Полный текст (727 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
بذلك، وقد احتج لمذهبه ونصره بحجج بسطها ومسائل استشهد بها. قال: وأنا أقول بقوله، وأراه صوابًا. ذكر لنا ذلك في شعبان سنة ستين وأربعمائة.
والذي أردته في سماع ابن القاسم، قول مالك فيمن دفع إلى رجل مالا قراضًا، فلما أراد أن يخرج إلى سفره قال لصاحبه: إني أريد أن أخرج بمالي معي أتجر فيه، وإني لست أحمل على مالك نفقة، وأنا أنفق من مالي وأتحمل ذلك، قال: لا يعجبني ذلك، وهو عندي كما لو قال عند دفعه إياه، ولكن ليعمل فيهما، والنفقة على المالين وسواء قال له ذلك عند خروجه، أو عندما يدفعه إليه، وفيه تفسير، قال عيسى بن دينار: وتفسيره إن كان قال له ذلك في حين يجوز له منعه من الخروج به، لم يكن فيه خير، وإن كان ذلك في يحين لا يجوز له منعه من الخروج به، لم يكن في خير، وإن كان ذلك في حين لا يجوز له منعه، وذلك بعد أن يتجهز ويشتري، فلا بأس به، وهذا بين في الاعتراض على القاضي.
وفي كتاب الجواب في سماع عيسى عن ابن القاسم في رجلين اشتركا في الحرث على النصف أو الثلث؛ لأحدهما الأرض والآخر يعمل بيده وزوجه، فقال أحدهما لصاحبه: اجعل الزريعة كلها وعلى ثلثها أو نصفها أردها عليك، وعملا على ذلك وصلح الزرع، وكيف إن قال: أسلفني زريعة يعد عقدهما (أ - ٣٠) الشركة؟
قال: الشركة فاسدة إذا اشتركا على ذلك، فإن وقع عملا فالزرع بينهما على الجزاء الذي اشتركا عليه، والمصيبة بينهما على قدره إن هلك الزرع، ويرجع المسلف على الآخر بسلفه متى شاء، وينظر إلى قيمة كراء الأرض وإلى قيمة عمل الآخر بيده وزوجه، فمن كان له فض رجع به دارهم أو دنانير لا في الزرع، وإن كان إنما سأله السلف بعد عقد الشركة ففعل، فليس به بأسن، والشركة جائزة حلال، ورواها أصبغ.
فقد أجاز ابن القاسم الطوع بسلف بالزريعة بعد العقد، ومذهبه في شركة الزرع أن لكل واحد منهما الخروج منها وتركها متى شاء ما لم يبذرا، فإذا بذرا لم يكن ذلك لمن أراده منهما، ولزمه العمل أحب أو كره، وكذلك رواه أصبغ عنه؛ فقد أجاز الطوع بالسلف في وقت لهما فيه ترك ما عقداه من الشركة، وفي هذه حجة للقاضي، ولعله بها احتج والله أعلم.
شوري في مال يتيم، كان أبوه قد دفعه قراضًا إلى رجل، ثم مات وأوصى بابنه إلى ذلك المقارض وغيره، ثم عزل وقدم مكانه غيره، بعد أن استعفى الثاني فأعفى، فطالب
стр. 107
المقدم المعزول بذلك المال.
ونزلت بقرطبة وأفتينا فيها، وفرأيت إثباتها هنا، وكان الناظر فيها ابن أدهم: يا سادتي وأوليائي، ومن أبقاهم الله وسلمهم، قام عندي أكرمكم الله بطاعته جعفر بن أحمد، بتقديم عبد الرحمن بن سوار إياه على النظر له، بعد أن أثبت عندي التقديم على محمد المذكور، طالبًا لأحمد بن عبد الله الذي كان وصي اليتيم محمد المذكور، مع محمد بن أحمد بن عافية قبله.
فذكر أنه استقر لليتيم محمد عنده من قراض، كان أبوه أحمد قارضه فيه ألفا مثقال؛ اثنان من ذهب قرمونية وأظهر إلي بذلك عقدًا تاريخه عقب المحرم سنة ثمان وخمسين وأربعمائة.
وسألني توقيف أحمد بن عبد الله على ما ذكره، وحضر مجلس نظري أحمد المذكور، فأقر به على حسب نصه، وتقيد إقراره بذلك عندي في أسفل العقد المذكور، وقال إنه دفع في ذلك دفعًا إلى محمد بن عافية؛ إذ كان ناظرين لمحمد المذكور وأنفق منه نفقات تقيدت له.
وسألني أن أبيح له إثبات ما دفع وأنفق منه، فأبحت له ذلك، فأظهر إلي عقودًا خمسة ثبتت عندي على حس نصها، تجمل له فيها ألف مثقال ومائتا مثقال؛ اثنتان وثمانية وعشرون مثقالا من الصفة المذكورة، وأعذرت فيما ثبت من ذلك إلى جعفر بن أحمد الناظر لليتيم المذكور، فلم يكن عنده مدفع فهي، ووقفه جعفر على السبعمائة والاثنين والسبعين مثقالا الباقية قبله من الألفين القراض.
فقال: إنهما تلفت بالخسارة في التجارة، وتقيد بقوله هذا، فعمل في طرة عقد القراض، ثبت عندي على نصه، وزعم أنه يبين ما ادعاه من ذلك، فأجلته أجالاً أظهر إلي في خلالها عقودًا ثبت عندي، بشهادة من قبلته وأعذرت فيها إلى جعفر، فقال: عنده ما يدفع به ما أثبته أحمد بن عبد الله، ويثبت عليه باقي مال القراض.
وأظهر إلي عقدين ثبتا عندي بشهادة شهدائهما، وأعذرت فيهما إلى المطلوب أحمد، فجاوب مما ترونه، وانقضت الآجال بينهما، ولم يكن لواحد منهما حجة غير ما أظهر إلي وأثبته عندي.
وقد أدرجت إليكم طي كتابين، تضمن نسخ جميع مقالهما وعقودهما، وما وق في
стр. 108
خلاله من تأجيل وغيره، فجاوبوني مأجورين والسلام.
فجاوب محمد بن فرج [سيدي] وولي من أيده الله بطاعته، تصفحت كتابك وما أدرجت طيه، والقراض عند أهل العلم على الأمانة، والمقارض مصدق فيما بدعيه من تلف أو خسارة ما لم يظهر كذبه، وبينه المقارض التي شهدت بنقصان المتاجر، واستحالة الصرف والخسارة في الأصبغة بسبب الفتنة – قطع الله مدتها – هي العاملة؛ إذ الحال تشهد لها ولا يلتفت إلى البينة التي ضادتها.
ولا يضر قوله عند ابن منظور ﵀ إن عندي سلعًا يبيعها إذا ادعى الخسارة (ب – ٣٠) والنقصان، لأنه قد يكون للتاجر سلعًا يقدر أن يبعها بثمن ما، ثم لا يبيعها بنصف ذلك أو تتلف من عنده، فالذي أراه أن يحلف المقارض أحمد، في مقطع الحق بالله الذي لا إله إلا هو، ما أكل من مال اليتيم الذي كان عنده قراضًا شيئًا، ولا تعدى فيه، ولقد تلف بالخسارة وكساد الأسواق، من غير تضييع، ولا تفريط ولا خيانة، وتسقط عنه السبعمائة والاثنان وسبعون مثقالا، فإن نكل غرمها وإن أمكن قطع هذه المسألة بالصلح فهو الصواب. حملنا الله على الصواب.
وجاوبت أنا سيدي ووليي قد نص مالك وأصحابه في غير ما موضع من أمهات كتبنا أن العامل في القراض أمين مصدق، في ضياعه وتلفه والخسارة. فيه، وفي صرفه، وفي صرفه إلى ربه، إن كان قبضه بغير بينة، مع يمينه على ذلك إن كان متهمًا، إلا في صرفه إلى ربه فإنه يحلف وإن كان غير منهم.
وقد روي عن مالك أيضًا أنه يحلف في دعوى الضياع، وإن كان أمينًا ثقة غير متهم، وهو كالوديعة في هذه الوجوه، وقد قال مالك أنه يصدق إذا ادعى أنه أنفق من مال نفسه في سفره مائة درهم ليرجع بها في القراض، وله ذلك وإن لم يكن في المال ربح، وإذا كان الأمر فيه عندهم على هذا، فالعامل أحمد مصدق مع يمينه في مقطع الحق، على ما زعم في الوضيعة في تجارته بهذا المال، وأنه ما خان اليتيم في شيء منه، ويبرأ في ذلك الناقص من رأس المال، إذ لم يشهد عليه بما يوقن به أنه اختان هذا الناقص ولم يوضح فيه، ولو كانت الشهادة متظاهرة قاطعة، بأنه لم يوضع أحد في صناعته ومتجره ذلك مثل تلك الوضيعة التي ادعى هو أنه وضع فيه، لوجب الغرم عليه.
هكذا ذكره بعض الشيوخ، وينبغي ألا يحلف اليمين المذكورة إلا بعد الإعذار إلى
стр. 109
محمد بين عافية فيها، أو في بعضها، فربما تكررت عليه اليمين في ذلك مرة أخرى، أو يأتي محمد بن عافية بما يجب عليه فيه الغرم.
وإذا حلف أحمد هذه اليمين واقتضاها طالبه جعفر، وثبت ذلك، سجت بجميعه سجلاً يكون على نسخ، ليكون بيد الحالف منه نسخة ويد الطالب أخرى، سوى التي تكون في الديون إن شاء الله.
ومن أحكام ابن زياد في شهادات مختلفة في وصية:
فهمنا وفق الله القاضي ما أردت، من معرفة رأينا في الشهادات التي وقعت على وصية سيدة، وقرأناها، [فرأيت] شهادة لا تثبت بها الصوية، لقول الشاهد الواحد إنه لا يعرف هذه المشهدة له؛ لا بعينها ولا باسمها ولا رآها قبل ذلك في علمه، وانتهى إليه أنها توفيت، وشهد الشاهدان بمثل ذلك إلا أنهما عرفاها يومئذ بمن عرفهما بها، ممن لم يشكا في صدقه، وكشف القاضي إياهما عمن عرفهما بها، إذ لزمه كشفهما، فقالا: لا نذكر من عرفنا بها، وقول أحد الشاهدين إني لم أشك في ذلك الوقت في صدق من عرفني بها، وإنها توفت، فإن لم تشهد بغير هذه الشهادات لم تثبت الوصية، ولم تصح. قاله أيوب بن سليمان.
وقال محمد بن غالب بمثله وقال: أنا أحد الشهود ومثل شهادتي لا يثبت بها شيء؛ لجهلي بالمرأة حين كتبت شهادتي، ولو ذكرت ن عرفني بها لكن في الشهادة رد على كل حال.
وقال بمثله سعد بن معاذ، وعبيد الله بن يحيى؛ قال: والشهادات غير تامة لغير وجه. وقال به محمد بن لبابة.
وصي سأل إخلاء دار عن حصة الوصي [ليبيعها]:
فهمنا وفق الله القاضي ما سأله محمد بن غالب، القائم على وصية ابن هارون، من إخراج أحمد بن هارون، عن الحصة التي أرزت محمد بن هارون، من الدر التي كانت مشتركة بينه وبين إخوانه، إذ ذكر ابن غالب الحصة التي متى أحب المبتاع النظر إليها حيل بينه وبين ذلك، فيدخل بذلك الضرر، فالذي نراه أن يخرج عنها، وتخلى للمعترضين والسوام بها، وتوضع على يدي من يعرضها، وهو الناظر في ذلك. قاله عبيد الله بن يحيى بن لبابة، وابن وليد.
стр. 110
وفي دين ووصية ووراثة وتعمير: ثبت وفقك الله دين شهد به على الموصية به، بشهادة نم قبلت، وثبت موت أسمونية وأنه ورثها أخوان: أحدهما حاضر قائم عندكن الثاني غائب لم يحضر ولا وكل على طلبه، وورث المصوية بدين أسمونية. من يثبت عند غيبته، بحيث (أ – ٣١) لا يبلغه الإعذار.
وثبت للموصية بالدين دار حدها الشهود، وثبت يمين ابن مسور أخي أسمونية احد وارثيها، في مقطع الحق بما وجب أن يحلف به، فلم يبق إلا الفصل بالقضاء له بنصيبه، ثم التوكيل على بيع الدار وأن يقضي الوكيل هذا القائم نصيبه من الدين.
فإن أمكن أن يباع من الدار قطيع لدين هذا القائم الحضار فهو أحسن من بيع الجميع؛ فقد يكون في ثمن الجميع أكثر من دينهما، فيقول الغائب إذ قدم: ما أطلب ما طلب أخي ولا لي في ذلك حق، فيكون القاضي قد باع دارًا على غائب في غير ما وجب عليه في البيع.
وإن لم يمكمن أن يباع منها قطيع لضيقها، بيع الجميع فقضي القائم بالدين نصيبه، فإن قدم الغائب فادعى ذلك الموقف حلف وصير إليه، وإن أنكره رجع ميراثًا عن أسمونية، ولابد من إرجاء الحجة للغائب وإرث عائشة. هذا الذي نقول به ونراه حقًا إن شاء الله، إلا أن تقوم الأخت للأب وتدعي أن أخاها الغائب توفي، أو مضي من عمره ما لا يعيش مثلها، ويثبت عينها فتصير هي الوارثة، إذا ثبت لها ذلك. قاله محمد بن غالب، وعبيد الله بن يحيى، وأبو صالح، وابن لبابة، وابن وليد وأحمد بن يحيى.
وقال غيره: اكشف رحمك الله ابن السمح ومثله من الشهود، فإن قالا: إن الغائب غائب بعد موت أخيه، فقد حجب الأخت للأب، وإن قالا قبل ذلك فاسألهما منذ كم غاب وابن كم غاب؟ فإن اجتمع في العددين ما ينقضي به التعمير في الوقت الذي ماتت فيه الأخت، فقد صارت هذه الحاضرة وارثة في كتاب الله .
قال القاضي: "وقع في هذه المسألة: إن قدم الغائب ولم يدع ما وقف له من الدين، رجع ميراثًا عن أمونية، ونبه في الحاشية عليه أنه كذلك كان في الأصل، وهو غلط، وإنما صوابه رجع ميراثًا عن المقرة به؛ وهي الموصية الأسمونية بدينها، ولم يذكروا في أخوي أسمونية؛ هل هما شقيقان، أم لأب وأم؟ فإن كان الشهود إنما شهدوا أن أخويها فانا والغائب ورثها، ولم يثبتوا كيفية الأخوة، فهي شهادة ناقصة".
стр. 111
وفي كتاب القضاء لمحمد بن عبد الحكم في هذا مسألة حسنة استوفاها، تركنا نقلها اختصارًا كراهة طول الكتاب، وكذلك تركنا ذكر التعمير الذي أبهمه أحدهم، وربما أتى ذكره في الكتاب إن شاء الله.
وفي بيع الوصي الأرض مساومة أو مناداة: - وفق الله القاضي – ما قال وكيله على بيع ثلث دار القريشي، وإنه أدخل ذلك المناداة وتردد بالهتف عليها في الأسواق وعند باب الجامع، ومنذ ستة أشهر، فبلغ ذلك عند من شرك الثلاث في الدار مائة مثقال، فالذي نقول به: إنه قد استنقص لينفذ ذلك فيما عهد لتنفيذه فيه. قاله عبيد الله، وأيوب بن سليمان، وابن لبابة.
وقال ابن بابة: سئل ابن القاسم عن بيع الأرض على يدي وصي مناداة أو مساومة، فقال: كل ذلك جائز إذا كان بيع سداد والشهادة بالسداد من الاجتهاد الذي ليس على البائع أكثر منه.
قال القاضي: هذه المسألة إنما هي من قول مالك، إلا أنها من رواية ابن القاسم عنه، فلو نسبها إليه لكان أولى بالصواب.
في نظر الوصي في صدقة على يتيم: فهمنا – وفق الله القاضي – ما أراد معرفته، مما يطالب به محمد بن عبيد عن محجوره عبد الملك بن محمد، ومحمد بن عبد الحرمن عن زوجة بتوكيلها إياه، في مال محمد المتوفي بقرية شحة، وما أثبت ابن عبيد من صدقة محمد عي ابنة عبد الملك، وما طلب من العقلة، فإن كانت بجميع مال محمد على ابنه فقد تمت الصدقة ولا حيازة عليه.
وإن كانت بأحقال بأعيانها فلابد لابن عبيد من إثبات حيازتها، والمال موروث عن محمد حتى تحوز البينة الأحقال المتصدق بها، ويعتقل المال حتى تثبت الأحقال، أو يعجز؛ فيقسم المال، وكذلك يوقف ابن عبيد ما اغتل، حتى يثبت العين المتصدق بها من الأحقال، وتوكيل ابن عبيد أم الغلام على الخصوم جائز. قاله ابن لبابة.
وقال أيوب بن سليمان: إن كان في كتاب الصدقة دليل على أنه بقي للمتصدق في القرية مال، وجبت الحيازة على ابن عبيد، وإن لم يكن فيه دليل فليس عليه حيازة.
стр. 112
وقال سعد بن معاذ: لا يوقف شيء من المال حتى تقوم البينة على الحيازة، لأنه قد يمكن أن يتصدق ببعض ماله ويبقى بعضه، والبينة في ذلك على صاحب الصدقة أنه جميع المال، إلا أن يكون (ب – ٣١) في كتاب الصدقة ما يدل على خلاف أنه لم يبق للمتصدق مال.
وقال ابن وليد وعبيد الله بمثل قول أيوب. وقال يحيى بن عبد العزيز بمثل قول ابن لبابة، ظهور الحق فيه عندي، والمال أبدًا مال الميت حتى تثبت الصدقة والأحقال بأعيانها وحيازتها، إلا أن تكون الصدقة بجميع ملك المتصدق؛ فلا حيازة حينئذ، والعقلة واجبة تلزمه حتى يثبت الصدقة والحيازة.
وقال محمد بن غالب بمثل قول ابن لبابة.
стр. 113
وصية بفداء من لا طالب له
سألت - وفقك الله - عن وصية عهد فيها الميت أن يفدي عنه من أسرى أهل الحرب من لا طالب له. فكان ذلك معضلاً وأحببت أن تعلم وجه النظر فيه، وكيف يتوصل إلى تنفيذ هذه الوصية، وهذا باب لا يتوصل إليه إلا بأن يكشف جماعة أهل السبي، الذين قد عرفت بهم أنهم ممن يختلف إلى أرض الحرب.
فإذا اجتمعت جماعتهم وكان منهم من رضيت هديه، ووقع في نفسك أنه يعلم ما شهد به فسموا لكل أقوامًا قد طال زمانهم في الأسر، بسبب فقدان الطالبين عنهم، عملت في تخليص هؤلاء، والله يكسبك ثوابهم، وينفلك الأجر فيهم، من غير أن ينقص ذلك من أجر الموصي، وإن تعذر هذا وعرفت في هذه الثغور من نثق به، عملت على إيصال ذلك إلى من يتولى النظر فيه إن شاء الله.
وفي مسائل القاضي ابن زرب: من طاع بمال أخرجه في فداء قوم معينين، فانطلقوا في جملة من انطلق قبل أن ينفذ المال في فدائهم، سأل القاضي من حضره عن ذلك؛ فقال بعضهم: ينفذه في فكاك غيرهم، كمن أخرج كسوة لمسكين يقف ببابه، فيخرج فيجد المسكين قد ذهب، يستحب له أن يعطي غيره، قال القاضي: ليس مثله ينصرف مال الفداء إلى صاحبه، إنما أخرجه لفداء قوم بأعيانهم، فلما استغنى عن ذلك رجع إليه.
قال القاضي: الدليل على صحة ما قاله القاضي ﵀، ما في سماع أصبغ من الجنائز: سمعت ابن القاسم يقول عن مالك، فيمن هلك فلم يكن له كفن، فطلب له في الناس فجمع له عشرون درهمًا، فكفنه رجل من عنده، وبقيت الدراهم فأراد غرماؤه أخذها أو ورثته، قال: ليس لهم ذلك وترد الدراهم إلى أهلها، قاله ابن القاسم، إلا أن يسلموها لورثته وأحب إلى لأصحابها أن يفعلوا.
وفي سماع ابن زيد عن ابن القاسم مثله. ومسألة المسكين في كتاب الصدقة والجامع والعارية لمالك كما تقدم، يعطيه غيره من المساكين، وما أراه عليه بواجب.
أوصى بثلثه في وجوه نصها فنفذت وبقيت منها وإذا نسي الشهود الوجوه التي أوصى بثلثه فيها.
قال القاضي أبو بكر بن زرب: من أوصى بثلثه أن يخرج عنه وينفذ ذلك في وجوه نصها، فنفذت وبقيت بعد ذلك من الثلث بقية، فإن تلك البقية تصرف على المساكين،
стр. 114
قال: وبلغني أن ابن أيمن كان يقول: تنصرف البقية ميراثًا، وقاله أيضًا غيره من شيوخ هذا البلد.
قال: ولو شهد أن رجلاً أوصى بثلثه في وجوه نسوها، إلا أنهم لا يشكون في إيصائه بثلثه لبطلت الوصية، ورجع الثلث ميراثًا إذا لم ينصوها، قال: ولو سجل قاض بثبوت وصية رجل عنده بثلثه في وجوه سماها الشهود، وأغفلها القاضي فلم يذكرها في سجله، ووقف الثلث ولم يوجد بعد ذلك من يحفظ الوجوه، فإنه يتأنى بالثل ما رجي بمعرفة تلك الوجوه، فإن أيس من معرفتها فرق في المساكين وفرق بين هذا الوجه والوجه الأول.
وسئل في المحرم سنة ثمان وسبعين وثلاثمائة عن رجل أوصى أن تعتق مملوكته وتعطي ثيابًا لها بأعيانها، ويعطي باقي ثلثه لبني ابنه، وينصرف ذلك ميراثًا، ثم ينفذ باقي ثلثه لبني ابنه وكان قد سئل عنها أبو عمر أ؛ مد بن عبد الملك الأشبيلي، فأفتى أن يخرج ثلثه لبني ابنه، ولا يخرج منه قيمة المملوكة ولا قيمة الثياب.
وعد بحجة على أجرة وفداء تسمة إلى أجل يبلغه: قام عندي – رحمكم الله – رجل تسمى بحكم على رجل تسمى محمد، وادعى عليه أنه أوجب له حجة بعدة معلومة، يحج بها عن رجل أوصى إلى محمد، على أن يعطيه، حكم ضامنًا بالعدة التي أوجبها (أ – ٣٢) له، على ما يجب في السنة أن يؤخذ به الضامن وقال إنه عجز عن ضامن يحضره، فلما بان له عجزه رد الحجة إلى غيره، وقال: حكم أوجب لي الحجة على أن أحج عن الذي استأجرني للحج عنه إلى أجل مسمى، على أن أرهنه داري، وثيقة لما يلحقني في تلك الأجرة، [في واجب] السنة.
موإني لما كسرت متاعي وتأهبت للخروج إلى الحج، وسألت محمدًا أن يأخذ الرهن، فقال: دفعت الحجة إلى غيرك؛ لأنه لم يكن في الدار كفاف للعدة التي أوجبتها لكل، وعجزت عن تمام وثيقة برهن تام أو حميل، وأنكر حكم أن يكون عجز عن إتمام الوثيقة.
فهمنا – وفقك الله – ما تنازع فيه الرجلان في الحجة وفي قول حكم أنه أوجب له الحجة على ما يجب في السنة، وهذا مختلف؛ لأن استئجار الحج على ثلاث أنواع: أجرة على البلاغ، وأجرة على غير ضمان، وأجرة مضمونة، وكل سنة.
فإذا لم تكن الحجة معقودة على نوع من هذه الأنواع، وإنما قال أوجب لي على ما
стр. 115
يجب؛ فلا تجوز هذه الأجرة وتفسخ. قاله ابن لبابة وجماعتهم.
وقالوا في الفداء: فهمنا – وفقك الله – الكتاب الذي فيه ضمان عبد الملك بن غيث عن قاسم بن حزم، للبغلة التي برئ بها إليها سلمة بن علي عن فدية سبية من سبايا المسلمين بدار الحرب وانقضاء الأجل لابن غيث في فديها، وقول ابن غيث أنها فديت، والواجب فيه أن على ابن غيث إثبات فدائها عندك، فإنه أثبته سقط الضمان، وإن لم يثبته أخذ به، ويضر له في ذلك أجل على قرب الموضع، وقال عبيد الله، وابن لبابة، ويحيى بن عبد العزيز، ومحمد بن وليد.
وفي مسائل ابن زرب: سئل عن السير يعامل الرجل على أنه يفتكه، كيف يعقد هذا؟
قال: يدفع إليه على أن يفتكه ويخرجه إلى أرض الإسلام، أو كيفما اشترط. قيل له: وكيف يجوز؟ أهو تسليف في فكاك، أم وكله ودفع إليه الدراهم ليفتك فيها الأسير؟ قال: ليس شيئًا من هذا، وهو شيء على حياله أجيز للضرورة.
وأما استئجار الحج، وذكر فيه أنه دفع إلى الذي استؤجر فيه لذلك ثلاثون دينارًا في بدنه سمينة؛ ليخرجها عن الموصي في الموسم الذي يقضي فيه احجة وكان انعقد أن يقضيها في سنة ثمانين، وإن قضاها في سنة تسع وسبعين فذلك قضاء عنه.
قيل له: أليس التسليف في البدنة مدخولاً إذ قلت أنه ينحرها في الموسم السنة التي يقضي فيها الحجة؟ فقال: ليس يحمل هذا محمل التسليف، وليس يقدر في هذه الأمور أكثر مما ترى وهي ضرورات.
وقال أبو عبد الله بن أبي زمنين في وثائقه بعد وثيقة استئجار الوصي للحج عن الميت: رأيت بعض الموثقين إذا كتب مثل هذه الوثيقة، يقول في آخر ما يكتب فيها: فإذا استكمل فلان هذه الحجة بجميع شرائعها ومناسكها، فالمال الذي دفع إليه سائغ له لا شرط عليه فيه، وإن عاقه عنها عائق، ففلان ضامن لما دفع إليه من المال، حتى يرده إلى أهله ليستأجروا به غيره، فيحج عن الميت من الموضع الذي أوصى به فيه.
قال: ورأيت بعضهم يكتب في مثل هذه الوثيقة: وإن حدث بفلان حدث منعه من الحج، فله أن يستأجر من يحج عنه ويقضي عنه تمام ما يبقي على فلان، وإن غفل عن ذلك أو لم يجد، فله في ذلك ما توجبه السنة.
стр. 116
ورأيت بعضهم إذا كتب مثل هذا قال فيه: فإذا استكمل فلان الحجة والعمرة، فقد قضى ما ضمن من ذلك والتزمه، ولا يقول: وإن عاقه عائق لزمه صرف المال، ولا له أن يستأجر من يحج عن الميت، ولا يقول: إن الوصي طاع له أنه إن لم يدرك الحج فقضاه بعد ذلك فهو قضاء عنه، على ما رسمته في الوثيقة.
والذي رسمه دفع فلان إلى فلان من مال الموصي فلان كذا وكذا دينارًا دراهم، على ما عهد به الموصي من إخراج هذه العدة، فيستأجر له بها من قد حج عن نفسه، يحج عنه حجة الفريضة، ثم يعتمر عنه عبد انقضاء الحجة، وقبض فلان هذه العدة من الموصي فلان، وأبرأه منها، ووجب بذلك عليه أن يحج عن فلان، من موضع كذا لحجة مفردة تامة من ذي الحليفة في موسم سنة كذا، ثم يعتمر عنه بعد انقضائها من الحل، وبعد خروج أيام التشريق كلها، عمرة كاملة بسنتها.
ذلك لازم لفلان مضمون عليه في ماله، يفع له فيه فعل الحاج المجتهد، فإذا تمت الحجة وكملت العمرة، فقد قضى فلان ما ضمن من ذلك واستؤجر له، وإن عاقه عن هذه الحجة والعمرة عائق، فلم يدركها في الموسم الثاني، حملا في ذلك على ما توجبه السنة إن شاء الله (ب ٣٢).
قال: وهذا الذي رسمته فها كذلك كان أكثر مشايخنا بالأندلس يكتبونه.
وقال ابن الهندي في وثائقه: وفسخ له بعد انعقاد الإجارة وكمالها إن قضاها في موسم سنة كذا لعام قبل العام المذكور، فذلك قضاء عنه، قال: وهذا هو الجائز وإن قال إنه إن قضاها في موسم سنة كذا لعام بعدهن لم يجز لأنه فسخ دين في دين، وهو نحو ما تقدم عن القاضي ابن زرب، وكذلك في وثائق ابن العطار، وهو خلاف ما عقده ابن أبي زمنين، وقال: وكذلك كان أكثر مشايخنا يكتبونه.
وفي كتاب الشروط لابن حارث عقد في ذلك عن أبي سلمة فضل بن سلمة، عامل فلان بن فلان، وصى فلان فلانًا على حجة الفرض عن الموصي فلان، حجة مضمونة على فلان، عاش أو مات ذلك مضمون عليه في ذمته، وماله، وأكمل العقد.
ثم قال في فقه الاستئجار: على ثلاثة أوجه:
إن جعلته مضمونًا على قابض الذهب عاش أو مات، لم يصلح أن يقول استأجره على أن يحج هو نفسه عن الميت؛ لأنه لا يكون عمل مضمون على رجل بعينه، وهو
стр. 117
مذهب أصحاب مالك.
ثم قال سلمة بعد كلام اختصرته: وإن شئت قلت في الوثيقة قبل هذا: ومما طاع به الوصي على وجه النظر منه لمن عهد إليه، بعد عقد الوصية المذكورة في هذا الكتاب، من الحجة المخلصة والعمرة، إن عاق من إنشاء هذه الحجة عن فلان عائق في السنة المشتركة، إن أباح له الحج في السنة التي تليها، على ما قد وقعت المعاملة؛ كمن سلف في شيء معلوم إلى أجل مسمى، ثم طاع له بعد تمام العقد أن دفعته إلى عام ثان إن أعسرت جاز، ولو كان في العقد لم يجز؛ لأنه خطر.
ثم قال: وأما الاستئجار إذا لم يكن مضمونًا، فنقول في الوثيقة: دفع فلان وصي فلان من ماله إلى فلان كذا وكذا مثقالاً، برئ بها إليها على أن يحج عن فلان بنفسه، حجة مفردة في سنة كذا، وأكمل العقد، وذكر فقها اختصرًا أيضًا.
ثم قال: إن الوجه الثالث في الاستئجار في الحج البلاغ ووصفه.
وهذا الذي حكاه ابن حارث عن سلمة بن فضل، هو نحو الذي ذكر ابن أبي زمنين، وشرح مقاصدهم والتنبيه على ألفاظهم يطول، وحسبنا الإشارة إلى ذلك ومن أراد استيعاب المعاني تأملها في الأصول.
وقال ابن العطار: أمور الاستئجار في الحج وعقوده شاذة خارجة عن الأصول، وقد قيل: الاستئجار في الحج على وجهين، وإليه ذهب ابن حبيب في الواضحة، وهي الإجارة والبلاغ، وذهب بعض المتأخرين إلى أنه معنى ما في المدونة، وقيل: يتخرج منها أنه على ثلاثة أوجه، والوجه الثالث: الحج المضمون، وهو الصحيح عندي، وقد تقدم مثله.
مسالة وصية ابن الصديني، نزلت بقرطبة واختلفت فيها شيوخنا وهي تشتمل على معان وعلم كثير، والعلم نور تحويه الصدور، عهد ابن الصديني أن تخرج عنه ثلثه، فيفرق بعضه على أعيان، وباقيه لأم ولده سوان، يجعل لها ذلك في دار سكناه التي يداخل مدينة قرطبة.
وأقر لرجل بمائتي مثقال، وعهد أن يصدق فيها وتدفع إليه، دون يمين تلزمه، وجعل النظر فيه إلى أم ولده سلوان، وإلى الفقيه محمد بن أبي زعيل، وشرط عليهما مشورة الوزير محمد ابن جهور، وأن لا يفصلا في شيء من ذلك، إلا عن رأيه، وورثته ابنته وأخته عائشة.
стр. 118
فنظر الوصيان في ذلك، ونفذ الثلث، وأظهر بالتنفيذ عقدًا لم يجر للوزير ابن جمهور فيه تبؤ ولا غيره، ونفذت سلوان بقية الثلث في الدار المذكورة، لنفسها مع شريكها في النظر، ودفعها إلى المقر له المائتي مثقال دون يمين، ودون أن يصالح بشيء.
فقدم وكيل الأخت فاعترض في ذلك كله ودعا إلى ما توجبه السنة، وسال أن يسمى له ممن بيعت التركة، إذ قال: إن سلوان والابنة ضمتا أكثرها بما أحبتا، واعترض في المائتي مثقال المدفوعتين بغير يمين، وكشفت الابنة وسلوان بكشوف، وكشفت الابنة وكيل الأخت بكشوف، وانعقدت بينهما مقالات، وادعت سلوان أنها باعت ثيابًا في جملة التنفيذ، على الجهل منها بذلك.
فاشور فيها أبو علي حسن ابن ذكوان القاضي القهاء.
فأجاب محمد بن عتاب: تصفحت أكرمك الله وإيانا ما خاطبتنا به، وإنفاذ الأمور على حقائقها وواجبها (أ – ٣٣) متعذر، فإن أمكن حسم هذا الأمر بصلح، فذلك حسن إن شاء الله، وإن كان لابد من بلوغ حقيقة الأمر في ذلك، فيجب إكمال ما بقي من النظر في ذلك؛ بأن يوقف وكيل سلوان والفقيه، وإن كان التنفيذ نفذ عن مشورة الوزير المشترط مشورته؛ إذ لم يذكر في التنفيذ أن ذلك عن إذنه ورأيه.
ولا يصلح الجواب إلا بعد الوقوف على ما يقوله الوكيل، وثبته أن ادعاه، فما ثبت في ذلك أعدت الشورى ونفذ الجواب، بتوفيق الله على حسب ذلك، وهذا ما يقي من أحكام المسألة وتخليصها إن شاء الله قاله محمد بن عتاب.
ثم أعاد القاضي أبو علي الشورى في ذلك، وذكر أنه ثبت عنده بشهادة رجلين سماهما، أن الوزير أشهدهما في تاريخ إعادة الشورى، أنه كان تبرا من المشورة حين وفاة الموصي.
فأجابه ابن عتاب بجواب نسخته بعد الصدر: إذ قد ثبت عندك التبري المذكور، فتنظر في ذلك بحسب اجتهادك، فإن رأيت التقديم للمشورة قدمت، وإن رأيت إسقاطها عن الناظرين في العهد أسقطت، ثم تستأنف النظر في العهد؛ إذ لا يصلح شيء مما فعلاه قبل ذلك، وذلك كله مردود غير نافذ، وما كان من بيع وغيره، إلا ما نفذ للمساكين أو الأعيان.
ولا ينفذ لسلوان ما نفذته لنفسها مع من شكرها في النظر، ولا يكون ذلك كله إلا
стр. 119
بعد استئناف نظر وتقديم، ولا يجب لها سكنى الدار، وتوقيفها واجب إلى أن ينفذ النظر، ومن أقر له المريض بدين، فلا يقبضه إلا بعد أن يحلف بما يجب عليه، وإن صدقه الموصي، فلا ينتفع بذلك ولا يصدق، وسلوان فيما زعمت أنها باعت من ثيابها على الجهل بها مدعية، ولا تعذر بذلك.
وكشف من صار إليه شيء من التركة لازم ليوقف بذلك على بقائه عنده أو فوته، وما ذهبت إليه سلوان وابنتها بالتزام أصل المتوفي، بالعدد الذي ذكره عنهما في المائتي مثقال المدفوعتين بغير يمين، وكشفت الابنة وسلوان بكشوف، وكشفت الابنة وكيل الأخت بكشوف، وانعقدت بينهما مقالات وادعت سلوان أنها باعت ثيابًا من ثيابها في جملة التنفيذ، على الجهل منها بذلك.
فاشور فيها أبو علي حسن ابن ذكوان القاضي القهاء.
فأجاب محمد بن عتاب: تصفحت أكرمك الله وإيانا ما خاطبتنا به، وإنفاذ الأمور على حقائقها وواجبها (أ – ٣٣) متعذر، فإن أمكن حسم هذا الأمر [بصلح، فذلك] حسن إن شاء الله، وإن كان لابد من بلوغ حقيقة الأمر في ذلك، فيجب إكمال ما بقي من النظر في ذلك؛ بأن يوقف وكيل سلوان والفقيه، إن كان التنفيذ نفذ عن مشورة الوزير المشترط مشورته؛ إذ لم يذكر في التنفيذ أن ذلك عن إذنه ورأيه.
ولا يصلح الجواب إلا بعد الوقوف على ما يقوله الوكيل، وثبته أن ادعاه، فما ثبت في ذلك أعدت الشورى ونفذ الجواب، بتوفيق الله على حسب ذلك، وهذا ما يقي من أحكام المسألة وتخليصها إن شاء الله. قاله محمد بن عتاب.
ثم أعاد القاضي أبو علي الشورى في ذلك، وذكر أنه ثبت عنده بشهادة رجلين سماهما، أن الوزير أشهدهما في تاريخ إعادة الشورى، أنه كان تبرا من المشورة حين وفاة الموصي.
فأجابه ابن عتاب بجواب نسخته بعد الصدر: إذ قد ثبت عندك التبري المذكور، فتنظر في ذلك بحسب اجتهادك، فإن رأيت التقديم للمشورة قدمت، وإن رأيت إسقاطها عن الناظرين في العهد أسقطت، ثم تستأنف النظر في العهد؛ إذ لا يصلح شيء مما فعلاه قبل ذلك، وذلك كله مردود غير نافذ، وما كان من بيع وغيره، إلا ما نفذ للمساكين أو الأعيان.
стр. 120
ولا ينفذ لسلوان ما نفذته لنفسها مع من شكرها في النظر، ولا يكون ذلك كله إلا بعد استئناف نظر وتقديم، ولا يجب لها سكنى الدار، وتوقيفها واجب إلى أن ينفذ النظر، ومن أقر له المريض بدين، فلا يقبضه إلا بعد أن يحلف بما يجب عليه، وإن صدقه الموصي، فلا ينتفع بذلك ولا يصدق، وسلوان فيما زعمت أنها باعت من ثيابها على الجهل بها مدعية، ولا تعذر بذلك.
وكشف من صار إليه شيء من التركة لازم ليوقف بذلك على بقائه عنده أو فوته، وما ذهبت إليه سلوان وابنتها بالتزام أصل المتوفي، بالعدد الذي ذكره عنهما في المائتي مثقال المدفوعتين بغير يمين، وكشفت الابنة وسلوان بكشوف، وكشفت الابنة وكيل الأخت بكشوف، وانعقدت بينهما مقالات وادعت سلوان أنها باعت ثيابًا من ثيابها في جملة التنفيذ، على الجهل منها بذلك.
فقد أحكمت السنة أن البينة على المدعي واليمين على المدعي عليه؛ فمن أقام منهما بينة قضى له بها بعد الإعذار، فإن لم تكن بينة لزمت اليمين المدعى عليه، وله صرفها أن أحب.
وهذا قول أئمتنا المتقدمين، لا أعلم بينهم فيه خلافًا، قاله محمد بن عتاب.
وجاوب أبو بكر يحيى بن القاضي أبي بكر محمد بن بقي بن زرب بإثر هذا الجواب: هذا الجواب صحيح وبه أقول وهو الحق إن شاء اللهز قاله ابن زرب.
وجاوب أحمد بن محمد بن القطان: قرأت – أكرمك الله – ما خاطبتنا به ووقفت عليه، وعلى مادعي إليه أحمد بن سعيد وكيل عائشة، في البطاقة المدرجة إلينا.
فأما ما ذكرته من أمر المشورة في كتاب العهد، الذي، لم يشهد بشرط العاهد فيها إلا شاهد واحد، وثبت ذلك عندك نم قول الوزير في ذلك، فانفراد من أوصى ليه في العهد جائز، على ما قاله مالك في رواية أشهب عنه في المستخرجة.
ذكر ذلك في وصيين، عزل أحدهما لحالة أوجبت ذلك، فسئل مالك: هل يدخل مع الباقي أحد؟ فقال: نعم، إن مكان أمر يخاف ألا يقوى عليه وحده، وإن كان أمرًا يقوي عليه وحده لم يدخل عليه أحد.
وفي كتاب ابن المواز: قال مالك: وإذا مات أحد الوصيين عن غير وصية فأراد القاضي أن يجعل مع الباقي غيره، إما لحاج إلى معين لكثرة ما يلي، وإما لأنه ليس بالبين
стр. 121
في العدالة، فعل، وإلا لم أر أن يجعل له معه أحدًا في موضع الغابر.
وفي موضع آخر قال مالك: إذا عزل أحد الوصيين لخيانة، فلا يجعل مع الآخر غيره إلا أن يضعف، وروي علي بن زياد عن مالك أن القاضي يجعل مع الباقي غيره، ومال إليه سحنون، ورواية علي عندي محتملة، والذي تقدم نم قول مالك: المتكرر مكشوف، أنه لا يقدم مع الباقي غيره إلا على الشرط المذكور، ولا يحتاج مع ذلك إلى تأويل.
ووقع في أحكام ابن زياد ما يدل على الأخذ بقول مالك، الذي قال في المستخرجة وكتاب ابن المواز، وإن قال الوزير وفقعه الله أنه تبرا من المشورة التي عل إليه أحمد بن رباعة عند وفاته فهو المصدق في ذلك، وهو محمول على التبري الذي ذكره؛ إذ لو قال إن ذلك كان عن رأيه وإجازته؛ لكان ذلك ما جلبت، من قول مالك المذكور المكشوف عن ما وصفت.
وأما أمر التصديق، الذي ذكره الموصي في كتاب عهده دون يمين، فوقع في سماع عيسى عن مالك، في الرجل (ب – ٣٣) يوصي بدين عليه، فيقول: كنت أداين فلانًا وفلانًا، فما ادعوا قبلي، فهم مصدقون أن ذلك لهم بلا يمين على ما ادعوا.
والمسالة التي شاورت فيها أبعد إيجاب اليمين؛ لأن الميت قد حد الدين فيها، ولم يحد في المسألة التي وقعت في سماع عيسى، وأما ما دفع من دين عن المتوفي ولم يثبت الدين، أو ثبت ولم يحلف ربه ولم يشترط تصديقه، فالدافع ضامن لذلك إلا أن يجيز ذلك بعض الورثة أن شاء الله، قاله أحمد بن محمد.
ثم عزل القاضي أبو علي قبل أن يحكم في ذلك، وولي بعده أحكام القضاء أبو بكر يحي بن زرب، فأعاد السؤال في ذلك علي ابن عتاب، فكتب إليه: - أكرمك الله ووفقك – عن الذي أعتقده فيما تقدم من جوابي، إن كنت إنما خاطبت به غيرك، والذي جاوبت به وقلته هو الحق الذي لاشك فيه، ولا سبيل إلى العدول عنه؛ إذ هو قول الأئمة السالفين، ومنهاج القضاة الماضيين.
ولم أنفذ جوابي إلا بعد وقوفي – بحمد الله وفضله – على ما قاله في ذلك السلف، واتبعهم عليه الخلف ﵃، وعلى استنباطه من كتاب الله وسنة نبيه محمد ﷺ ، وعلى ما وقع في كتبنا العتيبة والموازية وغيرهما، والذي وقع فيها هو الذي جاوبت به.
стр. 122
قال في كتاب ابن المواز: ومن أوصى إلى رجلين فمات أحدهما عن غير وصية، فالقاضي ينظر في ذلك، فتأمل هذا اللفظ وقف عليه، فهو نص ما جاوبت به، ثم قال في تمام المسألة: فإن رأي التشريك معه فعل، وإن رأى أن يفرده أفرده، وهذا هو الذي قلته. وسبب المشاورة في الوصية كسب الوصي أو أقوى منه.
وفي أثر هذه المسألة قال مالك في أحد الوصيين تتبين منه خيانة: أنه يطرح الخائن منهما ويخرج من الوصية، ولا يدخل على الآخر في الوصية معه أحد سواه، إلا أن يكون يضعف عنها يجعل معه غيره مكان الذي طرح، هذا نص المسألة، وهو إذا طرح الخائن ولم يجعل معه غيره فقد أفرد الباقي لا محالة؛ إذ لا جائز أن يطرده فيبقى نظره.
وفي المستخرجة: سئل مالك عن يتيم له وصيان قبل أحدهما له ثلاثون دينارًا قد تقاس بها وأمكن عن نفسه، وقال: اسجنوني، فاعترض السائل بمسألة عن كراء منزل لليتيم، فأجاب مالك عنه.
ثم رجع إلى السؤال الأول فقال: أرأيت المقتطع لهذه الثلاثين دينارًا يخرج من الوصية؟ قال: نعم أرى أن يخرج منها إذا وجد من يدخله مكانه من أهل الثقة، مع الوصي الباقي.
فقيل: أرأيت إن كان الوصي الباقي ثقة يدخلون معه؟ قال: نعم إن كان أمرًا يخاف ألا يقدر عليه وحده، وإن كان أمرًا يقوى عليه ولم يدخل عليه أحد.
هذا نص هذه المسائل في الأمهات، وبنصها يوقف عليها، وأنشد صاحب كتاب العين: ونص الحديث على أهله فإن الوثيقة في نصه فهذا مذهب مالك في هذه الكتب، وقال في المجموعة: إن القاضي يجعل مكان الباقي غيره.
وجميع هذه النصوص إنما عرف مالك فيها القاضي ما يفعله وما ينظر؛ مما يصح به النظر لمن يفرده أو يشرك معه، وليس في شيء منها أنه لا يحتاج الباقي من الوصيين أن يدفع ذلك إلى القاضي، وإلا أن نظره وحده نظر جائز نافذ، وبهذا كانت تقوم الحجة لو كان ذلك فيها. لقد أعاذ الله مالكًا من ذلك وعصمه.
بل له في غير هذه الكتب. قال: لا يجوز لأحد الوصيين أن يبيع شيئًا من مال الميت ولا يزوج بناته دون صاحبه، وهذا نص من قوله في المسألة بعينها يغني عن كل تأويل فيها.
стр. 123
وقال ابن القاسم في الوصيين؛ يكون بين الميت وبين رجل خصومه: لا يجوز أن يخاصمه أحدهما إلا بإذن صاحبه، وهذا أيضًا نص لابن القاسم، وما قلته في التصديق هو الذي جرى به العمل عندنا، وجاءت به الرواية منصوصة في كتبنا، من ذلك ما قاله ابن لبابة في منتخبه.
قال ابن القاسم: من عهد فقال: داينت فلانًا وفلانًا وفلانًا فما ادعوا على فهم مصدقون، إن ذلك هلم بلا يمين يستحلفون بها، قال محمد: وقد قال إن الحق لغير الميت فاليمين عليهم، وبهذه الرواية (أ – ٣٤) الأخيرة جرى العمل وهو الصحيح؛ لأن الميت أراد إسقاط اليمين التي توجبها السنة، وأن يلزم الورثة ما لم يلزمهم في مال قد انتقل ملكه إليهم، وزال عن المتوفي ملكه والتصرف فيه.
وقد اختلف قول مالك في شرط التصديق الذي يلزم نفسه التصديق، فله في ذلكأقول، منها: أن الشرط ساقط، فهو إذا أسقطه في الذي يوجبه على نفسه ويلزمه إياها، فهو أولى بالسقوط فيمن يريد أن يلزمه ورثته.
ومسالة ابن القاسم المتقدمة محتملة أن تكون من غير هذا الأصل، وأن يكون الميت كانت بينه وبين من أوصى بتصديقه ملابسة لا يقف على مبلغها، فأراد التنحي منها بتصديقهم فيها، وهذا أصل ثاني اختلف فيه أصحاب مالك، فاعلمه.
ومن الأدب المأمور به، والإنصاف اللازم لمن أخذ به، أن احتج بقول قد اختلفت فيه الرواية عن مالك وعن أصحابه؛ فاحتج بأحديهما؛ أن يذكر الأخرى؛ لئلا يوهم من سمع الواحدة أنه لا اختلاف فيها، ولا سميا ما يخاطب به الحكام، إلا أن يكون لم يعلم بها فيعذر بجهالته.
والله أسأله أني سلك بنا سبيل الإنصاف، وأن يحبب إلينا الائتلاف، ويكره إلينا الاختلاف، بمنه وفضله. قاله ابن عتاب.
فنفذ القاضي ابن زرب الحكم بهذا، ثم سأل الشيخ أبا عبد الله بعض أصحابه عن بيان ما ذكره في جوابه عن موضع استنباطه، فأملى: سألتم – أرشدكم الله إلى التمسك بكتابه وسنة نبيه محمد ﷺ ، والاعتصام بحبله – عن بيان ما ذكرته في جوابي وموضع استباطه من كتاب الله ، والذي قلته أنه لا ينفذ فعل أحد الوصيين دون صاحبه أو دون مشاورة إن كان ثم مشاور، هو قول مالك جاءت به الرواية عنه، على ما ذكرته
стр. 124
في جوابي المتقدم.
وأحفظ لمالك مثل ذلك في مسألة لم يحضرني ذكرها في حين جوابي، ولا قول القائل مع نص الرواية، ولو لم يأت بذلك رواية، ما توجه الاختلاف فيها على مذهب مالك وأصحابه هو له؛ لأن في قوله المشهور ومذهبه المعروف، أن من فوض إلى رجلين أمرًا، فإنه لا يصح فعل أحدهما منفردًا إلا باجتماعهما.
من ذلك ما في المدونة: قال مالك في رجلين فوض إليهما رجل أمر امرأته فقال: قد جعلت أمر امرأتي بأيديكما تطالقاها، فطلقها أحدهما دون صاحبه، قال مالك: لا يلزمه ذلك.
قيل لابن القاسم: أرأيت إن جعل عتق جاريته بيد رجلين، فأعتق أحدهما دون صاحبه؟ قال: إن كان ملكهما جميعًا فلا يجوز، وإن كانا رسولين جاز ذلك عند مالك.
قال سحنون: وكذلك قال أشهب وغيره من كبار أصحاب مالك، في تمليك العتق إذا ملكها أمرها فيه أو في الطلاق ورجلا معها، أو ملك رجلين سواها في العتق، فأعتق أحدهما وأبى الآخر أن يعتق، فلا عتق لها حتى يجتمعا جميعًا عليه؛ لأن إلى كل واحد منهما ما إلى صاحبه، فكذلك هي إذا كانت بينهما، فهذا قول مالك وأصحابه.
والدليل على صحة قولهم: قول الله ﵎ في الحكمين: ﴿وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكمًا من أهله وحكمًا من أهلها إن يريدا إصلاحًا﴾ فأجمع الجميع أنه لا ينفذ فعل واحد منهما مع انفراده إلا باجتماعهما، قال تعالى: ﴿يحكم به ذوا عدل منكم﴾، وأجمعوا أنه لا يصح في ذلك حكم لأحدهما دون الآخر. وهذا من النص الجلي.
وإذا لم يصح حكم المنفرد منهما فكذلك الوصيان أو الأوصياء أو الوكيلان أو الوكلاء وما كان في معناه، فلا فرق في ذلك والدلالة من السنة قول النبي ﷺ لمعاذ وأبي موسى حين بعهما إلى اليمن "يسرا ولا تعسرا ويبشرا ولا تنفرا، وتطاوعا ولا تخلفا"، وفي هذا دليل لمن تأمله.
ورسم البخاري في كتابه: أمر الوالي إذا وجه أمرين أن يتطاوعا ولا يتعاصيا، وفي هذا الخبر في بعض رواياته: أن معاذًا سار إلى أبي موسى فوجده وقد اجتمع إليه الناس، وإذا رجل عنده قد جمعت يداه إلى عنقه، فقال له معاذ: يا عبد الله بن قيس، ما إثم هذا؟ قال: هذا رجل كفر بعد إسلامه فقال: لا أنزل حتى يقتل، فقال: إنما جيء به ليقتل،
стр. 125
فأنزل، قال: ما أنزل حتى يقتل، فأمر به فقتل، ثمن نزل. من صحيح مسلم.
ويدل على ذلك من إجماع الصحابة أن علي بن أبي طالب ومعاوية ﵄، لما حكما فاختلف الحكمان بقي الأمر بعد اختلافهما على ما كان عليه قبل ذلك، فأجمع من كان مع الفريقين من الصحابة ومن غاب عنهما منهم على ذلك، وهذا من أين دليل.
وما ذكرت أنه من فعل القضاة السالفين؛ فإنهم لم يزالوا (ب - ٣٤) يشترطون في التقديم على المحجور واليتيم ألا يبيع المقدم لهم شيئًا من أصولهم إلا عن رأي قاضي موضع كذا، ولم يحفظ عن أحد من الفقهاء أنه فرض هذا الشرط، وقال إنه غير لازم، وأن للمقدم البيع دون مشورة المشترط مشورته، وإن كان المشترط مشورته قد مات أو عزل، في بعض ما ذكرنا ما يزغ من خالف في ذلك، وذهب إلى غير رواية ولا حجة لازمة، وأنشد ابن الأعرابي:
وتدبر الأمر الذي تفتي بهذ ... لا خير في فقه بغير تدبر
ذهب الرجل المقتدي بفالهم ... والمنكرون لكل أمر منكر
وكتب بها إلى أبي عمر أحمد بن رشيق فقيه المريه مختبرًا، وكلفته ذكر الروايات لاستدل بذلك على حفظه، فجاوب: إذا أقر الذي ذكر الميت أن عليه مائتي دينار دينًا أنه قبضها أو قامت عليه بينة، فلا يضر ترك مشورة المشرف، ولا يمين على المقر له بالمائتين، ويكون من رأس المال، إذا لم يتهم في إقراره، ولم تصح ريبة في ذلك عليه.
وأما ما نفذوا من الوصية عن غير أمر المشرف، فإذا كان الموصي لهم معينين، وأقروا بقبض ذلك أو قامت عليهم به بينة، فلا تباعة على الأوصياء، وإن كانت الوصية على المساكين ولم يوجد السبيل إلى ردها فهم ضامنون؛ أعني الأوصياء لما نفذوا من ذلك، وسواء التزم المشرف الإشراف أو لم يلتزم.
وما سألتني أن أنسب القول إلى قائله فلست أتلزم ذلك ولا أقوله، وإنما أفتي بما يصح في نظري، وما تقوم عليه حجتي، إن دفعني عنه دافع إن شاء الله. قاله أحمد بن رشيق.
стр. 126
قال القاضي:
هذا الجواب ناقص، وكذلك جواب أبي عمر بن القطان ناقص عما تضمنه السؤال، والشيخ أبو عبد الله، قد فاز فيه بفضيلة الصواب، وحاز فيه قصب السبق في الاستيعاب.
وتفريق ابن رشيق بين المعينين والمساكين لا معنى له، وجوابه يعطي أن الوصية إن كانت للمساكين ضمن الأوصياء وإن قامت بينة على تنفيذ الوصية فيهم، وهذا من لحن الفقه وخطئه، ولو اختلف حكم المعينين والمساكين المجهولين في ذلك، لكان الصواب في عكس الجواب أن يضن الأوصياء في المعينين ولا يضمنوا في المجهولين؛ لأن مالكًا قال في كتاب الشهادات وغيره من المدونة فيمن بعث بمال إلى رجل بعينه صلة أو هبة أو صدقة، فقال: المبعوث معه بالمال قد دفعته إلى المبعوث إليه وكذبه المبعوث على الرسول البينة وإلا غرم.
قال ابن القاسم: ولو قال له: تصدق بها على المساكين، زاد في كتاب الوديعة: ويحلف؛ يريد إن كان متهمًا فالغرم إنما يلزم المأمور عند مالك في المعينين إذا أنكروا ولم تقم بينه، وأما في المجهولين فلا غرم عليه فيهم.
والصواب في مسألة الأوصياء إذا ثبت التنفيذ لا شيء عليهم، وإن تركوا مشاورة المشترط مشاورته كانت الوصية لمعينين أو مجهولين.
وكذلك في جواب أبي عبد الله وقول ابن رشيق: إن كانت الوصية لمساكين ولم يمكن ردها فالوصياء ضامنون، مقال غير معقول وكلام لم يصحبه تحصيل، وهو أدخل في الهذيان منه في البيان.
وما ذنب المساكين إذا كانت الوصية لهم في أخذها منهم، وقد أعطوا واجبهم، وليس يمكن ردها منهم ووجب إلا بأحد وجهيهن؛ إما بينة تشهد عليهم بقبضها أو بإقرارهم بأخذها وإذا كان أحد هذين الوجهين تسقط التبعة عن الأوصياء ولم يكن سبيل إلى تغريمهم إياها لوصولها إلى أهلها ومستحقها، إلا أنه في الإقرار يشهد عليهم بإقرارهم وتنفيذ ذلك لهم، والله أعلم.
ووقع في كتاب الشيخ أبي عبد الله الإشارة إلى روايات لم ينصها ولا ذلك مواضعها، فرأيت ذكرها واكتتابها هنا، إذ هو من كمال هذه المسالة وتمامها فأما المسألة
стр. 127
التي احتج بها أبو عمر في إعمال التصديق بلا يمين في المقر له بالدين والموصي بتصديقه فيه، فهي في رسم البز من سماع ابن القاسم في كتاب الوصايا، و [في سماعه] في سم تأخير العشاء.
من كتاب التفليس:
سئل مالك عن رجل أوصى في مرضه أن لفلان عليه أربعين دينارًا وأوصى مع ذلك أنه مصدق فيما قال، فادعى الرجل أن له عليه خمسين دينارًا، قال: أرى أن يحلف ويأخذ خمسين دينارًا.
وفي هذا الكتاب في سماع عيسى قال ابن القاسم: سألت مالكًا عمن يوصي بوصايا، ويقول: من جاء يدعي قبلي من دينار إلى عشرين دينارًا فاقضوه بغير بينة، قال: تكون العشرون من رأس المال ولا يزاد من ماله على عشرين دينارًا لمن جاء يدعي قبله بأكثر منها.
ولكن لو ادعى رجل عشرة وآخر خمسة عشر، وادعى قبله من نحو هذا العدد حتى بلغت أكثر من مائة، تحاصوا في العشرين دينارًا على قدر ما ادعى كل واحد منهم أدنى من عشرين دينارًا. قال ابن القاسم: ومن ادعى أكثر من عشرين فلا شيء له، والدين الذي تكون عليه بينة مبدي على العشرين دينارًا. قال مالك: ولا يعجل في أمر العشرين حتى يستقصى أمر المدعين ويستتر بهذا الأمر ولا يشاع.
وفي سماع محمد بن خالد عن ابن القاسم عن مالك فيمن حضرته الوفاة فقال عند موته: إني قد كنت لابست الناس ووقعت بيني وبينهم ديون، فمن جاءكم يدعي قبلي من دينار إلى خمسة وعشرين فاقضوه، أنه إن جاء أحد يطلب كما ذلك، صدق مع يمينه وصار ذلك من رأس ماله.
وفي سماع أصبغ: قيل لابن القاسم فإن أوصى فقال: قد كانت بيني وبين فلان معاملة؛ فما ادعى من شيء فأعطوه وهو فيه مصدق، فقال: إن ادعى ما يشبه معاملة مثله لمثله أعطوه، وأحسبه رواه عن مالك.
قال ابن القاسم: ويكون ذلك من رأس المال، وليس كل الناس في قلة الأموال وكثرتها سواء، قال: وإن ادعى ما لا يشبه بطل ذلك، ولم يكن في رأس المال ولا ثلث.
قال أصبغ: وإنما يبطل عند ذلك الزيادة على ما يشبه ولا يبطل كل شيء أعطى ما
стр. 128
يشبه مما لا يتبين فيه كذبه ويحمل محمل الشهادة له وعليه.
وفي سماع عيسى في كتاب الشهادات: عن ابن القاسم فيمن حضره الموت، فقال: ما يشهد به ابني علي من دين أو ابنتي، فهو صدق من دينار إلى مائة دينار ولم يوقت عددًا، ثم مات فشهد ابنه ذلك لقوم بديون، وشهد أيضًا لبعض الورثة بدين، فقال: لا يثبت ذلك عندي إلا بيمين، إن كان عدلاً، ومذهبه عندي مذهب القضاء، وإن لم يكن عدلاً أو نكل المشهود له عن اليمين، لزم الشاهد قدر ميراثه من هذا الدين، وإن كان سفيهًا لم يجز إقراره في ميراثه، ولم يحلف طالب الحق، وهو قول مالك في إقرار السفيه أنه لا يلزمه.
وفي كتاب ابن حبيب قلت لأصبغ: من قال عند موته: علي ديون وفلان مولاي أو ابني يعلم أهلها، فمن زعم أن له علي شيئًا فأعطوه، فإن غيرنا قال عن ابن القاسم: أنه كالشاهد إن كان عدلاً حلف معه المدعي وأخذ، قال: ما هذا بشيء ولا أعرفه من قوله، ولكن يدق من جعل الميت التصديق إليه كان عدلاً أو غير عدل، كقول مالك عدلاً من غير عدل، وذلك سواء لما لم يسم من يتهم عليه تهمة بينه من أقاربه ممن هو كنفسه.
في رواية ابن حبيب هذه إنكار أصبغ ما رواه عيسى عن ابن القاسم، وليس من علم حجة على من جهل، وعيسى بن دينار فقيه ثقة فيما نقل وغاب ذلك عن علم أصبغ، كما غاب عنه قول احتج بها من الوصية وقال: لم يستثن مالك عدلاً من غير عدل وذلك سواء، ومالك قد استثنى فيها العدل من غيره، وقاله ابن القاسم.
ونص المسألة: وسئل عن رجل حضرته الوفاة فقيل له: أوص فقال: قد أوصيت وكتبت وصيتي ووضعتها على يدي فلان فأنفذوا ما فيها، فتوفي الرجل وأخرج الذي قال المتوفي أنه وضع على يديه الوصية وليس فيها شهود إلا ما شهد على قوله من ذلك، أن قال: قد وضعتها على يد فلان فأنفذوا ما فيها.
قال مالك: أرى إن كان الرجل الذي ذلك أنها عنده عدلاً أن ينفذ ما فيها، قال ابن القاسم: وذلك رأيي، قال سحنون: الوصية جائزة عدلاً كان أو غير عدل.
إلى هنا انتهت في العتبية ووصل بها في منتخب ابن لبابة، وفي الأول من وصايا النوادر، قال يحيى بن يحيى: قال ابن القاسم: هو كما لو قال: أوصيت بوصايا أعلمت بها فلانًا فأنفذوا ما قال، أنه ينفذ، ولو قال: كنت أعامل فلانًا وفلانًا (ب-٣٥) فأنفذوا ما قالا، أنه نفذ، ولو قال: كنت أعامل فلانًا وفلانًا فما أدعو فصدقوهم، قال: فليعطوا ما
стр. 129
ادعوا بلا يمين، إلى هنا انتهت في النوادر.
وقال ابن لبابة: هي في التفسير الأول ليحيى فاستثنى العدل في المسألة فوق هذا مالك وابن القاسم، ولم يبلغ ذلك أصبغ ولم يذكره حين سألته ابن حبيب عن ذلك، والإحاطة في البشر معدومة وأصبغ جليل في العلم والفضل؛ قد قال عنه ابن الماجشون: ما أخرجت مصر مثل أصبغ. قيل له: ولا ابن القاسم قال: ولا ابن القاسم.
وقد سقط ذلك العدل من هذه المسألة في الزيادة اليت زادها يحيى عن ابن القاسم، والمسألة أيضًا في الوصايا الأول من المدونة، ولم يذكر العدل فيها، وكذلك في الموازية والمجموعة أنه مصدق ولم يذكر عدلاً.
وروى ابن وهب عن مالك في المجموعة في الوصية الواحدة على ما أشهدهم: ما أرى إلا شاهدًا واحدًا وأراه يجوز في الوصايا دون العتق، ثم قال بعد ذلك: أراها نافذة. وقال أشهب، وهو في المدونة، وقال غيره: يقبل قول الوصي الذي قال الميت صدقوه.
وقال مالك في الموازية والمجموعة والعتبية: وأبين من ذلك لو كتب وصيتين وجعل بيد كل رجل واحدة، فإذا أخرجاهما جازتا إن اتفقتا، ولا شك أن هذه الروايات التي أسقط منها ذلك العدل هي التي روي أصبغ. والله أعلم.
وقد ذكرنا من الروايات الدالة على اختلاف قول مالك في تصديق الموي بتصديقه بيمين وغير يمين ما فيه كفاية، واحتجاج ابن عتاب على صحة القول باليمين باختلاف قول مالك في مشترط سقوطها عنه في دعوى القضاء احتجاج صحي، لأنه إذا ألزمته إياها وقد التزم الذي هي له إسقاطها كان أجدر بإلزامها لمن أسقطها عنه من ليس له الحق وهو الميت الموصي بذلك، وأنا ذاكر الاختلاف في ذلك من الأصول إن شاء الله.
وفي كتاب سلعة سماها وفي سماع ابن القاسم في كتاب التفليس: وسئل عن رجل صالح رجلاً على دراهم كانت له عليه، على أن يدفع إليه خمسة دراهم كل شهر، وليس للذي عليه الحق أن يستحلف طالب الحق إذا ادعى أنه دفع إليه شيئًا لم يأتي عليه ببينة.
قال مالك: هذا الشرط غير جائز إن أقيم عليه حلف، ولا ينفعه ما كتب في شرطه.
وروي ابن وهب في موطئه عن مالك، فيمن باع جارية واشترط أنه لا يمين عليه فيما وجد بها من عيب أراه شرطًا جائزًا، لأن اليمين تتقي، وقد يضع الرجل من الثمن
стр. 130
لئلا تكون عليه يمين.
وفي سماع أشهب في كتاب السلطان وغيره:
أرأيت الرجل يبيع العبد بالبراءة على ألا يمين عليه ثم يجد المشتري بالعبد عيبًا قبيحًا فيريد أن يحلف البائع: ما علم هذاالعيب؟ فقال مالك: ما أرى ذلك عليه لأنه قد اشترط ألا يمين عليه.
وفي سماع ابن القاسم في كتاب البضائع:
وسئل عمن وكل ببيع سلعة فيبيعها على ألا يمين عليه، ثم يوجد بها عيب، أترى أن يستحلف؟ قال: لولا أني أخشى في ذلك قطع السنة لرأيت ذلك، قد استحلف عثمان عبدالله بن عمر.
قال مالك: فأما الوصي الذي يقول: لا أحب أن أحلف، والرجل المأمون الذي يعرف بالحالة الحسنة، فإني أرى ذلك؛ فإن الوصي يقول في مثل هذا: لا أحب أن أحلف لقوم آخرين، والرجل المأمون يكره موقف ذلك، فأرى ذلك لهما، فأما غيرهما فلا، ولوا كراهية قطع السنة وأن السنة في ذلك اليمين، لرأيت ذلك، ولكن إذا كان على ما ذكرت فإني أرى ذلك وأرى أن يرد اليمين إذا كان ممن يستحلف فلا يحلف.
وفي كتاب الأحكام لابن حبيب: سمعت مطرفًا يقول: قال مالك: من أبضع مع رجل بضاعة وأمره بدفعها إلى رجل، إن لم يشهد المأمور على الدفع ضمن، أشهد الآمر عليه أو لم يشهد، إذا أنكر القابض أنه قبض منه شيئًا أو كان ميتًا.
قال ابن حبيب: قلت لمطرف: فإن اشترط المأمور أنه لا إشهاد عليه عند دفع البضاعة فأعطاه على ذلك إذا أنكر القابض أو كان ميتًا، قلت: فلو اشترط أيضًا ألا يمين عليه قال: لا تسقط عنه، والشرط بإسقاطها باطل لأن الأحداث تحدث والتهم تقع، وكل من وضع يمينًا قبل أن تجب له فهي غير موضوعة.
قال: وسألت ابن الماجشون عن ذلك كله فقال: القول قول المأمور كانت البضاعة (أ-٣٦) دينًا أو صلة ولا إشهاد عليه عند قبضها.
وإن أنكر القابض أن يكون قبض شيئًا إلا إن كان الآمر قال له: اقض عني هذا فهو ضامن إن لم يشهد؛ لأنه وكل إليه القضاء ووليه ونصب له، فينبغي أن يقضي بوجه ما
стр. 131
يكون به القضاء وهو الإشهاد، وليس كن لم يوكل إليه القضاء ولا أمر به، وإنما جعل رسولاً، وإن كان قد أعلم أنه دين وقيل له: أبلغ إليه هذا.
قلت: فإن اشترط المأمور بالقضاء بالإشهاد عليه ولا يمين. قال: ينفعه شرط ترك الإشهاد، وأما شرطه سقوط اليمين عنه فباطل واليمين عليه، لأن التهم تقع، ومن وضع يمينًا قبل أن تجب له فهي غير موضوعة.
اختصرت بعض ألفاظها رغبة في التخفيف وترك التطويل، وكذلك تركت مناظرة فضل بن سلمة لمحمد بن عمر في هذا الفصل وإنكار فضل ما يكتبه الناس بقرطبة في لك الحقوق؛ من إسقاط اليمين إن ادعى أنه قضاه بعد أن عرف باختلاف أهل العلم فيه فرضي بالأخذ بقول من يقول بإسقاطها، وفيها طول، وفي هذه الجملة ما أشار إليه ابن عتاب ولا مزيد فيها والحمد لله.
وأما ما ذلك من سقوط فعل أحد الوصيين دون إذن الآخر فهو قول مالك في المدونة في الوصايا الأول، وفي الرهون وغيرهما وتمليك الرجلين عتق عبده في العتق الأول، وفيه قول أشهب وغيره من كبار أصحاب مالك في ذلك، وقول مالك فيه إذا فوض أمر امرأته إلى رجلين أو إلى رجل، وتكرر في كتاب التمليك وكمل ما شرطناه من التنبيه على مواضع المسائل وبيناه، والحمد لله على توفيقه وهداه.
وفي أحكام ابن زياد في باقي وصية ابن معدان:
فهمنا - وفق الله القاضي - ما قام به وارث ابن معدان وطلبه من المال الموقوف على يدي القضاة، وذكر في الديوان من قول الذي أوتي به إلى القاضي أنه من وصية ابن معدان وما قام به المنفذ لوصيته من أنه نفذها، وألفى في الوصية مكتوبًا: أن ما بقي من ثلثه بعد ما سمي من وصاياه يجعله فرج الوصي حيث يراه، وما قاله فرج من أنه لم يبق بقية من الثلث؛ بل عالت تسمية الوصايا على ثلثه.
فالذي نقول به والله الموفق للصواب: بعد أن قرأنا كتاب التنفيذ الذي وكل للقاضي على تنفيذ ما فيه من وصايا ابن معدان وكيلاً مع محمد بن أحمد الذي كان أتى بالمال المذكور في الديوان، لأنه من وصية ابن معدان، وثبت عند القاضي بعد توكيله هذا، وبعد أن أمره بقبض هذا المال الذي ذلك أنه من وصية ابن معدان، فرأينا أن إشهاده على ثبوت التنفيذ دليل على أن هذا المال الباقي لوارث ابن معدان؛ إذ قد ثبت تنفيذ وصاياه
стр. 132
بعد قول الآتي بالمال أنه من وصية مفضل. قال ابن لبابة، وأيوب بن سليمان.
أوصى للمرضى والقطع فأشكل على الناظر فيها:
ثبت عندي رحمكم الله وصية رجل من أهل البادية كان يسمى سليم بن سعيد، وموته وعدة ورثته وأوعيت جميع ما وجب إنفاذه في وصيته، ووكلت لتنفيذها من وثقت به، فلما وقفت على التنفيذ أشكل علي لفظ في الوصية أردت معرفة رأيكم فيه.
قال في وصيته: يعطي الجذامي والقطع بحاضرة قرطبة أربعة أمداء، فهل يجب أكرمكم الله أن يفرق على الجذامى الذين بعدوة نهر قرطبة أم يفرق بحاضرة قرطبة كما قال؟ فاكتبوا إلي في ذلك إن شاء الله.
قال محمد بن غالب: تفرق الوصية على المرضي الذين بعدوه نهر قرطبة وهذا وجه ما أراد الموصي، والله أسأله التوفيق، وقال ابن لبابة، وأيوب، وابن الوليد.
وصية عثمان بن سعيد القرشي بثلثه وعلى بنيه وإطلاق القاضي بعضهم، واستعفاء الوصي والتوكيل على تنفيذ ما في الوصية وبيع ثلث داره لها:
ثبت عندي - رحكم الله - شهادة ابن السمح والمعارفي عن موسى ابن محمد إذ كان قاضيًا بقرطبة، أنه ثبت عنده بشهادة عبيد الله بن يحيى وعبدالله بن أبي طالب وغيرهما، موت عثمان بن سعيد القرشي ووصيته بثلثه وعدة ورثته، وإيضاؤه عليهم وبثلثه إلى من لم يعرفه موسى بعدالة، فوكل على النظر لبنيه ولتنفيذ وصيته مع ذلك الوصي ابن أبي طالب.
وأنه أتاني يسألني أن أعفيه مما ذكر أنه بقي عليه تنفيذه، فكشفته عما بقي وعما نفذ، فقال: بعت أنا والمنطلقون من ورثة عثمان منزلاً من منازله (ب-٣٦) فأخذت ثلث الثمن واستأجرت منه بمائة دينار دراهم من دخل عشرة من يحج عن عثمان، ونفذت رقبة بعد إنفاذ الحجة وأتاني ابن أبي طالب ببراءة من موسى إذ كان قاضيًا، أبرأه فيها من الحجة والرقبة.
وثبتت البراءة عندي عن موسى بشهادة ابن السمح وغيره، وثبت عندي بشهادتهم إطلاق موسى لبعض ورثة عثمان وموت من مات منهم، وأنه لم يبق في الولاية منهم غير عبدالعزيز، فوكلت عند ذلك إسحاق على النظر لعبد العزيز وتنفيذ ما بقي تنفيذه من وصية عثمان، بعد أن أعذرت إلى البالغين المنطلقين من ورثة عثمان في ذلك كله، فلم
стр. 133
يكن عندهم فيه مدفع، وأرجأت الحجة للغائب منهم والأصاغر من ورثة الميت من ورثة عثمان.
وثبت عندي لعثمان ملك دار بحاضرة قرطبة، بمن قرطبة وأجزت من البنية وأحب الذي وكلته علي تنفيذ ما يجب تنفيذه من وصية عثمان أن يبيع ثلث تلك الدار مشاعًا، وينفذ ذلك على الفقراء والمساكين، فإنه ليس في وصية عثمان إلا الحجة والرقبة، ويتصدق بباقي الثلث على الضعفاء والمساكين، ولم يلف لعثمان رفيق.
فإن كان الذي أراده إسحاق من الواجب أن يفعله فاكتبوا إلي بخطوط أيديكم، فنأمره بتنفيذه إن شاء الله؛ إذ ثبت عندي موت الذي كان أوصى إليه وشرك معه ابن أبي طالب في النظر.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ: حفظ الله القضاي بما حفظ به أولياءه المتقين، وحبس أيامه المباركة على عامة المسلمين. الذي نقول به فيما سأله إسحاق أن ذلك من الواجب فيأمره القاضي ببيع ثلث الدار مشاعًا، ثم ينفذ الثمن فيما يجب تنفيذه إن شاء الله.
قال محمد بن وليد، ومحمد بن لبابة، وقال: إلا أن يدعو الورثة إلى القسمة، فإن دعوا إيها قسم الثلث وبيع مقسومًا، وإن لم يدعوا إلى القسمة باع الوصي ذلك مشاعًا.
وقال أيوب بن سليمان: بيع الناظر في ذلك كيف شاء مقسومًا أو مشاعًا مما يكون أكثر وأزيد في الثمن، وبالله التوفيق. وقال عبيد الله بمثل قول ابن لبابة وابن الوليد.
في عزل الوصي وإطلاقه المحجور والإيصاء عليه وإليه وتخلي الوصي عن الإيصاء في حياته إلى غيره:
وفي المدونة: من قال فلان وصيي ولم يزد على ذلك، قال ابن القاسم: فهو وية في جميع الأشياء؛ وفي بضع بناته، وفي إنكاح بنيه الصغار، وإن كان لهم أولياء حضور. وإن قال: فلان وصيي على قضاء ديني وتقاضيه، وفلان وصيي على مال، وفلان وصيي على بضع بناتي، جاز.
وقد سئل مالك عمن أوصى إلى رجل بتقاضي دينه وبيع تركته الله تزويج بناته؟ قال: إن فعل رجوت أن يكون جائزًا، وأحب إلى أن يرفعه إلى السلطات فينظر فيه. قال أشهب: له أن يزوج ولا يرفع.
من كتاب محمد: وإن قال: فلان وصيي حتى يقدم فلان، فإذا قدم فهو وصيي، جاز.
стр. 134
قال مالك: ومن أوصى إلى غير عدل لم تجز وصيته إليه، وترجح على هذه المسألة في المدونة في عزل الوصي عن الوصية إذا كان خبيثًا. قال ابن القاسم: والذمي أحرى ألا تجوز الوصية إليه من المسخوط.
وفي سماع عيسى عن ابن القاسم في كتاب النكاح: إلا أن يرى السلطان لذلك وجهًا في وصايا الواضحة نحوه. قال في الموازية: فإن رآه فلا يلي عقدة نكاح البنات وليوكل لذلك مسلمًا.
قال ابن المواز وابن عبدوس: قال أشهب: ولا يجوز أن يوصي إلى صبي أو ضعيف أو معتوه. قال في المجموعة: أو مأبون، ولا يجوز ذلك من النصارى إلى بعضهم إذا كانوا بهذه الأحوال.
وفي المدونة: إن أوصى إلى عبد نفسه أو مكاتبه جاز، وفي سماع أشهب نحوه.
وقال في الموازنة والمجموعة: إن أوصى بولده إلى عبده جاز إن كان جميعهم يولي عليهم. قاله مالك وأصحابه.
وفي المدونة وغيرها: وللوصي أن يوصي إلى غيره ويكون وصي الوصي كالوصي.
قال عيسى في نوازله في البضائع: وله أن يوكل في حياته وعند مماته، بخلاف الوكيل لا يوكل غيره في حياته ولا بعد مماته، وكذلك في السلم الثاني من المدونة في الوكيل على تسليف في طعام إن وكل غيره لم يجز.
وفي سماع يحيى قال ابن القاسم: إن كان مثله لا يتولى مثل ذلك لنفسه ويعرف ذلك الذي وكله؛ فلا ضمان عليه، وإن لم يعلم ذلك الذي وكله؛ ضمن. وقال به سنحون: من أوصى إلى رجلين فمات أحدهما وأوصى بما كان إليه من ذلك إلى غيره؛ لم يجز ولا ينظر الباقي إلا بنظر السلطان.
وفي المدونة: قال يحيى بن سعيد: إن أوصى بما كان إليه من الوصية إلى غير شريكه فيها؛ جاز ذلك له، ولسنا نقول بذلك إلا أنه يزعم من يزعم أن الوصي لا يوصي بما أوصى به إليه.
قال ابن لبابة في منتخبه: يمكن أن يكون هذا اللفظ لمالك وهو الأقرب، ويمكن أن يكون لسحنون.
وفي النوادر: وإذا كان وصيين؛ فأوصى أحدهما بما غليه من ذلك إلى أجنبي؛ جاز
стр. 135
عند يحيى بن سعيد وأشهب، وأباه سنحون.
وفي مسائل ابن زرب: سأله أبو محمد ابن دحون عن الموصي إليه بتخلي عن النظر إلى رجل آخر؟
فقال القاضي: ذلك جائز وينزل منزلته. قيل له: فلو أراد العودة إلى نظرة؟ فقال: ليس له ذلك، وقد تخلى منه إلى الذي وكله.
وفي سماع ابن القاسم: عن مالك في كتاب سلعة سماها، سئل عن الرجل يدفع إليه السلطان مال الغلام المولى عليه فتحسن حاله فيدفعه إليه، أترى أن ذلك بمنزلة الوصي إذا رأى من حال وليه ما يرضاه، فيدفع ماله إليه؟
قال: إن ذلك عندي لمختلف؛ أما كل من تبين أمره في سنه وفضله فلا أرى عليه شيئًا وأراه يشبه الوصي في ذلك، وأما كل من كان فيه شك؛ فلا أراه مثله وكأنه يراه في هذا ضامنًا إلا أن يكون ممن لا شك فيه، فلا أرى عليه شيئًا وأراه كالوصي.
وفي سماع أصبغ عن ابن القاسم، قال أصبغ: وسمعته يقول في اليتيم إذا تبين منه الرشد أيدفع إليه ماله وصيه بغير إذن الإمام؟
قال: إذا كان أمرًا قد تبين للناس فنعم ولا ضمان عليه، وإلا فلا إلا بأمر الإمام، فإن تعدى ذلك فهو ضامن إذا كان يشك في أمره.
وسئل ابن القاضي زرب: عن مقدم القاضي هل يجوز له إطلاق يتيمه؟ قا: لا. قيل له: فإن أطلقه، أينفذ أم يرد؟ قال: بل يرد ولا ينفذ إلا عن إذن القاضي، ثم احتج وقال: إن وصي الأب قد اختلف فيه؟ فقيل: إنه لا ينفذ ذلك إلا بأمر القاضي، فكيف بمن يقدمه القاضي؟!
وقال ابن المواز: قال: مالك: إذا احتلم ولا يعلم منه وصيه إلا خيرًا وآنس منه الرشد وليه دفع إليه ماله، إلا فلا، وإن كان سفيهًا في دينه وحاله حسن النظر في ماله دفع إليه ماله. هذا في الأول من وصايا النوادر متصل براوية أصبغ المتقدمة.
وفي كتاب ابن المواز: تجوز شهادة رجلين فقط في ترشيد السفيه حتى يكون ذلك فاشيًا، قاله أصبغ، ويجوز في إفشاء ذلك شهادة النساء، وقد اختلف في شهادتهن.
وفي الأحكام لابن حبيب: سمعت أصبغ يقول: لا أرى أن يخرج المولى عليه من ولايته، ولا يجوز للبكر جواز في مالها، وإن عنست إلا بشهادة رجلين عدلين على أن
стр. 136
نظرها في مالها حسن، ويكون ذلك مع شهادتهما فاشيًا غالبًا، فإن لم تكن كذلك فلا أرى أن يدفع إليهما مالهما بشهادتهما، غير أن شهادتهما في تجويز ما فعلاه من عتق وغيره قاطعة ماضية.
وفي تفسير ابن مزين: قال عيسى بن دينار: قال مالك: ليس للبكر جواز في مالها حتى تدخل بيتها ويعرف من حالها هو أن يشهد العدول من أهل الاختيار لها أنها صحيحة العقل حسنة النظر في مالها مصلحة له حابسة على نفسها، ولا يكون هذا بشهيدين حتى يشهد لها ملأ من الناس، ويعرف ذلك منها ويشتهر، فإذا كان كذلك جاز أمرها، وإن كانت حديثة السن ولا ينتظر بها سنة بعد البناء وإذا كانت غير ذات زوج وهي بكر بالغ وقد شهد لها بمثل ذلك تربص بها أن ترتفع في السن عن الحداثة، ويدفع إليها مالها، ولا أحب للقاضي أن يدفع إليها ولا إلى المولى عليها مالها، ولا يخرجهما من ولاية من ينظر لهما، حتى يشهد عنده على ما وصفناه من أمرهما جماعة من الرجال والنساء والرجال دون النساء، ويكون أمرهما فاشيًا، ولا تقبل فيه شهادة النساء دون الرجال، ولا يكتفي فيه برجلين حتى يكون معهما صلاح وسماع فاش يعرف به حسن حالهما ورأيهما في أنفسهما وإصلاحهما لمالهما، وروي يحيى عن ابن نافع مثله.
قال ابن مزين: قال لي مطرف في الشهيدين مثله، قال مطرف: ولا يجوز في هذه إلا شهادة الأقارب والجيران ومن يرى أن يعلم ذلك فيه، كانت تعمل قضاتنا بالمدينة.
قال ابن مزين: وقال لي أصبغ تجوز فيه شهادة الأباعد إذا لم يقم الأقارب بخلافه (ب-٣٧). قال أصبغ: وإن عجز السفيه عن أكثر من شهيدين لم أر أن يمنع أخذ ماله، وهذا خلاف ما ذكره ابن حبيب عنه.
وقال ابن أبي زمنين في كتاب المهذب في تفسير ابن مزين: قول أصبغ هذا أخبرني به أحمد بن مطرف عن الأعماقي عن ابن مزين عن أصبغ، فدل إثباته بالسند في قوله أنه ساقط في بعض الروايات، والله أعلم.
مسألة جامعة لوجوه من الوصايا:
شاور بعض قضاة قرطبة في عهد امرأة أقرت فيه بدين لقوم، وأوصت أن يعطوه دون يمين وأن يخرج من دار عينتها، وأن يضرب خباء على قبرها ويقرأ القرآن على قبرها بأجرة ذكرتها، ويبيع بعض مالها لكفنها.
стр. 137
فجاوب ابن عتاب: تصفحت العهد المدرج طي كتابك وفهمته، وإقرار الوصية بالدين جائز نافذ لمن أقرت له به وما عهدت به من تصديق المقر لهم، فقول ابن القاسم: إن ذلك كما عهدت يصدقون بلا يمين. وقال غيره: الحق فيها لغير الميت، فلابد من اليمين.
وما ذكرت من بيع دار سكناها والحمام واللاحق بها وإخراج دينها من ثمنها؛ فللورثة الامتناع منه إن كان لها مال غيرهما يؤخذ الثمن منه، وحسبها قضاء دينها وإنفاذ عهدها، وهو قول كثير من أصحاب مالك.
وإن دعا الأولياء إلى ذلك فلا يكون بيع شيء من الأصول إلا بنظرك، ولابد من إثبات ملكها وحيازة ذلك، وكذلك ما عهدت ببيعه لكفنها أن يبيع بنظرك، فلابد من إثبات موتها ووراثتها وملكها للدار إلى أن توفيت، وحيازتها وما عهدت به من أمر كفنها وضرب القبة على قبرها، فهذا مما لا يحتاج إلى الجواب فيه إذ قد نفذ ذلك.
لكن قول مالك وأصحابه في ذلك: أن من أوصى أن يكفن في سرف من الكفن فلا يوز له منه إلا كفن مثله في غناه وفقرة، واختلف في ضرب القبة على القبر؛ فكرهه بعضهم وأجازه بعضهم وفعله، ورأيي إنفاذ الوصية به لاختلاف أهل العلم فيه، وهو عندي مخالف لما رواه عيسى عن ابن القاسم فيمن أوصى أن يقام بنائحه على ميت: أن ذلك لا يجوز لافتراق ما بينهما.
وما عهدت به لقارئ يقرأ على قبرها فهو نافذ كالاستئجار للحج، وهو رأي شيوخنا، وذلك بخلاف ما لو أوصت بمال لمن يصلي عليها أو يصوم لوجه أوبج ذلك أنت واقف عليه، وإنما يكون هذا وما أوصت به من القبة في ثلثها إن حمله الثلث، وما عهدت به من إخراج ثلثها وتنفيذه فهو كما عهدت، وما أوصته بتبرئته بريء، وما لم توص بتبرئته بريء منه، وما يوجب الحكم بتبرئته، وما أوصت به في الحج فهو نافذ إن حمله الثلث.
والمملوكة المعتقة لقبل موتها بشرين؛ قد اختلف قول ابن القاسم وأشهب في ذلك؛ فقال ابن القاسم: هي حرة من رأس المال، وقال: ينظر إلى الأجل الي ذكرت، فإن حل وهي مريضة عتقت المملوكة من الثلث لا أجرة لها في ذلك الأجل، وإن حل وهي صحيحة عتقت المملوكة من رأس المال، وبهذا العمل عندنا، وقلوه تفسير وعمل
стр. 138
اختصرته.
وقال أشهب: هي من الثلث على كل حال، وله قول آخر مخالف لجميع ما تقدم، وبالله التوفيق.
موت ووراثة وتنازع فيها:
وفي أحكام ابن زياد كشفنا القاضي - وفقه الله - عن رجل، يقال له سعيد بن إبراهيم من أهل قرية كذا من إقليم أبي مريم ثبت عنده موته، وأنه لم يترك غير زوجة وابنة بكر في علم البنية، ولم يلف القاضي للبكر وصيًا من أبيها ولا وكيلاً من قاضي، فوكل لها من ينظر عليها، وذكر القاضي أن قومًا ادعوا أنهم عصبة الميت؛ بنو عمه لأبيه، ورفع إليه أن للميت بني عم للأب بالمشرق خرجوا إلى الحج.
فالذي نقول به في ذلك: أن أحدًا لا يعطي بدعواه ولا يستحق حقًا بشهادة غير العدول، وأقل ذلك شهادة عدلين فليدع القاضي - وفقه الله - هؤلاء الحضور بالبينة على ما ادعوا فإن أثبتوه نظر لهم، وإن عجزوا عنه عجزهم بعجزهم، ووقف ما بقي من التركة بعد نصيب الزوجة والابنة حتى يثبت عنده أمر الغائبين، ثم ينظر في ذلك عند انكشاف الأمر له بما يجب الحق إن شاء الله.
قاله محمد بن وليد، وسعد بن معاد، ويحيى بن عبدالعزيز، وخالد بن وهب، وابن لبابة، وعبيد الله (أ-٣٨).
شورى في مولاة ورثها حفيدًا معتقها وذكرت أن لها زوجًا غائبًا بجيان:
شاورنا في ذلك بقرطبة عبيد الله بن أدهم، وضاحب المظالم: يا سادتي وأوليائي، قام عندي أحمد بن خلف طالبًا عن نفسه وأمه ذونه عن ابنها الصغير حامي أخي المذكور شقيقه الذي في كفالتها وحضانتها، وذكر أن معتقه لحامد جد أحمد وحامد، وتسمى يعلى توفيت، وإنما أحق الناس بولائها ووراثتها.
وسألني أحمد وأمه ذونه الطالبان إن أبيح لهما إثبات ما يجب في ذلك، فأبحته له ما فأظهرا إلي عقدًا فيه عتق حامد بن بكر جد أحمد وحامد ذلك للمتوفاة على المسماة، وإنكاحه إياها من نفسها.
وثبت عندي على نصه، وثبت عندي موت حامد بن بكر معتق علي وأنه لم يترك أحدًا يستوجب ميراث على حاشًا ابنه خلف بالولاء في علم من شهد بذلك، وأن خلفًا
стр. 139
ابنه هذا مات وترك ابنيه أحمد وحامدًا لا يعملون له وارثًا يتوجب الولاء المذكور غيرهما.
وثبت عندي موت علي وإقرارها بأن لها زوجًا غائبًا بجيان، وأن أهل الإحاطة بميراثها أحمد وحامد حفيدًا معتقها، وأنها عهدت بثلثها في كتاب عهدها الثابت عندي، وأنها لم تنسخه بغيره في علم شهدائه. إلى أن توفيت لمحمد وفاطمة ابني مفرج اللذين في ولاية ملك بن أغلب، بتقديم محمد بن أحمد بن بقي، إذ كان يلي أحكام القضاء بقرطبة إياه عليها.
وثبت عنيد هذا التقديم، وثبت عنيد صغر حامد ويتمه وحضانة أمه ذونه له وأنه لا مال له بما وجب أن يثبت، وأعذرت إلى أحمد وذونه في عهد المتوفاة علي وفي قولها: إن لها زوجًا بجيان، فقالا: لا مدفع عندنا في عهدها، ولا نعلم ما زعمت من الزوج، وشهد عندي أن علي تركت ثيابًا ودويرة، وكل ذلك حقير الثمن.
وطلب القائمان أحمد والحاضنة لحامد أن أعيدهما على تركة علي بما يجب لهما، فوجهت مشاروتكم في ذلك، وقد أدرجت إليكم عقد العتق والنكاح المذكور، وعقد موت علي وإقرارها بالزوج وكتاب عهدها على حسب ما ترونه، وقد تأنيت منذ نحو ثلاثين يومًا رجاء أن يظهر إلي في أمر الزوج المقر به شيء يوجب نظرًا فلم يظهر، فتأملوا بفضكم فصول خطابي وجاوبوني بالذي ترونه موفقين مشكورين، والسلام.
فجاوب محمد بن فرج:
سيدي ووليي، تصفحت خطابك وما أدرجت طيه، وإذ قد ثبت عندك أن أهل الإحاطة بميراث علي حفيدًا معتقها أحمد وحامد، وثبت عندك صغر حامد ويتمه وكفالة أمه له ونزاره ما يصير له.
فللأم بيع ذلك عليه وقبض ثمنه، وهكذا الرواية فيه، ويقبض أحمد أخوه لنفسه ويبيع الوصي مالك وشريكه في الإيصاء محمد بن خلف الثلث الذي عهدت علي، ويقبض الثلث ملك ليتيمه.
وإقرار علي بأن لها زوجًا غائبًا بجيان لا يثبت به ميراثه منها إلا ببينة على أصل النكاح أو على السماع إذ النكاح على علمك، مما يشهد فيه على السماع.
إلا أن الواجب أن يقوم من يقبض ميراث الزوج الغائب ويتوقف عنده بأمرك
стр. 140
لقرب جيان؛ لعله يقدم أو يظهر عندك ما يصح به النكاح، فإن طال الأمر، ولم يثبت عندك شيء؛ أطلقت أيدي الورثة على الذي وقفته للزوج واقتسموه إن شاء الله .
وجاوبت أنا:
سيدي ووليي، ومن أدام الله عصمته، وأسبغ عليه نعمته، ما انتهى إليه نظرك مما خاطبتنا به كامل، وما ثبت عندك مما ذكرته عامل، والتلوم الذي تلومته للزوج المقر به كاف، وجيان، وإن كانت المسافة إليها قريبة؛ فالبغية في التوصل إلى معرفة أمر ذلك الزوج غير ممكنة، وهي بذلك كالمرية بل كإفريقية؛ فلا ينبغي منع من له حق في تركه من حقه لما ذكره من زوجة لم يثبت، ولا شهد بها شاهد، ولا سمت له رجلاً معروفًا.
ومما يشبه ذلك ما في شهادات العتبية في سماع أشهب وابن نافع من ذلك في شاهدين، شهدا أحدهما أ، هذا وارث فلان لا أعلم له وارثًا غيره، وشهد الآخر أنه وارثة لا أعلم له وارثًا غيره وغير زوجة له؟
قال مالك: هذا جائز ويوقف له المال كله حتى يكتب إلى ذلك البلد ويتبين من ذلك.
قال ابن القاسم: فإن طال ذلك أعطى الوارث المال كله.
وقال أشهب: الوارث بالخيار: إن شاء حلف مع شاهده الذي لم يذكر الزوجة وأخذ المال، وإن لم يحلف عزل نصيبها وأخذ هو ما بقي من المال بغير يمين (ب-٣٨).
فهذا أشهب قد رأى للوارث أخذ جميع المال مع يمينه، ولم يراع شهادة الشاهد بالزوجة، ولا رأى حبس حق الوارث من أجله ولا التلوم بسببه، فكيف توقف تركة على بقولها إن لها زوجًا؟! وابن القاسم قد قال: إن طال أعطى الوارث المال، ولا يمين إلا أن شهادة الشاهد أعمل من قولها وأقوى؛ لأن إقرار من له ورثة معروفون بوارث غير مقبول إلا في ثلاثة أوجه مع اختلافهم في إقرار من لا وارث له بوارث.
وذكر ابن حبيب رواية أشهب عن مالك على نحو ما ذكرها العتبى؛ قال ابن حبيب: وسألت أصبغ عمن شهد له شاهدان أنه وارث لا يعلمان له وارثًا غيره، وشهد شاهد واحد أن لذلك الهالك وارثًا بمصر، أو بالمدينة، والتداعي عند بعض حكام الأندلس؟
стр. 141
فقال لي: يحلف المشهود له بالله: ما يعلم للميت وارثًا سواه، ثم يدفع إليه جميع الميراث، ولا يوقف منه شيء في مثل هذا البعد.
قلت: ولم أحلفته مع شهادة شاهديه؟ قال: لشهادة الشاهد الذي شهد أن معه وارثًا غيره، فأوجب أصبغ اليمين هنا من أجل هذا الشاهد.
ففي كثير من المسائل ما يدل على أنه لا يمين عليه، ولهذا سأل ابن حبيب عن اليمين، وإذا كان في الأصول ألا يراعي الشاهد مع الشاهدين؛ كان ترك مراعاة قول المتوفاة أولى، ولو قدم من جيان رجل فادعى أنه الزوج الذي أقفرب به لم يكن له بذلك ميراث.
قال ابن القاسم في سماع يحيى في امرأة ادعت على رجل قد مات أنه زوجها، وأقامت بينه بإقراره في صحته أنها امرأته، ولم يشهد بأصل النكاح وكانت نائية عنه منقطعة في مسكنها منه: إنها لا ميراث لها ولا صداق إذا لم تقم بما كانت تدعيه إلا بعد موته؛ لأنها لو ماتت هي وهو حي لم يرثها بذلك الإقرار الذي كان منه قبل موتها حتى يعرف إقرارها بنكاحه الذي كان يدعيه مع إشهار ذلك وإعلانه [ويقدم إذاعته] منهما.
وفي موضوع آخر من قوله أنه لم ير ذلك نكاحًا حتى يثبت أصله بالبينة؛ لقول عمر ﵁: لا نكاح إلا بولي وصداق وشاهدين عدل. وقال أشهب نحوه.
وفي هذا كله دليل واضح على إسقاط قول علي؛ إذ لم يقترن بإقرارها شيء من هذا، ولثبوت وراثتها بشاهدي عدل لم يذكر واحد منهما زوجًا.
وأما بيع الحاضن أو الحاضنة ما قل ثمنه من مال المحضون لحاجته إلى ذلك فنافذ عليه لازم له. قال أصبغ في كتاب ابن حبيب، وفي التفليس من العتبية وبه جرى العمل، وهو في مسألتنا أقوى لاقتران فعل الحاضنة بنظرك الذي ثبتت به حضانتها للمبيع عليه ويتمه وصغره، فأطلقها وأحمد والصيين على اقتسام تركة على وبيع ما لابد لهم من بيعه، أعانك الله على ما قلدك وتخلصك مما عصب بك بعزته والسلام.
стр. 142
باب مسائل العتق وادعاء الحرية في عبد بين ثلاثة؛ أعتق أحدهم نصيبه في وصية، واشتكى بأحد سيديه
في أحكام ابن زياد:
إذا ثبت ما قاله المملوك أو ترددت شكيته بذلك، أمر ببيع نصيبه منه، ولا يحل له أذاه، وإن ظهر منه استصلاح إليه ورجوع ما كان عليه من أذاه له أقر عنده. قال ابن لبابة، ويحيى بن عبدالعزيز، وغيرهما.
وفي المدونة في عبد بين ثلاثة أعتق أحدهم نصيبه ثم أعتق الثاني نصيبه، فتقديم نصيب الثالث على الأول لا على الثاني، وكذلك لو كان الأول معسرًا، وكان الثاني موسرًا، لم يقوم عليه؛ لأنه لم يبتدأ فيه فسادًا، ولو أعتق اثنان معًا لزم عليهما، فإن كان أحدهما معسرًا قوم جميع نصيب الثالث على الموسر. وقال ابن حبيب: لا يلزمه إلا ما كان يلزمه لو كانا موسرين، ومن أعتق نصيبه من عبد وهو صحيح، فلم يقوم عليه حتى مرض، قوم عليه في الثلث قال ابن القاسم: وإن لم يعلم إلا بعد موته لم يقوم عليه شيء.
وفي سماع أهب في العتبية:
إن مات بحدثان ذلك قوم عليه في رأس ماله، بخلاف معتق لبعض عبده فلم يستتم عليه حتى مات. هذا لا يتم عليه، وقال مالك في كتاب ابن حبيب وابن المواز وابن سحنون: من أوصى بعتق نصيبه من عبد لم يقوم عليه نصيب شريكه، وفي آخر رسم نقدها قال مالك: إن أوصى بعتق نصيبه من عبد وإن يعتق عنه نصيب صاحبه، لزم ذلك شريكه وإن أبى.
وفي مسائل ابن حبيب:
عن سحنون: من اشترى وصيفًا صغيرًا فقيل له: ما تريده وهو صغير لا منفعة فيه. فقال: هو ولد وهو حر. ثم قال: لم أر بهذا الكلام شيئًا ولا كانت لي فيه نية.
وفي كتاب السلطان:
في أول سماع أصبغ قال أشهب، في العبد يستبيع من سيده لضرورته به: إن كان ضررًا قد عرف وكثر بيع عليه، وإن كان إنما هي الزلة والفلتة من سيده كف عنه ونهي، قال: حسبته مرة بعد مرة، فإن عاد بيع عليه.
ونحوه لمالك في سماع ابن القاسم، وفي موضع آخر منه سئل مالك عن عجوز
стр. 143
أكلت لحم جاريتها فأثرت بجلدها أثرًا شديدًا، فأمر صاحب الشرطة أن يبيعها عليه ولم ير في ذلك عتقًا. وقال أشهب في غير العتبية: ولو يثبتها لم تعتق.
وفي مسائل ابن زرب:
قال: من أعتق نصيبه من عبد، فلما طلبه شريكه بقيمة نصيبه قال: يقوم علي أنه سارق آبق؛ لأنه كذلك. وقال شريكه: بل هو سالم من ذلك، وعلى السلامة يقوم، فعلى مدعي السلامة اليمين؛ لأنه مال يريد أن يأخذه بغير حق فيما يزعم المطلوب؛ لأن قيمته بعيوبه قد لا تكون مثل نصف قيمته سالمًا. فيقول: أنت تريد أن تأخذ مني نصف القيمة بغير حق.
قال القاضي أبوالأصبع:
هذه المسألة في رسم العتق من سماع أشهب وابن نافع عن مالك: يسأل الذي لم يعتق عما ذكره المعتق، فإن أقر له به فكذلك، وإن أنكر ذلك لم أر عليه يمينًا، وقوم صحيحًا سليمًا، وفي سماع أبي زيد عن ابن القاسم مثله، إلا أن يأتي المعتق ببينة.
وفي أصل ابن زرب في سماع عيسى رجع ابن القاسم وقال: يحلف، وإن أبي حلف المعتق، وقوم العبد آبقًا سارقًا، فكره أيوب وأراه قد وقع في الرهون لعيسى، كذا في مستخرجه ابن زرب، وكذلك في كتاب ابن حبيب من رواية أصبغ عن ابن القاسم أنه يقوم سليمًا، ولا يحلف إلا أن يقيم شاهدًا، ثم رجع فقال: بل يحلف له. قال أصبغ: وبه آخذ. قال ابن حبيب: والأول أحب إلي.
وفي النوادر قال أشهب:
إن أقام شاهدًا واحدًا حلف معه، فإن نكل حلف الآخر ما علمته سارقًا ولا آبقًا، وإن لم يكن عدلاً لم يحلف معه وحلف المتمسك على العلم. قال محمد: لا يوجب عليه غير العدل يمينًا. ولابن حبيب عن ابن الماجشون مثل قول أشهب، وقاله ابن عبدالحكم.
وفي مسائل ابن زرب:
سأله أبو الأصبغ الحشا عن امرأة جاهلة انعقدت عليها وثيقة ذلك فيها في مملوكة لها: مولاتها، فقامت المملوكة عيها بهذه اللفظة تزعم أنها حرة، فزعمت السيدة أنها لم تعرف الفرق بين المولاة والمملوكة، وظنت أن المولاة هي المملوكة، فهل تخرج حرة بهذه اللفظة؟ فقال القاضي: نزلت هذه المسألة عندنا، فأفتى فيها أبوإبراهيم واللؤلؤي بأنها
стр. 144
تخرج حرة، قيل له: فما تقول أنت؟. فقال: بقولهما أقول، ومن قال في مملوكته: مولاتي، أو في مملوكة: مولاي، وانعقد ذلك عليه ببينة في وثيقة أو غيرها فإن المقول له ذلك يخرج حرًا، وكان أهل المجلس قد خاضوا فيها واختلفوا، فقال القاضي بالحرية في ذلك ولم يعذر الجاهل في ذلك يجهله.
ويدل على ما ذهب إليه القاضي - أن المولى لا يقع إلا على حر - ما في سماع عيسى عن ابن القاسم عن مالك فيمن قال في مرضه: ثلثي لموالي. وفيهم المدبر والمكاتب والمعتق إلى سنة. قال مالك: أما المدبرون فلا وصية لهم حتى يعتقوا في ثلث الميت، فأفضل منه عن عتقهم دخل فيه هؤلاء المدبرون، ومواليه الذين كانوا في حياته، والمعتقون إلى أجل، والمكاتبون يقسم باقي الثلث بينهم بالسوية، ويوقف ما صار للمكاتبين والمعتقين إلى أجل، فإذا أعتقوا دفع إليهم، وإن عجز المكاتبون ومات المعتقون إلى أجل، قبل الأجل، رجع حقهم إلى ما بقي من الموالي، قال: ولو كان له ولاء أنصاف عبيد، وأنصاف مدبرين دخلوا مع الموالي بأنصاف ذلك الولاء، فأعطوا بقدر ذلك، قد بين في هذه المسألة أن المولى لا يقع إلا على المعتق، وفي المجموعة لابن وهب عن مالك: تدخل أمهات أولاده فيما أوصى به لمواليه أو تصدق به عليهم.
قال ابن الماجشون: والموصي بعتقه بعد موته. وقال ابن زرب: من استرعى في عتق أو طلاق فقال: متى عقدت لعبدي فلان عتقًا فإني إنما أفعله خوفًا من أن أكره على بيعه من حيث لا أستطيع أن أمتنع وإنما أفعله لوجه يذكره مثل هذا وشبهه وأنا غير ملتزم لعتقه، فإن أعتقه بعد الاسترعاء لم يلزمه العتق، وكذلك إن قال: إن طلقت امرأتي فلانة فإني إنما أفعله خوفًا أن تؤخذ عني من جهة السلطان بأشياء أطلب بها، وأنا غير ملتزم طلاقها، ثم طلقها بعد ذلك لم يلزمه الطلاق.
قال القاضي:
أصل هذا أن كل من استرعى في شيء تطوع لا يضم إليه كالعتق والطلاق وشبهه؛ يريد كالحبس نفعه الاسترعاء ولم يلزمه، ونحوه في وثائق ابن العطار قال: ويصدق المسترعي فيما يذكره من المتوقع وإن لم يعرف شهود الاسترعاء ذلك. قال: وإنما يجوز الاسترعاء في الحبس، وشبهه؛ لأنه تبرع بالحبس، ولو شاء لم يفعل، ولا يجوز الاسترعاء في البيوع إنه إنما يبيع لأمر يتوقعه، وإنه راجع فيه لأنه حق للمبتاع وقد أخذ البائع فيه ثمنًا إلا
стр. 145
أن عرف الشهود فيه الإكراه والإخافة أو التوقع فيكون له ذلك. قال: وإن استرعى في العتق أنه متى عقد لملوكه فكان عتقًا بتلاً أو مؤجلاً، فإنه إنما يفعله لتخلقه عيه مسترضيًا له، مستجلبًا لاستقامته، فيفسخ العتق بهذا الاسترعاء، وإن لم يعرف الشهود التخلق الذي ذكره.
والأصل في ذلك ما في سماع ابن القاسم فيمن فر عبده إلى العدو، وغزى المسلمون تلك الدار، فرآه سيده فقال له: أخرج إلي وأنت حر، فإن كان قد قال ذلك لشهود قبل أن يقول هذا للعبد أنه إنما يفعله استجلابًا له؛ نفعه وإلا فهو حر ولا يصدق في قوله، فإن قيد الاسترعاء في العتق نفع؛ لأن سببه ظاهر معروف وهو فراره إلى العدو، والحبس بخلافه، لأن السبب فيه لا يعرف فالجواب: إن من المحال أن يلزم ما قد أشهد على نفسه أنه لا يلزمه متى فعله وقد أجمع عليه الشيوخ.
وفي أحكام ابن زياد في امرأة ادعت الحرية:
كشفتنا - وفقك الله - في امرأة ألفيت بيد رجل فادعت أنها حرة من موضع سمته بجيان وإن متغلبًا في ذلك الجانب أغار عليهم فسباها فيمن سبي وهي حرة، وذكر الذي ألفيت بيده أنه ابتاعها في ذلك الجانب الذي زعمت أنها من أهله، فالذي نقول به في ذلك: أن يكون إثبات الرق على من ادعاه لتصديقه إياها على ذلك الناحية التي ادعتها، وللذي فشى من فساد تلك الناحية، وقد قال سحنون بهذا، وقد قال ربيعة: تحدث للناس أقضية لما يحدثون، فنرى أن تؤجله، فإن أتى بما يحق رقها لمن باعها بأصل حق ثبت له وإن لم يأت بشيء من ذلك أطلقها حرة إن شاء الله. قال محمد ابن وليد، وقال بذلك يحيى بن عبدالعزيز، إلا أن فيه اختلافًا؛ لأنها قد أقرت بالرق فعليها البينة.
والذي نختاره من ذلك الذي قاله المتقدم بالجواب في هذا الكتاب؛ لفساد البلد والناحية التي ابتاعها بها والذي يقول ابن لبابة: إن البينة على مدعي الحرية إذ هي في ملك الرجل ومعروفة بالرق.
ومسألة أخرى في معناها:
إذا وجب أهل العلم حمل البينة على ابن عسلون أنها ملك يده، فحملته البينة وأجلته آجالاً وسعت عليه فيها فقد كان لك أن تنظر إن شاء الله للمرأة وتطلق سبيلها بالحرية؛ لأنهم إنما رأوا البينة على ابن عسلون من قبل إقراره بابتياعها بموضع الفتنة،
следующие страницы →