← Фикх малики

Фикх малики · id 14593

ديوان الأحكام الكبرى أو الإعلام بنوازل الأحكام وقطر من سير الحكام

القاضي أبو الأصبغ ابن سهل

Полный текст (727 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

ديوَان الْأَحْكَام الْكُبْرَى أَو الْإِعْلَام بنوازل الْأَحْكَام وقطر من سير الْحُكَّام للفقيه الْمَالِكِي الإِمَام أبي الإصبع عِيسَى بن سهل بن عبد الله الْأَسدي الجياني ٤١٣ - ٤٨٦ هـ تَحْقِيق يحيي مُرَاد دَار الحَدِيث

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ [مقدمة المؤلف] وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً قال الفقيه القاضي أبو الأصبغ عيسى بن سهل ﵀: الحمد لله الأول الآخر الظاهر العلي الواحد القاهر ذي الطول والإحسان والمنن الحسان الموجود في عدم الزمان الكائن قبل خلق المكان، خلق الإنسان وعلمه البيان أحسن كل شئ خلقاً وأحصى كل شئ عدداً وأحكم الحاكمين وأسرع الحاسبين العادل في قضاء يقضيه المقسط في كل قدر يمضيه. نحمده على ما هدانا إليه في طاعته وفقهنا فيه من دينه وشريعته وعلمناه من كتابه وسنة رسوله الذي اصطفاه لوحيه واجتباه لنبوءته وابتعثه لرسالته إلى جميع خلقه وتم به سالف رسله محمد صلى اله عليه وسلم وعلى الله وأزواجه وذريته أتم صلاة وأبقاها وأفضلها وأزكاها وسلم تسليماً. وبعد حمد الله والصلاة على رسوله المصطفى فإني بجميل صنع الله وجليل أفضاله عندي وحسن عونه أيام نظري في القضاء والأحكام ومن تقييدي أحكام غيري في القضاء والحكم جرت على يد نوازل استطلعت فيها رأي من أدركته من الشيوخ والعلماء وانفصلت لدي مسائل كاشفت عنها كبار الفقهاء إذ كانوا من أهل هذا الشأن بأرفع مكان وأعلى منزلة وأعظم رسوخاً وعلماً ودريةً وفهماً منها ما شافهتهم فيه، ومنها ما كاتبتهم في معانيه، وكنت قد علقت ذلك على حسب وقوعه لا على ترتيبه وتنويعه لأتذكر به متى طالعت واستظهر به متى احتججت وإن كانت أصول ذلك ففي تفريعها بيان وزيادات تقييد ما جرى به العمل، وكيفية الاستدلال في الأصول، وكثيراً ما سمعت شيخنا أبا عبد الهل بن عتاب ﵁ يقول الفتيا صنعة، وقد قالها قبله أبو صالح أيوب بن سليمان ﵀ قال الفتيا دربة وحضرت الشورى في مجالس الحكام ما دريت ما أقول في أول مجلس شاورني سليمان بن أسود وأنا أحفظ المدونة والمستخرجة الحفظ المتقن، ومن تفقد هذا المعنى من نفسه ممن جعله الله إماماً لجأ إليه ويعول الناس في مسائلهم عليه وجد ذلك حقاً وألغاه ظاهراً وصدق ووقف عليه عياناً وعلمه خبراً

стр. 3

والتجربة أصل في كل فن، ومعنى مفتقر إليه في العلم. ثم أني رأيت الآن ضم تلك النوازل إلى نظام وجمع تلك المسائل إلى ترسيم والتئام وجمع أشكالها بعضها إلى بعض لتكون فائدتها أمكن وأيسر ومنفعتها أقرب وأيسر وأكثر، وإن كان الذهن كليلاً والنشاط قليلاً والجسم عليلا مما أطلنا مما يشيب الوليد ويذهب الرأي السديد من بلايا ومحن تتوالى إلى الله منها المفزع والشكوى وهو حسبنا وكفى، ولكن رجوت باشتغالي بهذا بعض السكن في أوان يكون فيه الأنس للنفس، وربما ألفت إلى ذلك في شكله وجمعت معه من فرعه وأصله مما يكمل به المعنى وتكون به الفائدة معه أقوى لو لم يفد إلا معرفة نهج الكلام وسنن الكلام والحكام في مشاورة الفقهاء وكيفية المعتاد في ذلك بينهم بقرطبة حيث كان جمهور العلماء والقدوة هم والوقوف على هيبة فتوى المغنين لهم لكان أكبر مستفادًا لمن طلب في تعلمه الازدياد، لأنها طريقة لا تؤخذ إلا عنهم ولا توجد بالإتقان الذي هي عليه إلا عندهم فكيف وقد ظننته مسائل لا توجد إلا فيه ومعانين لا غنى للمستبصر فيها عنه، ولم أخله من رواية تكون حجة، ولا من تنبيه على نكتة أو غفلة بحسب الإمكان، ومعونة الرحمن الذي كل شيء بيده وهو المتفضل بتوفيقه وتسديده والمتطول بأن يجعله لوجهه وفي سبيله لا الله غيره ولا رب سواه ولا حول ولا قوة إلا به وهو حسبنا ونعم الوكيل وكان ابتدائي به يوم السبت لعشر خلون من المحرم سنة اثنين وسبعين وأربع مائة.

стр. 4

باب في القضاء والأحكام وما يتفرد به القضاة دون غيرهم من الحكام قال الله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجر منكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى﴾ (المائدة:٨) وقال : ﴿إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتهم بين الناس أن تحكموا بالعدل إن الله نعما يعظكم به إن الله كان سميعًا بصيرًا﴾ (النساء: ٥٨) وقال في غير المسلمين: ﴿فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم وإن تعرض عنهم فلن يضروك شيئًا وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط إن الله يحب المقسطين﴾ (المائدة:٤٢). وقال رسول الله ﷺ : ((القضاة ثلاثة اثنان في النار وواحد في الجنة حكم جهل فخسر فأهلك أموال الناس وأهلك نفسه ففي النار، وحكم علم فعدل أي فجار فأهلك أموال الناس وأهلك نفسه ففي النار وحكم عدل فأحرز أموال الناس وأحرز نفسه ففي الجنة (١). وروي عن حذيفة بن اليمان أنه قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((إن أعتى الناس على الله وأبغض الناس إلى الله وأبعد الناس من الله يوم القيامة رجل ولاه الله من أمة محمد شئيًا ثم لم يعدل فيهم (٢))). وقال طاووس اليماني: خير الناس منزلة يوم القيامة إمام مقسطٌ، وشر الناس منزلةً يوم القيامة عند الله رجل أشركه الله في حكمه فأدخل عليه الجور في عدله. واعلم أن للحكام الذين تجري على أيديهم الأحكام ست خطط: أولها: القضاء، وجعلها قضاء الجماعة، والشرطة الكبرى، والشرطة الصغرى، وصاحب مظالم، وصاحب رد بما رد إليه من الأحكام، وصاحب مدينة، وصاحب سوق، وهكذا نص عليه بعض

стр. 5

المتأخرين من أهل قرطبة في تأليف له. وتلخيصها: القضاة، والشرطة، والمظالم، والرد والمدينة، والسوق، وإنما كان يحكم صاحب الرد فيما استرابه القضاة وردوه عن أنفسهم، هكذا سمعت من بعض من أدركته، وصاحب السوق كان يعرف صاحب الحسبة لأن أكثر نظره إنما كان فيما يجري في الأسواق من غش وخديعة ودين وتفقد مكيال وميزان وشبهه، وقد سألت بعض من لقيته عن صاحب السوق هل يجوز أن يحكم في عيوب الدور وشبهها وأن يخاطب حكام البلاد ((في الأحكام)) قال: ليس ذلك له إلا أن يجعل إليه تقديمه، وقال بعض الناس خطة القضاء في أعظم الخطط قدرًا وأجلها نظرًا لاسيما إذا جمعت إليه الصلاة، وعلى القاضي مدار الأحكام وإليه النظر في جميع وجوه القضاء. وسألت الشيخ أبا عبد الله بن عتاب عن الحكم يرفع إلى خطة القضاء هل يستأنف ما كان بين يديه من الأحكام لم يكملها بعد بالتسجيل فيها أم يصل نظره فيها بما تقدم منه في ذلك تمام الحكم قال بل يبني على ما قد مضى بين يديه من الحكومة ولا يبتريها من أولها؟ قال: وبذلك أفتيت أبا علي الحسن بن ذكوان حين ارتفع من أحكام الشرطة والسوق إلى أحكام القضاء، قلت له: بلغني أن بعضكم أفتى بابتداء النظر فيما قد جرى بعضه بين يديه في السوق ولم يكن كمل نظره فيه بعد. فقال ل: قاله من لم يحمل بقوله ولا اشتغل بخلافه، ووافقني أبو المطرف بن فرج وغيره على جوابي، وكان ابن القطان لا يستفتي حينئذ لخمول كان أدركه. وفي المدونة في كتاب المديان قلت أرأيت صاحب الشرطة وما أشبهه أيجوز حجره. قلت: فرأيك؟ قال: القاضي أحب إلي، قال مالك: ومن أراد أن يحجر على وليه فليأت السلطان حتى يوقفه ويدار به الأسواق والمواضع والمساجد. قال ابن وهب: وسمعت مالكًا يقول فيمن أراد أن يحجر على وليه فليأت به السلطان حتى يوقفه للناس ويسمع به في مجلسه ويشهد على ذلك فمن باعه أو ابتاع منه فهو مردود (١)، وفي هذه المسألة دليل على أن فعل السفيه في بيع وغيره أنفذ عليه قبل الضرب على يديه كما روى ابن كنانة

стр. 6

وابن نافع وغيرهما في ذلك في نوازل عيسى، وفي كتاب الجدار بخلاف رواية ابن القاسم في سماع سحنون وسيأتي هذا الأصل في بابه إن شاء الله. وفي كتاب القسمة قال ابن القاسم: سمعت مالكًا يقول لا يقسم بين الأصاغر أحد إلا القاضي. وفي الواضحة خلافه. وقال أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن عيسى بن أبي زمنين في الأقضية في كتاب المغرب له: وكذلك ما كان من أحكام الأيتام من تسفيه أو إطلاق أو توكيل عليهم للنظر لهم، وكذلك الأحباس المعقبة لا يكون النظر فيها إلا للقضاة، وفي دواوينهم توضع أموال الغيب والوصايا والأنساب، وعلى هذا جرى الأمر عندنا بالأندلس وبه أفتى مشايخنا رحمنا الله وإياهم. وفي أحكام الحبيب أحمد بن محمد بن زياد قاضي الجماعة بقرطبة – ﵀ – شورى في هذا المعنى خاطب بها الفقهاء فجاوبوه: فهمنا رحمك الله ما استفهمتنا عنه وما احتج به بعض أصحابنا من أن للقاضي حداً للنظر في الأيتام من تسفيه وإطلاق ونظر في أموالهم والتوكيل بجمعها وحرزها، وتدوين أموالهم التي بأيدي وكلائهم وأيدي غيرهم في دواوين القضاة لا يكون لغيرهم وهو تحجير على القاضي في تضييع ذلك فالذي قال به واحتج هو كما احتج هو أن هذا من نظر القضاة حتى قال ابن القاسم في القسم على إليهم وتوضع في دواوينهم والوصايا والأنساب من هذا الباب، وأموال الغيب، ولا يجب للقاضي أن يرفع من عنده نظرًا إلى غيره من السلاطين كما يرفع غيره من السلاطين إليه حدود القضاة في القديم والحديث معروفة لا تعارض فيها ولا تكون إلى غيرهم من الحكام. وللقاضي النظر في القليل والكثير ولا تحديد قال بذلك محمد بن عمر ابن لبابة وقال محمد بن وليد، وقال بذلك خالد بن وهب، وقال بذلك أحمد بي بيطر، وقال بذلك طاهر بن عبد العزيز، وقال بذلك سعيد بن خمي، وقال أحمد بن يحيي بن أبي عيسى: هذه الفتيا صحيحة التي لا يجب غيرها ولا نعرف سواها وإني لأرى مثل ذلك من الجراحات والترميمات وما أشبهها، وقال بذلك كله يحيى بن سليمان، وبه قال أحمد بن بقي بن مخلد. وقال ابن لبابة: الذي أعرف وأقول به وأدركت الناس عليه من ترتيب أحكام القضاة والذي لا ينبغي لغيرهم النظر فيه الوصايا والأحباس والإطلاق والتحجير والقسم

стр. 7

والمواريث والنظر للأيتام. قال القاضي أبو الصبغ أوردت هذه المسألة من أحكام بن زياد وإن كان فيها تكرار لأن ما ذكرناه عن أبي زمنين فيه ما يغني عنها إعلامًا بهذه الأحكام ولاسيما أولئك المفتين وبطريقة مساقيهم في فتياهم، وفي ذلك كله زيادة علم وإفادة فهم، وهذه الأحكام كان القاضي ابن زياد قد جمعها أيام نظره في القضاء وكتب أجوبة الفقهاء فيما سألهم عنه في الحكومات ومسائل الخصماء فاجتمع من ذلك نحو سبعة أجزاء عول عليها كثيرًا ممن أتى بعدهم وإليهم أشار بن أبي زمنين بقوله: جرت الفتيا من مشايخنا وسأذكر في كتابنا هذا إن شاء الله من تلك الأحكام ما يغني عما تركت عنها واختصرت من مسائلها ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. وفي المدونة قال ابن أبي القاسم في والي الإسكندرية إن قضى أو ولي قاضيًا فقضى جاز إن لم يكن جورًا بينا كقول مالك فيما قضت به ولاة المياه يجوز أن لم يكن جورًا (١). وكذلك قال في النكاح في صاحب الشرطة يضرب للعنين أجلاً جاز (٢)، وإن ضرب صاحب المياه لزوجة المفقود أجلاً وأصاب مضى، وفي الأقضية والحدود في سماع عيسى وغيره وفي الواضحة وعيرها مخاطبة بعض القضاة بعضًا وإنفاذ كتبهم إذا ثبت عند المكتوب إليه وإن انكسر طابع الكتاب أو لم يطبعه المخاطب، وفي سماع يحيي إن لم يكن قاضي الكورة موثوقًا به وفي الكورة رجال يثقهم كتب إليهم سرًا ليسألوا له عمن شهد عنده من أهل تلك الكورة فإن كتب إليهم أنه عندهم مشهورٌ معروفٌ بالصلاح أجاز شهادته وإلا تركها حتى يعدل عنده بمن يرضى. وقال ابن وهب عن مالك لا يجاز كتاب قاض إلى قاض إلا بشاهدين أنه أشهدهما بمافيه. قال ابن القاسم في المجموعة وإن لم يكن فيه خاتمه أو كان فيه خاتمه أو كان طابعه قد انكسر. وقال ابن الماجشون: إن شهد أن هذه كتاب القاضي أمضاه. وقال أشهب: ليس هذا بشيء حتى يشهد أنه أشهدهما ولا يضر إن لم يختمه. وقال ابن حبيب عن مطرف وابن الماجشون: ولا ينفذ إن شهدا أن هذا كتاب القاضي أمضاه وقال أشهب

стр. 8

مطرف وابن الماجشون ولا ينفذ إن شهدا أن الكتاب خط القاضي بيده. وقال فضل وقال ابن القاسم: إن شهدا أن هذا كتاب القاضي جازت شهادتهما ولم يلتفت إلى الطابع وهو معنى المدونة. وقال ابن نافع عن مالك كان من الأمر القديم إجازة الخواتم حتى إن كان القاضي ليكتب للرجل الكتاب إلى القاضي فلا يزيد عن ختمه فيجاز له حتى أحدث عند اتهام الناس شهادة على خاتم القاضي أنه خاتمه. قال في سماع أشهب وابن نافع وأرى أول من أحدثه أمير المؤمنين وأهل بيته. وفي كتاب ابن حبيب عن مطرف وابن الماجشون: إذا كان للقاضي في نواحي عمله رجالٌ يكتب إليهم في أمور الرعية بتنفيذ الأقضية وشبهها فلا بأس أن يقبل الكتاب يأتيه عنهم بالشاهد الواحد، وفي الثقة يجعله ذلك إليهم وبمعرفة الخاتم لقرب المسافة واستدراك ما يخشى من التعدي، وإذا افترق العملان فلابد من البينة. وقال أصبغ: ولسحنون نحون في أمنائه بخلاف كتاب قضاة، ورأيت قضاة بشرق الأندلس يجيزون كتب بعضهم إلى بعض في الأحكام بالخاتم ومعرفة الخط، وإن لم يكتب القاضي منه بخط يده إلا العنوان لا غير، وإن كان حامله هو المكتوب له المحكوم في قضيته وينعتون حامله المكتوب له في الكتاب ويسلمونه إليه مختومًا وهو عندي مما لا يجوز العمل به ولا إنفاذه، لاسيما إذا كان حامله صاحب الحكومة. وقد ذكر ابن حبيب عن ابن القاسم وغيره إذا كان حامل الكتاب صاحب القصة لم يجز فيما هو أخف من هذا في تحمله من عند الأمين أو الفقيه أو شبهه فكيف في نفس الحكومة وفي قاضي بلدة أخرى هذا ما لا يجوز عند أحد والقضاء به مفسوخ والله أعلم. وأما إذا تحمل الكتاب شاهدان وشهد به عند المكتوب إليه وأثنى عليه عندهما بخير وإن لم يكن تعديلا بينا أو زكى أحدهما ولم يزك الآخر أو توسم فيهما صلاح وكان الخط والختم مشهورين معروفين عند المكتوب إليه فإني أستحسن إجازة مثل هذا وانفاذه لتعذر موافقة العدول ولما جرى به العمل في صدر السلف الصالح من إجازة الخاتم والله أعلم بالصواب. ومن هذا الأصل أن محمد بن شماخ قاضي غافق خاطب صاحب الأحكام بقرطبة محمد بن الليث بخطاب أدرج إليه فيه كتاب عيسى بن عتبة فقيه مكناسة وعقد استدعاء

стр. 9

بملك بغل نعت فيه استحقاقه عند ابن عتبة بحصن مكناسة على عين الغل وعين مستحقة، وقال ابن شماخ في خطابه إلى صاحب الأحكام: ثبت عندي كتاب الفقيه بن عتبة مستخلف قاضي الجوف المدرج طي كتابي إليه ولم يسم القاضي الذي استخلفه ولا سمى ابن عتبة ولا كناه ولا أن ثبوته عنده كان على عين البغل ومستحقه وشاور صاحب الأحكام في ذلك: فأفتى ابن عتاب وابن القطان وابن مالك أن أعمال خطاب ابن شماخ هذا واجب وأن الحكم به جائز لفضل ابن شماخ وعلمه وأن ما جرى على يديه نظره فيه محمول على الكمال ولعافية ابن عتبة، وفي اتفاقهم على هذا الجواب نظر عجب وفيه من الضعف ما فيه وقد كانوا يختلفون فيما هو أصح من هذا في النظر وما جوابهم هذا إلا مسامحة والله أعلم بها.

стр. 10

احتلال القاضي بغير عمله في كتاب آداب القضاة لمحمد بن عبد الحكم: وإذا حج القاضي فنزل مصر أو غيرها فأتاه قوم من أهل عمله يسألونه أن يسمع بينتهم على رجل في عمله أو كان قد شهد شهود في عمله فأرادوا منه أن يكتب إلى والي العراق أو يشهد على كتابه بذلك إلى والي مكة أو يحكم لهم بحكم قد شهد عنده عليه قبل ذلك فليس له ذلك، لأنه ليس والي ذلك البلد فليس له أن يسمع من بينته فيها ولا ينظر في بينة أحد ولا يشهد عنده أحد إلا في بلده، وإن كان قد شهد عنده قوم في بلده فأراد أن يسأل عنهم حيث هو فذلك له فإما أن يسمع من بينته أو يشهد على كتابه إلى قاض ببلد آخر، أو يشهد على كتاب إلى قاضي مصر، وقد حج قاضي مصر فرجع إليه بمكة وشهد عليه بذلك شهود فلا أرى أن يقبل الشهادة ببلد غير بلده الذي ولي فيها فيما أرى والله أعلم. ألا ترى: أنه لو ولاه الخليفة ببغداد قضاء مصر وأمره بالخروج إليها لم يكن له أن يسمع من بينة أحد في دعوى على من بمصر حتى يصير إليها. وفي كتاب منهاج القضاة لابن حبيب: وسألت أصبغ عن القاضي يبعثه الإمام إلى بعض الأمصار في شيء نابه من أمر العامة فيأتيه رجل في ذلك المصر ببينة ويسأله أن يسمع منهم ويذكر أن له حقا قبل رجل من أهل عمله وهو غائب بعمله، ويذكر أن شهوده بهذا المصر ويسأله أن يسمع منهم أيجيبه إلى ذلك ولا ترى به بأسًا؟ قال: نعم يسمع من بينته ويرفع شهادتهم ويسأله تعديلهم، وإن شاء سأل قاضي ذلك المصر عنهم فإن أخبره عنهم بعدالة اجتزئ بذلك، لأنهم من أهل عمله، ولو اجتمع الخصمان عنده بذلك المصر فأراد المخاصمة عنده في الشيء الذي يختصمان فيه في بلد ذلك القاضي الغائب عن نظره لم ينظر بينهما لأنهما حين اجتمعا في ذلك المصر قد صار أمرهما إلى قاضيه، ولو كان الحق بعمل ذلك القاضي الغائب عن عمله إلا أن يتراضيا عليه كتراضيهما بقوله من يحكم بينهما، ويلزمهما إن قضى بالحق، وبعض جوانب أصبغ في هذا مخالف لما تقدم عن محمد بن عبد الحكم. ونزلت من هذا المعنى مسألة سألت عنها ابن عتاب شيخنا وذلك أن القاضي يحتل بغير بلده وقد كان ثبت عنده ببلده حق لرجل فسأله الذي له الحق يخاطب له في موضع احتلاله قاضي موضوع مطلوبة بما كان أثبت عنده ببلده، فقال لي: لا يجوز له ذلك.

стр. 11

قلت: فإن فعل. قال: يبطل وقد تقدم السؤال في مسألة محمد بن عبد الحكم إلا أن الجواب عنه غير بين ثم قال لي وليس يبعد أن ينفذ ذلك، قلت: فإن كان الحق الثابت عنده ببلده على من هو بموضع احتلاله فأعلم قاضي ذلك الموضع مشافهة بما ثبت عنده هل يكون لمخاطبته إياه بذلك في بلده؟ فقال: ليس لي مثله، قلت له: وما الفرق؟ فقال لي: هو في إخباره هنا بما كان ثبت عنده طالب فضول وما الذي يدعوه إلى ذلك؟ قلت له: وما يمنع من إخباره به ويشهد عند المخبر بذلك وينفذه كما يشهد عنده بما يجري في مجلسه من إقرار وإنكار ويقضي به، فقال: ليس مثله، ولكن إن أشهد هذا القاضي المخبر بذلك شاهدين في منزله وشهد بذلك عند قاضي الموضع نفذ وجاز. قال القاضي أبو الأصبغ: ورأيت فقهاء طليطلة يجيزون إخبار القاضي المجتاز بذلك البلد قاضي البلد به وينفذ ويرونه كمخاطبته إياه. فصل وقال محمد بن حارث بن أسد الخشني: سميت فصول المقالات المنعقدة عند القضاة قبل السجلات وهي التي يفتتح بها الخصومات محاضر وأحدهما محضر لما لزمها في هذا الاسم عند العلماء المتقدمين، وهو مأخوذ من حضور الخصمين بين يدي القضاي واختلف في اللفظ التي يفتتح بها تلك الفصول فكتب بعضهم حضرني فلان بن فلان، لأن تلك الصحيفة عنده وفي ديوانه فكأنه مخاطب لنفسه ومذكر لها بما كان بين يديه. وكتب بعضهم قال فلان حضرني فلان وهذا كله عندي إذا كتب بخط يده، وأما إن كتب عنه كاتبه فلا يكتب حضرني لأنه يقع حينئذ في الظاهر كناية عن الكاتب. قال ابن الحارث: والذي جرى به رسم قضاة الجماعة بقرطبة أن يكتب الكاتب قال عند القاضي فلان بن فلان قاضي الجماعة بقرطبة فلان بن فلان إذ قام عليه خصمه فلان فادعى عليه كذا فقال فلان إنه لا يعرف شيئاً من ذلك ولا يقر به. قال القاضي أبو الأصبغ: وقد أنكر على بعض شيوخي هذا وكان الصواب عنده قال في مجلس نظر القاضي فلان بن فلان قاضي الجماعة بقرطبة أو بموضع كذا فلان بن فلان إذ وقفه فلان بن فلان على كذا وكذا وقد كتب على فلان بن فلان كذا وكذا دينارًا دراهم أسلفه إياها ودفعها إليه وقبضها فلان منه وصارت عليه حاله، وكان ذلك من مقاله ودعواه بمحضر المطلوب فلان فأنكر ما أدعاه وقال إنه لم يسلفه شيئًا ولا له قبله

стр. 12

حق شهد عليه بذلك من سمعه منهما في شهر كذا في سنة كذا ويكتب من حضر في المجلس من الشهود شهاداتهم ويشهدون بذلك عند القاضي ويعلم على أسمائهم ويجب على القاضي إذا حضره الخصمان أن يسأل المدعي منهما عن دعواه ويفهمهما عنه فإن كانت دعواه لا يجب بها على المدعي عليه حق أعلمه بذلك، ولم يسأل المدعي عليه عن شيء وأمرها بالخروج عنه، وإن نقص من دعواه ما فيه بيان مطلبه ومغزاه أمره بتمامه، وإن أتى بإشكال أمره ببيانه فإذا صحت الدعوى يسأل المطلوب عنها فإن اقر أو أنكر نظر في ذلك بما جيب، وإن أبهم جوابه أمر بتفسيره حتى يرتفع الإشكال عنه وقيد ذلك كله عنهما في كتاب وشهد عليهما من حضر المجلس. قال القاضي أبو الأصبغ: وسأل هذا الذي ذكره ابن حارث إذا كان شيئًا فيه طول والتباس أن ينصه الطالب في كشف مهذب الوضع يبين فيه مطلوبه على وجهه تبيينًا لا إشكال فيه محصور الصفة مستوعب التحديد إن كان ما له حدود فيوقف المطلوب حينئذ ويكشف عنه ويسأل الجواب فيه، فإذا جاوب عنه وأقر بفهمه كتب مقالة على وجهه على ألفاظه ومعانيه وقيد بالبينة على ما تقدم واتصل النظر بعد فيما بينهما على ما يجب فيه وقيد سطر الموثقون في ذلك ما فيه مقنع والكشف مفتاح الطلب والإعراب عن المذهب وفيه رفع الشغب فلا يدع الحكام أخذ الخصوم به إن شاء الله.

стр. 13

باب في المقالات والشهادة والحيازة والوكالات وذكر الأعذار والعقلة والآجال إذا انعقد في مجلس القاضي مقال بإقرار أو إنكار، وشهد به عنده على القائل شهود المجلس على ما ذكرنا في الباب قبل هذا أنفذ القاضي تلك المقالة على مذيعها. ولم يعذر إليه بشهادة شهودها لكونها بين يديه وعلمه بها وقطعه بتحقيقها. قال أبو إبراهيم إسحاق بن إبراهيم التجيي: وسقوط الأعذار في هذا إجماع من المتقدمين والمتأخرين، وكذلك ذكر أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن العطار في وثائقه. وأنكر ذلك أبو عبد الله محمد بن عمر بن الفخار الحافظ وقال هذا اختلاط. وقد قال معنا: إن الحاكم لا يقطع بعلمه، ولا بما يقر به عنده دون بينة ولا شهادة عدلين وإن كان بين يديه وفي مجلسه وهو يعلم أنهما شهدا عنده بحق. فإن كان هذا هكذا فكيف أن يقضي بشهادتهما من غير أن يعذر فيهما إلى المشهود عليه؟ وقد ينكشف عند الإعذار فيهما أنهما غير عدلين؛ إذ قد يأتي المشهود عليه بما يوجب رد شهادتهما من عداوة أو فسوق وإنما لم يقض بعلمه دون بينة لأن فيه تعريض نفسه للتهم وإيقاعه لها في الظنون وقد كره رسول الله ﷺ . قال القاضي أبو الأصبغ: وهذا عندي القياس الصحيح المطرد لمن قال: لا يقضي القاضي بعلمه ولا بما سمع في مجلس نظره، لكن الذي قاله ابن إبراهيم وابن العطار جرى به العمل وهو عندي استحسان، ويعضده قول مطرف وابن المجشون وأصبغ في كتاب ابن حبيب أن القاضي يقضي على من أقر عنده في مجلس نظره بما سمع منه وإن لم تحضره بينة. وقال ابن الماجشون في المجموعة، وبه أخذ أبو سعيد سحنون بن سعيد. وقال أصبغ في كتابه وهو ظاهر قول النبي ﷺ : «إنما أن بشر، وإنكم تختصمون إلي، فلعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له بنحو ما أسمع منه (١)»

стр. 14

وقال ابن القاسم وأشهب: لا يقضي بعلمه ولا بما أقر عنده في مجلس قضائه أو في غيره لا في حد ولا غيره. وكأن معنى قول النبي ﷺ : ((فاقضي له على نحو ما أسثمع عندهما)): إذا شهدا بذلك عندي. وقال محمد بن إبراهيم بن المواز: وليس بين أصحاب مالك في هذا خلاف علمناه وقال مالك: وأحسن محمد في قوله: ليس بين أصحاب مالك فيه خلاف وصدق. إنه لوم يعلم قول ابن الماجشون وغيره، ولم ير أيضًا ما قاله أبو إبراهيم وابن العطار ما في سماع أشهب وابن نافع عن مالك في القوم يشهدون عند القاضي ويعدلونه. قيل لمالك: هل يقول القاضي للذي شهدوا عليه دونها فجرح؟ فقال: إن فيها لتوهينًا للشهادة، ولا أرى ذلك إذا كان عدلاً أو عدل عنده أن يفعل. فهذا مالك قد أسقط الإعذار ههنا فيمن عدل عنده فيكف به فيمن هو عنده عدل وشهد عنده بما سمعه في مجلسه واستوى فيه علم الهود وعلمه، وإن كان هذه القولة لم يصحبها عمل. وقال ابن نافع متصلا بها: بل يمكنه من التجريح. ومثله لابن الماجشون في كتاب ابن حبيب، ولابن القاسم في المدونة، وفي سماع يحيى وقال سحنون في نوازله: وبه جرى العمل. وهو الذي شاهدت القضاء به بإجماع ممن أدركنا من العلماء والحمد لله ولا يجوز العدول عنه إلى سواه. ورأيت في غير كتاب ابن العطار: إن كتب شهود مجلس القاضي شهاداتهم على مقال مقر أو منكر فيه ولم يشهدوا بها عند القاضي في ذلك المجلس ثم أدوها في المجلس نفسه الذي كان فيه المقال وكذلك لو حفظوها ولم يكتبوها ثم أدوها بعد ذلك إذا طلبوا بها وكانوا عدولاً فإنه يعذر فيها إلى من شهدوا عليه بها. قال أبو إبراهيم: لا يعذر القاضي فيمن أعذر به على مشهود عليه من امرأة لا تخرج أو مريض لا يخرج لمرضه وشبهه ولا في الشهيدين اللذين يوجههما لحضور حيازة الشهود لما شهدوا فيه من دار أو عقار. وسألت ابن عتاب عن ذلك فقال: لا إعذار فيمن وجه للإعذار، وأما الموجهان للحيازة فيعذر فيهما. وقد اختلف في ذلك وسيأتي في آخر الكتاب في مسألة أبي الشر الزنديق لعنه الله

стр. 15

وجده في الإعذار وبيان إن شاء الله. وبعد هذا بيان الإعذار في أول السفر الثاني في باب الغائب وإرجاء الحجة للغائب فيما يحكم عليه به من مسائل. ومن هذا المعنى في أحكام ابن زياد: شهد عندنا إسماعيل في أنه يعرف فروة من أهل الأضرار بمحمد والإساءة إليه، وأنه اضطرب الصوت عليه اضطرابًا شديدًا أن زوجة محمد إذا زالت عنه أنها زالت إلى فروة وفي شهادته أن محمدًا اشتكى إليه أن فروة استألفها بجميع نعمته، وفي شهادته أن فروة ممن يسبب الشر غليه ويعرف به. وبمثل الأفعال التي اشتكى بها محمد وهو يعرفه بعينه، وشهدت جماعة بمثل ذلك. فأجابوا: فهمنا وفق الله القاضي وما ذكرت في قبول شاهدين منهم. والذي يجب في ذلك أن يتشدد على هذا المرمى المشهود بالشر بالحبس الطويل والنكال لما شهد عليه من الشر والمدخل القبيح بعد الإعذار إليه. فإن ظهرت زوجة محمد ورد متاعه فنعما، وإن لم يرد شيئًا ومضى على إنكاره حلف في مقطع الحق على أنه لم يأخذ منه شيئًا ولا صار إليه منه شيء بعد طول حبسه والاستبلاغ في نكاله للريبة التى دارت عليه في الشهادات وما اتهم به مما تلصق به التهمة فيه. قال عبد الله بن يحيى، ومحمد بن وليد، وابن لبابة، وأيوب بي سليمان. مسألة أخرى في الأعذار: وشهد عند القاضي ابن زياد محمد بن أيمن وابن فلان بوفاة سعيد بن يحيى وعدته ورثته، وشهد ابن حجاج والحارث وآخر بملك سعيد بن يحيى للدار حتى توفى وأورثها ورثته وحازها. وشاور في ذلك فقال: يجب الإعذار إلى موسى في ذلك فإن جاء بمدفع وجب الحكم عليه لبني سعيد، والإعذار لبني سعيد، والإعذار لبني موسى. قال عبيد الله بن يحيى ومحمد بن عمر بن لبابة، وأيوب بن سليمان، ومحمد بن وليد، وسعد بن معاذ.

стр. 16

مسألة أخرى في تركة نظر واستئنافه: كان رحمكم الله خالد قد شهد لهشيمة كما قد علمتم في حيازة، ثم أخرج نظرها عنا، ثم صرفه إلينا، فلم يعد خالد الشهادة. فقالت لي هشيمة: إني صادقة فقال لي: قولي للقاضي يبعث إلى بالحائز الثاني ويحضر الحيازة. فهل يجب علينا ما سألته أو لا حتى يأتي خالد ويشهد قرانا وفقك الله. ما كتبت به فإن كان الأمير، أبقاه الله، قد أزال نظرك عنها إلى غيرك فنظر فلم يتم نظره حتى رد النظر إليك فهو كنظر مبتدأ، ولابد من أن يشهد عندك الشاهد على ما شهد، ثم تبعث لحيازة ما يحوز، وإن كان إنما زالت عنك ولم يزلها الأمير فشهادته الأولى تامةٌ، تبعث إليها شاهدًا ثانيًا يحوز معه، ثم تأتي بالحيازة فيشهد عندك. قاله ابن لبابة وغيره. شهد شاهد بالملك وموت المالك وشهد آخر بعدة الورثة: كان أهل طليطلة يكتبون عقد الملك في هذا إذا لم يعرف شهوده الورثة: شهد من يتسمى في هذا الكتاب أنهم يعرفون الدار والأرض التي بموضع كذا أو حدها كذا ملكا لفلان بن فلان لم يفوت شيئا منها بوجه من الوجوه في علمهم إلى أن توفى، وأورث ذلك ورثته ذلك في غير ذلك الكتاب. فأنكرته عليهم وكتبت بذلك إلى شيوخنا في قرطبة في سنة ست وخمسين وأربعمائة هل العقد هكذا صحيح والملك موصول وهم لا يعرفون الورثة إنما شهد بعدتهم غيرهم؟ فكتب إلى أبو عبد الله بن عتاب: إذا لم يعلم شهود الملك الورثة فكيف تسوغ لهم الشهادة بقولهم: وأورث ذلك ورثته ذلك في غير هذا الكتاب؟ هذا محال وحسبهم أن ينتهوا بالشهادة إلى أن توفي وأورثت ورثته فقط. فإن وجد من يشهد لورثته بالسماع فذلك زيادة بيان. وإن لم يوجد من يشهد بغير ما تقدم - أعني: إلى أن توفي وأورثه ورثته فقد كان يختلف في الجواب فيها فيما أحسب. والذي أقوله والله أعلم بحقيقة الصواب: إنها شهادة عاملة موجبة للحكم والمسألة التي شهد فيها ابن أيمن فوق هذا من الأصل وجواب أبو عمر أحمد بن محمد بن القطان: الشهادة تامة ولا يضرهما جهل الشهود بعدة الورثة إذا شهد بذلك غيرهم.

стр. 17

وجواب أبو مروان عبد الله بن محمد بن مالك شهادتهم بالموت وبالملك موصلا إلى موته فقط لأنهم لا يعرفون الورثة مع شهادة آخرين لا يعرفون الموت ويعرفون الورثة شهادة قائمة وأمر تام، إنما يوصل بالملك من يعرف المالك. غير أن العقد الذي نصصت متناقض إذ لا يعرفون الورثة ويقولون أورثه ورثته ذلك في غير ذلك الكتاب فيشيرو إليهم وهم لا يعرفونهم هذا فاسد متناف ليس يعقد هذا لهكذا إنما يقال فيه: وأورثه ن وجب له ميراثه، أو إلى أن توفى فقط، أو: إلى أن توفى ولا يعرفون لمن ميراثه. من جفا على من شهد عليه أو أفتى: في أحكام ابن زياد قال علي بن فلان للشهود ولأهل الفتيا: تشهدون علي وتفتون علي، ما أدري من أكلم وكأنه ذهب مذهب التوبيخ لمن شهد عليه. فأفتوا أن يؤدب أدبا موجعا. قاله محمد بن لبابه ومحمد بن غالب، ومحمد بن وليد، ويحيى بن عبد العزيز. وفي المجموعة قال ابن كنانة: إذا قال للشاهد: شهدت على بالزور وقصد أذى به الشاهد والمشهود له لعنه الإمام بقدر حال الشاهد والمشهود له فإن كان على أن ما شهد به على باطل لم يعاقب. وفي سماع ابن القاسم: إن قال للقاضي: لقد ظلمني والقاضي من أهل الفضل، عاقبه ابن المواز. وكذلك إن أبي ما قضى عليه. قال سحنون: يؤدبه القاضي بنفسه ولا يرفعه إلى الإمام. وفي سماع أشهب: إذا عدل الشهود عدلان وجرحه عدلان فالتجريح أعمل. وقال ابن نافع وسحنون: ورواه ابن القاسم عن مالك في المدينة. ونحوه في سماع يحيى، وفي كتاب ابن حبيب، وفي كتاب السرقة من المختلطة. وبه قال عبيد الله بن يحيى في أحكام بن زياد. وكذا إن شهد عدول في وصي أنه مريض وشهد آخرون أنه مسخوط الحال. قال أبو صالح. وقال مالك في سماع أشهب وابن نافع: ينظر إلى الأعدال من المجروحين للشاهد والمعدلين. قيل له: ألا ترى شهادة المجروحين أثبت لأنهما على ما لم يعلم الآخران؟

стр. 18

قال: له، هذا رجل عدل أيقبل قولهما عليه؟ ولكن يقال لهما بأي شيء تجرحانه؟ فينظر لمعروف مشهود هو، ولعل الذي يجرحانه به قديم. وفي المختصر الكبير مثله. قال القاضي أبو الأصبع: وهذا عندي ضعيف، والأول أصح في النظر، وعليه العمل في المحاضر. قال محمد بن الحارث: أول ما ينبغي للقاضي أن يفعل عند حضور البينة أن يسهل أذنهم ولا يمطلهم بالوصول إليه لأنها قلقت وافترقت لصاحبها بعد أن حضرت واجتمعت وأن يتعسر لمن يشهدها جمعها مرة أخرى، فربما كان سبب لهلاك حقه أو بعضه بالمصالحة عنه لما أدركه من المشقة. ولهذا رأيت بعض من حضرني ممن عني بالعلم عند رسمي لهذا الرسم قال كان فلان ابن فلان ممن امتحن بالخصومة، وكان يقول: نقل الحال أيسر من نقل البينة عنده. فإذا أوصلهم في فهم وبسطهم ثم سألهم عن شهاداتهم فإن كانت تامة قيدها وإن كانت ناقصة سألهم عن بقيتها وإن كانت مجملة كلفهم تفسيرها وإن كانت غير عاملة أعرض عنهم إعراضا جميلا، وأمرهم بالقيام عنه، وأعلم المدعي أنه لم يأت بشيء ينتفع به. من لم يعرف من الشهود إلا واحد فصرف الحكم عن نفسه: في أحكام ابن زياد في امرأة قامت عنده بصداق لم يعرف من شهود الذين يعرفون قالوا إنهم يعرفون عينها غير شاهد واحد، ورأى أن غيرهم لا يتعدلون فصرفا عن نظره. قال لها: اذهبي إلى من شئت من الحكام فلعل غيري يعرف بينتك. فاستحسن الفقهاء وقالوا: رب حق لا يثبت عند حاكم ويثبت عند غيره. فلا أعدم الله القاضي الشديد. وما زال بحمد الله مسددا مجتهدا. وأحق ما اجتهد فيه البينات. قاله محمد بن وليد، وابن لبابة، وأيوب بن سليمان ومحمد بن غالب. قال الشاهد: أشهدت فلانة ولم أعرفها بالعين: قال عبيد الله بن يحيى، وابن لبابة ومحمد بن يحيى، ويحيى بن عبد العزيز في شهادة رجلين شهد على شهادة عبد الرحمن أن فلانة ابنة فلان أشهدتني، ولم يذكر في

стр. 19

شهادته أنه عرفها بالعين والاسم والنسب: إن الشهادة تامة. وقوله: أشهدتني فلانة، معرفة لا محالة. وفي باب الوصايا بعد هذا: إذا قال الشهود لا نعرف عين الموصية ولا اسمها شهد أنها مسكنه أو حيزه. وفي مسائل القاضي أبي بكر محمد بن بيتي بن زرب: إن شهد قوم أنهم يعرفون فلان بن فلان، وأن دار كذا مسكنه. قال القاضي: يستعاد الشهود إن أمكن ويقال لهم: ما أردتم بقولكم مسكنة؟ هل أردتم ملكه أو أنه كان ساكنا فيها؟ فإن قالوا: أردنا ملكه قضى له بها، وإن قالوا: إنما أردنا أنها دار سكناه لم يقض له بملكها. وإن فاتوا بموت أو غيره قضى له بقوله مسكنه، ولو قالوا: هذه دار سكني فلان وفاتوا قبل أن يفسروا شهادتهم لم يقض له بها بخلاف قولهم مسكنه. وفي سماع ابن القاسم: سئل مالك عن شاهدين شهد أحدهما في منزل أنه مسكن هذا، وشهد آخر أنه حيزه. وقال خصمهما قد اختلفت شهادتهما: فقال مالك: حيزه وملكه شهادة واحدة لا تفترق وأراها شهادة واحدة، وربما كانت الشهادة الكلام فيها مختلف والمعنى واحد. وهذا أصل مسألة ابن زرب. وفي كتاب الغصب من المختلطة: إن شهد شاهد في أرض أنها لهذا وشهد آخر أنها حيزه قال مالك: فهي له لأن حيزه أرضه، فأراهما قد اجتمعا على الشهادة. قال سحنون: معنى حيزه حقه وملكه. وقال أبو مروان بن مالك: إن شهدوا في دار إنها ملك فلان لم تكن شهادة. قال: وقد شاهدت الحكم بإسقاط هذه الشهادة. ولهذا يقال في العقود: إنهم يعرفونا له، وفي ملكه ومالا من ماله ونحوه. واحتج بأن الملك لفظه محتمل غير بين وأنشد قول الشاعر: فأصبحت لا أحمل السلاح ولا أملك رأس البعير إن نفر له لأن (أملك) في هذا البيت بمعنى القدرة والاستطاعة والإمساك له لا بمعنى الملك الذي هو الكسب والغنية.

стр. 20

وقال أبو عبد الله بن عتاب: إن كان الشهود لهم وفيهم يقظة ومعرفة بالشهادة فهي شهادة عاملة. وقال أبو المطرف عبد الرحمن بن سلمة بطليطلة: هي شهادة تامة ولا خلاف في هذا. ولهذه المسألة تفريع نظير تركتها لئلا يطول الكتاب؛ وإذ لم نقصد إلا جمع النوازل التي قدمت ذكرها. شهدوا أن هذا كفؤ لهذه اليتيمة: في أحكام ابن زياد في بينة شهدت لرجل أراد نكاح يتيمة أنه كفؤ فهمنا وفق الله القاضي ما كشف عنه من أمر الشهود، هل يسألون من أين علموا مما شهدوا فيه أم لا؟ فليس على القاضي كشف عن علمهم من أين علموه إذا شهدوا له أنه كفؤ، وتمت بشهادتهم ووجب عليه إنكاحها، قاله ابن لبابة. دار فيها نساء ساكنات والإعذار إلى المعنسات: قال ابن لبابة في الإعذار إلى أخوات ولادة الأبكار في الدار التي كنا فيها ساكنات وأرادت ولادة أن تسكن زوجها فيها: تكشف ولاة عن الدار. فإن قالت: هي لي ولأخواتي، فإن وجد القاضي لأخواتها الكبار ناظرًا من وصي أو وكيل قاضي أعذر إليه في ذلك فإن لم يكن عنده في ذلك مدفع من دعوى يثبتها قيل لو كيلهن: إما أن يسكن وتسكن ولادة مع زوجها في حصنها وإما خرجن كلهن حتى تقسم الدار لتنفرد كل واحدة بحصتها. وإن لم يكن لها ناظر وثبت عند القاضي أنهن معنسات في حسن حال أعذر إليهن، ثم كان الحكم على ما تقدم في الوصي. وإن كان في حال من لا يجوز فعلهن وكل القاضي لهم خصمًا يتكلم عنهن على الحسبة أو وكيلاً يقوم مقام الوصي، ويكون الأمر على ما ذكرنا في الوصي. وإذا كن في حال من يجوز لهن الكلام فلابد من أن يقال لهن: إما أن تسكن مع ولادة وزوجها وإما خرجن كلهن حتى يتبين ما يدعين إن ادعين زوال ملك ولادة. وإن لم يدعين زوال ملكها وكل من يقسم الدار بينهن فتسكن كل واحدة في حصتها. وقال في مريضة أنها مثبتة المرض ممنوعة الكلام. بمن أرسل القاضي إليها من البينة:

стр. 21

ينفذ القضية عليها فيما ثبت لديه، وترجى الحجة في ذلك لها. والإعذار المبالغة في العذر. ومنه: قد أعذر من أنذر أي: قد بالغ في العذر من تقدم إليك فأنذرك. ومنه إعذار القاضي إلى من ثبت عليه حق يؤخذ به في الشهود ومن أعذر غليه فادعى مدفعا أحل في إثباته في الديون وشبهها ثمانية أيام سوى اليوم المكتوب فيه الأجل ثم ستة أيام، ثم أربعة أيام، ثم يتلوم عليه ثلاثة أيام. وقيل الأصل في الإعذار قوله تعالى حكاية عن سليمان ﵇ في الهدهد: ﴿لأعذبنه عذابا شديدا أو لأذبحنه أو ليأتيني بسلطان مبين﴾ (النمل: ٢١). وقيل في التلوم: أصله قوله : ﴿تمتعوا في داركم ثلاثة أيام ذلك وعد غير مكذوب﴾ (هود: من الآية ٦٥). وضرب الآجال مصروف إلى القضاة والحكام: وليس فيها حد لا يتجاوز، وإنما هو الاجتهاد بحسب ما تعطيه الحال، فإذا كان الأجل في الأصول أجل المعذر إليه من طالب أو مطلوب خمسة عشر يوما، ثم ثمانية أيام، ثم أربعة أيام. ثم يتلوم له ثلاثة أيام تتمه ثلاثين يوما في الجميع. ذلك ابن العطار في وثائقه وقد كنا نضرب الآجال في ذلك ثمانية أيام ثم ثمانية أيام ثم ثمانية أيام ثم ستة أيام، والمعنى واحد. وقال أحمد بن سعيد بن إبراهيم الهندي في كتاب الحكام له: يؤجل في ذلك ثمانية أيام ثم ثمانية أيام ثم ستة أيام، والمعنى واحد. وقال أحمد بن سعيد بن إبراهيم الهندي في كتاب الحكام له: يؤجل في ذلك ثمانية أيام ثم ستة، ثم أربعة ثم تلوم ثلاثة أيام، قال: وإن ضرب الأول عشرين يوما تلوم عشرة أيام. وسمعت من يحيى عن القاضي: أن المطرف عبد الرحمن بن أحمد بن بشر قاضي الجماعة بقرطبة أنه كان يضرب الآجال عشرة أيام ثم عشرة أيام. وكان أجل القضاة بها علما ودربة في الأقضية وفتيا الأحكام فسألت عن ذلك أبا عبد الله بن عتاب ومعه كان تفقه وفي كتابته له تدرب، فقال لي: كذلك كان يفعل. وكل يثني عليه كثيرًا، ويفخر بطول صحبته إياه في القضاء وغيره. والطريقة في كتاب الأجل: أن يكتب الحاكم بيده كتب أجلنا، أو أجلت فلان بن فلان في المدفع الذي أدعاه في الشهيدين الذين قد شهدا عليه بما ذلك في العقد الذي أعلى

стр. 22

هذا الكتاب بعد أن أعلمناه أو أعلمته بهما، وبقبولي لهما، وبثبوت ذلك عندي بشهادتهما ثمانية أيام أولهما يوم الأحد لاثنتي عشر لية بقيت من المحرم سنة اثنين وسبعين وأربعمائة فإذا انقضت كتب وتلومنا عليه بعد انصرام الآجال المضروبة التي فوق هذا ثلاثة أيام أولها يوم كذا لكذا وكذا ليلة بقيت من الشهر المذكور وربما كتب في الأجل الثالث وأجلا ثالثاً دخل فيه التلوم من سبعة أيام أولها يوم كذا. وإن كتب عن القاضي كابته كتب: أجل القاضي فلان بن فلان قاضي حاضرة كذا وفقه الله فلان فيما ذهب إليه من حل ما ثبت عنده عليه لفلان في العقد الواقع في بطن هذا الكتاب بعد معرفته بما فيه وبمن ثبت آجلا جامعًا للتلوم وغيره من أحد وعشرين يوما أولها يوم كذا لعشر خلون من شهر كذا من سنة كذا ثم يكتب القاضي بخط يده: هذا صحيح. وإن شاء كتب: هذا الأجل صحيح. وقد يكتب هذا على غير وجه سوى ما قد ذكرنا، ولو نشاء ذكرنا ذلك.

стр. 23

عقد التعجيز والعقلة والإعذار ومقالات الإقرار والإنكار وتقييد الشهادات وأدائها عند القضاء والحكام واختلافهم في الاختيارات فيه لطال معه الكتاب والله الموفق للصواب وإذا انقضت الآجال والتلوم ولم يأت المؤجل بشيء يوجب له نظرا عجزه القاضي، وأنفذ القضاء، وسجل وقطع بذلك شغبه عن خصمه في ذلك المطلب ثم لا يسمع منه بعد ذلك حجة إن وقع عليها، ولا تقبل منه بينة إن أتى بها كان هذا المؤجل العاجز طالبًا أو مطلوبًا إلا في ثلاثة أشياء: العتق والطلاق والنسب قال مطرف، وابن وهب وابن القاسم واختاره ابن حبيب وحكى عن ابن الماجشون مثل هذا في الثلاثة. قال: وأما غير ذلك من الدعوى فيختلف إما كل ما ادعاه المدعي على أحد من مال أو غيرها لا يكلف المطلوب منه تحقيقه بنفسه وإنما كلف الطالب فعجز عن إثبات دعواه أو تعديل شهوده يريد وقد أجل في ذلك ولا يسجل عليه وبتركه وتحقيق مطلبه؛ لأنها دعوى لحق متى أحققت أنفذت وأخذ بها متى ظهرت. ولو كان الطالب قد أتى بشيء أوجب على المطلوب عملا مثل إن أثبت أن تلك الدار كانت لأبيه أو لجده وهي اليوم في يد المدعي عليه فيكلف الذي هي بيده البينة كيف صارت إليه. فأتى ببينة شهدت بطول حيازته إياها بحضرت الطالب، فتبقى بيده ويقال للطالب لما تركته يحوز عليها هذا الزمان؟ فإن قال: بإسكان أو كراء كلف البينة، فإن عجز عنها أو أقام بينة لم يعدلها، وضربت الأجل فلم يأت بشيء. عجزه السلطان عن أخذ ذلك، وكان حقا عليه ههنا أن يكتب للمدعي عليه كتابًا، ويسجل له بحكمه، ويقطع حجة المدعي عنه. ثم إن أتى بينة أحق من الأولى وأعدل لم ينظر له في ذلك بعد لا ذلك التحكم ولا من بعده. قال ابن حبيب: وقوله هذا دقيق حسن، من أخذ به لم يخطأ، وقد أعلمت به أصبغ فاستحسنه. وروى القول الآخر عن ابن القاسم وابن وهب، وأشهب أن يعجز في الأموال والحقوق ولا ينظر بعد ذلك للمعجز في بينة، لا هذا الحاكم ولا غيره، إلا في العتاق

стр. 24

والنسب والطلاق. ومذهب سحنون في ترك تعجيز الطالب، وأنه متى أحق حقه قضي له كمذهب ابن الماجشون. وكذلك يقول في المطلوب متى حكم عليه بعد الإعذار واستقصاء الحجج والتسجيل: إنه لا يسمع بعد ذلك منه لا حجة ولا بينة قال: وإذا لم يقطع حجة أحد فلم يضرب له الآجال، ووضع عليه لقطع الحجة. ولا أقول فيه يقول ابن القاسم: يريد قوله الذي رواه عنه في المدونة في موضعين: إن أتى بشيء له وجه قبل منه، وينظر له. مثل أن يأتي أو لا يشاهد عند من لا يرى الشاهد واليمين – فألفى بعد الحكم عليه شاهد آخر. وفي السرقة مثل أن يظفر ببينة لم يعلم بها. وقال في (كتاب الصيرة): أو يجد بينة تجرح من حكم عليه بشهادتهم، فإنه يسمع منه ذلك، الحاكم وغيره بعد، إن كان قد أدعى ذلك عند الأول وينظر له. وبه قال: ابن لبابة وأبو صالح، وابن زرب. وقال ابن المواز: إنما يسمع منه ذلك وينظر له الحاكم الذي حكم عليه وسحل بتعجيزه. وأما إن قام بذلك عند من ولي بعده فلا يسمع منه؛ لأنه ليس له أن يعترض قضاء غيره قبله ولا ينقصه إلا أن يكون خطأ به. والذي في سماع يحيى نحوه. وفي سماع أصبغ عن ابن القاسم: فيمن أدعى نكاح امرأة فأنكرته وادعى بينة بعيدة قال: لا تؤمر بالانتظار إلا إن كانت قريبة لا يضر ذلك بالمرأة، ويرى الإمام لدعواه وجها وإن عجزه ثم جاء ببينة بعد ذلك وقد نكحت أو لم تنكح فقد مضى الحكم. وهذه الرواية نحو روايته عنه في كتاب ابن حبيب، وخلاف المدونة وسماع يحيى لأنه لم يسمع منه بعد التعجيز وأبان فيها أن النكاح بخلاف الطلاق والعتاق والنسب والحبس وطريق العامة، وشبهه من منافعهم ليس عجز طالب والقائم عندهم فيه يوجب منعه أو منع غيره في النظر له إن أتى بوجه. وقد شاهدت الحكم بذلك والفتوى في الحبس، وفي بعض النسخ في آخر (كتاب الاستحقاق) من (العتيبة) وأراها من سماع أصبغ، أرأيت القاضي إذا قضى بشيء للعامة، كالطريق أو المخاصمة، أو الموردة ونحوها، من يشهد عليه؟ قال عدول من العامة. قلت: وكيف تجوز شهادتهم ولهم في ذلك سهم؟ قال: هذا ما لابد منه؛ لأنه لا يوجد أحد ليس

стр. 25

له فيه سهم يشهد عليه قال لي: وليس هذا سهمًا أيضًا، ولو كان سهمًا ما قطع من سرق من بيت المال، ولا حد من زنى بخادم من الغنم، وهذا مثله. وقد قال مالك في القوم تعرض لهم اللصوص فيأخذهم القوم فيأتون بهم الإمام ويشهدون أنهم عرضوا لنا وتلصصوا: إن للإمام أن يحكم بشهادتهم، قال مالك: ومن يشهد عليهم إلا هم؟ وهذا مثله. قلت: فإذا قام رجل يطلب شيئًا للعامة وقضى به لخصم العامة فكيف يكتب الحكم؟ أعلى العامة أم على القائم عنها وحده؟. قال: عليه وحده ويذكر فيه أنه قام يطلب للعامة كذا فلم أرى له حقا وحكمت عليه. فإن قام آخر بعد ذلك يريد مخاصمة المفضي له سمع القاضي من قوله وحجته. فإن كان كقول المقضي عليه وحجته، حكم عليه وألحقه به. وإن جاء بغير ذلك نظر له فيه. وكذلك قال مالك في أحد الشركاء في الشيء يقضي عليه ثم أخذ شركائه يريد المخاصمة فيه أيضا. وهذه المسألة أصل لما ذكرناه في الحبس وأنه لا يعجز فيه كالنسب وما ذلك معه. قال القاضي أبو الأصبغ: والحجة لابن القاسم ومن وافقه على ابن الماجشون ومن تبعه في أن الطالب يسجل عليه بعجزه، ويحكم عليه بقطع مطلبه فيما قام به في رسالة القضاء لعمر بن الخطاب ﵁. ورأيت إثباتها هنا إذ هي الأصل فيما تضمنته من فصول القضاء ومعاني الأحكام وعليها احتذى قضاة الإسلام. وقد ذكرها كثير من العلماء وصدروا بها في كتبهم. منهم عبد الملك بن حبيب قال: حدثني إسماعيل بن أبي أويس عن أبيه قال: إن عمر بن الخطاب كتب إلى أبي عبيدة بن الجراح وهو بالشام وإلى أبي موسى الأشعري وهو بالعراق: أما بعد فإن القضاء فريضة محكمة وسنة متبعة، فافهم إذا أدلي إليك، وأنفذ إذا تبين لك، فإنه لا ينفع تكلم بحق لا نفاذ له. آس بين الناس في وجهك ومجلسك وعدلك حتى لا ييأس الضعيف من عدلك، ولا يطمع الشريف في حيفك. البينة على من ادعى واليمين على من أنكر. والصلح جائز بين المسلمين، إلا صلحًا أحل حرامًا أو حرم حلالا.

стр. 26

لا يمعنك قضاء قضيته ثم راجعت فيه نفسك وهديت فيه لرشدك أن تراجع الحق؛ فإن الحق مراجعته خير من الباطل والتمادي فيه الفهم الفهم فيما تلجلج في صدرك مما لم يبلغك في الكتاب والسنة، أعرف الأمثال والأشباه، وقس الأمور في ذلك، واعمد إلى أحبها إلى الله وأشبهها بالحق فيما ترى. واجعل للمدعي أجلا ينتهي إليه، فإن احضر بينة آخذ بحقه وإلا وجهت القضاء عليه؛ فإن ذلك أجلى للعمى، وأبلغ في العذر والمسلمون عدول بعضهم على بعض إلا مجلودًا في حد أو مجربًا عليه شهادة زور، أو ظنينًا في ولاء أو قرابة فإن الله ﵎ يتولى منكم السرائر ودرأ عنكم بالبينات. ثم إياكم والقلق والضجر، والتأذي بين الناس، والتنكر للخصوم في مواضع الحق التي يوجب الله بها الأجر، ويحسن بها الذكر؛ فإن من يصلح بينه وبين الله ولو على نفسه يكفه الله ما بينه وبين الناس، ومن يزين للناس بما يعلم الله منه غير ذلك شأنه الله. فما ظنها غير الله بثواب عاجل وخزائن رحمته والسلام (١). قال ابن حبيب: وحدثنيها على بن سعيد الهذلي عن أبي المليح الهذلي وحدثنيها أصبغ عن الشعبي عن أبي المليح. وقال محمد بن عبد الحكم في كتابه: روى عيسى بن يونس الشعبي عن عبد الله بن أبي حميد عن أبي المليح الهذلي أن عمر بن الخطاب ﵁ كتب إلى أبي موسى الأشعري: أما بعد وساقها إلى قوله: «يشينه الله». ورواها ابن لبابة عن العتبي عن الصمادحي عن محمد بن فضيل الضبي عن السري ابن إسماعيل عن الشعبي قال: كتب عمر بن الخطاب إلى أبي موسى الأشعري، سلام الله عليك، فإني أتحمد الله الذي لا إله إلا هو، أما بعد فإن هذا القضاء ...»، وذكرها إلى آخرها، كما ذلك ابن حبيب إلى: «السلام». فقد قال عمر في هذه الرسالة: «أجعل للمدعي أجل ينتهي إليه، فإن أحضر بينة

стр. 27

أخذ بحقه وإلا وجهت القضاء عليه» وفيه حجة ابن القاسم وغيره على ابن الماجشون. وفي هذه الرسالة قوله: «المسلمون عدول بعضهم على بعض». وفي الموطأ: قال ربيعة: قدم على عمر بن الخطاب ﵁ رجل من أهل العراق فقال لقد جئتك لأمر ما له رأس ولا ذنب، فقال عمر: ما هو؟ قال: شهادات الزور ظهرت بأرضنا، فقال: عمر: أوقد كان ذلك؟ قال: نعم قال عمر: والله لا يؤسر رجل في الإسلام بغير العدول (١). وهذا يدل على رجوعه عما في رسالته إلى أبي موسى. وكذلك ذلك محمد بن عبد الحكم في كتابه عن أبي الزناد أن عمر بلغه الكتاب الذي كتب الشهداء في أنه كان بالعراق شهادة الزور فقال: على رجلي وفي سلطاني؟ لا يكون هذا أبدًا، لا يقبل من الشهداء إلا العدول. ههنا حيث ذلك، وروي أن الحسن كان يذهب إلى ما في رسالة أبي موسى فكان يقبل شهادة كل مسلم على ظاهر دينه ويقول للمشهود عليه دنك بجرح إن وجدت من يشهد لك فقد قبلتهم وقاله الليث، والأكثر على خلافه وهو دليل قوله تعالى: ﴿وأشهدوا ذوي عدل منكم﴾ (الطلاق: من الآية ٢). وقوله: ﴿ممن ترضون من الشهداء﴾ (البقرة: من الآية ٢٨٢). وأما العقلة: ففي «المغرب» إذا شهدت البينة العادلة في الأصول شهادة قاطعة وحازت ما شهدت به وجب ضرب الأجل على المشهد عليه فيما ينتفع به من مدفع أو غيره. فالذي عليه الفتوى أن الدعوى إن كانت في دار اعتقلت بالقفل، وإن كانت في أرض منع من حرثها بعد التوقف، وإن كانت في حانوت وشبهه مما لخ خراج وقف الخراج، وإن كانت في حصة في ارض أو دار اعتقلت الدار كلها أو الأرض وجميع الكراء فيما له كراء، وقد قيل: يوقف من الكراء ما يقع للحصة المدعي فيها، ويدفع سائره للمدعي عليه. قال: والأول أولى عندي بالصواب. قال ابن لبابة في أحكام ابن زياد: لا يجب التوقف على الاعتقال وبعده يكون

стр. 28

الإعذار، وعند الإعذار تكون الحجة والنظر. وقالوا في اعتقال حانوتين: اعتقل رحمك الله الحانوتين، وأجل عبيدون في المدفع، فإن دفع بشيء نظرت له إلا أن يكون بقي عليك في شهادات الشهود تثبت فتقف حتى يثبت عند ما ارتبت فيه هذا وجه الحكم إن شاء الله. ولتكن العقلة في الخراج، قال بذلك عبيد الله بن يحيى ومحمد بن لبابة، ومحمد بن وليد، ومحمد بن يحيى وأيوب بن سليمان، ومحمد بن غالب. وكان سحنون إذا كان ما يعقله بمدينة القيروان أمر احد أعوانه بذلك. فإن سأله المعقود عليه تأخره أياما لإخراج ما له في الدار أخره اليومين أو الثلاثة وإن سأله أن يترك فيها ما يقل عليه إخراجه فعل ذلك به ثم يعقلها ويطبع عليها، ويكون المفتاح عنده. وكذلك الحانوت وما فيه يعلقه وتكون المفاتيح عنده حتى ينظر بينهما. وإن كان في غير الحاضرة بعث أمينا يعقلها. واختلف في العقلة بشاهد واحد وفي "أحكام ابن زياد": قولنا رحمك الله إن العقل يجب بشاهد واحد، وهو في الدور بالأقفال لها، كما يكون في الأرض بالمنع من حرثها. ويضرب للطالب أجلا في إتمام ما قام به. فإن أتى بتمام حقه وإلا حلف المطلوب أنه ما يعلم ما ادعى الطالب حقا وحللت الاعتقال عنه. وهذا لمن لا يقضي باليمين مع الشاهد. فأما من يقضي به فإنه يكلف الطالب شاهدًا ثانيًا فإن أعياه أحلفه مع شاهده وقضى له بحق. قاله عبيد الله بن يحيى، وأيوب بن سليمان بن بطال عن ابن لبابة أنه لا يحب العقلة إلا بشاهدين. وقال سمعان: هو قول ابن القاسم. قال: وكان عبيد الله بن يحيى وكثير من أصحابه يرون العقل بالفعل مع الشاهد. ولابن العطار في وثائقه: لا تجب العقلة بشاهد واحد، ولكنه يمنع المطلوب بذلك أن يحدث في العقار بنيانًا، أو بيعًا، أو هبةً، أو ما أشبه ذلك بالقول وبالتقدم إليه ولا يخرج عن يده. وفي شهادات المدونة: اختصم إلى مالك في أرض حفر فيها عين فادعى فيها رجل دعوى واختصموا إلى صاحب المياه فأوقهم حتى يرتفعوا إلى المدينة، فشكى حافر العين إلى مالك فقال مالك:

стр. 29

قد أحسن حين أوقفها، وأراه قد أصاب. فقال صاحب الأرض: اترك عمالي يعملون فاني استحق الأرض فليهدم. قال مالك: لا أرى ذلك وأرى أن يوقف، فإن استحق حقه وإلا بنيت. قال ابن القاسم: هذا إن كان لدعواه وجه وإلا فلا (١). وعن سحنون في كتاب ابنه: كان إذا شهد عنده شاهد عدل من شهود المدعي وزكي أو عرفه بالعدالة علق على المدعي عليه ما شهد به شهود المدعي الذين ثبت بضعهم حتى يكشف عمن بقي ويستقصي منافع المدعي عليه وربما تثاقل عن العقل بعد الشاهد العدل فإذا اتجه له العقل أمر كاتبه وكتب إلى أمينه كتابا يذكر يه دعوى المدعي، واسمه واسم المدعي فيه، وحده وموضعه وإقليمه، وأمره بجمع الخصمين، وعدول ويعقل الأرض، ويشهدهم على ذلك. وفي أول باب من كتاب الأحكام ممن كتاب ابن حبيب: وفي كتاب الجدار من هذاالمعنى، وفي سماع عيسى عن ابن القاسم فيمن ادعى زيتونًا قبل رجل أن له أصل وثمرته، وأثبت شاهدًا واحدًا، وطلب أن يجعل له وكيلا على الثمرة يحوزها في الجني والعصر حتى يستحق حقه وطلب الذي هي بيده أن يقدم عليها لبيعها وجل الناس هناك لا يبيعون، إنما يعصرون؟. قال: إذا كان الشاهد عدلا انبغى للوالي أن يحلفه عليها، ويدفع إليه الثمرة. وإذا كان ممن لا يقضي باليمين مع الشاهد: نظر إلى ما فيه النماء في بيعه أو عصره فوكل به من يثق به من عنده ووفقه. فإن أثبت شاهدًا آخر دفعه إليه وإلا أحلفه بالله ما يعلم له فيه حقا ثم يدفعه إلى المدعي عليه، فإن نكل حلف الطالب وأخذه. وفي مسائل انب زرب قال: إنما أوجب العقلة في هذه المسألة خوف فساد الثمرة وتفويت المطلوب لها، وكذلك يوقف كل ما يغلب عليه من العروض وغيرها شاهد عدل، وذلك خلال الأصول لا تعتقل إلا بعدلين وحيازتهما، غلا أن الشاهد العدل إذا شهد في الأصول تقدم الحكم إلى المطلوب، وأمره ألا يحدث في الأصل بيعًا ولا شيئًا يفوته، ويشهد على انه أمره بذلك. فإن أحدث فيه شيئًا بعد تقدمه إليه لم ينفذ. وفي موضع آخر عنه من مسائله قال في صغر سنة إحدى وسبعين وثلاثمائة اختلف

стр. 30

أهل العلم في توقيف ما يقوم الطلب فيه من العقار إذا أثبت شاهدًا عدلا. فرأى بعضهم العقلة به واجبة. وحجتهم قول ابن القاسم في مسألة الزيتون التي فوق هذا. ورأى بعضهم ألا تكون العقلة إلا عد شهادة شاهدي عدل وحيازتهما. وهذا الذي يجري به القضاء ببلدنا، والحجة فيه أن الغلة إنما تكون بالضمان، فهي للمطلوب حتى يقضي عليه، وضمانها منه قبل ذلك. ولا تكون للطالب إلا إذا كان الضمان منه، ولا يكون الضمان منه إلا بعد شهادة شاهدي عدل وحيازتهما إن شاء الله هذا كله من كلام القاضي ابن زرب وإملائه. وكان بعض من أدركت يقول في غلة المستحق لمن تكون ثلاث أقوال: أحدهما: قوله في مسأةل الزيتون إنها للمدعي إذا شهد له شاهد عدل، على ما ذكرنا فيها. والثاني: في المدونة قول مالك: الغلة للذي كانت في يده حتى يقضي بها للطالب؛ لأنها لو هلكت كان ضمانها من المطلوب. والقول الثالث في الموطأ: وما أغتلت الأرض من غلة فهي للمشتري الأول إلى يوم يثبت حق الآخر؛ لأنه قد كان ضمنها. ويتصل بهذا الأصل معان لو تتبعتها لطال الكتاب معها. ونزلت من معنى العقلة بشاهد واحد مسألة بقرطبة وكان بيننا فيها تنازل: وهي أن ابن عدوس قام في دار محبة مفصلة على دور بكتاب تحبيس أبيه إياها عليه وعلى غيره من عقبه، وأثبت كتاب تحبيسها عند الوزير صاحب الشركة والسوق أبي بكر بن حريش بالشهادة على الخط، وشهدت جماعة بحدودها، ولم يستوعب حيازتها من جميع أقطارها إلا شاهد واحد، ولم يكمل فيها لحكم حتى عزل الحكم. ثم شهد فيها أيضًا عند صاحب المظالم أبي بكر بن أدم بمثل ما تقدم في الأصل على الخط، وشهد قوم بمعرفتها، ثم لم يستوعب منهم حيازتها إلا شاهد واحد، واجتمع منهم اثنان فصاعدًا على حيازتها في جميع نواحيها إلا الناحية التي انفرد بها الواحد وأظنها الناحية الغربية. وشاورنا في ذلك: فأفتيت أنا بوجوب عقلتها وإخراج المطلوبين منها – وهم بنو انب الخطي، والإعذار إليهم في الذين ثبت بهم التحبس، وفي الحائزين. فإن أتى المطلوبون

стр. 31

مما يبطل ذلك من تجريح الشهود أو غيره، ولم يكن عند القائم مدفع قضى لهم وطل قيام القائم. وإن لم يأت المقوم عليهم المعذر إليهم بما يبطل ما أثبته خلف القائم في مقطع الحق أن حد تلك الناحية تنتهي إلى حيث حده ذلك الشاهد، ويحكم بالتحبيس، ويعدي المطلوبون بثمن الدار على من كان ابتاعها أبوهم منه. واحتججت في ذلك بدلائل الواضحة والمدونة وغيرها وبما تقدم ذكرنا له في اختلاف قول سحنون، واختلاف أهل العلم في وجوب العلة بشاهد واحد، وبأن هذه قد حيز أكثرها بشهود فهو أقوى من القول بالعقد بشاهد واحد. ويقول بعض المتأخرين في أحكامه: والعقلة في الدار بالقفل الجامع يوجه الحكم ذوي عدل بحضرة الحائزين، ويقفلان ما حيز بحضرتهما إلى أن يأتي النظر عليه. قال: والحيازة كلها واحدة، ولكن ربما اختلف علم الشهود فيها. والدار أقل اختلافًا من الأرض؛ لأن الأرض فيها يقع الاختلاف: يحوز رجل جهة من الحقل، ورجل جهة أخرى، ولا يقضي إلا يجتمع فيها ذوا عدل. قلت: الدار أعلامها ظاهرة بما أحدق بها من الجدران، وبهذا كان حكم. وكان بعض أصحابنا قد اختلف في ذلك وقال: لا تجوز العقلة بشاهد واحد. واحتج بما كتبته قبل هذا من "المغرب" وقال: إنه لم يقل أحد أنه يعقل بشاهد واحد. وجهل جميع ما قدمناه من قول سحنون، وابن زرب وغيرهما، والله الموفق للصواب. ولابن حارث في المحاضر: وإن سأل الحضر وأحدهما في أول مجلس تقدما إليه فيه أن يوكل كل واحد منهم من يتكلم عنده عنه في الدعوى والإقرار والإنكار ففيه اختلاف في رأي الفقهاء وعمل القضاة. فمنهم من يرى ذلك لهما أو لأحدهما. ومنهم من لا يرى ذلك إلا بعد أن ينعقد بين المدعي والمدعي عليه ما يكون من كل واحد منهما من الدعوى والإقرار والإنكار، ثم يوكل بعد من يشاء منهما من شاء من الخصوم. وذكر ابن العطار أن له أن يوكل قبل المجاوبة إذا كان الوكيل بالحضرة. والصحيح عندي ألا يمكن من ذلك؛ لأن اللدد فيه ظاهر، والمراد منه أن يحدث عنه كلامًا يكون فيه شغب على صاحبه. وقد كان سحنون لا يبيح للمطلوب التوكيل.

стр. 32

والعمل بأن ذلك لمن يشاء من طالب أو مطلوب وإذا أراد التوكيل بعد صدر من المخاطبة وبعد ثلاث مجالس فأزيد لم يكن له ذلك إلا لعذر من سفر يريده وشبه ذلك من مرض أو مشاتم ما لم يكن له ذلك. وإن كان إضرار بخصمه لم يمكن من ذلك وهذا معنى ما في المدونة. قال ابن العطار: ولا يجوز له أن يوكل وكيلين، إنما له أن يوكل وكيلا واحدًا، ثم ليس له عزله إذا كان قد قاعد خصمه مجالس ثلاثة أو أكثر، إلا إن ظهر منه غش أو تدخيل في خصومه وميل مع المخاصم له. قال: وإن سقط من توكيله الإقرار علي والإنكار عنه كان توكيلا ناقصًا، ولزم الموكل إتمامه على ذلك. وأما توكيل الوصي على المخاصمة عن يتيمة فليس إليه أن يجعل له الإقرار عليه. وقد شاهدت بعض القضاة ينكر عقد ذلك في توكيل الوصي عن يتيمة، ورأيت بعض قضاة قرطبة يخاطب قضاة غيرها بثبوت مثل هذه الوكالة خالية من ذلك الإقرار، وشافهت أبا مروان بن مالك في ذلك فقال لي: هذا الذي رأيته يعمل منذ خمس وعشرين سنة، وهو الذي أفتى به أن إقرار الوصي لا يجوز على يتيمة. قلت له: قد ذلك انب الهندي في مثل هذه الوكالة الإقرار. قال: كذلك هو، وهو خلاف. وتكلمت في ذلك مع أبي عبد الله بن عتاب فقال لي: هو خطأ من ابن الهندي. وفي أحكام ابن زياد: أحببت – وفقك الله – أن تعلم ما يجب لابن حوثرة وعليه، فيما يدعيه من الدفع في يالبينة، التي شهدت لخصم فلانة بالوكالة، ولم نر أحدًا من القضاة ولا من غيرهم من السلاطين ضرب أحد أجلاً وإنما السيرة عند القضاة أن يثبت التوكيل عندهم ثم يوضع النظر على أصل المطلب، فإذا قد نزع إلى أن يؤجل في المدفع فأجله ثلاثة أيام أو نحوها، وتكون المرأة في نظرها لنفسها وتكلمها بحجتها كالمطلقة من الآن. وقول ابن حوثرة أنها ممن لا يجوز لها توكيل فلا أكثر من شهادة شهيدين فقيهين من خيار الناس أنها جائزة الأمر، فهي بشهادتهما على الجواز/ ولا يكشف مثل هؤلاء من أن كانت كذلك، والحجة لابن حوثرة فيه، والحجة عليه أن أهل العلم قد قالوا في العدل المبرز لا توضع فيه الجرحة.

стр. 33

قال بذلك محمد بن غالب، وعبيد الله بن يحيى، ومحمد بن لبابة، ومحمد بن وليد، ويحيى بن عبد العزيز، وغيرهم. وقال ابن الهندي في كتابه: والإعذار إلى الموكل من تمام الوكالة، وإن لم يعذر جاز. وتكلمت فيه مع ابن عتاب فقال لي: كان الشأن في القديم والإعذار ثم ترك. قال ويعذر أيضًا في الموت والوراثة. ورأيته في أحكام ابن زياد ولا يطول الأجل في الإعذار في ذلك. وقال لي عن القاضي أبي المطرف بن بشر أنه قال: إنما ترك الإعذار في الوكالة والموت لأنه لابد أن يعذر إليه عند إرادة الحكم له أو عليه في آخر الأمر فأغنى عنه أولا. وهذه نكتة حسنة إذ لابد للقاضي أن يقول للمتحاكمين آخرًا: أبقي لكما حاجة؟ فإن قالا: لا، قضى عليهما. وهو قول مالك في "المدونة" في الأقضية وغيرها. وقال ابن مالك: لابد من الإعذار في الوكالة؛ لأن الوكيل يقر عن موكله. وينكر، ويصالح، إن كان جعل إليه ذلك ويلزم الموكل، فيكيف لا يعذر فيه؟. وفي أحكام ابن زياد: فهمنا – وفق الله القاضي – ما كشف عنه في مقاعدة أحد الخصمين صاحبه قد يقع بينهما فيه التناكر، ثم يريد أحدهما بعد قعدة أو قعدتين أن يوكل من يقوم مقامه؟ فالذي ذهب إليه أصبغ بن الفرج ورأيت الحكام يستعملونه أنه إذا قاعده مقاعدة نفع فيه الحجج وفشتا بينهما المكالمة فلا يوكل غيره إلا من عذر يظهر من مرض ثبت، أو سفر حضر. وإن قاعدة المرة والمرتين ولم تقع حجج وبينات فله أن يوكل غيره. قال بذلك محمد بن عمر بن لبابة. والذي قال الخصم من أن يوقف له خمسه على إقرار أو إنكار ثم يوكل بعد ذلك إن شاء فليس بسنة، وللمطلوب أن يوكل، فإذا وكل قام وكيله مقامه في الإقرار والإنكار. وقال ذلك محمدبن وليد. وقال: من ظهر لدده وتعنيته يمنع من التوكيل. وقال عبيد الله بن يحيى. وقال محمد بن لبابة: كل من ظهر عند القاضي –وفقه الله – منه لدد أو تشغيب

стр. 34

في خصومه فلا ينبغي له أن يقبله في وكالة، ولا يحل إدخال اللدد على المسلمين. وقد أعلمني العتبي أن سحنون بن سعيد كتب إلى القاضي محمد بن زيد والذي ﵀ كتابًا وقع إلى العتبي نسخته وفيه ألا يقبل الخصوم الوكلاء لما فيه من اللدد، والتشغيب، والإدخال، وإبطال حقوق الناس. والذي ذهب الناس إليه في القديم والحديث قبول الوكلاء إلا من ظهر منه تشغيب لدد فذلك يجب على القاضي - وفقه الله - إبعاده، وألا يقبل منه توكيلاً على أحد. وقد تقدم معنى هذا كله من "المدونةن" وغيرها. ورأيت فقهاء طليطلة يقولون: إن من وكل على طلب حقوقه، والمخاصمة عنه فيها وفيما طولب به، وعلى الإقرار عليه والإنكار عنه، على ما في وثائق التوكيل بإقرار الوكيل أن موكله وهب داره لزيد، أو قال لفلان: على هذا الذي وكلني مائة دينار أن ذلك لازم لموكله (١). وأنكر ذلك ابن عتاب وقال: إنما يلزمه إقرار فيما كان من معنى المخاصمة التي وكل عليها، وإما أن يقر عليها بما يخرجه من أملاكه فلا يقبل منه. وهذا الصحيح عندي. وفي الشفعة من "المدونة": قال ابن القاسم: من وكل على قبض شفعته فأقر أن موكله قد سلمها فهو شاهد، يحلف المشتري معه، وتبطل الشفعة (٢). وفي بعض مختراتها: ولو كان مع إقرار الوكيل شاهد آخر وكانا عدلين بطلت الشفعة إلا أن يكون الشهود عليه الشفيع غائبًا غيبة يتهم وكيله على الانتفاع بالمال في ذلك - وللمال بال - فلا تبطل الشفعة بشهادته. وفي كتاب الشهادات: من وكل رجلاً على قبض ماله على فلان فجده فلان فقدمه وأحلفه ثم لقيه صاحب الحق لم يكن له أن يستخلفه لأن وكيله قد استخلفه. يريد أن جعل إليه استخلافه أو كان مفوضًا إليه. والله أعلم. قال حبيب بن نصر: سألت سحنونًا عمن وكل على مخاصمته رجلاً فلم يقم الوكيل

стр. 35

بذلك إلا بعد سنتين إما أنشب الخصومة قبل ذلك ثم يأتي بالبينة، أو لم ينشب خصومه، ولم يعرض في شيء حتى مرت السنتان ثم قام بعدها يطلب بتلك الوكالة القديمة، أله ذلكام يجدد الوكالة؟. فقال: يبعث الحاكم إلى الموكل يسأله أهو على وكالته أم خلعه عنها. فإن كان غائبًا قالوا كيل على وكالته. قال القاضي أبو الأصبغ: رأيت بعض شيوخنا يستنكر إمساكه من الخصومة ستة أشهر أو نحوها، ويرى تجديد الوكالة إن أراد الخصومة.

стр. 36

باب في مسائل أداء الشهادات، ونقلها، والإشهاد عليها، والشهادة على الخط، ومن سأل أن يدفع له نسخ ما يشهد به عليه، أو سأل القاضي أن يعطيه المشورة التي شاور بها قال محمد بن عبد الحكم في كتابه: إذا شهد شاهدان أن لفلان على فلان مائة دينار ولم يقولا: أقر بذلك، ولا غيره، إنما أطلقا الشهادة هكذا، لم أر شهادتهما تحقق شيئًا لن شهادتهما كأنهما حاكيان حتى يبينا ذلك فيقولا: أسلفه، أو أقر عندنا، أو ما يثبتان به ما شهدا فيه قد يجد من الناس من يحل يبيع النبيذ المسكر ويجعل له ثمنا أو غير ذلك. ولو قالا: نشهد أن له عليه مائة دينار من ثمن سلعة اشتراها منه لم أقبل ذلك ولم ألزمه الشيء حتى قولا: وقبض السلعة. وكذلك لو قالا: باعه سلعة بمائة دينار لم يقض بذلك عليه؛ لأنه ليس في شهادتهما ما يوجب أنه بقض لسلع. وفي كتاب إن خرجت من هذا الدار في أمتى قرئ عليه كتابٌ فقال: اشهدوا علي بما فيه. وهو لا يصف شيئًا مما فيه حتى يقرأ عليه. قال ابن القاسم: شهادته جائزة، وليس كل الناس يسوق ما أشهد عليه، وإن كان يكبت حتى يقرأ الكتاب، فإذا أقرته عرف شهادته وحفظها. فإن كان عدولا وأثبت ما أشهد عليه جازت شهادته. وقال سحنون: من رأى خطه في الكتاب لا يشك فيه ولا يذكر كل ما فيه، فقد اختلف أصحابنا في ذلك. والذي أقول به: أنه إذا لم يرى في الكتاب محوًا، ولا لحقًا، ولا شيئًا ينكره ورآه خطًا وحدًا فأرى له أن يشهد بما فيه ويقول: شهد بما فيه، ولا يستطيع أحد أن يذكر جميع ما في الكتاب. وكذلك إن لم يذكر من الكتاب شيئًا إلا أنه عرف خط الشهادة ولم يشك أنه بيده. وفي سماع أبي زيد: قلت لابن القاسم: كنت قاعدًا عند ضمام فجائني رجل فأشهدني على شهادة ضمام، فكتب شهادتي. ثم جاءني الرجل بعد حين بكتاب فيه شهادتي، وعرفت خطي، وأثبت أن ضمامًا أشهدني على شهادته في أمر دار، أذكر ذلك، غير أني

стр. 37

لا أحفظ أن هذا الكتاب الذي فيه شهادتي قرئ علي، ولا أحفظ أنه أشهدني على هذه الدار التي في هذا الكتاب؟ قال: إن لم تثبت شهادتك بما في هذا الكتاب حرفً برف فلا تشهد. وهكذا في "المدونة" فيمن عرف خط ولا يذكر الشهادة لا يشهد بها حتى يستيقنها ويذكرها. وقال في سماع أشهب: يرفعها إلى السلطان على وجهها ويقول: أرى كتابًا يشبه كتابين، وأظنه إياه، ولست أذكر شهادتي، ولا يقل هذه شهادتي بخط يدي. وقال عنه ابن نافع في المجموعة: قد أثبت غير مرة بخط يدي، ولم أثبت الشهادة، فلم أشهد، يقول الله سبحانه: ﴿وما شهدنا إلا بما علمنا﴾ (يوسف: من الآية ٨١). وفي مسائل ابن زرب: قال: إذا كانت الوثيقة منعقدة على الشهادة المشهدين لهم كالابتياع والصدقة ونحو ذلك فلا ينبغي أن يؤخذ الشهود بحفظ ما في الوثيقة، وحسبهم أن يقولوا أن شهادتهم فيها حق، وأنهم يعرفون المشهدين لهم. وإذا كانت الوثيقة مبنية على معرفة الشهود كعقود الاستدعاء: يشهد المسمون في هذا الكتاب من الشهداء أنهم يعرفون كذا وكذا، ورأى الحكم ريبة توجب الاستثبات فينبغي أن يقول لهم: ما تشهدون به؟ فإذا نصوا شهادتهم بألسنتهم على ما في الوثيقة نفذت إلا ردها، ولست في كل موضع ينبغي له أن يفعل هذا، ولا بكل الشهود، وإنما ينبغي أن يفعله ممن يخشى عليه الخديعة من الشهود. قال: وربما فعلته. وفي باب الأقضية في الثاني مسائل من الشهادات والرجوع فيها فتأملها. وقال محمد بن عبد الحكم: ينبغي للحاكم أن يكتب شهادات الشهود بين يديه، ولا يلقن الشاهد، ويترك على ما عنده من العلم. ولا بأس أن يسأله عن تارخ شيء إن احتاج إليه، ولا يسأله عما يخاف أن يزيد في شهادته ولا ينقص منها. وقال سحنون في المجموعة: إذا كتب الشهادة فيختمها ويضعها بموضع يثق به حتى ينفذ قضاؤه، وكذلك في كتاب ابن المواز. وقال ابن حبيب: سمعت مطرفًا وابن الماجشون يقولان: ينبغي للقاضي أن يمكن

стр. 38

الناس من إيقاع شهاداتهم بأيديهم، ثم يرفعونها ليه موقعة. وهو فعل النسا عندنا بالمدينة في القديم والحديث؛ لأن الشاهد ربما أخجله مجلس القاضي فلا يقوم بشهادته. قال أشهب في المجموعة مثله إلا أن يتهم القاضي أحد الشهود إذا كان للتهمة أهلا، فيكون له إيقاع شهادتهم عنده، ولا يقبلها منه موقعة في رقعة، ويكشفه لذلك عن تلك الشهادة، ويختبره بكل ما استطاع حتى يقف منه على حقيقة أمر أو يردها. قال مطرف وابن الماجشون: وإن تولى القاضي أو كاتبة إيقاع شهادات النساس فلا بأس، وينظرها إذا أوقعها كاتبه. وينبغي للقاضي إذا شهد الشاهد عنده أن يكتب شهادته واسمه وقبيلته ونعته، ومسكنه، ومسجده الذي يصلى فيه، والشهر الذي شهد فيه، والسنة. ثم يوقع ذلك في صك عنده ثم يجعله ديوانه لئلا يسقط للمشهود له شهادته، فيزيد فيها الشاهد أو ينقص. وفي الخامس من كتاب المشتمل في الوثائق لابن أبي زمنين في تسجيل القاضي ببراءة في بتنفيذ وصيفة بعد ذكره انتساخ كتاب الوصية. وأتى الوصي فلان إلى القاضي فلان بفلان ابن فلان فشهد عنده أن الذي في كتاب الوصية المنتسخ في هذا الكتاب من شهادته حق على حسب وقوعها فيه، وأنه لا يعلم الموصى بدل عهد هذا بغيره إلى أن توفي، فأحاط بميراثه في علمهم ينوه يقول فلان وفلانة، وأتاه بفلان بن فلان وفلان بن فلان فذكر له أن بن فلان عليل الجسم، مثبت العلة، لا يقدر على أداء الشهادة بنفسه، وأنه سألهم أن ينقلا عنه شهادته إلى القاضي، فنقلا عنه إليه مثل شهادة فلان بن فلان. قال القاضي أبو الأصبغ: وسألت الشيخ أبا عبد الله بن عتاب عن تقييد نقل شهادة المريض إلى القاضي كيف هو؟ فقال: الذي كان يعمل في ذلك شهدعند القاضي فلان بن فلان زيد بن فلان وبكر بن فلان أن فلان بن زيد بن فلان وبكر بن فلان أن فلان الفلاني أشهدهما لمرضه المانع له من الخروج أن شهادته الواقعة في هذا الكتاب حق حسب وقوعها فيه، قال: وما يكتب اليوم وسألهما نقله جهل لا يجب عمله. وأشهدني بحضرته في عقد له أبو محمد المغيطي، وأبو محمد الدباغ على شهادتهما،

стр. 39

وكان تاريخ العقد بعيدًا عن وقت إشهادهما لي، فقلت له: إن تاريخه بعيد. قال: لا ير ذلك، ولا يحتاج من أشهداه إلى ذلك تاريخ إشهادهما إياه. وكنت عند أبي عمر بن القطان فجرى ذلك عنده فقال مثل ذلك. وبه رأيت العمل بقرطبة لا يزيدون على كتب: وشهد على إشهادهما على شهادتهما بذلك. ورأيت أهل أشبيلية يؤرخون وقت إشهاد الشهود على شهادتهم. والأمر عندي فيه واسع. وقلت لابن عتاب: فما تختار لمن أشهد في عقد تاريخه غير وقت الإشهاد لأن بعض الناس يكتب وفلان بن فلان لفلاني: وكتب في شهر كذا من السنة المؤرخة أو من سنة كذا. فقال لي: كان الناس يكتبون: وكتب في شهر كذا من سنة كذا. وانتقد ذلك صاحب المظالم أبو عبد الله بن عبد الرءوف فقال: أصحيح أن يكتب أشهده المتبايعان، أو المتبايعون، أو فلان، وفلان بما في هذا الكتاب عنهما في شهر كذا من سنة كذا. يردي ويقول: ومما بالحالة الموصوفة فيه، أو وهما بحال الصحة والجواز. قال ابن عتاب: والصواب ما ذهب إليه ابن عبد الرءوف. قلت له: فلو كتسب الشاهد شهادته ولم يرخها؟ قال: لا يفعل ذلك. قال بعض من حضر: لأنه كذب؟ قال: هو كذب. قال: وقد يقع في المشهد فيه تخاصم ونزاع يضطر فيه إلى تاريخ الشهادات، فلابد من تقييد شهادته بتاريخ وقت الإشهاد. قال: وإنما استحب أكثرهم ترك تقييد وقت الإشهاد فيما أشهد فيه القاضاة والحكام من تسجيلهم وتقييدهم لأنه يؤمن فيه ما يخاف في الأول. ورأيت في عقد تاريخه مستهل ربيع الآخر سنة خمسين وأربعمائة شهادة أبي مروان ابن مالك بخط يده، وعبيد الله بن محمد بن مالك، وذلك في ربيع الآخر المؤرخ فيه وكتب وهو عندي حسن جدًا والمعنى وعبد الله بن محمد بن مالك أشهده الموصي وذلك في ربيع الآخر. قال: وقلت لابن عتاب: فمن نقل شهادته من الكتاب الذي أشهد فيه إلى كتاب انتسخ منه؟ فقال: لابد أن يذكر في شهادته ذلك؛ لئلا يكون الحق الذي فيه حقوقًا

стр. 40

كثيرة، فقلت له: إن المعمول به في ذلك بطليطلة أن يصل المستنسخ له بتاريخ العقد والكتاب منتسخ من الأصل للحاجة إليه، ثم يكتب الشهود شهاداتهم. فقال لي: ليس هذا بشيء؛ لأنه لا يفهم مثل هذا أهؤلاء شهود الأصل أم غيرهم. وهو كما قال. الذي كنا نكتبه ورأيت من يعمله: فلان بن فلان الفلاني نقل شهادته من الكتاب الذي نسخته هذا حرفًا بحرف، وذلك في شهر كذا من سنة كذا. وهذه كلها معان حسان لا يستغني عنها من رغب الازدياد في العلم والتوسع في القهم. الشهادة على الخط في حبس: ونزلت بقرطبة مسألة في حبس ثبت بالشهادة على خط شهوده إذ كانوا قد ماتوا، وكانت الدار المحبسة قد بيعت، فلما أعذر إلى مبتاعها في شهود تحبيسها وحائزيها استظهر بعقد أشهد فيه المحبس أنه متى حبس تلك الدار أو غيرها من أصوله فإنه إنما يفعله تقية لمن يخشى ظزلمه، وأنه متى أمكنه إبطال الحبس فإنه راجع فيه غير ممض له. وشوورنا في ذلك فاختلفنا فيه. ورأيت إثباتها هنا لأنه حسنة مشتملة على معان، وكان الناظر فيها آخرًا صاحب المظالم عبيد الله بن أدهم. فخاطبنا: يا سيدتي وأوليائي، نفذ إلي – أعزكم الله – توقيع المعتمد على الله، المؤيد بنصر الله، أبقاه الله، بالنظر في أمر الدار التي قام فيها بالتحبيس محمد بن سعيد على محمد ابن هشام، وهي الدار المعروفة بدار القلنية. فحضر محمد بن هشام وصيره عبد الملك وكيل زوجته تقية بنت محمد بن هشام الثابت توكيلها عندي في مجلس نظري، وحضر معهما أحمد بن عثمان وكيل محمد بن سعيد المذكور بعد أن أثبت عندي من توكيله له على الخصام عنه، وله بوكالة التفويض التامة ما جاز له به الخصام عنه. وأظهروا إلي نسختين متقدمتين في قطعتين، وهما تحت ختم عبد العزيز بن سوار ففضضتهما فرأيت إحداهما قد تضمنت عقد التحبيس الذي قام به محمد بن سعيد وحيازة الدار المذكورة فيه، وموت سعيد بن يوسف وورثته، وغير ذك مما تقيد فيه. وتضمنت الأخرى عقد التقية التي أظهرها محمد بن هشام وصهره عبد الملك وكيل لزوجته، وابتياع محمد بن عبد الله بن ذكوان للدار المذكورة من سعيد بن يوسف
следующие страницы →