← Фикх малики

Фикх малики · id 14593

ديوان الأحكام الكبرى أو الإعلام بنوازل الأحكام وقطر من سير الحكام

القاضي أبو الأصبغ ابن سهل

Полный текст (727 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

الشهود عليه أو غيره. وفي امرأة قامت على زوجها بصداق وميراث: فهمنا - وفقك الله - ما قام به ابن عفان عن زوجته كنزة ابنة المعين، وطلبه لها بتوكيلها إياه ميراثها من زوجها مروان بن عبيدون، ومن زوجها أحمد بن عبيدون، وما أثبت من موتهما وعدة ورثتهما وأموالهما وحيازتهما، فيجب في ذلك أن تستعاد البينة في معرفتها عين ورثة زوجة ابن عمر وابن عبيدون ويعذر إلى ورثة من مات من ورثتهما ومن معرفة المال، فإن لم يكن عندهم في ذلك مدفع أمرهم القاضي بحيازة ما شهدوا في من أموالهما على ما فرضه الله لها. قال بذلك ابن لبابة وأيوب بن سليمان. ومن هذا المعنى فهمنا وفقك الله صداق أم الأصبغ وما ادعاه الوارث من وضعها كالتها عن زوجها وأنها أخذت كتاب الوضع وصار عندها، وما أقامت أم الأصبغ عليه البينة من دعواها على الوارث، فالواجب في ذلك بعد ثبوت موت زوجها وعدة ورثته أن تحلف أم الأصبغ أنها وضعت كالتها المذكور في صداقها عن زوجها، ولا كتبت به كاتبًا ولا أخذت الكتاب ولا هو عندها، وإن صداقها، باق لها عن زوجها محمد إلى وقت يمينها هذه، ثم تأخذ كلاتها وتأخذ من الوارث ما أثبتت عليه ولم يكن عنده فيه مدفع. قاله أيوب بن سليمان وابن لبابة وابن وليد وسعد بن معاذ. قال القاضي: وسئل أبوإبراهيم إسحاق بن إبراهيم عمن أنكح ابنته بنقد وكالئ مسمى، وسكن الناكح مع الزوجة وأبيها أعوامًا كثيرة في دار واحدة حتى هلكت الجارية، ثم نكح الرجل أختها، ثم سكن كذلك معها ومع أبيها زمنًا حتى هلكت، وغاب الزوج غيبة منقطعة، وتوفي أبو الجاريتين، فقام الآن ورثته مع أم الجاريتين يطلبون مهر الزوجتين في مال الغائب من نقد وكالئ، وزعم وكيل الغائب أن النقد ساقط عنه لطول مكثه مع الزوجتين في دار واحدة ما الواجب في ذلك، ولا يعلم بناؤه بهما إلا ما كان من طول السكنى؟ فقال: إن ثبت تأهله بهما في دار أبيهما كما يتأهل الناس مع أهليهم فهو دخول، والقول قوله في معجل حقها، وإن لم يثبت ذلك حلف ورثتهما في جميع حقها معجلة ومؤخرة وبالله التوفق. وفي هذا المعنى أيضًا إذا قامت بصداقها بعد سنين تكلمنا رضي الله عنك في

стр. 177

الصداق الذي قامت به أمة الرحيم وتسمت فيه زوجة، وقلنا في تركها القيام مقالة توقفنا عن إقامة عذرها بما زعمت أن صادقها حبس عليها حتى مضت نحو عشر سنين أو أكثر، فقالت أم الرحيم: أنا أرضى بيمين أولادي المطلقين أنهم لا يعلمون قيامي وطلبي وترددي في ذلك إلى غيبة كتابي عني، فمن حلف فقد قضت له على نفسي بيمينه، فرأينا أن ذلك يجاب لها عليهم إن شاء الله. قاله عبيد الله وابن لبابة وغيرهم. قال القاضي: هذا الجواب عندي محتمل، والصواب: إن كانت أمسكت علي طلب ما في صداقها في المدة التي ذكروها، وما تخلفه الميت بحالة لم يقسم ولا فوت، فلها القيام بذلك ويقضي لها به ولا يضرها سكونها، وتحلف إن كان في الورثة بنون لها صغار أو واحد منهم صغير أنها ما قبضته ولا وهبته ولا استحالت به، وإنه لباق لها إلى حين يمينها هذه، وإن كان الورثة كلهم كبارًا وهم بنوها هذا يمين عليها في ذلك، إذ يحلف لبنيه، هذا كله إن ثبت ما تدعيه من الكالئ وشبهه وشهد عدول عليه. والدليل على صحة ما قلناه ما في نوازل عيسى فيمن له ذكر حق على رجل فمات الذي هو عليه فاقتسم ورثته ماله وهو حاضر ينظر، ثم قام بعد ذلك بكر الحق، قال: فلا شيء له إلا أن يكون له عذر في تركه القيام أو كان لهم سلطان يتقون منهم أو نحو هذا مما يذعر به، فهو على حقه أبدًا وإن طال زمانه إذا كان له عذر؛ لقوله ﵇: "لا يبطل حق امرئ مسلم وإن قدم" (١)، هكذا كان يجب أن يكون جوابهم، ولا يبهموه حتى رضيت المرأة بيمينهم وبالله التوفيق. وقال ابن لبابة وابن وليد فيما أثبته رقية من صداقها على زوجها المقتول وطلبت إشهاد القاضي عليه؛ إذا أعذرت إلى ورثة المقتول، فلم يكن عندهم مدفع أشهدت لها على ثبوته عندك، فإن طلبت الإعداء بكالئتها وأثبتت له مالاًا وجبت عليها اليمين؛ أنها ما قبضت من ذلك الكالئ شيئًا؛ لا من زوجها ولا من أحد عنه، وإنه لباق لها عليه إلى وقت يمينها هذه ثم تعديها به. وقالا هما وأيوب: فهمنا وفقك الله ما قامت به عندك أم الأصبغ في صداقها وأثبتته من كالتها فيه على زوجها هرثمة، فوجبت عليها اليمين فيه أنها ما قبضته ولا وهبته ولا

стр. 178

استحالت ولا أحالت، وإنه لباق عليه إلى وقت قيامها هذا، وأحبت جمع دعوى من ناظرها في تركة زوجها لتكون يمينها في الكالئ والدعوى واحدة. واعتل من ناظرها أن له بينة على دعواه يرجو إثباته مما لا يرجوه، فإذا بين ذلك وفصل بعضه من بعضن حلفت على الكالئ، وعلى ما لا يرجى إثباته يمنًا واحدة، ويثبت لها كالتها، وتسقط عنها الدعوى التي لم يرج إثباتها، وكلف مناظرها إثبات ما ادعى إثباته، وإن زعم مناظرها أن له بينة على جميع دعواه، حلفت على الكالئ وحده، وأمرت مناظرهم بالإثبات قبلها. قال القاضي: ونزلت هذه المسألة عند محمد بن يحيى إذ كان على الشرطة، فيمن قام بدعاوى وزعم أن له بينة على بعضها، ودعي إلى اليمين المطلوب في بعضها، فأفتى من شرور فيها يومئذ: أن الطالب يخير في يمين المطلوب الآن على أنه إن عجز عن إثبات ما ادعى أن له فيه بينة من دعاويه، ولم يكن له على المطلوب يمين أخرى فذلك له، وإن أبى إلا إحلافه أيضًا فيما عجز عن إثباته توقف عن إحلافه الآن فيما زعم إلا ببينة له به حتى يعلم أيثبت له ما رجي إثباته أو لا يثبت فتكون اليمين، وهذه مسألة مختلف فيها؛ أعني جمع الدعاوى في يمين واحدة أو تفريقها، وإفراد كل دعوى بيمين، وقد تقدمت كاملة بينة - والحمد لله- في موضعها، وليس هذا موضع ذكرها. ولابن زرب في مسائله في المرأة يكون نقدها أصلا أنها لا يلزمها أن تبيعه وتتجهز به إليه، وكذلك إن نقدها عبدًا لها أن تخرج به إلى زوجها ولا يلزمها بيعه والتجهز بثمنه، قيل له: فلو أصدقها ثوبًا قيمته مائة دينار هل يلزمها بيعه، والتجهز بثمنه؟ فقال: لا يلزمها بيعه وعليها أن تخرج به وتتزين به. وسئل عمن نكح بنقد معلوم وكالئ إلى ما يكلئ الناس إليه فقال: لا يجوز لأن الناس يختلفون في تأجيل الكالئ منهم من يجعله إلى خمسة وأقل وأكثر.

стр. 179

قال القاضي: وفي مسائل حبيب عن سحنون: وسألته عن المهر متى يجب؟ فقال: لا يجب قبل الدخول ولا بعده أيضًا إلا على قدر ما يرى الحاكم؛ فقد ينقد الرجل عشرة دنانير ويكون مهره مائة دينار، ولو قيل له: نأخذك بها، ما رضي بسدسها، وإنما يكون حلوله إذا رأى الحاكم ذلك، ولا يؤخذ قبل الدخول على حال وإن كان في الكتاب مهرًا حالاً لها عليه، ألا ترى أنه يكتب على المكاتب، فإن عجز عن نجم من نجومه رد في الرق ثم لا يكون عجزه يرد به في الرق حتى يتلوم له القاضي قدر ما يرى. قيل له فقول مالك الدخول يبطل الصداق إذا قال: قد دفعته، وليس يكتب الناس في الصدقات البراءات، فقال: جواب مالك على أن كله عاجل ولم يكن فيه مهر والمهر عند الناس مؤخر، ألا ترى أن الشاميين يقولون: المهر إلى موت أو فراق، وهو أيضًا كان رأي المصريين. وفي أحكام ابن زياد فيمن قام عن ابنته في كالتها وغيره وقد مضى لبنائها سنون هل له الكلام في ذلك بغير وكالة؟ كشفنا محمد بن عمر بن لبابة عن رجل قام عن ابنته في كالتها على زوجها وغيره من حقوقها، وقد مضى لها مع زوجها ثمان سنين فقال الزوج: لا يجب لك التكلم إلا بتوكيلها لك، فقال هذه مسألة قال ابن القاسم فيها: إنها في ولاية أبيها حتى يطول الزمان، وعلى من أراد ترشيدها إثبات ذلك. ونزلت عندنا في أيام سليمان بن أسود القاضي، في رجل اسمه أصبغ قام عن ابنته في كالتها على زوجها، فقال القاضي: كم لك منذ زوجتها؟ فقال: منذ سبع سنين، فقال له: قم، قال: وكان أصبغ بن خليل يفتي بذلك، ونزلت هذه المسألة عند القاضي محمد بن سلمة في رجل قام عن ابنته على زوجها والزوج يقول: إن زوجتي لا تطلبني، فقلنا له يومئذ: لا يجوز لك التكلم إلا بوكالة، وكان لبنائها ثمان سنين. وهذا الذي أذهب إليه وأفتى به؛ أنه إذا مضى له امثل هذه المدة خرجت عن نظر أبيها إلا أن يتصل سفهها وسوء حالها وتبذيرها لمالها. قاله ابن لبابة، وقد تقدم هذا المعنى في بابا المحجور. وأما من ادعى العدم بالكالئ وشهد له بذلك فقالت الزوجة: يحلف على هذا العدم وأسقط عنه تعديل بينته، فلها ذلك، ويحلف بالله الذي لا إله إلا هو ما يجد لما ثبت عليه قضاء في عرض ولا فرض ولئن وجد قضاء ليقضين، فإذا ثبتت يمينه بذلك صار في نظرة

стр. 180

الله حيث قال: (وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة) (البقرة: الآية ٢٨٠). قال به محمد بن غالب وابن لبابة. في رجل جحد صداق أمه: فهمنا وفقك الله شهادة الشاهد في صداق أم الفتح، فإظهار ابنها له عنده وجحد ابنها ذلك، والذي يجب فيه أن يشدد على ابنها في إظهار الصداق، والتضيق عليه فيه بالسجن، فإن طال ذلك حلفته عليه وأطلقته إلا أن يأتي القائم بأظهر من هذا فينظر له على ما يظهر. قاله ابن لبابة وابن وليد وسعد بن معاذ، وقال محمد بن غالب بمثله إلا أنه قال: أرى أن يحبس حتى يظهر الصداق؛ لأنه قطع في الشهادة أنه عنده، فما ينبغي أن يزول عن الحبس. وقاله عبيد الله بن حيى. في امرأة قامت في كالئ أمها على ورثة زوجها: فهمنا وفقك الله ما قام به ابن أبي الحفاظ عن زوجة رقية وما أثبتت من دين أمها عائشة قبل زوجها عبيد الله، وعدة ورثته وعدة ورثة عائشة، وإحلاف رقية في مقطع الحق أنها ما علمت أمها عائشة قبضت من ذلك الكالئ شيئًا، ولا أحالت ولا زالت عن شيء منه حتى فارقت الدنيا. وسألك بن أبي الحفاظ وكيل رقية وأحمد عن نفسه وعن أختيه البكرين تعجيل ما وجبه له في كالئ عائشة، في المال الموقف على يدي محمد وعبد الرحمن من مال عبد الله زوج عائشة لطلب أحمد بن عنتر، الذي نرى، إذا أثبتت رقية ومن شركها في ميراث عائشة ما أثبتوه لها من الكالئ على زوجها عبد الله، وأعذرت إلى عمه أحمد وضرت له آجالاً فلم يأت ببيان على أصل الوراثة ولا قام عندك غيره، وطال زمان ذلك نحو عشرين سنة، أن تقضي رقية ومن شركها في ميراث أمها حقوقهم من هذا المال الموقف على يدي القضاة، وليس على القاضي طلب من لم يقم عنده. قاله ابن لبابة وأيوب وغيرهما. إشهاد القاضي على ثبوت صداق ويمين غيره: فهمنا وفقك الله ما طلبت كنزة من الإشهاد لها على ما ثبت من صداقها على محمد بن امرئ القيس الغائب، وأن أجلها في الإعذار إليه قد انصرمت آجالاً ثلاثة؛ وذكر وكيله أنه غاب غازيًا مع الأمير أعزه الله، وأنه قد أدخل بينة في داخل الآجال، فسئل عن البينة فقال: إن الكتاب عند هذا الغائب.

стр. 181

فيجب وفقك الله الإشهاد لها على ما ثبت وليس بعد الآجال كلام، ولا يجوز انتظاره بعد الآجال إذا غاب عدها، وقول خصمه لدد؛ لأنه لم يظهر منه شيء فينظر فيه وهذا للدد ظاهر. قاله ابن لبابة وأيوب وابن وليد. وفهمنا ما قام به عمر بن أحمد الزهري عن ابنته سيدة التي في ولاية نره، بعد أن أثبت ذلك عندك من طلب إثبات صداقها الذي عقده على نفسه لها زوجها أيوب بن سليمان، وما أثبته من موته وعدة ورثته، والصداق الذي قام به وسأل الاشهاد لابنته عليه، فيجب أن تشهد لها على ثبوته وتكشف في إشهادك البينة التي بهم ثبت جميع ذلك وترجي الحجة في شهاداتهم للصغير. فإن سألت الإعداء في مال أيوب زوجها بما ثبت لها من الكالئ، وجب إحلاف أبيها إذا ثبت عندك أنها في ولايته؛ أنه ما قبض لها من زوجها أيوب في حياته ولا من أحد عنه بعد مماته من كالئ ابنته سيدة شيئًا، وإنه لباق عليه إلى وقت يمينه، فإذا ثبت يمينه على ذلك أعديته على ما ثبت من مال الميت، وإن تأخر الإشهاد على ثبوت الصداق عنده إلى أن تقيم للصغير وكيلاً، ينظر له نظر الوصي، أعذرت إليه حينئذ فيما شهد به الشهود، فإن لم تكن عنده حجة أنفذت القضية واستغنى عن تسمية الشهود. قاله ابن لبابة ومحمد بن وليد. تقييد القاضي بما يثبت لامرأة من كالتها ومن صدقة على زوجها: يجب وفقك الله أن تشهد لرقية زوجة ابن أبي الحفاظ على ما ثبت لها عندك من صدقة عمها أحمد على ولده قاسم المقتول الذي كان زوجها، وثبت لها عندك كالئ مهرها على قاسم؛ إذ قد أعذرت إلى أحمد فيما ادعاه من التحبيس، ولم يأت إلا بشاهد واحد وطالت المدة في شاهد ثان، وتأمر أحمد بإحضار الكتاب الذي فيه شهادة الشاهد الذي أتى به؛ ليقع في كتابك الذي تشهد فيه على الصدقة إن شاء الله. فإن دعا أحمد إلى يمين أخيه المحبوس ورقية على أنهما لا يعلمان أن هذا المال الذي بأيديكما بسبب أبيهما، وجبت له اليمين عليهما، فإن نكلا حلف أحمد وبيع ذلك بدينه الثابت له على أخيه إلا أن يكون في ذلك المال الذي أقر أحمد فيه أنه محبس، وأقام عليه شاهدًا واحدًا، فلا يجب له على أخيه، وتشهد لرقية على الكتاب الذي أثبت على أحمد أبي زوجها يقر له لغسان. قال بذلك ابن لبابة وأيوب وابن وليد وابن غالب.

стр. 182

من أنكر حدود الدار في صداق زوجته: نظرنا وفقك الله فيما قاله سليمان بن أصبغ حين كشف عن الحدود المذكورة في كتاب الصداق الذي قام به عبد الله عن كنزة بنت محمد بن هشام القرشي، وما كانت من انتفائه أن يكون له في داخل هذه الحدود المذكورة في الكتاب ملك، فنقول: إن نتوجه إلى الدار برجلين يعرفان الحدود من الشهود الذين شهدوا أو من غيرهم، فإن ألفيا في الدار سليمان أخرجاه عنها، وإن ألفيا فيه غيره -يدفع عنها- رفع إليك لتنظر فيه بما يجب إن شاء الله. قاله عبيد الله وابن لبابة ومحمد بن غالب وأحمد بن يحيى ومحمد بن عبد الملك. فيمن أنكر الدار: فهمنا -وفقك الله- ما طلبه محمد بن غالب؛ وكيل بثينة عنها قبل زوجها ابن زياد، من إبراز الدار التي أصدقها إياها، ووقع وصفها في كتاب صداقها، وأقر وكيله عبد الله عندك في مجلس حكومتك بالصداق، وقال: إن ابن زياد ابتنى بزوجة بثينة، وإنها فيها ساكنة، ثم قال: إنها تجمعها مع دار أخرى في باب أسطوان. فنرى أن يوقف رجال من أهل العدل على الدار بمحضر الزوج، ويحضر كتاب الصداق، وتحاز الدار بمحضرهم على الحدود الواقعة في الصداق، وينظرون إلى كونها بيدها وفي قبضها، فإن ألفى فيها عندها وجب إخراجها إلا أن يدعي فيها بدعوى فتسمع دعواه، قال بذلك عبيد الله وابن لبابة وابن وليد. وكتب إلى ابن عتاب من غرناطة في جمادى الأولى من سنة إحدى وستين وأربعمائة فيمن كانت له داران متصلتان في صف واحد؛ إحداهما بقبلي الأخرى، ولكل دار منهما باب إلى ناحية واحدة، فساق أحدهما إلى زوجة في صداقها، وقال فيه: وساق إليها جميع الدار التي بقرية كذا، وحدها في القبلة كذا، وفي الجوف كذا، وفي الشرق كذا، وفي الغرب الطريق وإليها يشرع بابها. وبنى بزوجته وأقام معها سنة وأزيد، ثم ماتت وبقيت الدار بيد الزوج، فطلب ورثتها ميراثهم فيما تخلفته في الدار المسوقة وقالوا: ميراثنا في الدارين؛ لأن الحدود مشتملة عليهما، ولو كانت المسوفة حديهما لكان حدها في الجوف الدار الأخرى ولم يكن أرض فلان، والزوج يقول: إنه لم سق إلا الواحدة التي بقبلي الأخرى.

стр. 183

قال القاضي: وتكلمت فيها معه، وسألته عما أفتى به فيها فقال ثم يكن السؤال بينا فأشرت فيها بالصلح إن أمكن، وإلا فالصواب فيها إن لم يأت الزوج بشيء بين؛ أن السياقة إنما كانت في الدار الواحدة أن تكون الداران موروثتين لاشتمال الحدود عليهما، وهو أقوى من تسميتهما دارًا واحدة وهي داران. قال القاضي: وهذا الذي قاله هو الفقه عندي فيها إن حقق ورثة المرأة أن الدارين مسوقتان. وأما إن قالوا: لا علم لنا بذلك إلا ما تضمنه الصداق من التحديد، وطلبوا ذلك، والزوج منكر محقق لدعواه؛ أنه لم يسق إلا الواحدة، فالقول قوله مع يمينه والله أعلم. وقال لنا أبو عبد الله عند التكلم في هذه المسألة: سئل إسماعيل القاضي إذا قيل في التحديد: حدها في الشرق الشجرة، هل تدخل في المبيع؟ قال: فوقف عن الجواب، ثم قال بعد ذلك للسائل: قرأت باب كذا من كتاب سيبويه فدلني على أنها تدخل في المبيع، هكذا-أغلب ظني- حكي لنا، وفيه نظر فتدبره. في امتحان القاضي اختلاف الرجل مع زوج ابنته في إجهازها بنقدها: فهمنا-وفقك الله- ما قام به ختن مؤمن على مؤمن، في الثلاثمائة دينار التي نقدها ابنته وقضها مؤمن منه ولم يجهزها بها، وقال مؤمن: إنه جهزها، ووصف كل ما جهزها به في كتاب، والذي يجب في ذلك أن تأمر بامتحان ذلك حتى تفهم به صدق مؤمن من كذبه، ثم تعمل على حساب ذلك إن شاء الله قاله عبيد الله وابن لبابة وابن وليد ويحيى بن عبد العزيز وأحمد بن يحيى. وقال محمد بن غالب: وجه الامتحان أن يبعث القاضي- وفقه الله- شهيدي عدل إلى بيت الرجل الذي ابتنى فيه، فيخرج الجهاز، فإذا تصادقا فيه قومه أهل المعرفة بالقيم فإن كانت القيمة كفاف معجل الصداق برئ الأب، وإن لم يكن في ذلك كفاف النقد أخذ الأب بالباقي. وإن اختلفا فعلى الأب البينة فيما أورد من الجهاز، فإن ثبت له أنه أورد مقدار النقد برئ أيضًا، وإن لم يأت بالبينة وزعم أن الزوج نظر إلى ذلك كله في بيت زوجته، وحيث أبتنى بها وهو كفاف نقده، وأنكر الزوج ذلك، حلف ما أورد عليه إلا ما ظهر، وكان على الأب الوفاء به، وقاله محمد بن وليد وقاله ابن لبابة؛ إذا كان بقرب الابتناء قبل

стр. 184

أن يتغير الحال وإن طال ذلك كان القول قول الأب. مشورة أخرى في هذه القضية: فهمنا-وفقك الله- ما ذكرت من إحضار شورة ابنة مؤمن التي أقر مؤمن من أنها بنقدها، وأنها قومت بمائتي دينار وثمانية وستين وابتاعه بزعمه من نقدها الثلاث مائة دينار وقول زوجها: إن بعض هذا الجهاز هو من نحلة أمها لها، فالذي يجب فيه أنه يحلف الأب مؤمن- إذا لم تكن له بينة- أن جميع هذا الجهاز من نقدها، وأنه ليس فيه من غير نقدها شيء، فإذا حلف برئ من نقدها. وتحلف الأم على النحلة التي ادعاها أنها نحلتها وقت نكاحها، فإن نكلت امرأة مؤمن، حلف الختن وأخذت بما يحلف عليه، وكذلك إن نكل مؤمن حلف ختنه على دعواه واستحقه لزوجه، ويؤمر مؤمن أن يرد إلى ابنته من شورتها ما يصلح بيتها، قاله ابن لبابة وأيوب وعبيد الله وابن معاذ وغيرهم. قال القاضي: انظر قولهم إذا حلف الأب برئ من نقدها، والجهاز تنقص قيمته عن مبلغ النقد باثنين وثلاثين يدنارًا إلا إن كان التقويم بعد إخلاق بعضه أو كان الابتياع مما يتغابن فيه بمثله فربما، وقد كان في تمام جوابهم بيانه، وأما إن بان في هذا النقصان كذبه، فينبغي أن يوفيه ولا يصدق فيه، وأصل هذه المسألة بين في نكاح الواضحة وبالله التوفيق. ونزلت بقرطبة من هذا المعنى مسألة: كتب المخاطب للفقهاء بها عن الحكم الناظر فيها قام عند الوزير صاحب الشرطة والسوق بقرطبة أبي بكر بن الليث بن حريش العبدري عبد الله بن محمد المعروف بالقبالة على ابنته فاطمة؛ التي أنكحها بكرًا عقب سنة سبع وخمسين وأربعمائة من أحمد الخياط، يريد استرجاع ما جهزها به إليه، وزعم أنه عارية أعاره إياه لا هبه، وناكرته ابنته وزوجه ومنعاه منه، وتخاصموا فيه، ووقف عند بعض الفقهاء. ثم أظهر الزوج عن زوجته عقد استدعاء مؤرخًا لشعر خلون من صفر سنة ثمان وخمسين، تضمن إقرار الأب لها بما نص فيه من الثياب والمتاع، ومن جملة ذلك بساط ومنار، وقيدت بشهادة شهود في آخره أنهم سمعوا إقرار لابنته هذه بما في العقد من الثياب منذ عشرين يومًا بمحضر الثياب، وكانت شهادتهم لاثنتي عشرة ليلة خلت من صفر. وثبت ذلك عنده وقام عنده في كتاب الخصام خلف ابن فتوح مدعيًا في البساط

стр. 185

والمنار من جملة الموقف، وقال إنه أعارها عبد الله حين زفافه ابنته فاطمة إلى أحمد، وشهدت له بينة على عين البساط أنه ملكه وماله، وأنه سوقه للبيع بمحضرهم، في عقب ذي القعدة سنة سبع وخمسين، ولم يبتل البيع فيه، ولا يعلمون ملكه زال عنه إلى تاريخ شهادتهم، وهو النصف من صفر المذكور. وثبتت ذلك وشهدت له بينة في المنار على عينه أنه ابتاعه بمحضرهم في عقب ذي القعدة المذكور، ولا يعلمون ماله زال عنه إلى حين شهادتهم في النصف من صفر، وشهد شاهد واحد أن خلفا رهن المنار عنده في حق كان له عليه وقبضه منه، وبقي عنده إلى قبل عيد الأضحى من سنة سبع وخمسين، وأنه افتكه منه ولا يعلم ملكه زال عنه حين شهادته في نصف صفر، وقبيل هذا الشاهد وسائر الشهود. وأعذر إلى عبد الله في ذلك، فقال: إنه لا مدافع عنده فيه وأنه حق، وإنه استعار البساط والمنار من خلف في ذي الحجة ولا حق له فيه ولا لابنته، وأعذر إليه أيضًا فيما ثبت عليه من إقراره بالثياب لابنته، فأنكر شهادة الشهود عليه بذلك، وعجز عن المدفع في ذلك فيها، وقال: إن جميع الثياب له إلا البساط والمنار فإنهما لخلف استعارهما منه وشاور الفقهاء في ذلك، وإن على خلف اليمين في المنار والبساط. فجاوب أبو عبد الله بن عتاب: سيدي وولي تصفحت خطابك وما أدرجت طيه، وإذ قد ثبت عندك إقرار عبد الله بالثياب لابنته على ما قيده وأعذرت إليه فيه، ولم يكن عنده مدفع، فالقضاء بما شهد به من إقراره واجب، وهو عليه نافذ ما عدا المنار والبساط المشهود فيهما لخلف بما تقيد عندك. فإن ما شهد به له فيهما يوجب له أخذهما دون القضاء له بملكه للمنار، إذ الشهادة فيه إنما هي بالابتياع والرهن؛ وذلك لا يوجب الملك ولكن يوجب اليد، وعلى خلف اليمين أنه ما باع ولا وهب ولا خرج عن ملكه ويده إلا بعاريته لعبد الله. وإن كان الأب مأمونًا على الثياب له ذمة فهو أحق بضبطها، بعد أن يسلم منها إلى ابنته بقدر نقدها وزايدًا ما تتحمل به مع زوجها على التوسط في ذلك، ويشهد عليه بما يتوقف لابنته عنده، وإن كانت أحواله غير مرضية وضعتها على يد من تراه ممن ترتضيه بإشهاد إن شاء الله تعالى.

стр. 186

وكان أبو عمر بن القطان قد حلف في ذلك الوقت ألا يفتي أمر وقع له، ثم رجع إلى الفتوى وعدد إمساك هذه الشورى عنه، فأرسل الوزير أبو الوليد بن جهور ﵀ إلى الحكم فيها، ووجه إليه بها وإلى من يتلوه. فجاوب: قرأت ما خاطبتني به ووقفت عليه، فأما ما ذكرته من إقرار عبد الله بالثياب على ما تقيد عندك، فلازم له في الثياب خاصة على ما رفع به الشهود؛ إذ لم يشهدوا إلا بذلك. وما شهد به لخلف في البساط يوجب له القضاء به بعد يمينه في مقطع الحق بما يجب الحلف به، على ما وقع الحلف به فيه، وأما شهد له به في المنار فلا يوجب له ذلك حكمًا به إلا أن في ذلك حكمًا والسلام. وجاوب أبو محمد موسى بن هذيل بن أبي عبد الصمد: ما ثبت من إقراره بالثياب لابنته لازم له؛ إذ لم يكن عنده مدفع فيه، ويترك لها من الجهاز بقدر نقدها ويوقف لها سائر ذلك عند رضي لا عند أبيها؛ إذ قد ظهر منه استرجاعه لنفسه. والشهادة لخلف في البساطة تامة، ويقضي له به إن كان قد حلف اليمين المدرجة طي خطابها والشهادة التي شهد له بها في المنار ضعيفة لا يصح له بها ملك. ويجب توقيف المنار، فإن أتى خلف بن فتوح فيه بأثبت مما أتى به نظرت له فيه على حسب ذلك، وإن لم يأت فيه بغير ما أظهره بقي المنار لفاطمة باليد التي كانت لها عليه إذ كان فيما جهزت به، ولا ينتفع خلف بإقرار عبد الله أنه استعاره منه؛ إذ قد شهد عليه بخلاف ذلك. وجاوب أبو مروان ابن مالك: سيدي ووليي ومن وفقه الله وسدده ولقاه أرشد فيما اعتمده، إن هذا القائم عندك عبد الله قد ثبت عليه عندك في صفر إقراره في المحرم لابنته فاطمة بالثياب الموصوفة في الاسترعاء بصفر، فيقضي عليه بذلك؛ إذ قد أعذرت إليه فلم يأت بمدفع، ويخزن من الثياب للطالب خلف البساط الذي ثبت له وحلف عليه، إن كانت اليمين اللائحة إلينا فيما أدرجته قد ثبتت عندك: فإنك لم تضمن ذلك خطابك. وأما المنار فلم يثبت فيه لخلف ملك ولا يد إن لم يكن إلا ما أظهرت إلينا، ولا يسمع إقرار الأب له في خصامه للابنة والصهر بعد ما طلب الكل لنفسه، ولا أيضًا ثبت على الأب إقرار بالمنار للابنة؛ لأن العاقد للإقرار إنما ذلك الثياب، والمنار ليس من الثياب

стр. 187

فأرى أن تعمل فيه بما قاله أبو محمد -أكرمه الله. ولو قال الشهود بابتياع خلف المنار أنه قبضه بالابتياع أو ابتاعه ممن كان حين العقد بيده لكان ذلك يدًا، كذلك الرواية والرهن لم يشهد به إلا شاهد واحد، فمن ثم قلت لك: إن خلفًا لم يثبت له في المنار ملك ولا يد. وقولهم في شهادة ابتياعه ولا يعلمونه خرج عن ملكه ولا يوجب شيئًا من ذلك ملكًا ولا يداه، حملنا الله وإياك على الصواب برحمته والسلام. قال القاضي: تكلمت مع أبي مروان بعد ذلك في جوابه وقال: إن الرواية التي عني في كتاب السرقة: من ابتاع رجل سلعة، ففلس المبتاع، قيل لابن القاسم: أيسع الشهود أن يشهدوا أن هذا متاع البائع؟ قال: يشهدون أن هذه السلعة بعينها اشتراها هذا المفلس من هذا الرجل، ولا يشهدون إلا بما عاينوا وعلموا. قال القاضي: زاد ابن أبي زيد فيها: وإنها كانت بيد بائعها، والحجة له إنما هي في هذه الزيادة لا في المسألة التي في الأصل؛ بل المسألة حجة عليه في ظاهرها وهي أقوى من تلك المسألة التي كتبناها؛ لأن حق الغرماء قد تعين في هذه السلعة التي ألفيت بيد المفلس فلا يزيلها عن ذلك إلا بشهادة بينة. ويد فاطمة في تلك الثياب، والمنار ضعيفة؛ لأنه قد علم أن أصل مصير ذلك إليها من قبل أبيها، وقد كان مصدقًا في أنها عارية إذا لم تطل فيها المدة لولا الشهادة عليه بإقراره بها لابنته. وما شهد به لخلف من المنار من الابتياع والرهن يد أقوى من يدها، مع روجوع أبيها عن الإقرار لها إلى الإقرار له. وكان الصواب في الجواب أن يقال تستعاد بينة خلف في المنار، فإن بينوا م شهادتهم أنه كان بيد بائعه حين ابتياع خلف له تمت على ما زاده ابن أبي وزيد، وإن غابوا أو ماتوا عملت شهادتهم للمبتاع وبما تقيد منها يكتفي؛ لأنهم قالوا فيها: ابتاع بمحضرهم هذا المنار زيد، ولو لم يكن بيد بائعه وكان غائبًا، لم يشهدوا على عينه ولا عرفوه، وما جاوب به فيه ابن عتاب أجدر بالصواب والله تعالى أعلم.

стр. 188

فيمن ساق إلى زوجة نصف أملاكه مشاعًا ثم باع جزءًا من أملاكه مشاعًا ثم طلبت المرأة بعد مدة سيقاتها كاملة: كتبت بها إلى ابن عتاب وغيره وكان قيام المرأة بعد خمسة عشرة عامًا من وقت البيع، فجاوب ابن عتاب: لها سياقتها فإن كان باع زوجها النصف الباقي على ملكه أو أقل منه كان لها الأخ ... الشفعة إن كانت لم تعلم بالبيع، وإن علمت فلا شفعة لها لطول المدة، وتكون الأملاك مشتركة بينهما وبين المبتاع للنصف. وإن كان ابتاع منه أقل من النصف فالزوج أيضًا شريكهما بقدر ما بقي له، وإن كان باع أكثر من النصف وثبت أن المرأة علمت بذلك؛ مثل أن يبيع ثلاثة أرباع الأملاك، فهو رضي منها ببيع حصتها فيكون لها من الثمن ثلثه ويبقى لها نصف سياقتها وهو ربع الأملاك. وإن لم يثبت أنها علمت حلفت أنها ما علمت ببيعه ولا رضيت به بعد علمها ولا أذنت له فيها وانتقص البيع فيما كان باعه من حصتها، وإن باع الملك كله فالجواب فيه على نحو هذا. وإن كان المبتاع حاز ما ابتاعه ولم تغير ولا أنكرت سقط قيامها وطلبت الزوج بالثمن الذي باع به. وما اغتله الزوج من السياقة فعلية غرمه للزوجة، وما ابتاعه من عرض أو غيره بما اغتله فلا شيء للزوجة فيه. وجاوب ابن القطان: البيع شائع في الجميع، وليس للمرأة إلا ثمن نصف المبيع إذا لم يكن لها عذر يمنعها من القيام المدة المذكورة، وما تجر به الزوج مما اغتله فالربح له إذا فعل ذلك لنفسه، وعليه لها ما اغتل من حصتها. قال القاضي: في بعض جوابه اعتراض، وأصل جوابهما في هذه المسألة ما وقع في المختلطة فيمن ابتاع عبدًا فباع نصفه من يومه، ثم استحق رجل ربع جميع العبد، قال ابن القاسم: الربع شائع، ويأخذ المستحق الربع، ويرجع المبتاع على بائع النصف منه بقدر ما استحق من حصته من العبد إن شاء أو يرد إن شاء، وجواب ابن القطان مبني على هذا. وقال سحنون: هذه خطأ ولا يقع الاستحقاق إلا على ما بقي بيد البائع دون ما باع، وعلى هذا أتى جواب ابن عتاب في مسألة السياقة وهو الصواب فيها. وأما مسألة العبد فالصواب فيها قول ابن القاسم: إن الاستحقاق شائع في الجميع؛

стр. 189

لأن البائع فيه غير متعد في المبيع؛ لأنه باع ما كان يملكه ثم طرأ الاستحقاق عليهما، وهما شريكان في العبد فليس لأحدهما أن يوقفه منفردًا على شريكه، وهو ظاهر صوابه. وأما بائع جزء من الأملاك المسوق نصفها أو بعضها فلا حجة له في أن يجعل المبيع بينه وبين زوجه؛ لأنه في بيع شيء من حظها متعد عليها إذا باع بغير إذنها، وكأنه نادم في إخراج المبتاع في بعض المبيع إلى ما يمنع منه ويدفع عنه، وهذا فرق بين لا خفاء به والحمد له. مسألة: من ساق من ماله إلى كنته سياقتين إحداهما بعض الأخرى ثم باع أملاكه بالقرية: كتبت إلى ابن عتاب فيمن ساق من أملاكه بقرية كذا إلى كنته ربعها، ثم ساق إلى كنة أخرى ربع أملاكه بالقرية، ثم انعقد عليه بعد ذلك لإنسان ابتاع فلان من فلان جميع أملاكه بقرية كذا، واعتمر المبتاع الملك بمحضر المرأتين، وكان زوج أحدهما يعتمر معه. ثم قام هذا المعتمر بعد عشرين سنة عن امرأتين بتوكيلهما يطلب السياقتين، وقال المبتاع: قد ابتعت من البائع جميع أملاكه واعتمرتها بمحضرك ومحضر المرأتين وكنت مناصفي فهيا، وقال الوكيل: ما نت أعتمر لهما إلا سياقتيهما. قال القاضي: إن ثبت أنهما علمنا بالاعتماد المدة المذكورة فقيامها ضعيف، وإلا حلفنا أنهما ما علمتا ذلك إلا الآن وأخذتا ما سيق إليهما، وإذا كان في السياقة الآخرة أنه ساق إليها ربع أملاكه، فإنما لها الربع بعد إخراج الربع الأول، لا ربع الجميع إلا ببيان وكشف، وبالله التوفيق. وكتب إلى أبي عمر الإشبيلي فيمن ساق إلى زوجته جميع ملكه بقرية كذا لم يزد على هذا، ثم قال: مع جميع الدار التي بموضع كذا وحدها كذا، مع نصف جميع ملكه بقرية كذا غير القرية الأولى ثم قال بإثر ذلك: في الدور والدمن والأفنية لم يزد على هذا، فوجد للسائق رحي بالقرية التي ساق جميع ملكه بها، وقال: إنما الرحى لي، وقالت الزوجة: هي لي، وقولك: في الدور والدمن والأفنية، إنما وقع على القرية التي سقت لي منها نصف جميع ملكك وبإثرها وقعت الصفة. فكتب بخط يده: القول قول السائق وإن لم يدخل بها تفاسخا بعد أيمانهما إن شاء الله، وتأمل الذي علقت بعد هذا في البيوع لابن القطان والتي مرت لابن زرب في

стр. 190

الوصايا. وفي صداق اخترق على القاضي: اقرءوا رحمنا الله وإياكم الصداق حتى تأتوا على آخره، واكتبوا إلي بما يجب على الزوج والمرأة والشهيدين؛ فإنه جاءني من قام بالحسبة بهذا الصداق الذي اخترق، وقيل: إني أمرت به علي ما في الكتاب. فأجاب أبو صالح: قرأت وفقك الله الصداق من أوله إلى آخره، فرأيته قد بني على أن القاضي قدم لعقده وأبرز لإتمامه، فإذا صح عند القاضي - أكرمه الله- أنه مخترق مفتعل وجب فسخه وتأديب عادقه وشاهديه والناكح أدبًا بليغًا، يكون شرادًا غيرهم ومقمعة لمن سمع بهم منأمثالهم، وهذا قول مالك في التأديب إن كان دخل بها، وإن لم يدخل رأى القاضي رأيه في الحمل عليهم ما يكون زاجرًا لهم وواعظًا عن فعلهم إن شاء الله. وقال ابن لبابة: يعاقب الشاهدان عقوبة شاهد الزور ويطاف بهما كما يفعل بأهل الزور؛ لأنهما قد أقرا بأنهما شهدا على ما لم يسمعا، وهذه شهادة زور؛ إذ شهد على ما لم يشهد عليه، ويعاقب المنكح على ما افتأت على القاضي، وأما الناكح فهو أعذر، لعله يقول: لما شهد الشاهدان وعقد العاقد ظننت أنهم قالوا الحق؛ فهو عندي أعذر، والشاهدان والعاقد لا عذر لهم في افتئاتهم إن شاء الله. في دعويات في صداق ودار بين الزوجين: فهمنا -وفقك الله- ما تنازع فيه يحيى زوج أم الأصبغ وصفوان، في الدار المحدود في كتاب الصداق الذي تقارا به جميعًا، وقال صفوان ليحيى زوج بنته: ادفع لي سدس الواجب لي في هذه الدار، وقال يحيى: الدار بيدك أيها الأب لأني أقبضتكها يوم بنيت بابنتك، وقال الأب: لم تكن دفعت إلى الدار ولا قبضتها، ولكنك سكنت فيها معها، وقال الزوج: قد كانت زوجتي ردت إلى الدار إلا أني لم أقبضها. فالذي نقول به: إن اليمين على الزوج: لقد أقبض الدار إياها، وكذلك ابتنى بزوجته وما قبضها يوم ردتها وأشهد مثله بإرجاعها إليه ووضع الكالئ عنه، وإن الدار التي فيها ساكن ليست الدار المذكورة في الصداق. فإذا حلفت على هذا فلا حق له في الدار التي بيد الزوج إلا أن يأتي الأب بالبينة، قبل حلف الزوج أنها هي الدار التي في كتاب الصداق، وللزوج رد اليمين على الأب. قاله ابن لبابة، وأيوب بن سليمان، ومحمد بن وليد، وسعد بن معاذ.

стр. 191

قال القاضي في هذا الجواب نظر لأنهم حملوا الدار في تصديق الزوج في دفع الدار المسوقة إلى الأب محمل ما يدعي دفعه، من النقد العين والعرض الذي قد ينقل ويغاب عليه، إذا كان ذلك بعد البناء، والدار لا تغيب ولا يغاب عليها. فما المانع من أن يقال للزوج: عين لنا الدار التي أعطيت الزوجة في صداقها وأرناها، فإن عين دارًا، لا اعتراض لأحد فيها، ولا مانع دونها، حلف حينئذ وصدق، وإن امتنع من تعيين الدار وتشخيصها بالوقوف إليها بأن كذبه؛ إذ لا يعاب عليها ولا تنقل عن موضعها، وصدق الأب حينئذ في الدار التي يدعيها، وحلف وكانت لابنته. وإنما جواب مالك وأصحاب في تصديقه في دفع النقد بعد البناء لأنه متعارف، وقد قال القاضي إسماعيل بن إسحاق وغيره: إنما قال مالك هذا بالمدينة لأن عادتهم جرت بدفع الصداق قبل الدخول، فأما سائر الأمصار فالقول قول المرأة مع يمينها قبل الدخول وبعده؛ لأنه أقر بالصداق وادعى البراءة منه. وفي سماع أبي زيد: إذا كان في صداقها خادم فطلته بها بعد الدخول فقال: قد صالحتني عليها بدنانير دفعتها إليها، قال ابن القاسم: لا يصدق، ولو أقرت بالصلح صدق في الدفع. فلم يصدقه هنا لإدعائه ما خرج عن المتعارف، ولا أبعد عن المتعارف به عن المعقول من ادعى دفع دارًا لا تجد بأقطار ولا يوقع بها على آثار، ومن ادعى المحال لا يسمع له. فقال: وهذا بين الصواب إن شاء الله ، وقد تقدم من قولهم مسألة بثينة وابن زياد، وفي مسألة كنزة وابن أصبغ ما هو الصواب فيه، الشاهد لصحة اعتراضي عليهم في هذه، والحمد لله. فيمن أقر بالنقد وأنكر الشروط: فهمنا- وفقك الله- إنكار العريف الصداق الذي وقف عليه لزوجته كنزة، وقال إنه لم يشهد بما فيه ولا يعرفه، وإنها زوجته، ويعرف النقد وحده، وقبلت شاهدين من شهوده وأعذرت إلى وكيله بمحضره، ثم غاب غازيًا وتمت الآجال على وكيله فلم يكن عنده مدفع، فيجب في ذلك أن تشهد لكنزه على كتاب صداقها، وتقع الشهادات تحت النسخة وعلى إعذارك وغيره من نظرك إن شاء الله. قاله ابن لبابة، وابن وليد، وعبيد الله، وابن معاذ، وغيرهم.

стр. 192

فيمن أقر بالصداق وشروطه غير شرط الرحلة: فهمنا- وفقك الله- إقرار يوسف بن عياض بصداق زوجته عيشونة وفيها أنها مصدقة في جميع شروطها بعد أن تحلف في بيتها على ذلك، وقال: أشهدت على نفسي بما فيه إلا أني لم أفهم شرط الرحلة من دارها، والذي نرى أن إقراره بالصدق قد لزمه ولا ينفعه قوله: لم أفهم شرط الرحلة؛ لأنه مدع فيما ذلك، ولعيشونة أخذه بشروطه المذكورة في كتاب صداقها، قاله ابن لبابة، وابن معاذ، وأحمد بن يحيى. في امرأة طلبت الأخذ بشروطها: نظرنا- وفقك الله- في الصداق الذي شهد فيه عندك الشاهدان فإذا قبلتهما سئلت المرأة عما تطلبه من صداقها، فإن طلبت طلاق نفسها لغيبة زوجها التي هي مصدقة فيها في كتاب صداقها، وجب عليها أن تحلف بمحضر رجلين عدلين في مقطع الحق بالله لقد غاب عنها، ثم تسمى موضع الغيبة ووقتها الموقت لتلك الغيبة، ثم تطلق نفسها بما شاءت من الطلاق. ثم تشهد لها - وفقك الله- بثبوت صداقها ويمينها وطلاقها نفسها وترجئ الحجة لزوجها- إن كانت عنده حجة- فيما ثبت لها في كتاب صداقها - قاله أيوب، وابن لبابة، وعبيد الله. في صداق من أنكر الزوج بعض شروطه: قرأت - وفقك الله- الصداق وإقرار المنكح بما فيه. وقوله: ظننت بالناكح خيرًا فأشهدت له بالقبض وإقرار الناكح بما في الصداق إلا شرط التصديق فوجبت اليمين على الناكح لقد قضي كما ذكر في الكتاب لحداثة عهد عقده، وجب على المنكح إثبات الصداق ليثبت به الشرط، فإن لم يثبت الصداق حلف أبو الجارية أنه ما أنكحه إلا بجميع ما في الكتاب من الشروط وغيرها فإذا حلف قيل للناكح: إما أن ترضى بذلك وإلا فالحلف أنك ما أنكحت على هذا الشرط، فإن حلف انفسخ النكاح، وإن نكل لزمه الشرط، وإن ادعى أبو الجارية أن له بينة بإقرار الناكح أنه لم يقبضه ضربت له الآجال في البينة، فإن أتى بها وإلا حلف على ما ذكرنا في الكتاب. قاله أيوب بن سليمان وجماعتهم. وقال ابن لبابة: هذه الفتيا إذا كان قبل الدخول لأنه لا تحالف إلا قبل الفوت،

стр. 193

والبناء هو الفوت. قال القاضي: إيجابهم اليمين على الناكح: لقد دفع بعد إشهاد المنكح بالقبض لهم بعد هذا، مثله في البيوع في مسألة ابن عبدوس ومسألة البنا، وهو خلاف لما ذكره ابن حبيب عن مالك في مثل ذلك؛ قال عنه: إذ تشاهد المتبايعان بعد دفع الثمن ثم طلب البائع الثمن، وقال: إنما أشهدت لك بقبضه ثقة بك، وأراد إحلافه لم يكن له ذلك. وهذا نص لا يجوز خلافه رواية ونظرًا؛ أما الرواية فقد ذكرناها، وأما النظر فإن الله ﵎ لم يأمر بالإشهاد عند التبايع وغيره إلا لرفع هذا وشبهه من التنازع بين المتبايعين، وقد برأ ذمته مما كانت مشغولة من حقه فلا بسبيل له إلى العودة لشغلها به، ولو سومح في هذا وشبهه لارتفعت الحقائق وانحلت العقود، وذلك الضلال البعيد. وقال أبو عبيد الله بن العطار في وثائقه: إذا انعقد في عقد التبايع أن الثمن كان طيبًا مقلبًا جيدًا، وأتى البائع بدراهم رديئة يزعم أنها من دراهم المبتاع وأنكرها المبتاع، فلا يمين عليه في ذلك لإقرار البائع بقبضها طيبة جيادًا، ولو سقط هذا الفصل من العقد لوجبت على المبتاع اليمين أنه ما يعرفها من دراهمه ولا أعطاه إلا جيادًا في علمه. هكذا في كتابه وذكر معه نظائر له، وهو الصواب الذي لا يصح خلافه. والذي حمل الشيوخ على ذلك ما رواه أصبغ عن ابن القاسم فيمن باع سلعة ثم أتى يقتضي الثمن، فقال المشتري: لم أقبض السلعة، وقال البائع: قد قبضتها، قال: إن كان أشهد له بالثمن فقد قبض السلعة وعليه غرم الثمن. قال أصبغ: ويحلف له البائع إن كان بحرارة البيع والإشهاد، لأن هذا من أفعال الناس، فأما أن يكف حتى إذا حل الأجل قال: لم أكن قبضت السلعة فلا قول له ولا يمين له على البائع. وليست هذه المسألة كالتي أفتوا باليمين لأن هذه ليس فيها إشهادها بقبض السلعة، ثم قال: لم أقبضها، ولو كان ذلك فيها لكان جوابها جواب مالك في الثمن: إنه ليس عليه بعد الإشهاد يمين، ولما سكتا في مسألة أصبغ عن ذلك السلعة كان محتملاً لبقائهما عند بائعها، وإن كان تشاهدا على ثمنها فأرى اليمين في حرازة البيع والإشهاد. وأما التي أفتوا فيها فقد أشهد المنكح بقبض النقد من الناكح وأبرأه منه، فلا سبيل له إلى طلبه به ولا إلى تحليفه عليه، كما قال مالك في البيع، والله الموفق للصواب.

стр. 194

وإيجابهم أيضًا باليمين على الأب في شرط التصديق الذي أنكره الزوج، إذا لم يثبت فيه عندي نظر تركت شرحه لطوله، إلا إن كان شر التصديق في هذا لنفسه لا لبينته، وفي هذا أيضًا ما يطول الكتاب بذكره. مسألة في قيام المرأة بشرط المغيب على زوجها الغائب: أظهر إلى الوزير أبي بكر ابن حريش عن عاتكة بنت علي عقد استرعاء في مغيب زوجها عنها، نسخته من أوله إلى آخره: يشهد من يتسمى في هذا الكتاب من الشهداء أنهم يعرفون مسعود بن أحمد بعينه واسمه، ويعرفونه قد غاب عن زوجه عاتكة بنت علي منذ عام أو نحوه متقدم لتاريخ هذا الكتاب، بحيث لا يعلمون. وكان قد أشهدهم على نفسه حين كتاب صداقها معه منذ خمس عشر متقدمة لتاريخ هذا الكتاب: أنه طاع لها ألا يغيب عنها غيبة متصلة يقيم فيها أكثر من ستة أشهر، إلا في أداء فريضة الحج عن نفسه، فإن له في ذلك مغيب ثلاثة أعوام، فإن زاد على هذين الأجلين أو أحدهما فأمرها بيدها. والقول قولها عند المنقضي من أجليهما أو أحدهما بعد أن تحلف بالله لغاب عنها أكثر مما شرطه لها، ثم تقضي في نفسها ما أحبت، ولها التلوم عليه ما شاءت لا يقطع تلومها شرطها. ويعرفون أن غيبة مسعود هذا في غير سبيل الحج، ويعرفون عصمة النكاح بينهما باقية إلى تاريخ هذا الكتاب؛ وهو رمضان سنة سبع وخمسين وأربعمائة. وكتب ابن الأسعد، وفطيس بن محمد، شهادتهما على نصه. وكتب أبو محمد المعيطي، وعبد الله بن محمد كامل مرسي فقرة ٢٤٢ الأموي، يعرف مغيب مسعود عن زوجة هـ عاتكة المذكورة ولا يعلم أنه انصرف إليها إلى تاريخ شهادته هذه؛ وذلك في شوال من العام المؤرخ، وشهد عنده الشهيدان بنصفه وعرفا عاتكة ومسعودًا حين شهادتهما هذه. وشهد المعيطي بما قيده في شهادته، ووصل بها أنه يعرف مغيب مسعود بإشبيلية، وثبت عنده من قولها إنها تريد الأخذ بشرطها، وأعلمها بقبوله الشهود فلم يكن عندها مدفع. وحلفت في بيتها لعذر منعها من الخروج: إن زوجها مسعودًا لم يؤب إليها منذ غاب عنها ولا كان في سكوتها المدة المذكورة إلا تلومًا عليه لا إسقاطًا لشروطها، وثبتت

стр. 195

عنده يمينها وشاور في ذلك الفقهاء وأدرج إليهم العقد المذكور. فجاوب أبو عبد الله بن عتاب: سيدي وليي، تصفحت خطابك وما أدرجت طيه، وإذا قد ثبت عندك ما ذكرته على حسب ما وصفته فقد كان القاضي أبو المطرف رحمه يمرض شهادة الشاهد بحيث لا يعلم ويضعفها، لاسيما إذا طالت مدة المغيب. ولقد شهدت له مجلسًا وقد حضره الفقيه القاضي أبوك ﵀ وجرى في هذه الشهادة بينهما مناظرة؛ إذ كان أبوك يذهب إلى إعمالها وإجازتها، ولكن زاد الفقيه أبو محمد في شهادته عندك أن مغيب الغائب إلى أشبيلية موجب للإعذار إليه إن كان لا يتعذر الإعذار إليه. فإن تعذر فالعقد مفتقر إلى تصحيحه، إذ فيه تناقض لما قيل في صدره إنه غائب بحيث لا يعلمون، ثم قيل في آخره إنهم يعرفون مغيبه في غير سبيل الحج، وإذا لم يعلم حيث مغيبه فكيف يسوغ لهم أن يقولوا إنه في غير سبيل الحج؟! وهذا لا يجتمع ولا يتفق؛ أنهم عالمون وغير عالمين في حال واحدة. فإذا صح العقد يرفع هذا وأحكامه نفذت القضاء بالطلاق وأرجأت الحجة للغائب إذا تعذر الإعذار وتقيد ذلك من نرك موفقًا إن شاء الله. وجاوب أبو عمر بن القطان: قرأت ما خاطبت به، وقد تقدم في بعض أجوبتي إليك في مثل هذا المغيب أن الشهادة فيه ناقصة حتى يكون الشهود قد قطعوا أن عصمة النكاح باقية بين الزوجين إلى تاريخ شهادتهم وبالمغيب أنه في سبيل الحج، والشهادة في هذا بقطع لا تنبغي، وإنما يشهد في هذا على العلم، وقول الشهود إنهم يعرفون إنما يعطى القطع؛ فلا يجوز مثل هذه الشهادة ولا يبنى (أ-٥٣) عليها، ولا يكون بمثلها تسجيل. وذكرت أن المرأة حلفت أن سكوتها في المدة المذكورة وتلومها لم يكن إسقاطًا منها لشرطها، وهذه زيادة في اليمين لم تكن تنبغي ولم يكن ذلك عليها؛ إذ شهدت البينة أن الزوج أشهدهم أن لها التلوم عليه ما أحبت؛ لا يقطع تلومها شرطها، ولا يجب أن يحكم الحاكم إلا بما لابد منه، فتحفظ من مثل هذا وشبهه، فعلى ما جاوبك به الشيوخ المتقدمون وبه كان يفتون حكام المسلمون، عصمنا الله أجمعين.

стр. 196

وأما شهادة عبد الله بن محمد فلا توجب حكمًا، إذ لم يشهد غيره بمثل شهادته أكثر من الاستثبات في أمر الغائب والتأني فيه. وأما ما ذكرت من يمين عاتكة في بيتها لعذر ولم تبينه في خطابك فغير مجزئة عنها، فإن ذكرت العذر وقع الجواب عليه، وإلا فاليمين واجبة في مقطع الحق إذا صحت الشهادة، فإن كانت المرأة ممن لا تخرج نهارًا خرجت ليلاً، وحلفت بما يجب به الحلف، وبذلك يتم الحكم ويقع التسجيل، وأسأل الله لنا ولك خلاصًا جميلاً وعونًا على طاعته وتأييدًا إن شاء الله، والسلام. قال القاضي: الزيادة التي زادتها المرأة في يمينها أنها إنما سكتت متلومة لا إسقاطًا لشرطها، كل ذلك ذكرها أبو عبد اله بن العطار، وأسقطها أبو عمر بن الهندي واحتجاج أبيه عمر بن القطان على أن الصحيح إسقاطها، بأن الشهود قد شهدوا بها غير بين؛ لأنها قد تقول في يمينها: لقد غاب عنها أكثر مما شرطه لها وما انصرف إليها، وقد شهد لها بذلك. وكذلك تحلف إذا أرادت تطليق نفسها منه بعدم النفقة: أنه ما ترك عندها شيئًا ولا أرسل إليها بشيء وقد شهد لها به الشهود، وكذلك يحلف مستحق الحيوان وشبهه- في مقطع الحق- ما باع ولا وهب ولا خرج عن ملكه، بعد أن تشهد له بذلك بينة وكذلك من شهد له بحق على ميت أو غائب. وكذلك نص عليه أبو عبد الله بن أبي زمنين في يمينها في سجل القضاء لها الأخذ بشرطها في المغيب بعد أن أثبتت مغيبه. قال: وشاور القاضي فلان من وثق به من أهل العلم فيما ثبت لفلانة فأشاروا عليه أن تحلف في مقطع الحق -احتياطًا للغائب- بالله الذي لا إله إلا هو، لقد غاب عنها زوجها فلان- في غير سبيل الحج- الغيبة التي شهد لها بها ما قدم عليه، وأكمل اليمين. فهذا نص في ذلك ممن هو حجة، مع موافقة ابن العطار له فيما ذهبنا إلى بيانه، والله يعصمنا بهدايته، ولو انتقد أبو عمر على نفسه في جوابه أن الشهادة ناقصة، حتى يقولوا إن المغيب بعيد بحيث لا يعلمون لكان به أولى، لأنه كلام لهم ينقله غيره ولا يصح في النظر معناه؛ كيف يكلف من يقول: إنه غائب بحيث لا يعلمون أن يزيد غاب بعيدة بحيث لا يعلمون. وكيف يصح الجمع بين اللفظين وهما معنيان متنافيان لأنه إذا قال: بحيث لا يعلم؛

стр. 197

فهو لا يعلم قرب المغيب من بعده، وإذا قال: غيبة بعيدة؛ فقد علم المكان بمقتضى كلامه، فكيف يصح قوله: بحيث لا يعلمون؟ وهذا بين لمن تأمله وقد سمعت من ينكره، وسيأتي في جواب لهم آخر في مسألة غائب. وكذلك لو حصل قوله: وأسأل الله لنا ولك خلاصًا جميلاً إن شاء الله، لم يقله؛ لأنه كلام كقوله: خلصنا الله وإياك إن شاء الله، وهذا لا يجوز لأنه نفس ما نهى عنه النبي في قوله: "لا يقل أحدكم إذا دعا: اللهم اغفر لي إن شئت. اللهم ارحمني إن شئت ليعزم المسألة فإنه لا مكره له" (١). وجاوب أبو مروان في ذلك: سيدي ووليي ومن وفقه الله وأرشده وأراه الصواب وأيده، أمثل ما في هذا عندي: إذا لم يفت الشهود بما في الاسترعاء بعده أن تستعيد منهم الشاهدات بالنص، فنكتب عنها شهادتهما على وجه الكتاب وسياق الصواب. فإن اليقين الحاصل بأن الداخلة إنما دخلت من العاقد، واليمين في بيتها لا تجزئ؛ إذ ليس ذلك في شروطها المضمن عقد الاسترعاء الظاهر إليك، إلا لعذر تقوم عليه بينة، فإن تقيدت الشهادة على وجهها، بلفظ يصلح للمعنى المفهوم من المراد بالاسترعاء المذكور، نفذ الحكم على الغائب، وأرجأت له الحجة. فإن كونه بأشبيلية لم يقم عليه إلا شاهد واحد ولا ثبت ذلك بواحد، وإن كان على ما هو من علو الحال، حمنا الله وإياك على الصواب، والسلام. وفي مسائل ابن زرب: سأله ابن دحون عن حكم ثبت عنده مغيب رجل مدة، كان قد شرط لزوجته إن غاب عنها فأمرها بيدها، وأنها طلقت نفسها على سنة المبارأة، وأشهد الحكم على ذلك، وكان الشرط على الطوع، فقال القاضي: يس يلزمه إلا طلقة له فيها الرجعة ما لم تنقض العدة، وليس إشهاد الحكم على ثبوت تطليقها نفسها طلقة مباراة مما يمنعها من ارتجاعها في العدة. وسئل ابن عتاب عمن جهز ابنته إلى زوجها وهي بكر بجهاز، وأخرج لها شورة، وأقامت مع الزوج أربعة أعوام، ثم قام يزعم أن تلك الشورة إنما أخرجها على

стр. 198

وجه التزين لها والإصلاح عيها؛ أعارها إياها لا على أنها مالها. فأجاب: إذا مضت المدة التي ذكرت فالأب غير مصدق فيما ادعاه من ذلك إن شاء الله . قال القاضي: وكذلك الرواية عن مالك وابن القاسم وغيرهما في هذا في الواضحة والعتيبة وغيرهما، ولا خلاف أعلمه فيهما، وسئل ابن القطان عنها فجاوب: أن الأب مصدق فيما زاد على قدر النقد من الشورة، وهو خطأ من القول. من شرط لزوجه ألا يتسري عليها: في سماع يحيى عن ابن القاسم فيمن اشترطت على زوجها أن كل جارية يتسررعليها فهي حرة، وله يوم اشترطت هذا أمهات أولاد فوطئهن بعد الشرط، حنث فيهن وخرجت حرائر؛ لأن مسيسة إياهن بعد اليمين تسرر، وقاله أبو زيد وأصبغ. وقال سحنون: لا شيء عليه في أمهات أولاد اللائي كن عنده قبل النكاح، وإنما يلزمه الشرط فيما يستقبل. قال ابن لبابة: وقول سحنون جيد. وقال أبو إبراهيم إسحاق بن إبراهيم: حجة مخالفيه أقوى، واختاره أبو بكر بن زرب في مسائل ولم ير قول سحنون شيئًا، واحتج فقال: التسرر هو الوطئ، فإن وطئ لزمته اليمين. قيل له: فلو اشترط ألا يتسري عليها فنكح عليها، هل يمنع منذلك؟ قال: قال قيل له: ولم لا يمنع والتسرر وإذا تزوج وطئ؟ فقال: التسرر إنما يقع على وطئ الإماء، وليس هذا من هذا. وقال أبو عبيد الله ابن أبي زمنين في المغرب: رأيت لبعض العلماء أنه سئل عن الذي يشترط لزوجته ألا يتزوج عليها ولا يتسرى بعد بنائه بها، فإن فعل فالداخلة طالق والسرية حرة، فتزوج قبل البناء وتسري، فقال: له أن يقيم على التي تزوج ولا يلزم فيهما شيء، وليس له أن يقم على وطء التي تسرر. وفرق بين ذلك أن النكاح فعل واحد، والتسرر فعل بعد فعل، قال أبو عبد الله: وقوله هذا كله جيد وغير خارج عن أصولهم إن شاء الله. قال القاضي: هذا كله يرد قول سحنون، والصحيح ما قالوه ابن القاسم ومن وافقه، والله أعلم.

стр. 199

فيمن حلف ألا يرحلها من دارها ما يطلب بكراء: سأل ابن دحون القاضي ابن زرب، في ربيع الآخر سنة تسع وسبعين وثلاث مائة، عمن شرط لزوجته في صداقها ألا يرحلها من دارها ما لم يطلب بكرائها، فإن طالب به فله أن يرحلها. فقال القاضي: ذلك: جائز فقال: وإن طلب بكرائها فيما مضى، قال: ليس يلزمه إن كانت الزوجة مالكة نفسها عالمة بالشرط، فإن كانت مولى عليها أخذ بكراء ما مضى، ولم ينفعه ما عقد في سقوط الكراء عنه. قال له ابن دحون: فإذا كانت ذات أب فهي في ولايته وأباح له سكنى الدار، لأي شيء لا يضمن الأب الكراء ويحمل محمل الهبة منه له، ولا يكون على الزوج شيء؟ فقال: ليس هبة، والكراء على الزوج، ولا شيء على الأب، ووقف على هذا؛ يريد وليس للأب أن يهب مال وله أو ابنته. تزوج أمه فأنف بعض أهله من ذلك، أو تزوج المرأة غير شاكلة فأراد أهلها التفريق بينهما، ومن تزوج على أن يقيم لها دارًا. قال ابن زرب: من تزوج أمة فأنف بعض أهله من ذلك، وقال له: طلقها وأنا أكتب لك كتابًا بمائة دينار في نكاح امرأة إذا بدا لك النكاح فطلقها، وكتب عليه كتابًا وأقام نحو ثلاثة أعوام لا يتزوج، ثم أعتقت وتزوجت ثم طلقت، وأراد الأول ردها، وقد مات الذي ضمن ذلك، فلا شيء له في مال الضامن لطول المدة، فلما طالت رأى أنه تارك النكاح. وسئل في صفر سنة سبع وسبعين وثلاث مائة عن وليه لقوم؛ نكحها رجل طارئ مكفوف من أهل الشر والفساد، فأنكر ذلك عليها أولياؤها وذهبوا إلى فسخ النكاح، وكان قد بنى بها، فقال: لا سبيل إلى حل النكاح إن كان قد دخل بها، قيل له: فلو لم يدخل فوقف فقال: الذي لا أشك فيه أنه إذا دخل لم يفسخ النكاح. قال أصبغ في النوادر: إذا زوج الأب البكر من رجل سكير فاسق لا يؤمن عليها، لم يجز، وليرده الإمام وإن رضيت هي به، وفي الوصي نحوه في آخر نوازله. وقال ابن زرب في نوازله فيمن تزوج امرأة على دار يقيمها في قرية: إن كانت أرض يقيمها فيه جاز النكاح وبنى لها دارًا متوسطة، وإن كان لا أرض له لم ينفذ النكاح.

стр. 200

قيل له: ولم لا يجوز ويشتري أرضًا يبنيها فيها كالخادم يتزوج عليها وليست معه ثم يبتاعها لها فينفذ النكاح؟ فقال: ليست مثلها، والفرق بينهما أن التسليف لا يجوز في الدور ويجوز في الخدم. مسائل النحلة التي ينعقد عليها النكاح والتنازع فيها: قال أبو عبد الله بن أبي زمنين في كتاب الأحكام له: من تزوج وهو كبير مالك لنفسه، ونحله أبوه نحلة انعقد عليها النكاح، ثم مات الأب قبل أن يقبض الابن نحلته؟ فقال: قال بعض العلماء: إنها نحلة تامة، وإن لم يقبضها الابن. قال: ومن هذا الأصل ما رواه ابن حبيب عن مطرف فيمن قال لامرأة له نصرانية: أسلمي، وأعطيك داري هذه، لدار له هو فيها ساكن، فأسلمت ثم مات الزوج قبل أن تقبضها المرأة؟ قال: الدار لها، والإشهاد يجزئها من الحيازة؛ لأنها ثمن إسلامها وليس باب العطية. قال ابن حبيب: وقال أصبغ: ما أراه إلا كالعطية وعليها الحيازة، وإلا فلا شيء لها. قال ابن حبيب: ويقول مطرف أقول. وقال أبو عبد الله بن العطار في كتابه: جرى العمل في النحلة التي ينعقد عليها النكاح: إنها جائزة، وإن لم تجز. قال: وقيل: إنه لا يستغنى عن الحيازة فيها، وليس عليه اعمل وذكر لنا ابن عتاب هذا القول عن فضل بن سلمة. وأما ابن الهندي فذهب إلى هذا في النسخة الوسطى من وثائقه وهو في النسخة الكبرى عل ىالجواز وإن لم يكن احتياز، على ما ذكره ابن أبي زمنين وابن العطار وهو الذي رأيت العمل به دون اختلاف فيه: أن النحلة في النكاح تنفذ وإن لم تحز، وشاهدت شيوخًا يكتبون: نحلة النكاح إذا كانت دنانير حالة في ذمة الناحل حتى يؤديها. وقال ابن العطار: إن كان المنحول مالكًا لنفسه؛ فلابد في عقد النحلة أن يقال: وقبل المنحول فلان هذه النحلة. وبذلك تتم، وإن سقط من العقد بطلت النحلة إن لم تحز في صحة الناحل. ونزلت عندنا بجهة جيان وكتبناها إلى ابن عتاب، فأفتى أن النحلة نافذة إذا انعقد عليها النكاح، وإن لم يذكر في العقد قبول الناكح لها ولا حيزت. قال: وقد سمعت شيخنا القاضي أبا المطرف بن بشر مرارًا ينكر قول ابن العطار هذا، ويقول: هو ضعيف؛ أنها إن كانت من شرط صحتها الحيازة؛ لم يعن هذا القول

стр. 201

شيئًا، وإن لم يكن شرط صحتها الحيازة؛ لم يضر سقوطها ذلك القبول وبذلك افتى فيها حسون فقيه مالقة أنه لاكم ضعيف، ذكره بعض الموثقين ولم يسمه. وأخبرني بعض أصحابنا عن أبي محمد بن دحون عن أبي عمر الإشبيلي أنه كان يقول في الرجل يأتي بوثيقة فيها: أن الدار التي يسكنها مع ابنته فلانة كان قد نحلها إياها عند انعقاد نكاحها مع زوجها: إن ذلك جائز نافذ، ولا يحتاج إلى حيازة في ذلك. قال: وكان القاضي أبو بكر بن زرب يقول: هذا تحيل لإسقاط الحيازة ولبقائه في الدار، فلا يجوز ذلك ولا ينفذ إلا بحيازة. قال القاضي: الصواب عندي ما قاله ابن زرب، وإذا اختلفت في وجوب الحيازة فيها ابتداء وكان الخلاف فيها ضعيفًا؛ قوي في هذا الوجه الذي هو فرع فيها. وقال أبو محمد: قدم ابن زرب إلى الشورى قبل أبي عمر بست سنين، وسئل أبو محمد ونزت: عن امرأة نحلت ابنتها عند عقد نكاحها مع زوجها دارًا واستثنت منها غرفة تسكنها حياتها، فإذا توفيت لحقت الغرفة بالدار. والغرفة أقل من ثلث الدار؟. فقال: هذه نحلة فاسدة؛ لأن فيها غررًا ولا يجوز؛ لأن النحل إذا انعقد عليها النكاح تجري مجرى البيوع في الاستحقاق وسقوط الحيازة وغير ذلك، وسواء كان المستثنى قليلاً أو كثيرًا، وترد النحلة إلى صاحبتها، ويفسخ النكاح بها قبل الدخول ويثبت بعده بصداق المثل. وفي هذا عندي نظر. فهمنا-وفقك الله- ما قام به موسى بن صدقة علي قاسم بن أصبغ في النحلة التي نحلها قاسم ابنته رحمة إذ زوجها من موسى، وقول قاسم: إنه تسلف لها لمصاحها ستة عشر دينارًا وقت جهازها إلى زوجها موسى، وإقراره بالنحلة، فيجب أن يؤخذ بها؛ لأن الزوج على ذلك بذل. وينظر إلى جهازه فإن كان فيه مثل نقدها وزيادة، صدق عليها فيما ذكر أنه تسلفها لها وحلف على ذلك وحوسب بما اغتله في هذه النحلة، فإن كان وصل إليه من غلتها مثل السلف برئت منه، وإن بقي له شيء أخذه من مالها. وإن لم يكن ف يجهازها فضل عن نقدها لم يقبل قوله، إلا أن يكون زمان إخراجها إلى زوجها قد تطاول حتى خلقت ثيابها، ولم يتوصل إلى معرفة ذلك، فيصدق الأب حينئذ

стр. 202

قال بذلك ابن لبابة. ويؤمر الأب بإيقاف بينة عدل إلى هذه النحلة إذا أبرزها حتى يفهم صدق إخراجها وإظهارها. وقاله أيوب وابن معاذ وغيرهم. ومن إدعاء أن ختنه نحلت ابنتها زوجته نحلة فيما بينها وبينه فله إحلافها، ولها رد اليمين عليه. قاله ابن لبابة وأيوب ومحمد بن وليد. وقالوا في نحلة أنكرها الناحل: يتوجه الشاهدون للكرم والدار المنحولة ويسير معهم من يحضر حيازتهم، وتعدي المنحولة على ما حيز لها وتؤخذ أمها بغلةالنخلة التي أغتلتها من يوم نحلتها إلا أن يكون لها في ذلك حجة. فإن عارض أحد فيما حازه الشهود رفع إلى القاضي ونظر فيها بما يجب. ويأتي بعد هذا في مسائل الصدقات والأحباس مسألة حسنة من مسائل النحل اعتقبتها فكتبتها هناك: إذا نحل ثلث ماله وعليه دين.

стр. 203

باب في الحضانة والنفقات واختلاف الزوجين في متاع البيت إذا كان طلاق من زوج أو موت فحضانته البنين إلى احتلام الذكران والبنات الإناث منهم للأم، فإن ماتت أو نكحت فلأمها، وإن لم تكن فلأختها خالة المحضون، فإن لم تكن لأخت المحضون، فإن لم تكن فلأخت المحضون، فإن لم تكن فلعمته، فإن لم تكن فلأبنة الأخ ثم للعصبة. وقال الفقيه الحافظ أبو عبد الله، محمد بن عمر بن النجار: الذي تقرر عليه المذهب أربع منازل قبل الأب وأربع بعده، وهي على ما مثلنا، والله أعلم. وفي بعض ذلك اختلاف في الواضحة وغيرها. ومن ذلك في أحكام ابن زياد: فهمنا-وفقك الله- ما طلبت عمة اليتيمة أمة الرحيم من حضانتها، لها وذلك لها إذا ثبتت، وهي أولى الأولياء إذا تزوجت الأم والخالة لها ولا جدة. إلا أن يثبت عندك سخطة حالتها وأنها في غير كفاية ولا حرز، فإن ثبت ذلك سقطت حضانتها وصارت إلى الأولياء، وسألت -وفقك الله- هل تسقط حضانتها ولد لها بالغ أو مقارب؟ فهذا لا يسقط حضانتها ولكن يتقدم إليها في التحفظ بها وإلا تفردها معه. قاله ابن لبابة، وأيوب، ويحيى بن عبد العزيز، ومحمد بن وليد. ومثله وصى نازع في حضانة اليتيم إخوته: فهمنا-وفقك الله- ما تنازع فيه وصي عبد الرحمن بن حاطب وأولاده في حضانته ابنة عبد الرحمن، وقول أخيها إنه أولى بحضانتها، وقال الوصي: هي عندي وأنا أولى بها. والذي يجب فيه ما قاله أهل العلم أن الوصي أولى بالأيتام من العصبة، وإنما الحضانة للجدات والخالات والعمات، فإن عدمن فالوصي أولى من الولي إذا كان مأمونًا- قاله ابن لبابة، وأيوب، وعبيد الله، ومحمد بن وليد، وغيرهم. وقال أصبغ في سماعه: إذا تزوجت أم الصبيان، فالوصي أولى بحضانتهم منها؛ جواري كانوا أو غلمانًا، وإن كان الجواري قد بلغن أبكارًا فالوصي أولى بالحضانة من إخوتهم من عمومتهم وإن كانوا أرضى، وإن انتقل إلى بلد آخر فله حمل الجواري والغلمان وليس لإخوتهم وعمومتهم أخذهم لأنه كالأب، وهذا نحو ما أفتى به الشيوخ. ومالك في الموازية: وللجد أخذ الصبية إذا نكحت أمها، وأما الوصي فليس بينه

стр. 204

وبينها محرك وكونها (أ-٥٥) مع وزج أمها أحب إلي لأنه ذو محرم منها، إلا أن يخاف عليها عنده فالوصي أحق. وفي أحكام ابن زياد: فهمنا-وفقك الله- ما كشفت عنه في أمر الصبيتين المسلمتين اللتين توفيت أمهما وتركت أما نصرانية وللصبيتين جدة لأب نصرانية، فالذي يجب فيه: أن الحضانة للجدة للأم النصرانية وهي أحق من الجدة للأب وإن كانت مسلمة. قاله ابن لبابة، وأيوب، وابن وليد. وقال القاضي: هذا مذهب المدونة وهو قول سحنون في سماع عيسى، وقال ابن الحارث في كتابه: روي البرقي عن أشهب أن الجدة للأب أولى من الجدة النصرانية. قال: وكذلك يقول ابن القاسم. وقال سحنون: الجدة أولى. ولابن القاسم في سماع عيسى: إذا تزوجت الأم فالأب ألوى ببنيه من خالتهم وإن كانت مسلمة. وليس على هذا العمل. ومن تزوج امرأة ولها ولد صغير أو له: ابن زرب في مسائله: إذا تزوج امرأة وله ولد صغير من غيرها فأراد إمساكه بعد البناء وأبت من ذلك، قال: إن كان له من يدفعه إليه من أهل يحضنه له ويكفله؛ أجبر على إخراجه عنها، وإن كان لا أهل له لم يكلف إخراجه وأجبرت هي على البقاء معه، ولو بنى بها والصبي معه ثم أرادت بعد ذلك إخراجه عن نفسها لم يكن ذلك لها لدخولها عليه. وكذلك الزوجة إذا كان لها ولد صغير مع الزوج على هذا حرفًا بحرف. وفي سماع سحنون: عن ابن القاسم: ليس للرجل أن يسكن أولاده مع امرأة له أخرى في بيت واحد ولا مسكن واحد يجمعهم إلا أن ترضى بذلك. وفي سماع ابن القاسم، إن أسكن امرأته مع أبيه وأمه وأهله فشكت الضرر في ذلك؛ قال مالك: ليس له أن يسكنها معهم، فإن احتج بأن أباه أعمى نظر في ذلك فإن رئي ضرر حلوها عن حالها. والنفقة واجبة للزوجة على زوجها إذا بنى بها أو دعي إلى البناء بها شريفة كانت أو وضيعة غنية أو فقيرة، ولا حد لها إلا على قدره وقدرها مع اجتهاد السلطان عند نزول الأمر، وعلى حال الزمان، فإذا لم يتفقا في ذلك على شيء وطلبت المرأة من

стр. 205

السلطان أن يفرض لها عليه فرض لها من المعاش قفيز قمح في الشهر، بالكيل القرطبي وهو فيها وسط من القوت، وهو بالمد أربعة وأربعون مدًا. هكذا قال ابن حبيب في ذلك كله، ويريد بهذا المد مد النبي ﵊، الذي هو رطل وثلث قال ابن حبيب: وقال ابن القاسم: يعرض لاه في مثل بلدنا، ويعني مصر ما بين الويبتين إلى الثلاث، والويبة: مقدار نصف قفيز بالقرطبي لأن في الويبة اثنين وعشرين مدًا. وسئل مالك عن ذلك كله فقال: يفرض لها ببلدنا هذا مد كل يوم، بالمد الهاشمي، وهو مد وثلث بمد رسول الله ﷺ فهذه في الشهر أربعون مدًا بمد النبي ﷺ . وفي المدونة: أن مد هشام مدان إلا ثلثا بمد النبي ﷺ . قال ابن حبيب: والفرض لها من الإدام: الزيت والخل على اجتهاده وعلى حال البلد، وأرى أن يفرض في بلدنا ربع خل، ونصف ربع زيت في الشهر؛ لأنهما الإدامان اللذان يدور عليهما المعاش كله، من السخن والبارد مع الاستسراج من الزيت، ويفرض لها اللحم المرة بعد المرة، لا في كل ليلة. والوسط في الجمعة يومًا وليلة، وأرى أن يفرض لها مع اللحم درهم في كل جمعة إذا كان زوجها موسرًا ولصرف في الشهر لنوائبها من ماء وطحن وخبز ودهن وغسل ثياب درهمان أو ثلاثة في الشهر، ويفرض لها من الحطب الحملان في الشهر، ولا يفرض لها سمن ولا عسل والقطنية ولا صير ولا جبن ولا غيره إلا إن كان منها في ذلك. وأما الكسوة فتنصرف إن كانت حديثة عهد بالبناء وشورتها من صداقها عندها فليس لها غيرها، لا في ملبس ولا في مفرش وملحف، بله الاستمتاع بذلك معها، والكلام لها فيها، بذلك مضت سنة الإسلام وحكم الحكام. يريد إلا إن كان صداقها يسيرًا كما ذكرت فعليه ما لا غنى عنه بها، وذلك في الوسط (ب-٥٥) فراش ومرافقة ولحاف وإزار وليد تفرشه على فراشها في الشتاء، وسرير يكون عليه فراشها إن كان لا يستغنى عنه لعقارب تخاف أو حيات أو فأر أو براغيث، وإلا فلا سرير عليه، وعليه من الحصر ما يكون عليه الفراش حصير حلفًا وحصيرتين أو بردي. ولباسها قميص وفرو عليه لشتائها، من لباس مثلها من قرفاة أو قنليات وقميص يواري الفرد ولفافة سابغة برأسها أو مقنعة سابغة فوق اللفاة تجمع بها رأسها وصدرها، فإن لم يكن خمار فإزار تقذفه على رأسها وتجمع به ثيابها، وخفان وجوربان يكون الخفان والفرو لسنتين ثم يجدد ذلك لها، ويكون عنده مما وصفنا السنة ثم يجدد ذلك لها، ويكون

стр. 206

عنده مما وصفنا السنة ثم يجدد ذلك والحكم مخير، إن شاء أخذ هذا كله لها باسمه، كما وصفنا، وإن شاء أخذه بأثمانها ثم دفع ذلك إليها ما كان منه لشهر فمشاهرة، وما كان على السنة فسنة سنة، وما كان لسنتين فكذلك ما فعل منه فهو صواب. وإذا عجز عن ذلك ووجد ما يرد به مخمصتها من الخبز وحده ولو يومًا بيوم، وما يواري به عريتها ولو بثوب واحد، وإن كانت من ذوات اشرف لم يفرق بينها، فإن عجز عن هذا أو عند أحدها فرق بينهما إن طلبت ذلك بطلقة واحدة، له فيها الرجعة إن أيسر في العدة بعد أن يتلوم عليه في ذلك الشهر أو الشهرين، ولا يفرق بينهما للعجز عن إخدامها. قال فضل: رأيت مذهب ابن المواز ألا يكسوها إلا ما يشبه مثلها، وإن عجز عن ذلك فرق بينهما وليس له أن يكسوها إلا ما يشبه مثلها، وإن عجز عن ذلك فرق بينهما وليس له أن يكسوها ثوب صوف، وإن لم يجد سعة، إذا لم يشبه مثلها وحكاه عن أشهب. وفي سماع عيسى عن ابن القاسم: إن عجز إلا عن الطعام وغليظ كسوة القطن أو الكتان لم يفرق بينهما. وهو نحو ما ذكره ابن حبيب. وكذلك عن القاسم في سماع يحيى: إن لم يجد إلا قوتًا في غليظ العيش كالشعير أو السلت أو القمح غير المأدوم وشبهه، والفسطاطي، فلا يفق بينهما. وإن لم يجد نفقة خادمها وإن كان بلدهم لا يتجاوزون فيه الشعير ولا يستخف بحال، فليس له أن يخصها بذلك. وفيه عن ابن وهب: إذا وجد ما يرد به جوعها من الخبز، ويواري جسدها من العري، ما سوى الشمال والعباء إذا كان ما يسكوها شبيهًا بالفسطاط ونحوه: أجزأه إلا إذا لم يجد غيره. وإن عجز عن أحدهما طلق عليه. وكله نحو ما في الواضحة. وذكرته توطئة لما تذكره من فرض المتأخرين، فيكون أبين من طالعه من المفتين والمسلمين وبالله تعالى نستعين. في أحكام ابن زياد في امرأة طلبت زوجها بالنفقة: طالبت عندي-رحمك الله- امرأة رجلاً بالإنفاق عليها، وادعت أنه زوجها وأقر بذلك، وقال: إنه قد بني بها وأنكرت هي البناء، وقالت: إنه أحبلها وكان يختلف إليها غير اختلاف بناء، فقالت: صداقي قبله فليعطيني إياه وليبن وليحر من الآن النفقة علي. فقال

стр. 207

ابن لبابة: القضاء-أكرمك الله- ألا يحكم بالنكاح إلا بثبات الأصل، فإن أرادا أن يثبتا النكاح فليثبتا عقد النكاح، والذي ذكرت من الصداق إذا تقارا بالحمل إنه منه فقد تقارا بالمسيس، وبالمسيس يسقط عن الزوج النقد بعد يمينه؛ لأنه بينهما كشاهد عدل مع يمينه، ثم يسقط عنه. وأما النفقة فإذا ثبت النكاح وجبت النفقة، وإن اختلفا فيها فلابد من فرضها إن شاء الله. قال القاضي: إن كان هذا الجواب في طارئين في البلد كان جوابًا صحيحًا، وكذلك إن كانا من أهل البلد وكان نكاحهما فاشيًا معروفًا بموضعهما وعند جيرانهما، فإن لم يكن شيء من ذلك ولا قامت بينة على أصله فهما زانيان، إن أقر هو بمسيسها، وإن أنكر ذلك وأنكر نكاحها كانت هي الزانية دونه، وإن طلبها بقذفها إياه حكم له عليها. وقال في الواضحة من قول مالك وأصحابه في النكاح بغير شهود: إن انتبها لذلك قبل البناء أشهد لما يستقبلان، وإن لم يشهدا حتى ابتنى بها ووقع المسيس فرق بينهما، ولم يصدقا، فإن كان أمرهما فاشيا درئ الحد عنهما، عالمين كانا أو جاهلين، وإن لم يكن أمرهما فاشيًا حدا عالمين (أ-٥٦) أو جاهلين، هكذا أوضح لي ابن الماجشون وأصبغ فيه، وهو أحسن ما سمعت. وقال ابن القاسم: إن لم يعذرا بالجهالة حدًا وإن كان أمرهما فاشيًا، ولست أقول به ولا وجدت عالمًا يقوله غيره، وقد قال رسول الله ﷺ "ادرءوا الحدود الشبهات" وقد كان ابن لبابة يلزمه أن يشير إلى هذا المعنى في جوابه وينبه عليه. امرأة طلبت زوجها بإنفاقها عليه والشهادة بعدمه ودعاوى: قال ابن لبابة: فهمت-وفقك الله- ما ذكره ابن عبد السلام وابن سهل إذا وقفاني بما معهما من الكتب، فنظرت في ذلك فأول ما أخرجا نفقة ابنة الجملي على زوجها، وذكر أن الزوج أثبت عدمه وسألا النفقة على العدم، ويجب في ذلك أن يحلف الزوج في مقطع الحق ما له مال عرض ولا ناض، فإذا حلف فرض عليه على قدره، وقد فرضنا بمحضره ورضي وطبعت عليه.

стр. 208

وأما ابن ثعلبة وصاحبه فقابلا كتابين بيده ابن ثعلبة كتاب مقرط، وبيد صاحبه كتاب مثله، فوجدناها حرفًا بحرف، وقد جاوبنا فيه إن شاء الله: إن الإنزال يجب إلا أن يقيموا البينة على الإنزال فإن عجزوا حلف صاحبهم أنه لم ينزل فلابد من الإنزال. وأما اليهودي، فإن زعم من يملك نفسه من ورثة ابن علاء أنه بيع من اليهودي والثمن عنده لزم اليهودي البينة، فإن عجز حلف البائع من ورثة ابن علاء أن الثمن الذي بيع به باق عند اليهودي ما علمه دفعه إليه، ويؤخذ بما أقر به اليهودي من الثمن بعد أن يحلف أنه الذي قضى فيه وما كان ابتاعه منه. وقال محمد بن غالب وغيره في الشهادة لابن قعنب في العدم، وما شهد به لامرأته من أنه موفر الحال قائم الوجه إلى وقت شهاداتهم، وأنه باع دارًا منذ قريب: الوجه في ذلك أن من زاد في شهادته، أنه علم ما لم يعلم غيره أولى؛ لأن شهادة العدم قالت: نعلم، وشهادة اليسار قالت بقيام الوجه فيها، يؤخذ حتى يأتي ابن قعنب ببينة أنه أعدم هذه الأيام بجائحة أصابته، ويجب الحبس عليه بشهادة الشهود أنه قائم الوجه حتى يصح عندك خلافه. امرأة ادعى عليها التزام نفقة ولدها خمس عشرة سنة، وقالت: إنها أنفقت على ولدها لترجع به على زوجها بار بن مصعب زوجة فاطمة: وله منها ولد، على أن تحمل والدها طيب نفقة الولد خمس عشرة سنة ومؤنته، والصبي ابن ثلاث سنين، وتشاجر أبوها وزوجها في هذه النفقة، فقالت الزوجة: أنفق على ولدك حتى يثبت لك ما تدعيه على أبي. قال أيوب بن سليمان ومحمد بن وليد وعبيد الله بن يحيى: ينفق أبوه عليه الآن إلى أن ينظر بينه وبين جد الصبي المتحمل النفقة بما يجب، فإذا ثبت الشرط على طيب نظر فيه بما يراه أهل العلم ويجمعون عليه إن شاء الله. دوقال ابن لبابة: إن أقر طيب بما ذلك من احتمال النفقة، وذكر أنه كان عن ضرورة، وذكر أن له بينة بذلك، والنفقة ساقطة عن الأب لازمة للجد حتى يثبت الضرر، فإذا أثبته ولم يكن الزوج في ذلك مدفع رجعت النفقة على الزوج أبي الصبي، ورجع طيب عن ابنته على الزوج بكل ما افتدت به وأسقطته عنه، ويرد على طيب كتاب الصداق والنحلة. وقاله ابن وليد.

стр. 209

قال القاضي: جوابهم هذا على خلاف قول ابن القاسم في المدونة: إنه لا يجوز من شرط النفقة على الصبي في المبارة إلى حول الرضاع لا غير، وما زاد فهو ساقط. وجوابهم على مذهب المخزومي وغيره، وهو قول سحنون نصًا في سماع ابن القاسم: يلزمها الإنفاق، ولو اشترط عليها الإنفاق خمس عشرة سنة لكان ذلك لازمًا لها. والمسألة: سئل مالك عمن صالح امرأته على أن ترضع ابنه سنتين وتكلفه أربع سنين تمام ست سنين، فإن ماتت قبل ذلك فأبوها ضامن لنفقة الصبي إلى ست سنين، واشترط إن لم يكن هذا الشرط جائزًا فله الرجعة، قال مالك: هذا الشرط باطل، ولا يجوز في صلح أكثر من الرضاع، فإن وقع فما زاد على الرضاع ثابت على الأب ينفق على ولده، وإنما الصلح (ب-٥٦) إلى الفطام، وهذا على نحو ما في المدونة. وقال سحنون: ما تقدم. وعلى قول سحنون ومن وافقه، وجواب الشيوخ العمل في جواز المبأراة على التزام الزوجة أو غيرها النفقة على الولد أعوامًا تزيد على عامي الرضاع، وعليه وضع المتقدمون وثائقهم، وقولهم إن أثبت طيب الضرر الذي كان التزام النفقة من أجله سقطت عنه ولزمت الأب. وفي وثائق أبي عبد الله بن العطار خلافه. قال: إذا انعقدت المباراة بضمان الأم أو غيرها، للزوج ما لحقه من درك شيء من أسباب المباراة، فيثبت عليها ولاية أو غيرها مما يسقط عنها الالتزام لزم ذلك الضامن وقضي به للزوج، وإذا كانت المبارة بغير حميل، وثبت عدم المرأة أو ما يسقط عنها ما التزمته من ثبوت ضرر أو غيره، رجعت على الزوج. وجواب الشيوخ في مسألة طيب ظاهرة خاف هذا؛ لأنه لم يلتزم ذلك في الأغلب إلا على سبيل الضمان عن ابنته، وقد أنكر أبو عبد الله بن الفخار في ذلك قول ابن العطار وقال: إذا سقط الالتزام عن المضمون عنها بثبوت ضرر سقط عن الضامن، إذا لم يرتبط بذمتها حق لأنه قد ثبت ما أسقطه عنها، وكذلك الضامن لأنه إنما ضمن ما ظنه لازمًا للمضمون عنها، وإذا سقط الأصل فالفرغ أولا بالسقوط. وقد كتب إلى بعض فقهاء بطليوس في هذه المسألة في جملة مسائل في عشر الخمسين وأربع مائة وأعلمته في جوابي بالاختلاف بين ابن العطار وابن الفخار، وأن

стр. 210

الاختلاف في هذا الأصل موجود لكبار أصحاب مالك، وتركت هنا ذكره اختصارًا وقد نبهنا عليه. وقالوا في التي أنفقت على ولدها: فهمنا-وفقك الله- ما قام به وكيل أمة الرحمن عنها من طلبتها النفقة التي ثبتت لها عندك على ولدها ويمينها التي أحلفها عليها؛ إذ كان ادعى عن أبي رباعة أنه كان قد دفع إلى أمهم نفقتهم من وقت كذا، إلى وقت كذا فحلفت أنها لم تقبض منه نفقة ولده منها، وإنما هي أنفقت عليهم من مالها لترجع به، فالذي يجب في ذلك أن يثبت عندك الوقت الذي قبضتهم فيه من العمة وخاصمت أباهم في النفقة. قاله عبيد الله، وابن لبابة، وابن وليد، وأيوب بن سليمان، ويحيى بن عبد العزيز. قال القاضي: قولهم: يجب أن يثبت عندك الوقت الذي قبضتهم من العمة؛ يدل على أنها مطلقة وإذا كان كذلك فالقول قولها مع يمينها في النفقة من يوم صاروا في حضانتها لا من يوم خاصمت أباهم فيه، كما قالوا، إلا أن كان خصامها فيها يوم قبضها لولدها وأقرت بقبض ما أنفقت قبل الخصام. في فرض على مولى عليه: فهمنا ما طلبه ابن خالد من الفرض له في النفقة والكسوة والإخدام، فرأينا له ذلك ويفرض له نفقة واسعة لسعة حاله، وذلك قفيز قمح مطحون، ومن الزيت نصف ربع الموقيد والإدام، وحمل حطب، وصرف سبعة دراهم لكل شهر، وإن اشتريت لها خادم فرض لها قفيز مطحون، ودخلت في هذا الصرف، ويشتري له طهارة وغلالة وسراويل لصيف مما يشبه مثله، ورداء وكسوة الشتاء فرو ومحشو وزوج أمواق وجوارب وخفان بلبودهما مما يصلح لمثله في سعة ماله. قاله محمد بن لبابة، ومحمد بن وليد، وأيوب بن سليمان. وكانت فاطمة بنت خيرة إلى نظر أخويها عبد الملك وعبد الرحمن بإيصاء أبيهم بها إليهما على أن من عاقه منهما فالباقي منفرد بالنظر لها، وسكنت مع عبد الملك منهما من أول سنة سبع وأربعين وأربع مائة إلى أن توفي في عقب شعبان سنة تسع وخمسين، وأوصى عبد الملك بالنظر على صغار بنيه إلى زوجة أمهم عائشة.

стр. 211

ووكلت عائشة عن نفسها وعن صغار بنيها ابنها حزب الله، ووكله أيضًا كبار إخوته على طلب حقوقهم كلها والمخاصمة عنهم فيها والإقرار والإنكار، توكيلاً (أ-٥٧) تامًا مفوضًا، فقام حزب الله على عمه عبد الرحمن الناظر مع أبيه عبد الملك لعمته فاطمة، وطلبه بإنفاق أبيه من ماله على فاطمة هذه المدة المذكورة على سبيل السلف في مطعمها ومشربها وكسوتها للباسها ورقادها. وأثبت عند الوزير صاحب الأحكام ابن حريش موت أبيه وعدة ورثته، وتوكيل إخوته الكبار له وسكنى عمته فاطمة مع أبيه عبد الملك في دار واحدة المدة المذكورة، وأنه أشهد مرارا على نفسه في خلال تلك المدة أنه إنما ينفق من ماله عليها ليرجع به في مالها إذا بيع أصل من أصولها، وأن فاطمة أقرت بذلك أيضًا على نفسها بعد وفاته وأنه اق له عليها لم يتأد إليه عنها. وأثبت عنده ملكها للدار التي بداخل مدينة قرطبة بحومة مسجد البلنسي برحية أبان، وأن لها أيضًا ثلث دار بهذه الحومة وباقيها لأخيها عبد الرحمن، وسكنى عبد الرحمن لهاتين الدارين المدة المذكورة، وحيزت الداران وثبتت حيازتهما عند صاحب الأحكام. وحضر مجلس نصره عبد الرحمن، واعذر إليه في جميع ما ثبت عنده ما تقدم ذكره، فقال: إنه لا مدفع عنده في ذلك، إلا أن أخاه عبد الملك المتوفى إنما أنفق على أختهما فاطمة من مائتي مثقال أثنتين ذهبًا قرطبية نصفية كان أبوهم خيرة وهبهما لها وأعطاها عبد الملك ليجهزها منها وينفق عليها بعضها، إلا أنه لا بينة له على هذا. وثبت ذلك من قوله عند صاحب الأحكام، وشاور في ذلك كله أهل العلم ابن عتاب وغيره، فقالوا: الكراء لازم لعبد الرحمن في سكناه دار فاطمة المدة المذكورة، وفي سكناه أيضًا حظها من الدار الثانية على ما يقومه أهل البصر في تلك الأعوام، وإن إعداء ورثة عبد الملك بما أنفقه أبوهم على فاطمة في هذا الكراء وفي ثمن ما ثبت لها من الأصول بها واجب بعد يمين من يملك نفسه منهم: أنه ما يعلم موروثة عبد الملك قبض من ذلك شيئًا ولا وهب منه قليلًا ولا كثيرًا، وأنه لباق عليها إلى حين يمينه هذه، ولا نعلم ما ادعاه عبد الرحمن من المائتين مثال التي زعم أن أباها وهبها لا. وأخذ بذلك من قولهم، ووجه من وثق بدينه ومعرفته إلى تقويم كراء الدارين، وقومت كل واحدة نهما عامًا بعامًا؛ فتحمل في ذلك مائة مثال وأربعة وأربعون مثقالا

стр. 212

ونصف مثال وأحضرها ودفعها إلى الورثة وقبضوها وخاصهم بها في بعض ما وجب لهم من إنفاق أبيهم على فاطمة عمتهم، وبقي سائره حتى يباع فيه من الدار والثلث الثابتين ما ينتصفون منه وفرض لها بعض الفقهاء في نفقتها في تلك الأعوام وكانت هذه المحجورة امرأة كبيرة -ربعي دقيق قمح، وثمني زيت، ونصف حمل متوسط من حطب، وثلاثين درهمًا في صرف، وفي غلاء السعر ربعًا ونصفا مندقيق وثمنا ونصفا من زيت، وللباسها في العامين قميصين وسروالين وخفا ومقنعًا من كتان، وفي زمان البرد محشوًا وفروا لثلاثة أعوام، ولرقادها ملحفة ومرفعة لثلاثة أعوام وكساء فرقسيًا وفراشًا مملوءًا بصوف لأكثر من هذه المدة على حسب ما يرى، وكان أخوها عبد الرحمن وصيًا قد أراد أن يضمها إلى داره لتسكن معه وأبت هي إلا السكنى مع بني أخيها، فأفتى بعض الفقهاء أن لها السكنى حيث شاءت. وفرض غيره بغير قرطبة لرضيع قميصين ومحشوًا وبنيقتين وفسقيتين من كتان ولفافتي كتان ولفافتي صوف وشويزكة في مهد، وقطعة نطع للشويزكة ومخدة مملوءة صوفًا ونصف ملحفة ولحيف كتان محشو قطنًا، ولنفقته في الشهر ربع ربع دقيق وثمني زيت طيب للأكل وثمنًا واحدًا للوقيد، وربعًا ونصف من فحم، وأجرة الرضاع، وكراء ومسكن له. وفرض غيره لابن ستة أعوام فقصر في بعض وأفرط في بعض، قال: في الشهر ربعًا وربع ربع من الدقيق الطيب، ومن الزيت العذب ثمنًا، ومثله للوقيد، ومن الحطب الجزل حملاً من أربع حزم، ومن الصرف نصف مثال يدخل فيه أجرة الفران ومعلم القرآن والحمام والحجام، وله كراء بويت من المسكن الذي يسكنه مع أمه ويخدمه من يوقم بجميع أموره، ويكسى في العام للباسه قميصين من كتان لين ومحشو (ب-٥٧) كتان رقيق أو ملحم صفيق وزوجي سراويلات من كتان، وله من الأخفاف الجراد ثلاثة أزواج، وفي البرد فرو خرفان وجوارث صوف وكبيلة من خز وغفارة برارية، وللرقاد مربعة كتان ملونة ومخدة من كتان بيضاء مملوءتين صوفًا ونطعًا جديدًا، وملحفة كتان جديدة لينة ولحافًا جديدًا من كتان محشوًا بالقطن، وللبيت الذي يسكن فيه مع غيره حصير حلفا ومقعد صوف مبطنًا بجلد ووسائد صوف لزمن الشتاء ونمرقة جلد لزمن الصيف وما يحتاج إليه من أواني الفخار للعجين والاستقاء والشرب وغربال الدقيق وحبل البئر. فهذا

стр. 213

ما حضرني في ذلك بعد الاجتهاد والتقصي. قال القاضي: كتبت هذا الفرض على نص ما أفتى المفتي ليقف متأملة على نقصائه وما زخرفه من هذيانه، وعلى جهله وقصر علمه وعقله كذكره الحجام والحمام وكبيلة خز، ومالك ﵁ يكره دخول الحمام ولباس الخز، وهو يفرضه، وأدخل في الصرف بعد أن حده الفران ومعلم القرآن، ولعل ذلك مما يستغرق المسمى للصرف فيبقى المفروض له دون صرف، وغير ذلك مما هو لغو وهو أدخل في الهذيان منه في التفسير والبيان، والله المستعان. وليس كل من يفتي يدري أيفتي أم يهذي، وما كل من أجرى يقال له مجري، وقد كنت علقت فصلا لغير هذا المفتي في فرض أيضًا يشبه هذا في الاحتفال والتكثير والخطل والفتور، ورأيت ترك الاشتغال به أولى بنا وأجمل بكتابنا. وسألت ابن عتاب عن المطلقة المرضع والحامل: هل لها خدمة على الزوج إن كانت عنده مخدومة قبل الطلاق؟ فقال: لا خدمة لها؛ لأن المرضع إنما لها أجرة الرضاع فهي مؤاجرة بنفسها وكذلك الحامل لا خدمة عليها وعليها خدمة نفسها. قال: ويحتمل أن تزاد المرضع في الأجرة لاشتغالها بذلك وما يتكلف من مؤنته. وفي المدنة في كتاب إرخاء الستور في باب ما جاء في نفقة الحامل والمحضونين، خلاف ما ذكر. وقد روي عن ابن القاسم في غير هذا أنه ليس على والد المحضون إلا النفقة، وليس عليه له كراؤه، وقال ابن وهب: لا خدمة عليه له ولا سكنى. وهو مثل ما قال ابن عتاب في الإخدام وبه جرى العمل عندهم ولم يكن ممن يخفى عليه مثل هذا. وسألت ابن مالك عن ذلك فقال: الذي لم يزل يفتي به أن تزاد الحاضنة المرضع في الأجرة للخدمة إذا كان المولود له موسرًا، وإذا كانت المطلقة حاملاً مرضعًا فلمالك في سماع أشهب: لها نفقة الحمل ونفقة الرضاع جميعًا، ودليل المدونة أنها ليس لها إلا نفقة الحمل وحدها وهو الأظهر في النظر. مسألة يوسف بن هارون في مغيبه عن زوجته ابنة عمر: نكح يوسف هذه المرأة بكرًا، أنكحه إياها أبوها ثم غاب عنها قبل بنائه بها غيبة طويلة إلى الثيروان، فقام أبوها عندي يريد تطليقها عليه لعدم النفقة، وقال: إنه لا يريد الإنفاق عليها وأثبت عندي مغيب الزوج وأنه لم يتخلف لها شيئًا ولا أرسل إليها بشيء

стр. 214

ولا رجع من مغيبه، وتلومت عليه شهرين وكتبت بذلك إلى قرطبة وغيرها. فأفتى أبو عبد الله بن عتاب: إن قام الأب عنها بتوكيلها إياه على ذلك فإنما تحلف فيه الزوجة لا الأب، فإذا حلفت طلقت بنفسها وليس للأب قيام بذلك إلا بتوكيلها؛ إذ لها أن تتربص على زوجها وتنظره، وينفق عليها من مالها وعمل يدها. وأفتى أبو عمر بن القطان: لا يمين عليها ولا على الأب في ذلك، ولها أن تطلق نفسها، وأفتى أبو عمر بن رشيق فقيه المرية: إذا ثبت المغيب وسأل النفقة لابنته بتوكيلها إياه على ذلك فلها النفقة من حين قامت، ويضرب السلطان للغائب أجل شهرين، فإذا انقضى حلفت الزوجة: أنه ما ترك لها نفقة ولا كسوة ولا شيئًا تمون به نفسها ولا تعلم له ما لا ترجع فيه، ولا أن الزوجية انقطعت بينهما، وتثبت هذه اليمين عند الحكم، ويكون لها أن تطلق نفسها (أ-٥٨) من زوجها طلقة واحدة وتتزوج ساعتئذ ولا عدة عليها إذا لم يبن بها. قال القاضي: قوله في يمينها: ولا أن الزوجية انقطعت بينهما لا اعلمه لغيره. وقول ابن القطان لا يمين عليها ولا على الأب في ذلك- لا وجه له، وقد تقدم من قول ابن القاسم وغيره أن السفيه يحلفه في حقه. وفي سماع ابن القاسم عن مالك في بكر: أنها تحلف في موضع ثان والأصل في ذلك واحد، وانظر في المرأة تمرض فيقل أكلها وتطلب من الزوج فرضًا كاملاً أو تكون قليلة الأكل يكفيها اليسير وتطلب فرضًا كاملاً هل يقضي لها بذلك أم بقدر حاجتها وما يكفيها؟ وفي كتاب أبي بكر الوقار: وإذا مرضت المرأة فعلى زوجها النفقة عليها ولا يلزمه أن يجاوز ما يلزمه في صحتها، ليس عليه دواء ولا أجر طبيب ولا علاج إلا أن يتطوع بذلك. وقال ابن زرب في مسائله فيمن التزم الإنفاق على رجل فأبى أن يكسوه: نزلت عندي في هذه المسألة فشغلت بالي مدة ثم ظهرت لي وكان وقال الملتزم: إنما أردت الإنفاق لا الكسوة وطلب الملتزم له ذلك الكسوة مع النفقة فلزمته أن ينفق عليه ويكسوه،

стр. 215

والحجة لذلك قول الله تعالى: (وإن كن أولات حمل فانفقوا عليهن حتى يضعن حملهن)، فأجمع أهل العلم على أنه ينفق عليها ويكسوها فالكسوة داخلة في الإنفاق. قال القاضي: في هذا نظر وإنما هذا في كل نفقة يحكم عليه بها وإن لم يطع بها كنفقة الزوجات والآباء والأمهات والبنين والبنات والعبيد والإماء ونفقة العامل في القراض إذا كان المال كثيرًا والسفر بعيدًا، وأما من التزم الإنفاق على أحد ممن لم يقض له به عليه بل طاع له بذلك إحسانًا إليه وقال: إنما أردت المطعم لا الكسوة، وقال الآخر: قد التم إنفاقًا مجملاً فاكسني كما تطعمني، فهذا شيء لا يلزمه عندي بدليل ما في المدونة في كتاب الرواحل والدواب، قال مالك: فيمن تكارى إلى الحج ذاهبًا وراجعًا أو إلى بلد كذا على أن على الجمال طعامه؛ فلا بأس به ولا يصف النفقة كالمتزوج لا يجد نفقة وهو لا بأس به، وكذلك العبد يستأجر السنة على أن على الذي استأجره نفقته وكذلك لو كان حرًا. قال: فقلنا لمالك: فلو اشترط الكسوة، قال: لا بأس بذلك، فقلنا له: فلو استأجره بكسوة وصفها وبطعام قط. قال: لا بأس به. وكذلك إن كان مع الكسوة واطعام دنانير أو دراهم أو عرض بعينه لم يكن به بأس. وفي كتاب الجعل والظئير نحوه، إلا أن مسألة العبد هنا أبين لفظًا، فقوله: فلو اشترط الكسوة بعد قوله: استأجره على أن عليه نفقته؛ يدل على أن النفقة لا تقتضي الكسوة في مثل هذا، ولو كانت عنده مقتضية لها لقال له إذ سأله عنها: لفظ النفقة يقتضيها فهو في غنى عنها. وفي الواضحة قال ابن حبيب: لا بأس أن يسترجع الرجل المرضع لولده السنة والسنتين بشيء مسمى على أن نفقتها في طعامها وكسوتها على أبي الصبي؛ ذلك جائز، سمي النفقة والكسوة أو لم يسمها؛ لأن قدرها معروف وهذا بين في خروج الكسوة عن النفقة في هذا وشبهه، وله في موضع آخر في كتابه نحوه. ويؤيد ما ذهبنا إليه أنه لو التزم الإنفاق على إنسان فأنفق عليه شهرًا أو سنة ثم قال: هذا الذي أردت ولا أزيد على ذلك، وطلبه الآخر بالإنفاق عليه حياته، لصدق الملتزم وما لزمه أكثر مما يذكر أنه أراده ولا يجوز غير ذلك، فكذلك إذا قال، إنما أردت المطعم لا الملبس. وفي كتاب الصدقة من المدونة: فيمن تصدق بحائطه على رجل وفيه ثمرة قد طابت
следующие страницы →