فقال لي: يحلف المشهود له بالله: ما يعلم للميت وارثًا سواه، ثم يدفع إليه جميع الميراث، ولا يوقف منه شيء في مثل هذا البعد.
قلت: ولم أحلفته مع شهادة شاهديه؟ قال: لشهادة الشاهد الذي شهد أن معه وارثًا غيره، فأوجب أصبغ اليمين هنا من أجل هذا الشاهد.
ففي كثير من المسائل ما يدل على أنه لا يمين عليه، ولهذا سأل ابن حبيب عن اليمين، وإذا كان في الأصول ألا يراعي الشاهد مع الشاهدين؛ كان ترك مراعاة قول المتوفاة أولى، ولو قدم من جيان رجل فادعى أنه الزوج الذي أقفرب به لم يكن له بذلك ميراث.
قال ابن القاسم في سماع يحيى في امرأة ادعت على رجل قد مات أنه زوجها، وأقامت بينه بإقراره في صحته أنها امرأته، ولم يشهد بأصل النكاح وكانت نائية عنه منقطعة في مسكنها منه: إنها لا ميراث لها ولا صداق إذا لم تقم بما كانت تدعيه إلا بعد موته؛ لأنها لو ماتت هي وهو حي لم يرثها بذلك الإقرار الذي كان منه قبل موتها حتى يعرف إقرارها بنكاحه الذي كان يدعيه مع إشهار ذلك وإعلانه [ويقدم إذاعته] منهما.
وفي موضوع آخر من قوله أنه لم ير ذلك نكاحًا حتى يثبت أصله بالبينة؛ لقول عمر ﵁: لا نكاح إلا بولي وصداق وشاهدين عدل. وقال أشهب نحوه.
وفي هذا كله دليل واضح على إسقاط قول علي؛ إذ لم يقترن بإقرارها شيء من هذا، ولثبوت وراثتها بشاهدي عدل لم يذكر واحد منهما زوجًا.
وأما بيع الحاضن أو الحاضنة ما قل ثمنه من مال المحضون لحاجته إلى ذلك فنافذ عليه لازم له. قال أصبغ في كتاب ابن حبيب، وفي التفليس من العتبية وبه جرى العمل، وهو في مسألتنا أقوى لاقتران فعل الحاضنة بنظرك الذي ثبتت به حضانتها للمبيع عليه ويتمه وصغره، فأطلقها وأحمد والصيين على اقتسام تركة على وبيع ما لابد لهم من بيعه، أعانك الله على ما قلدك وتخلصك مما عصب بك بعزته والسلام.
стр. 142
باب مسائل العتق وادعاء الحرية في عبد بين ثلاثة؛ أعتق أحدهم نصيبه في وصية، واشتكى بأحد سيديه
في أحكام ابن زياد:
إذا ثبت ما قاله المملوك أو ترددت شكيته بذلك، أمر ببيع نصيبه منه، ولا يحل له أذاه، وإن ظهر منه استصلاح إليه ورجوع ما كان عليه من أذاه له أقر عنده. قال ابن لبابة، ويحيى بن عبدالعزيز، وغيرهما.
وفي المدونة في عبد بين ثلاثة أعتق أحدهم نصيبه ثم أعتق الثاني نصيبه، فتقديم نصيب الثالث على الأول لا على الثاني، وكذلك لو كان الأول معسرًا، وكان الثاني موسرًا، لم يقوم عليه؛ لأنه لم يبتدأ فيه فسادًا، ولو أعتق اثنان معًا لزم عليهما، فإن كان أحدهما معسرًا قوم جميع نصيب الثالث على الموسر. وقال ابن حبيب: لا يلزمه إلا ما كان يلزمه لو كانا موسرين، ومن أعتق نصيبه من عبد وهو صحيح، فلم يقوم عليه حتى مرض، قوم عليه في الثلث قال ابن القاسم: وإن لم يعلم إلا بعد موته لم يقوم عليه شيء.
وفي سماع أهب في العتبية:
إن مات بحدثان ذلك قوم عليه في رأس ماله، بخلاف معتق لبعض عبده فلم يستتم عليه حتى مات. هذا لا يتم عليه، وقال مالك في كتاب ابن حبيب وابن المواز وابن سحنون: من أوصى بعتق نصيبه من عبد لم يقوم عليه نصيب شريكه، وفي آخر رسم نقدها قال مالك: إن أوصى بعتق نصيبه من عبد وإن يعتق عنه نصيب صاحبه، لزم ذلك شريكه وإن أبى.
وفي مسائل ابن حبيب:
عن سحنون: من اشترى وصيفًا صغيرًا فقيل له: ما تريده وهو صغير لا منفعة فيه. فقال: هو ولد وهو حر. ثم قال: لم أر بهذا الكلام شيئًا ولا كانت لي فيه نية.
وفي كتاب السلطان:
في أول سماع أصبغ قال أشهب، في العبد يستبيع من سيده لضرورته به: إن كان ضررًا قد عرف وكثر بيع عليه، وإن كان إنما هي الزلة والفلتة من سيده كف عنه ونهي، قال: حسبته مرة بعد مرة، فإن عاد بيع عليه.
ونحوه لمالك في سماع ابن القاسم، وفي موضع آخر منه سئل مالك عن عجوز
стр. 143
أكلت لحم جاريتها فأثرت بجلدها أثرًا شديدًا، فأمر صاحب الشرطة أن يبيعها عليه ولم ير في ذلك عتقًا. وقال أشهب في غير العتبية: ولو يثبتها لم تعتق.
وفي مسائل ابن زرب:
قال: من أعتق نصيبه من عبد، فلما طلبه شريكه بقيمة نصيبه قال: يقوم علي أنه سارق آبق؛ لأنه كذلك. وقال شريكه: بل هو سالم من ذلك، وعلى السلامة يقوم، فعلى مدعي السلامة اليمين؛ لأنه مال يريد أن يأخذه بغير حق فيما يزعم المطلوب؛ لأن قيمته بعيوبه قد لا تكون مثل نصف قيمته سالمًا. فيقول: أنت تريد أن تأخذ مني نصف القيمة بغير حق.
قال القاضي أبوالأصبع:
هذه المسألة في رسم العتق من سماع أشهب وابن نافع عن مالك: يسأل الذي لم يعتق عما ذكره المعتق، فإن أقر له به فكذلك، وإن أنكر ذلك لم أر عليه يمينًا، وقوم صحيحًا سليمًا، وفي سماع أبي زيد عن ابن القاسم مثله، إلا أن يأتي المعتق ببينة.
وفي أصل ابن زرب في سماع عيسى رجع ابن القاسم وقال: يحلف، وإن أبي حلف المعتق، وقوم العبد آبقًا سارقًا، فكره أيوب وأراه قد وقع في الرهون لعيسى، كذا في مستخرجه ابن زرب، وكذلك في كتاب ابن حبيب من رواية أصبغ عن ابن القاسم أنه يقوم سليمًا، ولا يحلف إلا أن يقيم شاهدًا، ثم رجع فقال: بل يحلف له. قال أصبغ: وبه آخذ. قال ابن حبيب: والأول أحب إلي.
وفي النوادر قال أشهب:
إن أقام شاهدًا واحدًا حلف معه، فإن نكل حلف الآخر ما علمته سارقًا ولا آبقًا، وإن لم يكن عدلاً لم يحلف معه وحلف المتمسك على العلم. قال محمد: لا يوجب عليه غير العدل يمينًا. ولابن حبيب عن ابن الماجشون مثل قول أشهب، وقاله ابن عبدالحكم.
وفي مسائل ابن زرب:
سأله أبو الأصبغ الحشا عن امرأة جاهلة انعقدت عليها وثيقة ذلك فيها في مملوكة لها: مولاتها، فقامت المملوكة عيها بهذه اللفظة تزعم أنها حرة، فزعمت السيدة أنها لم تعرف الفرق بين المولاة والمملوكة، وظنت أن المولاة هي المملوكة، فهل تخرج حرة بهذه اللفظة؟ فقال القاضي: نزلت هذه المسألة عندنا، فأفتى فيها أبوإبراهيم واللؤلؤي بأنها
стр. 144
تخرج حرة، قيل له: فما تقول أنت؟. فقال: بقولهما أقول، ومن قال في مملوكته: مولاتي، أو في مملوكة: مولاي، وانعقد ذلك عليه ببينة في وثيقة أو غيرها فإن المقول له ذلك يخرج حرًا، وكان أهل المجلس قد خاضوا فيها واختلفوا، فقال القاضي بالحرية في ذلك ولم يعذر الجاهل في ذلك يجهله.
ويدل على ما ذهب إليه القاضي - أن المولى لا يقع إلا على حر - ما في سماع عيسى عن ابن القاسم عن مالك فيمن قال في مرضه: ثلثي لموالي. وفيهم المدبر والمكاتب والمعتق إلى سنة. قال مالك: أما المدبرون فلا وصية لهم حتى يعتقوا في ثلث الميت، فأفضل منه عن عتقهم دخل فيه هؤلاء المدبرون، ومواليه الذين كانوا في حياته، والمعتقون إلى أجل، والمكاتبون يقسم باقي الثلث بينهم بالسوية، ويوقف ما صار للمكاتبين والمعتقين إلى أجل، فإذا أعتقوا دفع إليهم، وإن عجز المكاتبون ومات المعتقون إلى أجل، قبل الأجل، رجع حقهم إلى ما بقي من الموالي، قال: ولو كان له ولاء أنصاف عبيد، وأنصاف مدبرين دخلوا مع الموالي بأنصاف ذلك الولاء، فأعطوا بقدر ذلك، قد بين في هذه المسألة أن المولى لا يقع إلا على المعتق، وفي المجموعة لابن وهب عن مالك: تدخل أمهات أولاده فيما أوصى به لمواليه أو تصدق به عليهم.
قال ابن الماجشون: والموصي بعتقه بعد موته. وقال ابن زرب: من استرعى في عتق أو طلاق فقال: متى عقدت لعبدي فلان عتقًا فإني إنما أفعله خوفًا من أن أكره على بيعه من حيث لا أستطيع أن أمتنع وإنما أفعله لوجه يذكره مثل هذا وشبهه وأنا غير ملتزم لعتقه، فإن أعتقه بعد الاسترعاء لم يلزمه العتق، وكذلك إن قال: إن طلقت امرأتي فلانة فإني إنما أفعله خوفًا أن تؤخذ عني من جهة السلطان بأشياء أطلب بها، وأنا غير ملتزم طلاقها، ثم طلقها بعد ذلك لم يلزمه الطلاق.
قال القاضي:
أصل هذا أن كل من استرعى في شيء تطوع لا يضم إليه كالعتق والطلاق وشبهه؛ يريد كالحبس نفعه الاسترعاء ولم يلزمه، ونحوه في وثائق ابن العطار قال: ويصدق المسترعي فيما يذكره من المتوقع وإن لم يعرف شهود الاسترعاء ذلك. قال: وإنما يجوز الاسترعاء في الحبس، وشبهه؛ لأنه تبرع بالحبس، ولو شاء لم يفعل، ولا يجوز الاسترعاء في البيوع إنه إنما يبيع لأمر يتوقعه، وإنه راجع فيه لأنه حق للمبتاع وقد أخذ البائع فيه ثمنًا إلا
стр. 145
أن عرف الشهود فيه الإكراه والإخافة أو التوقع فيكون له ذلك. قال: وإن استرعى في العتق أنه متى عقد لملوكه فكان عتقًا بتلاً أو مؤجلاً، فإنه إنما يفعله لتخلقه عيه مسترضيًا له، مستجلبًا لاستقامته، فيفسخ العتق بهذا الاسترعاء، وإن لم يعرف الشهود التخلق الذي ذكره.
والأصل في ذلك ما في سماع ابن القاسم فيمن فر عبده إلى العدو، وغزى المسلمون تلك الدار، فرآه سيده فقال له: أخرج إلي وأنت حر، فإن كان قد قال ذلك لشهود قبل أن يقول هذا للعبد أنه إنما يفعله استجلابًا له؛ نفعه وإلا فهو حر ولا يصدق في قوله، فإن قيد الاسترعاء في العتق نفع؛ لأن سببه ظاهر معروف وهو فراره إلى العدو، والحبس بخلافه، لأن السبب فيه لا يعرف فالجواب: إن من المحال أن يلزم ما قد أشهد على نفسه أنه لا يلزمه متى فعله وقد أجمع عليه الشيوخ.
وفي أحكام ابن زياد في امرأة ادعت الحرية:
كشفتنا - وفقك الله - في امرأة ألفيت بيد رجل فادعت أنها حرة من موضع سمته بجيان وإن متغلبًا في ذلك الجانب أغار عليهم فسباها فيمن سبي وهي حرة، وذكر الذي ألفيت بيده أنه ابتاعها في ذلك الجانب الذي زعمت أنها من أهله، فالذي نقول به في ذلك: أن يكون إثبات الرق على من ادعاه لتصديقه إياها على ذلك الناحية التي ادعتها، وللذي فشى من فساد تلك الناحية، وقد قال سحنون بهذا، وقد قال ربيعة: تحدث للناس أقضية لما يحدثون، فنرى أن تؤجله، فإن أتى بما يحق رقها لمن باعها بأصل حق ثبت له وإن لم يأت بشيء من ذلك أطلقها حرة إن شاء الله. قال محمد ابن وليد، وقال بذلك يحيى بن عبدالعزيز، إلا أن فيه اختلافًا؛ لأنها قد أقرت بالرق فعليها البينة.
والذي نختاره من ذلك الذي قاله المتقدم بالجواب في هذا الكتاب؛ لفساد البلد والناحية التي ابتاعها بها والذي يقول ابن لبابة: إن البينة على مدعي الحرية إذ هي في ملك الرجل ومعروفة بالرق.
ومسألة أخرى في معناها:
إذا وجب أهل العلم حمل البينة على ابن عسلون أنها ملك يده، فحملته البينة وأجلته آجالاً وسعت عليه فيها فقد كان لك أن تنظر إن شاء الله للمرأة وتطلق سبيلها بالحرية؛ لأنهم إنما رأوا البينة على ابن عسلون من قبل إقراره بابتياعها بموضع الفتنة،
стр. 146
وحيث تتابع الأحرار ولا يقدرون على الامتناع فأطلق سبيلها وأقطع علق ملك ابن علسون عنها إذا يثبته فإنك في ذلك مثاب، ما له وأشار به ورآه صوابًا من النظر محمد بن غالب، وعبيد الله بين يحيى، وأيوب بن سليمان، ويحيى بن عبدالعزيز، وسعد بن معاذ، ومحمد بن وليد، وأحمد بن يحيى ابن أبي عيسى، وقال ابن لبابة: كان عبدالأعلى يفتي بما قال أصحابنا لفساد الزمان. قال: أو لست تراه وكل من كان بيده شيء فهو له.
وفي مسائل ابن زرب في ذلك: عبد بين رجلين زعم أنه حر، وعلم أنه قد كان بيع في بلده، وبيع الأحرار فيها فاش معلوم. قال القاضي: يخرج المملوك عن يد الذي هو بيده حتى يقيم البينة أنه ابتاعه ممن كان له ملكًا وجعل الإثبات على السيد وقال: قد أفتيت بهذا فيما بيع في بلد الحسن؛ إذ كان الغالب فيه بيع الأحرار، وبذلك كان شيوخ بلدنا يفتون فيما بيع في بلد ابن حفصون، كانوا يكلفون السيد إقامة البينة على صحة ابتياعه، وأن المملوك كان ملكًا لبائعه، وقد ذلك لنا ابن عتاب مثل هذه من اتفاق الشيوخ على ذلك إذا كثر بيع الأحرار في فتنة ابن حفصون.
قال: ونزلت بابن عبدالرؤوف صاحب المظالم بقرطبة أبي عبدالله مسألة: ادعت مملوكة أنها حرة الأصل، وأنها من باجرة ولها بها أهل، فوقفت أيامًا ثم رجعت عن دعواها وقالت: كذبت ما أنا إلا مملوكة، فشاور في ذلك فقالت طائفة: لا يسمع رجوعها عن دعواها؛ لأنها قد استحقت حريتها بدعواها فليس لها أن ترق نفسها، وقالت طائفة: يسمع منها وتبقى مملوكة لسيدها قال: وهو رأيي وبه أفتيت واختاره القاضي ابن بشير. قال: وهو في أحكام ابن زياد على هذا الاختلاف.
والذي ألفيت أنا في هذه الأحكام من هذا المعنى: أتتنا رحكمه الله وإيانا امرأة تزعم أنها حرة، وادعى رقبتها رجل، فوضعتها على يدي أمين حتى أنظر في أمرها، ثم أتاني الرجل بعد أيام فذكر أنها مقرة بالرق الذي كانت أنكرته.
فقالوا: الذي يجب في ذلك أنها إن كانت مجهولة الأصل فإقرارها بالرق له لازم لها وجائز عليها وترد إليه بعد الإعذار إليها في إقرارها بمملكته لهذا، قاله ابن لبابة وغيره.
هذا الذي في أحكام ابن زياد، ولم يذكروا فيها خلافًا، ولم يذكر لنا ابن عتاب إذ ذلك ذلك ما فيسماع ابن لاقاسم من ذلك من قول مالك أنه يسمع نزوعها إلا أن يخاف أنها نزعت شيء خافته وأرادت ذكره فاستجيب منه وخفت أن يقال لي: ليست
стр. 147
كالتي أنفق الشيوخ عليها قال لنا: وقلت في جوابي: وإن أمكنك الكشف عن أمرها وكتبك إلى جهتها التي سمتها بقصتها كان حسنًا، وربما حقت عندك دعواها.
وكان ابن حفصون المذكورة قد ثار في بر بشير في أيام الأمين منذر بن محمد بن عبدالرحمن بن الحكم، وكانت وفاة المنذر في سنة خمس وسبعين ومائتين، وولي بعده أخوه عبدالله بن محمد، ثم ولي بعدها أخوهما عبدالرحمن بن محمد الناصر لدين الله أمير المؤمنين ﵃ جميعهم.
ونزلت من هذا المعنى مسألة بقرطبة:
قامت امرأة متملكة عند إبراهيم بن يحيى المعروف بابن السقا تدعي الحرية، وأنها ابنة فلان من سبته، وشهد لها عنده شاهدان على عينها أنهما يعرفانها بسبتة منذ سبعة أعوام أو نحوها تتصرف تصرف الحرائر، زاد أحدهما: أنها حرة، وقال الآخر: وأعرف لزيد الذي ذكرت ابنة إلا أني لا أعلم أهي هذه أم لا؟ وقيل شهادتهما، وأعذر إلى مالكها فلم يكن عنده مدفع وحكم بحريتها وإطلاقها.
وذكر في كتاب حكمة أنه شاور في ذلك أهل العلم فأفتوه بالحكم لها بذلك، وخاطب للمحكوم عليه قاضي طليلطلة أبا زيد بن الحشا ليعديه على بائع امرأة منه إذا كان ساكنًا بها، وثبت عند أبي زيد الخطاب والحكم وأعدى المحكوم عليه على البائع منه وسجل بذلك وكتب السجل، وانتسخ فيه حكم ابن السقا، وسأل المحكوم عليه بطليطلة أن يخاطب له قاضي بطليوس، وقال: إن بائعها منه بها فكتب له إلى قاضيها يومئذ أبي عبدالملك مروان بن محمد، فوصل إليه الكتاب والمكتوب له وقد هلك ابن السقا، فامتنع القاضي من إعدائه وقال: أحكام ابن السقا غير جائزة عندي، وانصرف الطليطلي دون شيء أخبرنا بذلك بطليطلة.
ثم صرت أنا إلى قرطبة وبلغني أن أبا زيد شاور فقهاء طليطلة في أحكام ابن السقا هل هي نافذة أم مردودة؟ فأفتوا أنها جايزة، وخاطب بذلك قاضي بطليوس للمحكوم عليه المذكور فاعترض بعض فقهائنا في شهادة الشهيدين للمرأة عند ابن السقا؛ لأن أحدهما كان شهد أنه يعرفها حرة تتصرف تصرف الحرائر الأمد المذكور. وقال الآخر: أعرفها تتصرف تصرف الحرائر هذه المدة، ولا أعرف أهي ابنة فلان أم لا. فقال أبومحمد بن الخزاز منهم وآخر معه: شهادتهما مختلفة فلا يجوز الحكم بها فكتب قاضي بطليوس
стр. 148
أبوعبدالملك إلى قرطبة يستفتي عن ذلك.
فجاوب ابن عتاب: الشهادة عاملة وحرية المرأة ماضية والحكم لها بذلك نافذ غير مردود.
وجاوب ابن القطان: أحكام ابن السقا وغيره مردودة لا يجوز إمضاؤها، ويجب ردها ونقضها؛ لأنه كان من أهل الجور والاعتداء وأن الشهادة ناقصة غير تامة إذا لم يشهد بأنها حرة.
وجاوب ابن مالك: إن الشهادة المشهود بها للمرأة غير عاملة؛ لقولهما يعرفانها تتصرف تصرف الحرائر، ولم يقولا جميعًا: إنها حرة تتصرف تصرف الحرائر، وقال لي: إذا تكلمت معه فيها: والآبق يتصرف تصرف الحرائر قلت: له فإن شهدا أنها حرة ولم قال لي: هي شهادة جائزة إذا لم يسميا المعتق، ولو سمياه لوجب الإعذار إليه إن كان حيًا، أو إلى ورثته إن كان ميتًا بعد ثبوت الملك والموت والوراثة.
ثم قال: شاهدت عد أبي بكر بن ذكوان أن القاضي قد شاور في عقد حبس كان أبوعمرو الشاطبي كتبه، وفيه يعرفون الدار التي بموضع كذا حبسًا من تحبيس فإن وأنها تحرم بحرمة الإحباء وتحاز بما تحاز به الإحباس، قال ابن عتاب لابن ذكوان: ليس هذا العقد بشيء، ولا يجوز به حكم إلا بعد ثبوت ملك المحبس وموته وعدة ورثته والإعذار في ذلك قال لي: وكان أبوعمور بالحضرة فقال لابن عتاب: كيف لا يكون العقد شيئًا وقد شهد شهوده بأنها تحرم بحرمة الإحباس، فقال له: اسكت إنما عليك أن تسمع ولا تعترض، قلت له: فهل الشهادة بأنها يعرفونها حرة كاملة دون أن يقولوا حرة ولا بنت حرين، قال لي: نعم.
وكتب إلى ابن عتاب: في سنة ثلاث وأربعين وأربع مائة يعقد استرعاء في إثبات حرية، نصه: يشهد من يتسمى في هذا الكتاب من الشهداء أنهم يعرفون فلان ابن فلان بعينه واسمه ونعته كذا حرًا ابن حرين لم يجر لأحد من الناس عيه ملك ولا شعبة رق في علمهم إلى حين شهادتهم هذه وتاريخه كذا.
وسألته عن فوائد قول الموثق: حرًا ابن حرين، وهو لو كانت أمه حرة وأبوه عبدًا لكان حرًا، وعن قوله في العقد في علمهم هل يوهن العقد، وكتب أي بخط يده العقد عامل فيما قصد به إليه من إثبات الحرية ولا علة في قوله: ابن حرين؛ لأنه وصفه بحرية
стр. 149
أنبوبة وأراد التعريف بأنه ليس ابن عيد من حرة ولو قال ابن حرة اكتفى.
وقوله: في عملهم، يرجع على قوله: لم يجر عليه ملك لأحد على آخر الكلام، وهو الذي يجب أن يقال فيه؛ إذا تقدم القطع على المعرفة بالحرية في صدر العقد بقوله يعرفونه حرًا ابن حرين وهذا لا يكون إلا على البت، ولو كان على العلم لم تكن شهادة توجب حكمًا وبالله التوفيق.
وفي دعوى الحرية في كتاب الجدار لعيسى بن دينار أن قاضي الجزيرة كتب إليه يسأله عن عبد ادعى حرية، وسأله أني رفع إلى قرطبة لمنفعة يرجوها بها، فكتب إليه أن سبب العبد عندك سببًا في دعواه كالشاهد العدل يقيمه عندك والشهود غير العدول فارفعه على حيث يرجو منفعته وإثبات حريته.
وإن لم يسبب شيئًا مما أعلمتك به فنرى أن يتخذ على صاحبه حميلاً ليلاً يبرح به ثم يسأل العبد عن موضعه الذي رجي فيه شهوده ومنفعته، فيكتب كتابًا إلى قاضي ذلك العبد أنه حر، وزعم أن بينته ومن يعرف حريته بناحيتك وقد وقفناه حتى يأتينا كتابك فانظر في أموره واكشف عن حريته ثم اكتب بلك إلينا لننظر فيه إن شاء الله تعالى.
والكتابة جائزة محضوض عليها ولا يجبر السيد عليها وإن طلبها العبد وهي بما يتراضيان عليه من قليل أو كثير منجم على المكاتب، والتدبير إيجاب وإلزام وهو قول مالك لعبده: أنت مدبر، أو قد دبرتك، أو أنت حر عن دبر مني أو إذا مت فأنت بالتدبير حر، وهو يخرج من الثلث.
ومن تسرى أمة فحملت منه حملاً ووضعته أو أسقطته فهي به أم ولد ولا يجوز بيعها ولا إجارتها ولا إسلامها في جناية إن جنتها، وإنما له فيها الاستمتاع وخفيف الخدمة وغذا مات خرجت من رأس ماله.
وغاب إنسان من قرطبة عن أم ولده وقامت بعدم النفقة عند القاضي محمد بن أحمد بن بقي وذكرت أنه غاب عنها مدة أزيد من ثلاثة أعوم بجهة المشرق وأنها بحال ضيقة ليس لها شيء تنفقه على نفسها، وأثبتت ذلك كله عنده، وشاور في ذلك.
فأفتى ابن عتاب: تصفحت خطابك وما ثبت عندك، ووجه العمل في ذلك أن تكشف عمن أسند الغائب إليه أمر أم ولده، فإن عثرت عليه أو على أحد من قرابته أو
стр. 150
غيرها ورجوت التوسع منهم لها إن كانوا مياسير، يسلف ما ينفق عليها مدة يسيرة فذلك حسن، وما أراد تجد أحدًا يجيب إلى ذلك لضيق الوقت وشدة الحال.
فإن لم تجد أحدًا أو جدت تلومت شهرًا أو أزيد منه، واستخرت الله تعالى وأنفذت عتقها على الغائب عتقًا تلحق به بأحرار المسلمات فيما لهن وعليهن، وتقيد ذلك من نظرك وتشهد عليه ولا يكون عليها بعد ذلك سبيل غير سبيل الولاء إلا أنك تذكر في نظرك أنك لم تقطع له حجة لما جرى به العمل قديمًا في هذا المعنى.
ومن أصحاب مالك من يرى في هذه القصة ولا في غيرها أعني ما يكتب أنه أرجى الحجة للغائب ولم يقطعها وطول مدة المغيب وأنها أزيد من ثلاثة أعوام يسقط عنها اليمين أنه لم يتخلف عندها ما تنفقه.
هذا الواجب في ذلك والله أعلم، وإليه أرغب في التوفيق والهداية لما فيه النجاة برحمته، ثم زاد في جوابه بعد قوله في آخر الجواب، قاله محمد بن عتاب.
وعن رواية صحيحة واقعة في ديوان معلوم قاله: ونص الرواية: قال أشهب: إذ عجز الرجل عن نفقة أمهات أولاده استحسنا أنها بمنزلة أزواجه إذا لم يقم بأمرهن ولم يكن شيء مثله يستعمل فيه مثلهن ما يكفيهن، ورأيت أن يضرب له أجر الشهر ونحوه فإن وجد لهن ما وصفت لك من أدنى ما يكفي ويعيش وإلا عتقن عليه فيسكبن على أنفسهم فيما أحل الله من نكاح الأيامى، وما يشبه ذلك من أسباب الرزق لأنهن إذا تركن بلا إنفاق عليهن متن جوعًا فهذا نص الرواية، والله أسأل التوفيق برحمته.
وأخبرت أن أبا عمر بن القطان أفتى أنها لا تعتق وأنها تبقى حتى ينصرف سيدها أو يصح موته أو ينقضي تعميره فتخرج حينئذ حرة. وقال: هذا الذي أراه على أصول ابن القاسم، وقد نزلت وأفتى أبومحمد بن الشقاق فيها بذلك، قال: وقال لي ابن الشقاق: فيها رواية لعلي بن زياد أنها تعتق ولم يأخذ في جوابه بهذه الرواية.
وأخبرني أبوبكر محمد بن منظور القاضي عن القرشي اليتمي أنه أفتى بإشبيليه أنها تعتق، قال: وخولف في ذلك، والصواب عندي ما أفتى به ابن عتاب والتيمي من تعجيل عتقها عليها ذكره ابن عتاب عن أشهب وابن الشقاق عن علي بن زياد وإن كان ابن العطار قد قال في وثائقه إنها لا تعتق وتسعى في إقامة معاشها، ولم أرد أحدًا من الفريقين ذلك قول ابن العطار هذا، ولا شك أنه غاب عن ذكرهم والله أعلم.
стр. 151
قلت لابن عتاب: هل عليها عدة إذا حكم بعتقها؟ قال: نعم، تعتد بحيضة، قلت له: وهل عليها يمين أن سيدها لم يتخلف عندها شيئًا ولا أرسل إليها بشيء، كما تلزم زوجة الغائب إذا طلقت نفسها بعدم النفقة؟ فقال لي: لا يمين عليها وبذلك أفتيت لطول أمد المغيب وهي لخلاف الحرة في هذا، لابد للحرة من أن تحلف.
стр. 152
باب النكاح
قال بعض المتأخرين: فرائض النكاح ثلاث: الولي والصداق وشاهدًا عدل، وسنة ثلاث: إظهاره والوليمة والدخلة. والنكاح مندوب إليه لمن قوى عليه، ولا يكون إلا بولي ذكر، وصداق ولا حد أكثره، وأقله محدود وهو ربع دينار ذهب، أو ثلاثة دراهم كيلا، أو ما قيمة أحدهما، ولا يبني بها حتى يقدمه إذا كان هذا المقدار، فإن كان أكثر وقدم منه هذا المقدار جاز البناء.
وإن اختلف الزوجان فيه قبل البناء، تحالفًا وتفاسخًا وبدئت المرأة باليمين كالبائع كان الاختلاف في عدده أو نوعه، وإن كان الاختلاف في عدده، وإن كان في نوعه تحالفًا وكان لها صداق مثلها، وقيل غير هذا.
وفي أحكام ابن زياد في الدعوى في نكاح: قام عندي - وفقك الله - رجل ذكر أن رجلاً أنكحه أخته وعقد له عليها، ثم أنكره ذلك، ونزع إلى أن الجارية راضية وأن الأخر برجوعه عاضل، فالذي نراه امتحان الجارية بمن يعرفها.
فإذا قالت: قد رضيت به زوجًا، وبما بذل لها صداقًا، وثبتت الكفاءة في حالة ومالله، وقف الولي على العقد، أو إقامة الحجة في إباءته التي أوجبت التوقف، فإن لم يأت بذلك وثبت العضل وكل القاضي من يزوجها. قاله محمد بن غالب، ومحمد بن وليد، وأحمد بن بيطي، وعبيد الله بن يحيى، وسعد بن معاذ.
قال القاضي أبو الأصبغ: الصواب عندي - والله أعلم - أن يوقف الأخ أولاً على ما ذكره الزوج، فإن وافقه على الامتناع من العقد عليها، كشف عن وجه إقائته، فإن ذلك ما يوجبه وبأن صوابه؛ تركه وذلك، وإن كذبه في الامتناع وقالك نعقد له؛ تركه أيضًا وذلك.
وإن امتنع من العقد عليها، ولم يأت بوجه يبين في امتناعه صوابه، كان حينئذ ما قالوه من ثبوت رضاها، والكفاءة، وأنها خلو من زوج، وفي غير عدة منه، ووكل القضاي من ينكحها منه، والله الموفق للصواب.
وفي سماع ابن القاسم في كتاب البر: سئل مالك عن جارية بنت عشر سنين، زوجها أخوها وأمها وابن عم لها، فأقام الزوج معهم يحوز مال زوجته ويقوم فيه، ثم ماتت الأم، فطلب الزوج الدخول بالجارية، فقال الأخ: لا زوجة لك، لم تكن أختي
стр. 153
رضيت ولا أعلمناها، وأنكرت الجارية.
قال: إن قامت له بينة على رضاها وإلا حلفت الجارية وأخوها على ذلك؛ وكان القول قولها، وفرق بينهما.
وقال أبوصالح: لا يمين عليها ويفسخ النكاح؛ لأنها زوجت صغيرة، وتدبر قوله: أحلفت الجارية وأخوها، لأي شيء يحلف أخوها؟! أرأيت إن نكل وحلفت هي، أليس يكون النكاح غير لازم لها؟ وقول أبي صالح حسن لها.
وفي سؤال حبيب بن نصر لسحنون فيمن أنكح وليته قبل بلوغها، وبني بها زوجها، ورفع إلى الحاكم أمرها وهي حامل، قال: يفسخ نكاحها وتبقى حتى تضع، فإن أراد ارتجاعها ونكاحها ذلك له، وإن أراد تزويجها بعد الفسخ وقبل الوضع لم يجز، لأنه لا يجوز له صب مائه الصحيح على مائه الفاسد، والفسخ بغير طلاق، ولا أقول بقول ابن القاسم إن ما اختلفت فيه بفسخه بطلاق.
وروي أشهب وابن نافع عن مالك في جارية أنكحها أخوها، ثم مات الزوج قبل البناء، فقال الورثة: أقيموا البينة أنها قد اكانت رضيت، قال: تسأل عن ذلك إن كانت رضيت، فإن قالت: نعم، قيل: أتسأل؟ قال: نعم. وفي كتاب ابن المواز فإن قالت: نعم، فذلك لها.
وفي دعوى نكاح بين محمد بن نصر وابنة ابن العين:
فهمنا - وفقك الله - ما سألت ابنة العين، من النظر لها فيما ادعاه محمد بن نصر من نكاحها، وما ضربت لها من الآجال، وضربك له أجلاً قاطعًا، كل ذلك لم يأت بشيء، فالذي نقول: إن النكاح ليس بضرب فيه من الآجال ما يضرب في الحقوق، لما في عقد الفروج من الضرر الذي ليس في الأموال.
فإذا كنت قد أعذرت إليه مرارًا كما ذكرت، ثم ضربت له أجلاً قاطعًا فلم يأت بشيء، فاشهد لابنه ابن العين بتعجيز ابن نصر، وقطعك طلبه عنها في النكاح.
قال بذلك ابن لبابة، وابن وليد، وعبيد الله، ومحمد بن غالب، ويحيى بن عبدالعزيز، وايوب بن سليمان، وأحمد بن يحيى.
وفي سماع أصبغ عن ابن القاسم فيمن ادعى نكاح امرأة وأنكرته وادعى بينة بعيدة، لم تؤمر بالانتظار إلا أن تكون بينة قريبة لا يضر ذلك بالمرأة، ويرى الإمام لدعواه
стр. 154
وجهًا، فإن عجزه ثم جاء ببينة، فقد مضى الحكم، نكحت أم لم تنكح، وهذا الأصل لجوابهم.
وفي تداعي نكاح أيضًا: قام عندي - رحمكم الله - منذر، فذكر أن عبدالله زوجه ابنته أسماء، فقال عبدالله: نعم زوجتكها وهي بكر في حجري وولاية نظري، بنقد خمسين وكاليء مثلها إلى أجل معلوم، وابنتيت بها ثم طلقها.
وقال منذر: لم أطلقها والنقد والكالئ خمسون، وقد قضيتكما كلها ولم أبتن بها، وحلت بيني وبينها، وبقرطبة زوجتنيها. وقال عبدالله: بل بجيان. كشفنا من حضرنا من أهل العلم، عما تنازع فيه منذر وعبدالله، فقالوا: يجب أن يحلف عبدالله أبوأسماء؛ بالله الذي لا إله إلا هو، ما أنكح ابنته أسماء من منذر، إلا بصداق مائة دينار نقد وكالئًا، وما اقتضى من النقد والكالئ شيئًا، ولا عنده كتاب صداق ولا غيبة.
فإذا حلف، قيل للزوج: قد للزوج: قد لزمك ما حلف عليه أبوأسماء، إلا أن تدفع ذلك بيمينك بالله الذي لا إله إلا هو ما نكحت أسماء إلا بصداق؛ خمسين نقدًا وكالئًا، ولا ابتنيت بأسماء.
فإذا حلف كذلك، تفاسخًا النكاح، إلا أ، يشاء الأب قبل إيمانهما هذه أو بعدها أن يمضي النكاح بصداق خمسين، أو يشاء الزوج أن يكمل المائة نقدًا وكالئًا، فيتم النكاح حينئذ، وتبقى اليمين على عبدالله أنه ما انتقد معجل صداق ابنته أسماء ولا مؤجلة. قاله محمد بن لبابة وأهل العلم.
وفي الواضحة قال ابن حبيب: إذا اختلف الزوجان في الصداق، فالقول قول المرأة قبل البناء مع يمينها إن كانت ثيبًا، أو قول أبيها مع يمينه إن كانت بكرًا، ثم الزوج مخير بعد أن يحلف على تكذيب المرأة أو تكذيب أبيها؛ فإن شاء تقدم على ما حلفت عليه المرأة أو أبوها، وإن شاء ترك النكاح ولم يلزمه شيء من الصداق، وهو المعنى الذي أفتى به الشيوخ فوق هذا.
ونقل بعض المختصرين قول ابن حبيب على غير هذا المعنى؛ قال: قال ابن حبيب في اختلاف الزوجين: تحلف قبل البناء الثيب، فإن كانت بكرًا حلف الأب، ثم للزوج الرضي بذلك، أو يحلف ويفسخ النكاح.
وقال عبدالحق في كتابه عن بعض شيوخه: إذا اختلف الزوجان قبل البناء فتحالفًا،
стр. 155
فبعد التحالف وقبل فسخ النكاح، رضي الزوج بما ادعت المرأة، أو رضيت المرأة بما ادعى الزوج، ليس ذلك لمن أراده، ويفسخ نكاحهما، وليس ذلك كالبيوع، على مذهب ابن القاسم؛ لأن النكاح باب ينبغي فيه الحوطة، وهما - فيما وصفنا - كاللعان: بتمام التحالف يفسخ.
وكان ذلك المختصر الناقل لكلام ابن حبيب على غير ما في الأصل نحا هذا النحو، والصواب قول مالك وأصحابه؛ ما قاله ابن حبيب وأفتى به ابن لبابة وغيره، وكفى بقول مالك: أشبه شيء بالبيوع النكاح، حجة في ذلك، مع قوله وقول أصحابه - ابن القاسم وغيره - فيمن نكح بمائة نقدًا ومائة مؤخرة لم يضب لها أجل، أنه يفسخ قبل البناء، إلا أن يرضى الزوج بتعجيلها مع النقد.
وهذا يشبه ما ذهبنا إلى تبيينه، من قول ابن خبيب وصحته، وفتوى الشيوخ في رضي الزوج بالتزام النكاح، فما ادعت المرأة وأبوها بعد الإيمان، وكذلك قال أصبغ وغيره، في النكاح ينعقد بربع دينار أو أزيد وبعبد آبق، فترضى المرأة بإسقاط الضرر: أن النكاح يلزم الزوج.
ونقل هذه المسائل على نصوصها مستوعبة يطول به الكتاب، ولذلك نذكر منها ما يحصل معه التنبيه عليها، ونترك باقيها اكتفاء بالمذكور منها إن شاء الله، إلا أن قول ابن لبابة ومن وافقه: وتبقى اليمين على عبدالله أنه ما انتقد معجل صداق ابنته أسماء ولا مؤجله، لا معنى له، إذ قد حلف على ذلك في يمينه المتقدمة والله أعلم.
في نكاح تدعى أم الزوجة أنها ناظرة لها مع آخر يشركها في النظر له قام عندي - أكرمكم الله - محمد بن عبيد الله بن هاشم، فذكر أن أم الأصبغ خطبها إلى نفسه، وأصدقها سبع مائة دينار، عرض منها عرضًا، عرفته بوصف من وصفه لها بماتتي دينار، وأخر نقدها خمس مائة دينار، والكالئ سبع مائة دينار إلى خمس سنين، وشروط أخذها في كتاب أثبته عندي، وأنها رضيت به زوجًا وبما بذل لها صداقًا، وفوضت عقد نكاحها إلي، وثبت جميع ذلك عندي بشهادة ابن لبابة وغيره، وذكر الزوج أن لها وليًا، إلا أن أمها عبدة تدعي أنها وصية.
وشهد عندي أبوعبدالله بن لبابة وغيره: أنها غير مستحقة لنظر - إن كانت وصية كما ذكرت -؛ لسوء حالها، وأنها أرادت ابتياع مال لابنتها منها، وحلفت ألا تكلمها
стр. 156
حتى تصير إيها، وذكرت أن ابن لبيب شريكها في النظر لأم الأصبغ، وسأل محمد بن عبدالله النظر له فيما رفع إلي، فخذوا لنا - رحمكم الله - وجه النظر لنعمل به ونحتذى عليه إن شاء الله.
فهمنا - وفقك الله - ما ذكرته، والذي نجيب في ذلك: أن تبعث في وليد بن لبيب، وتعلمه بما ثبت عندك، وما انتهى إليك من أنه ناظر لأم الأصبغ، فإن أقر بذلك كلف البينة وإن أنكره كتب إنكاره.
وترسل إلى عبدة وتكشف، فإن أقرت بالنظر، أعلمت بما ثبت من سوء سيرتها، فإن كان عندها مدفع؛ نظر القاضي فيه، وإن أنركته؛ كتب إنكارها، ثم أعلم القاضي الولي بما ثبت عنده، ويأمره بعقد نكاحها، فإن فعل وغلا وكل القاضي على عقد نكاحها منه. قاله ابن لبابة وعبيد الله بن وليد، وايوب بن سليمان، ويحيى ابن سليمان.
امرأة طلبت زوجها بالإقرار بصداقها:
قال أبوصالح: لابد للمسؤول عنه بأن يقول فيه: نعم أو لا. وأما في الإباحة، فإن قولنا: إن كان الزوجان غريبين، وتقارا، قبل قولهما، وإن كانا من أهل البلد، لم يقض القاضي بينهما بقولهما إنهما زوجان إلا عن إثبات أصل النكاح.
جارية تزعم عمتها أن ابنها يخطبها:
قال ابن لبابة وابن وليد: توقف الجارية: فإن قالت: لا أرضى؛ تركت، وإن قالت: أرضى به زوجًا وأفوض نكاحي إلى القاضي إن كره أعمامي، أمرت الغلام والعمة أن يثبتا عندك أنه كفؤ لها، فإن أثبت ذلك أمرت العم بتزويجها، إلا أن يكون له مدفع في البينة، فإن لم يكن عنده مدفع وأبي من إنكاحها، أمرت بإنكاحها من ابن عمتها.
نكاح طلبه ابن عمار لولده وزعم أنه في ولايته:
فهمت - وفقك الله - ما أمرتني أن أشرحه لك من خبر طلب ابن عمار نكاح ابنه، وقوله أنه في ولايته، والولد - وفقك الله - في ولاية أبيه، وإن بلغ، حتى يظهر رشده، ويشهد العدول على صلاح أمره، ولكن لابد من حضوره حتى يكون تعجيزك لابنه بمحضره، وتذكر له أن أباه خاصم عنه؛ إذ ذلك أنه في ولايته، فإن صدقه؛ تمت قضيتك عليه بتعجيزك لابنه، وإن لم يكن على ما قاله الأب، حملته البينة على أنه مطلق رشيد، فإن ثبت رشده أجلته وأوقعت عليه القضية بالتعجيز في مطلبه.
стр. 157
وأما دخول ابن عمار على الجارية فإذا كان ولده في ولايته، أوقفته: هل يعرفها؟ فإن ذكر معرفتها؛ دخل مع رسولك الأمناء، فإذا قال: هي التي أطلب، وقفت الجارية، فإن أنركت ما ادعاه من تزويجه منها، وقالت: الذي قام به أخي من إنكاره ودفعه بأمري كان، وعن إذني خاصم؛ لزمه التأجيل الذي أجلته وعجزته بتعجيزه ولده.
وإن قال: لا أعرفها وليس هذا الشخص الذي زوجت ابني منه، أشهدت على إنكاره الشخص، وقطعت عن هذا الشخص حجته، وقلت له: أثبت شخصًا غيره وأوقع طلبتك عليه، هذا وجه المأخذ في طلبتك عليه.
هذا وجه المأخذ في طلبه قول الأولياء: لم يدخل لنا ابن عمار على امرأة ولا رأي هذه الجارية، وقال هو: نعم أعرفها ورأيتها، أوجب إيقافه على الشخص، إلا أن يوجد شاهدان يعرفانها ساكنة معه، فيستغني حينئذ عن إدخاله عليها.
وإنما دخوله عليها على الضرورة إذا لم يوجد من يعرفها، فلم يكن بد من يبصر الشخص ليوجد السبيل إلى تعجيزه، وإقرار عثمان بن أحمد بن عمار، أنه أدخله على رقية ابنة عبدالله عمر بن مرزبان، ورجل ثان؛ ذلك أنه رجع عن شهادته لتوقفه عني فيها.
وقد يمكنك مع ثان إذا لم تجد من يدخل عليها، أن تعجز ابن عمار فيما ادعى في عقد ابن أبي الحارث نكاح أخته لابن عمار لأن الولي يقول: أنا منكر لدعواه، فإذا عجز عن إثبات دعواه على عجزته في دعواه.
وأما المرأة إذا جهل شخصها ولم يوجد من يعرفها؛ فإنه يقال له: هذا شخص لا يعرف من يعرفه فأثبت أنه العين وما تطلبها به، فإن عجزت لم نعرض لك ولم نعجزك في عين لم تثبت عندنا، ولكن نقول إن أثبت عندنا شيئًا نظرنا وإلا لم نعجزك لمن يطلب ذلك عندنا ولا عرفناه، فيكون أيضًا مقالاً صحيحًا. قال بجميعه ابن لبابة.
قال القاضي: في بعض هذا الجواب هذا الجواب عندي نظر في تسفيه الابن وغيره، وقد مر معى التسفيه والترشيد كاملاً والحمد لله.
وفي سماع ابن الحسن عن ابن القاسم فيمن أنكح ابنته البكر وليس له غيرها، فمات فادعت أنها ليست ابنته، وأنها كانت يتيمة عنده، وانتفت عن الميراث، ولا بينة للزوج أنها هي بعينها، إلا ما سمع من الأب أن له ابنة بكرًا، وفشا ذلك في الناس.
قال: لا يلتفت إلى قولها، وقول أبيها يلزمها، أحبت أو كرهت في نكاحها
стр. 158
وميراثها، ولحوق نسبها وجميع أمرها.
وكتب إلى سحنون فيمن اقام بينة أن عمه فلانًا زوجه ابنته فلانة، لا يعلمون له ابنة غيرها، وهي بكر في حجره، بصداق ذكروه ورضيا به، فأنكرت الآن وتغيبت.
فكتب: إن أقام البينة بما ذكرت، وأنه لا ابنة لأبيها غيرها، وكانوا عارفين بشخصها يوم النكاح، أو كان غيرهم يعرف عينها، وهم يشهدون على ما ذكرت، فقد لزمها أن تخرج لتقع البينة على شخصها، أو توكل إن أنكرت.
فإن ثبت ذلك وخيف عليها الهرب توثق منها، وإن لم يخف ذلك منها وسألت تعجيل النقد أمهل الزوج على قدر ما يرى ألا يضر بها، فإن كان عنده فأحب أن تعجلي وإلا فارقها ولا يضر بها، والمسائل في هذا المعنى كثيرة، وجوابه في تعجيل النقد واستعجال البناء محتمل يحتاج إلى بسط يبين به، تركناه لئلا يطول الكتاب والله ولي التوفيق.
وفي نكاح شهد فيه أن النكاح كفؤًا والأعذار فيه:
فهمنا - وفق الله القاضي ما كشفنا عنه، وشهادة من شهد ابن أبي الحفاظ بالكفاءة، وهل يعذر في ذلك للأولياء؟
فالذي نرى والله الموفق للصواب أن الإعذار إلى الأولياء وإلى الوكيل.
أما الأولياء فلما لهم فيه من المقال أن تزوج ممن لعلهم أن يسقطوا عن أنفسهم من يكرهون دخوله عليهم وتزويجه لكراهتهم.
وأما الوكيل فلأن إليه تزويجها بإقامة القاضي إياه مقام الوصي، فالوصي أولى بإنكاحه من الأولياء. قال بذلك محمد بن عمر بن لبابة.
وقال محمد بن وليد: أما الوكيل؛ فنعم لأنه الناظر لها دون الولي، ولا كلام في عقد نكاحها للولي مع الوكيل في قول مالك، وما يعرف الإعذار فيمن له وكيل إلا إلى وكيله دون أوليائه.
وقال أيوب بن سليمان: لا يعرف الإعذار إلا إلى الوصي أو الوكيل في قول مالك وأصحابه، وقال محمد بن غالب: كل من كان له في إنكاحها سبب قائم يجوز له به الذب عن ذلك النكاح فإنه يعذر إليه، والولي أولى بالعقد عندنا من الوصي فإليه يعذر ثم تمضي الأمور على ما تراه إن شاء الله، وقال عبيد الله بن يحيى: الإعذار أولاً إلى الوصي أو إلى الوكيل في قول مالك.
стр. 159
وفي الواضحة قال ابن حبيب:
السنة أن الوصي يقوم مقام الأب في تزويجه الصغير من بينه، ولا يقوم مقامه في تزويجه الصغيرة من بناته قبل بلوغها، ولا بعد بلوغها دون مؤامرتها وأخذ رضاها بذلك؛ لقول رسول الله ﷺ : "اليتيمة تستأمر في نفسها" (١) إلى أن الوصي ينزل فيها منزلته في أنه أولى بعقد نكاحها من الإخوة والأعمام والعصبة والسلطان بكرًا كانت أو ثيبًا، وهو أولى بإنكاح موليات الموصي من ولده وجميع أوليائه، وكذلك كل من كانت ولاية تزويجه إلى الموصي من البنات والأخوات وذوات القرابات أبكارًا كن أوثيبًا؛ فقد نزل الوصي في ذلك منزلته.
وهكذا أوضح لي في ذلك كله مطرف وابن الماجشون وابن عبدالحكم وأصبغ بن الفرج، وهو قول مالك وأصحابه المدنيين والمصريين لم يختلفوا فيه، وحكي مثله عن ربيعة وابن هرمز ويحيى بن سعيد وشريح: أن الوصي أولى من الولي قال: وقال مالك: ليس للولي قاضاء مع الوصي، وفي المدونة قال ابن القاسم: قال مالك: لا إنكاح للأولياء مع الوصي ووصى الوصي أولى من الأولياء، وإن رضيت الجارية والأولياء وأنكر الوصي فلا نكاح لهم إلا به، فإن اختلفوا نظر السلطان فيما بينهم (٢).
قال ابن حبيب: وجائز تزويج الوصي الصغير، كما يجوز له البيع عليه والاشتراء له، وجوز ذلك أهل العلم للسلطان وخليفته عليه أن يزوجه أيضًا في صغره إذا لم يكن له وصي، وأنزلوا السطلان وخليفته في الصغيرة منزلة الوصي في أنه أحق بتزويجها من أخيها وعمها وأوليائها كما يكون الوصي أحق بذلك منهم.
هذه النصوص في الأمهات وعليها المعول وإليها المفزع عند التنازع فيها لم يوجد نص في الكتاب والسنة.
وأما تنفيذ المتأخرين فالحجة في الأمهات أقوى، وعلى ما فيها لا يحتاج إلى الإعذار
стр. 160
إلى الأولياء مع الأوصياء من قبل الآباء، وإن كان ابن العطار قد قال في وثائقه عن ابن الماجشون: إن الولي أحق النكاح من الوصي. فإن صح فالذي حكاه ابن حبيب عنه وأصحابه من قوله وروايتهم عن مالك أقوى وبه جرى العمل، وأما لسلطان وخلفة السلطان فقد قال ابن حبيب كما كتبناه عنه فوق هذا: إن الأولياء أحق منهما بذلك وإذا كان هذا هكذا فالإعذار إليهم لأن الوكيل الذي قدمه القاضي نظرًا لها.
وفي كتاب الشروط لابن حارث:
وإن كان العاقد على المنكحة وصيًا لأبيها أو موكلاً من قبل قاض عليها؛ كان إليهما العقد والقبض والإبراء. هذا قول أصحابنا في الوصي وموكل القاضي، وغيرهم يقولون: لا يعقد الوصي ولا وكيل القاضي مع الأولياء، وإلى الأولياء، العقد دوهما.
فعلى ما حكاه ابن حارث عن أصحابنا أن الوصي ووكيل القاضي أولى من الأولياء بالعقد وغيره إنما يعذر إلى الوصي والوكيل لا إلى الولي، ونزلت بقرطبة وأفتى ابن عتاب بما ذلك ابن حارث أن مقدم القاضي أولى من الولي، وأفتى ابن القطان بما ذكر ابن حبيب أن الولي أولى من السلطان وخليفته.
وقال ابن حارث: ولم يختلفوا أن القاضي ليس له أن يزوج مع الولي حتى يعضل الولي فيعزله العضل ويكون للسلطان حينئذ النظر. فإن كانت هذه منزلة السلطان مع الولي فكيف يكون لوكيل السلطان ما ليس للسلطان، وهذا من احتجاج ابن حارث يوهن ما ذكره في الوكيل ويبين صحة ما في الواضحة من ذلك.
وقول ابن حارث: هذا قول أصحابنا إنما اشار إلى فقهاء عصره والله أعلم، وهم اليوخ المفتون فوق هذا ابن لبابة وأقرانه، وجمع ابن لبابة في الإعذار في هذه المسألة بين الولي والوكيل عيف لا وجه له، وأما قول ابن غالب فلا شيء وهو خلاف الجميع.
في رجلين ادعيا نكاح امرأة:
فهمنا - وفقك الله - ما كشفتنا عنه من أمر المرأة التي ادعى نكاحها رجلان كل واحد منهما يدعي أنها زوجته، وأتى كل واحد منهما ببينة لم يعرفها القاضي.
فالذي يجب في ذلك أن توقف المرأة على النكاح وتضرب لهذين أجلاً لثبوت ما ذكراه.
فإن أثبتاه جميعًا فسخ النكاح وإن عجزا عن البينة فسخ أيضًا وقيل لها تزوجي من
стр. 161
شئت منهما أو من غيرهما، وإن أثبته أحدهما وعجز الثاني فهي زوجة الذي أثبته وتنقطع عنها دعوى الثاني، وإن ثبتت نكاحهما وكان أحدهما أقدم نكاحًا فهي للأقدم. قاله ابن لبابة وابن وليد وابن غالب.
قال القاضي: يريدون إلا أن يدخل بها الثاني فتبقى زوجة له ويفسخ نكاح الأول على ما في المدونة والواضحة في التي ينكحها أولياؤها من رجلين وقد وكلتهما على إنكاحهما.
قال ابن حبيب عن ابن الماجشون: هي عندنا في هذا كالتي تطلقها فيبلغها ثم يرتجعها ولا تبلغها الرجعة، فتنكح بعد العدة ويدخل بها نكاحها فإنها تبقى في عصمته ويبطل ارتجاع الأول.
قال ابن حبيب: قلت لأصبغ: أرأيت إذا لم يدخل بها واحد منهما، ولم يعرف الأول منهما، وأقرت المرأة لأحدهما أنه الأول، أو أقر به أبوها أو الوكيل؟
قال: سمعت أشهب يقول: يؤخذ في ذلك بالإقرار، ولست أقوله لحرمة النكاح واشتباه الأمر، ولكن يفسخ النكاح إذا جهل أولهما ولم تفت ببناء من أحدهما، ولا يتحالف الزوجان على أيهما أولا كما يتحالف المشتريان إذا وقع في بيعهما مثل هذا قال ابن حبيب: وبه أقول.
وفي أحكام ابن زياد أيضًا قام عندي - رحمكم الله - رجلان كل واحد منهما يدعي نكاح امرأة، وهي مقرة أحدهما، وهي من أهل البادية.
فأمرت أن تكون في جوار رجل صالح مع أخيها وأمها دعوتهما بالبينة، فسأل أحدهما أن تجعل المرأة عند امرأة صالحة إن خاف أن تغيب فقالت المرأة وأخوها وأمها: لا تخرج وليتها عن دار سكناها ومنزلها في جوار رجل صالح وتدعي المرأة أنها اشترت الدار بعد أن نزلتها وهي ثبت، هذا أمر لاحمالة تجوز فيه إن كان نكاحًا فالواجب على المرأة المدعي نكاحها أن تكون عند امرأة صالحة تتحفظ بها وإلا فالحبس حتى يحق نكاحها لمن حق له. قاله أيوب بن سليمان وغيره.
قال بن لبابة: لا أقول بشيء من ذلك، ولا حبس عليها أصلاً وفي كتاب أن أمكنتني كتب إلى ابن القاسم صاحب الشرطة يسأله عن امرأة تعلق بها رجلان كلاهما يدعي أنها امرأته، وهي تزعم أنهما جميعًا زوجاها؛ كان أحدهما زوجها فزعمت أنه
стр. 162
أجاعها وأضربها فهربت من عنده وظنت أن ذلك فرقة، وزعمت أن الآخر تزوجها، إلا أنه طلقها.
قال ابن القاسم: يسأل الأول: فإن كانت له بينة بأنها امرأته فارددها إليه بعد أن يحلف بالله ما طلقها، ولا يطؤها حتى يستبرئ رحمها بثلاث حيض؛ فلا يقبل قوله ولا إقرارها بأنها امرأته، وفرق بينهما فإنها ليست له بامرأة، واسأل الآخر البينة على نكاحه، فإن ثبتت له بينة فارددها إليه، واستحلفه بالله الذي لا إله إلا هو ما طلقها ولا صالحها إذا قامت له بينة على أصل النكاح، وإن لم تكن له بينة فرق بينهما، ولتكن أولى بنفسها تنكح من أحبت.
من زعم أنه أولى بعقد نكاح قد عقده غيره:
قام عندي - رحمكم الله - قائم ذلك أنه ابن عم عبدة بنت سعيد بن أحمد المرادي وأنه أقعد بإنكاحها من عامر بن وليد المرادي، وأنها بكر لا وصي عليها من أبيها ولا وكيل من قاضي، وزعم أن عامرًا عقد نكاحها مع علقمة بن تمام في هذا النهار للنهار الذي دخل فيه علي وقال: إن علقمة مسخوط الحال وسأل امتحان ذلك قبل مبادرة علقمة بالدخول عليها.
فبعثت في علقمة وعامر فأتيا إلى مجلس حكومتي بالجامع بأعلمتها بما رفع إلي عنهما، وسميت الرافع لهما وهو خالد بن عبدالله، فأقرا بالنكاح وأنه كان في ذلك النهار، فاشهدت على إقرارهما ووقفت علقمة عن الدخول على اليتمة البكر حتى أتحقق ما ذكر لي من سخطته، وأنظر لليتيمة بما يجب، وتقدمت إلى أمها بمثل ذلك، وحضرني قوم فشدوا على علقمة بشهادات كتبتها عنهم لأنظر فيها بواجب الحق إن شاء الله.
ودعوت علقمة بإثبات ما ادعاه من نكاح عبدة إذ لا يجب النكاح بالتقار، وشهدت لخالد عندي بينة أنه أقعد بإنكاحها من عامر، وثبت عندي موت سعيد والدها ولم يثبت عندي أن لها وصيًا أو وكيلاً، وأجلت علقمة أجلاً بعد أجل في البينة على ما ادعاه من نكاح عبدة، وقام عندي عبدالعزيز المخاصم بالحسبة من عبدة البكر يريد إثبات نكاحها من علقمة، وجاءني بنسخة صداق ذلك أنه المنعقد بين علقمة وبعدة الذي عقده عامر، فأبحت له القيام عنها ودعوته بالبينة على ذلك، فأتاني برجلين فشهدا عندي أن عبدة أشهدتهما على الرضي بما في نسخة الصداق على ما وقع به الذكر عنهما فيه.
стр. 163
ولم أعرف الرجلين معرفة يجب على قبولهما، فأمرت عبدالعزيز بتعريفي بهما.
فهذا ما انتهى إليه نظري في أمر عبدة وعلقمة فأشيروا علي بما استكمل به النظر في أمرهما إن شاء الله، وهل يجب علي أن لم يعدل الرجلان لعلقمة فيما ادعى من نكاح هذه اليتيمة ألا أبيحها له إلا بعقد يتم ويصلح وإن ثبت عندي أن العقد الذي كان ادعاه انتقض.
ولم يكن عند علقمة مدفع في السخطة التي شهد بها عليه عندي، أيجب أن يتم لمسخوط النكاح ببكر يتيمة وقد أدرك النكاح قبل بنائه بها أم لا؟.
نظرنا وفق الله القاضي فيما ذكره من نظره المجتلب في هذا الكتاب فرأينا نظرًا حسنًا واستبلاغًا فيما وجب أن يستبلغ فيه، والذي يجب في نكاح علقمة أن يثبت عندك بشاهدين عدلين وبأن ترسل إلى الجارية من يكتشفها ممن يعرفه عن رضاها.
فإذا قالت: عن رضاي عقد النكاح؛ استغنى بلك عن إثبات العقدة التي ادعاها علقمة ثم تعذر فيما شهد به عليه في سخطته وأنه غير كفؤ لها، فإن كان عنده مدفع يسقط ذلك نظرت له وإلا عجزته بعجزه وقضيت بفسخ نكاحه.
قال بذلك محمد بن لبابة، وابن وليد وعبيد الله وسعد بن معاذ وأيوب وأحمد بن يحيى بن أبي عيسى ويحيى بن عبدالعزيز وابن غالب وقال: قرأت - وفق الله القاضي - ما كان من نظرك المجتلب في هذا الكتاب فرأيت لك كله صوابًا ونظرًا مستقصيًا، وفهمت ما جاوب به الفقهاء الذين شاورتهم فرأيت جوابًا صحيحًا تامًا وبه أقول، وما أبقيت لابن تمام ولا للجارية البكر شيئًا من الحق إلا وقد أخذت لها به فنسأل الله عونك، وقال بجميع ذلك خالد بن وهب.
قال القاضي: تكلف القاضي في هذه المسألة ما لا يلزم وعني غيره في تكلف ما لا يجب عليه وقصر المفتون في الجواب وحسنوا له ما ليس بصواب، فالذي كلفه وكلفه غيره وكان يصل إلى الحق دونه أنه تكلف أمر الناكح والمحتسب بإثبات النكاح، وكان يكتفي من ذلك كله بتعرف ما عند الزجة، فإن أقرت بالرضي وأنه لم يعقد عليها إلا بإذنها كان النكاح بذلك ثابتًا؛ إذ قد أقر به الناكح والنكح والمنكحة، وكلف الناكح والمحتسب إثبات ذلك، وكلف المحتسب أيًا تزكية الشاهدين في نسخة الصداق، وكله عناء وكان يستغنى عنه بما ذكرنا.
стр. 164
وقال إنه شهد على الناكح علقمة بشهادات كتبتها لأنظر فيها فلا هو نصها ولا ذكر أنه قبلها وأفتوا هم بالإعذار إليه فيما شهد به عليه، فإن كان الشهود غير مقوبلين فكيف يعذر إليه فيما لم يثبت عليه؟!
وحكي أنه ثبت عنده يتمها، وأنه لا ناظر لها، ولم يذكر أنه ثبت عنده أنها بكر بالغ خلو من زوج في غير عدة منه وهو أصل فيما يثبت عند القضاء في هذا النكاح، وزاد فضل ويثبت أنها حرة، وقال أصبغ في كتاب القضاء: إنها لا تصدق في ذلك حتى تثبت هذه الوجوه كلها ولأشهب نحوه في الميراث تطلبه من زوج، ولا أفتوه هم أن النكاح إن لم تثبت السخطة لا يسوغ إمضاؤه إلا بعد ثبوت هذا وأنه كفؤ لها في الحال والمال.
وذكر أن القائم خالدًا شهدت له بينة بأنه أقعد بإنكاحها من عامر ثم لم يشتغل به بعد ولا قالوا يعذر إليه إن ثبت للنكاح ما يوجب إمضاء نكاحه وقد تقدم من جوابهم أنه يعذر إلى الولي والوكيل في مثل هذا، وسكتوا عن ذلك هنا وليس ثم وكيل ولا وصي.
وقد ثبت أن أقعد أوليائها قد تقدم اعتراضه في ذلك فكيف يلغي ويطرح على ما في مسألتهم عن الاختلاف؟ فقد قال ابن حبيب في الواضحة: وإذا اختلف قعود الأولياء فسبق إلا بعد ما نكح دون الأقعد، فإمضاء ذلك أو فسخة بيد الأقعد؛ لأنه حق له دونه أوجبه له الحكم وقدمه فيه عليه فليس له أن يتنزه منه ويليه دونه، وإن كان فوقه في السن والحال، إلا إن كان الأقعد حضر ذلك منه فلم يغيره عليه ولم يتكلم فيه يحمل ذلك منه محمل الرضا منه به والتسليم له.
وأما إن لم يحضر ذلك ولم يعلمه وهو حاضر البلد أو غائب عنه غيبة قريبة لا يجوز له في مثلها أن يخلفه في عقد ذلك بعده، فإليه حين علم أو إذا قدم إمضاؤه أو فسخة ما لم يبتن بها، فإذا ابتنى بها واطلع على عروتها لم يفسخ ذلك؛ لأنه فوت ولم يخرج النكاح من ولي إلا إلى ولي.
فأما إذا عقده غير ولي فهو مفسوخ أبدًا وإن دخل وليس إلى الولي إجازته، لأنه لم يكن نكاحًا، لأن رسول الله ﷺ قد رده حين قال: "لا نكاح لامرأة بغير إذن وليها، فإن نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل" (١) ردد ذلك ثلاث مرات، ثم قال: "فإن أصابها
стр. 165
فلها مهرها بما أصاب منها".
وهكذا أوضح لي ابن الماجشون في هذا كله إذا عقده ولي دون ولي أو عقده غير ولي، ورواه عن مالك، وقاله مع ابن الماجشون غيره من أصحابه إلا ابن القاسم فإنه كان يقول: إذا زوجها غير ولي فلوليها أن يجيزه أو يفسخه إن شاء، وقوله هذا معارض للحديث وهو مردود أبدًا وإن دخل وولدت ما لم يتطاول جدًا.
وكذلك روي ابن الماجشون وغيره من أصحاب مالك عن مالك يعاقب فيه الناكح والمنكح والقوم الذي حضروا. ورواه ابن القاسم وغيره عنه، قال: وكان ابن القاسم يفارق قوله في هذا الباب في وجه آخر كان يقول: إن أنكحها غلا بعد مضي ولم يكن للأقعد الرد. وهو نقض لقوله الاقعد أولى بالعقد.
وعن ابن القاسم في المدونة: إذا زوجها الأبعد فذلك جائز على الأولياء عند مالك قال: وقال مالك: إن أنكحها ذو الراي من أهلها وإن كانت من العرب فإنكاحه إياها جائز وإن كان ثم من هو أقعد منه إذا كان له الفضل والصلاح وأصاب وجه النكاح، قال سحنون: أكثر الرواة يقولون: لا يزوجها ولي وثم أولى منه حار، فإن فعل وزوج نظر السلطان في ذلك.
وقال سحنون في غير المدونة: هذا أعدل إذا كانت من ذوي القدر.
وفي المدونة: وقال آخرون: للأقرب أن يجيز أو يرد إلا أن يتطاول وتلد منه الأولاد فيمضي؛ لأنه قد وليه ولي، وقال علي بن زياد: قال مالك في الأخ يزوج أخته لأبيه وثم أخوها لأبيها وأمها: إن إنكاحه إياها جائز إلا أن يكون أبوها أوصى بها إلى شقيقها فلا نكاح لها إلا برضاه، وإنما الذي لا ينبغي أن يكون غير أخيها فينكحها الأبعد والأقعد حاضر (١).
стр. 166
فلم يراع المفتون في المسألة المتقدمة شيئًا من هذا كله ولا ذكروه والاستحسان مثلها عندي أن يباح للاقعد نقضة ولا يتكلف فيها غير ذلك لقيامه فيه واعتراضه يوم عقده على ما ذكره من سخطه الناكح وشهد به منها، والله ولي التوفيق.
وفي المدونة عن ابن القاسم عن مالك في التي ينكحها غير ولي، أنه وقف فيها، وقال ابن القاسم: إن أجازه الولي جاز، وإن أراد فسخه فله ذلك ما لم تطل إقامته معها وتلد منه أولادًا فيمضي إن كان صوابًا، وكذلك قال مالك وقال غيره: وإن أجازه الولي لم يجز لأنه عقده غير ولي وقد قال غير واحد من الرواة كقول ابن القاسم.
[هنا تم السفر الأول في التجزئة]
في عضل الولي وليته عن النكاح وغير ذلك من مسائلهم:
وفي أحكام ابن زياد فهمنا وفقك الله ما أردت معرفته فيما ثبت لأم عثمان من كفاءة من خطبها، وثبوت عضل أوليائها لها، وعجز من أعذرت إليه منهم عن الدفع، وتغيبهم عند إرسالك فيهم، وقول وكيلهم يمضي القاضي ما ثبت عنده، والوجه في هذا إذا قد بلغت هذا الاستقصاء أن توكل من يعقد نكاحها معه إن شاء الله. قاله ابن لبابة وابن وليد.
وفي مسألة أخرى:
إذا ثبت عندك رضاها بهذا الزوج فليحضر الولي أو يعلم برضي أخته به، وبما بذلك لها من الصداق، وتأمره بعقد نكاحها معه، فإن ذهب إلى أنه غير كفؤ، حمل الناكح على أنه كفؤ، فإن أثبتها أعذرت إلى الولي في ذلك، فإن جاء بدفع نظرت فيه وإلا قلت له: إما إن تزوج إلا وكلت من يزوجها، فإن زوج مضى ذلك، وإن أبى وظهر عضلة وكلت من يعقد نكاحها لهذا الزوج. قال بذلك عبيد الله وابن لبابة وابن وليد وغيرهم.
وفي ولي ذلك أن وليته زوجها ولي سفيه من غير كفؤ:
كشفتنا - رضي الله عنك - عن أمر تمام بن علقمة وتزويجه ابنة سعيد بن عمار وما رفع إليك من أنه تزوجها وهو غير كفؤ لها زوجها ولي سفيه، فيجب في ذلك أن نكاحًا قد عقد لا يفسخ حتى يثبت القائم فيه ما ذكر، فإذا ثبت عندك نظرت في فسخه والله يوفقك إن شاء الله، قاله ابن لبابة وأيوب وعبيد الله وابن وليد، وتوقف الناكح عن الدخول حتى يتم نظرك بما يجب إن شاء الله.
стр. 167
قال القاضي: وفي سماع أصبغ عن أشهب: لا ينكح السفيه أخته إلا أن يكون ذا رأي غير مولى عليه.
وف يالمغرب قال مالك في الأشراف: لا ينكح المرأة إلا من كان وليدًا مرشدًا، ولابن وهب في النوادر: ينكح بنات السفيه وإماءه وله ولا أمر له فيهن ويستحضر ولا تضره غيبته فإن عقده السفينه كان وليه إجازته أورده.
يتيمة رغبت نكاح رجل:
شهد عندي قوم عرفتهم أن فلانًا كفؤ لفلانة في حالة وماله وجميع أسبابه، وهي يتيمة رفعت أمرها إلى وسألتني أن آمر بعقد نكاحها من هذا الرجل، وفي شهادتهم أيضًا أن هذه اليتيمة خل من زوج في علمهم، وأنهم لا يعلمون لها وصيًا من أب، لا وكيلاً من قاضي، ولا وليًا غير السلطان، وسموا نقدًا وكالتها معروفين، والأجل مؤقت قريب المدة.
أيجب علي أن آمر بعقد نكاحها منه، أم حتى أكشف البينة من أين علموا أنه كفؤ لها؟ اكتب إلي - رحمك الله - بما عندك في هذا لأعمل على حسبه إن شاء الله.
قال عبيد الله بن يحيى: وجب - أعزك الله - بما شهد به القوم إذ قد عرفتهم وأجزت علمهم أن تأمر بإنكاحها، وليس عليك كشفهم من أين علموا أنها لها كفؤ، وإذا شهد الشاهد أنه كفؤ لها تمت شهادته، وأسأل الله الزيادة في توفيقك وتوفيقنا، وقال ابن لبابة مثله فنقص في هذه المسألة ثبوت أن اليتيمة بالغ في سنها، وأنها في غير عدة من زوج وذلك مما يجب ثبوته فاعلم.
نكاح عقده مولى وأراد فسخه:
فهمنا - وفقك الله - ما كشفتنا عنه فيما قيم فيه عندك من صداق ذونه وقرأنا الصداق وما فيه من ذكر عاقده بالولاء فرأينا ذلك تامًا إلا أن يقوم ولي يكون أولى من العاقد، فإن أثبت شيئًا يوجب نظرًا نظرت له ولا تلتفت إلى ما قامت به الأمر وذكرته، وقد شهدنا إقرار الجارية بانعقاد النكاح بينها وبين طالب نكاحها الذي عقده مولاها فلان فلا يعرض في أمرها بشيء إلا أن يقوم ولي يجب له النظر. قاله ابن لبابة وأيوب بن سليمان وابن وليد.
عبد نكح حرة بغير إذن سيده:
قال ابن لبابة لزبيدة الخيار في أن تقيم معه أو تفسخ نكاحها إذا ثبت أنه عبد، إلا
стр. 168
أن تكون قد علمت أنه عبد ورضيت ورضي سيده بالنكاح فيمضي؛ لأن العبد لا ينكح إلا بإذن سيده، وإلا فسيده بالخيار في فسخه وإجازته وبيعه ومعارضته وتجارته إن كان مأذونًا له في التجارة مضي ذلك، وإن كان غير مأذون له فسيده بالخيار في إجازة ما فعل ورده، ولا يمكن القاضي أن يحكم بقضية للعبد حتى يشاور سيده فيجيز ذلك أو لا يجيزه، وقاله أيوب وعبيد الله وابن وليد وسعد بن معاذ وابن حمير وجماعتهم.
من غاب غيبة منقطعة عن ابنته البكر فذكر ذلك أخوها للقاضي:
فهمنا - وفقك الله - ما رفعه الرافع من أن له أختًا بكرًا غاب عنها أبوها منذ سنين غيبة منقطعة لا يعلم له مستقرًا، وقد احتاجت أخته، وصارت في ضيعة، وخطبها كفؤ لها من يمونها ويسترها، فيجب في ذلك أن تحمله البينة على ما ذكر من غيبة الأب وحاجة الأخت وكفاءة الزوج، فإذا أثبت ذلك ورضاها به أمرت من يزوجها من هذا الذي خطبها، قاله ابن لبابة وابن وليد.
قال القاضي أبوالأصبغ: وفي النكاح الأول من المدونة قال ابن القاسم: من غاب عن ابنته البكر غيبة منقطعة؛ مثل من يخرج في المغازي فيقيم بالأندلس وأفريقية وطنجة، فلترفع أمرها إلى السلطان فينظر لها وزوجها. ورواه علي بن زياد عن مالك (١).
قال ابن القاسم: وأما من خرج تاجرًا وليس يريد المقام بتلك البلاد، فلا يهجم السلطان على ابنته البكر، وليس لأحد من الأولياء أن يزوجها؛ لأن مالكًا لم يوسع في أن تزوج ابنة الرجل إلا أن يغيب غيبة منطقعة.
وقال ابن حبيب من قول مالك: إن قربت غيبة الولي كتب إليه الإمام، وإن سافر انتظره، وإن بعدت غيبته زوجها الإمام إلا الأب فلا يزوجها إلا أن يغيب أبوها وتطول غيبته جدًا أو تكون ثيبًا، وأما البكر لا إلا أن ينطقع بالسكنى في بلد منقطع بعيد قد يئس من رجعته وطال ثواؤه فيه الثلاثين سنة والشعرين فيزوجها، ولا يفلع ذلك أحد من الأولياء.
فإن زوجها ولي لها دون السلطان في الغيبة البعيدة أو جهل الولي أو السلطان في الغيبة القريبة لم يجز وفسخ إذا جاء الأب، وإن أجازه لم يجز. وقاله ابن القاسم.
стр. 169
وفي سماع يحيى لابن وهب: إن كان أبوها يرسل إليها شيئًا وقطع ذلك عنها وأطال غيبته، فإن نكاح الولي والإمام إياها برضاها جائز ثم لا يكون للأب فسخه، وقال أشهب عن مالك: يزوجها الأخ إذا انقطع خبره وطلب وضربت فيه الآجال فلم يعلم له مكان.
في إنكار الولي إنكاح وليته:
أتاني - رحمكم الله - ابن عمار فذكر أنه زوج ولده من رقية بنت عبدالله، وذكر أن أخاها محمدًا أنكحها بنقد وكالئ معروفين إلى أجل معروف، وشروط تراضوا عليها، وحضر الأخ وأنكر جميع ما ذكره ابن عمار، وقال محمد: يحضر ولده فيقاولني، وقال ابن عمار: هو في حجري وأنا أتكلم عنه ولي بينة بعقدك النكاح له، فسأل الأخ تأجيل ابن عمار في إثبات ما ادعاه وقال إن أخته منكرة فهل يجب امتحانها؟ وهل يجوز لابن عمار الكلام دون توكيل ابنه؟
قال ابن لبابة: فهمت - وفقك الله - ما سألت عنه، وكنا قد تكلمنا فيه عندك إذ أتى ابن عمار بكتاب ذكر أنه كتابها، وقلنا تبعث إليها من تثق به ممن يعرفها تمتحن قولها، فإذا دعي أخوها إلى هذا فهو حسن جميل، وقول ابن عمار: إن ابني في ولايتي فإن كان في ولايته فله الكلام عنه وذلك أن يكون برقب بلوغه ولم يبين برشد ظاهر فهو في ولايته، وما طلبه الأخ من ضرب الأجل لابن عمار في إثبات ما ادعى واجب؛ لقول عمر بن الخطاب ﵁ اضرب للطالب أمدًا ينتهي إليه فإن أحق حقًا وإلا وجهت القضاء عليه فإن ذلك أجلي للعمي، وقد قضيت أنت بذلك بين ابن العين ومحمد بن نصر وأسأل الله التوفيق للقاضي وعونه على ما قلده.
قال القاضي: انظر قول ابن لبابة: إن كان الابن في ولاية أبيه فله الكلام عنه، إنما يأتي على ما رواه عيسى عن ابن القاسم في السفيه البالغ أنه كالصبي في إنكاحه وجميع أمره وقد يدل على مثله بعض مسائل المدونة. وقاله ابن حبيب. وقال ابن الماجشون: ولا ينكح إلا برضاه، وروي عن ابن القاسم مثله وهو دليل ما في خلع المدونة وعلى هذا ليس للأب أن يتكلم عنه حتى يثبت رضاه بذلك النكاح ويوكل على طلبه إياه، وبالله التوفيق.
محجورة أنكحها الولي دون وكيلها:
قرأنا - وفقك الله - بطاقة الأمير أعزه الله الرقية، وما أمرك من النظر لها بواجب الحق وفهمنا ما قاله عنها من أنه زوجها من هذا الذي رغب في بطاقته إلى الأمير أعزه
стр. 170
الله أن يزوجها، وسألك عنها أن تمتحن فعله إذ هي في ولايتك وإذا لم يكن له تزويجها لقرابته منها؛ لإيلائك عليها؛ وتوكيلك ناظرًا لها؛ إذ ثبت عندك شهادة محمد بن عمر بن لبابة ومحمد بن وليد أنهما لا يعلمان لها وصيًا من أب ولا وكيلا من قاض.
فنرى - وفقك الله - أنه لم يكن لأحد عقد نكاحها إلا بأمرك، فإذا قد عقد عليها عبيد الله عمها فالواجب عليك أن تمتحن فعله فإن يكن نظرًا لليتيمة رقية وغبطة أشهدت على إمضائه، وإن ألفيته على غير ذلك فسخته، وأشهدت على فسخه.
واعتراض الأخ في هذا ليس بشيء؛ لأن النظر لها إلى وكيل القاضي عليها دون أوليائها، والإنكاح دونهم، وقيام العم الباقي في ذلك أقل منزلة من الأخ وكل لاحق لهم في ذلك، مع نظر القاضي؛ إذ هي ولايته، وأما ما اشتكيت في بطاقتها من تغلب العم على مالها، فهو مما يجب على وكيلها الذي قدمته لها أن يطلبه ويخاصم عنها لنفسه، أو بتوكيل غيره للمخاصمة عنها دونه إن رأى ذلك. قاله أجمع محمد بن عمر بن لبابة وعبيد الله بن يحيى ويحيى بن يحيى بن عبدالله ومحمد بن غالب.
قال القاضي: قد تقدم لابن لبابة في مسألة ابن أبي الحفاظ وجوب الإعذار إلى الأولياء وإلى الناظر لليتيمة فيما شهد به لابن أبي الحفاظ من أنه كفؤ لها، ولم يذكر هنا الإعذار إليهم، بل قال: اعتراض الأخ في هذا ليس بشيء؛ لأن النظر إلى وكيل القاضي عليها. وقال ابن غالب مثل قول ابن لبابة، وقد قال في مسألة ابن أبي الحفاظ المذكورة: كل من كان له في إنكاحها سبب قائم يجوز له الذب عن ذلك النكاح فإنه يعذر إليه، والولي أولى بالعقد من الوصي فإليه يعذر، وهذا اختلاط وقد بيناه هناك وما فيه من الواضحة وأما عبيد الله فقاد أصله ولازم قوله والله، ولي التوفيق.
وأسقطوا هنا ذكر الإعذار إلى الزوج إن ثبت ما يوجب فسخ نكاحه وذلك تقصير وهو حق.
من شهد له أنه كفؤ لامرأة خطبها وأبوه وليها:
فهمنا وفق الله القاضي الشهادات التي شهد بها عندك لفلان، وما ذكرته من ثبوت ما شهدوا به بمن قبلت منهم وسؤال أم الأصبغ أن تأمر وكيلها بعقد النكاح عليها لولده أحمد، وأحببت معرفة الواجب فيه، وهل يجوز أن تأمر الوكيل أن يزوج هذه اليتيمة من ولده وهي ممن كنت أدخلتها في ولايته؟
стр. 171
والذي نقول به أنه جائز أن يعقد لولده، وإنكاحه إياها من ولده ومن غيره سواء إ قد ثبت عندك رضي اليتيمة به، والسداد في صداقها، وأنه كفؤ لها في جميع أحواله، وذلك بعد أن يفهم الوكيل الصداق والأرض التي عرضها أحمد. قال بذلك محمد بن وليد وأيوب بن سليمان.
وقال عبيد الله بن يحيى: إن عقده إذا وكله القاضي جائز ولو وكل غيره على العقد كان أحب إليه، وقال ابن لبابة: عقد الوكيل إذا قد ثبت ما ذكرت من الكفاءة والرضي والسداد في الصداق جائز لازم لا كلام فيه، وقاله محمد بن غالب.
قال القاضي: هذا الصواب، وقول عبيد الله: لا معنى له؛ لأن الذي ذكره نكاح الوصي من بنات من أوصى إليه اللائي في حجره عن غبنها وحطيطتها في صداقها أو حالها قد ثبت فيه في هذه المسألة عند القاضي ما ارتفع به الاعتراض بذلك، فصار الوكيل هنا لو نكحها أو ولده كأجنبي لا نظر له عليها.
وفي سماع عيسى وقد زوج عروة بن الزبير بنت أخيه وهي صبية ابنه والناس متوافرون وعروة من هو يعني في العلم والخبر.
وسئل ابن القاسم عن الرجل يكون في حجره يتيم له فيريد أن يزوجه ابنته، قال: إن كانت ابنة لا مال لها وإنما رغب في مال اليتيم فهو نكاح غير جائز، وإن كان لابنته من المال مثل الذي لليتيم وهما سواء ومثلها كانت له جاز ذلك.
وفي المدونة لابن وهب عن مخرمة بن بكير عن أبيه قال: سمعت ابن قسيط واستفتى في غلام كان في حجر رجل فأنكحه ابنته أيجوز إنكاح وليه؟ قال: نعم وهما يتوارثان. وقاله نافع مولى ابن عمر، وقاله ابن شهاب: وإن كرهه الغلام إذا احتلم.
وفي الواضحة: كره مالك للوصي أن يزوج يتيمته من نفسه حتى يخطبها إلى وليها سواه، ويلي ذلك الولي عقد نكاحها منه، قال مالك: ولا يزوجها من ابنه، فإن وقع نظر فيه، فإن كان صوابًا مضى وإلا فسخ ما لم يفت بالبناء.
فقد أبان هنا الوجه الذي كره له وذلك الوجه مرتفع في مسألة عبيد الله لما قد ثبت فيها عند القاضي ما أسقطه وقد تقدم المعنى من ابتياعه من مال يتيمه والحكم فيه إذا وقع موعبًا والحمد لله كثيرًا.
стр. 172
مسألة الهدية ونفقة العرس:
قال القاضي: سألت الشيخ أبا عبدالله بن عتاب عن الهدية التي يرسل بها الأزواج إلى الزوجات قبل البناء كالخفين والجوربين ونحوهما هل يقضي على الزوج بها إن امتنع منها وطلب بها؟
فقال لي: يقضي عليه بها على قدره وقدرها وقدر صداقها وليس عليها أن تثيبه إلا أن تشاء، فإن أبت أو أبى أبوها إن كانت بكرًا لم يقض عليها بذلك.
قلت: فهل يقضي عليه بالعرس والأجرة المتعارفة عندهم؟
فقال لي: لا يقضي عليه بذلك إن امتنع ويؤمر به ولا يجبر.
والصواب عندي أن يقضي عليه بالوليمة لقول النبي ﷺ : "أولم ولو بشاة" (١) مع العمل به عند الخاصة والعامة، بخلاف ما تعطي الماشطة على الجلوة لا يقضي به عندي إن امتنع منه ولا بأجرة ضاربة دف ولا كبر.
وفي سماع ابن القاسم: سئل مالك عن الناكح يلزمه أهل المرأة هدية العرس، وجل الناس يعمل به عندنا حتى إنه لتكون فيه الخصومة، أترى أن يقضي به؟ قال: إذا كان ذلك قد عرف من شأنهم وهو عملهم، لم أر أن يطرح ذلك عنهم إلا أن يتقدم فيه السلطان لأني أراه أمرًا قد جروا عليه.
وفي كتاب عيسى قال ابن القاسم: قد قال مالك قبل ذلك: لا أرى أن يقضي به وهو أحب إلي كان مما جروا عليه أو لم يكن، وفي سماع عيسى في رسم لم يدرك قال ابن القاسم: سألنا مالكًا عمن تزوج امرأة فأصدقها صداقًا فنطب منه نفقة العرس هل ذلك عليه؟ قال: ما أرى ذلك عليه، وما هو بصداق، ولا شيء ثابت، ولا هو لها إن مات، ولا نصفه إن طلق فردد عليه.
وقيل له: يا أبا عبدالله، إنه شيء قد أجروه بينهم وهي سنتهم، فقال: إن كان ذلك شأنه فأرى أن يفرض عليهم، قال ابن القاسم: وإن تشاحوا لم يكن ذلك لهم إلا أن يشاءوا.
وفي سماع أصبغ: أن أهدى لها هدية ثم طلقها قبل الدخول فلا شيء له في الهدية،
стр. 173
وإن كانت قائمة، وإن كان النكاح فاسدًا يفسخ قبل الناء، فإن أدركهديته بعينها أخذها كلها.
قال أصبغ: وإن كان نكاحه مما يفسخ بعد البناء فبنى بها وفسخ بعد ذلك فلا شيء له فيها، وإن أدركها بعينها؛ لأن الذي أهدى إليه قد وصل إليه وتم له بالدخول، ولو كان إنما أعطاها ذلك بعد البناء تم فسخ نكاحهما بحدثان ذلك فله أخذ ما أعطاها؛ لأنه إنما أعطى على الثبات لنكاحه والجمال له وحسن العشرة بينهما فيه.
وإن كان الفسخ بعد طول زمان سنتين أو سنين فلا أرى فيها شيئًا وإن وجدها بعينها، كالخادم وشبهها؛ لأن الذي أعطى قد رسخ وانتفع به، فالفسخ كطلاق حادث منه، وهذا رأيي ولم اسمعه وتمام هذا في الواضحة وما كتبته على بابه من حاشية كتاب ابن فحلون.
في الصدقات والكوالئ والتداعي في ذلك:
في صداق محيي بعضه من كتاب ابن زياد: فهمنا وفق الله القاضي الصداق الذي قام به الحفار وفيه رجل سطر ممحو كتب فيه ذكر الرحيل عن قرطبة وعن موضع من المواضع فرأينا الكتاب يصح كله غير هذا الشرط، فإنه يسقط إذ محي، إلا أن تثبته البينة، فإن لم يشهد عليه حلف الزوج بالله ما أعرف هذا الشرط ولا شرطته على نفسي لزوجي، فإذ حلف سار بزوجته ورحلها حيث شاء.
وللزوجة على زوجها النفقة على قدره من قدرها فإن قام بالفرض مضي على ذلك، وإن عجز فرق بينهما. قال محمد بن لبابة وابن وليد.
قال القاضي: من هذا المعنى في العتبية مسألة في سماع أشهب وفي المجموعة وغيرها تركناها اختصارًا.
وفي امرأة قامت بصداق لم تثبته فحلف الزوج ودعي إلى قطعه:
نظرت أكرمك الله فيما سألك مرزوق من حبس الصداق الذي أنكره وحلف عليه ولا تعطاه البنت القائمة به فأشك علي فيه الفتيا ثم تبين أن ذلك له؛ لأن من حجته أنه قد سقط عنه بيمينه إذا انتفى منه وإذا سقط عنه فلتقطع عنه الكتاب، وقد قال عمر بن الخطاب ﵁: اجعل للطالب أمدًا ينتهي إليه، فإن أحق حقًا قضي له به وإن لم يحق حقًا وجهت القضاء عليه. وإليه ذهب ابن القاسم أن يحكم على الطالب بالتعجيز.
стр. 174
وأما قول المرأة كيف تردني إلى رجل جحدني ثم أقر بي وإقراره لا ينفعه بعد جحوده حتى يثبت عقد النكاح بشاهدين فهو أكرمك الله كما قالت المرأة لا ترد إليه ويرفع عنها حتى يثبت عقد النكاح بالبينة. قاله ابن لبابة.
قال القاضي:
تدبر هذه المسألة ففيها نظر، وفي النوادر لأصبغ عن أشهب: من أقام بينه أن هذه امرأته فأنكرته، وأقامت بينه أن فلانًا زوجها، وفلان منكر، ولم يوفنا تاريخًا وهم عدول، فسخ النكاحان ولا ينظر إلى التكافؤ في العدالة.
وقال أصبغ: ما لم يقع الدخول بأحدهما، وذلك لأنه أقرت له المرأة وهو منكر. قال أصبغ عنه في الواضحة: فإذا دخل بها أحدهما قبل الفسخ كانت زوجته، وقيل للآخر أقم البينة أنك الأول.
قال القاضي: أردنا من هذه المسألة أنه قد يحتمل أن يكون الداخل بها المنكر لنكاحها فلم إنكاره طلاقًا؛ لأنه لو كان طلاقًا وقد كان الإنكار قبل الدخول لم يسغ له البقاء معها إلا باستئناف مراجعة.
وفي النكاح الأول من المدونة قال ابن القاسم: ومن أنكح ابنه بنت رجل والابن ساكت حتى فرغ الأب من النكاح، ثم أنكر قال: لم آمره بتزيج ولا أرضى ما صنع وصمت لعلمي أنه لا يزمني، حلف وكان القول قوله.
قال عبدالحق: عن ابن أبي زيد: إن نكل الابن عن اليمين لم يلزمه شيء. وإنما كلف اليمين رجاء أن يقر بصنيع أبيه فيؤخذ بإقراره بعد إنكاره، فلم ير الإنكار طلاقًا.
وقال غيره: إذا نكل أدى نصف الصداق ولا يلزمه النكاح؛ لأنه لا يقر به.
وقال غيرهما: إنما تلزمه اليمين إذا ادعى أنه والد الصبي أنه أمر والده بتزويجه لمخبر أخبره أو نحوه، فإن حلف بريء، وإن نكل حلف والد الزوجة على ذلك وثبت النكاح، إلا أن يشاء الزوج أن يطلق فيلزمه نصف الصداق، وهذا بين في الإنكار ليس بطلاق.
وفي مسائل ابن زرب في وصي أنكح يتيمته من رجل ثم أنكر الناكح ذلك، فقال له القاضي: طلقها، فقال: وكيف أطلق مالم أنكح. فقال له: لعلك قد فعلت فطلاقها خير لك ولها. فلم ير الإنكار طلاقًا.
стр. 175
وجرت هذه المسألة في رسم العرية من سماع عيسى من رواية أصبغ عن ابن القاسم فيمن قال في جارية في بديه: اشتريتها. وقال ربها: بل زوجتهكا. أنهما يتحالفان ويتفاسخان، ولا تكون زوجة ولا أم ولد وترجع الأمة إلى سيدها؛ لأن المشتري يقر بأنها ليست له بزوجة فهو كالمطلق ويدعي أنها أمته ولا بينة فلا يصدق، وترجع الأمة إلى ربها.
قال القاضي: قوله فهو كالمطلق ليس على اصوله وليس إنكاره لها طلاقًا قال القاضي: وأنا أقول: أنه لا اعتراض على ابن القاسم في ذلك؛ لأنه لم يقل: إنكاره طلاق، وإنما أراد بقوله: فهو كالمطلق. أنه قد أقر أنها لا تحل له بزوجية؛ لأنها ليست زوجته وأنها إنما تحل له بالملك لأنها أمته، وهو لا يصدق في ذلك.
ومسألة ابن لبابة أيضًا تدل على ذلك لقوله: لا ينتفع بالإقرار بالزوجية بعد إنكاره إلا أن يقيم شاهدين على أصل النكاح؛ لأنه لو كان الإنكار طلاقًا عنده لم يبحها له إلا بالارتجاع لا بثبوت أصل النكاح.
وموضع انتظر في جوابه في إحلافه إياه، وهو لا يخلو تحليفه إياه من أن يكون حينئذ نكاحهما عنده ثابتًا معلومًا أو غير ثابت. فإن كان غير ثابت فلم أحلفه، ولا يمين في دعوى النكاح إلا بعد شاهد عدل على تنازع فيه، وإن كان نكاحهما ثابتًا معلومًا فلم أوجب عليه شاهدين على أصل النكاح إذا رجع إلى الإقرار به، والذي رجع إليه ثابت معلوم ثابت.
وأما قطع الصداق فروي ابن حبيب عن مطرف فيمن مات فقامت امرأته بكتاب مهرها فأخذت به باقيه فأراد الورثة قطعه، أن لهم ذلك، وإن قالت به أدافع بعد اليوم من دافعني عما أخذه. وقال الأصبغ: لا يؤخذ منها ولا يقطع فيه ثبت نكاحها وتأخذ ميراثها وتدفع بعد اليوم من دافعها عما ورثت، ولو قامت بباقي المهر في كتاب في غير كتاب نكاحها فأخذت به بقيتها أخذ منها وقطع عن الورثة، وإن أخذت به أرضًا أو عقارًا من عقاره لم يؤخذ ذلك منها؛ لأن به تدفع بعد اليوم من دافعها عن ذلك وما يشبهه مما تلتبس التوثق به، وعلى الورثة أن يستوثقوا لأنفسهم بالإشهاد ويذكر الكتاب الذي بيدها ابن حبيب، وبه أقول وهو أحب ما فيه إلي.
وقال محمد بن عبدالحكم: من قضى دينًا عليه بصك، وأراد أخذ ذلك، وأبى الطالب لم يجبر على إعطائه وجبر على أن يكتب له براءة كتابًا في الموضع الذي فيه
стр. 176
الشهود عليه أو غيره.
وفي امرأة قامت على زوجها بصداق وميراث:
فهمنا - وفقك الله - ما قام به ابن عفان عن زوجته كنزة ابنة المعين، وطلبه لها بتوكيلها إياه ميراثها من زوجها مروان بن عبيدون، ومن زوجها أحمد بن عبيدون، وما أثبت من موتهما وعدة ورثتهما وأموالهما وحيازتهما، فيجب في ذلك أن تستعاد البينة في معرفتها عين ورثة زوجة ابن عمر وابن عبيدون ويعذر إلى ورثة من مات من ورثتهما ومن معرفة المال، فإن لم يكن عندهم في ذلك مدفع أمرهم القاضي بحيازة ما شهدوا في من أموالهما على ما فرضه الله لها. قال بذلك ابن لبابة وأيوب بن سليمان.
ومن هذا المعنى فهمنا وفقك الله صداق أم الأصبغ وما ادعاه الوارث من وضعها كالتها عن زوجها وأنها أخذت كتاب الوضع وصار عندها، وما أقامت أم الأصبغ عليه البينة من دعواها على الوارث، فالواجب في ذلك بعد ثبوت موت زوجها وعدة ورثته أن تحلف أم الأصبغ أنها وضعت كالتها المذكور في صداقها عن زوجها، ولا كتبت به كاتبًا ولا أخذت الكتاب ولا هو عندها، وإن صداقها، باق لها عن زوجها محمد إلى وقت يمينها هذه، ثم تأخذ كلاتها وتأخذ من الوارث ما أثبتت عليه ولم يكن عنده فيه مدفع. قاله أيوب بن سليمان وابن لبابة وابن وليد وسعد بن معاذ.
قال القاضي: وسئل أبوإبراهيم إسحاق بن إبراهيم عمن أنكح ابنته بنقد وكالئ مسمى، وسكن الناكح مع الزوجة وأبيها أعوامًا كثيرة في دار واحدة حتى هلكت الجارية، ثم نكح الرجل أختها، ثم سكن كذلك معها ومع أبيها زمنًا حتى هلكت، وغاب الزوج غيبة منقطعة، وتوفي أبو الجاريتين، فقام الآن ورثته مع أم الجاريتين يطلبون مهر الزوجتين في مال الغائب من نقد وكالئ، وزعم وكيل الغائب أن النقد ساقط عنه لطول مكثه مع الزوجتين في دار واحدة ما الواجب في ذلك، ولا يعلم بناؤه بهما إلا ما كان من طول السكنى؟ فقال: إن ثبت تأهله بهما في دار أبيهما كما يتأهل الناس مع أهليهم فهو دخول، والقول قوله في معجل حقها، وإن لم يثبت ذلك حلف ورثتهما في جميع حقها معجلة ومؤخرة وبالله التوفق.
وفي هذا المعنى أيضًا إذا قامت بصداقها بعد سنين تكلمنا رضي الله عنك في
стр. 177
الصداق الذي قامت به أمة الرحيم وتسمت فيه زوجة، وقلنا في تركها القيام مقالة توقفنا عن إقامة عذرها بما زعمت أن صادقها حبس عليها حتى مضت نحو عشر سنين أو أكثر، فقالت أم الرحيم: أنا أرضى بيمين أولادي المطلقين أنهم لا يعلمون قيامي وطلبي وترددي في ذلك إلى غيبة كتابي عني، فمن حلف فقد قضت له على نفسي بيمينه، فرأينا أن ذلك يجاب لها عليهم إن شاء الله. قاله عبيد الله وابن لبابة وغيرهم.
قال القاضي: هذا الجواب عندي محتمل، والصواب: إن كانت أمسكت علي طلب ما في صداقها في المدة التي ذكروها، وما تخلفه الميت بحالة لم يقسم ولا فوت، فلها القيام بذلك ويقضي لها به ولا يضرها سكونها، وتحلف إن كان في الورثة بنون لها صغار أو واحد منهم صغير أنها ما قبضته ولا وهبته ولا استحالت به، وإنه لباق لها إلى حين يمينها هذه، وإن كان الورثة كلهم كبارًا وهم بنوها هذا يمين عليها في ذلك، إذ يحلف لبنيه، هذا كله إن ثبت ما تدعيه من الكالئ وشبهه وشهد عدول عليه.
والدليل على صحة ما قلناه ما في نوازل عيسى فيمن له ذكر حق على رجل فمات الذي هو عليه فاقتسم ورثته ماله وهو حاضر ينظر، ثم قام بعد ذلك بكر الحق، قال: فلا شيء له إلا أن يكون له عذر في تركه القيام أو كان لهم سلطان يتقون منهم أو نحو هذا مما يذعر به، فهو على حقه أبدًا وإن طال زمانه إذا كان له عذر؛ لقوله ﵇: "لا يبطل حق امرئ مسلم وإن قدم" (١)، هكذا كان يجب أن يكون جوابهم، ولا يبهموه حتى رضيت المرأة بيمينهم وبالله التوفيق.
وقال ابن لبابة وابن وليد فيما أثبته رقية من صداقها على زوجها المقتول وطلبت إشهاد القاضي عليه؛ إذا أعذرت إلى ورثة المقتول، فلم يكن عندهم مدفع أشهدت لها على ثبوته عندك، فإن طلبت الإعداء بكالئتها وأثبتت له مالاًا وجبت عليها اليمين؛ أنها ما قبضت من ذلك الكالئ شيئًا؛ لا من زوجها ولا من أحد عنه، وإنه لباق لها عليه إلى وقت يمينها هذه ثم تعديها به.
وقالا هما وأيوب: فهمنا وفقك الله ما قامت به عندك أم الأصبغ في صداقها وأثبتته من كالتها فيه على زوجها هرثمة، فوجبت عليها اليمين فيه أنها ما قبضته ولا وهبته ولا
стр. 178
استحالت ولا أحالت، وإنه لباق عليه إلى وقت قيامها هذا، وأحبت جمع دعوى من ناظرها في تركة زوجها لتكون يمينها في الكالئ والدعوى واحدة.
واعتل من ناظرها أن له بينة على دعواه يرجو إثباته مما لا يرجوه، فإذا بين ذلك وفصل بعضه من بعضن حلفت على الكالئ، وعلى ما لا يرجى إثباته يمنًا واحدة، ويثبت لها كالتها، وتسقط عنها الدعوى التي لم يرج إثباتها، وكلف مناظرها إثبات ما ادعى إثباته، وإن زعم مناظرها أن له بينة على جميع دعواه، حلفت على الكالئ وحده، وأمرت مناظرهم بالإثبات قبلها.
قال القاضي: ونزلت هذه المسألة عند محمد بن يحيى إذ كان على الشرطة، فيمن قام بدعاوى وزعم أن له بينة على بعضها، ودعي إلى اليمين المطلوب في بعضها، فأفتى من شرور فيها يومئذ: أن الطالب يخير في يمين المطلوب الآن على أنه إن عجز عن إثبات ما ادعى أن له فيه بينة من دعاويه، ولم يكن له على المطلوب يمين أخرى فذلك له، وإن أبى إلا إحلافه أيضًا فيما عجز عن إثباته توقف عن إحلافه الآن فيما زعم إلا ببينة له به حتى يعلم أيثبت له ما رجي إثباته أو لا يثبت فتكون اليمين، وهذه مسألة مختلف فيها؛ أعني جمع الدعاوى في يمين واحدة أو تفريقها، وإفراد كل دعوى بيمين، وقد تقدمت كاملة بينة - والحمد لله- في موضعها، وليس هذا موضع ذكرها.
ولابن زرب في مسائله في المرأة يكون نقدها أصلا أنها لا يلزمها أن تبيعه وتتجهز به إليه، وكذلك إن نقدها عبدًا لها أن تخرج به إلى زوجها ولا يلزمها بيعه والتجهز بثمنه، قيل له: فلو أصدقها ثوبًا قيمته مائة دينار هل يلزمها بيعه، والتجهز بثمنه؟ فقال: لا يلزمها بيعه وعليها أن تخرج به وتتزين به.
وسئل عمن نكح بنقد معلوم وكالئ إلى ما يكلئ الناس إليه فقال: لا يجوز لأن الناس يختلفون في تأجيل الكالئ منهم من يجعله إلى خمسة وأقل وأكثر.
стр. 179
قال القاضي: وفي مسائل حبيب عن سحنون: وسألته عن المهر متى يجب؟ فقال: لا يجب قبل الدخول ولا بعده أيضًا إلا على قدر ما يرى الحاكم؛ فقد ينقد الرجل عشرة دنانير ويكون مهره مائة دينار، ولو قيل له: نأخذك بها، ما رضي بسدسها، وإنما يكون حلوله إذا رأى الحاكم ذلك، ولا يؤخذ قبل الدخول على حال وإن كان في الكتاب مهرًا حالاً لها عليه، ألا ترى أنه يكتب على المكاتب، فإن عجز عن نجم من نجومه رد في الرق ثم لا يكون عجزه يرد به في الرق حتى يتلوم له القاضي قدر ما يرى.
قيل له فقول مالك الدخول يبطل الصداق إذا قال: قد دفعته، وليس يكتب الناس في الصدقات البراءات، فقال: جواب مالك على أن كله عاجل ولم يكن فيه مهر والمهر عند الناس مؤخر، ألا ترى أن الشاميين يقولون: المهر إلى موت أو فراق، وهو أيضًا كان رأي المصريين.
وفي أحكام ابن زياد فيمن قام عن ابنته في كالتها وغيره وقد مضى لبنائها سنون هل له الكلام في ذلك بغير وكالة؟
كشفنا محمد بن عمر بن لبابة عن رجل قام عن ابنته في كالتها على زوجها وغيره من حقوقها، وقد مضى لها مع زوجها ثمان سنين فقال الزوج: لا يجب لك التكلم إلا بتوكيلها لك، فقال هذه مسألة قال ابن القاسم فيها: إنها في ولاية أبيها حتى يطول الزمان، وعلى من أراد ترشيدها إثبات ذلك.
ونزلت عندنا في أيام سليمان بن أسود القاضي، في رجل اسمه أصبغ قام عن ابنته في كالتها على زوجها، فقال القاضي: كم لك منذ زوجتها؟ فقال: منذ سبع سنين، فقال له: قم، قال: وكان أصبغ بن خليل يفتي بذلك، ونزلت هذه المسألة عند القاضي محمد بن سلمة في رجل قام عن ابنته على زوجها والزوج يقول: إن زوجتي لا تطلبني، فقلنا له يومئذ: لا يجوز لك التكلم إلا بوكالة، وكان لبنائها ثمان سنين. وهذا الذي أذهب إليه وأفتى به؛ أنه إذا مضى له امثل هذه المدة خرجت عن نظر أبيها إلا أن يتصل سفهها وسوء حالها وتبذيرها لمالها. قاله ابن لبابة، وقد تقدم هذا المعنى في بابا المحجور.
وأما من ادعى العدم بالكالئ وشهد له بذلك فقالت الزوجة: يحلف على هذا العدم وأسقط عنه تعديل بينته، فلها ذلك، ويحلف بالله الذي لا إله إلا هو ما يجد لما ثبت عليه قضاء في عرض ولا فرض ولئن وجد قضاء ليقضين، فإذا ثبتت يمينه بذلك صار في نظرة
стр. 180
الله حيث قال: (وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة) (البقرة: الآية ٢٨٠). قال به محمد بن غالب وابن لبابة.
في رجل جحد صداق أمه:
فهمنا وفقك الله شهادة الشاهد في صداق أم الفتح، فإظهار ابنها له عنده وجحد ابنها ذلك، والذي يجب فيه أن يشدد على ابنها في إظهار الصداق، والتضيق عليه فيه بالسجن، فإن طال ذلك حلفته عليه وأطلقته إلا أن يأتي القائم بأظهر من هذا فينظر له على ما يظهر. قاله ابن لبابة وابن وليد وسعد بن معاذ، وقال محمد بن غالب بمثله إلا أنه قال: أرى أن يحبس حتى يظهر الصداق؛ لأنه قطع في الشهادة أنه عنده، فما ينبغي أن يزول عن الحبس. وقاله عبيد الله بن حيى.
في امرأة قامت في كالئ أمها على ورثة زوجها:
فهمنا وفقك الله ما قام به ابن أبي الحفاظ عن زوجة رقية وما أثبتت من دين أمها عائشة قبل زوجها عبيد الله، وعدة ورثته وعدة ورثة عائشة، وإحلاف رقية في مقطع الحق أنها ما علمت أمها عائشة قبضت من ذلك الكالئ شيئًا، ولا أحالت ولا زالت عن شيء منه حتى فارقت الدنيا.
وسألك بن أبي الحفاظ وكيل رقية وأحمد عن نفسه وعن أختيه البكرين تعجيل ما وجبه له في كالئ عائشة، في المال الموقف على يدي محمد وعبد الرحمن من مال عبد الله زوج عائشة لطلب أحمد بن عنتر، الذي نرى، إذا أثبتت رقية ومن شركها في ميراث عائشة ما أثبتوه لها من الكالئ على زوجها عبد الله، وأعذرت إلى عمه أحمد وضرت له آجالاً فلم يأت ببيان على أصل الوراثة ولا قام عندك غيره، وطال زمان ذلك نحو عشرين سنة، أن تقضي رقية ومن شركها في ميراث أمها حقوقهم من هذا المال الموقف على يدي القضاة، وليس على القاضي طلب من لم يقم عنده. قاله ابن لبابة وأيوب وغيرهما.
إشهاد القاضي على ثبوت صداق ويمين غيره:
فهمنا وفقك الله ما طلبت كنزة من الإشهاد لها على ما ثبت من صداقها على محمد بن امرئ القيس الغائب، وأن أجلها في الإعذار إليه قد انصرمت آجالاً ثلاثة؛ وذكر وكيله أنه غاب غازيًا مع الأمير أعزه الله، وأنه قد أدخل بينة في داخل الآجال، فسئل عن البينة فقال: إن الكتاب عند هذا الغائب.