← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 14592

حسن التنبه لما ورد في التشبه

نجم الدين الغزي

Полный текст (6 623 стр.). Показаны 6406–6445 · переход к 6411.

стр. 6406

اعتزل الناس بالكلية واختفى عنهم حتى كأنه غائب منسي (١). وكذلك ينبغي للمؤمن أن يفر بدينه من الفتن خصوصاً في هذا الزمن. روى الإمام أحمد، والبخاري، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه عن أبي سعيد الخدري ﵁: أن النبي ﷺ قال: "يُوْشِكُ أَنْ يَكُوْنَ خَيْرُ مَالِ الْمُؤْمِنِ غَنَمٌ تتْبَعُ بِهَا شَعَفَ الْجِبَالِ وَمَوَاقعَ الْقَطْرِ، يَفِرُّ بِدِيْنِهِ مِنَ الْفِتَنِ" (٢). ولعل رسول الله ﷺ أشار إلى هذا الذي لَمَحْناه هنا بقوله: "إِنَّ الدِّيْنَ لَيَأرِزُ إِلَىْ الْحِجَازِ كَمَا تأرِزُ الْحَيَّةُ إِلَىْ جُحْرِهَا، وَلْيَعْقِلَنَّ الدِّيْنُ مِنَ الْحِجَازِ مَعْقِلَ الأَرْوِيَّة مِنْ رَأْسِ الجَبَلِ، إِنَّ الدِّيْنَ بَدَأَ غَرِيْباً وَيرْجِعُ غَرِيْبًا، فَطُوْبَىْ لِلْغُرَبَاءِ الَّذِيْنَ يُصْلِحُوْنَ مَا أَفْسَدَ النَّاسُ بَعْدِي مِنْ سُنَتِيْ". رواه الترمذي من حديث عمرو بن عوف المزني رضي الله تعالى عنه (٣). وروى البخاري في "تاريخه"، وغيره - وهو صحيح الإسناد - عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تَقُوْمُ السَّاعَةُ حَتَّىْ يَفْشُوَ الْفُحْشُ وَالْبُخْلُ، وَحَتَّى يَخُوْنَ الأَمِيْنُ، ويؤْتَمَنَ الْخَائِنُ، وَتَهْلَكَ الْوعُوْلُ، وَتَظْهَرَ التَّحُوتَ".

стр. 6407

قالوا: يا رسول الله! ما الوعول والتحوت؟ قال: "الْوعُوْلُ وجُوْهُ النَّاسِ، وَالتُّحُوْتُ الَّذِيْنَ تَحْتَ الأَقْدَامِ". وفي رواية: قالوا: يا رسول الله! ما الوعول؟ قال: "وجُوْهُ النَّاسِ وَأَشْرَافُها" (١). شبههم بالوعول لتمنعها تشبيهاً لشرف نفوسهم وارتفاع هممهم بالوعول في تحصُّنها، وسكناها قنان الجبال، وقلل الأطواد والشوامخ. - ومن عادة الوعل: أنه إذا لسعته حية أكل السرطان فيبرأ، وقد سبق أنه مولع بأكل الحيات فربما ضرته، وقد سبق أنه يحتمي بعد أكلها عن الماء. وهذا أمر عجيب الإلهام؛ فإنه ألهم الطب بطرفيه لأن الطب يرجع إلى الحمية، والعلاج بالأدوية. ونظير ذلك أن الأفعى تختفي في التراب أربعة أشهر في البرد، ثم تخرج وقد أظلمت عيناها، وقيل: تعمى، فتطلب شجرة الرازيانج فتحك عينيها به، فيرجع إليها بصرها. ذكره القزويني. وقال غيره: إذا مرضت أكلت ورق الزيتون فتشفى. وكثير من الأنعام والدواب تأكل من المرعى شيئاً دون شيء،

стр. 6408

وربما كان فيما عافته ضررها فتحجم عنه بإلهام من الله ﵎. فينبغي للإنسان أن لا يكون أعجز من الحيوان في تدبير فصول السنة، واتقاء حرها وبردها صيفاً وشتاءً؛ فإن الحية وغيرها من دواب الأجحرة يحتجر أربعة أشهر ونحوها، وبعض الطير يشتي في البلاد الدافئة، ويصيف في البلاد الباردة كالخطاف، ولا في الحمية عما يضره، والتداوي بما ينفعه عند الحاجة إليه، ولا ينفي عنه ذلك شيئاً من التوكل والثقة بالله تعالى. روى ابن ماجه عن قيس بن سعد رضي الله تعالى عنه قال: أتانا النبي ﷺ فوضعنا له ماء يتبرد به، فاغتسل (١). وروى ابن السني، وأبو نعيم؛ كلاهما في "الطب" عن سهل بن سعد ﵁ قال: أقبل رسول الله ﷺ في يوم حار وقد وضع له ماء ليتبرد به، فجاء العباس فستره (٢). وروى أبو نعيم عنه عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "اسْتَدْفِئُوْا مِنَ الْحَرِّ وَالْبَرْد" (٣).

стр. 6409

وعن مدركة بن حجير رضي الله تعالى عنه: أن رسول الله ﷺ رأى رجلاً نائماً في الشمس فقال: "قُمْ؛ فَإِنَّها تُغَيِّرُ الْبَدَنَ وَتُبْلِي الثَّوْبَ" (١). وروى ابن السني، وأبو نعيم، والحاكم وصححه، عن عائشة ﵂: كان ﷺ يُستعذب له الماء العذب (٢). وروى الشيخان، وابن ماجه عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "مَا أَنْزَلَ اللهُ دَاءً إِلاَّ أَنْزَلَ لَهُ شِفَاءً" (٣). وروى أبو داود، والترمذي، والحاكم وصححاه، والنسائي، وابن ماجه، وابن السني، وأبو نعيم عن أسامة بن شريك رضي الله تعالى عنه قال: قالوا: يا رسول الله! هل علينا جُناح ألا نتداوى. قال: "تَدَاووا عِبَادَ اللهِ؛ فَإِنَّ اللهَ لَمْ يَضَعْ دَاءً إِلاَّ وَضَعَ لَهُ دَوَاءً غَيْرَ دَاءٍ وَاحِدٍ: الْهَرَم" (٤).

стр. 6410

وروى ابن السني، وأبو نعيم، والحاكم وصححه، عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: أجيف برجل من الأنصار يوم أحد، فدعا له رسول الله ﷺ طبيبين كانا بالمدينة، فقال: "عَالِجَاهُ". فقالا: إنما كنا نعالج ونحتال في الجاهلية، فلما جاء الإسلام فما هو إلا التوكل. فقال: "عَالِجَاهُ؛ فَإِنَّ الَّذِيْ أَنْزَلَ الدَّاءَ أَنْزَلَ الدَّوَاءَ، ثُمَّ جَعَلَ فِيْهِ شِفَاءً". فعالجاه، فبرأ (١). وروى الإمام مالك في "الموطأ" عن زيد بن أسلم رحمهما الله تعالى: أن رجلًا من أصحاب رسول الله ﷺ جرح، فحقن الدم، فدعى له رجلان من بني أنمار، فقال رسول الله ﷺ : "أيُّكُمَا أَطَبُّ؟ ". فقال أحدهما: يا رسول الله! أوفي الطبِّ خير؟ فقال النبي ﷺ : "إِنَّ الَّذِيْ أَنْزَلَ الدَّاءَ هُوَ الَّذِيْ أَنْزَلَ الدَّوَاءَ" (٢). وهو - وإن كان مرسلاً - فذِكْرُ مالك له إثبات لأصله، وشاهده

стр. 6411

حديث أبي هريرة المذكور، وهو حديث صحيح، وله شواهد أخرى. وفيه دليل على أنه ينبغي أن يختار للتطبيب الأعلم والأحذق. وروى الإمام أحمد، والترمذي وحسَّنه، والحاكم وصححه، عن أبي خزامة (١) ﵁ قال: قلت: يا رسول الله! أرأيت أدوية نتداوى بها، ورقى نسترقي بها؛ هل ترُدُّ من قدر الله شيئاً؟ فقال: "هِيَ مِنْ قَدَرِ اللهِ" (٢). والمعنى: أنَّ الداء ينزل بقدر الله، ويكون في قدره أنه يذهب بالدواء الفلاني والرقية الفلانية، وإذا لم يوافقا القدر لا ينفعان. والمراد الرقى المأذون فيها شرعاً، وهي ما كانت كلاماً عربياً لا حرج فيه، وقد سبق لنا في هذا الباب كلام في موضعٍ من القسم الأول من الكتاب. - ومن طبع الوَعِل: ما ذكره الدميري والسيوطي في ترجمة الأروية أنه يبر أبويه، وذلك أنه يختلف إليهما بما يأكلانه، فإذا عجزا عن الأكل مضغ لهما وأطعمهما.

стр. 6412

ونظير ذلك ما ذكراه: أن الفهود الهرمة العاجزة عن الصيد لنفسها تجتمع على فهد فتي فيصيد لها كل يوم شبعها. فلا ينبغي للعبد أن يكون أعجز من هذين الحيوانين، فيقصَّر في بِرِّ أبويه خصوصاً عند كبرهما، ولا في حق من يليه إذا كان في حال الكبر والعجز، أو الضعف. وقد سبق في حديث كعب بن عجرة عن الشاب الذي بكر يسعى: أنَّ النبي ﷺ قال: "إِنْ كَانَ يَسْعَى عَلَىْ أَبَوَيْنِ كَبِيْرَيْنِ لِيَكْفِيَهِمَا فَهُوَ فِيْ سَبِيْلِ اللهِ" (١). وقال ﷺ : "مَا كرَمَ شَابٌّ شَيْخًا لِسِنَّهِ إِلَّا قَيَّضَ اللهُ لَهُ مَنْ يُكْرِمُهُ عِنْدَ سِنِّهِ". رواه الترمذي من حديث أنس (٢). ومما يناسب هذا الفصل ما ذكره الدميري، والسيوطي أيضاً: أنَّ في طبع الكركي أنه يبر أبويه إذا كبرا. قال كشاجم يخاطب ولده: [من الخفيف] اتَّخِذ فِيَّ خُلَّةَ الكراكِي ... أتخِذْ فِيكَ خُلَّةَ الوَطْواطِ أَنا إِنْ لَمْ تَبَرَّنِي تُعَنَّى ... فَبِبِرِّي تَرْجُو جَوازَ السِّراطِ وخلة الوطواط، وهو الخفاش أنه يبر ولده، ولا يتركه بِمَضْيعة، بل يحمله معه حيثما توجه.

стр. 6413

قيل: وليس في الحيوان ما يحمل ولده غير الوطواط، والقرد، والإنسان، ولعله في الغالب. وإلا فالهر تحمل أولادها، لكنها تجمع بين بر وعقوق، فربما أكلت أولادها. قيل: وذلك لشدة حنوها على أولادها. والوطواط يحمل ولده تحت جناحه، وربما قبض عليه بفيه، وذلك من حنوه وإشفاقه عليه، وربما أرضعت الأنثى ولدها وهي طائرة. فلا ينبغي للإنسان أن يكون أعجز من هذه البهائم في الحنو على ولده والقيام عليهم بالإنفاق والتربية. وأكثر ما يحصل للآباء القسوة على الأولاد من موت الأمهات، واختيار الآباء لزوجات أُخر، فتغلب شهوتُه مروءتَه، وذلك غير محمود، بل هو مما يذم به الإنسان. وقد روى الطبراني في "الأوسط" عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ . "أَعِيْنُوْا أَوْلادكمْ عَلَىْ الْبِرِّ، مَنْ شَاءَ اسْتَخْرَجَ الْعُقُوْقَ مِنْ وَلَد" (١). وقال ﷺ في حديث كعب بن عجرة رضي الله تعالى عنه: "وَإِنْ

стр. 6414

كَانْ يَسْعَىْ عَلَىْ وَلَدهِ صِغَارًا فَهُوَ فِيْ سَبِيْلِ اللهِ" (١). وفي "صحيح مسلم"، و"جامع الترمذي" عن أبي قلابة، عن ثوبان مولى رسول الله ﷺ ، قال: قال رسول الله ﷺ : "أَفْضَلُ دِيْنَارِ يُنْفِقُهُ الرَّجُلُ دِيْنَارٌ يُنْفِقُهُ عَلَىْ عِيَالِهِ، وَدِيْنَارٌ يُنْفِقُهُ عَلَى دابَّتِهِ فِيْ سَبِيْلِ اللهِ، وَدِيْنَارٌ يُنْفِقُهُ عَلَىْ أَصْحَابِهِ فِيْ سَبِيْلِ اللهِ". قال أبو قلابة رحمه الله تعالى: بدأ بالعيال. ثم قال أبو قلابة: وأي رجل أعظم أجراً من رجل ينفق على عيال صغار يعفهم الله به؛ أي: ينفعهم الله به ويغنيهم (٢). - ومن ذلك: الأرنب والثعلب؛ يضرب بهما المثل في الفرار . وفي المثل: ألطف من الأرنب (٣)، وأطعم أخاك من كلية الأرنب (٤)؛ يضرب في المواساة ولو في القليل، وهو من أخلاق المؤمن. والثعلب ذو فرار مما يؤذيه، وحذر وحيلة. وذلك كله ممدوح من العبد إذا كان في محله كأن يفر بدينه، ويحذر من عدوه، ويحتال في استخلاص نفسه إذا وقع في معضلة، وفي نفع نفسه من غير مخالفة للشرع في شيء من ذلك.

стр. 6415

وإنما كراهية المشابهة بالثعلب في الروغان إذا كان عن الحق كما تقدم. روى أبو نعيم، والبيهقي في "الزهد"، والرافعي في "تاريخ قزوين" عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "يَأْتِيْ عَلَىْ النَّاسِ زَمَانٌ لا يَسْلَمُ لِذِيْ دِيْنٍ دِيْنُهُ إِلاَّ مَنْ فَرَّ مِنْ شَاهِقٍ إِلَىْ شَاهِقٍ أَوْ جُحْرٍ إِلَىْ جُحْرٍ كَالثَّعْلَبِ بِأَشْبَالِهِ" (١). وذلك في آخر الزمان إذا لم تحصل المعيشة إلا بمعصية الله تعالى، فإذا كان ذلك حلت الغربة. يكون في ذلك الزمان هلاك الرجل على يدي أبويه إن كان له أبوان، فإن لم يكن له أبوان فعلى يدي زوجته وولده، فإن لم يكن له ولد فعلى يدي الأقارب والجيران؛ يعيرونه بضيق المعيشة، ويكلفونه ما لا يطيق. وقلت موالياً: هَذا الزَّمانُ الَّذِي لَمْ يَصْفُ فِيهِ العَيْش إِلاَّ بِمَعْصِيَةِ اللهِ وَاتِّباعِ الْهَيش فَاحْرِصْ عَلى الدِّينِ وَاهْرُبْ مِنْ مَكافيِ الطَّيش وَاقْنَعْ تَسَاوي البِلَى بَيْنَ الْحَرِيرِ وَالْخَيْش

стр. 6416

العيش: الحياة، والمعيشة. والهيش: الإفساد، والتحرك، والهيج، والجمع، والإكثار من الكلام، وجمع هيشة بمعنى الهوشة، وهي الجماعة المختلطة، والكل صالح في البيت. والطيش: النزق، والخفة، وذهاب العقل. والخيش: ثياب في نسجها دقة، وخيوطها غلاظ من مشاقة الكتان، أو من أردأ الثياب. - ومن أحوال البهائم: الاستسقاء . والإشارة إليه في حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: أنَّ رسول الله ﷺ قال: "يا مَعْشَرَ الْمُهاجِرِينَ! خِصالٌ خَمْسٌ إِنِ ابْتُلِيتُمْ بِهِنَّ، وَنزَلْنَ بِكُمْ؛ أَعُوذُ بِاللهِ أَنْ تُدْرِكُوهُنَّ: لَمْ تَظْهَرِ الفاحِشَةُ فِي قَوْمِ قَطُّ حَتَّى يُعْلِنُوا بِها إِلَّا فَشا فِيهُمُ الطَّاعونُ وَالأَوْجاعُ التِي لَمْ تَكُنْ فِي أَسْلافِهِمْ. وَلَمْ يَنْقُصُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ إِلاَّ أُخِذُوا بِالسِّنِينَ وَشِلَّةِ الْمؤنَةِ وَجَوْرِ السُّلطانِ. وَلَمْ يَمْنَعُوا زَكاةَ أَمْوالِهِمْ إِلَّا مُنِعُوا القَطْرَ مِنَ السَّماءِ، وَلَوْلا البَهائِمُ لَمْ يُمْطَرُوا. وَلا نَقَضُوا عَهْدَ اللهِ وَعَهْدَ رَسُولهِ إِلَّا سَلَّطَ عَلَيْهِمْ عَدوًّا مِنْ غَيْرِهِمْ فَيَأخُذَ بَعْضَ ما فِي أَيْدِيهِمْ.

стр. 6417

وَما لَمْ يَحْكُمْ أَئِمَّتُهُمْ بِكِتابِ اللهِ إِلاَّ جَعَلَ بَأْسَهُمْ بَيْنَهُمْ". رواه ابن ماجه، والبزار، والبيهقي، واللفظ له (١). وروى البزار عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "مَهْلاً عَنِ اللهِ مَهْلاً؛ فَلَوْلا عِبَادٌ رُكَّعٌ، وَأَطْفَالٌ رُضَّعٌ، وَبَهَائِمٌ رُتَّعٌ، لصَبَّ عَلَيْكُمْ الْعَذَابَ صَبًّا" (٢). وروى ابن عدي عن مالك بن عبيدة، عن أبيه، عن جده (٣) رضي الله تعالى عنه: أن رسول الله ﷺ قال: "لَوْلا عِبَادٌ للهِ رُكَّعٌ، وَصِبْيَةٌ رُضَّعٌ، وَبَهَائِمٌ رُتَّعٌ، لَصَبَّ عَلَيْكُمُ الْعذابَ صَبًّا ثُمَّ يَرُصُّ رَصًّا" (٤). ويرص - بالصاد المهملة -: من رص البناء إذا ضمَّ بعضه إلى بعض، ويروى بالضاد المعجمة كما في "النهاية" (٥).

стр. 6418

والمعنى: إن الله تعالى ينظر إلى هؤلاء الأصناف الثلاثة فيرحمهم، ويرحم بقية العباد بهم أهل الطاعة لطاعتهم، والأطفال لضعفهم، والبهائم لتسبيحها وعدم تحقق معصية منها، أو لطلبها من الله تعالى أن يرزقها ويسقيها، ولا يهلكها بذنوب الخاطئين من عباده كما روى الدارقطني، والحاكم عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ قال: "لا تَقْتُلُوْا النَّمْلَةَ فَإِنَّ سُلَيْمَانَ ﵇ خَرَجَ ذَاتَ يَوْمٍ يَسْتَسْقِيْ فَإِذَا هُوَ بِنَمْلَةٍ مُسْتَلْقِيَةٍ عَلَى قَفَاهَا رَافِعَةٍ قَوَائِمَهَا تَقُوْلُ: اللَّهُمَّ إِنَّا خَلْقٌ مِنْ خَلْقِكَ لا غِنَىْ لَنَا عَنْ فَضْلِكَ، اللَّهُمَّ لا تُؤَاخِذْناَ بِذُنُوْبِ عِبَادِكَ الْخَاطِئِيْنَ وَاسْقِنَا مَطَرًا تُنْبِتُ لَنَا بِهِ شَجَرًا وَأَطْعِمْنَا ثَمَرًا فَقَالَ سُلَيْمَانُ ﵇ ارْجَعُوْا فَقَدْ كُفِيْنَا وَسُقِيْتُمْ بِغَيْرِكُمْ" (١). وروى الإمام أحمد في "الزهد"، وأبو نعيم عن أبي الصدِّيق النَّاجي رحمه الله تعالى قال: خرج سليمان بن داود ﵉ قال: فمر بنملة مستلقية على ظهرها رافعة قوائمها إلى السماء وهي تقول: اللهم إنَّا خلق من خلقك ليس بنا غنى عن سقياك ورزقك؛ فإمَّا أن تسقينا وترزقنا وإما أن تهلكنا. فقال سليمان ﵇: ارجعوا فقد سقيتم بدعوة غيركم (٢). ويروى: أنه اتفق لأبيه داود ﵉ مثل ذلك.

стр. 6419

وروى الإمام أحمد في "الزهد" عن عبد الرحمن بن سعيد بن وهب قال: خرج داود ﵇ يستسقي، فبينما هو في سيره - أو قال: على سريره - فإذا هو بنملة رافعة يدها تقول: اللهم إنَّا خلق من خلقك لا غنى بنا عن رزقك؛ فلا تؤاخذنا بذنوب بني آدم. فقال داود ﵇: ارجعوا فقد سقيتم. وتقدم الأثر عن السري بن يحيى في استسقاء الحمر الوحشية، وعن أحمد بن عمر الوزان في استسقاء الظبي حين حيل بينه وبين الماء (١). - ومن أحوال بعض البهائم والحيوانات: الاستغاثة بالنبي ﷺ ، وطلب الشفاعة، والاستجارة به ﵊ . روى ابن أبي شيبة، وأبو نعيم، والبيهقي؛ كلاهما في "الدلائل" عن عبد الله بن جعفر رضي الله تعالى عنهما قال: دخل رسول الله ﷺ حائطاً لرجل من الأنصار فإذا فيه جمل، فلما رأى النبي ﷺ حنَّ إليه وذَرَفت عيناه، فقال ﷺ : "مَنْ رَبُّ هَذَا الْجَمَل؟ ". فجاء فتى من الأنصار، فقال: هو لي. فقال: "أَلا تتَّقِيْ اللهَ فِيْ هَذهِ الْبَهِيْمَةِ الَّتِيْ مَلَّكَكَ اللهُ إِيَّاهَا؛ فَإِنَّهُ شَكَىْ إِلَيَّ أَنَّكَ تُجِيْعُهُ وَتُدْئِبُهُ" (٢).

стр. 6420

وروى الطبراني، وأبو نعيم عن يعلى بن مرَّة رضي الله تعالى عنه قال: خرج النبي ﷺ يوما فجاء بعير يرغو حتى سجد له، فقال المسلمون: نحن أحق أن نسجد للنبي ﷺ ، فقال: "لَوْ كُنْتُ آمِرًا أَحَدًا أَنْ يَسْجُدَ لِغَيْرِ اللهِ لأَمَرْتُ الْمَرْأةَ أَنْ تَسْجُدَ لِزَوْجِهَا؛ تَدْرُوْنَ مَا يَقُوْلُ هَذَا؟ يَزْعُمُ أَنَّهُ خَدَمَ مَوَالِيْهِ أَرْبَعِيْنَ سَنَةً حَتَّى إِذَا كَبُرَ سِنُّهُ نَقَصُوْا مِنْ عَلَفِهِ وَزَادُوْا فِيْ عَمَلِهِ حَتَّى إِذَا كَانَ لَهُمْ عُرسٌ أَخَذُوْا الشِّفَارَ لِيَنْحَرُوْهُ". فأرسل إلى مواليه فقص عليهم، فقالوا: صدق والله يا رسول الله. قال: "فَأُحِبُّ أَنْ تَدَعُوْهُ لِيْ" (١). وروى الطبراني في "الكبير"، وأبو نعيم في "الدلائل" عن أم سلمة رضي الله تعالى عنها قالت: كان رسول الله ﷺ في الصحراء فإذا مناد يناديه، يا رسول الله! فالتفت فلم يرَ أحداً، ثم التفت فإذا ظبية مُوثَقة، فقالت: اُدْنُ مني يا رسول الله. فدنا منها وعندها أعرابي نائم، فقال: "مَا حَاجَتُكَ؟ ". فقالت: إنَّ لي خشفين في هذا الجبل، فحلني حتى أذهب فأرضعهما، ثم أرجع إليك.

стр. 6421

فقال: "وَتَفْعَلِيْنَ؟ ". فقالت: عذَّبَني الله عذاب العشار إن لم أفعل. فأطلقها، فذهبت وأرضعت خشفيها، ثم رجعت فأوثقها، فانتبه الأعرابي، فقال: ألك حاجة يا رسول الله؟ قال: "نعَمْ؛ تُطْلِقُ هَذِهِ الظَّبْيَةَ". فأطلقها، فخرجت تعدو وهي تقول: أشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله (١). في إسناده أغلب بن تميم (٢)، لكن لهذا الحديث طرق كثيرة تشهد أنَّ لهذه القصة أصلاً؛ فإنَّه رواه الطبراني في "الأوسط"، وأبو نعيم من حديث أنس، والبيهقي من حديث أبي سعيد، وهو وأبو نعيم من حديث زيد بن أرقم (٣). وتقدم ما رواه أبو داود الطيالسي، والحاكم - وقال: صحيح الإسناد - عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: كنا عند رسول الله ﷺ في سفر، فدخل رجل غَيضة، فأخرج منها بيض حُمْرة - وفي لفظ: فرخي حمرة - فجات الحمرة ترف على رسول الله ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ :

стр. 6422

"أيُّكُمْ فَجَعَ هَذهِ؟ ". فقال رجل: يا رسول الله! أنا أخذت بيضها. ولفظ الحاكم: فرخيها. فقال رسول الله ﷺ : "رُدَّهُ، رُدَّهُ رَحْمَةً" (١). ورواه أبو الشيخ في "العظمة"، وأبو نعيم، والبيهقي؛ كلاهما في "الدلائل"، ولفظهم: كنا مع النبي ﷺ في سفر فمررنا بشجرة فيها فرخا حمرة، فأخذناهما، فجاءت الحمرة إلى النبي ﷺ وهي تعرض، فقال: "مَنْ فَجعَ هَذِهِ بِفَرْخَيْهَا؟ ". قلنا: نحن. قال: ردُّوهما موضعهما. فرددناهما (٢). قيل: كانوا محرمين؛ فلذلك أمرهم برد الفرخين. وقيل: لما استجارت بالنبي ﷺ أجارها، وهذا أقرب. - ومن أحوال بعض البهائم والسباع: انقيادها لأهل الله تعالى، ولياذها بأوليائه، واحتشامها لهم، وأُنسها بهم . روى الإمام أحمد، وأبو يعلى، والطبراني في "الأوسط"، وأبو نعيم، والبيهقي؛ كلاهما في "الدلائل"، وابن عساكر عن عائشة رضي

стр. 6423

الله تعالى عنها قالت: كان لآل رسول الله ﷺ وحش، فإذا خرج رسول الله ﷺ لعب، وذهب وجاء، فإذا جاء رسول الله ﷺ رَبَضَ، فلم يترمرم ما دام رسول الله ﷺ كان في البيت (١). وروى أبو نعيم في "الدلائل" عن أنس رضي الله تعالى عنه: أن رجلاً من الأنصار كان له بعير فشرد عليه، فقال: يا رسول الله! إنَّ لي بعيراً قد شرد علي، وهو في أقصى أرضي لا أستطيع أن أدنو منه خشية أن يتناولني، فانطلق إليه، فلما أن نظر البعير إلى رسول الله ﷺ أقبل يحبو، وألقى بجرانه حتىجرك عند رسول الله ﷺ ، وجعل عيناه تسيلان، فقال: "يَا فُلانُ! أَرَى بَعِيْرَكَ يَشْكُوْكَ؛ فَأحْسِنْ إِلَيْهِ"، فجاء بحبل فألقاه في رأسه (٢). ورواه الإمام أحمد، والبزار، وأبو نعيم بنحوه، وزادوا: فجاء الجمل حتى خرَّ ساجداً بين يديه، فقال أصحابه: هذه بهيمة لا تعقل، فنحن أحق أن نسجد لك ... الحديث (٣).

стр. 6424

وفي هذا الباب أحاديث كثيرة (١). وروى البيهقي: أن دانيال ﵇ طُرِح في جب، وألقي عليه السباع، فجعلت السباع تلحسه وتبصبص إليه، فأتاه رسول، فقال: يا دانيال! قال: من أنت؟ قال: أنا رسول ربك إليك، أرسلني إليك بطعام. فقال: الحمد لله الذي لا ينسى من ذكره (٢). وروى ابن أبي الدنيا عن أبي الزناد قال: رأيت في يد أبي بردة بن أبي موسى خاتماً نقش فصه أسدان بينهما رجل وهما يلحسانه، قال أبو بردة: هذا خاتم دانيال، فسأل أبو الزناد علماء تلك البلدة، فقالوا: إن دانيال نقش صورته وصورة الأسدين يلحسانه في فص خاتمه لئلا ينسى نعمة الله عليه في ذلك (٣). وروى ابن السني في "عمل اليوم والليلة" عن علي رضي الله تعالى عنه قال: إذا كنت بواد تخاف فيه السبع فقل: أعوذ بدانيال، وبالجب من شر الأسد (٤).

стр. 6425

وروى الإمام أحمد في "الزهد"، وأبو الشيخ بن حيان في "تفسيره"، وأبو نعيم عن وهب قال: لما أمر نوح ﵇ أن يحمل من كل زوجين اثنين قال: يا رب! كيف أصنع بالأسد والبقرة؟ وكيف أصنع بالعناق والذئب؟ وكيف أصنع بالحمام والهر؟ قال: من ألقى بينهم العداوة؟ قال: أنت. قال: فإني أؤلف بينهم حتى لا يتضارون (١). وروى أبو يعلى، والبزار، والحاكم، وأبو نعيم، والبيهقي عن سفينة رضي الله تعالى عنه مولى رسول الله ﷺ قال: ركبت سفينة في البحر فانكسرت، فركبت لوحاً، فأخرجني إلى أجمة فيها أسد، فأقبل إليَّ، فقلت: أنا سفينة مولى رسول الله ﷺ ، وكنت تائهاً، فجعل يغمزني بمنكبه حتى أقامني على الطريق، ثم هَمْهَم، فظننت أنه السلام (٢). ولهذه القصة طرق، وتقدمت قصة ابن عم ﵄ مع الأسد (٣). وروى اللالكائي في كرامات الأولياء من كتاب "شرح السنة" عن

стр. 6426

المعلَّى بن زياد: أنَّ عامر بن عبد قيس كان مسافراً، فمرَّ بقافلة قد حبسهم الأسد من بين أيديهم على طريقهم، فلما جاء عامر نزل عن دابته، فقالوا: يا أبا عبد الله! إنا نخاف [عليك] من الأسد. فقال: إنما هو كلب من كلاب الله ؛ إن شاء أن يسلطه سلطه، كان شاء أن يكُفَّه كفه، فمشى إليه حتى أخذ بيديه أذني الأسد، فحاد عن الطريق، وجازت القافلة. وقال: إني أستحي من ربي أن يرى من قلبي أني أخاف من غيره (١). وعن عبد الجبار بن كثير قال: قيل لإبراهيم بن أدهم رحمه الله تعالى: هذا السبع قد ظهر لنا. فقال: أرونيه. فلما رآه قال: يا قسورة! إن كنت أمرت فينا بشيء فامض لما أمرت به، وإلا فعودك على يديك. قال: فولى السبع ذاهباً (٢). وعن عبد الله بن نوح القنطري العابد قال: اطلعت على إبراهيم ابن أدهم رحمه الله تعالى في بستان بالشام، فإذا إبراهيم نائم مستلق، وإذا حية في فمها باقة نرجس، فما زالت تذب عنه حتى انتبه (٣).

стр. 6427

وعن الحسن بن دعابة قال: رأيت عتبة البغدادي رحمه الله تعالى إذا استحسن الطير دعا به، فيجيء حتى يسقط على فخذه، فيمسه، ثم يسيبه فيطير (١). وعن أحمد بن شبرمة - واستشهد بجماعة فشهدوا معه - قال: قدم سفيان الثوري هاهنا البصرة فارًّا من القوم، فاستخفى في بيت بعض أصحابنا، وكان لابن المنزول به طير يلعب به، فقال سفيان يوماً: لي إليك حاجة. قال: ما هي؟ قال: أحب أن تستوهب ذلك الطير وتهبه لي. قال: نعم. فاستوهب ذلك الطير من ابنه، فوهبه لسفيان، فقبضه سفيان، فأطاره، وخرج من الكن، فلما جَنَّ الليل عاد ودخل الكن، فكان ذلك دأبه يسرح بالنهار ويأوي بالليل حتى توفي سفيان، وظهر أمره، فخرجوا إلى جنازته، فلما صلي عليه ودفنوه وأهيل عليه التراب، وانصرف الناس، أتى ذلك الطير حتى قعد على قبره كئيباً حزيناً، ثم طار يذهب، فكان ذلك دأبه حتى مات، فعمد صاحبه فدفنه إلى جنب سفيان الثوري (٢).

стр. 6428

وروى أبو نعيم عن شريح بن يونس قال: كنت ليلة نائماً فوق المشرعة، فسمعت صوت ضفدع، فإذا ضفدع في فم حية، فقلت: سألتك بالله إلا خليتِها، فخلتها (١). وعن أحمد بن خلف قال: دخلت يوماً على السري، فقال: ما أعجبك من عصفور يجيء فيسقط على هذا الرواق، فأكون قد أعددت له لقمة، فأفتها في كفي، فيسقط على أطراف أناملي، فيأكل؟ فلما كان في وقت من الأوقات سقط على الرواق، ففتت الخبز في يدي، فلم يسقط على يدي كما كان، فذكرت في سِرِّي العلة في وحشته مني، فوجدتني قد كلت ملحاً طيباً، فقلت في نفسي: أنا تائب من الملح، فسقط على يدي، فأكل وانصرف (٢). وروى الأستاذ أبو القاسم القشيري في "الرسالة" عن الجنيد رحمه الله تعالى قال: دخلت على السري يوماً فقال لي: عصفور كان يجيئني كل يوم، فأفت له الخبز، فيأكل بين يدي، فنزل وقتاً من الأوقات فلم يسقط على يدي، فتذكرت في نفسي إيش السبب، فتذكرت أني أكلت ملحاً بأبزار، فقلت في نفسي: لا آكله بعدها، وأنا تائب، فسقط على يدي وأكل. وروى أبو نعيم عن محمد بن وهب عن بعض أصحابه أنه حج

стр. 6429

مع أيوب الحمال قال: فلما دخلنا البادية وسرنا منازل، وإذا بعصفور يحوم حولنا، فرفع أيوب رأسه إليه، وقال: قد جئت إلى هاهنا، فأخذ كسرة خبز ففتَّها في كفه، فانحط العصفور وقعد على كفه يأكل منها، ثم صب له ماء فشربه، ثم قال له: اذهب الآن، فطار العصفور، فلما كان من الغد رجع العصفور، ففعل أيوب مثل فعله في اليوم الأول، فلم يزل كذلك يفعل به ذلك إلى آخر السفر. ثم قال أيوب: تدري ما قصة هذا العصفور؟ كان يجيئني في منزلي كل يوم، فكنت أفعل به ما رأيت، فلما خرجنا تبعني يقتضي مني ما كنت أفعل به في المنزل (١). والحكايات في هذا الباب كثيرة، وهي داخلة في كرامات الأولياء رضي الله تعالى عنهم. - ومن أحوال بعض البهائم والعجماوات: حزنها لفقد أولياء الله تعالى، وحنينها إليهم . روى ابن عساكر، وغيره بسند ضعيف، عن أبي منظور ﵁ قال: لما فتح رسول الله ﷺ خيبر أصاب حماراً أسود، فكلم رسول الله ﷺ الحمار، فقال له النبي ﷺ : "مَا اسْمُكَ؟ ". قال: يزيد بن شهاب، أخرج من نسل أبي ستون حماراً كلهم لم يركبه إلا نبي، قد كنت أتوصل أن تركبني، فلم يبق من نسل جدي

стр. 6430

غيري، ولا من الأنبياء غيرك، قد كنت قبلك لرجل يهودي، وكنت أتعثر به عمداً، وكان يجيع بطني ويضرب ظهري. فقال له النبي ﷺ : "فَأَنْتَ يَعْفُوْرٌ". فكان النبي ﷺ يبعث به إلى باب الرجل، فيأتي الباب فيقرعه برأسه، فإذا خرج إليه صاحب الدار أومأ إليه أن أجب رسول الله ﷺ ، فلما قبض النبي ﷺ جاء إلى بئر كانت لأبي الهيثم بن التيهان، فتردَّى فيها حزناً على رسول الله ﷺ (١). وهذا الحديث - وإن أنكره ابن حبان، والمديني، وغيرهما من الحفاظ - إلا أنه يستأنس به لهذا النوع (٢). وروى الإمام أحمد عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، عن النبي ﷺ : "إنَّ داودَ ﵇ لَمَّا مَاتَ أَظَلَّتِ الطَّيْرُ جَنَازَتَهُ، وَغَلَبَتْ عَلَيْهِ الْمَضْرَحِيَّةُ"، وَهِيَ الصُّقُوْرُ الطِّوَالُ الأَجْنِحَةِ (٣).

стр. 6431

وقد ذكرت آنفاً قصة سفيان الثوري مع الطائر، وحزن الطائر عليه، حتى مات على قبره بعد ثلاثة أيام (١). وحكى ابن السبكي في "طبقاته" في ترجمة الأستاذ أبو القاسم القشيري: أنَّ الفرس الذي كان يركبه الأستاذ أبو القاسم القشيري - وكانت رمكة (٢) - أهديت إليه قبل موته بنحو عشرين سنة، ما كان الأستاذ يركب غيرها، وما ركبها أحد بعده. وحكى أنها لم تعتلف بعد وفاته حتى ماتت، وسقطت في الإصطبل سادس يوم من يوم وفاته (٣). قلت: وكان لشيخ الإسلام الوالد رحمه الله تعالى هر أبيض اللون منقط بحمرة، وكان يألف الشيخ، ويكون حواليه غالباً لا يكاد يفارق الشيخ إلا قليلاً، يلوذ به في غالب أحيانه، وكان الشيخ يسميه فارساً، وكان إذا دعاه باسمه أقبل إليه حيثما كان، وكان يبره ويطعمه من أحسن ما يكون بين يديه، فلما انتقل الشيخ إلى رحمة الله تعالى فقدنا ذلك الهر، ثم وجِدَ ميتاً بعد ثلاثة أيام فوق سطح زاوية الشيخ المعروفة بالحلبية لصيق الجامع الأموي، مُلقى فوق الموضع الذي كان الشيخ يجلس فيه للمطالعة والإفتاء والتصنيف، وكان الجيران

стр. 6432

يسمعون صياحه في تلك الأيام الثلاثة ليلاً ونهاراً، ثم انقطع صوته بعد ذلك فوجد ميتاً مما شُرِح. * تَنْبِيهٌ: أعجب مما ذكر حزن الجمادات كالبقاع، وبكاؤها لفقد العبد المؤمن والصالح خصوصاً العلماء. روى عبد بن حميد عن مجاهد قال: إن العالم إذا مات بكت عليه السماء والأرض أربعين صباحاً (١). وعن وهب قال: إن الأرض لتحزن على العبد الصالح أربعين صباحاً (٢). وروى الترمذي، وابن أبي الدنيا في كتاب "ذكر الموت"، وأبو يعلى، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، وأبو نعيم، والخطيب عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "مَا مِنْ عَبْدٍ إِلاَّ وَلَهُ فِيْ السَّمَاءِ بَابَانِ، بَابٌ يَصْعَدُ مِنْهُ عَمَلُهُ وَبَابٌ يَنْزِلُ مِنْهُ رِزْقُهُ، فَإِذَا مَاتَ فَقَدَاهُ وَبَكِيَا عَلَيْهِ"، وتلا هذه الآية: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ﴾ [الدخان: ٢٩] (٣).

стр. 6433

وذكر أنهم - يعني: آل فرعون - لم يكونوا يعملون على وجه الأرض عملاً صالحاً فتبكي عليهم، ولم يصعد لهم إلى السماء من كلامهم ولا عملهم كلام طيب، ولا عمل صالح فتفقدهم فتبكي عليهم. وسُئِل ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في الآية: هل تبكي السماء والأرض على أحد؟ قال: نعم، إنه ليس أحد من الخلائق إلا له باب في السماء منه ينزل رزقه، وفيه يصعد عمله، فإذا مات المؤمن فأغلق عليه بابه من السماء فقده، فيبكي عليه، وإذا فقده مصلاه من الأرض التي كان يصلي فيها ويذكر الله تعالى فيها بكت عليه. قال: وإنَّ قوم فرعون لم يكن لهم آثار صالحة في الأرض، ولم يكن يصعد إلى الله منهم خير، فلم تبك عليهم السماء والأرض. رواه ابن جرير، وابن المنذر، والبيهقي في "الشعب" (١). ويروى هذا المعنى عن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه (٢).

стр. 6434

- ومن أحوال العجماوات: أنها تستغفر لطلبة العلم والعلماء العاملين، وتترحم عليهم مع التعظيم لهم . روى أبو داود، والترمذي، وابن ماجه، وابن حبان في "صحيحه"، وغيرهم عن أبي الدرداء رضي الله تعالى عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "مَنْ سَلَكَ طَرِيْقًا يَلْتَمِسُ فِيْهِ عِلْمًا سَهَّلَ اللهُ لَهُ طَرِيْقًا إِلَىْ الْجَنَّةِ وَإِنَّ الْمَلائِكَةَ ﵈ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا لِطَالِبِ الْعِلْمِ رِضًى بِمَا يَصْنعُ، وَإِنَّ العَالِمَ لَيَسْتَغْفِرُ لَهُ مَنْ فِيْ السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِيْ الأَرْضِ حَتَّىْ الْحِيْتَانُ فِيْ الْمَاءِ، وَفَضْلُ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِ الْقَمَرِ عَلَىْ سَائِرِ الْكَوَاكِبِ، وَإِنَّ الْعُلَمَاءَ وَرَثَةُ الأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ، إِنَّ الأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوْا دِيْنَارًا وَلا دِرْهَمًا، إِنَّمَا وَرَّثُوْا الْعِلْمَ، فَمَنْ أَخَذَهُ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِر" (١). وفي حديث معاذ ﵁ المتقدم في فضل العلم وأهله: يستغفر لهم كل رطب ويابس، وحيتان البحر وهوامه، وسباع البر وأنعامه ... الحديث بطوله. رواه أبو الشيخ، وابن عبد البر (٢). وروى الترمذي وصححه، عن أبي أمامة رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ : "إِنَّ اللهَ وَمَلائِكَتَهُ وَأهْلَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ حَتَّىْ النَّمْلَةَ فِيْ جُحْرِهَا وَحَتَّىْ الْحُوْتَ لَيُصَلُّوْنَ عَلَىْ مُعَلِّمِ النَّاسِ الْخَيْرَ" (٣).

стр. 6435

وروى الطبراني في "الأوسط" عن ابن عباس ﵄، عن النبي ﷺ قال: "عُلَمَاءُ هَذِهِ الأُمَّةِ رَجُلانِ؛ رَجُلٌ آتَاهُ اللهُ عِلْمًا فَبَذَلَهُ لِلنَّاسِ وَلَمْ يَأْخُذْ عَلَيْهِ طَمَعًا وَلَمْ يَشْتَرِ بِهِ ثَمَنًا، فَذَلِكَ تَسْتَغْفِرُ لَهُ حِيْتَانُ الْبَحْرِ وَدَوَابُّ الْبَرِّ وَالطَّيْرُ فِيْ جَوِّ السَّمَاءِ، وَيقْدُمُ عَلَىْ اللهِ تَعَالَىْ سَيِّدًا شَرِيْفًا حَتَّىْ يُرَافِقَ الْمُرْسَلِيْنَ"، وذكر الحديث، وتقدم بتمامه (١). وفي الباب غير ذلك من الأحاديث. - ومن أحوال العجماوات: أنَّ منها ما يلهم النصيحة للخلق . روى أبو نعيم عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: كنت عند عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه وعنده كعب الأحبار، فقال كعب: يا أمير المؤمنين! ألا أخبرك بأغرب شيء؟ قرأت في كتب الأنبياء ﵈ أن هامَة - وهي بتخفيف الميم على المشهور: طير الليل - جاءت إلى سليمان ﵊، فقالت: السلام عليك يا نبي الله. فقال: وعليك السلام يا هامة؛ أخبريني كيف لا تأكلين من الزرع؟ قالت: يا نبي الله! إن آدم أخرج من الجنة بسببه، فمن أجل ذلك لا آكل. فقال: وكيف لا تشربين من الماء؟

стр. 6436

قالت: لأنه غرق فيه قوم نوح، فمن أجل ذلك لا أشربه. قال لها سليمان: كيف تركت العمران؟ قالت: لأن الخراب ميراث الله، فأنا أسكن ميراث الله. قال سليمان: فما صياحك في الدور إذا مررت عليها؟ قالت: أقول: ويل لبني آدم كيف ينامون وأمامهم الشدائد؟ قال: فما لك لا تخرجين بالنهار؟ قالت: من كثرة ظلم بني آدم لأنفسهم. قال: فأخبريني ما تقولين في صياحك؟ قال: أقول: تذكروا يا غافلين وتهيؤوا لسفركم؛ سبحان خالق النور! فقال لسليمان ﵇: ليس من الطيور أنصح لابن آدم وأشفق من الهامة، وما في قلوب الجهال أبغض منها (١). ومما يضرب به المثل في النصح الكلب. وقال الشاطبي رحمه الله تعالى: [من الطويل] وَقَدْ قِيلَ كُنْ كَالْكَلْبِ يُقْصِيهِ أَهْلُهُ ... وَلا يَأتَلِي فِي نُصْحِهِمْ مُتَأَثِّلاً

стр. 6437

- ومن أحوال العجماوات والبهائم: أنها تلعن العصاة وعلماء السوء، وتردُّ اللعنة على لاعنها. قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ (١٥٩) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ١٥٩، ١٦٠]. قيل في تفسير الآية: كما أن العلماء العاملين يستغفر لهم كل شيء حتى الحيتان فى الماء والطير في الهواء، كذلك كاتم العلم لغرض فاسد يلعنه كل شيء. وروى ابن الجوزي في "العلل" عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ "كَاتِمُ الْعِلْمِ يَلْعَنُهُ كُلُّ شَيْءٍ حَتَّىْ الْحُوْتُ فِيْ الْبَحْرِ وَالطَّيْرُ فِيْ السَّمَاءِ" (١). وقلت ملمحاً بذلك: [من الخفيف] عالِمٌ مُخْلِصٌ نَصُوحٌ لَهُ اسْتَغْـ ... فَرَ كُلٌّ مِنَ الْخَلائِقِ حَقًّا وَالَّذِي يَكْتُمُ العُلُومَ لِدَيْنا ... لَعَنَتْهُ الأَشْياءُ بُغْضاً وَحَنَقاً إِنَّ هَذا لَفِي الْحَضِيضِ وَذاكَ الـ ... مُخْلِصُ القَلْبَ فِي الْمَراتِبِ يَرْقَى

стр. 6438

فَتَلَبَّسْ بِما تَشاءُ فَإنَّ الـ ... ـمَرْءَ ما قَدَّمَتْ يَداهُ سَيَلْقَى وَتَعَلَّمْ وَكُنْ سَعِيداً بِعِلْمٍ ... لا تَكُنْ مُسْرِفاً بِعِلْمِكَ تَشْقَى * تنبِيهٌ لَطِيفٌ: قد اشتملت هذه الآية المذكورة مع الوعيد على كتمان العلم على غاية التلطف بالعالم المفرِّط في علمه ليتوب ويفيء إلى حفظ خير العلم الذي أوتيه؛ فإنه الشرف البالغ الشَّأو في الرفعة والسمو، ألا ترى أنه لما وجه الوعيد إلى كاتم البينات والهدى لم يصفه بالعلم، بل صبَّ الوعيد على الكتمان صيانة لمنصب العلم عن وصمة اللعن، وإشارة إلى أن الكاتم لا يكاد يوصف بالعلم؛ فإنه ساوى أهل الجهل في ذلك، ثمَّ لما استثنى التائبين وصفهم بالبيان الذي هو ثمرة العلم، وفي طي ذلك وصفهم بالعلم، ثم نوَّه باسمهم بقوله تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ﴾؛ ذكرهم باسم الإشارة الموضوع للبعيد إشارة إلى بعد مقامهم في السمو والسناء، وذكر وعده لهم بفعل المتكلم الواحد على وجه الالتفات، وأتى في الوعيد بقوله: ﴿أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ﴾، فأتى باسم الإشارة الموضوع للبعيد إبعاداً لهم، وباسم الله الجامع إشارة إلى وصف يجمع صفات القهر والانتقام، وأتى بالهمزة في ﴿أَتُوبُ﴾ الموضوعة للمفرد، ولم يأت بنون العظمة إشارة إلى اختصاصهم به الداعي إلى أن يتولى التوبة عليهم بذاته الكريمة دون الوسائط، ولم يقل: أقبل توبتهم، بل: أتوب عليهم تحقيقاً لثمرات التوبة التي تابوها، وأتوب مع الاحتمال أبلغ من أقبل توبتهم، وفيه إيماء إلى أن

стр. 6439

توبة العالم تكون من بصيرة، فإذا تاب فإنما توبته بتوبة الله عليه ورده إياه إلى التبيين والتفقه بعلمه والانتفاع به، ثم أكد هذا الوعد الجميل بالتوبة المخصوصة بتولي الله تعالى لها وحده بالضمير الموضوع للمتكلم وحده مخبراً عنه بوصفين عظيمين بصفتي المبالغة، فقال: ﴿وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ١٦٠]. ولقد قلت: [من السريع] يا رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي عِلْماً ... فَأَتْمِمِ الإِحْسانَ وَالنِّعَما فَلا يَكُونَ العِلْمُ لِي فاتِناً ... وَوَقِّنِي العِصْيانَ وَالإِثْما وَثَبِّتِ اللَّهُمَّ قَلْبِي عَلى ... دِينِكَ يا مَنْ حِصْنُهُ الأَحْمَى حَتَّى أُفِيدَ العِلْمَ لا طاغِياً ... بِهِ وَلا أَمْنَعَهُ كَتْماً عَلَّمْتَنِي العِلْمَ وَأَشْقَى بِهِ ... قِنِي إِلَهِي كُلَّ ما هَمَّا يا رَبِّ فَانْفَعْنِي بِما نِلْتُ مِنْ ... عِلْمٍ وَزِدْنِي سَيِّدِي عِلْماً وروى الحافظ عماد الدين بن كثير في "تفسيره" عن البراء بن عازب رضي الله تعالى عنهما قال: كنا مع رسول الله ﷺ في جنازة فقال: "إِنَّ الْكَافِرَ يُضْرَبُ ضَرْبَةً بَيْنَ عَيْنَيْهِ يَسْمَعُهَا كُلُّ دَابَّةٍ إِلاَّ الثَّقَلَيْنِ، تَلْعَنُهُ كُلُّ دَابَّةٍ سَمِعَتْ صَوْتَهُ؛ فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَىْ: ﴿أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ [البقرة: ١٥٩] (١).

стр. 6440

وروى عبد بن حميد، وابن جرير عن عكرمة رحمه الله تعالى: أن عصاة بني آدم يلعنهم كل شيء حتى الخنافس والعقارب؛ يقولون: مُنِعْنا القطر بذنوب بني آدم (١). وروى سعيد بن منصور، وابن جرير عن مجاهد رحمه الله تعالى قال: إنَّ البهائم إذا اشتدت عليها السنة قالت: هذا من أجل عصاة بني آدم؛ لعن الله عصاة بني آدم (٢). وروى عبد بن حميد عنه قال: إذا أجدب البهائم دعت على فجار بني آدم، فقالت: حبس عنا الغيث بذنوبهم (٣). * تنبِيهانَ: الأَوَّلُ: دلَّت هذه الآثار أن ذنوب بني آدم تكون سبباً لهلاك غيرهم من الدواب. روى البيهقي في "الشعب" عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: أنه سمع رجلاً يقول: إن الظالم لا يضر إلا نفسه. فقال أبو هريرة: كذبت والذي نفسي بيده؛ إن الحُبارى لتموت هزالاً من خطايا بني آدم (٤).

стр. 6441

وروى ابن أبي الدنيا في كتاب "العقوبات" عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: إن الضب ليموت في جحره هزالاً من ظلم ابن آدم (١). وروى الحاكم، وغيره عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه: أنه قرأ قوله تعالى: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ﴾ [فاطر: ٤٥] قال: كاد الجعل يعذب في جحره بذنب ابن آدم (٢). وتقدم في حديث: "وَمَا مَنَعَ قَوْمٌ زَكَاةَ أَمْوَالِهِمْ إِلاَّ مُنِعُوْا الْقَطْرَ مِنَ السَّمَاء وَلَوْلا الْبَهَائِمُ لَمْ يُمْطَرُوْا" (٣). وحديث: "لَوْلاَ عِبَادٌ رُكَّعٌ، وَصِبْيَةٌ رُضَّعٌ، وَبَهَائِمٌ رُتَّعٌ، لَصَبَّ عَلَيْكُمُ الْعَذَابَ صَبًّا" (٤). والجمع بين هذين الحديثين وبين الآثار المتقدمة: أن هذا على حسب التجليات الإلهية؛ فتارة تقتضي الحكمة الإلهية الظهور بمظهر اللطف والعفو، فيهب الله تعالى أهل معصيته لأهل طاعته ولضعفاء خليقته، فيدر الغمام ببركة هؤلاء، ويعفو عن ذنوب أولئك.

стр. 6442

وتارة تقتضي الظهور بمظهر الجلال والقهر، والانتقام والاستقصاء فيه، فيمتنع القطر وتقحط الأرض حتى يموت بعض دواب الأرض. وقد يكون السر في ذلك استعتاب الناس، وتأديبهم وقودهم بأزمة البلاء والشدة إلى الطاعة والتوبة، أو إحقاق الكلمة على من سبقت له - والعياذ بالله - في علمه الشقاوة والهلاك، ويفعل الله في ملكه ما يشاء. التَّنْبِيهُ الثَّانِي: ينبغي للإنسان أن لا يكون أعجز من الجمادات والبهائم في الدعاء لأهل العلم والاعتناء بشأنهم، والاستغفار للمؤمنين والاهتمام بأمورهم، لا ينبغي له أن يلعن شيئاً لما تقدم أن المؤمن لا يكون من خلقه كثرة اللعن ولا يكون الصديق لعاناً وإن جاز له أن يلعن العصاة والكفار من غير تعيين واحد بنفسه. وقد قالوا: إنَّ الذكر والتسبيح أَعْوَدُ على الإنسان من الاشتغال بلعن الشيطان؛ فإنه يغضب من الذكر ما لا يغضب من اللعن. روى ابن أبي الدنيا في "الصمت" عن مجاهد قال: قَلَّ ما ذكر الشيطان قوم إلا حضرهم، فإذا سمع أحداً يلعنه قال: لقد لعنت مُلَعَّناً. قال: ولا شيء أقطع لظهره من: لا إله إلا الله (١) وقد تقدم هذا المعنى في محله.

стр. 6443

وأمَّا رد العجماء اللعن على لاعنها فروى ابن أبي الدنيا عن عمرو ابن قيس رحمه الله تعالى قال: إذا ركب الرجل الدابة قال: اللهم اجعله بي رفيقاً رحيماً، فإذا لعنها قالت: على أعصانا لعنة الله (١). وعن الفضيل رحمه الله تعالى قال: كان يقال: ما أحد يسب شيئاً من الدنيا دابة أو غيرها فيقول: أخزاك الله، ولعنك الله إلا قال: أخزى الله أعصانا. [قال الفضيل]: وابن آدم أعصى وأظلم (٢). * تنبِيهٌ: إذا سبَّ إنسانٌ إنساناً، فسبَّه ولم يتجاوز في رده عليه، ولم يكذب في سبِّه، لم يحرم عليه، ولكن الأولى أن لا يجيبه ويعرض عنه بالكلية، فهو أولى من الانتصار وإن كان مع الاقتصار على القدر الواجب لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾ [الفرقان: ٦٣]. وقوله تعالى: ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩]. - ومن أحوال العجماوات، بل والجمادات: طاعتها لله تعالى، وانقيادها له، وتسبيحها بحمده، وشهادتها بوحدانيته . قال الله تعالى: ﴿فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فصلت: ١١].

стр. 6444

قيل: أراد الله تكوينها فلم تمتنعا عليه. وقيل: قال الله لها: أخرجا ما خلقت بكما من المنافع لمصالح العباد؛ أمَّا أنت يا سماء فأطلعي شمسك وقمرك ونجومك، وأما أنت يا أرض فشقي أنهارك، وأخرجي ثمارك ونباتك. وهذا هو المأثور. أخرجه ابن المنذر، والحاكم وصححه، والبيهقي في "الأسماء والصفات" عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه (١). وقيل: المراد بقوله: ﴿قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾: أنهما قالا بلسان الحال، أم بلسان المقال بأن أنطقها الله تعالى، وجعل فيها إدراكاً حقيقة لسماع الكلام ورد الجواب. والقولان جائزان، والثاني مذهب المحدثين وأكثر المحققين، ويدل عليه قوله: ﴿قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾، ولم يقل: طائعات، أو طائعتين إلحاقاً لهما بالعقلاء من أهل المنطق. وقال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾ [الرعد: ١٥]. وقال : ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [النحل: ٤٩].

стр. 6445

وقال : ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ [الحج: ١٨]. وقد حمل أكثر العلماء السجود في هذه الآيات على الانقياد والتسخير لقدرة الله تعالى، ولكن هذا المعنى غير ظاهر في هذه الآية الأخيرة لأنه قال: ﴿وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ﴾ [الحج: ١٨]. فأشار إلى أن منهم من يسجد، ومنهم من يمتنع، ولو أراد بالسجود التسخير لعمَّم السجود كما عممه في الآيتين المذكورتين قبلها؛ فإن الكافر أيضاً مسخَّر منقاد بيد القدرة والقدر فيما هو فيه، وإنما المراد السجود حقيقة إذ بامتناع المكلف منه يحق عليه الوعيد. والتحقيق في هذا المقام: أنَّ الله تعالى أمر جميع المخلوقات بالسجود على حسب ما أعطى كل واحد منها من القابلية، وجعل في ابن آدم قابلية الإجابة والطاعة من وجهين: - من حيث التسخير والانقياد لما خلق بيد القدرة. - ومن حيث القيام بحق الأمانة التي عرضت عليه، فقبلها وحملها على وفق الأمر والخطاب. ولم يجعل في غيره من المخلوقات قابلية الإجابة والطاعة إلا من الحيثية الأولى، فأطاع الحيثية الأولى كما أطاع غيره.
следующие страницы →