال من فارس العلم أن لا يناله غيرهم، ولا أن يكون من ناله منهم أفضل ممن ناله من غيرهم. وأما الحديث الثاني، وكذلك الأوَّل: فإنَّ حاصل ما يؤخذ منهما أنَّ من أبناء فارس من ينال فضل الإيمان والعلم، ثمَّ من ساواهم في ذلك من العرب لا يلزم أن يكون الفارسي أفضل منه بغير مزية أخرى، بل نقول: إن العربي المتساوي معه في العلم والإيمان أفضل منه، وقد يؤخذ هذا من تفسير الآية المنزلة بالحديث على قوم سلمان؛ أعني: قوله تعالى: ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾ [الجمعة: ٣]؛ إذ معنى ﴿لَمَّا

стр. 4392

يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾: لم يدركوهم في شرف النفس، وكرم الحسب، ومكارم الأخلاق. وأما الآية المفسرة في الحديث الثالث، وهي قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٨] فإن الاستبدال يستلزم لخيرية المستبدل وميزته على المستبدل منه، إنما يكون بسبب التولي عن الطاعة، ومن تولى عن الطاعة فلا فضل له أصلًا وإن كان شريف النسب. ثمَّ اعلم أن فضيلة من كان من ذوي الفضل من الأعاجم لا يسع أحدًا إنكاره، لكن النظر في فضل ذوي الفضل منهم من أي جهة ثبت لهم الفضل ليس إلا من قبل العرب؛ إذ لا فضل لأحد إلا بالعلم والإيمان والتقوى، ولا يتوصل أحد إلى شيء من ذلك بعد بعثة النبي ﷺ من قبله ﷺ . ومن ثمَّ علمت أن فضل سلمان وصهيب رضي الله تعالى عنهما لم يكن لكونهما أعجمين؛ أحدهما فارسي والآخر رومي، بل لأخذهما الفضل عن سيد العرب ﷺ ، ومن ثمَّ كان سلمان سيد فارس وسابقهم، وصهيب سيد الروم وسابقهم، وبلال سيد الحبش وسابقهم. روى البزار، والحاكم وصححه، عن أنس، والطبراني في "الكبير" عنه، وعن أم هانئ، وابنُ عديّ عن أسامة رضي الله تعالى عنهم قالوا: قال رسول الله ﷺ : "السُّبَّاقُ أَرْبَعَةٌ: أَنا سابِقُ العَرَبِ، وَصُهَيْبٌ

стр. 4393

سابِقُ الرُّوْمِ، وَسَلْمَانُ سابِقُ الفُرْسِ، وَبِلال سابِقُ الْحَبَشِ" (١). وفي حديث آخر: "سَيِّدُ العَرَبِ مُحمَّدٌ، وَسَيِّدُ الرُّوْمِ صُهَيْب، وَسَيِّدُ الفُرْسِ سَلْمانٌ، وَسَيِّدُ الْحَبَشَةِ بِلالٌ". رواه الديلمي عن علي رضي الله تعالى عنه (٢). ثمَّ إن الفضل لا يثبت لأحد من العجم بعد هؤلاء إلا لمن وفقه الله تعالى إلى الاجتهاد في تحقيق التشبه بالنبي ﷺ ، والسابقين إلى الاهتداء بهديه من أصحابه المهاجرين والأنصار الذين منهم صهيب وسلمان لكونهما مقتفين لآثار النبي ﷺ ، لا لكونهما أعجميين، بل من ظنَّ فيهما أنهما لم ينسلخا من أعمال العجم وآدابهم وعاداتهم المخالفة للشرع، ولم يتشبها بالنبي ﷺ وأعماله وآدابه وأخلاقه، فقد أساء الظن بهما.

стр. 4394

فقد علم من ذلك أن تشبه الأعجمي بالعربي فيما يرضى به الله تعالى من الطاعات والآداب والأخلاق مندوب إليه محثوث عليه، وأن تشبه العربي بالأعجمي فيما لم ترد به الشريعة والسنة من الآداب والعادات منهي عنه ممنوع منه لمخالفته سَمت النبي ﷺ وسمت أصحابه الكرام، وقد أمرنا بمتابعتهم، ونهينا عن مخالفتهم. ولمَّا كان الفرس أقرب إلى التلبس بالإيمان والخير من سائر العجم، وكان أهل أصبهان أقربهم إلى ذلك، قال سعيد بن المسيّب: لو لم أكن من قريش لأحببت أن أكون من فارس، ثمَّ أحببت أن أكون من أصبهان (١). وفي رواية: لولا أني رجل من قريش لتمنيت أن أكون من أهل أصبهان؛ لقول النبي ﷺ : "لَوْ كَانَ الدِّيْنُ مُعَلَّقًا بِالثُّرَيَّا لتَنَاوَلَهُ نَاسٌ مِنْ أَبْناءِ العَجَمِ، أَسْعَدُ النَّاسِ بِها فارِسُ وَأَصْبَهانُ". رواه السِّلَفي في كتاب "فضل الفُرس" بإسناد جيد (٢). قالوا: وكان سلمان الفارسي من أهل أصبهان، وكذلك عكرمة مولى ابن عباس. ويروى عن عبد الرحمن بن عوف أحد العشرة ﵃ أنَّه قال: أمي من أصبهان، ونشأت برامهرمز.

стр. 4395

قيل: وكان اسم سلمان: روزبه بن راهمان من قرية جبان، وأهل هذه القرية يعرفون الموضع الذي ولد فيه. ويحكى: أن سلمان كتب إلى قومه أن يتخذوا داره مسجدًا. قيل: وكان هو القائم بأمر الجيش. وكان رضي الله تعالى عنه أول من قام قبل الإِسلام بالعدل في الناس، ودعا إليه، ونهج طريق الإنصاف والتسوية بين القوي والضعيف في الحكم، وقصة إسلامه ومناقبه مشهورة في كتب الحديث، وغيرها (١). وروى السِّلَفي عن الأصمعي أنَّه قال: عجم أصبهان قريش العجم (٢). قلت: وسمعت بعض الأعاجم يرويه حديثًا مرفوعًا، وليس كذلك، وهو تهور لا يعتد به. نعم، روى ابن النجار عن ابن عمر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ أَسلَمَ مِنْ فارِسَ فَهُوَ قُرَشيٌّ" (٣). ومعناه -إن صح-: فهو في العجم كالقرشي في العرب، لا أنَّه والقرشي في رتبة واحدة.

стр. 4396

واعلم أن الأعجمي كلما كان أقرب إلى أخلاق العرب كان أوفر عقلًا، وأظهر فضلًا، ولا سيما محبة التكلم بلسان العرب لأنَّ اللسان هو الفارق بين العرب والعجم. ومن ثمَّ ورد في الحديث: "مَنْ تَكَلَّمَ بِالْعَرَبِيَّةِ فَهُوَ عَرَبِيٌّ". رواه السِّلَفي من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه (١). فتشبه الأعجمي بالعربي دليل عقله، وجَزالة رأيه، واستكماله الدين، بخلاف تشبه العربي بالأعجمي؛ فإنَّه دليل الجهل، والحماقة، وسخافة الرأي، وقلة الدين؛ أعني: تشبهه به في غير المشروع، ومن ثمَّ جاء النهي عن التشبه بالأعاجم. ثمَّ إنَّ ما يؤمر به الأعجمي من التشبه بالعرب في الدين والأخلاق الكريمة إنما هو على قدر طاقته؛ إذ لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها، وما لا يستطيعه من ذلك ينبغي أن ينويه ويتحراه، ويحزن على فواته؛ فإن الأعمال بالنيات، وحينئذ لا يحرم بركة ما فاته. روى أبو عبيد القاسم -مرسلًا- عن بكر بن الأخنس رحمه الله تعالى أنَّه قال: كان يقال: إذا قرأ الأعجمي، والذي لا يقيم القرآن كَتَبه المَلَكُ كما أنزل (٢). أي: كتب له الملك ثوابه كما لو أتى به مستقيمًا؛ فإن تلك نيته،

стр. 4397

وأتى بمقدرته. ثمَّ العرب الذين لهم الفضل هم [أولاد] إسماعيل بن إبراهيم، ومن بعده. روى ابن باكويه الشيرازي في "الألقاب" عن علي رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "أَوَّلُ مَنْ فُتِقَ لِسَانَهُ بِالعَرَبِيَّةِ الْمُهَيْمِنَةِ إِسْماعِيْلُ وَهُوَ ابْنُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً" (١). "وروى الحاكم، والبيهقيُّ وصححاه، عن جابر ﵁: أن رسول الله ﷺ تلا: ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [يوسف: ٢]، ثمَّ قال: "أُلْهِمَ إِسْماعِيْلُ هَذا اللِّسَانَ العَرَبِيَّ إِلْهامًا بَعْدَ أَنْ دَرَسَ" (٢). وبهذا تبيّن أن قوله ﷺ : "أَوَّلُ مَنْ فُتِقَ لِسانه بِالعَرَبِيَّةِ" معناه: بعد اندراسها. وإلا فقد روى ابن عساكر عن ابن عباس ﵄: أن آدم ﵇ كانت لغته في الجنة العربية، فلما عصى سَلَبه الله تعالى العربية، فتكلم بالسُّريانية، فلما تاب رد الله تعالى عليه العربية. وذكر جماعة من علماء اللغة: أن العرب العاربة كانوا قبل إسماعيل ﵇، وهم تسع قبائل: عاد، وثمود، وأميم، وعسل، وطسم، وجديث، وعملق، وجاسم، وجُرهم.

стр. 4398

ومنهم تعلَّمَ إسماعيل العربية. ويقال لذرية العرب: المستعربة؛ أي: المستوضحة؛ بمعنى أنهم يتكلمون بأعرب اللغات وأفصحها، وهم عرب الحجاز. وأما عرب اليمن فهم بنو قحطان؛ تعلموا العربية ممن نزل اليمن من بني إسماعيل، ويقال لهم: العرب المتعربة. فالعرب المفضلون هم بنو إسماعيل، ومن بعدهم من عرب اليمن وغيرهم، وأفصحهم وأفضلهم من كان من ولد إسماعيل، وأفضلهم قريش، ومن ثمَّ قال رسول الله ﷺ : "أَنَا أَعْرَبُ العَرَبِ وُلِدْتُ في قُرَيْشٍ، وَنشَأْتُ في بَنِيْ سَعْدٍ؛ فأَنَّى يَأْتِيْني اللَّحْنُ". رواه الطبراني عن أبي سعيد الخدري ﵁ (١). وروى ابن منده، وأبو نعيم في "الدلائل"، وابن عساكر عن عمر ابن الخطاب رضي الله تعالى عنه قلت: يا رسول الله! ما لكَ أفصحنا ولم تخرج من بين أظهرنا؟ قال: "كَانَتْ لُغَةُ إِسْماعِيْلَ ﵇ قَدْ دَرَسَتْ، فَجَاءَ بِها جِبْرِيْلُ ﵇، فَحَفِظْتُها" (٢). وروى ابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ

стр. 4399

رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٩٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: ١٩٢ - ١٩٥] قال: بلسان قريش (١). ورواه ابن النجار عن ابن عباس؛ زاد: ولو كان غير عربي ما فهمه (٢). ولا معارضة بين هذا وبين ما رواه ابن المنذر، وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، والبيهقيُّ في "الشعب" عن بريدة رضي الله تعالى، عنه في قوله: ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ قال: بلسان جرهم (٣)، لما علمت أنَّ إسماعيل تعلم العربية منهم، فلغة قريش هي لغتهم. ثمَّ العجم في الأصل اسم لِمَن سِوى العرب، فيشمل بني إسرائيل، وبني الأصفر، والروم، والترك، والفرس، والقبط، والحبشة، والزنج، والبربر، وغيرهم. ثمَّ غلب لفظ العجم في عرف العامة المتأخرين على الفرس، وهم المجوس، وهم المراد في هذا الباب بالأعاجم والعجم؛ وإن كان غالب الأمم المتقدمة المنهي عن التشبه بهم في ما سبق داخلين في لفظ العجم. فاعلم أن المجوس ليس لهم كتاب ولا شريعة، بل كانوا يعبدون

стр. 4400

النار والكواكب، ولذلك كانوا بأهل الجاهلية أشبه منهم بأهل الكتاب، ومن ثمَّ فرح المشركون حين غلبت فارس الروم كما تقدم. وسنذكر النهي عن التشبه بأهل الجاهلية عقب هذا الباب لهذا المعنى. ومما ورد نصًا في هذا الباب حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: أن النبي ﷺ نهى عن التشبه بالأعاجم، وقال: "مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ". رواه أبو يعلى (١). والمراد أنَّه نهى عن التشبه بهم في خصالهم، وأخلاقهم، وآدابهم؛ سواء في ذلك ما كانوا عليه قبل الإِسلام، وما هم عليه بعد الإِسلام إذا كان مخالفًا لما جاء به النبي ﷺ ، وما كان عليه هو وأصحابه رضي الله تعالى عنهم. وروى ابن أبي شيبة عن أبي عثمان -هو النَّهدي-: أنَّ عمر رضي الله تعالى عنه كتب إلى أبي موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه فيما كتب إليه: وعليكم بلبس المَعَدِّيَّة، وإياكم وهديَ العجم؛ فإن شر الهدي هديُ العجم (٢). وروى هو والإمام أحمد عن عمر رضي الله تعالى عنه: أنَّه قال في كلام له: وذروا التنعم وزي العجم، وإياكم وهدي العجم؛ فإن

стр. 4401

شر الهدي هديُ العجم (١). والهدي كما في "القاموس"، وغيره: الطريقة والسيرة (٢). وروى البيهقي في "الشعب" عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ [لقمان: ٦] قال: يعني: باطل الحديث. وهو النضر بن الحارث بن علقمة اشترى أحاديث العجم، وصنعهم في دهرهم، وكان يكتب الكتب من الحيرة والشام، ويعرض عن القرآن، فلم يؤمن به؛ أي: فأنزل الله تعالى فيه هذه الآية: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [لقمان: ٦] (٣)؛ أي: ليثبت على ضلاله على قراءة أبي عمرو وابن كثير بفتح أوله. وقرأ الباقون بضم أوله؛ أي: ليضل غيره عن سبيل الله؛ أي: عن طريق الله الذي سنَّه النبي ﷺ . وفيه إشارة إلى أن كتابة مثل ذلك، ونقله، وإملاءه على الناس فيه تحريك النفوس لاتباع بعض ذلك والعمل به؛ فإن النفوس أخوات يستحسن بعضها أوضاع بعض، فربما استجرَّ ذلك المرء إلى استحسان

стр. 4402

ما يخالف كتاب الله وسنة رسوله ﷺ من أحوال من سبق. وروى أبو يعلى عن عامر بن عرفطة قال: كنت جالسًا عند عمر رضي الله تعالى عنه إذ أُتيَ برجل من عبد القيس، فقال له عمر: أنت فلان العبدي؟ قال: نعم. فضربه بقناة معه، فقال الرجل: ما لي يا أمير المؤمنين؟ قال: اجلس. فجلس، فقرأ عليه: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ: ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ إلى قوله: ﴿لَمِنَ الْغَافِلِينَ﴾ [يوسف: ١ - ٣]، فقرأها عليه ثلاثًا، فضربه ثلاثًا. فقال الرجل: ما لي يا أمير المؤمنين؟ فقال: أنت الذي نسخت كتاب دانيال. قال: مرني بأمرك أتبعه. قال: انطلقْ فامحُه بالحميم، وانصرف ثمَّ لا تقرأه، ولا تُقرئه أحدًا من الناس، فلئن بلغني عنك أنك أقرأته أحدًا من الناس لأنهكنك عقوبة. ثمَّ قال: اجلس، فجلس بين يديه، فقال: انطلقت أنا فانتسخت كتابًا من أهل الكتاب، ثمَّ جئت به في أديم، فقال لي رسول الله ﷺ : "مَا هَذَا في يَدِكَ يَا عُمَرُ؟ ".

стр. 4403

قلت: يا رسول الله! كتاب نسخته لنزداد به علمًا إلى علمنا. فغضب رسول الله ﷺ حتى احمرَّت وجنتاه، ثمَّ نودي بالصلاة جامعة، فقالت الأنصار: أغضب نبيكم؟ السلاح، السلاح، فجاءوا حتى أحدقوا بمنبر رسول الله ﷺ ، فقال: "أيُّها النَّاسُ! إِنِّي قَدْ أُوْتيْتُ جَوَامِعَ الكَلِمِ وَخَواتِيْمَهُ، واخْتُصِرَ لِيَ الكَلامُ اخْتِصارًا، وَلَقَدْ أَتَيْتُكُمْ بِها بَيْضاءَ نَقِيًّا فَلا تتَهَوَّكُوا، وَلا يَغُرَّنَّكُمُ الْمُتَهَوِّكُوْنَ". قال عمر رضي الله تعالى عنه: رضيت بالله ربًا، وبالإِسلام دينًا، وبك رسولًا، ثمَّ نزل رسول الله ﷺ (١). قال في "القاموس": المتهوك: المُتحيِّر (٢)، كالهواك، كشداد، والساقط في هوة الرَّدى. والهوكة -بالضم -: الحفرة. وهوك: حفر. قال: والتهوك: التهور والوقوع في الشيء بغير مبالاة (٣). وفي الحديث إشارة إلى أن من لم يكتف بما شرعه النبي ﷺ ، وجاء به من الآداب، وأراد أن يخلطه بآداب أهل الكتاب والأعاجم،

стр. 4404

وأخلاقهم المناقضة لأخلاق الأنبياء والصالحين، فقد ضلَّ، فإن دعا غيره إلى أخلاقهم وهديهم المذكور فقد أضلَّ. وأنت ترى أكثر أهل زمانك الآن يرغبون في أخلاق العجم والروم، وعاداتهم، وقوانينهم، وزيِّهم، ويُرَغِبُّون غيرهم فيها، فصدق عليهم ما وعد به النبي ﷺ فيما رواه البخاري عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تَقُوْمُ السَّاعَةُ حَتَّى تأخُذَ أُمَّتِي أَخْذَ القُرُوْنِ قَبْلَهَا شِبْرًا بِشِبْرٍ وَذِراعًا بِذِرَاعٍ". قيل: يا رسول الله! كفارس والروم؟ قال: "وَمَنِ النَّاسُ إلا أُوْلَئِكَ" (١)؛ أي: ومن الناس المخوف من الأخذ أخذهم إلا فارس والروم. أما الروم فتقدم التحذير من التشبه بهم في أهل الكتاب. وأما الفرس فلا بأس أن ننبه على شيء من أخلاقهم وأعمالهم التي ورد النهي عن التشبه بهم فيها -وإن كان لا يمكننا استيفاؤها-. ١ - فمنها -وهو أقبح ما هم فيه-: الشرك والكفر، وعبادة النار والأضواء . وقد خَمَدت نارُهم لميلاد رسول الله ﷺ كما روى أبو نعيم، والبيهقيُّ كلاهما في "الدلائل"، والخرائطي في "الهواتف"، وابن عساكر عن مخزوم بن هانئ المخزومي، عن أبيه -وأتت له مئة وخمسون سنة-

стр. 4405

قال: لما كانت الليلة التي ولد فيها رسول الله ﷺ ارتجس إيوان كسرى، وسقطت منه أربع عشرة شرافة، وخمدت نار فارس، ولم تخمد قبل ذلك ألف عام، وغاضت بحيرة ساوة (١). وروى الخرائطي، وابن عساكر عن عروة رحمه الله تعالى: أن نفرًا من قريش منهم ورقة بن نوفل، وعبد الله بن جحش، وعثمان بن الحويرث، كانوا عند صنم لهم يجتمعون إليه، فدخلوا عليه فرأوه مكبوبًا على وجهه، فأنكروا ذلك، فأخذوه وردوه على حاله، فلم يلبث إلا أن انقلب انقلابًا عجيبًا، فردوه إلى حاله، فانقلب الثالثة، فقال عثمان بن الحويرث: إن هذا لأمر قد حدث، وذلك في الليلة التي ولد فيها رسول الله ﷺ ، فهتف بهم هاتف من الصنم بصوث جهير، وهو يقول: [من الطويل] تَرَدَّى لِمَوْلُودٍ أَضاءَتْ بِنُورِهِ ... جَمِيْعُ فِجاجِ الأَرْضِ في الشَّرْقِ والْغَرْبِ فَخَرَّتْ لَهُ الأَوْثانُ طُرًّا وَأَرْعَدَتْ ... قُلُوبُ مُلُوكِ الأَرْضِ طُرًّا مِنَ الرُّعْبِ وَنارُ جَمِيْعِ الْفُرْسِ باخَتْ وَأَظْلَمَتْ ... وَقَدْ ماتَ شاهُ الْفُرْسِ فِي أَعْظَمِ الكَرْبِ

стр. 4406

وَصُدَّتْ عَنِ الأَصْنامِ بِالْغَيْبِ جِنُّها ... فَلا مُخْبِرٌ عَنْهُمُ بِحَقٍّ وَلا كِذْبِ فَيا لِقُصَيٍّ ارْجِعُوا عَنْ ضَلالِكُمْ ... وَهُبُّوا إِلَى الإِسْلامِ والْمَنْزِلِ الرَّحْبِ (١) * تنبِيْهٌ: ما يفعله الناس ليلة النصف من شعبان، أو في غيرها في بيت المقدس، وغيره من كثرة الوقيد في المساجد، وغيرها زيادة على قدر الحاجة ملحقٌ بتعظيم المجوس للنار؛ إذ فيه تشبه بهم. قال ابن دِحية في كتاب "العلم المشهور": مما أحدثه المبتدعون، وخرجوا به عما رَسَم المتشرعون، وجَرَوا به على سنن المجوس، واتخذوا دينهم لهوًا ولعبًا: الوقيدُ ليلة النصف من شعبان، ولم يصح فيها شيء عن رسول الله ﷺ ولا نطق بالصلاة فيها، والإيقاد صادق من الرواة، وما أخذ به إلا متلاعب بالشريعة المحمدية، راغب في دين المجوسية لأنَّ النار معبودهم. قال: وأول ما حدث ذلك في زمن البرامكة، فأدخلوا في دين الإِسلام ما يموهون به على الطغام، وهو جعلهم الإيقاد في شعبان كأنه من سنن الإيمان، ومقصودهم عبادة النيران، وإقامة دينهم وهو أخس

стр. 4407

الأديان، حتى إذا صلى المسلمون فركعوا وسجدوا، كان ذلك إلى النار التي أوقدوا، ومضت على ذلك السنون والأعصار، وتبعت بغداد فيها سائر الأمصار إلى أن أخفت الله صوتهم وقدَّر هلكتهم وموتهم، وكانت نكبتهم في زمن هارون الرشيد، وذلك سنة سبع وثمانين ومئة من الهجرة المحمدية، فانقطع شرهم عن الملة الإِسلامية. هذا مع ما يجتمع تلك الليلة من النساء والرجال، واختلاط الحال من الفريقين في ضيق المحال، فالواجب على السلطان منعهم، وعلى العالِم ردعهم، انتهى. نقله الحافظ زين الدين العراقي عنه في "شرح الترمذي"، وأقره عليه. قلت: وقد تفاقم الأمر، واشتدَّ الحال في هذا العصر، واستمرت تلك البدعة إلى الآن، وبالغ الناس في الشعلة ليلة النصف من شعبان، وفي ليالي رمضان، بل لو قصر الناس في ذلك في كل سنة لأمرهم الحاكم بها، وقال العالِم إلا من اتقى الله تعالى: هذه بدعة حسنة، بل قد اتفق تهديد الحكام للناس على الترك قبل وقوع التقصير، وصاروا يعلنون النداء بالأمر بذلك من غير منكر لهذا الفعل الكبير، فبقي المنكر معروفًا به يؤمر، والمعروف منكرًا يستهجن ويستنكر، فصدق على هذا الزمان قولُ رسول الله ﷺ : "كَيْفَ بِكُمْ إِذا طَغَى نِساؤُكُمْ، وَفَسَقَ شَبَابُكُمْ، وَتَرَكْتُمْ جِهَادكُمْ". قالوا: وإن ذلك كائن يا رسول الله؟

стр. 4408

قال: "نَعَمْ والَّذِيْ نَفْسِي بِيَدِهِ سَيَكُوْنُ". قالوا: وما أشد منه؟ قال: "كَيْفَ أَنتمْ إِذا لَمْ تَأمُرُوْا بِالمَعْرُوْفِ وَلَمْ تَنْهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ؟ " قالوا: وكائن ذلك يا رسول الله؟ قال: "نَعَمْ وَأَشَدُّ مِنْهُ سَيَكُوْنُ". قالوا: وما أشد منه؟ قال: "إِذا رَأَيْتُمُ الْمَعْرُوْفَ مُنْكَرًا والْمُنْكَرَ مَعْرُوْفًا؛ يَقُولُ اللهُ تَعالَى: لأَتِيْحَنَّ لَهُمْ فِتْنَةً يَصِيْرُ الْحَكِيْمُ مِنْهُمْ حَيْرَانَ". رواه أبو يعلى من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه (١). ٢ - ومن أخلاق المجوس: إنكار القضاء والقدر . روى الإمام أحمد، وأبو داود عن حذيفة رضي الله تعالى عنه قال: [قال رسول الله ﷺ : ] "لكلِّ أمةٍ مجوسٌ، ومجوسُ هذهِ الأمةِ الذين يقولون: لا قَدَرَ؛ إن مَرِضُوا فلا تَعُودُوهُم، وإن ماتوا فلا تَشْهَدُوهُم، وهم شيعةُ الدَّجَّالِ، وحقٌّ على الله أن يحشُرَهُم معهم" (٢).

стр. 4409

وروى أبو داود، والحاكم وصححه، عن ابن عمر، واللالكائي عنه وعن سهل بن سعد الساعدي رضي الله تعالى عنهم قالا: قال رسول الله ﷺ : "القَدَرِيَّةُ مَجُوْسُ هَذهِ الأُمَّةِ، إِنْ مَرِضُوا فَلا تَعُوْدُوْهُمْ، وإِنْ ماتُوا فَلا تَشْهَدُوْهُمْ" (١). ٣ - ومن عوائد العجم وأخلاقهم: الخروج على السلطان، وإرادة خلعه أو قتله . روى ابن عساكر عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: جاءني رجل في خلافة عثمان رضي الله تعالى عنه، فإذا هو يأمرني أن أعتب على عثمان، فلما قضى كلامه قلت: قد كنا نقول ورسول الله ﷺ حي: أفضل أمة محمَّد أبو بكر، ثمَّ عمر، ثمَّ عثمان رضي الله تعالى عنهم، وإنا والله ما نعلم عثمان قتل نفسًا بغير حق، ولا جاء من الكبائر شيئًا، ولكنه هذا المال إن أعطاكموه رضيتم، وإن أعطاه قرابته سخطتم، إنما تريدون أن تكونوا كفارس والروم؛ لا يتركون لهم أميرًا إلا قتلوه، وفاضت عيناه بالدموع، ثمَّ قال: اللهم لا ترد ذلك (٢). ٤ - ومنها: استخلاف السلطان، أو الأمير ولده وغيره أمثل منه إيثارًا، أو تقديمًا للبنوة على حقوق الرعية . ذكر الشيخ جلال الدين السيوطي رحمه الله تعالى في "تاريخ

стр. 4410

الخلفاء" ما ذكره غيره من الأخباريين: أنَّه في سنة خمسين من الهجرة دعا معاوية أهل الشام إلى البيعة بولاية العهد لابنه يزيد، وهو أول من عهد بها في صحته، ثمَّ إنه كتب إلى مروان بالمدينة أن يأخذ البيعة له، فخطب مروان فقال: إن أمير المؤمنين رأى أن يستخلف عليكم ولده يزيد سُنَّةَ أبي بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما. فقال عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنهما فقال: بل سنة كسرى وقيصر؛ إن أبا بكر وعمر لم يجعلاها في أولادهما، ولا في أحد من أهل بيتهما (١). ٥ - ومنها: ضرب المكوس والضرائب على الناس، وأخذها منهم وجبايتها، واعتقاد أنها حق مأخوذ لا يُسامَح فيها، وأخذها بالعنف؛ وكل ذلك حرام . ومن هذا القبيل المرتبات واليسق التي تؤخذ الآن على البضائع، وممن يمر بحمل ونحوه في طريق أو باب مدينة، وما يأخذه القضاة والحكام على الأنكحة والمواريث. وقد ذكر ابن الجوزي في "مواعظ الملوك": أن كسرى خرج في بعض أيامه للصيد، فانقطع عن أصحابه، فأمطرت السماء مطرًا شديدًا حال بينه وبين جنده، فمضى لا يدري أين يذهب، وانتهى إلى كوخ فيه عجوز، فنزل عندها، وأدخلت العجوز فرسه، وأقبلت ابنتها ببقرة وقد

стр. 4411

رعت، فاحتلبتها، فرأى كسرى لبنها كثيرًا، فقال: ينبغي أن يجعل على كل بقرة خراج؛ فهذا حِلاب كثير. ثمَّ قامت البنت في آخر الليل لتحلبها فوجدتها لا لبن فيها، فصاحت: يا أماه! قد أضمر الملك لرعيته سوءًا. قالت أمها: وكيف ذاك؟ قالت: إن البقرة ما تبز بقطرة لبن. فقالت لها أمها: امكثي؛ فإن عليك ليلًا. فأضمر كسرى في نفسه العدل والرجوع عن ذلك العزم، فلما كان آخر الليل قالت لها أمها: قومي احلبي، فقامت فوجدت البقرة حافلًا. فقالت: والله زال ما كان في نفس الملك من الشر. فلما ارتفع النهار جاء كسرى فركب، وأمر بحمل العجوز وابنتها إليه، فلما دخلتا عليه أحسن إليهما، وقال: كيف علمتما ذلك؟ قالت العجوز: إنا بهذا المكان منذ كذا وكذا؛ ما عمل علينا بعدل إلا أخصبت أرضُنا واتسع عشبنا، وما عمل فينا بجَور إلا ضاق عيشنا وانقطعت مواد النفع عنا (١). وذكر صاحب كتاب "قلائد الشرف"؛ وهو كتاب حافل في أشراف أصبهان والفرس وعوائدهم وسيرهم، انتهى بمؤلفه التأليف إلى سنة ثمان وثلاث مئة عند ذكر الأكاسرة: أن أرباب الأرضين كانوا

стр. 4412

لا يتناولون من الثمار والسنبل شيئًا إلى أن يأخذ السلطان حقه من ذلك، فنظر كسرى قباذ يومًا في صدع حائط بستان إلى صبي صغير عند أمه يروم اجتناء رمانة والأم تمنعه إلى أن ضربته، فبكى الصبي، فأرسل قباذ إليها في ذلك، فقالت: إنه لا يحل لنا أن نتناول شيئًا من أشجارنا وزروعنا وللملك فيه حق. ثمَّ قال: لا يجب أن نمنع الزرَّاع والغارسين عن الأكل مما يغرسون ويزرعون، وأن يكون لنا عليهم خَراج معلوم. فجعل الأرضين خيرًا ووسطًا ودونًا؛ فعلى الجريب الجيد من الحنطة والشعير درهم وربع، والوسط درهم، والدون ثلاثة أرباع درهم، والأشجار ما جرى به الرسم، انتهى. وليس للسلطان في الإِسلام من الأموال على المسلمين شيء إلا ما جرَّه إليه الشرع من أموال المصالح المأخوذة بطريق الشرع أسوة غيره مما بهم قوام الأمر على ما هو مقرر في الأحكام الشرعية السلطانية، ومن أموال الغزو والغنائم، وليس على المسلمين حق سوى حق الزكاة المأخوذ برسم الشرع، والخراج الموضوع على الأرضين بطريقه الشرعي، ونسبة هذه الأموال إلى السلطان إنما هي لأدنى ملابسة لما له عليها من ولاية التصرف فيها، وكذلك نسبة أموال المكوس إليه ولا يجوز أن يقال: هذا حق السلطان. وقال شيخ الإِسلام النوويّ في "أذكاره": ومما يتأكد النهي عنه والتحذير منه ما يقوله العوام وأشباههم في هذه المكوس التي تؤخذ

стр. 4413

ممن يبيع أو يشتري ونحوهما؛ فإنهم يقولون: هذا حق السلطان، أو: عليه حق السلطان، ونحو ذلك من العبارات المشتملة على تسميته حقًا أو لازمًا، وهذا من أشد المنكرات، وأشنع المستحدَثات، حتى قد قال بعض العلماء: من سمَّى هذا حقًا فهو كافرٌ خارجٌ عن ملة الإِسلام. والصحيح أنَّه لا يكفر إلا إذا اعتقده حقًا مع علمه بأنّه ظلم، فالصواب أن يُقال فيه: المكس، أو: ضريبة السلطان، ونحو ذلك من العبارات، انتهى (١). ٦ - ومن أخلاق العجم: الرفض، وبغض الشيخين وغيرهما من الصحابة . وهو مما غلب على كثير من الفرس حتى إن الأعجمي إذا كان سنيًا كان طرفة بين الناس. ومن لطيف ما اتفق في الدولة العثمانية حين كانت الحرب واقعة بين السلطان سليم بن السلطان أبي يزيد بن عثمان وبين الشاه إسماعيل أنَّه كتب إلى السلطان سليم كتابًا، وكتب فيه هذين البيتين: [من السريع] نَحْنُ أُناسٌ قَدْ غَدا شَأْنُنا ... حُبَّ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طالِبِ

стр. 4414

يَعِيْبُنا النَّاسُ عَلى حُبِّه ... فَلَعْنَةُ اللهِ عَلى الْعائِبِ فأرسل السلطان سليم رحمه الله تعالى في جوابه كتابًا كتب فيه هذين البيتين: [من السريع] ما عَيْبُكُمْ هَذا وَلَكِنَّه ... بُغْضُ الَّذِي لُقِّبَ بِالصَّاحِبِ وَقَوْلُكُمْ عَنْهُ وَعَنْ بِنْتِهِ ... فَلَعْنَةُ اللهِ عَلى الْكاذِبِ (١) وروى الحافظ أبو القاسم هبة الله بن الحسن بن منصور الطبري المعروف باللالكائي في "السنة" عن النضر بن شُميل قال: سمعت المأمون يقول: القدر دين الخزر، والرفض دين القبط، والإرجاء دين الملوك (٢). وعن إبراهيم بن المغيرة -وكان شيخًا حجاجًا- قال: سألت سفيان الثوري: يُصَلَّ خلف من سبَّ أبا بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما؟

стр. 4415

قال: لا. وعن سفيان بن عيينة أنَّه قال لرجل: من أين جئت؟ قال: من جنازة فلان. قال: لا أحدِّثك بحديث سَنَةً، فاستغفر الله ولا تعد؛ نظرت إلى رجل يشتم أصحاب محمَّد ﷺ فاتَّبعت جنازته (١). وعن محمَّد بن يوسف الفريابي قال: ما أدري الرافضة والجهمية إلا زنادقة (٢). وروى أبو نعيم عن سفيان الثوري قال: كان على طريقي إلى المسجد كلب يعقِر الناس، فأردت يومًا الصلاة والكلب على الطريق، فتنحَّيت عنه فقال: يا أبا عبد الله! جُزْ؛ فإني سلَّطني الله تعالى على من شتم أبا بكر وعمر ﵄ (٣). ٧ - ومن قبائح المجوس: استباحة أكل الميتة في غير حالة الاضطرار . قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ
следующие страницы →