← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 14592

حسن التنبه لما ورد في التشبه

نجم الدين الغزي

Полный текст (6 623 стр.). Показаны 6546–6585 · переход к 6551.

стр. 6546

لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ﴾ [يونس: ٩٨]. روى المفسرون؛ ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن قتادة قال: ذكر لنا أنَّ قوم يونس كانوا بنينوى من أرض الموصل، فلما فقدوا نبيهم؛ أي: حين دعاهم إلى الإيمان فلم يجيبوه، وتوعَّدهم بالعذاب بعد ثلاث، وذهب عنهم، قذف الله في قلوبهم التوبة، فلبسوا المُسوح، وأخرجوا المواشي، وفرَّقوا بين كل بهيمة وولدها، فعجُّوا إلى الله أربعين صباحاً، فلما عرف الله الصدق من قلوبهم والتوبة والندامة على ما مضى منهم كشف عنهم العذاب بعد ما تدلَّى عليهم حتى لم يكن بينهم وبينه ميل (١). وروى ابن أبي حاتم عن علي ﵁ قال: تيبَ على قوم يونس يوم عاشوراء (٢). * الفائِدَةُ الْحادِيَةَ عَشْرَةَ: التوسعة في الرزق، وحسن المعيشة. قال الله تعالى: ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ (١) أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ (٢) وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ﴾ [هود: ١ - ٣].

стр. 6547

قوله: ﴿يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا﴾؛ يعني: في الدنيا بتوسعة الرزق، ونعمته من غير تكدير ولا سوء، بخلاف المصرين الذين لم يستغفروا, ولم يتوبوا إليه؛ فإنهم -وإن مُتِّعُوا في الدنيا- فإنَّ متاعهم مكدر حالًا أو مآلاً؟ ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [البقرة: ١٢٦]؟ وفي الحديث: "مَنْ أكثَرَ مِنْ الاسْتِغْفَارِ جَعَلَ اللهُ لَهُ مِنْ كُلِّ هَمٍّ فَرَجًا، وَمِنْ كُلِّ ضِيْقٍ مَخْرَجًا، وَرَزَقَهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ" (١). وقال تعالى حكايته عن نوح ﵇: ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (١٠) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (١١) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا﴾ [نوح: ١٠ - ١٢]. وقوله تعالي: ﴿إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [هود: ٣]؛ يعني: الموت. وهذه غاية تدل على أن المتقلِّب في الدنيا بين التوبة والاستغفار لا ينكب في دنياه ونعمته حتى يستوفي أجله؛ وان حصل له في أثناء ذلك محنة فإنما هي لتمام التقصير، أو للترقية في المقام لقوله ﷺ : "مَنْ يُرِدِ اللهُ بِهِ خَيرًا يُصب مِنْهُ" (٢). وفي الآية دليل على أن حفظ النعمة على العبد - خصوصاً عند موته - صالحة عظيمة، ولذلك جعلها الله تعالى ثواباً للعبد على التوبة

стр. 6548

والاستغفار، ولما كان أكثر أصحاب الأموال يغفلون في نعمهم ونعيمها ورغدها عن الله تعالى وعن طاعته، وينهمكون في معاصيه لو لم يكن إلا منع الزكوات والحقوق كان من عقاب أكثرهم ابتلاؤهم بالفقر والحاجة خصوصا عند الموت، وفي أواخر العمر عند الهرم والضعف، فأعظم نعمة في الدنيا سبوغ النعمة في أواخر العمر، ولذلك رسول الله ﷺ كان يقول في دعائه: "اللهُمَّ اجْعَلْ أَوْسعَ رِزْقِكَ عَلَيَّ عِنْدَ كِبَرِ سِنِّي وَانْقِطَاعِ عُمُرِيْ". رواه الحاكم وصححه، من حديث عائشة ﵂ (١). ولا يتنعم العبد بسعة رزقه إلا إذا قنع به ولم تتشوف نفسه إلى الزيادة؛ فإنه متى لم يقنع وتشوَّف إلى الزيادة انفتح عليه باب الطمع، فلا يتلذذ بما هو فيه، بل يتعذب بالتطلع إلى غيره، ومن هنا كانت القناعة كنزاً لا يَفنى، وكان القنع غنى. وروى الأصبهاني في "الترغيب" عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: أن النبي ﷺ كان يدعو: "اللهُمَّ قَنِّعْنيْ بما رَزَقْتَنيْ، وَبَارِكْ ليْ فِيْهِ، وَاخْلُفْ عَلَيَّ كُلَّ غَائِبَةٍ بخَيرٍ" (٢).

стр. 6549

واعلم أنَّ العبد ما دام في نعمته ناظراً إلى أنها من الله تعالى بمحض الفضل ليس له فيها حول ولا قوة مستعيذاً بالله أن يَكِلَه بها إلى نفسه كان في أمْنٍ من زوالها. وعندي أن الأحسن أن يكون هاء الضمير في قوله: ﴿وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ﴾ [هود: ٣]، عائدًا إلى ربكم في الآية؛ فإنَّ الثواب في نفسه فضل من الله تعالى. وإن أعدنا الضمير على كل أو ذي كان المعنى ثواب فضله، والعبد إنَّما وصفه الله تعالى بذي فضل كرمًا منه وفضلاً، وإلا فإنَّ ذلك الفضل الذي جاء به العبد من فضل الله وتوفيقه. ويرجع معنى الآية على الوجه الأول إلى معنى قوله تعالى: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾ [الرحمن: ٦٠]، فالعبد فيما تفضَّل الله به عليه من النعم يحتاج إلى دوام فضل الله فيه، ولذلك كان رسول الله ﷺ يقول في دعائه: "اللهُمَّ لاَ تَكِلْنيْ إِلىْ نَفْسِيْ طَرْفَةَ عَينٍ، وَلاَ تَنْزِعْ مِنِّيْ صالح مَا آتَيْتَنِيْ". رواه البزار من حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما (١). وروى مسلم، وأبو داود من حديث ابن عمر ﵄ أيضًا: أن النبي ﷺ كان يقول في دعائه: "اللهُمَّ إِنِّيْ أَعُوْذُ بِكَ مِنْ زَوَالِ نِعْمَتِكَ، وَتَحَوُّلِ عَافِيتكَ، وَفَجْأةِ نقمَتِكَ، وَجَمِيع سَخَطِكَ" (٢).

стр. 6550

وروى أبو نعيم عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن النبي ﷺ كان يقول في دعائه: "اللهُمَّ ارْزُقْنَا مِنْ فَضْلِكَ، وَلاَ تَحْرِمْنَا رِزْقَكَ، وَبَارِكْ لَنَا فِيْمَا رَزَقْتَنَا، وَاجْعَلْ غِنَانَا فيْ أَنْفُسِنَا، وَاجْعَلْ رَغْبَتَنَا فِيْمَا عِنْدَكَ" (١). وقال أكثر المفسرين في قوله تعالى: ﴿وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ﴾ [هود: ٣]؛ يعني: في الآخرة (٢). وعندي: أنه أعم من ذلك في الدنيا وفي الآخرة؛ فإن الله تعالى قد يثيبُ على الفضل، والمراد به الطاعة في الدنيا بأن يوسع رزقه عليه، ويدفع عنه الآفات والبلايا، وتوفيقه إلى طاعة أخرى، ويُصلح له أهله وولده ورفيقه ودابته إلى غير ذلك، وذلك كله من فوائد التوبة والاستغفار المأمول بهما في الآية الكريمة، فافهم. * الفائِدَةُ الثَّانِيةَ عَشْرَةَ: أنَّ التوبة ترقِّع ما خرَّقته الذنوب من الأستار. روى ابن أبي الدنيا عن أبي رافع رضي الله تعالى عنه: أنَّ رسول الله ﷺ سُئِل: كم للمؤمن من ستر؟ قال: "هِيَ أكثَرُ مِنْ أَنْ تُحْصَىْ، وَلَكِنَّ المُؤْمِنَ إِذَا عَمِلَ خَطِيْئَة هَتَكَ مِنْهَا سِتْراً، فَإِذَا تَابَ رَجَعَ إِلَيْهِ ذَلِكَ السِّتْرُ وَتسْعَةٌ مَعَهُ، وَإِذَا لَمْ

стр. 6551

يَتُبْ هُتِكَ مِنْهَا سِتْرًا وَاحِدًا حَتَّى إِذا لَمْ يَبْقَ عَلَيْهِ مِنْهَا شَيْءٌ قَالَ اللهُ تَعَالى لِمَنْ شَاءَ مِنْ مَلاَئِكَتِهِ: إِنَّ بَنيْ آدَمَ يُعيرُوْنَ وَلاَ يُغيرُوْنَ، فَحُفُّوْهُ بِأَجْنِحَتِكُمْ، فَيَفْعَلُوْنَ بِهِ ذَلِكَ، فَإِنْ تَابَ رَجَعَتْ إِلَيْهِ تِلْكَ الأَسْتَارُ كُلُّهَا، وَإِذا لَمْ يَتُبْ عَجِبَتْ مِنْهُ الملائِكَةُ، فَيَقُوْلُ اللهُ تَعَالى: أَسْلِمُوْهُ, فَيُسْلِمُوْنهُ حَتَّى لاَ يُسْتَرُ مِنْهُ عَوْرَةٌ" (١). وسبق حديث جُبير بن نُفير في معناه في التشبه بالملائكة ﵈. وكان ابن السماك يتمثل كما رواه ابن أبي الدنيا: [من السريع] يا مُذنِبَ الذَّنْبِ أَما تَسْتَحِي ... وَاللهُ في الْخَلْوَةِ ثانِيكا غَرَّكَ مِنْ رَبِّكَ إِمْهالُهُ ... وَسَتْرُهُ طُولَ مَساوِيكا (٢) وروى ابن جهضم عن أحمد بن الفتح قال: قال لي بشر -يعني: الحافي- رحمه الله تعالى: يا أحمد! إن قومًا غرَّهم ستر الله، وفتنهم حسن ثناء الناس عليهم، فلا يغلبنَّ جهل غيرك لك على علمك بنفسك، أعاذنا الله وإيّاك من الاغترار بالستر والاتكال على حسن الذكر (٣). * فائِدَةٌ: قال سعيد بن المسيب رحمه الله تعالى: الناس يعملون أعمالهم

стр. 6552

من تحت كَنَف الله، فإذا أراد الله تعالى بعبد فضيحة أخرجه من تحت كنفه، فبدت منه عورته (١). وقال أبو إدريس الخولاني رحمه الله تعالى: قال رسول الله ﷺ : "لاَ يَهْتِكُ اللهُ عَبْداً وَفِيْهِ مِثْقَالُ حبةٍ مِنْ خَيْرٍ" (٢). رواهما ابن أبي الدنيا في "التوبة"، والثاني حديث مرسل. ورواه ابن أبي شيبة، وأبو نعيم من قول أبي إدريس، ولفظه: لا يَهتكُ اللهُ سِتر عبدٍ وفِيهِ مِثقَال حَبَّةٍ مِن خَيرٍ (٣). وفي معناه ما رواه البيهقي في "سننه" عن أنس ﵁ قال: أُتِي عمر بن الخطاب بسارق، فقال: والله ما سرقت قط قبلها. فقال له عمر: كذبت وربِّ عمر؛ ما أخذ الله عبدًا عند أول ذنب، فَقَطَعَه (٤). قال ابن حجر في "أطرافه": رواه ابن وهب في جامعه، وهو موقوف حكمه حكم الرفع، كتبته لصحة سنده.

стр. 6553

وروي معناه عن ابن شهاب، عن أبي بكر، وهو منقطع. وروى ابن جهضم عن معروف الكرخي رحمه الله تعالى قال: يقول الله تعالى في بعض الكتب: ابن آدم! ما أجسرك! تسألني فأمنعك لعلمي بما يصلحك، ثم تلح عليَّ في المسألة، فأجود برحمتي وكرمي عليك، فأعطيك ما سألتني، فتستعين بما أعطيك على معصيتي، فأهم بهتك سترك، فتسألني فأستر عليك، ثم تعاود المعصية فأستر عليك، فكم من جميل أصنعه بك، وكم من قبيح تعمله معي، يوشك أن أغضب عليك غضبة لا أرضى بعدها أبدًا. وقال ابن مفلح الحنبلي في "آدابه": هل يفضح الله عاصيًا بأول مرَّة أم بعد التكرار؟ قولان للعلماء. والثاني: مروي عن عمر، وغيره من الصحابة. واختار ابن عقيل في "الفنون" الأول، واعترض على من قال بالثاني: ترى آدم ﵇ كان عصى قبل أكل الشجرة بماذا؟ فسكت، انتهى (١). وهذا الاعتراض غير وارد؛ لأنَّ معصية آدم كانت من باب اللَّمم والزلة، لا على سبيل القصد لمخالفة أمر الله تعالى، فلم يكن ذنبا يقتضي العقوبة والفضيحة.

стр. 6554

وأيضًا فإنَّ إهباط آدم ﵇ من الجنة لم يكن من باب رفع الستر عنه والعقوبة له، بل من باب التأديب والتكميل، ومثل ذلك إذا كان في أول مرة من الذنب كان أمنع للعبد من الذنب، وأنفع له من الانتهاك، وعادة الله تعالى كثيرًا ما تجري بالستر مراراً على العاصي الذي يراد إمهاله، ثم أَخْذُه آخِرًا لإقامة الحجة عليه والإعذار فيه كما أمهل الله تعالى فرعون وغيرَه، ثم أخذهم، أو على الذي جرى عليه في القضاء والقدر أمور من المعاصي لا بد له من استيفائها، ثم يعود الله عليه بالتوبة، أو يُجْرِي عليه العقوبة في الذنب تمحيصاً وتكفيراً كما في قصة السارق الذي قطعه عمر رضي الله تعالى عنه. * فائِدَةٌ أُخْرَى: من أراد أن يستر الله تعالى عليه فليستتر إذا ابتلي بالمعصية، وليستر على أخيه المؤمن ما عسى أن يطلع عليه من عورته؛ فإنَّ ذلك من مقتضيات الستر من الله، كما أنَّ الامتهان بالذنب، وفضيحة المسلمين من مقتضيات فضيحة العبد العاصي. روى مالك في "الموطأ" عن زيد بن أسلم: أنَّ رجلاً اعترف على نفسه بالزنا على عهد رسول الله ﷺ ، فدعا له رسول الله ﷺ بسوط؛ وذكر الحديث، وفيه: ثم قال: "أيها النَّاسُ! قَدْ آنَ لَكُمْ أَنْ تَنْتَهُوْا عَنْ حُدُوْدِ اللهِ، فَمَنْ أَصَابَ مِنْ هَذِهِ القَاذُوْرَاتِ شَيْئًا فَلْيَسْتَتِرْ بِسِتْرِ اللهِ؛ فَإِنَّ مَنْ أَبْدَىْ لَنَا صَفْحَتَهُ نُقِمْ عَلَيْهِ كِتَابَ اللهِ" (١).

стр. 6555

وروى الحاكم وصححه، والبيهقي في "السنن" عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: أن النبي ﷺ قال: "اجْتَنِبُوْا هَذِهِ القَاذُوْرَاتِ الَّتيْ نهَىْ اللهُ عَنْهَا، فَمَنْ أَلمَّ بِشَيْءٍ مِنْهَا فَلْيَسْتَتِرْ بِسِتْرِ اللهِ وَلْيتبْ إِلى اللهِ، فَإِنَّهُ مِنْ يُبْدِ لَنَا صَفْحَتَهُ نُقِمْ عَلَيْهِ كِتَابَ الله" (١). وروى الإِمام عبد الله بن المبارك في "الزهد" عن العلاء بن بدر قال: لا يُعذِّبُ الله قومًا وهم يستترون بالذنوب (٢). وروى مسلم، وأبو داود، والترمذي -واللفظ له - والنسائي، وابن ماجه عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، عن النبي ﷺ قال: "مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا نَفَّسَ اللهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ يَسَّرَ عَلَىْ مُعْسِرٍ يَسَّرَ اللهُ عَلَيْهِ في الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا في الدُّنْيَا سَتَرَ اللهُ عَلَيْهِ فيْ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَاللهُ فيْ عَوْنِ الْعَبْدِ مَا دَامَ الْعَبْدُ فيْ عَوْنِ أَخِيْهِ" (٣). وروى الإِمام أحمد، وأبو داود عن أبي برزة رضي الله تعالى عنه: أنَّ النبي ﷺ قال: "يَا مَعْشَرَ مَنْ آمَنَ بِلِسَانِهِ وَلمْ يَدْخُلِ الإيمَانُ

стр. 6556

قَلْبَهُ! لاَ تَغْتَابُوْا المُسْلِمِيْنَ، وَلاَ تَتَّبِعُوْا عَوْرَاتِهِمْ؛ فَإِنَّ مَنْ اتَّبَعَ عَوْرَةَ أَخِيْهِ المُسْلِمِ تتَبعَ اللهُ عَوْرتَهُ، وَمَنْ تتَبعَ اللهُ عَوْرتهُ يَفْضَحْهُ وَلَوْ فيْ جَوْفِ بَيْتِهِ" (١). * الفائِدَةُ الثالِثة عَشْرَةَ: من فوائد التوبة أنَّ حملة العرش والطائفين به -وهم الكروبيون ﵈ يدعون للتائبين، ويستغفرون لهم. قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (٧) رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٨) وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [غافر: ٧ - ٩]. * الفائِدَةُ الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ: أنَّ التائب يُبدل الله سيئاته حسنات. قال الله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ [الفرقان: ٧٠]. وهل هذا التبديل في الدنيا أو في الآخرة؟ قولان.

стр. 6557

قال بالأول: قتادة، والحسن. وبالثاني: مكحول، وعلي بن الحسن. روى ذلك عنهم عبد بن حميد (١). والثاني أوفق للحديث الصحيح، ولا مانع أن يحصل التبديل لبعض الناس في الدنيا، وفي الآخرة جميعًا. وروى الإِمام أحمد، ومسلم، والترمذي، وغيرهم عن أبي ذر رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "يُؤْتَىْ بِالرَّجُلِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُقَالُ: اعْرِضُوْا عَلَيْهِ صِغَارَ ذُنُوْبِهِ، فَيُعْرَضُ عَلَيْهِ صِغَارُهَا وَيُنَحَّى كِبَارُهَا، فَيُقَالُ: عَمِلْتَ يَوْمَ كَذَا وَكَذا كَذَا وَكَذَا، وَهُوَ يُقِرُّ لَيْسَ يُنْكِرُ، وَهُوَ مُشْفِقٌ مِنَ الْكبَارِ أَنْ تَجِيْءَ، فَيُقَالُ: أَعْطُوْهُ مَكَانَ كُلِّ سَيئةٍ عَمِلَهَا حَسَنَةً، فَيَقُوْلُ: إِنَّ ليْ ذُنُوْبًا لاَ أَرَاهَا هُنَا". قال: فلقد رأيت رسول الله ﷺ ضحك حتى بدت نواجده (٢). يعني: تعجبًا من إشفاق هذا أولًا من كبار ذنوبه أن تذكر له، ثم صار بعد ذلك يذكرها طمعًا في تبديلها حسنات كالصغائر. وقد يُفهم من الحديث أن الكبائر لا تُبدَّل حسنات. والآية تدل على أنها تُبدل لأنها جاءت بعد ذكر عظائم السيئات

стр. 6558

من الشرك، والقتل، والزنا. والألف والسلام في (الرجل) في الحديث للعهد؛ أي: للرجل المؤمن التائب العامل الصالحات، وهو المعهود في الآية الكريمة. وروى عبد بن حميد، وابن المنذر عن أبي عثمان النهدي رحمه الله تعالى قال: إنَّ المؤمن يُعطى كتابه في ستر من الله فيقرأ سيئاته، فإذا رآها تغير لها لونه حتى يمر بحسناته فيقرؤها، فيرجع إليه لونه، ثم ينظر فإذا سيئاته قد بُدّلت حسنات، فعند ذلك يقول: ﴿هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ﴾ [الحاقة: ١٩] (١). وروى البزار، والطبراني -واللفظ له - قال المنذري: وإسناده جيد قوي -قلت: وله شواهد - عن أبي طَويل شَطَبٍ الممدودِ رضي الله تعالى عنه: أنه أتى النبي ﷺ فقال: أرأيت من عمل الذنوب كلها ولم يترك منها شيئًا، وهو في ذلك لم يترك حاجة ولا داجَّة إلا أتاها، فهل له من توبة؟ قال: "فَهَلْ أَسْلَمْتَ؟ ". قال: أما أنا فأشهد أن لا إله إلا الله وأنَّك رسول الله. قال: "تَفْعَلُ الخَيرَاتِ وَتَتْرُكَ السيئاتِ، فَيَجْعَلُهُنَّ اللهُ لَكَ خَيرَاتٍ كُلهُنَّ". قال: وغدراتي، وفجراتي؟

стр. 6559

قال: "نعَمْ". قال: الله أكبر، فما زال يُكبر حتى توارى (١). وشطب -بالفتح- قد ذكره غير واحد في الصحابة، إلَّا أن البغوي ذكر في "معجمه": أن الصواب عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير -مُرسلاً-: أنَّ رجلًا أتى النبي ﷺ شطبًا، فقال الحديث. والشطب في اللغة: الممدود، فصحفه بعض الرواة، فظنه اسم رجل (٢). وقوله: لم يترك حاجة ولا داجة إلا أتاها؛ فالداجة فيه من الدَّج، وهو الإسراع والدبيب في السير. قال ابن السكيت: ولا يقال: يدجون حتى يكونوا جماعة، ولا يقال ذلك للواحد، وهم الداجة، والدج. قال: الداج، والداج: الأعوان والمُكَارون (٣). وفي الحديث: "هَؤُلاءِ الداجُّ، وَلَيْسُوا بِالْحاجِّ"، [وأمَّا الحديث: "ما تركتُ من حاجَةٍ ولا داجَةٍ إلا أَتيْتُ"] (٤) فكان حق الداجة في الحديث

стр. 6560

أن يكون مشددًا إلا أنه خُفِّف إتباعاً لحاجة، كما ذكره الجوهري في "الصحاح" (١). وقال في "القاموس" في مادة: دوج: داج دوجاً: خدم، والداجة: تباع العسكر، وما صغر من الحوائج، واتباع للحاجة، انتهى (٢). ومعنى الحديث أنه لم يترك كثيرًا ولا قليلاً، ولا كبيرًا ولا صغيراً إلا عمله، وتلبَّس به. والحديث دال على أنَّ التبديل يقع في كبائر الذنوب وصغائرها؛ ألا ترى إلى قوله: "فَيَجْعَلُهُنَّ اللهُ لَكَ خَيرَاتٍ كُلهُنَّ". * الفائِدَةُ الْخامِسَةَ عَشْرَةَ: قال الله تعالى: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور: ٣١]. والفلاح: دخول الجنة. وروى ابن أبي الدنيا، وأبو يعلى، والطبراني بإسناد جيد، عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "لِلْجَنَّةِ ثَمَانِيةُ أَبْوَابٍ: سَبْعَةٌ مُغْلَقَةٌ، وَبَابٌ مَفْتُوْحٌ لِلْتَّوْبَةِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا مِنْ نَحْوه" (٣)؛ أي: من جهة ذلك الباب.

стр. 6561

وروى العسكري في "المواعظ" عن الحسن -مرسلاً- قال: قال رسول الله ﷺ : "إِنَّ الْعَبْدَ لَيُذْنِبُ الذَّنْبَ فَيُدْخِلُهُ الجَنَّةَ". قالوا: يا نبي الله! كيف يدخله الجنة؟ قال: "يَكُوْنُ نُصْبَ عَينيه تَائِبًا مِنْهُ مُسْتَغْفِرًا حَتىَّ يُدْخِلَهُ الجَنَّةَ" (١). في الحديث أنَّ دخول الجنة سبب التوبة، والتوبة إنما تكون من بعد الذنب. وفي المثل: لا توبة إلا من بعد معصية، فهو سببها. والذنب يتسبب عنه أمران: التوبة: وهي من أبواب السعادة. والإصرار: وهو من أبواب الشقاوة. والتوبة طريق آدم ﵇، والإصرار طريق الشيطان. ومما يناسب ما تقرَّر أن الذنب قد يكون سببًا لدخول الجنة، وللسعادة والخير: ما رواه أبو نعيم عن سهل بن عبد الله التستري رحمه الله تعالى أنَّه قال: لا يذنب المؤمن ذنباً حتى يكتسب معه خمسين حسنة. فقيل له: يا أبا محمَّد! وكيف هذا؟

стр. 6562

قال: نعم يا دوست! إنَّ المؤمن لا يكتسب سيئة إلا وهو يخاف العقوبة عليها, ولو لم يكن هكذا لم يكن مؤمنًا. قال: وخوف العقاب عليها حسنة، ويرجو غفران الله لها، ورجاؤه لغفرانه حسنة، وهو يرى التوبة منها, ولو لم يرها لم يكن مؤمناً، ورؤية التوبة منها حسنة، ويكره الدلالة عليها, ولو لم يكره الدلالة عليها لم يكن مؤمنًا، وكراهية الدلالة عليها حسنة. - كأنَّه أراد بالدلالة اطلاع الناس عليه وهو مقيم على الذنب، أو أن يدل عليه وهو كذلك -. قال: ويكره الموت عليها, ولو لم يكره الموت عليها لم يكن مؤمناً، وكراهية الموت عليها حسنة. وهذه خمس حسنات، وهي بخمسين حسنة؛ الحسنة بعشر أمثالها. قال: فهذه خمسون حسنة؛ فما ظنكُم بسيئة يعتورها خمسون حسنة، ويحيط بها، والله يقول: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤]؟ وما ظنكم بثعلب بين خمسين كلباً، أليس يمزقونه؟ ثم بكى سهل، وقال: لا تحدثوا بهذا الجهال من الناس يتكلوا ويغتروا؛ فإنَّ هذه السيئة هي شيء عليه، وحسناته هي أشياء له، وما عليه فلله أن يأخذه به ويكون عادلاً بعقوبته عليه، وما له لا يظلمه الله إيَّاه،

стр. 6563

بل يوفيه ثوابه ولو بعد حين، ومن يصبر على نار جهنم ساعة واحدة؟ ولكن بادروا بالتوبة من هذه السيئة حتى تأمَنُوا العقوبة عليها، وتصيروا أحبَّاء الله؛ فإنَّ الله يحبُّ التوابين (١). قلت: وهذه المعرفة التي أُلهمها سهل ﵁ منتزعها من قوله ﷺ : "مَنْ سَرَّتْهُ حَسَنتهُ وَسَاءَتْهُ سَيئتهُ فَهُوَ مُؤْمِنٌ". أخرجه الطبراني في "الكبير" من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه (٢). بل أبلغ من ذلك قوله ﷺ في دعائه: "اللهُمَّ اجْعَلْنيْ مِن الَّذِيْنَ إِذَا أَحْسَنُوْا اسْتَبْشَرُوْا، وإذَا أَسَاؤُوْا اسْتَغْفَرُوْا". رواه الإِمام أحمد، وابن ماجه، والبيهقي في "الشعب" (٣). وذلك أنَّ الاستبشار بالحسنة، والاستغفار من المعصية مبنيٌّ على الرَّجاء من الله تعالى، وهو من نتائج الإيمان به وبقدرته، وجوده وسعة رحمته، بل والاستغفار قد يكون مستخْرَجًا بالخوف من الله تعالى، وهو من نتائج الإيمان, وقد أشار إلى ذلك الحديث المتقدم الذي يقول الله تعالى فيه: "إِذا أَذْنبَ الْعَبْدُ ذَنْبًا فَقَالَ: يَا رَبِّ! عَمِلْتُ

стр. 6564

ذَنْبًا فَاغْفِرْ ليْ، أَذْنَبَ عَبْدِيْ ذَنْبًا فَعَلِمَ عَبْدِيْ أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذّنْبَ وَيأخُذُ بِهِ" (١). وهذا الذي جمعته هنا من فوائد التوبة مما أنعم الله عليَّ به من الاستنباط، ولم أره مجموعًا لغيري، وأرجو من كرم الله تعالى أن لا يحرمني التوبة ولا فوائدها بفضله وكرمه؛ إن الله على كل شيء قدير. وقلت: [من الرجز] نالَ العُبُودِيَّةَ بِالتوْبَةِ مَنْ ... قَدْ تابَ وَحَبَّ الله وَالغُفْرانا (٢) وَرَحْمَةَ اللهِ وَإِنَّ اللهَ يُنـ ... ـسِي ذَنْبَهُ الْحُفَّاظَ وَالْمَكانا وَالعِزَّ وَالقُوةَ وَالنُّورَ وَأَنْ ... يَرِق قَلْبُهُ الَّذِي اسْتكانا وَالأَمْنَ مِنْ نَوائِبِ الدَّهْرِ وَأَنْ ... يُوَسَّعَ الرزْقَ لَهُ إِحْسانًا وَيرْقَعَ ما خَرَّقَهُ الذنْبُ مِنَ الـ ... أَسْتارِ حَيْثُ اكْتَسَبَ العِصْيانا وَأَنَّ أَمْلاكَ الإِلَهِ تَسْأَلُ الـ ... ـلَهُ كُفْرانَ ما قَدْ كانا وَأَنَّ سيِّئاتِهِ يُبْدِلُها الـ ... ـلهُ وَأَنْ يُدْخِلَهُ الْجِنانا وَأَنَّ رَبَّ العالَمِينَ يَمْنَحُ الـ ... ـتَّائِبَ مِنْ أَفْضالِهِ الرِّضْوانا فَتُبْ إِلَيْهِ إنَّهُ الرَّحْمَنُ ما ... خابَ الذِي [قد] قَصَدَ الرَّحْمانا واعلم أن التوبة فرض واجب من كل ذنب فعله المكلف، أو

стр. 6565

عزم عليه كبيرًا كان أو صغيراً. وقيل: لا تجب عن الصغائر لقوله تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [النساء: ٣١]. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤]. ولحديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: "الصَّلَوَاتُ الخَمْسُ، وَالجُمُعَةُ إِلى الجُمُعَةِ، وَرَمَضَانُ إِلى رَمَضَانَ مُكَفِّرَات لِمَا بَيْنَهُنَّ إِذَا اجْتُنِبَتِ الْكَبَائِرُ". رواه الإمام أحمد، ومسلم، والترمذي (١). فلو لم يتب عن الصغيرة، بل اجتنبَ الكبائرَ كُفِّرت الصغيرة، فلا يخاطب بعد ذلك بوجوب التوبة قطعًا. ومهما وجبت التوبة فوجوبها على الفور؛ فإنها كما قال الغزالي: جزء من الإيمان, والإيمان واجب على الفور (٢). وأيضًا فإنَّ ترك التوبة إصرار على الذنب، وقد مدح الله المؤمنين بعدم الإصرار، فقال: ﴿وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ١٣٥]. وروى اللالكائي، وغيره عن عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنهما: أنَّ النبي ﷺ قال: "ويل لِلَّذِيْنَ يُصِرُّوْنَ عَلَىْ مَا فَعَلُوْا

стр. 6566

وَهُمْ يَعْلَمُوْنَ" (١). وأيضًا فإنَّ الله تعالى يقول: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ﴾ [آل عمران: ١٣٣]. وليس للمؤمن طريق إلى المغفرة من حيث كسبه الذي يمكن تكليفه به إلا التوبة، فيجب عليه المسارعة بها. وأيضًا فإنَّ الله تعالى لما خاطب جميع المؤمنين بالتوبة في قوله: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [النور: ٣١] لم يوقِّت التوبة كما وقَّت الصلاة والصَّوم والصدقة، فوجب عليهم أن يُبادروا إلى امتثال أمره بالتوبة عقب كل ذنب لأنَّها طاعة لم توقَّت، وأمكن فعلها في الوقت، فتعيَّن صرفه لها. قلت: والظاهر أنَّ فورية وجوب التوبة شريعة قديمة من عهد آدم ﵇، ألا ترى إلى قوله: ﴿فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (٣٦) فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ٣٦، ٣٧]؛ أي: فتاب بتلك الكلمات، فتاب الله عليه؟ أتى بالفاء التعقيبية عقب الزلة، فدل على أن آدم ﵇ بادر بالتوبة. وأمَّا قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى﴾ [طه: ١٢٢] فهذا

стр. 6567

التراخي -إن سلم أنَّ ثمَّ للتراخي والترتيب - ليس بين توبة آدم وزلته، وإنما هو بين زلته وبين ظهور اجتباء الله له وتوبته عليه؛ فإنَّ آدم لما أُهبط إلى الأرض، وبادر إلى التوبة بكى زماناً طويلاً كما في الأثر حتى أوحى الله إليه بقبول توبته. ويحتمل أنَّ ثم ترتيب الإخبار بالتوبة عليه، والاجتباء والهداية بعد الإخبار بالزلة، وعليه فلا يدل ذلك على تراخي التوبة عن الزلة؛ إذ لا يتحقق التراخي إلا بعد تحقق الترتيب. وروى ابن أبي الدنيا، وعبد الله ابن الإِمام أحمد، واللالكائي عن عثمان بن زائدة رحمه الله تعالى قال: قال لقمان ﵇ لابنه: يا بني! لا تؤخر التوبة؛ فإنَّ الموت قد يأتي بغتة (١). ومن عجيب الاتفاق أنَّ من شعر البخاري أبي عبد الله محمَّد بن إسماعيل صاحب "الصحيح" رضي الله تعالى عنه كما رواه ابن حجر في ترجمته، وغيره: [من الخفيف] اغْتَنِمْ في الفَراغ فَضْلَ رُكُوعٍ ... فَعَسى أَنْ يَكُونَ مَوْتُكَ بَغْتَةْ كَمْ صَحِيحٍ رَأَيْتَ غَيْرَ سَقِيمٍ ... ذهبَتْ نَفْسُهُ الصَّحِيحَةُ فَلْتةْ (٢) وكذلك كان موته بغتة، وذهبت روحه الكريمة فلتة، فقد قال

стр. 6568

ورَّاقه محمَّد بن أبي حاتم: سمعت أبا منصور غالب بن جبريل -وهو الذي نزل عليه أبو عبد الله البخاري بِخَرْتَنك- يقول: إنَّ البخاري أقام أياماً، واشتدَّ به المرض حتى وجَّه إليه رسول من سمرقند ليخرج كأنه إليهم، فلما وافى تهيَّأ للركوب، ولبس خُفه وتعمَّم، فلما مشى قدر عشرين خطوة أو نحوها وأنا آخذ بعضده ورجل آخر معي يقوده إلى الدَّابة ليركبها، فقال رحمه الله تعالى: أرسلوني فقد ضعفت، فدعا بدعوات، ثم اضطجع فقضى. وخرتنك -بفتح الخاء المعجمة، وإسكان الراء، وفتح التاء المثناة من فوق، وإسكان النون، وبعدها كاف كما ضبطه ابن حجر-: قرية من قرى سمرقند مات بها البخاري رحمه الله تعالى ليلة عيد الفطر سنة ست وخمسين ومئتين عن إحدى وستين سنة ﵁ (١). وفي كلام لقمان المتقدم آنفًا إشارة إلى أنَّ من البواعث على التوبة التحقق بالموت، وأنه لا بُدَّ منه، وأنه قد يبغت العبد، وهذا أمر مشاهد في غيرك متواتر رؤية وسمعًا. وكان أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه يتمثل كما رواه ابن أبي شيبة، وغيره: [من مجزوء الكامل المرفل] تنفَكُّ تَسْمَعُ ما حَيِيـ ... ـتَ بهالكِ حَتَّى تَكُونَهْ

стр. 6569

وَالْمَرْءُ قَدْ يَرْجُو الرَّجاءَ ... وَالْمَوْتُ دُونَهُ (١) والعاقل إذا طالع هذه الحقيقة لم يتأخر عن التوبة طرفة عين. وروى ابن ماجه في كتاب الزهد من "سننه" بإسناد حسن، عن البراء رضي الله تعالى عنه قال: كُنَّا مع رسول الله ﷺ في جنازة، فجلس على شفير القبر يبكي حتى بلَّ الثرى، ثمَّ قال: "يَا إِخْوَانيْ! لِمِثْلِ هَذَا فَأَعِدُّوْا" (٢). أي: لمثل هذا المصرع فأعدوا؛ أي: تأهَّبوا وخذوا له عُدَّة، وهي ما يُعدَّ للحوادث. وروى الخطيب عن ابن عباس ﵄ قال: وجدت جمجمة في الجاهلية مكتوب عليها: [من مجزوء الخفيف] أُذْنَ حَيٍّ تَسَمَّعِي ... اسْمَعِي ثُمَّ عِي وَعِي أَنا رَهِينٌ بِمَصْرَعِي ... فَاحْذَرِي مِثْلَ مَصْرَعِي (٣) وروى العسكري في "المواعظ" عن إبراهيم بن عبد الله بن الجنيد قال: حدثني شيخ لنا قال: مررت بقبر فإذا على جانبه: أُذْنَ حَيٍّ تَسَمَّعِي ... البيتين.

стр. 6570

وبعدها عِشْتُ تِسْعِينَ حَجَّةً ... أَسْلَمَتْنِي لِمَضْجَعِي كَمْ تَرى الْحَيَّ ثابِتاً ... في دِيارِ التَّزَعْزُعِ لَيْسَ زادٌ سِوى التُّقى ... فَخُذِي مِنْهُ أَوْ دَعِي قال: ثم درت من الجانب الآخر فإذا عليه: [من الوافر] إِذا ما كُنْتَ مُتَّخِذاً وَصِيًّا ... فَكُنْ فِيما مَلَكْتَ وَصِيَّ نَفْسِكْ سَتَحْصُدُ ما زَرَعْتَ غَدًا وَتَجْنِي ... إِذا وضعَ الْحِسابُ ثِمارَ غَرْسِك قال: فسألت عن القبر، فقيل لي: قبر أبي العتاهية (١). فمن أعظم المعونات على التوبة: قصر الأمل، وتوقع الأجل، والاستعداد للموت قبل حصول الفوت.

стр. 6571

وروى ابن جهضم عن يحيى بن معاذ الرازي رحمه الله تعالى قال: الذي جبب الناس عن التوبة: طول الأمل. قال: وعلامة التائب إسبال الدمعة، وحب الخلوة، والمحاسبة للنفس عند كل همة (١). وروى الدينوري في "المجالسة" عن الحسن في قوله تعالى: ﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ﴾ [سبأ: ٥٤] قال: هو التوبة (٢). وأخرجه البيهقي في "الشعب" عن السدي (٣). وقلت: [من مجزوء الرمل] يا ضَعِيفَ الرَّأْيِ لا يَصْـ ... ـلُحُ شَيْءٌ مِنْ مَماتِكْ ضاعَتِ الأَوْقاتُ مِنْ عُمْـ ... ـركَ في فَرْطِ سِناتِكْ لَوْ عَلِمْتَ العِلْمَ لاسْتَوْ ... حَشْتَ مِنْ قُبْحِ صِفاتِكْ تَسْحَبُ الأَذْيالَ في زَيِّ ... أَخِي كِبْرٍ وَفاتِكْ ما الَّذي أَعْدَدْتَهُ يُجْـ ... ـديكَ مِنْ بَعْدِ وَفاتِكْ كَمْ إِلَى كَمْ تَلْتَهِي في ... ما أَرى مِنْ تُرَّهاتِكْ تُبْ إِلَى رَبِّكَ يا مِسْـ ... ـكِينُ مِنْ قَبْلِ مَماتِكْ

стр. 6572

لَيْسَ كَالتَّوْبَةِ وَالإِحْـ ... ـسانِ في تَطْهِيرِ ذاتِكْ إِنَّها أَحْسَنُ ما قَدَّ ... مْتَ يَوماً لِحَياتِكْ ولمحت بالبيت الأخير إلى قوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى (٢٣) يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي﴾ [الفجر: ٢٣، ٢٤]. روى ابن أبي حاتم عن الضحاك رحمه الله تعالى في قوله: ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ﴾؛ قال: يريد التوبة، يقول: ﴿يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي﴾؛ عملت في الدنيا لحياتي في الآخرة (١). ولنا في التسويف: [من مجزوء الرمل] لا تَقُلْ سَوْفَ أتوبُ ... فَعَسى خَطْبٌ يَنُوبُ إِنَّ تَسْوِيفَكَ هَذا ... يا أَخِي إِثْمٌ وَحُوبُ ***

стр. 6573

فَصْلٌ ثمَّ الأصح أن نقض التوبة لا يبطلها بأن يتوب عن ذنب توبة عزم وإقلاع، ثم يعاود الذنب بعينه، بل معاودته ذنب آخر يحتاج إلى توبة أخرى. وقال بعضهم: تبطل التوبة السابقة، إذا عاود الذنب. ورُدَّ بأنَّ التوبة عبادة، وإذا وقع بعد العبادة ما يوجب الإتيان بمثلها لم يكن ذلك مبطلاً لها, ولا حجَّة له فيما رواه الطبراني بإسناد حسن، عن أبي ذر رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ أَحْسَنَ فِيْمَا بَقِيَ غُفِرَ لَهُ مَا مَضَىْ، وَمَنْ أَسَاءَ فِيْمَا بَقِيَ أُخِذَ بِمَا مَضَىْ وَمَا بَقِيَ" (١)؛ إذ يمكن حمله على ما لو لم يتب مما مضى؛ فإنَّ التوبة إحسان، وقد قال في الحديث المذكور: "مَنْ أَحْسَنَ فِيْمَا بَقِيَ غُفِرَ لَهُ مَا مَضَىْ". فقوله: "وَمَنْ أَسَاءَ فِيْمَا بَقِيَ أُخِذَ بِمَا مَضَىْ"؛ أي: من الذنب

стр. 6574

الذي لم يغفر بإحسان. ثم التوبة مقبولة لله تعالى كما قال : ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ﴾ [الشورى: ٢٥] ما لم يغرغر العاصي بالروح بأن تبلغ حلقومه كالشيء الذي يتغرغر به، أو تأتي بعض آيات الله تعالى الكبرى المُنذرة بقيام الساعة على أثرها؛ لقوله ﷺ : "إِنَّ الله يَقْبَلُ تَوْبَةَ الْعَبْدِ مَا لم يُغَرْغِرْ". رواه الإِمام أحمد، وابن ماجه، [والترمذي] وحسَّنه، وابن حبان، والحاكم وصححاه، من حديث عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما (١). وقال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (١٧) وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [النساء: ١٧، ١٨]. والحديث تفسير لهذه الآية.

стр. 6575

وروى ابن أبي شيبة عن أبي قلابة رحمه الله تعالى قال: إنَّ الله تعالى لمَّا لعن إبليس سأله النَّظِرة، فأنظره إلى يوم الدين. فقال: وعزتك لا أخرج من جوف أو قلب بن آدم ما دام فيه الروح. قال: وعزتي لا أحجب عنه التوبة ما دام فيه الروح (١). وحدَّث به أبو قلابة بحضرة أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه، وأقرَّه عليه كما رواه ابن جرير، والبيهقي في "الشعب" (٢). وقال الله تعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ [الأنعام: ١٥٨]. والمراد بالآيات آيات الساعة الكبيرة المذكورة في حديث حذيفة بن أسيد رضي الله تعالى عنه قال: كان رسول الله ﷺ في غرفة ونحن أسفل منه قال: فاطَّلع علينا، فقال: "ما تَذْكُرونَ؟ ". قلنا: الساعة. قال: "السَّاعَةُ لاَ تَقُوْمُ حَتَّى يَكُوْنَ عَشْرُ آيَاتٍ؛ الدُّخَانُ، وَالدَّجَّالُ، وَالدَّابَّةُ، وَطُلُوْعُ الشَّمْس مِنْ مَغْرِبِهَا، وَثَلاَثَةُ خُسُوْفٍ؛ خَسْفٌ بِالمَشْرِقِ، وَخَسْفٌ بِالمَغْرِبِ، وَخَسْفٌ بِجَزِيْرَةِ الْعَرَبِ، وَنزوْلُ عِيْسَىْ، وَفَتْحُ يَأْجُوْجَ وَمَأْجُوْجَ، وَنَارٌ تَخْرُجُ مِنْ قَعْرِ عَدَنٍ تَسُوْقُ النَّاسَ إِلىْ

стр. 6576

الْمَحْشَرِ تَبِيْتُ مَعَهُمْ حَيْثُ بَاتُوْا وَتُقِيْلُ مَعَهُمْ حَيْثُ قَالُوْا". رواه الإِمام أحمد، وابن أبي شيبة، ومسلم، والأربعة (١). وروى مسلم عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "ثَلاَثٌ إِذَا خَرَجْنَ ﴿لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ [الأنعام: ١٥٨]: طُلُوْعُ الشَّمسِ مِنْ مَغْرِبِهَا، وَالدَّجالُ، وَدَابَّةُ الأَرْضِ" (٢). وروى الإِمام أحمد، ومسلم، وأبو داود، وابن ماجه عن عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنهما قال: حفظت من رسول الله ﷺ حديثاً لم أنسه بعد، سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إِنَّ أَوَّلَ الآيَاتِ خُرُوْجًا طُلُوْعُ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا، وَخُرُوْجُ الدَّابَّةِ عَلَىْ النَّاسِ، وَأيَّتُهُمَا كَانَتْ قَبْلُ صَاحَبَتْهَا، فَالآخِرَةُ عَلَىْ أثرِهَا تَقْرِيْبًا" (٣). قلت: وهذا الحديث يدل على أن طلوع الشمس من مغربها والدابة يكونان قبل الخسوفات الثلاثة المذكورة في حديث حذيفة بن أسيد؛ إذ الألف واللام للعهد؛ أي: أول الآيات المعهودة، وهي العشرة.

стр. 6577

فما ذكره ابن الجوزي، وأقره عليه القرطبي من أن بعض الخسوفات وقعت بعراق العجم والمغرب حتى هلك بسببها خلق لا يتطابق مع هذا الحديث (١). والذي أقول: إنَّ الخسوفات المذكورة في الحديث خسوفات أخرى مهولة تقع بعد طلوع الشمس من المغرب وخروج الدابة، وهي أبلغ وأعظم من الخسوفات التي أشار إليها ابن الجوزي. وقد نظمت الآيات العشر التي في حديث حذيفة قديماً فقلت: [من الرمل] عَشْرُ آياتٍ إِذا ما اسْتُوْفيَتْ ... لَمْ يَكُنْ إِيْمانُ نَفْسٍ يَنْفَعُ لا وَلا تَوْبَتُها مَقْبولَةٌ ... وَبِها حَبْلُ الرَّجا يَنْقَطِعُ فَدُخانٌ دابَّةٌ خَسْفٌ لَدى الـ ... ـشَّرقِ وَالغَرْبِ جَمِيعاً مُفْظِعُ ثُمَّ خَسْفٌ بِالْحِجازِ وَكَذا الـ ... ـشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِها إِذْ تَطْلُعُ ثُمَّ دَجَّالٌ وَعِيسى ثُمَّ يَأْ ... جوجُ مَأْجُوجٍ وَسَدٌّ يُصْدَع ثُمَّ نارٌ خَرَجَتْ مِنْ عَدَنٍ ... تُلْجِئُ النَّاسَ وَلا تَرْتَفِعُ ساقَتِ النَّاسَ إِلَى مَحْشَرِهِمْ ... فَيُدانوا بِالَّذِي قَدْ صَنَعُوا هَذه الآياتُ إِنْ تَخْرُجْ فَلا ... يَنْفَعُ الإِيْمانُ مِمَّنْ يُقْلِعُ فَاعْجَلُوا بِالْخَيْرِ مِنْ قَبْلِ النَّوى ... وَأَنِيبُوا قَبْلَ هَذا وَارْجِعُوا

стр. 6578

واعلم أنَّ بعض الآيات المذكورة في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾ [الأنعام: ١٥٨] الآية هو طلوع الشمس من مغربها بعينه كما روى الإِمام أحمد، والترمذي، وأبو يعلى عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه، والطبراني عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قالا: قال رسول الله ﷺ في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾ [الأنعام: ١٥٨] "طُلُوعُ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِها" (١). وروى سعيد بن منصور، وعبد بن حميد، والطبراني عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾ قال: طلوع الشمس والقمر من مغربهما مقترنين كالبعيرين القرينين، ثم قرأ: ﴿وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ﴾ [القيامة: ٩] (٢). وروى ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، [والحاكم] وصححه، عن ابن مسعود ﵁ قال: مضت الآيات غير أربعة: الدجال، والدابة، ويأجوج ومأجوج، وطلوع الشمس من مغربها. قال: والآية التي يختم الله تعالى بها الأعمال: طلوع الشمس من

стр. 6579

مغربها، ثم قرأ: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾ [الأنعام: ١٥٨]، فقال: هو طلوع الشمس من مغربها (١). ولذلك اقتصر عليه النبي ﷺ في حديث أبي موسى السابق: "إِنَّ اللهَ لَيَبْسُطُ يَدَهُ بِاللَّيْلِ لِيتُوْبَ مُسِيْءُ النَّهَارِ وَيبْسُطُ يَدَهُ بِالنَّهَارِ لِيتُوْبَ مُسِيْءُ اللَّيْلِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا" (٢). وروى مسلم عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ تَابَ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبَهَا تَابَ اللهُ عَلَيْهِ" (٣). وروى الترمذي وصححه، والدارمي، والدارقطني، والبيهقي -واللفظ له- عن زر بن حبيش عن صفوان بن عَسَّال رضي الله تعالى عنه، عن رسول الله ﷺ قال: "إِنَّ مِنْ قِبَلِ المَغْرِبِ لَبَابًا مَسِيْرَةَ عَرْضِهِ أَرْبَعُوْنَ عَامًا، أَوْ سَبْعُوْنَ سَنَةً فتحَهُ اللهُ تَعَالى لِلتَّوْبَةِ يَوْمَ خَلَقَ اللهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ، فَلاَ يُغْلِقُهُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْهُ" (٤).

стр. 6580

وفي رواية للترمذي -وقال: صحيح-: قال زر: فما برح يحدثني حتى حدّثني أن الله جعل بالمغرب بابًا عرضه مسيرة سبعين عامًا للتوبة لا يُغلق ما لم تطلع الشمس من قبله؛ وذلك قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا﴾ [الأنعام: ١٥٨] الآية (١). وروى الإِمام أحمد، وأبو داود، والنسائي عن معاوية رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "لاَ تَنْقَطِعُ الهِجْرَةُ حَتَّى تَنْقَطِعَ التوْبَةُ، وَلاَ تَنْقَطِعُ التَّوْبَةُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغرِبِهَا" (٢). وروى الإِمام أحمد، والبيهقي في "شعب، الإيمان" عن عبد الرحمن -يعني: ابن عوف - ومعاوية بن أبي سفيان، وعبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهم: أن رسول الله ﷺ قال: "الهِجْرَةُ خَصْلَتَانِ: إِحْدَاهُمَا أَنْ تَهْجُرَ السَّيئَاتِ، وَالثَّانِيَةَ أَنْ تُهَاجِرَ إِلَىْ اللهِ وَرَسُوْلهِ، وَلاَ تنقَطِعُ الهِجْرَةُ حَتَّى تَنْقَطِعَ التَّوْبَةُ، وَلاَ تَنْقَطِعُ التَّوْبَةُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا، فَإذَا طَلَعَتْ طُبعَ عَلَىْ كُل قَلْبٍ بِمَا فِيْهِ وَكُفِيَ النَّاسُ الْعَمَلَ" (٣). وذكر القرطبي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال: إذا

стр. 6581

طلعت الشمس من مغربها لا يُقبل من كافر إيمانه ولا توبته ولا عمله إذا أسلم حتى يراها إلا من كان صغيرًا يومئذ؛ فإنه لو أسلم بعد ذلك قُبِل ذلك منه؛ قال: ومن كان مؤمناً مذنباً فتاب من الذنب قبل منه (١). وهذا أخذه ابن عباس رضي الله تعالى عنهما من ظاهر الآية؛ إذ اقتصر فيها على الإيمان, وهو خلاف ما عليه الجمهور من أنَّه لا فرق في عدم قبول التوبة بعد طلوع الشمس من المغرب وبين الكافر والمسلم، والأحاديث المذكورة ناطقة نص فيها فيجب المصير إليها. أمَّا الصغير إذا بلغ بعد طلوع الشمس من مغربها، فأسلم، قبل إسلامه قطعًا؛ فإنَّه مفطور على الإِسلام، وقد استصحب الفطرة، وأمَّا إذا كفر بعد البلوغ أو أذنب، فلا يُقبل منه الإِسلام ولا التوبة كغيره. قال أهل العلم: وإنَّما لا ينفع نفسًا إيمانها ولا توبتها وقت طلوع الشمس من المغرب لأنه خلص إلى قلوبهم من الفزع ما يخمد منه كل شهوة، ويفتر منه كل قوة، فيصير الناس كلهم لإيقانهم بقرب الساعة كحال من حضره الموت، وغرغر بالروح في انقطاع الدَّواعي إلى المعصية بكل أنواعها وبطلانها من أبدانهم، ومن مات في مثل هذه الحالة لم تقبل توبته. ثم إنَّ من عاين الآية المذكورة قبل الإيمان والتوبة لمَّا كان علمه بالله ورسوله ووعيده قد صار ضرورياً لم يقبل إيمانه وتوبته وإن امتدت

стр. 6582

حياته بعد ذلك؛ إذ رُوي عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أنه قال: يبقى الناس بعد طلوع الشمس من مغربها مئة وعشرين سنة حتى يغرس النخل. وهذا ذكره القرطبي، وإنما يُروى عن عبد الله بن عمرو بن العاص كما أخرجه ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن المنذر (١). قال القرطبي: وإن امتدت أيام الدنيا إلى أن ينسى الناس من هذا الأمر العظيم ما كان ولا يتحدثوا عنه إلا قليلاً، فيصير الخبر عنه خاصًّا، وينقطع التواتر عنه، فمن أسلم بعد ذلك، أو تاب قُبِل منه؛ والله أعلم (٢). قلت: لكنَّ الظاهر أن هذا لا يكون؛ إذ ورد أن باب التوبة يغلق لطلوعها من مغربها, ولم يرد أنه يفتح بعد ذلك. قال أنس: قال رسول الله ﷺ : "صَبِيْحَةَ تَطْلُعُ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا يَصِيْرُ فِيْ هَذِهِ الأُمَّةِ قِرَدَةٌ وَخَنَازيرُ، وَتُطْوَىْ الدَّوَاوِيْنُ، وَتَجُفُّ الأَقْلاَمُ، لاَ يُزَادُ فِيْ حَسَنَةٍ وَلاَ يُنْقَصُ مِنْ سَيئةٍ، وَلاَ يَنْفَعُ نَفْسًا إِيْمَانها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَت فِيْ إِيْمَانِهَا خَيْرًا". وقال ابن مسعود رضي الله تعالى عنه: إن الناس بعد الآية -يعني:

стр. 6583

طلوع الشمس من المغرب- يصلُّون، ويصومون، ويحجُّون، فيتقبل ممن كان يتقبل منه قبل الآية. رواهما أبو الشيخ (١). وما ذكره القرطبي من انقطاع التواتر بعد الآية يبعده أن الدنيا - وإن بقيت بعد الآية المدة التي ذكرت عن ابن عمرو - فإنَّ الآيات تتتابع في هذه المدة كما قال رسول الله ﷺ : "الآيَاتُ خَرَزَاتٌ مَنْظُوْمَاتٌ فِيْ سِلْكٍ، فَانْقَطَعَ السِّلْكُ فَيتبَعُ بَعْضُهَا بَعْضًا". رواه الإِمام أحمد، وغيره عن عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنهما (٢). فلا يقدم عن التواتر خبر بطلوع الشمس من مغربها, ولا ينقطع حتى تخرج الدابة، ثم يكون الخسوف واحدًا بعد واحد قبل الدجال أو بعده، ثم يخرج عيسى ﵇ بعد الدجال، فيقتل الدجال، ويمكُث في الأرض أربعين سنة، ثم يخرج يأجوج ومأجوج في زمن عيسى ﵇ حتى ينحاز هو والمؤمنون إلى جبل الطور، ثمَّ يكون الدخان بعد ذلك أو قبله، ثم تخرج النار من قعر عدن، فالناس في كل آية من هذه الآيات مع ما يتبعها من الأهوال والحوادث العظيمة بين مشاهد لها ومتواتر إليه خبرها، ومنهم من شاهد بعضها وتواتر إليه خبر بعضها، وهذا يحدث في قلوب الناس علوماً ضرورية بوقوع الساعة وحلول القيامة، فلا يقبل من أحد منهم خير إلا من كان عليه

стр. 6584

أولًا فيبقى عليه بتوفيق الله تعالى؛ نسأل الله تعالى أن يعيذنا من الفتن والمِحَن، وأن يقبضنا على توبة مقبولة. ثمَّ التوبة لها أركان: أحدها: أن يقلع عن الذنب في الحال . روى البزار، والبيهقي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله ﷺ : "التَّائِبُ مِنَ الذَّنْبِ كَمَنْ لا ذَنْبَ لَهُ، وَالْمُسْتَغْفِرُ مِنَ الذَّنْبِ وَهُوَ مُقِيم عَلَيْهِ كَالْمُسْتَهْزِئِ بِرَبِّهِ " (١). قال الفضيل بن عياض، وذو النون المصري رحمهما الله تعالى: استغفار بلا إقلاع توبة الكذابين (٢). واعلم أنَّ الأقلاع عن الذنب إنما ينشأ من مطالعة زواجر الشرع، فينقدح من ذلك زِناد العقل، فيتولَّد منه نار الخوف من الله تعالى، فيحترق غُثاء الشهوة من النفس، ويذهب منه زَبَدُ الغفلة عن القلب، فيرتاع القلب ويتنبه، وينزجر بزاجر الإيمان, وزاجر العقل، وزاجر الشيب، وزاجر الموت، وغير ذلك، ويرجع إلى الله تعالى ويقلع عن الذنب، ولذلك قال بعضهم: اليقظة حرقة من جهة المولى لقلوب

стр. 6585

الخائفين تدلهم على طريق التوبة. وروى أبو نعيم عن أبي بكر الكتاني رحمه الله تعالى أنه قال: روعة عبد انتباه من غفلة؛ وانقطاع عن حظ النفس، وارتعاد من خوف القطيعة أعود على المريدين من عبادة الثقلين (١). وقد يسَّر الله تعالى لمن أراد به الخير طريق التوبة بالدواعي الداعية إليها، وهي فوائد التوبة التي عوَّلنا سابقاً عليها، وبالزواجر له عن الذنوب كزاجر الإيمان وزاجر الإِسلام. قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [العنكبوت: ٤٥]. وقال النبي ﷺ : "مَنْ لَمَ تَنْهَهُ صَلاَتُهُ عَنِ الفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ لَمْ يَزْدَدْ مِنَ اللهِ إِلاَّ بُعْدًا". رواه الطبراني عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما (٢). وأخرجه الإِمام أحمد في "الزهد"، وغيره عن ابن مسعود موقوفًا عليه (٣). وروى المفسرون عن ابن عباس قال في الآية: في الصلاة منتهى
следующие страницы →