← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 14592

حسن التنبه لما ورد في التشبه

نجم الدين الغزي

Полный текст (6 623 стр.). Показаны 6441–6480 · переход к 6446.

стр. 6441

وروى ابن أبي الدنيا في كتاب "العقوبات" عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: إن الضب ليموت في جحره هزالاً من ظلم ابن آدم (١). وروى الحاكم، وغيره عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه: أنه قرأ قوله تعالى: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ﴾ [فاطر: ٤٥] قال: كاد الجعل يعذب في جحره بذنب ابن آدم (٢). وتقدم في حديث: "وَمَا مَنَعَ قَوْمٌ زَكَاةَ أَمْوَالِهِمْ إِلاَّ مُنِعُوْا الْقَطْرَ مِنَ السَّمَاء وَلَوْلا الْبَهَائِمُ لَمْ يُمْطَرُوْا" (٣). وحديث: "لَوْلاَ عِبَادٌ رُكَّعٌ، وَصِبْيَةٌ رُضَّعٌ، وَبَهَائِمٌ رُتَّعٌ، لَصَبَّ عَلَيْكُمُ الْعَذَابَ صَبًّا" (٤). والجمع بين هذين الحديثين وبين الآثار المتقدمة: أن هذا على حسب التجليات الإلهية؛ فتارة تقتضي الحكمة الإلهية الظهور بمظهر اللطف والعفو، فيهب الله تعالى أهل معصيته لأهل طاعته ولضعفاء خليقته، فيدر الغمام ببركة هؤلاء، ويعفو عن ذنوب أولئك.

стр. 6442

وتارة تقتضي الظهور بمظهر الجلال والقهر، والانتقام والاستقصاء فيه، فيمتنع القطر وتقحط الأرض حتى يموت بعض دواب الأرض. وقد يكون السر في ذلك استعتاب الناس، وتأديبهم وقودهم بأزمة البلاء والشدة إلى الطاعة والتوبة، أو إحقاق الكلمة على من سبقت له - والعياذ بالله - في علمه الشقاوة والهلاك، ويفعل الله في ملكه ما يشاء. التَّنْبِيهُ الثَّانِي: ينبغي للإنسان أن لا يكون أعجز من الجمادات والبهائم في الدعاء لأهل العلم والاعتناء بشأنهم، والاستغفار للمؤمنين والاهتمام بأمورهم، لا ينبغي له أن يلعن شيئاً لما تقدم أن المؤمن لا يكون من خلقه كثرة اللعن ولا يكون الصديق لعاناً وإن جاز له أن يلعن العصاة والكفار من غير تعيين واحد بنفسه. وقد قالوا: إنَّ الذكر والتسبيح أَعْوَدُ على الإنسان من الاشتغال بلعن الشيطان؛ فإنه يغضب من الذكر ما لا يغضب من اللعن. روى ابن أبي الدنيا في "الصمت" عن مجاهد قال: قَلَّ ما ذكر الشيطان قوم إلا حضرهم، فإذا سمع أحداً يلعنه قال: لقد لعنت مُلَعَّناً. قال: ولا شيء أقطع لظهره من: لا إله إلا الله (١) وقد تقدم هذا المعنى في محله.

стр. 6443

وأمَّا رد العجماء اللعن على لاعنها فروى ابن أبي الدنيا عن عمرو ابن قيس رحمه الله تعالى قال: إذا ركب الرجل الدابة قال: اللهم اجعله بي رفيقاً رحيماً، فإذا لعنها قالت: على أعصانا لعنة الله (١). وعن الفضيل رحمه الله تعالى قال: كان يقال: ما أحد يسب شيئاً من الدنيا دابة أو غيرها فيقول: أخزاك الله، ولعنك الله إلا قال: أخزى الله أعصانا. [قال الفضيل]: وابن آدم أعصى وأظلم (٢). * تنبِيهٌ: إذا سبَّ إنسانٌ إنساناً، فسبَّه ولم يتجاوز في رده عليه، ولم يكذب في سبِّه، لم يحرم عليه، ولكن الأولى أن لا يجيبه ويعرض عنه بالكلية، فهو أولى من الانتصار وإن كان مع الاقتصار على القدر الواجب لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾ [الفرقان: ٦٣]. وقوله تعالى: ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩]. - ومن أحوال العجماوات، بل والجمادات: طاعتها لله تعالى، وانقيادها له، وتسبيحها بحمده، وشهادتها بوحدانيته . قال الله تعالى: ﴿فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فصلت: ١١].

стр. 6444

قيل: أراد الله تكوينها فلم تمتنعا عليه. وقيل: قال الله لها: أخرجا ما خلقت بكما من المنافع لمصالح العباد؛ أمَّا أنت يا سماء فأطلعي شمسك وقمرك ونجومك، وأما أنت يا أرض فشقي أنهارك، وأخرجي ثمارك ونباتك. وهذا هو المأثور. أخرجه ابن المنذر، والحاكم وصححه، والبيهقي في "الأسماء والصفات" عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه (١). وقيل: المراد بقوله: ﴿قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾: أنهما قالا بلسان الحال، أم بلسان المقال بأن أنطقها الله تعالى، وجعل فيها إدراكاً حقيقة لسماع الكلام ورد الجواب. والقولان جائزان، والثاني مذهب المحدثين وأكثر المحققين، ويدل عليه قوله: ﴿قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾، ولم يقل: طائعات، أو طائعتين إلحاقاً لهما بالعقلاء من أهل المنطق. وقال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾ [الرعد: ١٥]. وقال : ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [النحل: ٤٩].

стр. 6445

وقال : ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ [الحج: ١٨]. وقد حمل أكثر العلماء السجود في هذه الآيات على الانقياد والتسخير لقدرة الله تعالى، ولكن هذا المعنى غير ظاهر في هذه الآية الأخيرة لأنه قال: ﴿وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ﴾ [الحج: ١٨]. فأشار إلى أن منهم من يسجد، ومنهم من يمتنع، ولو أراد بالسجود التسخير لعمَّم السجود كما عممه في الآيتين المذكورتين قبلها؛ فإن الكافر أيضاً مسخَّر منقاد بيد القدرة والقدر فيما هو فيه، وإنما المراد السجود حقيقة إذ بامتناع المكلف منه يحق عليه الوعيد. والتحقيق في هذا المقام: أنَّ الله تعالى أمر جميع المخلوقات بالسجود على حسب ما أعطى كل واحد منها من القابلية، وجعل في ابن آدم قابلية الإجابة والطاعة من وجهين: - من حيث التسخير والانقياد لما خلق بيد القدرة. - ومن حيث القيام بحق الأمانة التي عرضت عليه، فقبلها وحملها على وفق الأمر والخطاب. ولم يجعل في غيره من المخلوقات قابلية الإجابة والطاعة إلا من الحيثية الأولى، فأطاع الحيثية الأولى كما أطاع غيره.

стр. 6446

وأمَّا من الحيثية الثانية فمن غمسه الله تعالى في نور الهداية من جنس البشر أطاع بقدر ما وفقه الله تعالى له فعلاً على سائر الحيوانات والجمادات بهذا الاعتبار، ثم لم يبلغ كمال الطاعة التي تليق بجلال المطاع ، فمن ثم قال النبي ﷺ : "اسْتَقِيْمُوْا وَلَنْ تُحْصُوا" (١). نعم، يعلو قدر الطائع المكلف على قدر طاعته وتقواه لقوله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣]. وحقيقة التقوى هي الطاعة، ولذلك قال أبو رجاء العطاردي رحمه الله تعالى: من سرَّه أن يكون متقياً فليكن أذل من قعود إبل؛ كل من أتى عليه أرغاه. رواه ابن أبي الدنيا (٢). وإنما ضرب المثل بالقعود لأنه مع كبره وقوته ليس في الحيوانات أطوع منه لمتصرف فيه، كأن لسان حاله يقول: إنه لا يتصرف فيه متصرف إلا بتصريف من خلقه، فطاعته طاعة لمن صرفه فيه. وكذلك يكون طاعة المؤمن لله تعالى ولمن أمره بطاعتهم من رسوله ﷺ ، وأولي الأمر. وقد تقدم في وصف المؤمن في الحديث أنه كالجمل الأنف؛ إن

стр. 6447

قيد انقاد، وإن أُنيخ على صخرة استناخ (١). ومن بقي في ظلمة الخذلان، وحقت عليه كلمة الحرمان لم يطع الله تعالى من الحيثية المذكورة، فوقعت الإشارة إليه بقوله تعالى: ﴿وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ﴾ [الحج: ١٨]. فهو - وإن أطاع الله تعالى من حيث إنه يسخر لقدرته في يد قضائه وقدره - فإنه لم يحمد على هذه الطاعة حتى يأتي بالطاعة الأخرى التي هي مقتضى الأمانة التي حملها حين عرضت عليه، ولو أباها حين العرض كما أبتها سائر المخلوقات لم تطلب منه هذه الطاعة، ولم يكلف بها. هذا ما يتعلق بالإنس من الثقلين. وأما الجن فإن قلنا: إنهم مكلفون بمثل ما كُلِّفنا به - وهو الأصح - فيحتمل أن الله تعالى عرض عليهم الأمانة فقبلوها كما قبلها البشر، ولمَّا لم يقع النص على حملهم للأمانة في القرآن العظيم كما وقع النص فيه على حمل الإنسان لها، وقع الخلاف من العلماء في أنهم مكلفون بمثل ما كلفنا به أم لا، وفي أنهم مثابون ومعاقبون كما أنَّ البشر كذلك أم لا؟ والأول أصح؛ لأنَّ القرآن نص على تكليفهم بما كلفنا به، ولا مانع أن يكون تكليفهم بذلك دليلاً على أنهم قبلوا الأمانة حين عرضت

стр. 6448

عليهم كما قبلناها، وإنما وقع الاقتصار في فنون الأمانة وحملها على الإنسان إظهاراً لمزيته وتكريمه وتفضيله، وتنويهاً بمقامه في المعرفة والإدراك. وقد يقال على القول بأنَّ إبليس أبو الجن: إن النكتة في تكليفهم بذلك: أن إبليس لمَّا عُرِضت الأمانة على الإنسان فحملها، ووصف بأنه كان ظلوماً جهولاً تشفَّى بأمره وشَمَت به، وكلفَّه تعالى وذريته ما كلف به البشر عقوبة وابتلاء. وحاصله: أنَّ الإنس خاصة، أو هم والجن مكلفون بالطاعة من وجهين، وبقية المخلوقات مأخوذة بالطاعة من وجه واحد، وكل شيء فهو طائع لله حق الطاعة وساجد له حق السجود إلا ما كان من المكلفين، فلا يقضى لهم بأنهم أطاعوا حق الطاعة حتى يقوموا بحق التكليف الذي هو مقتضى الأمانة، والقائمون بذلك قليل، وكل شيء فهو قائم بحق الطاعة التي هي طاعة التسخير والانقياد للقدرة، فصح ما ورد عن بعض كتب الله تعالى: كل شيء أطوع لله من ابن آدم (١). ومن هنا يظهر لك وجه الحكمة في أن الله تعالى يستشهد على العاصي بجوارحه، وهي شهود عدول بسبب انقيادها لله تعالى وسجودها لها، فيكون محتجًّا عليه بنفسه كما قال الله تعالى: ﴿كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء: ١٤].

стр. 6449

وروى أبو نعيم عن بشر بن الحارث رحمه الله تعالى قال: قال فضيل بن عياض لابنه رحمهما الله تعالى: لعلك ترى أنك في شيء الجُعَل أطوع لله منك (١)؟ وعن أحمد بن عاصم الأنطاكي رحمه الله تعالى قال: قال فضيل ابن عياض لابنه علي: لعلك ترى أنك مطيع؟ لَصَرصر من صراصر الحُشِّ أطوع لله منك (٢). قال: يعني بالصرصر: الذي يصيح بالليل. وقال بعض العلماء: سجود الدواب والجمادات لله تعالى على بابه، وكذلك تسبيحها بحمده المشار إليه بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء: ٤٤] على حقيقته، إلا أنه تسبيح خاص وسجود خاص غير ما ذكر من الانقياد والتسخير، ولكن ذلك السجود والتسبيح لا يعلمه إلا بعض أهل الولاية والخصوصية كما قال تعالى: ﴿وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء: ٤٤]. روى البزار بإسناد جيد، عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ كتبت عنده سورة النجم، فلما بلغ السجدة سجد، وسجدنا معه، وسجدت الدَّواة والقلم (٣).

стр. 6450

وروى الترمذي، وابن ماجه، وابن حبان في "صحيحه"، والحاكم في "صحيحه"، وغيرهم عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله! إني رأيتني في هذه الليلة فيما يرى النائم كأني أصلي عند شجرة، وكأني قرأت سجدة - وفي لفظ: سورة السجدة - وسجدت، فرأيت الشجرة كأنها سجدت لسجودي، وكأني أسمعها وهي تقول: اللهم اكتب لي بها عندك ذكراً، وضع عني بها وزراً، واجعلها لي عندك ذخراً، وتقبلها مني كما تقبلت من عبدك داود. قال ابن عباس: فقرأ رسول الله ﷺ السجدة، فسمعته يقول في سجوده كما أخبره الرجل عن قول الشجرة (١). والرجل المذكور في هذا الحديث [يحتمل] أنه هو أبو سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه، ويحتمل أنه غيره. روى أبو يعلى عن أبي سعيد ﵁ قال: رأيت فيما يرى النائم كأني تحت شجرة تقرأ (ص)، فلما أتت على السجدة سجَدَت، فقالت في سجدتها: اللهم اغفر لي بها، اللهم حُطَّ عني بها وزراً، وأَحْدِثِ لي بها شكراً، وتقبلها مني كما تقبلت من عبدك داود سجدته.

стр. 6451

فغدوت على رسول الله ﷺ فأخبرته، فقال: "سَجَدْتَ أَنْتَ يا أَبا سَعِيدٍ؟ ". قلت: لا. قال: "فَأَنْتَ أَحَقُّ بِالسُّجُودِ مِنَ الشَّجَرَةِ". ثم قرأ رسول الله ﷺ سورة (ص)، ثم أتى على السجدة، فسجد، وقال في سجوده ما قالت الشجرة في سجودها (١). وروى الإمام أحمد، والحاكم وصححه، والبيهقي في "الدلائل" عن أبي سعيد رضي الله تعالى عنه: أنه رأى رؤيا أنه يكتب (ص)، فلما بلغ الآية التي يسجد بها رأى الدواة والقلم وكل شيء بحضرته انقلب ساجداً، قال: فقصصتها على النبي ﷺ ، فلم يزل يسجد بها بعد (٢). ومن هذا الفصل سجود البعير للنبي ﷺ لأنه من طاعة الله تعالى، وإجابة الشجر لدعائه ﷺ كما قال البوصيري: [من البسيط] جاءَتْ لِدَعْوَتهِ الأَشْجارُ ساجِدَةً ... تَهْوِي إِلَيْهِ عَلى ساقي بِلا قَدَمِ

стр. 6452

وحنين الجذع لقراءته ﷺ ، وفراق موعظته وكلامه، وتأمين أسكفة الباب، وحوائط البيت لدعائه لآل بيته، وتسبيح الحصى في يده، والطعام كما هو مشهور في كتب الخصائص، والمعجزات، وكتب الحديث، والسير، ونحوها مما لا يحتمل هذا الكتاب تفصيله (١). إلا إني أقتصر هنا على قصة الذئب لاشتماله حديثها على ما يكون في آخر الزمان من كلام السباع، وبعض الجمادات كثيراً من الناس، وهو يحقق إذ ذاك ما أشرنا إليه من أنَّ الله تعالى إذا شاء جعل فيما شاء من العجماوات والجمادات قوة النطق والإدراك. فروى الإمام أحمد، وابن سعد في "طبقاته"، والبزار، والحاكم في "المستدرك"، والبيهقي في "الدلائل" وصححاه، وأبو نعيم في "الدلائل" من طرق عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه قال: بينما راعٍ يرعى بالحرَّة إذ عرض ذئب لشاة من شياهه، فحال الراعي بين الذئب وبين الشاة، فأقعى الذئب على ذنبه، ثم قال للراعي: ألا تتقي الله! تحول بيني وبين رزق ساقه الله إليَّ؟ فقال الراعي: العجب من ذئب يتكلم بكلام الإنس. فقال الذئب: ألا أحدثك بأعجب مني؟ رسول الله ﷺ بين الحرتين يُحدِّث بأنباء ما قد سبق. فساق الراعي غنمه حتى قدم المدينة فدخل على النبي ﷺ ،

стр. 6453

فحدَّثه بحديث الذئب، فقال رسول الله ﷺ : "صَدَقَ صَدَقَ، أَلاَ إِنَّهُ مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعة كَلاَمُ السِّبَاعِ لِلإِنْسِ، وَالَّذِيْ نَفْسِيْ بِيَدهِ لاَ تَقُوْمُ السَّاعَةُ حَتَّى تُكَلِّمَ السِّبَاعُ الإِنْسَ، وَيُكَلِّمَ الرَّجُلَ شِرَاكُ نَعْلِهِ، وَعَذَبَةُ سَوْطِهِ، وَيُخْبِرُهُ فَخِذُهُ بِمَا أَحْدَثَ أَهْلُهُ مِنْ بَعْدِهِ" (١). وروى البخاري في "تاريخه"، وأبو نعيم، والبيهقي؛ كلاهما في "الدلائل" عن أُهبان بن أوس رضي الله تعالى عنه: أنَّه كان له غنم، فشدَّ الذئب على شاة منها، فصاح عليه، فأقبل على ذنبه، قال: فخاطبني، فقال: من لها يوم تشغل عنها، أتنزع مني رزقاً رزقنيه الله؟ قلت: والله ما رأيت شيئًا أعجب من هذا. قال: وتعجب ورسول الله ﷺ بين هذه النخلات يحدث الناس بأنباء ما سبق، وأنباء ما يكون، وهو يدعو إلى الله وإلى عبادته. فأتى أهبان إلى النبي ﷺ ، فأخبره وأسلم (٢). وقصة الذئب مشهورة ثابتة من طريق ابن عمر، وأنس، وأبي هريرة، وغيرهم (٣).

стр. 6454

وروى ابن عساكر عن محمد بن جعفر بن خالد الدمشقي قال: رافع بن عميرة الطائي فيما يزعمون كلمه الذئب وهو في ضأن له يرعاها، فدعاه الذئب إلى رسول الله ﷺ ، وأمره باللحوق به، وله شعر قاله في ذلك: [من الوافر] رَعَيْتُ الضَّأنَ أَحْمِيها زَماناً ... مِنَ الضَّبُعِ الْخَفِيِّ وَكُلِّ ذِئْبِ فَلَمَّا أَنْ سَمِعْتُ الذِّئْبَ نادَى ... يُبَشِّرُنِي بِأَحْمَدَ مِنْ قَرِيبِ سَعَيْتُ إِلَيْهِ قَدْ شَمَّرْتُ ثَوْبِي ... عَنِ السَّاقَيْنِ قاصِدَهُ الرَّكيبِ فَأَلْفَيْتُ النَّبِيَّ يَقُولُ قَوْلاً ... صَدُوقاً لَيْسَ بِالقَوْلِ الكَذوبِ فَيَسَّرَنِي لِدينِ الْحَقِّ حَتَّى ... تَبيَّنَتِ الشَّرِيعَةُ لِلْمُريبِ وَأَبْصَرْتُ الضِّياءَ يُضِيءُ حَوْلي ... أَمامِي إِنْ سَعَيْتُ وَعَنْ جنوبِ أَلا أَبْلِغْ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ ... وَإِخْوَتَهُمْ جُدَيلةَ أَنْ أَجِيبِي دُعاءَ الْمُصْطَفَى لاشَكَّ فِيهِ ... فَإِنَّكِ إِنْ أَجَبْتِ فَلَنْ تَخِيبِي (١) وذكر ذلك أبو عمر بن عبد البر في "الاستيعاب"، وقال: إنه كان لصًّا في الجاهلية، فدعاه الذئب إلى اللحوق برسول الله ﷺ . ثم قال: يقال: إنَّ رافع بن عميرة قطع ما بين الكوفة إلى دمشق في خمس ليال لمعرفته بالمفاوز، أو لما شاء الله تعالى (٢).

стр. 6455

ومن قبيل ما تقدم أيضاً مخاطبة النملة والهدهد لسليمان ﵇، ومنطق الطير والبهائم الذي كان يخبر عنه ﵇، فذكر الثعلبي في "تفسيره" عن فرقد السبخي رحمه الله تعالى قال: مرَّ رسول الله ﷺ على بلبل فوق شجرة يحرك رأسه ويميل ذنبه، فقال لأصحابه: هل تدرون ما يقول هذا البلبل؟ قالوا: الله ونبيه أعلم. قال: يَقُوْلُ: أَكَلْتُ نِصْفَ ثَمَرَةٍ فَعَلَىْ الدُّنْيَا العَفَاءُ (١). وقد تقدم هذا عن مالك بن دينار. وروى بسنده عن كعب رحمه الله تعالى قال: صاح ورشان (٢) عند سليمان بن داود ﵉، فقال: أتدرون ما يقول؟ قالوا: لا. قال: إنه يقول: لِدوا للموت، وابنوا للخراب. وصاحت فاختة عند سليمان ﵇ فقال: أتدرون ما تقول؟ قالوا: لا. قال: فإنها تقول: ليت الخلق لم يخلقوا. وصاح طاوس عند سليمان ﵇ فقال: أتدرون ما يقول؟

стр. 6456

قالوا: لا. قال: فإنه يقول: كما تدين تُدان. وصاح هدهد عند سليمان ﵇، فقال: أتدرون ما يقول هذا؟ قالوا: لا. قال: فإنه يقول: من لا يَرْحم لا يُرْحم. وصاح صرد عند سليمان ﵇، فقال: أتدرون ما يقول؟ قال: فإنه يقول: استغفروا الله يا مذنبين. قال: فمن ثَمَ نهى رسول الله ﷺ عن قتله. قال: وصاحت طيطوى عند سليمان ﵇، فقال: أتدرون ما يقول؟ قالوا: لا. قال: فإنها تقول: كل حي ميت، وكل جديد بال. وصاح خطاف عند سليمان ﵇، فقال: أتدرون ما يقول هذا؟ قالوا: لا. قال: فإنه يقول: قدِّموا خيراً تجدوه. فمن ثم نهى رسول الله ﷺ عن قتله. وهدرت حمامة عند سليمان ﵇، فقال: أتدرون ما تقول هذه الحمامة؟

стр. 6457

قالوا: لا. قال: فإنها تقول: سبحان ربي الأعلى ملء سمائه وأرضه. وصاح قُمْري عند سليمان ﵇، فقال: أتدرون ما تقول؟ قالوا: لا. قال: تقول: سبحان ربي الأعلى. قال: والغراب يدعو على العشار. والحدأة تقول: كل شيء هالك إلا وجهه. والقطاة تقول: من سكت سلم. والببغاء تقول: ويل لمن الدنيا همُّه. والضفدع يقول: سبحان ربي القدوس. والباز يقول: سبحان ربي وبحمده. والضفدعة تقول: سبحان المذكور بكل مكان (١). وروى أيضًا بإسناده عن مكحول رحمه الله تعالى قال: صاح دراج عند سليمان بن داود ﵉ قال: أتدرون ما يقول؟ قالوا: لا. قال: فإنه يقول: الرحمن على العرش استوى (٢).

стр. 6458

قلت: وقدمنا عن الدميري، والسيوطي أن الدراج يقول: بالشكر تدوم النعم. وكان يخطر لي أنه يقول في صياحه: سبحان القديم الأزل، ثم رأيت ذلك منقولًا عن بعض العلماء، وهو أليق وأوفق لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء: ٤٤]. ويزعم عوام الناس أنه يقول: طاب طبيخ السنبل، والذي دعاهم إلى ذلك أنَّ هذا وزَّان صوته، وأنَّ وقت صياحه في آخر فصل الربيع حين يبدو نضج السنبل، وهو سنبل الزرع. ومن لطيف ما وقع لي مع بعض عوام مصر أني كنت مرةً ماشياً بين بساتين دمشق ودرَّاج يصيح، وهذا المصري مصْغٍ إليه متعجب من حسن صوته، وفي نفسه كلام نشأ عن فكر كان قد عيي منه ولم يجد من يبثه إليه حتى وقع بصره عليَّ، فقال: يا سيدي! لقد لقيت عجباً في بلدتكم هذه؛ هذا الطائر يصيح: طاب طبيخ السنبل، وما كنت أظن أن هذا الطائر يوجد في غير مصر حتى وجدته اليوم، إلا أني سمعته يقول في هذه البلدة: طاب طبيخ السنبل ولا يزيد عليها شيئاً، وأمَّا في مصر فإنه يزيد عليها: طاب طبيخ السنبل، سبحان القديم الأزل، ينطق بها كذلك في مصر لا يشك في نطقه، فلم أزده على التبسم والتعجب. وروى أبو الشيخ في "العظمة" عن فرقد السبخي قال: مرَّ سليمان ابن داود ﵉ ببلبل ساقط على شجرة يحرك رأسه ويميل ذنبه، فقال لأصحابه: أتدرون ما يقول هذا؟

стр. 6459

قالوا: الله ونبيه أعلم. قال: يقول: أكلت نصف تمرة وعلى الدنيا العفاء. قال: ومرَّ بديك يسقع، فقال: أتدرون ما يقول؟ يقول: اذكروا الله، اذكروا الله يا غافلين (١). وهكذا الرواية بالياء، وأصله يا غافلون. ووجه الياء أنه أراد خطاب غافلين، لكن غير مقصودة. وتقدم نظيره عن الصرد: استغفروا الله يا مذنبين. وسبق هذا الأثر عن الثعلبي إلا أنه بدون الزيادة الأخيرة فيه؛ أوردته هنا إشارة إليها، وإلى أنها من رواية أبي الشيخ. وروى الثعلبي عن الحسين بن علي رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله ﷺ : "الدِّيْكُ إِذَا صَاحَ قَالَ: اذْكُرُوْا اللهَ يَا غَافِلِيْنَ" (٢). وروى أبو الشيخ عن أبي هريرة، وابن مردويه عن عائشة، قالا ﵄: قال رسول الله ﷺ : "صَوْتُ الدِّيْكِ تَسْبِيْحُهُ، وَضَرْبُهُ بِجَنَاحَيْهِ رُكُوْعُهُ وَسُجُوْدُه" (٣).

стр. 6460

وروى أبو الشيخ عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: حين يقول الملك: سبحوا القدوس تحرك الطير أجنحتها (١). وروى الطبراني، والبيهقي في "الشعب" عن جابر رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ قال: "إِنَّ للهِ ديْكًا رِجْلاَهُ في التُّخُوْمِ وَعُنُقُهُ تَحْتَ العَرْشِ مُنْطَوِيةٌ، فَإِذَا كَانَ هِنةٌ مِنَ اللَّيْلِ صَاحَ: سُبُّوح قُدُّوْسٌ، فَصَاحَتِ الدِّيَكَةُ" (٢). وَقَالَ: "إنَّ للهِ دِيْكًا بَرَاثِنُهُ في الأَرْضِ السُّفْلَىْ، وَعُنُقُهُ مَثْنيٌّ تَحْتَ الْعَرْشِ، وَجَنَاحَاهُ في الهَوَاءِ يَخْفِقُ بِهَا فيْ السَّحَرِ". وأخرج نحوه جعفر الفريابي في "فضل الذكر"، وأبو الشيخ عن ثوبان، وقال: "إنَّ لله تعالى ديكاً براثنه في الأرض السفلى، وعنق مثني تحت العرش، وجناحاه في الهواء، يخفق بها كل [سحر] ليلة يقول: سبحان الملك القدوس، ربنا الرحمن الملك لا إله غيره" (٣). وصحح الحاكم عن أبي هريرة مرفوعاً، وتقدم في التشبه بالملائكة: "إنَّ اللهَ تَعَالى أَذِنَ لي أَنْ أُحَدِّثَ عَنْ دِيْكٍ قَدْ مَرَقَتْ رِجْلاَهُ

стр. 6461

فيْ الأَرْضِ وَعُنُقُهُ مَثْنِيَّةٌ تَحْتَ الْعَرْشِ وَهُوَ يَقُوْلُ: سُبْحَانَكَ مَا أَعْظَمَ شَأْنَكَ، فَيَرُدُّ عَلَيْهِ مَا يَعْلَمُ ذَلِكَ مَنْ حَلَفَ بيْ كَاذِبًا" (١). وروى الأئمة الستة إلا ابن ماجه من حديثه: أنَّ النبي ﷺ قال: "إِذَا سَمِعْتُمْ صِيَاحَ الدِّيَكَةِ فَسَلُوْا اللهَ مِنْ فَضْلِهِ، فإِنَّهَا رَأَتْ مَلَكًا، وإِذَا سَمِعْتُمْ نهاقَ الحِمَارِ فَتَعَوَّذُوْا بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهَا رَأَتْ شَيْطَاناً" (٢). وفي الحديث: "ثَلَاثَةُ أَصْوَاتٍ يُحِبُّهَا اللهُ تَعَالى، صَوْتُ الدِّيَكِ، وَصَوْتُ قَارِئِ القُرْآنِ، وَصَوْتُ المُسْتَغْفِرِيْنَ بِالأَسْحَارِ". رواه الثعلبي (٣). وقال عبد الله بن صالح العجلي رحمه الله تعالى: في الديك عشر خصال. - هو أحب الطير إلى الله . - وأبعد الطير صوتاً. - وأشد غَيرة. - وأشده قتالاً. - وأسخاه نفساً. - وأعلمه بأوقات الصلاة.

стр. 6462

- ويؤنس الجيران. - وهو أحسن الطير. - وأكثره سفاداً؛ أي جماعاً. أخرجه أبو الشيخ في "العظمة" (١). وأخرج فيه عن ربيعة بن عبد الله بن الهدير: أنَّ رجلين اقتمرا، أي: غرَّهما القمر، فأمر عمر بن الخطاب ﵁ بالديكة أن تذبح، فقال له رجل من الأنصار: يا أمير المؤمنين! تقتل أمة تسبح؟ قال: فتركها (٢). وروى الستة إلا الترمذي عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، عن النبي ﷺ قال: "نزَلَ نبيٌّ مِنَ الأَنْبِيَاءِ تَحْتَ شَجَرَةٍ فَلَذَغَتْهُ نَمْلَةٌ، فَأَمَرَ بِجِهَازهِ فَأُخْرِجَ مِنْ تحتِهَا، وَأَمَرَ بِقَرْيَةِ النَّمْلِ فَأُحْرِقَتْ، فَأَوْحَىْ اللهُ تَعَالى إِلَيْهِ: مِنْ أَجْلِ نَمْلَةٍ وَاحِدَةٍ أَحْرَقْتَ أُمَّةً مِنَ الأُمَمِ تُسَبِّحُ، فَهَلاَّ نَمْلَةً وَاحِدَةً" (٣). وذكر الثعلبي عن جعفر الصادق ﵁ عن أبيه، عن جده، عن الحسين بن علي رضي الله تعالى عنهم قال: إذا صاح النسر قال: عش ما شئت آخره الموت.

стр. 6463

وإذا صاح العقاب قال: في البعد عن الناس أنس. وإذا صاح الصقر قال: اللهم العن مبغض آل محمد. وإذا صاح الخطاف قرأ: الحمد لله ربِّ العالمين، ويمد الضالين كما يمدها القارئ (١). وذكر الثعلبي، وغيره: أن الخطاف معه أربع آيات من كتاب الله تعالى: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ﴾ [الحشر: ٢١] إلى آخر السورة، ويمد صوته بقوله: ﴿الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الحشر: ٢٤] (٢). وروى ابن عدي عن سفيان رحمه الله تعالى: أنَّه قال: يقال: إنه ليس شيء أكثر ذكراً لله تعالى من الضفدع (٣). وروى أبو الشيخ في "العظمة" عن أبي بردة بن أبي موسى، قال: بلغني أنه ليس شيء أكثر ذكراً لله تعالى من الدودة الحمراء (٤). وعن الفضيل بن عياض رحمه الله تعالى قال: بينما داود ﵇ جالساً يوماً إذ مرَّت به دودة حمراء رافعةً رأسها، ففكر داود في خلقها، فنطقت الدودة، وقالت: يا داود! أعجبتك نفسك فتفكرت؛ تسبيحة واحدة أسبحها خير من كذا وكذا (٥).

стр. 6464

وروى الإمام أحمد في "الزهد"، وأبو الشيخ في "العظمة" عن المغيرة بن عتبة قال: قال داود ﵇: يا رب! هل بات أحد من خلقك الليلة أطول ذكراً لك مني؟ فأوحى الله تعالى إليه: نعم، الضفدع (١). وروى الإمام أحمد عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: صلى داود ﵇ ليلة حتى أصبح، فلما أصبح وجد في نفسه سروراً، فنادته ضفدعة: كلا يا داود! كنت أدأب منك، قد أغفيت إغفاء (٢). وروى أبو الشيخ عن بكر بن عبد المزني رحمه الله تعالى قال: قال داود ﵇: يا رب! اغفر لي؛ فمن أكثر ذكراً لك مني؟ فنام إلى صخرة إلى جنب نهر حتى أصبح، فناداه ضفدع: يا داود! تَمُنُّ على الله وأنا ضفدع أسبح الله الليل والنهار من خشيته (٣)؟ ورويا عن شهر بن حوشب رحمه الله تعالى قال: خرج داود ﵇ إلى البحر في ساعة يصلي فيها، فنادته ضفدعة، فقالت: يا داود! إنك حدثت نفسك إنك قدَّست في ساعة ليس يذكر الله فيها غيرك، وإني

стр. 6465

في سبعين ألف ضفدع كلها قائمة على رجل تسبح الله تعالى وتقدسه (١). وروى البيهقي في "الشعب" عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: إن نبي الله داود ﵇ ظنَّ في نفسه أن أحداً لم يدعُ خالقه جلَّ وعلا بأفضل مما مدحه، فأنزل الله تعالى عليه ملكاً وهو قاعد في محرابه والبركة إلى جانبه، فقال: يا داود! افهم ما تصوت به الضفدع. فأنصت إليها فإذا هي تقول: سبحانك وبحمدك منتهى علمك يا رب. فقال له الملك: كيف ترى؟ فقال: والذي جعلني نبياً إني لم أمدحه بهذا (٢). والمراد بالعلم هنا المعلومات أولاً نهاية لعلم الله تعالى الذي وصفه. وذكر أبو عبد الله القرطبي في كتابه "الزاهر": أن داود ﵇ قال: لأسبحنَّ الله الليلة تسبيحاً ما سبحه به أحد من خلقه، فنادته ضفدع من ساقية في داره: يا داود! تفتخر على الله بتسبيحك، وإن لي سبعين سنة ما جفَّ لساني من ذكر الله، وإنَّ لي لعشر ليال ما طعمت خضراً ولا شربت ماءً اشتغالاً بكلمتين. قال: وما هما؟

стр. 6466

قالت: يا مسبَّحًا بكل لسان، ويا مذكوراً بكل مكان. فقال داود في نفسه: وما عسى أقول أبلغ من هذا. وروى أبو الشيخ عن أبي إدريس الخولاني رحمه الله تعالى: أن داود ﵇ عَبَدَ الله تعالى ليلة حتى أصبح، فحدَّث نفسه، فأوحى الله إلى ضفدع في جانبه: أجيبيه. فقالت: يا داود! أعجبت بليلتك وأنا في مقامي هذا منذ ثمان مئة سنة أعبد الله وأشكره (١)؟ فقلت: جعل الله تعالى في الضفدع في كثرة تسبيحها وتأنقها في تقديسها مَأدَبة لداود ﵇ لئلا يعجب بكثرة عبادته وتسبيحه وتأنقه فيه، كما جعل في النملة في تأنقها في الخطاب وسياستها للنمل ونفوذ أمرها فيهم، والهدهد في مجيئه بخبر بلقيس وملكها في زمن يسير من مسيرة شهر مأدبة لولده سليمان ﵉ لئلا يعجب بملكه وسياسته لرعاياه، وبلوغه مسيرة شهر في غَدوته ورَوحته، واطلاعه على مدائن الأرض وأقاليمها إشارةً إلى أنَّ الله تعالى إذا أنعم على عبد بنعمة فلا تتم له النعمة إلا إذا لم تحجبه عن المنعم بالنظر إليها والإعجاب بها. وروى أبو الشيخ أيضاً عن عبد الحميد بن يوسف قال: تسبيح الضفدع: سبحان المعبود بكل مكان، سبحان المحمود بكل مكان،

стр. 6467

سبحان المذكور بكل لسان (١). وذكر الزمخشري أنها تقول: سبحان الملك القدوس. وتقدم عن كعب أنها تقول: سبحان ربي القدوس. وروى أبو الشيخ، وابن عدي عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: أنَّ النبي ﷺ قال: "لا تَقْتُلُوْا الضِّفْدَعَ؛ فَإِنَّ تَنْقِيْقَهَا تَسْبِيْحٌ" (٢). وروى الإمام أحمد في "الزهد" عن عطاء بن يسار - مرسلاً - قال: قال رسول الله ﷺ : "قَالَ نُوْحٌ ﵇ لابْنِهِ: يَا بُنَيَّ! أُوْصِيْكَ بِاثْنتَيْنِ وَأَنْهَاكَ عَنِ اثْنتَيْنِ، فَأمَّا اللَّتَانِ أُوْصِيْكَ بِهِمَا فَإِنِّي رَأَيْتُهُمَا يُكْثِرَانِ الولُوجَ عَلَى اللهِ وَرَأَيْتُ اللهَ تَعَالَى يَسْتَبْشِرُ بِهِمَا وَصَالحَ خَلْقِهِ، قَوْلُ: سُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمدهِ فإنَّهَا صَلاةُ الْخَلْقِ وَبِهَا يُرْزَقُ الْخَلْقُ، وَقَوْلُ: لا إِلَهَ إِلاَّ اللهَ وَحْدَهُ لا شَرِيْكَ لَهُ، فَإِنَّ السَّمَوَاتِ وَالأَرضِ لَوْ كُنَّ حَلَقَةً لَقَصَمْتُهَا، وَلَو كُنَّ فْي كَفَّةٍ لَرَجَحَتْ بِهِنَّ، وَأَمَّا اللَّتَانِ أَنْهَاكَ عَنْهُمَا فَالشِّرْكَ وَالْكِبْرَ، فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَلْقَى اللهَ وَلَيْسَ فِي قَلْبِكَ شَيْءٌ مِنْ شِرْكٍ وَلا كِبْرٍ فَافْعَلْ" (٣). وأخرجه النسائي عن سليمان بن يسار، عن رجل من الأنصار،

стр. 6468

وقال فيه: "وَأُوْصِيْكَ بِسُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدهِ؛ فَإِنَّهَا صَلاَةُ الخَلْقِ وَبِهَا يُرْزَقُ الخَلْقُ، ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ [الإسراء: ٤٤] " (١). وأخرجه البزار، والحاكم وصححه، عن عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنه. وفي بعض ألفاظه: "فَإنَّهَا صَلاَةُ كُلِّ شَيْءٍ وَتَسْبِيْحُ كُلِّ شَيْءٍ" (٢). والآية تدل على ذلك، ولذلك قرأها رسول الله ﷺ مدرجة في مقالة نوح ﵇. وروى ابن أبي شيبة عن عمرو بن دينار رحمه الله تعالى - مرسلاً - قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تتَّخِذُوْا ظُهُوْرَ الدَّوَابِّ كَرَاسِيَّ لأَحَادِيْثكُمْ؛ فَرُبَّ رَاكِبٍ مَرْكُوْبَة هِيَ خَيْرٌ مِنْهُ وَأَطْوَعُ للهِ وَأكثَرُ ذِكْراً" (٣). وروى الإمام أحمد، وابن حبّان في "صحيحه"، والطبراني عن سعد بن معاذ بن أنس، عن أبيه ﵁ قال: مرَّ النبي ﷺ على قوم على

стр. 6469

دواب ورواحل لهم وهم وقوف، فقال: "ارْكَبُوهَا سَالِمَةً وَانْزِلُوا عَنْهَا سَالِمَةً، وَلا تتَّخِذُوْهَا كَرَاسِيَّ لأَحَادِيْثكُمْ فِي الطُّرُقِ وَالأَسْوَاقِ؛ فَرُبَّ مَرْكُوْبَةٍ هِيَ خَيْرٌ مِنْ رَاكِبِهَا وَأكثَرُ ذِكْرًا للهِ " (١). * فوائِدُ: * الفائدة الأُولَى: روى الأستاذ أبو القاسم القشيري في "رسالته" عن إبراهيم الخواص رحمه الله تعالى قال: طلبت المعاش لأجل الحلال، فاصطدت السمك، فيوماً وقعت في الشبكة سمكة فأخرجتها، وطرحت الشبكة في الماء، فوقعت أخرى فيها، فرميت بها، ثمَّ عدت فهتف بي هاتف: لم تجد معاشاً إلَّا تأتي من يَذْكُرُنا فتقتلهم. قال: فكسرت القصبة وتركت الاصطياد. * الفائدَةُ الثَّانِيَةُ: روى أبو الشيخ عن ابن عباس قال: كل شيء يسبح إلا الحمار والكلب (٢).

стр. 6470

وروى هو والثعلبي عن سفيان في قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾ [لقمان: ١٩] قال: صوت كل شيء تسبيح إلا صوت الحمار لأنه ينهق بلا فائدة (١). * الفائِدَةُ الثَّالِثَةُ: قال أبو الحسن بن جهضم في "بهجة الأسرار": حدثني أحمد بن محمد، قال: سمعت أبا سليمان المغربي يقول - وقد سُئِل عن كلام الحمار له - فقال: كان عندي حمار، فحملته ذات يوم حملة ثقيلة، وضربته مرَّة أو مرتين، ففي الثالثة حَول رأسه إليَّ، وقال: كم تضربني وأنت أحق بالضرب مني! قد حملتني ما أنسيتني ذكر الله. وقد يجمع بين هذا وبين ما سبق عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما بأنَّه إنَّما نفى عن الحمار التسبيح، وأنه يذكر الله بغير التسبيح، وهو الذي يدل عليه عموم الحديث السابق: "فَرُبَّ مَرْكُوبَةٍ هِيَ خَيْرٌ مِنْ راكِبِها وَأَكْثَرُ لِلَّهِ ذِكْرًا" (٢)، على أنَّ إبقاء الآية على عمومها أولى؛ أعني: قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء: ٤٤]. * الفائِدَةُ الرَّابِعَةُ: ذكر الحافظ المزي في "تهذيب الكمال" في ترجمة أبي قلابة (٣)

стр. 6471

الرقاشي، واسمه عبد الملك بن محمد حكى أنَّ أمَّهُ قالت: لما حملت به رأيت كأني ولدت هدهداً، فقيل لي: إن صدقت رؤياك ولدت ولداً يكثر الصلاة. فيقال: إنَّه كان يصلي كل يوم أربع مئة ركعة. ويقال: إنَّهُ حدَّث من حفظه بسبعين ألف حديث (١). * الفائِدَةُ الْخامِسَةُ: روى ابن أبي الدنيا في "الصمت" عن مخلد قال: كان رجل في بني إسرائيل كثير الصمت، فبعث إليه ملكهم، فلم يتكلم، فبعث به معهم إلى الصيد، فقال: لعله يرى شيئاً فيتكلم، فرجعوا به، فرأى صيداً [فصاح]، فسرحوا عليه طير باز، فأخذه. قال الرجل: السكوت لكل شيء خير حتى للطير (٢). * الفائِدَةُ السَّادسَةُ: روى أبو الشيخ عن أبي الدرداء رضي الله تعالى عنه، عن النبي ﷺ قال: "مَا أُخِذَ طَائِرٌ وَلا حُوْتٌ إِلاَّ بِتَضْيِيعِ التَّسْبِيْحِ" (٣).

стр. 6472

وروى الإمام أحمد في "الزهد" عن روح بن حبيب (١) رحمه الله تعالى قال: بينا أنا عند أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه إذ أُتِي بغراب، فلمَّا رآه بجناحين حمد الله تعالى ثم قال: قال رسول الله ﷺ : "مَا صِيْدَ صَيدٌ إِلاَّ بِنَقْصٍ مِنَ التَّسْبِيْحِ". ثم قال: يا غراب! عبد الله، ثم خلَّى سبيله (٢). وروى أبو نعيم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "مَا صِيْدَ صَيْدٌ، وَلا قُطِعَتْ شَجَرَةٌ إِلاَّ بِتَضْيِيعٍ مِنَ التَّسْبِيْحِ" (٣). وروى ابن طبرزذ بإسناده عن أبي واقد قال: لمَّا نزل عمر بن الخطاب بالجابية أتاه رجل بأسد في تابوت حتى وضعه بين يديه، قال: كسرتم له ناباً أو مخلباً؟ قالوا: لا. قال: الحمد لله؛ سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ما صِيْدَ صَيْدٌ إِلاَّ بِنَقْصٍ فِي تَسْبِيْحِهِ".

стр. 6473

يا قسورة! اعبد الله، ثم خَلَّى سبيله (١). وروى إسحاق بن راهويه بسنده عن الزهريّ عن أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "مَا صِيْدَ مَصِيدٌ، وَلا عُضِدَتْ عَضَاةٌ، وَلا قُطِعَتْ شَجَرَةٌ إِلاَّ بِقِلَّةِ التَّسْبِيْحِ" (٢). * الفائِدَةُ السَّابِعَةُ: روى أبو الشيخ في "العظمة" عن أبي إدريس الخولاني رحمه الله تعالى قال: الزرع يسبح ويكتب الأجر لصاحبه (٣). قلت: وهذا من فوائد الزرع، فإذا كان هذا لمن زرع زرعاً أو غرس غرساً وهما جماد، فكيف بمن علَّم إنساناً مكلَّفاً قرآناً، أو علماً يتوصل به إلى طاعة الله تعالى وعبادته وذكره حتى يلقاه، فهو أحق بعود أجور من علَّمهم وفقههم ما عبدوا الله به إليه. وقد وقع تمثيل إنشاء أهل الطاعة وأخصه إنشاء أهل العلم بالغرس فيما رواه الإمام أحمد، وابن ماجه، والحكيم الترمذي، والحاكم في "الكنى"، وابن عدي في "الكامل"، والطبراني في

стр. 6474

"الكبير"، وأبو القاسم البغوي في "المعجم" عن أبي عنبة الخولاني رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ قال: "لا يَزَالُ اللهُ تَعَالَى يَغرِسُ فِي هَذَا الدِّيْنِ غَرْسًا يَسْتَعْمِلُهُمْ فِيْهِ بِطَاعَتِهِ إِلَى يَوْم القِيَامةِ" (١). وهذا الحديث يدل على أنَّ مدد الله في هذه الأمة بالتوفيق إلى الطاعة لا ينقطع إلا بقيام الساعة، ولله الحمد * الفاِئدُة الثَّامِنَةُ: روى أبو الشيخ في "العظمة" عن الحسن رحمه الله تعالى قال: لولا ما غمَّ عليكم من تسبيح ما معكم في البيوت ما تقاررتم (٢). وعن مسعر قال: لولا ما غمَّ الله عليكم من تسبيح خلقه ما تقاررتم (٣). أي: لم يكن لكم قرار بل كنتم تضطربون من عجبكم. وروى أبو الشيخ أيضاً عن الحسن قال: التراب يسبح؛ فإذا بُنيَ به الحائط سَبَّحَ (٤).

стр. 6475

وروى الخطيب عن عائشة ﵂ قالت: دخل عليَّ رسول الله ﷺ فقال لي: "يَا عَائِشَةُ! اغْسِلِيْ هَذَيْنِ". فقلت: يا رسول الله! بالأمس غسلتهما. فقال لي: "أَمَا عَلِمْتِ أَنَّ الثَّوْبَ يُسَبِّحُ، فَإِذَا اتَّسَخَ انْقَطَعَ تَسْبِيْحَهُ" (١). وهذه الآثار مع ما تقدَّم دالة على أن كل شيء يسبح الله تعالى من حيوان وجماد مطلقاً. وقد قال تعالى: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ [الجمعة: ١]. وهذا الذي أختاره، ولينفع هذا الفن من العلم العبد الموقن فلا يكون في ملأ ولا في خلاء إلا ويُنبه نفسه لتستحي مما معها من شيء أن لا يُسبِّحُ الله معه، ولو أنكر وجوده مع شيء لا ينكر وجوده في نفسه، والله تعالى يقول: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ﴾ [الأعراف: ٢٠٥]. * وَهَذه تَتِمَّاتٌ لِهَذا البابِ: روى ابن عبد البر في "التمهيد" عن عروة بن الزبير رضي الله تعالى عنه قال: حملة العرش أحدهم على صورة إنسان، والثاني على صورة ثور، والثالث على صورة نسْر، والرابع على صورة أسد (٢).

стр. 6476

قلت: وفي غير هذه الرواية: أنَّ الأول يسترزق الله للبشر، والثاني يسترزقه للبهائم، والثالث للطير، والرابع للسباع. وتقدم في التشبه بالملائكة: أنَّ إسرافيل ﵇ على صورة ديك. وفي قوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ [فاطر: ١] إشارة إلى أن الملائكة على صورة الطير، والأحاديث الواردة في أرواح الشهداء أنَّها في صور طير مشهورة. وروى ابن أبي شيبة، والطبراني عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: أرواح المؤمنين في جوف طير خُضر كالزرازير يتعارفون، ويرزقون من ثمر الجنة (١). وروى ابن أبي شيبة عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: لوددت أني طير في منكبي ريش (٢). يحتمل معنيين:

стр. 6477

الأول: أن يكون عبر بذلك عن طلب الشهادة لما تقدم. والثاني: أنه تمنى أن يكون طائراً له ريش، ولا يكون مكلفاً مبتلى بالحساب والعتاب والعقاب، فيكون ذلك ناشئاً عن الخوف كما روى ابن أبي شيبة أيضا عنه أنَّهُ قال: ليتني شجرة تُعضد (١). وأنَّهُ قال: ليتني إذا مت لم أبعث (٢). وأنه قال: لو وقعت بين الجنة والنار فقيل: تخيَّر أيُّهما أحب إليك أو تكون رماداً؟ لاخترت أن أكون رماداً (٣). وروى ابن أبي الدنيا في كتاب "الحذر والشفقة" عن طارق قال: قلت لابن عباس: أي رجل كان عمر رضي الله تعالى عنه؟ قال: كان كالطير الحذر الذي كأن له بكل طريق شَرَكاً (٤). وروى أبو نعيم عن ابن شهاب قال: جلست إلى أبي إدريس الخولاني رحمه الله تعالى وهو يقص فقال: ألا أخبركم بمن كان أطيب الناس طعاماً؟ فلما رأى الناس قد نظروا إليه قال: يحيى بن زكريا عليهما

стр. 6478

السلام كان أطيب الناس طعاماً، إنَّما كان يأكل مع الوحش كراهة أن يخالط الناس في معاشهم (١). وقال الزمخشري في "الفائق": في الحديث أنَّ الله قال لأيوب ﵇: إنه لا ينبغي أن يخاصمني إلَّا من جعل الزيار في فم الأسد والسحال في فم العنقاء (٢). الزيار: ما يشد به البيطار محنكة الدابة وزيره إذا شُد به. والسحال يعني: السحل، وهي الحلقة المدخلة في الأخرى على طرف شكيمة اللجام، وهما مسحلان في طرفيها (٣). قلت: والتمثيل الذي وقع في الحديث المذكور إنما هو من باب التقريب والتعجيز للعبد، وإلا فإنَّ العبد لا ينبغي له مخاصمة الله أصلاً ولا يستطيعها؛ فإنَّ الله عزيز، ولكن لما كان وضع الزيار في فم الأسد والمسحلين بشكيمها في فم العنقاء بعيداً جداً حتى يعد في العادة مستحيلاً - وإن كان ممكنًا في نفسه - مَثَّل لذلك كأنَّه يقول: إذا كان العبد عاجزاً عن مثل ذلك فلا قدرة له على مخاصمة الله العزيز الجبار، فليستقل من مخاصمته وليرجع إلى مسالمته؛ فإنه لا قِبَل له بغير ذلك.

стр. 6479

ومن هنا قال النبي ﷺ لكعب بن مالك ﵁: "لَقَدْ شَكَرَ اللهُ لَكَ قَوْلَكَ: [من الكامل] جاءَتْ مُزَيْنَةُ كَيْ تُغالِبَ رَبَّها ... وَلَيُغْلَبَنَّ مُغالِبُ الغَلاَّبِ" (١) وروى ابن عدي، والبيهقي في "الشعب" عن سعيد بن جبير: أنَّ نافع بن الأزرق سأل ابن عباس رضي الله تعالى عنهما عن سليمان بن داود ﵉ مع ما خوَّلَهُ الله تعالى من الملك وأعطاه: كيف عني بالهدهد مع صغره؟ فقال له ابن عباس: إنَّهُ احتاج إلى الماء والهدهد كانت الأرض له كالزجاج. فقال ابن الأزرق لابن عباس: قف يا وقَّاف؛ كيف يبصر الماء من تحت الأرض ولا يرى الفخ إذا غُطيَ له بقدر إصبع من تراب؟ فقال ابن عباس: إذا نزل القضاء عمي البصر (٢). وفي غير هذه الرواية عن ابن عباس: إذا جاء القدر عمي البصر، وإذا جاء الحين غطى العين (٣). وفي معناه: ما رواه أبو نعيم في تاريخ "أصبهان" عن عكرمة،

стр. 6480

عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "إِذَا أَرَادَ اللهُ إِنْفَاذَ قَضَائِهِ وَقَدَرهِ سَلَبَ ذِي العُقُوْلِ عُقُوْلَهُمْ حَتَّى يَنْفُذَ فِيْهِمْ قَضَاؤُهُ وَقَدَرُهُ" (١). وأخرجه الديلمي من حديث أنس وعلي رضي الله تعالى عنهما وزاد فيه: "فَإِذَا مَضَى أَمْرُهُ رَدَّ إِلَيْهِمْ عُقُوْلَهُمْ وَوَقَعَتِ النَّدَامَةُ" (٢). وفي المثل: لكل عاقل زلة. وربما قيل: لكل عاقل صبوة، ولكل فارس كبوة، ولكل صارم نبوة. وأنشد أبو عمر الزاهد غلام ثعلب لنفسه: [من الرجز] إِذا أَرادَ اللهُ أَمْراً بِامْرِئٍ ... وَكانَ ذا عَقْلِ وَرَأْيِ وَبَصَرْ وَحِيلَةٍ يُعْمِلُها فِي كُلِّ ما ... يَأتِي بِهِ مَحْتومُ أَسبابِ القَدَرْ أَغْراهُ بِالْجَهْلِ وَأَعْمى عَيْنَهُ ... فَسَلَّهُ عَنْ عَقْلِهِ سَلَّ الشَّعَرْ
следующие страницы →