فانظر كيف يُكفِّر الله تعالى عن العبد الصالح ما يبقى عليه من رعونة نفسه، وإدلاله بعمله وتمسكه به في نفس موقفه، فلا يدخله الله الجنة إلا خالصاً طاهراً مقدساً؛ فمن هذا القبيل يُلاحظ أهل الجنة عند باب الجنة تلاحظ الثيران ليُكفر ذلك عنهم ولو بازدحامهم عند الدخول، فإذا دخلوا نزع الله الغِلَّ من صدورهم.
هذا الوجه الأول في كلام عبد الكريم بن رشيد.
والوجه الثاني: أنَّ أهل الجنة لا تنقطع عنهم أحوال الدنيا وخوف المؤاخذة بها في مواطن القيامة حتى يدخلوا الجنة - كان انتهوا إلى بابها - فإنَّ كل إنسان منهم يخشى أن يكون عليه مؤاخذة، ولا يكاد يخلو أحد منهم من ظُلامة عند بعض أهل الموقف فهو يخاف أن يحتاج إليها ليكفر الله بها ما عسى أن يستدرك عليه من التبعات - وإن انتهى إلى باب الجنة - فإنه لا يأمن أن يقال: قفوه، أو: أرجعوه، فهو ينظر إلى أخيه الذي له عليه الظلامة نظر الطالب، ويلتفت إليه التفات المُسْتَعدى عليه ولو كان أقرب الخلق إليه.
روى الطبراني عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إِنَّهُ يَكُوْنُ لِلْوَالِدَيْنِ عَلَى وَلَدِهِمَا دَيْنٌ، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ القِيَامَةِ يتَعَلَّقَانِ بِهِ فَيَقُوْلُ: أَنَا وَلَدُكُمَا فَيَوَدَّانِ، أَوْ يَتَمَنَّيَانِ لَوْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ" (١).
стр. 6513
وروى سعيد بن منصور، والحاكم - وقال: صحيح الإسناد - وابن أبي داود في "البعث"، والبيهقي في "الشعب" عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: بينا رسول الله ﷺ جالس إذ ضحك حتَّى بدت ثناياه، فقال له عمر رضي الله تعالى عنه: ما أضحكك يا رسول الله بأبي أنت وأمي؟
قال: "رَجُلانِ مِنْ أُمَّتِي جَثَيَا بَيْنَ يَدَيْ رَبِّ العِزَّةِ ﵎، فَقَالَ أَحَدُهُمَا: يَا رَبِّ! خُذْ لِيْ مَظْلَمَتِي مِنْ أَخِيْ، فَقَالَ اللهُ تَعَالَى: كَيْفَ تَصْنعُ بِأَخِيْكَ وَلَمْ يَبْقَ مِنْ حَسَنَاتِهِ شَيْءٌ.
قَالَ: يَا رَبِّ! فَلْيَحْمِلْ مِنْ أَوْزَارِي".
وفاضت عينا رسول الله ﷺ بالبكاء، ثمَّ قال: "إِنَّ ذَلِكَ لَيَوْمٌ عَظِيْمٌ يَحْتَاجُ النَّاسُ أَنْ يُحْمَلَ عَنْهُمْ مِنْ أَوْزَارِهِمْ، فَقَالَ اللهُ لِلطَّالِبِ: ارْفَعْ بَصَرَكَ فَانْظُرْ، فَرَفَعَ فَقَالَ: يَا رَبِّ! أَرَى مَدَائِنَ مِنْ ذَهَبٍ، وَقُصُوْراً مِنْ ذَهَبٍ مُكَلَّلَةً بِاللُّؤْلُؤِ؛ لأَيِّ نَبِيٍّ هَذَا، وَلأَيِّ صِدِّيْقٍ هَذَا، وَلأيِّ شَهِيْدٍ هَذَا؟
قَالَ: لِمَنْ أَعْطَى الثَّمَنَ.
قَالَ: يَا رَبِّ! وَمَنْ يَمْلِكُ ذَلِكَ؟
قَالَ: أَنْتَ تَمْلِكُ.
قَالَ: بِمَاذَا؟
قَالَ: بِعَفْوِكَ عَنْ أَخِيْكَ.
стр. 6514
قَالَ: يَا رَبِّ! فَإِنِّي قَدْ عَفَوْتُ عَنْهُ.
قَالَ اللهُ تَعَالَى: فَخُذْ بِيَدِ أَخِيْكَ، وَأَدْخِلْهُ مَعَكَ الْجَنَّةَ".
فقال رسول الله ﷺ عند ذلك: "وَاتَّقُوا اللهَ، وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنَكُمْ؛ فَإنَّ الله يُصْلِحُ بَيْنَ الْمُؤْمِنِيْنَ" (١).
وروى ابن أبي حاتم عن الحسن البصري رحمه الله تعالى قال: بلغني أنَّ رسول الله ﷺ قال: "يُحْبَسُ أَهْلُ الْجَنَّةِ بَعْدَمَا يَجُوْزُوْنَ الصِّرَاطَ حَتَّى يُؤْخَذَ لِبَعْضِهِمْ مِنْ بَعْضٍ ظُلامَاتُهُمْ فِي الدُّنْيَا، وَيَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَيْسَ فِي قُلُوْبِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ غِلٌ" (٢).
روى البخاري، والإسماعيلي في "مستخرجه" - واللفظ له - عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه، عن النبي ﷺ في هذه الآية: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ (٤٧)﴾ [الحجر: ٤٧]، قال: يَخْلُصُ الْمُؤْمِنُوْنُ مِنَ النَّارِ فَيُحْبَسُونَ عَلَى قَنْطَرَةٍ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، فَيُقْتَصُّ لِبَعْضِهِمْ مِنْ بَعْضٍ مَظَالِمَ كَانَتْ بَيْنَهُمْ فِي الدُّنْيَا، حَتَّى إِذَا هُذِّبُوا وَتَنَقُّوا أُذِنَ لَهُمْ فِي دُخُوْلِ الْجَنَّةِ؛ فَوَالَّذِيْ
стр. 6515
نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لأَحَدُهُمْ أَهْدَى لِمَنْزِلِهِ فِي الْجَنَّةِ مِنْهُ بِمَنْزِلِهِ فِي الدُّنْيَا" (١).
قال قتادة: كان يقال ما شَبَهٌ لهم إلا أهل الجمعة انصرفوا من جمعتهم (٢).
وقوله: يخلص المؤمنون من النار، أي: ينجون من السقوط فيها بمجاورة الصراط.
والمراد: من لم يدخل النار منهم، كما قال القرطبي (٣)، أمَّا من دخلها ثم أخرج منها فلا يحبس، بل إذا أخرجوا بثوا على أنهار الجنة فغمسوا فيها، وذلك أن ما كان عليهم من التبعات جوزوا عليه بما لقوا في النار.
وأحسن ما نختم به هنا: ما رواه البزار بسند صحيح، عن عمر ابن الخطاب ﵁: أنَّ رسول الله ﷺ كان في بعض مغازيه فبينما هم يسيرون إذ أخذوا فرخ طير، فأقبل أحد أبويه حتى سقط في يد الذي أخذه، فقال رسول الله ﷺ .
"أَلا تَعْجَبُوْنَ لِهَذَا الطَّيْرِ؟ أَخَذَ فَرْخَهُ فَأَقْبَلَ حَتَّى سَقَطَ فِي أَيْدِيْهِمْ، فَوَاللهِ للهُ أَرْحَمُ بِخَلْقِهِ مِنْ هَذَا الطَّيْرِ بِفَرْخِهِ" (٤).
стр. 6516
واعلم أنَّ الله ﵎ جعل الإنسان نسخة الوجود ومرآة العوالم، وجعل فيه قابلية لأن يكون صورة لكل شيء، ونسخة من كل مصنوع بحيث يظهر فيه كمال قدرة الله تعالى، كما وقعت الإشارة إلى ذلك في قوله تعالى: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٢١)﴾ [الذاريات: ٢١].
وفضَّله الله تعالى على جميع الحيوانات والجمادات بالعقل والمعرفة، وحسن التصرف في مملكة إنسانيته، ومقتضى ذلك أن يظهر بكل صورة جميلة، ويتخلق بكل صفة كريمة - ولو كان لها نظير في أدون المخلوقات وأدناها - مع الاحتراز عن كل خصلة قبيحة، وصورة شنيعة - وإن كان يوجد لها نظير في بعض الأناسي - والعاقل العارف لا يرضى لنفسه أن يكون من الخير إلا في أعلى طبقاته الممكنة له، ولا من الشر إلا أبعد ما يكون منه، ولا يرى أحداً متصفاً بشيء مدحه الشرع والعقل إلا شاركه فيه، أو شيء ذمَّه الشرع والعقل إلَّا كان أشد الناس اجتناباً له وتباعداً عنه كما قيل: [من المتقارب]
إِذا أَعْجَبَتْكَ خِصالُ امْرِئٍ ... فَكُنْهُ يَكُنْ فِيكَ ما يُعْجِبُكْ
فَلَيْسَ عَلى الْمَجْدِ وَالْمَكْرُماتِ ... إِذا رُمْتَها حاجِبٌ يَحْجُبُكْ (١)
وأقول: [من السريع]
بَلْ إِنَّنَي أَسْأَلُ مِنْ خالِقِي ... زِيادةً قَبْلَ نُزولِ الْمَنُونْ
حَتَّى أَراهُ ناظِراً راضِياً ... إِلَيَّ مِنْ حَيْثُ الْمَلا يُخْبِرُونْ
حَسَّنْتُ بِاللهِ ظُنونِي وَما ... أَنْفَعَ ما قَدْ كانَ حُسْنَ الظُّنُونْ
وهذا الكتاب موضوع لطريق العمل بمقتضى العقل والعلم اللذين بهما يصير الإنسان إنساناً كاملاً، فمن ظَفِر بكتابنا هذا وتمسَّك به، وعمل بما فيه كان إنساناً كاملاً وبشراً سويًّا، ورُجي له زيادة الهداية من الله تعالى كما قال : ﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى﴾ [مريم: ٧٦].
ومن خالف في العمل والهدى هذا الكتاب فقد حاد عن جادة الصواب، وصرف قلبه عن فهم آيات الكتاب، وعرَّض نفسه للندامة يوم المآب.
وإن شئت فاقرأ في هذا المقام قول الله تعالى: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ (١٤٦)﴾ [الأعراف: ١٤٦].
стр. 6519
فإيَّاك والغفلةَ عن آيات الله؛ فإنَّ الغفلة عنها تجرُّ إلى التكذيب بها ولو بلسان الحال، وذلك يؤدي إلى ترك العمل بها، وبذلك يهلك الإنسان؛ نعوذ بالله من الخذلان!
ثمَّ لما كان الإنسان - وإن كان متصفاً بالعبودية والإيمان - لا يخلو عن زلةٍ ما بمقتضى ما جُبِلَ عليه من الخطأ كما في الحديث: "كُلُّ بَنِيْ آدَمَ خَطَّاءٌ" (١) ناسبَ أن نختم الكتاب بما يفيء به من الزلة والخطأ إلى الاستقامة والصواب، وهو التوبة التي كانت طريق الفيئة والتدارك لأبيه آدم ﵇ ليكون من خير الخطَّائين؛ إذ "خير الخطَّائين التوابون" (٢) كما في الحديث.
وروى الحاكم في "المستدرك" عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله ﷺ : "إِنَّ الْمُؤْمِنَ خُلِقَ مُفْتَّناً تَوَّاباً، نَسِيًّا إِذَا ذُكِّرَ ذَكَرَ" (٣).
وحقيقة وصف المؤمن في هذا الحديث التوبة والذكر، وأما الافتتان والنسيان فإنَّهما يشاركه فيها غيره، فالمنافق كذلك مفتن نسي إلا أنَّهُ يُصر، وإذا ذُكِّر لا يذكر، ولأنَّ التوبة أول مقامات البدلية، ولذلك يُبدل الله تعالى سيئات التائبين حسنات كما قال تعالى:
стр. 6520
﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٧٠)﴾ [الفرقان: ٧٠].
ومن ثم قال سهل بن عبد الله التستري رحمه الله تعالى: التوبة تبديل الحركات المذمومة بالحركات المحمودة (١).
وروى أبو الحسن بن جهضم في "بهجة الأسرار" عنه أنَّه قال: لا يصح للإنسان حقيقة التوبة حتى يترك أربعة أخلاق؛ أخلاق الأبالسة، وأخلاق السحرة، وأخلاق البهائم، وأخلاق الشياطين.
أي: مُتصفاً بأضدادها، متخلقاً بخلافها.
وهذا الكتاب إنما هو للإرشاد إلى أن يتجرد العبد عن مساوئ الأخلاق والأعمال والأقوال، ويتبدل بها محاسن الأخلاق والأعمال والأقوال، فيكون بدلاً يرحم الله به العباد، ويسقي به البلاد، وينصر به عامَّة الأمة على أعدائها، ويحفظ به الأرض من سائر أرجائها حتى يأتيَ أمرُ الله تعالى.
وأيضاً ختمنا بالتوبة الكتاب رجاء أن يختم لنا بالمتاب؛ لأنَّ من خُتِمَ له بالتوبة فقد أمن بالأَوبة من الحَوبة.
стр. 6521
هَذِهِ خَاِتمَة الكِتَابِ المَوْعُود بِذِكْرِهَا في فَضْل الإنَابَةِ والمَتَابِ
قال الله تعالى: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور: ٣١].
وقال : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا﴾ [التحريم: ٨].
روى الحاكم وصححه، عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: التوبة النصوح تُكفِّر كل سيئة.
قال: وهو في القرآن، ثم قرأ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا﴾ [التحريم: ٨] (١).
وروى عبد الرزاق، وابن أبي شيبة، والمفسرون، والحاكم وصححه، والبيهقي في "الشعب"، وغيرهم عن النعمان بن بشير ﵁: أنَّ عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه سُئِلَ عن التوبة النصوح، قال: أن يتوب الرجل من العمل السيء ثمَّ لا يعود إليه أبداً (٢).
стр. 6522
وروي ذلك عن ابن عباس، وابن مسعود موقوفاً عليهما، وعنهما وعن أبي بن كعب مرفوعاً (١).
وقال الله تعالى: ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾ [هود: ٣].
وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة: ٢٢٢].
وقال تعالى: ﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا﴾ [التوبة: ١١٨].
وفي التوبة آيات أُخر.
وروى مسلم، والنسائي عن أبي موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه: أنَّ رسول الله ﷺ : "إِنَّ اللهَ يَبْسُطُ يَدَهُ بِاللَّيْلِ لِيَتُوبَ مُسِيْءُ النَّهَارِ، وَيَبْسُطُ يَدَهُ بِالنَّهَارِ لِيَتُوْبَ مُسِيْءُ اللَّيْلِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا" (٢).
وروى الشيخان عن الحارث بن سويد عن عبد الله رضي الله تعالى عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لَلَّهُ أَفْرَحُ بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ الْمُؤْمِنِ مِنِ رَجُلٍ نزَلَ فِي أَرْضٍ دَوِيَّةٍ مُهْلِكَةٍ مَعَهُ رَاحِلَةٌ عَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ، فَوَضَعَ رَأْسَهُ فَنَامَ، فَاسْتَيْقَظَ وَقَدْ ذَهَبَتْ رَاحِلَتُهُ، فَطَلَبَهَا حَتَّى اشْتَدَّ عَلَيْهِ
وفي رواية: "فَأَوْحَىْ اللهُ إِلى هَذِهِ أَنْ تَبَاعَدِيْ، وَإِلى هَذِهِ أَنْ تَقَرَّبِيْ، فَقَالَ: قِيْسُوْا مَا بَيْنَهُمَا، فَوَجَدُوْهُ إِلى هَذِهِ أَقْرَبَ بِشِبْرٍ، فَغُفِرَ لَهُ".
وفي رواية: قال قتادة: قال الحسن: ذكر لنا أنَّه لما أتاه ملك الموت ناء بصدره نحوها (١)؛ أي: نحو الأرض التي قصدها ليكون مع أهل الطاعة فيها ويتوب.
وروى الشيخان، وغيُرهما عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: أنَّه سمع رسول الله ﷺ يقول: "إِنَّ عَبْدًا أَصَابَ ذَنْبًا فَقَالَ: يَا رَبِّ! إِني أَصَبْتُ ذَنْبًا فَاغْفِرْهُ لي، فَقَالَ رَبُّهُ : عَلِمَ عَبْدِيْ أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بِهِ، فَغَفَرَ لَهُ، ثُمَّ مَكَثَ مَا شَاءَ اللهُ، ثمَّ أَصَابَ ذَنْبًا آخَرَ، وَرُبَّمَا قَالَ: ثم أَذْنَبَ ذَنْبًا آخَرَ، فَقَالَ: يَا رَبِّ! إِني أَذْنَبْتُ ذَنْبًا آخَرَ فَاغْفِرْهُ ليْ، فَقَالَ رَبُّهُ: عَلِمَ عَبْدِيْ أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأخُذُ بِهِ، فَغَفَرَ لَهُ، ثمَّ مَكَثَ مَا شَاءَ اللهُ، ثمّ أَصَابَ ذَنْبًا آخَرَ، وَرُبَّمَا قَالَ: ثمَّ أَذْنَبَ ذَنْبًا آخَرَ، فَقَالَ: يَا رَبِّ! إِني أَذْنَبْتُ ذَنْبًا آخَرَ فَاغْفِرْ لي، فَقَالَ رَبُّهُ: غَفَرْتُ لِعَبْدِيْ؛ فَلْيَعْمَلْ عَبْدِيْ مَا شَاءَ".
وفي لفظ: "عَبْدِيْ! اِعْمَلْ مَا شِئْتَ؛ فَقَدْ غَفَرْتُ" (٢).
أي: ما دمت كلما أذنبت استغفرتني عن علم منك أني أغفر الذنب
стр. 6525
وأعاقب عليه، وهذا العلم يدعو إلى التوبة والإقلاع مع الاستغفار.
وليس المراد الاستغفار باللسان خالياً عن الإقلاع؛ فإنَّه توبةُ الكذَّابين.
وروى البيهقي في كتاب "الزهد" عن معاذ بن جبل رضي الله تعالى عنه قال: أخذ بيدي رسول الله ﷺ ، فمشى ميلاً، ثم قال: "يَا مُعَاذُ! أُوْصِيْكَ بِتَقْوَىْ اللهِ، وَصِدْقِ الحَدِيْثِ، وَوَفَاءِ العَهْدِ، وَأَدَاءِ الأَمَانَةِ، وَتَرْكِ الخِيَانَةِ، وَرَحْمَةِ اليَتِيْمِ، وَحِفْظِ الجِوَارِ، وَكَظْمِ الغَيْظِ، وَلِينِ الْكَلاَمِ، وَبَذْلِ السَّلاَمِ، وَلُزُوْمِ الإمَامِ، وَالتَفَقُّهِ في القُرْآنِ، وحُبِّ الآخِرَةِ، وَالجزَعِ مِنَ الحِسَابِ، وَقِصَرِ الأَمَلِ، وَحُسْنِ الْعَمَلِ.
وَأَنْهَاكَ أَنْ تَشْتُمَ مُسْلِمًا، أَوْ تُصَدِّقَ كَاذِبًا، أَوْ تُكَذِّبَ صَادِقًا، أَوْ تَعْصِيَ إِمَامًا عَادِلاً، وَأَنْ تُفْسِدَ فيْ الأَرْضِ.
يَا مُعَاذُ! اُذْكُرِ اللهَ عِنْدَ كُلِّ حَجَرٍ وَشَجَرٍ، وَأَحْدِثْ لِكُلِّ ذَنْبٍ تَوْبَةً؛ السِّرُّ بِالسِّرِّ، وَالْعَلاَنِيَةُ بِالْعَلاَنِيَةِ" (١).
وروى البخاري عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "وَاللهِ إِنِّي لأَسْتَغْفِرُ اللهَ وَأَتُوْبُ إِلَيْهِ أَكْثَرَ مِنْ سَبْعِينَ مَرَةٍ" (٢).
وروى الإمام أحمد، ومسلم عن الأغر المزني رضي الله تعالى
стр. 6526
عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "يَا أَيُّهَا النَّاسُ! تُوْبُوْا إِلى اللهِ؛ فَإِنِّيْ أَتُوْبُ إِلَيْهِ فيْ الْيَوْمِ مِئَةَ مَرَّةٍ" (١).
ورويا، وأبو داود، والنسائي عن الأغر أيضاً: أنَّ النبي ﷺ قال: "إِنَّهُ لَيُغَانُ عَلَىْ قَلْبيْ، وَإِنِّيْ لأَسْتَغْفِرُ اللهَ فيْ الْيَوْمِ مِئَةَ مَرَّةٍ" (٢).
قال العلماء: كان النبي ﷺ يُكثر من التوبة والاستغفار تشريعاً، وإرشاداً وإن كان معصوماً، وتويته مما عسى أن يقع منه خلف الأولى.
قال أهل المعرفة: إنَّ استغفاره كان عند ترقِّيه في النبوة من مقام إلى مقام أعلى منه، وكان ربما حصلت منه ملاحظة إلى المقام الذي ارتقى منه، وكان يعد تلك الملاحظة منه غَيناً بالإضافة إلى الذي صار إليه، فكان يستغفر من ذلك الغين، ويتوب من المقام الذي قبل مقامه، فيكون بذلك متخلقاً بمقام العبودية.
قال ذو النون المصري رحمه الله تعالى: توبة العوام من الذنوب، وتوبة الخواص من الغفلة، وتوبة الأنبياء من رؤية عجزهم عن بلوغ ما ناله غيرُهم (٣).
قلت: لكن ينبغي أن يكون هذا في حق غير الحبيب ﷺ لتحققه
стр. 6527
بالتقدم والعقل على سائر النبيين ﵈.
وعندي أنَّ توبة الأنبياء ﵈ من رؤية عجزهم عن إدراك أعلى مقامات المعرفة التي هي لأجلها خُلِقَ الخلق كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ [الذاريات: ٥٦].
ولهذا كان النبي ﷺ يقول: "لاَ أُحْصِيْ ثَنَاءً عَلَيْكَ أَنْتَ كَمَا أثنَيْتَ عَلَىْ نَفْسِكَ" (١).
والأنبياء فمن دونهم يتعرَّفون فيعبدون على قدر معرفتهم، ثم تنتهي معرفتهم إلى العجز عن معرفتهم إياه ، فلسان حالهم يقول: سبحانك! ما عرفناك حقَّ معرفتك، وإذا كان كذلك فما عبدوه حق عبادته، فلسان حالهم يقول: سبحانك! ما عبدناك حق عبادتك.
فهذا الاعتراف منهم يفصِّل العبادات لأنه غاية المعارف، وكان على العبد أن يعرف الله حق معرفته، فيعبده حق عبادته، لكنه عاجز عن ذلك، وقاصر عنه لأنه خلق، ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الأنعام: ٩١]، وإنَّما كان كذلك ليكون أبداً في مقام الذلة والافتقار، وطلب المغفرة والعفو والتوبة، فلا يتزحزح عن مقام العبودية أبداً، وذلك هو المطلوب.
وما أحسن ما قيل: [من المنسرح]
стр. 6528
اعْتِصامُ الوَرَى بِمَغْفِرَتكْ ... عَجِزَ الواصِفُونَ عَنْ صِفَتِكْ
تُبْ عَلَينا فَإِنَّنا بَشَرٌ (١) ... ما عَرَفْناكَ حَقَّ مَعْرِفَتِكْ
ومن هنا تظهر لك الحكمة في طلب التوبة من جميع المؤمنين بقوله تعالى: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور: ٣١]؛ إذ لا يخلو المؤمن من تقصير في طاعة الله تعالى وغفلة عن ذكره.
ثمَّ هو في طاعته وذكره عاجز عن بلوغ حقه مقصر في طاعته، فكانت التوبة مطلوبة من كل واحد من المؤمنين في كل وقت من أوقاته، وحال من حالاته؛ ليكون تقصيره مستوراً وذنبه مغفوراً؛ لقوله ﷺ : "التَّائِبُ مِنَ الذَّنْبِ كَمَنْ لاَ ذَنْبَ لَه".
رواه ابن ماجه، وغيره عن أنس ﵁، والطبراني، والحكيم الترمذي عن أبي سعيد ﵁، والبيهقي، وابن عساكر عن ابن عباس ﵄ (٢).
فالتائب من التقصير كمن لم يقصر أصلاً، فلا يتم لمؤمن مقام إلا بالتوبة من تقصيره في ذلك المقام، وبالتوبة ينال العبد تمام المحبة من الله تعالى؛ لأنَّ العبد كلما كان كاملاً في عبادة الله تعالى كان إلى الله أحب، ولا يبلغ كمال العبودية إلا بالتوبة والتطهير من ذنب الغفلة والتقصير، ولذلك قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة: ٢٢٢].
стр. 6529
وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١].
وكان ﷺ يكثر من التوبة والاستغفار، فمن أراد أن يحبه الله تعالى فليكثر منهما.
وروى ابن ماجه بإسناد حسن، عن عبد الله بن بُسْر، وأبو نعيم عن عائشة، والإمام أحمد في "الزهد" عن أبي الدرداء - موقوفاً عليه - وقال الأوَّلان: قال رسول الله ﷺ : "طُوْبَىْ لِمَنْ وَجَدَ فيْ صَحِيْفَتِهِ اسْتِغْفَارًا كَثِيْرًا" (١).
وروى الإمام أحمد، والحاكم وصححه، عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: أن النبي ﷺ قال: "مَنْ أَكْثَرَ مِنَ الاسْتِغْفَارِ جَعَلَ اللهُ لَهُ مِنْ كُلِّ هَمٍّ فَرَجًا، وَمِنْ كُلِّ ضِيْقٍ مَخْرَجًا، وَرَزَقَهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبْ" (٢).
وروى مسلم عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، عن النبي ﷺ قال: "وَالَّذِيْ نَفْسِيْ بِيدِهِ لَوْ لَمْ تُذْنِبُوْا لَذَهَبَ اللهُ بِكُمْ وَجَاءَ بِقَوْمٍ يُذْنِبُوْنَ
стр. 6530
وَيَسْتَغْفِرُوْنَ فَيَغْفِرَ لَهُمْ" (١).
ورواه الإمام أحمد، والطبراني في "الكبير" من حديث ابن عباس، ولفظه: "لَوْ لَمْ تُذْنِبُوْا لَجَاءَ اللهُ بِقَوْمٍ يُذْنِبُوْنَ فَيَغْفِرَ لَهُمْ" (٢).
والطبراني في "الكبير" من حديث ابن عمرو، ولفظه: "لَوْ لَمْ تُذْنِبُوْا لَخَلَقَ اللهُ خَلْقًا يُذْنِبُوْنَ ثُمَّ يَغْفِرُ لَهُمْ" (٣).
والحكمة في ذلك: أن الإحسان إلى المحسن مكافأة، والإحسان إلى غيره كرم وإفضال، والله أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين.
وفي الاستغفار والإكثار منه فائدة عظيمة، وهي أنه يؤدي بالعبد آخراً إلى التوبة والإقلاع عن الذنب - وإن كان يقع كثيراً من العبد مع الغفلة - فإنَّه في نفسه حسنة وشكر، وهو يقتضي المزيد، فقد يكون ذلك المزيد التوفيق إلى التوبة: ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾ [هود: ٣].
وقال بعض العارفين: أكثِرْ من ذكر الله ولو مع الغفلة والغَيبة بالقلب عنه، فربما جرَّك الذكر إلى التذكر والحضور.
стр. 6531
والعبد له بعد الذنب عملان:
أحدهما: قلبي، وهو التوبة.
والثاني: لساني، وهو الاستغفار والاعتذار.
وهما مشروعان للعبد منذ عهد آدم ﵇.
قال تعالى: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ٣٧]
أي: فتاب، فتاب الله عليه.
وقال تعالى: ﴿قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٢٣)﴾ [الأعراف: ٢٣].
وروى الأزرقي في "تاريخ مكة"، والطبراني في "الكبير"، والبيهقي في "الدعوات"، وابن عساكر عن بريدة رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ قال: "لَمَّا أَهْبَطَ اللهُ آدَمَ ﵇ إِلى الأَرْضِ طَافَ بِالْبَيْتِ سَبْعًا وَصَلَّى خَلْفَ المَقَامِ رَكْعَتَينِ، ثُمَّ قَالَ: اللهُمَّ إِنَّكَ تَعْلَمُ سِرِّيَ وَعَلانِيَتي فَاقْبَلْ مَعْذِرَتيْ، وَتَعْلَمُ حَاجَتيْ فَأَعْطِنيْ سُؤْليْ، وَتَعْلَمُ مَا عِنْدِيْ - وفي رواية: وَمَا فيْ نَفْسِيْ - فَاغْفِرْ ليْ ذُنُوْبيْ، أَسْألكَ إِيمَاناً يُبَاشِرُ قَلْبيْ، وَيَقِيْنًا صَادِقًا حَتَّى أَعْلَمَ أَنَّهُ لاَ يُصِيْبُنيْ إِلاَّ مَا كَتَبْتَ ليْ، وَرِضًا بِقَضَائِكَ؛ فَأَوْحَىْ اللهُ تَعَالىْ إِلَيْهِ: يَا آدَمُ! إِنَّهُ قَدْ دَعَوْتَنيْ بِدُعَاءٍ اسْتَجَبْتُ لَكَ فِيْهِ، وَغَفَرْتُ ذُنُوْبَكَ، وَفَرَّجْتُ هُمُوْمَكَ وَغُمُوْمَكَ، وَلَنْ يَدْعُوَ بِهِ أَحَدٌ مِنْ ذُرِّيَتِكَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ إِلاَّ فَعَلْتُ ذَلِكَ بِهِ، وَنَزَعْتُ فَقْرَهُ مِنْ بَينِ عَيْنَيْهِ، وَاتَّجَرْتُ لَهُ وَرَاءَ كُلِّ تَاجِرٍ، وَأتتْهُ الدُّنْيَا وَهِيَ رَاغِمَة وَإِنْ
стр. 6532
لَمْ يُرِدهَا" (١).
فانظر توبة آدم ﵇ واستغفاره واعتذاره كيف كانت سبباً لبقائه في دنياه ممتَّعاً بما أوتيه فيها، منعَّماً بطاعة ربه حتى لحق به، سالماً من العجب، فالذنب الذي آخره توبة وندم وإقلاع واستغفار واعتذار خير من العبادة المقرونة بإعجاب وإدلال واعتزاز.
ولذلك قال رسول الله ﷺ : "لَوْ لَمْ تُذْنِبُوْا لَخِفْتُ عَلَيْكُمْ مَا هُوَ أَكْبَرُ مِنْهُ: الْعُجْبَ الْعُجْبَ".
رواه البيهقي في "الشعب" عن أنس رضي الله تعالى عنه (٢).
وأخرجه الديلمي بنحوه من حديث أبي سعيد رضي الله تعالى عنه (٣).
стр. 6533
ومتى علم العبد أنه وإن جاء بكل طاعة فلا يقوم بما يستحقه الله عليه، وأن ما قدر عليه من ذلك لا حول له فيه ولا قوة إلا بالله تعالى تخلَّص من العجب، وسلم منه؛ لأنه حينئذ ينكسر بالتقصير، ويلزم الذلة والافتقار، وبذلك سعادته وفلاحه، وخيره ونجاحه.
وروى ابن أبي شيبة، والإمام أحمد في "الزهد" عن طَلْق بن حبيب ﵁ أنه كان يقول: إن حقوق الله أعظم من أن يقوم بها العباد، وإنَّ نِعَم الله أكثر من أن يحصيها العدد، ولكن أصبحوا تائبين، وأمسوا تائبين، وفي لفظ: توابين (١).
[من المتقارب]
عَلى بابِ عِزِّك يا رَبِّ قُمْنا ... بِذُلٍّ وَعَجْزٍ لَنا وَافْتِقارِ
فَلا زالَ ذَلِكَ مِنْ شَأْنِنا ... لِنَسْلَمَ مِنْ خالةٍ وَاغْتِرارِ
فَنَلْقاكَ يا رَبَّنا فِي حُبورٍ ... مُجارَيْنَ مِنْكَ بِأحْمى جِوارِ
دِيارُ الرِّضى حَبَّذا مِنْ دِيارٍ ... وَأَنْتَ لَنا الْجارُ يا خَيْرَ جارِ
مَنَنْتَ ابْتِداءً بِخَلْقٍ وَرِزْقٍ ... فَأَتْمِمْ لَنا خَيْرَ دارِ القَرارِ
وللتوبة فَوائِدُ:
* الفائدة الأولى: أن العبد ينالُ بها كمال العبودية.
стр. 6534
* الفائدة الثَّانِيَةُ:
أنه ينال بها محبة الله تعالى للآية المتقدمة.
وروى عبد الله ابن الإمام أحمد، وأبو يعلى بسند ضعيف، عن علي رضي الله تعالى عنه: أنَّه قال: [قال رسول الله ﷺ ]: "إنَ اللهَ يُحِبُّ العبدَ المؤمنَ المُفتَّنَ التَّوَّاب" (١).
وروى أبو نعيم عن بكر بن عبد الله المزني رحمه الله تعالى: أنَّ قصَّاباً أُولِعَ بجارية لبعض جيرانه، فأرسلها أهلها إلى حاجةٍ لهم في قريةٍ أخرى، فتبعها فراودها عن نفسها، فقالت: لا تفعل؛ لأنا أشدُّ حباً لك منك لي، ولكني أخاف الله .
قال: فأنت تخافينه وأنا لا أخاف؟
فرجع تائباً، فأصابه العطش حتى كاد ينقطع عنقه، فإذا هو برسول لبعض أنبياء بني إسرائيل، فسأله قال: مالك؟
قال: العطش.
قال: تعال ندعو حتى تُظلنا سحابة حتى ندخل القرية.
قال: ما لى من عمل فأدعو.
قال: أنا أدعو، وأَمِّن أنت.
стр. 6535
قال: فدعا الرسول وأمَّن هو، فأظلَّتهما سحابة حتى انتهيا إلى القرية، فأخذ القصاب إلى مكانه، ومالت السحابة معه، فقال له: زعمت أنَّه ليس لك عمل وأنا الذي دعوت وأنت الذي أمَّنت، فأظلتنا سحابة ثم تبعتك؛ لتخبرني بأمرك.
فأخبره، فقال: إنَّ التائب من الله بمكان ليس أحد من الناس بمكانه (١).
* الفائِدَةُ الثَّالِثَةُ:
أن التائب ينال بالتوبة رضا الله المعبَّر عنه بالفرح فيما رواه الشيخان عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لَلَّهُ أَفْرَحُ بِتَوْبَةِ عَبْدهِ حِينَ يَتُوْبُ إِلَيْهِ مِنْ أَحَدِكُمْ كَانَ عَلَىْ رَاحِلَتِهِ فَانْفَلَتَتْ مِنْهُ وَعَلَيْهَا طَعَامُهُ، فَأَيِسَ مِنْهَا، فَأتىْ شَجَرَةً فَاضْطَجَعَ فيْ ظِلِّهَا قَدْ أَيِسَ مِنْ رَاحِلَتِهِ، فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ إِذَا هُوَ بِهَا قَائِمَةٌ عِنْدَهُ، فَأَخَذَ بِخِطَامِهَا، ثُم قَالَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ: اللهُمَّ أَنْتَ عَبْدِيْ وَأَنَا رَبُّكَ، أَخْطَأَ مِنْ شدَّةِ الْفَرَحِ" (٢).
وتقدم الحديث من طريق آخر.
* الفائِدَة الرَّابِعَةُ:
أنه ينال المغفرة ومحو الذنوب، قال الله تعالى: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ﴾ [طه: ٨٢].
стр. 6536
وقال ﷺ : "التَّائِبُ مِنَ الذَّنْبِ كَمَنْ لاَ ذَنْبَ لَهُ" (١).
وروى الترمذي وصححه، والنسائي، وابن ماجه، وابن حبان، والحاكم وصححاه، عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "إِنَّ المُؤْمِنَ إِذَا أَذْنَبَ ذَنْبًا كَانَتْ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ فيْ قَلْبِهِ، فَإِنْ تَابَ وَنزَعَ وَاسْتَغْفَرَ صُقِلَ مِنْهَا، وَإِنْ زَادَ زَادَتْ حَتَّى يَغْلِفَ بِهَا الْقَلْبُ، فَذَلِكَ الرَّانُ الَّذِيْ ذَكَرَ اللهُ تَعَالى في كِتَابِهِ: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (١٤)﴾ [المطففين: ١٤] " (٢).
وروى أبو أحمد الحاكم في "المواعظ" عن الحسن: أنَّه كان يقول: يا ابن آدم! لا تتمنى المغفرة بغير التوبة، ولا الثواب بغير العمل، ولا تغتر بالله؛ فإن الغرة بالله أن تتمادى في سخطه وتترك العمل فيما يرضيه، وتتمنى عليه مع ذلك مغفرته، فتغرك الأماني حتى يحل بك أمره؛ أما سمعته يقول: ﴿وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ [الحديد: ١٤]؟
يا ابن آدم! اعلم أنَّ مغفرة الله لمن أطاعه واجتنب سخطه، وتاب إليه من الخطايا، أما سمعته يقول: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى (٨٢)﴾ [طه: ٨٢]؟ اهتدى والله للسبيل الأقوم، واتَّبع آثار المسلمين،
стр. 6537
وسلك سبيل الصالحين.
وروى ابن أبي الدنيا في كتاب "التوبة" عن أبي هريرة قال: بينما المسيح ﵇ في رهط من الحواريين عند نهر جار وحمئة منتنة، أقبل طائر حسن اللون يتلون كما هو الذهب، فوقع قريباً فانتفض، فسلخ عنه مسكه، فإذا هو أقبح شيء حتى سلخ عنه مسكه أقيرع أحيبش، فانطلق يدب إلى الحمئة المنتنة، فتمعَّك فيها وتلطَّخ بنتنها، فازداد قبوحاً إلى قبوحه ونتناً إلى نتنه، ثمَّ انطلق يدب حتى أتى إلى نهر إلى جنبه ضَحْضَاح صافٍ، فاغتسل فيه حتى رجع كأنَّه بيضة مقشَّرة، ثمَّ انطلق يَدبُ إلى مسكه فتدرعه كما كان أول مرَّة.
قال: فكذلك مثل عامل الخطيئة حتى يكون في الخطايا، وكذلك مثل التوبة كمثل اغتساله من النتن في النهر الضحضاح، ثم راجع دينه حتَّى تدرع مسكه (١).
وروى أبو نعيم عن عكرمة رحمه الله تعالى قال: إنَّ الشيطان ليُزين للعبد الذنب حتى يكسبه، فإذا كسبه تبرَّأ منه، فلا يزال العبد يبكي ويتضرع إلى ربِّه ويستكين حتى يُغفر له ذلك الذنب وما قبله، فيندم الشيطان على ذلك الذنب حيث أكسبه إيَّاه فغفر له الذنب وما قبله (٢).
стр. 6538
* الفائِدَةُ الْخامِسَةُ:
أنه ينال بالتوبة الرحمة؛ لأن التوبة إحسان، ورحمة الله قريب من المحسنين.
وروى الأصبهاني في "الترغيب" عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "النَّادِمُ يَنْتَظِرُ مِنَ اللهِ الرَّحْمَةَ وَالمُعْجَبُ يَنْتَظِرُ مِنَ اللهِ المَقْتَ.
وَاعْلَمُوا عِبادَ اللهِ! أَنَّ كُلَّ عامِلٍ سَيَقْدُمُ عَلى عَمَلِهِ، وَلا يَخْرُجُ مِنَ الدُّنْيا حَتَّى يُرى حُسْنَ عَمَلِهِ وَسُوءَ عَمَلِهِ، وَإِنَّما الأَعْمالُ بِخَواتِيمِها، وَاللَّيْلُ وَالنَّهارُ مَطِيَّتانِ؛ فَأَحْسِنُوا السَّيْرَ عَلَيْهِما إِلَى الآخِرَةِ، وَاحْذَرُوا التَّسْوِيفَ؛ فَإنَّ الْمَوْتَ يَأتِي بَغْتَةً، وَلا يَغْتَرَّنَ أَحَدُكُمْ بِحِلْمِ اللهِ؛ فَإِنَّ الْجَنَّةَ وَالنَّارَ أَقْرَبُ إِلَى أَحَدِكُمْ مِنْ شِراكِ نَعْلِهِ، ثُمَّ قَرَأَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)﴾ [الزلزلة: ٧، ٨] " (١).
* الفائِدَةُ السَّادِسَةُ:
أنه ينال ما رواه ابن عساكر، والأصبهاني في "الترغيب" عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "إِذَا تَابَ الْعَبْدُ مِنْ ذُنُوْبِهِ
стр. 6539
أَنْسَى اللهُ حَفَظَتَهُ ذُنُوْبَهُ، وَأَنْسَىْ ذَلِكَ جَوَارِحَهُ وَمَعَامِلَهُ مِنَ الأَرْضِ حَتَّى يَلْقَىْ اللهَ تَعَالى يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَيْسَ عَلَيْهِ شَاهِدٌ بِذَنْبٍ".
وروى ابن أبي الدنيا في "التوبة" عن يزيد الرقاشي رحمه الله تعالى قال: بلغني أنَّ من بكى على ذنب من ذنوبه نسي حافظاه ذلك الذنب (١).
وعن الخليل بن عبد الله رحمه الله تعالى قال: بلغني أنَّ الله تعالى إذا رَضيَ عن العبد أنسى الحفظةَ ذنوبه، وأمر جوارحه والأرض فقال: اكتمْنَ عن عبدي.
قال: وبلغني أنَّه ما سبب لعبد خير إلا وهو يريد أن يتقبله، ولا نزع بعبد عن ذنب إلا وهو يريد أن يغفر له (٢).
* الفائِدَةُ السَّابِعَةُ:
أنَّه ينال العزَّ بعد الذل، ولا ذل أشد من ذل المعصية، ولا عز أعظم من عز الطاعة، ولذلك كان عامَّة دعاء إبراهيم بن أدهم رحمه الله تعالى: اللهم انقلني من ذل معصيتك إلى عز طاعتك. رواه ابن أبي الدنيا (٣).
وقال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون: ٨].
стр. 6540
والتوبة من الإيمان فهي سبب للعز كما أنَّ المعصية سبب للذل.
وروى ابن أبي الدنيا عن المعتمر بن سليمان رحمه الله تعالى، عن أبيه قال: إن الرجل ليصيب الذنب في السر فيصبح وعليه مَذلَّتُه (١).
وروى أبو نعيم عن سعيد بن المسيب رحمه الله تعالى قال: ما أكرمت العباد أنفسها بمثل طاعة الله تعالى، ولا أهانت أنفسها بمثل معصية الله تعالى (٢).
وعن الحسن رحمه الله تعالى قال: والله لئن تدقدقت بهم الهماليج، ووطئ الرجال أعقابهم؛ إنَّ ذل المعصية في قلوبهم، ولقد أبى الله أن يعصيضه عبدٌ إلا أذلَّه (٣).
* الفائِدَةُ الثَّامِنَةُ:
إنَّ التائب ينور قلبه، ويقوي جسده لأنَّها طاعة، وهذا حكمها.
قال الله تعالى حكاية عن هود ﵇: ﴿وَيَاقَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ﴾ [هود: ٥٢].
وروى ابن أبي الدنيا في "التوبة" عن الحسن قال: إنَّ الرجل ليعمل الحسنة فتكون نوراً في قلبه، وقوةً في بدنه، وإنَّ الرجل ليعمل
стр. 6541
السيئة فتكون ظلمة في قلبه، ووهَناً في بدنه (١).
ورواه أبو نعيم عن الحسن، عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "وَجَدْتُ الحَسَنَةَ نوْرًا في الْقَلْبِ، وَزَيْنًا في الْوَجْهِ، وَقُوَّةً في الْعَمَلِ، وَوَجَدْتُ الخَطِيْئَةَ سَوَادًا فيْ الْقَلْبِ، وَشَيْنًا في الْوَجْهِ، وَوَهَنًا في الْعَمَلِ" (٢).
وقلت ملمحاً بالحديث: [من الرمل]
أَطِعِ اللهَ وَإِنْ تَعْصِي فَتُبْ ... إِنَّ بِالتَّوْبَةِ يُمْحَى كُلُّ رَيْن
طاعَةُ اللهِ تُرى فِي عَمَلٍ ... نُورُ قَلْبٍ وَلِوَجْهِ العَبْدِ زَيْنْ
وَمعاصِي اللهِ وَهْنٌ وَسَوا ... دٌ لِقَلْبٍ وَهْيِ فِي الأَوْجُهِ شَيْنْ
هَكَذا نَرْوِيهِ عَنْ خَيْرِ الوَرى ... أَحْمَدَ الْمَبْعُوثِ يَدْعُو الأُمَّتَيْنْ
فَعَلَيْهِ صَلواتٌ دائِماً ... ما اهْتَدى النَّاسُ بِنُورِ الثَّيِّرَيْنْ
стр. 6542
قلت: ولا يرد على ذلك ما نشاهده من الظلمة وشدة بأسهم؛ فإنَّ المراد أنَّ بدن التائب والطائع يقوى بطاعةٍ لله تعالى أخرى؛ لقوله ﷺ : "وَقُوَّةً في الْعَمَلِ" يعني: الصالح لأنَّه المراد عند الإطلاق غالباً، والعاصي المصر يهين بدنه عن الطاعات.
وأمَّا قوة بدنه في شهواته وأغراضه فإنَّ الوهن خير له منها لأنَّها ابتلاء واستدراج.
وكذلك القول في حديث علي رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنِ اتَّقَىْ اللهَ عَاشَ قَوِيًّا وَسَارَ في بِلاَدِهِ آمِنًا". رواه أبو نعيم (١).
وروى ابن أبي الدنيا في "التوبة" عن علي رضي الله تعالى عنه قال: جزاء المعصية: الوهن في العبادة، والضيق في المعيشة، والنغص في اللذة.
قيل: وما النغص في اللذة؟
قال: لا ينال شهوة حلالاً إلا جاءه ما ينغصه إياها (٢).
وقال: حدثني أحمد بن الحارث بن المبارك عن شيخ من قريش قال: كتب بعض الحكماء إلى رجل من إخوانه: أما بعد! فإنَّ العصمة ثمرة التوبة، والله ولي عصمتك، فإيَّاه فاحمد عليها يزدك من طاعته،
стр. 6543
وإياك والعُجْب؛ فإنه أخوف ما أخاف عليك، والمعجب كالممتنِّ على الله تعالى، فالله أولى بالمنَّة فيه (١).
وأمَّا سواد القلب وظلمته، وشين الوجه وتشوهه بسبب المعصية فذلك مما لا يشهده من الناس في وجوه أهل المعصية إلا الخواصُّ من المؤمنين الذين ينظرون بنور الله تعالى، ووظيفة عوام المسلمين في ذلك التصديق بما جاء في الحديث مما يدل عليه والإيمان به؛ فإنَّ الإيمان به يجلو بصر العبد وبصيرته حتى يرى ذلك عياناً.
وأما الزين والنضرة في وجوه أهل الطاعة؛ فإنَّ عوام الناس يشاهدون ذلك غالباً إمَّا زيادة في إيمانهم بحال ذلك الطائع، وإمَّا ليؤيد ذلك الطائع عندهم ويُصان عن ابتذالهم.
وزين وجوه أهل الطاعة أكثر ما يخفى على الحاسدين.
ومن هنا يرى الناس العالم العامل مَهيباً كاملاً يتبركون به، ويأخذون عنه، ويراه قِرْنه في العلم نازلاً عن ذلك، وليس على العلماء شيء أشد ضرراً من الحسد ورؤية الكمال لأنفسهم، والنقص لغيرهم.
* الفائِدَةُ التَّاسِعَةُ:
رقة قلب التائب، وحياؤه وتوقعه لرحمة الله تعالى، وقبول التوبة منه.
стр. 6544
روى الإمام أحمد، وابن أبي شيبة، وابن أبي الدنيا، وغيرهم عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه أنه قال: جالسوا التوابين؛ فإنهم أرق شيءِ أفئدة (١).
وروى ابن أبي الدنيا عن عون بن عبد الله رحمه الله تعالى قال: داروا الذنوب بالتوبة، ولرُبَّ تائب دعته التوبة إلى الجنة حتى أوفدته عليها.
وقال: قلب المؤمن التائب بمنزلة الزجاجة يُؤثِّر فيها جميع ما أصابها، فالموعظة إلى قلوبهم سريعة وهم إلى الرقة أقرب.
وقال: جالسوا التوابين؛ فإنَّ الرحمة إلى قلوبهم أقرب (٢).
قلت: وقد يستدل لذلك بقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف: ٥٦]؛ فإنَّ التائب محسن.
وروى ابن أبي الدنيا عن محمد بن واسع رحمه الله تعالى قال: الذنب على الذنب يميت القلب (٣).
وقال ابن المبارك رحمه الله تعالى كما رواه ابن أبي الدنيا: [من المتقارب]
стр. 6545
رُكوبُ الذُّنوبِ يُمِيتُ القُلُوبَ ... ويوْرِثُها الذُّلَّ إِدْمانُها
وَتَرْكُ الذُّنوبِ حَياةُ القُلُوبِ ... وَخَيْرٌ لِنَفْسِكَ عِصْيانُها (١)
وروى ابن أبي الدنيا عن عقبة بن الوليد، عن مسروق بن سفيان قال: أوحى الله إلى موسى ﵇: إنَّ أول من مات إبليس، وذلك أنَّه أول من عصاني، وإنَّما أعد من عصاني من الموتى (٢).
قلت: وأول من حيى بالتوبة آدم ﵇.
* الفائِدَةُ العاشِرَةُ:
إنَّ التائب يأمن بتوبته من شر النوائب، ويعطِفُ الله عليه قلوبَ الملوك والجبابرة.
روى ابن أبي الدنيا، والأصبهاني عن مالك بن دينار رحمه الله تعالى قال: قرأت في الحكمة: إنَّ الله تعالى يقول: أنا الله مالك الملوك، قلوب الملوك بيدي؛ فمن أطاعني جعلتهم عليه رحمة، ومن عصاني جعلتهم عليه نقمة، فلا تشغلوا أنفسكم بسبب الملوك، ولكن توبوا إلي أعطفهم عليكم (٣).
وقال الله تعالى: ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ
стр. 6546
لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ﴾ [يونس: ٩٨].
روى المفسرون؛ ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن قتادة قال: ذكر لنا أنَّ قوم يونس كانوا بنينوى من أرض الموصل، فلما فقدوا نبيهم؛ أي: حين دعاهم إلى الإيمان فلم يجيبوه، وتوعَّدهم بالعذاب بعد ثلاث، وذهب عنهم، قذف الله في قلوبهم التوبة، فلبسوا المُسوح، وأخرجوا المواشي، وفرَّقوا بين كل بهيمة وولدها، فعجُّوا إلى الله أربعين صباحاً، فلما عرف الله الصدق من قلوبهم والتوبة والندامة على ما مضى منهم كشف عنهم العذاب بعد ما تدلَّى عليهم حتى لم يكن بينهم وبينه ميل (١).
وروى ابن أبي حاتم عن علي ﵁ قال: تيبَ على قوم يونس يوم عاشوراء (٢).
* الفائِدَةُ الْحادِيَةَ عَشْرَةَ:
التوسعة في الرزق، وحسن المعيشة.
قال الله تعالى: ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ (١) أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ (٢) وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ﴾ [هود: ١ - ٣].
стр. 6547
قوله: ﴿يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا﴾؛ يعني: في الدنيا بتوسعة الرزق، ونعمته من غير تكدير ولا سوء، بخلاف المصرين الذين لم يستغفروا, ولم يتوبوا إليه؛ فإنهم -وإن مُتِّعُوا في الدنيا- فإنَّ متاعهم مكدر حالًا أو مآلاً؟ ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [البقرة: ١٢٦]؟
وفي الحديث: "مَنْ أكثَرَ مِنْ الاسْتِغْفَارِ جَعَلَ اللهُ لَهُ مِنْ كُلِّ هَمٍّ فَرَجًا، وَمِنْ كُلِّ ضِيْقٍ مَخْرَجًا، وَرَزَقَهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ" (١).
وقال تعالى حكايته عن نوح ﵇: ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (١٠) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (١١) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا﴾ [نوح: ١٠ - ١٢].
وقوله تعالي: ﴿إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [هود: ٣]؛ يعني: الموت.
وهذه غاية تدل على أن المتقلِّب في الدنيا بين التوبة والاستغفار لا ينكب في دنياه ونعمته حتى يستوفي أجله؛ وان حصل له في أثناء ذلك محنة فإنما هي لتمام التقصير، أو للترقية في المقام لقوله ﷺ : "مَنْ يُرِدِ اللهُ بِهِ خَيرًا يُصب مِنْهُ" (٢).
وفي الآية دليل على أن حفظ النعمة على العبد - خصوصاً عند موته - صالحة عظيمة، ولذلك جعلها الله تعالى ثواباً للعبد على التوبة
стр. 6548
والاستغفار، ولما كان أكثر أصحاب الأموال يغفلون في نعمهم ونعيمها ورغدها عن الله تعالى وعن طاعته، وينهمكون في معاصيه لو لم يكن إلا منع الزكوات والحقوق كان من عقاب أكثرهم ابتلاؤهم بالفقر والحاجة خصوصا عند الموت، وفي أواخر العمر عند الهرم والضعف، فأعظم نعمة في الدنيا سبوغ النعمة في أواخر العمر، ولذلك رسول الله ﷺ كان يقول في دعائه: "اللهُمَّ اجْعَلْ أَوْسعَ رِزْقِكَ عَلَيَّ عِنْدَ كِبَرِ سِنِّي وَانْقِطَاعِ عُمُرِيْ". رواه الحاكم وصححه، من حديث عائشة ﵂ (١).
ولا يتنعم العبد بسعة رزقه إلا إذا قنع به ولم تتشوف نفسه إلى الزيادة؛ فإنه متى لم يقنع وتشوَّف إلى الزيادة انفتح عليه باب الطمع، فلا يتلذذ بما هو فيه، بل يتعذب بالتطلع إلى غيره، ومن هنا كانت القناعة كنزاً لا يَفنى، وكان القنع غنى.
وروى الأصبهاني في "الترغيب" عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: أن النبي ﷺ كان يدعو: "اللهُمَّ قَنِّعْنيْ بما رَزَقْتَنيْ، وَبَارِكْ ليْ فِيْهِ، وَاخْلُفْ عَلَيَّ كُلَّ غَائِبَةٍ بخَيرٍ" (٢).
стр. 6549
واعلم أنَّ العبد ما دام في نعمته ناظراً إلى أنها من الله تعالى بمحض الفضل ليس له فيها حول ولا قوة مستعيذاً بالله أن يَكِلَه بها إلى نفسه كان في أمْنٍ من زوالها.
وعندي أن الأحسن أن يكون هاء الضمير في قوله: ﴿وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ﴾ [هود: ٣]، عائدًا إلى ربكم في الآية؛ فإنَّ الثواب في نفسه فضل من الله تعالى.
وإن أعدنا الضمير على كل أو ذي كان المعنى ثواب فضله، والعبد إنَّما وصفه الله تعالى بذي فضل كرمًا منه وفضلاً، وإلا فإنَّ ذلك الفضل الذي جاء به العبد من فضل الله وتوفيقه.
ويرجع معنى الآية على الوجه الأول إلى معنى قوله تعالى: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾ [الرحمن: ٦٠]، فالعبد فيما تفضَّل الله به عليه من النعم يحتاج إلى دوام فضل الله فيه، ولذلك كان رسول الله ﷺ يقول في دعائه: "اللهُمَّ لاَ تَكِلْنيْ إِلىْ نَفْسِيْ طَرْفَةَ عَينٍ، وَلاَ تَنْزِعْ مِنِّيْ صالح مَا آتَيْتَنِيْ". رواه البزار من حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما (١).
وروى مسلم، وأبو داود من حديث ابن عمر ﵄ أيضًا: أن النبي ﷺ كان يقول في دعائه: "اللهُمَّ إِنِّيْ أَعُوْذُ بِكَ مِنْ زَوَالِ نِعْمَتِكَ، وَتَحَوُّلِ عَافِيتكَ، وَفَجْأةِ نقمَتِكَ، وَجَمِيع سَخَطِكَ" (٢).
стр. 6550
وروى أبو نعيم عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن النبي ﷺ كان يقول في دعائه: "اللهُمَّ ارْزُقْنَا مِنْ فَضْلِكَ، وَلاَ تَحْرِمْنَا رِزْقَكَ، وَبَارِكْ لَنَا فِيْمَا رَزَقْتَنَا، وَاجْعَلْ غِنَانَا فيْ أَنْفُسِنَا، وَاجْعَلْ رَغْبَتَنَا فِيْمَا عِنْدَكَ" (١).
وقال أكثر المفسرين في قوله تعالى: ﴿وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ﴾ [هود: ٣]؛ يعني: في الآخرة (٢).
وعندي: أنه أعم من ذلك في الدنيا وفي الآخرة؛ فإن الله تعالى قد يثيبُ على الفضل، والمراد به الطاعة في الدنيا بأن يوسع رزقه عليه، ويدفع عنه الآفات والبلايا، وتوفيقه إلى طاعة أخرى، ويُصلح له أهله وولده ورفيقه ودابته إلى غير ذلك، وذلك كله من فوائد التوبة والاستغفار المأمول بهما في الآية الكريمة، فافهم.
* الفائِدَةُ الثَّانِيةَ عَشْرَةَ:
أنَّ التوبة ترقِّع ما خرَّقته الذنوب من الأستار.
روى ابن أبي الدنيا عن أبي رافع رضي الله تعالى عنه: أنَّ رسول الله ﷺ سُئِل: كم للمؤمن من ستر؟
قال: "هِيَ أكثَرُ مِنْ أَنْ تُحْصَىْ، وَلَكِنَّ المُؤْمِنَ إِذَا عَمِلَ خَطِيْئَة هَتَكَ مِنْهَا سِتْراً، فَإِذَا تَابَ رَجَعَ إِلَيْهِ ذَلِكَ السِّتْرُ وَتسْعَةٌ مَعَهُ، وَإِذَا لَمْ