فجاوب ابن عتاب:
تصفحت - رحمنا الله وإياك - سؤالك، وشهادة اللذين شهدا بالسلامة عند البيع أعمل إذا كانا عدلين عالمين بما شهدا به، وفي هذا الأصل اختلاف بين أصحاب مالك ﵏.
وجاوب ابن القطان:
دليل قول مالك وأصحابه أن فيها مذهبين، إلا أن دليل المدونة أن البينة التي شهدت بالقدم هي العاملة.
وجاوب ابن مالك:
الشهادة بقدم العيب أولى، وإن كان القائمون بها أقل عدالة من الآخرين، إلا أنهم عدول إذا كانت الشهادتان من باب واحد، يشهد كل فريق بعلمه لمعرفته فيه بالدابة وحالها، ويشهد كل فريق بالدليل، وأما إن شهد فريق بعلم قاطع، والفريق الآخر على الدليل فلا؛ والشهادة بالقطع أولى.
شورى في رد فرس بعيوب على غائب:
شاور صاحب أحكام الشرطة والسوق بقرطبة أبو بكر بن حريش الفقهاء في رجل قام عنده على بحري بن فلان الظلمي بعيوب في فرس ورد قارح ابتاعه منه على السلامة بأربعة وعشرين مثقالا قرمونية قبضها بحري منه.
وأثبت القائم عنده العقد المشتمل على ذلك المنعقد بينهما في التبايع الموصوف، وتاريخه عقب شهر رمضان سنة تسع وخمسين وأربع ومائة، وأثبت عنده بشهيدين أن بالفرس فتلا في ذراعيه وحسوسا في يديه وتقويس ولينًا في رسغية، وأن ذلك له أقدم من أمد التبايع، وأنه عيب يحط من ثمنه كثيرًا، وشهد بذلك عنده على عين الفرس لأربع عشرة ليلة خلت نم ذي القعدة من السنة المذكورة.
وشهد عنده شهود أنهم يعرفون بحريا بالظلمى بعينه واسمه وأنه غاب عن قرطبة بحيث لا يعلمون له مستقرًا منذ شهر أو نحوه متقدم لشهادتهم وأنهم لا يعلمون أب إلى حين أدائهم لها لأربع عشرة ليلة خلت من ذي القعدة المذكورة، وأدرح هذه الثلاثة عقود في خطابهم إليه.
فجاوب الشيخ أبو عبد الله ابن عتاب: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ:- سيدي ووليي
стр. 317
ومن وفقه الله وسدده وأحسن عونه على ما قلده - تصفحت خطابك وما أدرجت طيه، وإذ قد ثبت عندك ما ذكرت على حسب ما وصفت من العيوب والمغيب بحيث لا يعلم الغائب؛ فيحلف القائم عندك بالله : ما تبرأ إليه البائع بحري بها ولا بشيء منها ولا رضي بها بعد اطلاعه عليها؛ فإذا حلف أمرت بتسويق الفرس وقدمت بيعه من تراه.
فإذا ثبت عندك السداد في يثمهة؛ أمرت المقدم ببيعه وقضاء القائم من ثمنه، فإن قصر ثمنه عن العدد الذي ابتاعه من بحري اتبع بحريًا بما نقصه عند ظفره به، إذ لبحري ما زاد وعليه ما نقص، وإن زاد الثمن وقفته لبحري، وأرجأت الحجة له في ذلك إن شاء الله والسلام عليك سيدي ووليي ورحمة الله.
وجاوب ابن القطان: سيد ووليي ومن أيده الله بطاعته وعصمه بتوفيقه - قرأت ما خاطبت به ووقفت عليه ورأيت شهود المغيب قد قالوا: إنه غاب عن قرطبة منذ شهر أو نحوه بحيث لا يعلمون له مستقرًا، وقد يكون بهذه الشهادة قريب الغيبة ولا يعلمون حيث هو ولا يحكم على الغائب في قريب الغيبة، وكذلك نص الراوية، وزاد في الرواية أيضًا أنه إن ثبت أنه بعيد الغيبة تلو عليه، وفي التلوم على الغائب البعيد الغيبة، إذا ثبت بعد مغيبة؛ اختلاف في كتبنا فكيف إذا لم يعلم الغائب حيث هو؟!
فوجه الحكم في ذلك وتمامه أن تقول: البينة أنه بعيد الغيبة ثم يتلوم عليه ثم يحلف المبتاع بما يجب الحلف به في مقطع الحق ثم يأمر ببيعه، وهذا كله إذا شهد في العيب ومعرفة حط الثمن كثيرًا أهل البصر بمعرفة العيو، وأهل البصر بمعرفة القيم؛ إذ قد يبصر العيوب من لا يبصر القيم.
فإذا أكمل هذا كله؛ نفذ البيع وقضي الثمن المبتاع إن كان كفافا وإن بقي على البائع شيء؛ اتبعه المبتاع إذا لقيه إلا أن يجد له شيئًا يباع عليه، وإن كان في فضل وقف للغائب، وترجى له الحجة في ذلك إن شاء الله ، وأسأل الله لنا ولك خلاصًا جميلا وعونًا على طاعته وتأييدًا، والسلام عليك ورحمة الله.
وجاوب أبو محمد موسى بن هذيل بن ماجس البكري المعروف بابن عبد الصمد بنو ما تقدم فاختصرته.
وجاوب أبو مروان بن مالك: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سيدي ووليي ومن وفقه الله وسدده وأكثر من التوفيق مدده: إن المدونة وغيرها لتنبيء بأن جهل موضع الغائب
стр. 318
كالمعرفة بتفاحش بعده أو أشد؛ فأرى إذ قد ثبت عندك ما ذكرته أن يحلف القائم عندك ما تبرأ إليه بائعه بشيء من تلك العيوب وتقدم لليمين مقتضيًا، ثم يبيع الفرس المعيبة مأمورك بذلك بما يصح فيه السداد عندك ويقضي القائم من الثمن ما كان ابتاع به، والفضل للغائب توقفه له كما أنه إن نقص فعليه يتبعه القائم، ويكتب بما انبرم من ذلك كتابًا حاويًا للأمر كله يكون منه عندك نسخة وترجى فيه الحجة للغائب، وفقنا الله وإياك وسددك فيما ولاك والسلام عليك ورحمة الله.
قال القاضي: في المدونة في كتاب العيوب، قال ابن القاسم عن مالك فيمن ابتاع عبدًا فوجد به عيبًا قديمًا فأتى به السلطان، وقد غاب بائعه: إن كانت غيبته بعيدة وأقام المشتري البينة أنه اشتراه بيع الإسلام وعهدته وتلوم السلطان للبائع، فإن طمع بقدومه وإلا باعه، فقضى الرجل. وساق المسألة إلى آخرها وقد تقدم ذكرها.
وقال ابن لبابة: وتؤرخ البينة يوم الشراء لقدم العيب وحدوثه، ابن حبيب: ويحلف أنه لم يبرأ إليه البائع من العيب.
وقاله فضل بن سلمة استقصاء للغائب وقد ذكرناه قبل هذا أيضًا، فقال في هذه المسألة: إنه يتلوم للغائب وإن كان بعيد الغيبة. وقال في كتاب التجارة إلى أرض الحرب فيمن أسلم عبده النصراني وهو غائب والسيد الغائب أيضًا نصراني: إن كان قريبًا نظر السلطان فيه وكتب في ذلك، وإن كان بعيدًا بيع عليه ولم ينتظر؛ لأن مالكًا قال في النصرانية تسلم وزوجها غائب: إن كان قريبًا نظر السلطان في ذلك؛ خوفًا أن يكون قد أسلم قبلها، وإن كان بعيدًا وكان لم يدخل بها تزوجت مكانها، ولم ينتظر قدومه، ولا عدة عليها.
فأسقط في هاتين المسألتين التلوم في البعيد الغيبة، وإلى هذا الخلاف أشار أبو عمر بن القطان في جوابه في التلوم للبعيد الغيبة.
وأما قوله: إن البينة تزيد في شهادتها أنه غاب غيبة بعيدة بحيث لا يعلمون؛ فلا معنى له وهو محال في النظر؛ لأنه لا يجوز أن يكلف من يقول: لا أعلم حيث غاب أن يزيد غاب مغيبًا بعيدًا، فيحصل عالمًا ما قد انتفى من عمله، وهو تناقض!.
وكان ﵀ قد لج في هذا فكان يؤكده في أجوبته، وقد ذكرناه عنه في الحكم بشرط المغيب للزوجة.
стр. 319
والصواب ما قاله أبو مروان في جوابه: إن المجهول المكان في مغيبه كالبعيد الغيبة أو أشد، وعليه تدل المدونة وسواها في مسائل المفقود وغيرها.
قال في سماع عيسى في رسم الجواب فيمن تحمل عن ابنه لامرأته بصداقها، أو تحمل به أجنبي فغاب الزوج قبل البناء بها، فطلب أهلها الحميل بصداقها - قال ابن القاسم: إن كانت غيبته قريبة الأيام اليسيرة وشبه ذلك، مما لا ضرر فيه، بعث في الزوج وأتى به، فإن جاء وأعطاها؛ ولا أخذ الحميل، وإن كانت غيبته بعيدة أو لا يدري حيث هو ولا يعرف موضعه أخذ من الحميل صداقها، ولم يضرب له في ذلك أجل، يريد للغائب في انتظاره. وهذا نص في المجهول المكان أنه كالبعيد الغيبة.
وفي سماع حسين بن عصام نحو ذلك، وكراهة التطويل منعت من نقل المسألة على وجهها ليستبين المراد منها وموضع الحجة بها.
وفي كتاب التفليس في رسم الجواب، قال ابن القاسم فيمن قام عليه غرماؤه وهو غائب: إن كانت غيبته قريبة الأيام اليسيرة ولا يعرف ملاؤه، كتب في ذلك وكشف عنه حتى يفلس، فيأخذ أصحاب السلع سلعهم أولا يفلس.
وإن كانت غيبته بعيدة ولا يعرف عدمه فيها ولا ملأه، أو عرف ولا يدري أين هو، ولا يعرف موضعه، فهو بمنزلة التفليس< يأخذ من وجد سلعته بعينها، ويتحاص جميع غرمائه في ماله من حل دينه ومن لم يحل. وهذا نص آخر، وكله يرد ما ذهب إليه أبو عمر في ذلك وقاله؛ فتقدره.
وفي عاشر بيوع الواضحة:
قال ابن حبيبك من ابتاع عرضًا له حمولة أو ثوبًا أو جارية أو دابة؛ وسار بذلك إلى بلد آخر، وأصاب به عيبًا يرد منه، وإن تكلف صرفه إلى موضع البائع لزم غرم كثير في الكراء والمؤنة؛ فإنه إن وجد هنالك بينة باشترائه إياه شراء الإسلام وعهدته؛ فحق على سلطان ذلك الموضع أن يسمع من بينته ثم يحلف لما تبرأ إليه من ذلك العيب، ثم يأمر ببيعه على البائع فيكون له فضله وعليه نقصانه.
وإن لم يجد بينة هنالك لم يكن له وجه إلا الرجوع إلى بائعه ليرده عيه أو الرضى به، فإن ذهب إلى الخروج لرده فلا يلبسه إن كان ثوبًا، ولا يطأ الجارية ولا بأس أن يركب الدابة أو يستخدم العبد حتى يبلغ موضع البائع، فإن بلغه وذلك حاله لم يغيره
стр. 320
السفر؛ رده بالعيب إن شاء، وإن تغير بنقصان في بدنه رجع بقيمة العيب الأول، والمصيبة في ذلك كله منه حتى يرده عليه الحكم.
وفي الأول من عيوب المدونة من اشترى عبدًا فسافر به ثم وجد به عيبًا فأشهد عليه ثم باعه ثم خاصم فيه، فإن لم يرفعه إلى السلطان حتى يحكم له برده وبيعه على صاحبه؛ فلا شيء له.
قال محمد: ونرى إن كان ببلد لا سلطان فيه، أو فيه سلطان لا يحكم على غائب، أو بعد تناول السلطان فيه؛ أن يشهد على ذلك ويبيع ويرجع ببقية الثمن إن شاء الله.
وفي آخر كتاب الرواحل من المدونة وفي النذور يظهر هذا المعنى في الحكم لنفسه، فتأمل ذلك.
باع بغلاً بين بعيوبه فظهر به مشش:
في أحكام ابن زياد قام ابن حزم بكتاب على مسلمة بستين دينارًا ثمن بغل وفي الكتاب أنه قد بين له جميع العيوب وعرضها عليه عرضًا، وقال المبتاع: به عيوب ليست مما بين له به، وسأل وكيله ابن حزم هذا هل بين له المشش أم لا؟ فقال ابن حزك/ ما علمت به مششًا.
الجواب: قوله هذا يدل على أنه لم يبين له المشش، فإن ثبت أن به مششًا كشف أهل البصر عنه؛ فإن قالوا: هو قديم؛ رده، وإن كان حديثًا فهو من المبتاع، وإن كان يحدث ويقدم؛ حلف ابن حزم لباعه وما (أ - ٨٧) علم به هذا العيب إن كان خفيًا، وإن كان ظاهرًا؛ فعلى البت.
وقد كان يجب أن يكون القول قول ابن حزم أنه مما بين لولا قوله في المشش أنه لم يعلمه به. قاله ابن لبابة وعبيد الله بن يحيى وابن غالب وأبو وليد.
قال القاضي:
انظر قولهم: يحلف فيما يحدث ويقدم مما يخفي لباعة وما علم به هذا العيب، فهو نحو ما في المدونة وفي سماع ابن القاسم وغيره، وقال في كتاب ابن المواز: لا يحلف هكذا إنما يحلف أنه ما باعه حين باعه وبه هذا العيب في علمه، وهو الصحيح في المعنى، والصواب في النظر، والله أعلم.
стр. 321
الإعذار فيما ثبت من عيوب مملوكة:
من قيم عليه بعيوب قديمة بمملوكة باعها وثبتت؛ أعذر إليه؛ فإن ادعى مدفعًا أجل ثمانية أيام؛ فإن انصرمت زيد في الأجل ثمانية أيام قاطعة، وعليه حميل بالثمن. قاله ابن القطان، وقال: هكذا الرواية.
وسألت ابن عتاب عن ذلك فقال مثله أن عليه ضامنًا بالثمن؛ كاعتقال الدار المستحقة في الإعذار إلى المستحق منه، فلما لم يكن في العيوب ما يعتقل على المطلوب توثق منه في الثمن الذي عليه بحميل يعطيه به، وهذا من حسن الفقه.
قلت له: أين تكون المملوكة في الأجل المضروب؟ قال: عند مشتريها إلا أن تكون رائعة ولا يكون موثقًا به فها فتخرج عنه إلى غيره. قلت له: هل الأجل في هذا كالأجل في غير ذلك؟ فقيل لي: هو في هذا أقصر مدة. قال لي: وقد يجوز أيضًا أن يكون الضامن المذكور بالوجه، ويعرف بما على المضمون.
وسألت ابن مالك: عن الدار يثبت من ابتاعها عيبًا قديمًا كبيرًا؛ يجب ردها به، وحيزت وأعذر إلى بائعها، فادعى مدفعًا، هل يلزمه ضامن بالمال؟ فقال: نعم، عليه حميل بالمال، وتعتقل الدار في مدة الإعذار.
وقال ابن عتاب مثله في الحميل، ولا تعتقل الدار ولا يخرج القائم عنها؛ لأنه هو الطالب وله ترك طلبه متى شاء، وإسقاط اتباع البائع بهذه العيوب متى أحب؛ فلا معنى لعقلة ما هذا سبيله، وهو خلاف عقلتها في الاستحقاق ونحوه.
ثم أعدت الكلام فيها مع ابن مالك فقال لي: لا عقلة فيها. فقلت له: قد قلت لي قبل هذا: إنها تعتقل؟ فقال لي: يمكن، ولكن هذا الذي أرى الآن أنها لا تعتقل. وأخبرت عن ابن القطان أنه قال: لابد من عقلتها؛ لأن الحكم مترقب فيها ويطلب مبتاعها صرفها.
والخروج عنها.
اختلاف الشهادة في عيوب دار:
قامت عند صاحب الأحكام محمد بن الليث حبور في دار بداخل مدينة قرطبة بحومة مسجد عبادل، ابتاعتها من فاطمة بمائتين وثمانية مثقالاً ذهبًا قرمونية، وقبضت فاطمة من الثمن الثمانين مثقالا، وتبرأت إلى حبو رم قدم البنيان ووهي الأسس، وذكرت حبور أنها اطلعت على تشقق حيطان الدار وتعفنها.
стр. 322
وأقرت عنده فاطمة، فكلفت حبورًا إثبات دعواها فأتته بشاهدين فشهدا عنده أنهما نظرا إلى الدار ورأيا حيطانها رثة جدًا مشققة متهيئة للسقوط، وأن ذلكعيب يحط من ثمن الدار كثيرًا، وأنه أقدم من أد التبايع، وأنه إنما يظهر إلى من نظر الدار من خارجها لا إلى من عاينها من داخلها، وحازا ذلك، وثبتت عنده الحيازة، وأعذر إلى وكيل فاطمة بعد أن ثبتت عنده الوكالة، وأجله فيما ادعاه من حل ذلك آجالا أظهر إليه عند انقضائها عقدًا تضمن معرفة شهدائه أن الدار سالمة، فما ادعته مأمونة السقوط لاعتدال حيطانها وسآمتها في الميل الذي هو سبب الهدم، وأن التشقق غير ظاهر لها مع أنه لا يخفى على من نظر إليها وقبلها، وثبت عنده ذلك.
وأشار عليه ابن عتاب بالنهوض بنفسه مع عدول من أهل الميز، فنهض الحكم وجماعة إلى الدار ونظروا إليها من داخلها وخارجها، وشهدوا عنده بتشقق حيطانها وأنها خلقة رثة جدًا مملوحة لا يثبت عليها طر ولا تلبيس، ويتهدم أساسها الغرب من خارجه وأنه والمملوحة عيب كبير يحط من الثمن كثيرًا، وأن المملوحة تخفى على من لا بصر له بعيوب الدور، وأن تهدم الأسس لا يظهر إلا من نظر إليه من خارجه، وأن ذلك كله أقدم من تاريخ ابتياعها، وثبت ذلك كله عنده.
وأجل وكيل فاطمة فيما ادعاه من حل ذلك ثلاثة أيام بفتوى ابن عتاب وانصرفت هذه الأيام، ولم يأت بشيء وعجزه ثم شاور في ذلك الفقهاء.
فأفتى ابن عتاب: أن القضاء في ذلك بأعدل البينتين مما له بصر بعيوب الدور، قال: وإن أمكن الإصلاح بينهما دون إلحاح عليهما أو ما يشبه الإلزام لهما، فذلك حسن إن شاء الله.
وأفتى بن القطان: الذي أثبتته حبور من العيوب المذكورة هو الذي يجب القضاء به على معنى دليل المدونة والمستخرجة: أن البينة التي توجب الحكم إذا قبلت أعمل من التي تنفيه، وفي هذا غير هذا، مع أني رأيت الشهود الذي استنهضتهم معك ممن لا يدفع في ثقتهم لشهرتهم، فلحبور صرف الدار بما ثبت لها إذا لم يكن عند فاطمة مدفع غير ما أظهرته.
وأفتى أبو محمد بعده وجه الشأن في مثل هذا تكرير النظر إليه حتى يرتفع الإشكال، وقد أفتى بهذا وحكم به ونفذ الحكم في ذلك بصرف الدار على البائعة.
стр. 323
وأفتى ابن عتاب بتاجيلها شهرين في الثمانية مثالا التي كانت قبضتها لتحضرها، وانعقد ذلك في التسجيل.
وتدبر إن حطت المشترية من ذلك المؤجل فيه بعضه قبل انقضاء الشهرين، واستعجلت سائره هل يجوز أم وضع على تعجيل؟ والنظر أنه لا يجوز، لأن التأجيل قد استقر ولزم، وبالله التوفيق.
قال القاضي: الذي أشار إليه ابن القطان في جوابه أن دلي المدونة والعتبية أن شهادة من أثبت الحق والحم أولى من شهادة من نفاه؛ إنما أراد من المدونة قوله: في اختلاف المقومين للسرقة إذا قال بعضهم: لا يبلغ قيمتها ثلاثة دراهم، وقال غيرهم: قيمتها ثلاثة دراهم.
قال: إذا اجتمع منهم عدلان من أهل البصر قيمتها ثلاثة دراهم قطع، وكذلك قال مالك في سماع عيسى في رسم العرية: إذا اجتمع على القيمة رجلان لم يلتفت إلى من خالفهما، ثم قال في آخر المسألة: فإن دعا أربعة فاجتمع رجلان، قال: ينر إلى أقرب التقويم إلى السداد.
وفي الشهادات في نوازل سحنون:
فيمن شهد له بدم على رجل أصابه عمدًا، فجاء المشهود عليه بقوم يشهدون أن القاتل كان ببلدة نائية عن موضع القتيل يوم قتل؛ فقال سحنون: إذا حق الحق لأهله؛ فلا يخرج من شهادة الشهود إلا بجرحه.
وقال أصبغ مثله: وتكرر ذلك أيضًا في نوازل أصبغ، ومثله لابن الماجشون في المجموعة وغيرها، وحكاه أيضًا أبو الفرج في كتابه عنه، وقال عن إسماعيل القاضي: بل ذلك مانع من قبول شهادتهم. وفي هذا الأصل تفسير غير هذا في كتاب ابن مزين وغيره.
وفي كتاب ابن المواز: اختلاف الشهود في العيب، فقال بعضهم: هو قديم، وقال آخرون: هو حديث، أو قال بعضهم: هو عيب يجب به الرد، وقال آخرون: يس بعيب يجب به الرد؛ فذلك تكاذب ولا يرد بالعيب.
قال: ومن كان عليه دينار لرجل فأحضره ليقضيه، فقال شاهدان: هو رديء وقال آخرون: هو جيد؛ لم يلزم الذي هو له قبضه إلا أن يشاء حتى يتفق على جودته، ولو
стр. 324
قبضه الذي هو له فلما قلبه ألفاه رديئًا بزعمه، وشهد له بذلك شاهدان وشهد غيرهما أنه جيد؛ لم يجب له رد إلا باتفاق الشهادة على رداءته.
اختلاف المتبايعين في عين المبيع:
قال القاضي: إذا قال المبتاع: ابتعت منك هذا الثوب، أو هذه الدابة، أو هذا العبد، وأصبت به هذا العيب، فقال البائع: ليس هو الذي بعت منك؛ فالقول قوله، ويحلف، إلا أن قامت للمبتاع بينة على عينه أنه هو.
قلت لابن عتاب: أرأيت إن قال البائع: لا أعلم هو الذي بعت منك أو غيره، هل للمشتري رده؟ فقال: له رده إذا لم يحقق البائع إنكاره فيه.
قلت له: فإن قال الرجل: ليس عليك عشرة دنانير. فقال المطلوب: لا أدري أعشرة هي أم خمسة. فقال لي: تلزمه العشرة.
وسألت ابن مالك عن مسألة الرد بالعيب إذا قال البائع لا أعلم أهو الذي بعت منكم؟ فقال لي: يحلف المشتري ويرد.
قال القاضي: هذا أصل مختلف فيه في الواضحة والموازية وغيرها، لم أجتلب مسائله كراهة التطويل.
القيام في جنة مبيعة بعفن في شجرها ويبس بعضها وخمج عروقها مع تنازل في ثمنها:
شاور ابن حريش الفقهاء فقال: قام عندي عبد العزيز علي على عبد الله ومحمد بن هود في جنة ابتاعها منهما في رمضان في سنة سبع وخمسين وأربع مائة مثقال وأربعين مثقالا ذهبًا قرمونية، والجنة بحاضرة قرطبة بشرقي مدينتها بربض حوانيت الريحاني بحومة مسجد اسلم، وأظهر إلي عقد ابتياعه إياها منهما، وفيه: أنهما قبضا منه الثمن خمسة وتسعين مثقالا، وذكر أنه دفع إليهما باقي الثمن ويمتنعان من الإشهاد له؛ إذ بلغهما أنه يريد القيام عليهما بعيب في الجنة، فأحضرتهما مجلس نظري، وأنكر عبد الله منهما أن يكون قبض هو وأخوه من باقي الثمن شيئًا، فوعظ في ذلك حتى انصرف إلى الإقرار وتقيد إقراره ذلك عندي، وبما في عقد الابتياع، وثبت عندي واقر أخوه بجميع ذلك ولم ينكر منه شيئًا،
стр. 325
وثبت عندي إقراره، ثم اثبت عندي عبد العزيز أن في شجرة الجنة تعفنًا وخمجصا وتسويسًا قديمًا قد يبس كثير منه لذلك، وأنه عيب قديم كبير يحط من الثمن كثيرًا، وقد يعلمه بعض الناس دون بعض، وقال الشاهدان بذلك: أنهما كشفا لهما عن كثير من عروق شجرها ورأياها متعفنة وحازا الجنة.
وثبت عندي حيازتهما لهما بمن وجهتهما لحضورها، واعذرت إلى البائعين في ذلك وأجلتهما فيما ادعياه من جله أجلا شهدا عندي في انصرامه شاهد قبلته أنه سمع المبتاع يقول: إنما أريد من البائعين المذكورين أن يشهدا لي بقبض بقية الثمن لا أني أطلبهما بعفن شجر الجنة أو خمجه، وشهد لهما شاهدان قبلت أحدهما أنهما سمعاه يقول: لو أشهد لي البائعان بقبضها لبقية الثمن لم اطلبهما بخمج شجر الجنة التي ابتعتها منهما، وقالا: إنهما كانا مع الشاهد الأول في مجلس واحد إذ قال المبتاع ذلك، ولم يسمعا منه إلا ما شهدا به، وشهدا شاهد رابع قبلته بمثل شهادتهما فيما سمعا من المبتاع، وأعذرت في ذلك إلى المبتاع، فلم يكن عنده مدفع إلا ما توجبه السنة.
فأفتى ابن عتاب:
إنكار المنكر لما أنكر ثم رجوعه إلى الإقرار، عذر للمبتاع فيما شهد عليه أنه مسقط للقيام بالعيوب التي ثبتت في الجنة بعد أن يحلف بالله أنه ما قال ما شهد به عليه إلا من أجل الإنكار، فإن حلف كان له القيام وصرف الجنة بالعيوب الثابتة إن شاء الله .
وأفتى بان القطان:
الذي شهد به للبائعين ألا يبطل قيام عبد العزيز بن محمد فيما تقدم به من أمر العيوب التي أثبتها لوجوه يطول اجتلابها في ترك أعمالها، وإنما القصد معرفة الجواب، حملك الله على الرشاد بمنه.
وقال ابن مالك:
أمثل ما رأيت في هذا: الوقوف عن الجواب، والله برحمته يحملك على الرشد ويقضي لنا ولك بالحسنة بعزته والسلام.
القيام بعيب في دار عبد إحداث بناء فيها:
ابتاع موفق مولى ابن حزام دارًا بقرطبة وبلط مجلسها بالرخام، وبني فيها غرفة
стр. 326
وركب أبوابا في بعضها وطر بعضها، ثم أصاب فيها عيبًا قام فيه على بائعها منه عند القاضي محمد بن أحمد بن بقي، وأثبت عنده العيب والبناء الموصوف وحيز، وأعذر إلى البائع في العيب وما ثبت، وقال: إنه لا مدفع عنده في ذلك إلا ما توجبه السنة، وكان بائعها من قد ابتاعها من آخر فأعذر إليه، فقال: إن القائم موفقًا إنما بني ما بني في الدار من أنقاض كانت فيها، وأنه هدم منها ما بني بعد معرفته بالعيب وشاور القاضي في ذلك.
فأفتى ابن عتاب:
إن رفع البائع الأول قبل إكمال الحكم بين الآخر وموفق خطأ من الصل، وإنما كان الواجب أن يحكم بالرد على بائعها من موفق، ثم يقوم هو إن شاء على باشعها منه.
قال: وليس بناء موفق فيها ما ذكر مفتيًا لها، وله ردها بالعيب الثابت، ويقال له: أقلع رخامك وخذ أبوابك ونقضك وما فيه منقعة لك، وليس ما أحدثه فيها من ذلك يوجب اشتراكًا له إذا رد، ولا له إمساكها من أجله والرجوع بقيمة العيب.
وأفتى ابن القطان:
أن اليمين تلزم موفقًا أنه ما علم بالعيب قبل بنائه لادعاء البائع الأول عليه ذلك، فإذا حلف كان مخيرًا في حبس الدار وأخذ قيمة العيب من بائعها منه ويردها ويكون شريكًا بما زاده البنيان. قال: وإن نكل موفق عن اليمين، أعدت السؤال عن ذلك، ولم يكن في خطابك فيلزم الجواب عنه، وأخبرني بعض أصحابي أنه قال: إن نكل موفق؛ لم يكن له رجوع على البائع منه بشيء.
وأفتى ابن مالك:
أنه اليمين على موفق في دعوى البائع الأول؛ إذ قد قال بائعها منه إذ قد أعذر إليه: أنه لا مدفع عنده فيما أعذر فيه إليه إلا ما توجبه السنة، قال: ولموفق حبس الدار إن شاء والرجوع بقيمة العيب من ثمنها، وإن شاء ردها وأخذ ثمنها وكان شريكًا فيها بما زاد البنيان في قيمتها، إن كان نقصها ذلك واختار ردها بالعيب؛ فعليه قيمة ما نقصها من ذلك يقتطعه البائع من ثمنها ويدفع إليه باقيه.
وأصل هذا من ابتاع ثوبًا فصبغه ثم اطلع على عيب فيه. فتأمل في كتاب العيوب من المدونة وغيرها. قال: وإنما لم تلحق موفقًا اليمين لأن خصمه قد برأه منها، كما لو قال: نعم، بني ما ادعى بنيانه، وقال الأول: لم يبين فيها شيئًا.
стр. 327
وتكلمت مع ابن عتاب في جوابه أن ذلك البنيان غير مفيت لها، فاحتج بالتي في كتاب الشفعة فيمن ابتاعا دراً ابتياعًا فسادًا لم يفتها حوالة سوق ولا تغير بناء.
قال بن القاسم: وإنما اعرف الفوت فيها الهدم أو يكون المشتري قد بني فيها بنيان البيوت والقصور فهذا فوت أيضًا؛ فلم ير البناء اليسير فوتًا حتى يكون قصورًا أو بيوتًا.
ولما ذكره ابن القاسم هنا نظائر في الواضحة والعتبية فتأملها هناك.
مقدار العيوب التي ترد بها الدور وغيرها:
اعلم أن عيوبها تنقسم ثلاث أقسام:
قسم لا ترد به الدار، ولا يرجع المبتاع من أجله بشيء ليسارته.
والثاني: عيب لا ترد به الدار، لكنه يرجع على البائع بقيمة العيب، كصدع الحائط ونحوه.
والثالث: ما ترد به الدار، كالعيب الكبير وما يخشى منه سقوطها أو سقوط الحائط من الصداع الذي فيه وسألت أبا عبد الله بن عتاب عما يحط ربع قيمتها؛ هل هو عيب يسير أو كثير. فقال لي: بل هو كثير ترد به. قلت: له: فإن كان ماء بئرها زعافًا، أو مرًا؛ هل ترد بذلك.
فقال لي: هو عيب ترد به الدار إذا لم يكن مستجازًا لمرارته غير مشروب ولا شريب. قلت له: فإن كان طي البئر قد تهيأ للانكفاء لتعفن المائدة التي يقوم الطي عليها، ولا يوجد إلى إصلاحه سبيل إلا بنقض الطي كله؟
فقال: هو عيب ترد به إذ لا يقوم إلا بمؤنة ونفقة وفي طول مدة، مع أنه لا يؤمن انكفاء جوانبها عند نقض طيها، وربما تضعضع بعض بنيان الدار لذلك إن كان الدار صغيرة، أو كانت البئر من بعض جدرانها قريبة، وللمبتاع أن يحتج بأن هذه مؤنة لا صبر عليها واستئناف مشقة لا تتكلف.
قلت له: فإن قدر أهل المعرفة والبصر بذلك؛ لأن النفقة في ذلك تنتهي عشرين مثقالا قرمونية أو نحوها؟ فقال: لا يلتفت هذا ولا يصغي إلى قولهم فيه.
وأفتى ابن القطان:
إن كانت قيمة عيب الدار المثقالين أو نحوهما؛ فهو عيب يسير لا ترد به ويرجع المبتاع بذلك على البائع، وإن كانت قيمة العيب عشرة مثاقيل فأزيد فله الرد للدار وأخذ
стр. 328
الثمن إن شاء الله.
وفي الكتاب الجامع لقول مالك المؤلف للحكم بن عبد الرحمن أمير المؤمنين: روي زياد عن مالك فيمن ابتاع ثوبًا فإذا فيه خرق يسير يخرج في القطع أو نحوه من العيوب لم يرد به، ووضع عنه قدر العيب وكذلك هو في جميع الأشياء.
وفي المختصر الكبير: ولا يرد من العيوب إلا من عيب كبير ينقض ثمنه ويخاف عاقبته ولا ينظر في ذلك إلى ما يرده التجار.
وفي المدونة: قال ابن القاسم: ما كان عيبًا عند الناس فهو عيب يرد به إذا كان ينقص من الثمن، وقال مالك: قد يكون العيب الخفيف بالعبد أو الجارية؛ كالكي الخفيف؛ لا ينقص من ثمنه فلا يرد به، وإن كان عند النخاسين عيبًا (١).
ابتاع دارًا فأصاب بها عيوبًا يخفى بعضها ويظهر باقيها:
شهد عند أحمد بن محمد بن بقي لرجل في عيوب دار بعضها لا تخفى على مقلب الدار الناظر إليها، وأن بعضها قد يخفى مع التقليب، وأنها كلها قديمة قبل تاريخ الابتياع، وأراد المبتاع الرد وشاور القاضي في ذلك.
فأفتى ابن عتاب:
ينظر إلى ما يخفى فإن حطت من ثمن الدار ما له بال؛ فللمبتاع صرفها بذلك على بائعها، وإن كان الذي يحطه من ثمن الدار يسيرًا؛ رجع بقيمة ذلك على البائع وأمسك الدار.
وأفتى ابن القطان:
أن المبتاع يحلف في التي لا تخفى أنه ما رآها إلا عند قيامه بها، ويصرف الدار بذلك على بائعها، واستدل بما ذكره أب حبيب عن مطرف وأصبغ فيمن ابتاع عبدًا أو غيره، وأشهد أنه قد قلبه ورضى، ثم قام بعيب فيه: أنه إن كان مما يخفى عند التقليب؛ حلف أنه لم يره ورده به، وإن كان مما لا يخفى لزمه به.
ولو لم يشهد على نفسه بالتقليب والرضى لكان له أن يرد في الوجهين، وبما رواه أبو زيد عن ابن القاسم في النوادر أنه لا يمين على من رد بعيب إلا أن يكون ظاهرًا لا
стр. 329
يشك فيه كالعمى وقطع اليد والرجل.
قال القاضي: جواب ابن عتاب أصح في يالنظر من هذا، وما احتج به ابن القطان هو الحجة لابن عتاب فتدبره.
ابتاع حانوتًا فأصاب فيه حفرة مرحاض دار البائع ومنع البائع في تنقيتها:
نزلت هذه المسألة بقرطبة سنة سبعين وثلاث مائة؛ باع رجل حانوتًا من رجل، وللبائع دار تلصق هذا الحانوت، وفي الحانوت حفرة مرحاض، ولم يعلم المبتاع بها حين التبايع، فأراد البائع تنقيتها فمنعه المبتاع، وقال: بيعك لحانون بجميع حقوقه ومنافعه يقطع حقك من الحفرة.
فأفتى أبو عمر أحمد بن عبد الملك الإشبيلي المعروف بابن المكوي أن المبتاع بالخيار في التزام الحانون بعيبه أو تركه، وقاسها على المسألة التي في كتاب الكفالة في عبد: يكون لسيده عليه دين فيبيعه السيد على أن يتبعه بالدين، فيريد المشتري إسقاطه عنه؟
فقال مالك: الدين له لازم، وللمشتري رد العبد بذلك إن لم يرد أن يتمسك به وأخذ الثمن.
وأفتى القاضي ابن زرب وجميع الفقهاء:
أن يبيعه للحانوت قاطع حقه في الحفرة، وقاسها القاضي بمسألة أصبغ في جامع البيوت فيمن باع عرصته السفلى وكان يجري عليها ماء عرصته العليا، فلم يبين ذلك فمنعه المشتري؟
فقال أصبغ: ذلك له، ويصرف عنه، ولا يلزمه إلا أن يكون من الأمور الظاهرة التي تعرف ويعرفها المشتري ألا معدل لها وأن الماء منصب إليها لابد له منها، ولا مصرف له على الوجوه كلها بأبابها، وفأراه إذا كان ذلك كذلك كالمشتري عليها وكالشرط وإلا فلا.
قال القاضي: جواب القاضي ومن وافقه أصح في النظر، وقيساه على مسالة أصبغ أبين في الاستدلال من التي نظر الإشبيلي جوابه بها من مسألة العبد، والله أعلم.
ونقلت مسألة العبد في جوابه على ما ألفيتها فيه، وفيها لفظ لم يقطع في المدونة، ونصها في المدونة: قال مالك في عبده باعه سيده وعلى العبد دين لسيده فأراد سيده أن يتبعه به، فقال المشتري: ليس ذلك لك لأنه دينك وقد بعتنيه فلم تبينه لي: فذلك للبائع،
стр. 330
والدين لازم للعبد.
والمشتري مخير في إمساك العبد وعليه الدين، وإن كره رده وأخذ ثمنه. وأدخل فيها في جواب الإشبيلي: فيبيعه السيد على أن يتبعه بالدين ولو كان هذا هكذا؛ لم يكن للمشتري كلام إذا كان شرط عليه، وفي مسالة أصبغ زيادة كلام تركته لطوله.
اختلاف الفقهاء في رد الضحية توجد عجفاء:
أخبرنا أبو محمد عبد الله بن موسى الشارقي بطليطلة عن الفقيه الحافظ أبي عبد الله ابن الفخار أنه قال فيمن ابتاع شاه ليضحي بها فألفاها عجفاء لا تنفي: إنه يس له صرفها ولا القيام على بائعها. قال: فإن سمح بائعها بقبضها منه مذبوحة وصرف ثمنها عليه لم يجز؛ لأنه بيع الحيوان باللحم.
وحكي لي عن ابن دحون أنه قال: يجوز قبضه إياها منه مذبوحة؛ لأنها شاته (ب - ٨٩) بعينها، وليست بغيرها.
والحجة لكل واحد منهما اختلاف قول مالك في سماع أشه وابن نافع فيمن باع ثمر حائطه بمائة وعشرين دينارًا فقضاه المبتاع بخمسة عشرة دينارًا منها رطبًا وتمرًا من حائطه، فما استجدت الثمرة في رؤوس النحل اشتراها البائع منه بسبعين دينارًا مما له عليه ويتبعه بباقي الثمن، فقال له مالك - وهو المبتاع:- اشتريت جزافًا في رؤوس النخل وبعته كذلك تمرًا في رؤوس النخل؟ فقال: نعم. فأطرق فيها طويلاً، ثم قال: لا أرى بذلك بأساً إذا كان التمر الآن قد استجد ويبس، وإلا فلا خير فيه؛ لأنه دين في دين.
فهذه القولة حج دحون في جواز أخذ الضحية مذبوحة، ثم قال في المتباع متصلاً بجوابه المذكور: وسأتله عمن باع تمر حائطه رطبًا بعشرين ومائة، فيبس في رؤوس النخل ثم يشتريه منه بسبعين دينارًا مما له عليه؟
فقال: أنا أكرهه؛ لأنه باعه رطبًا وأخذ تمرًا، والرطبة بالتمر لا يصلح. قلت له: إنه لم يأخذ تمرًا ن غر حائطه الذي باعه؛ إنما أخذ من حائطه بعينه تمرًا؟ فسكت وكأنه كرهه، ثم أعادها بالمعنى، وقال: لا خير فيه.
واختار ابن المواز، وهذه الرواية لقول ابن الفخار في مسألة الضحية.
وأخبرني أبو محمد الشارقي أن أبا محمد المعروف بابن العساري الطليطلي كان يرى رد الضحية بالعجف إذا علم بائعها أنه إنما يشتريها ليضحي بها؛ كالمدلس بعيب في ثوب
стр. 331
يطلع عليه المشتري بعد قطعه يرده ولا شيء عليه في القطع.
وفي هذه التنظير نظر؛ لأن بائع الضحية قد لا يكون مدلسًا.
وسألت ابن عتاب عن ذلك، وقلت: مبتاع الضحية يجدها عجفاء لا تنفي؟ فقال لي: له القيام بعيب هزالها.
اعترضته بالتي في العتبية في سماع أشهب وابن نافع عن مالك فيمن ابتاع شاة فوجد جوفها فاسدًا، فظن أنه من ضربة ضربت الشاة، أترى له أن يردها؟
قال مالك والله ما أظن ذلك، قد يشتري ويقال: هات الثمن؟! ما أرى له عليه شيئًا. قيل له: فيحلف؟ قال: إن جاء بوجه حلف.
فلم يأت ابن عتاب على ذلك بحجة، واعلمته بما أعلمني به أبو محمد الشارقي عن ابن الفخار وابن دحون أنهما لم يريا له رجوعًا بقيمة عيبه، ولا ردًا؛ لأنه مما يستوي فيه علم البائع والمشتري من العيوب الباطنة؛ كالسوس في الخشب، والعفن في الجوز، والنارنج والمراة في القشاء، فلم يعطني جوابًا.
وتكلمت مع ابن مالك فيها، فقال: له الرجوع؛ لأنه إنما اشترى منه ضحية. قال: وهكذا هي في كتاب ابن شعبان فالتفتها فيه فلم أجدا.
وقال لي ابن القطان: يخالف ذلك ويقول لا رجوع له بشيء، واحتج بالتي تقدم ذكرى لها في سماع أشهب وابن نافع، واحتج ابن مالك لقوله في الرجوع على البائع بالتي في كتاب التجارة إلى ارض الحرب، فيمن اشترى شاة لبن في أيام اللبن وشأنها الحلاب، ولم يخبره البائع بحلابها، وهو قد علمه.
قال: هو كبائع طعامًا جزافًا، وقد علم كيله فكتمه المشتري، فبيعه مردود إلا أن يرضى المبتاع أن يحبس كالشاة التي ترتفع لمكان لبنها، ولا يبلغ لحمها ولا شحمها ذلك الثمن، وإنما يبلغ ذلك الثمن للبنها.
وإن كان البائع لا يعرف حلابها إنما اشتراها فباعها؛ فلا شيء عليه، وإن باعها في غير إبان اللبن فلم يرض المشتري حلابها في إبانه؛ فلا رد له، والبقرة للبن، والناقة في هذا كالشاة.
وكتب شجرة إلى سحنون فيمن اشترى ثورًا فألفاه لا يحرث؟ قال: إن شرط حراثًا فله الرد.
стр. 332
ومنن هذا الأصل من اشترى سمنًا فألفاه سمن بقر، فقال: إنما أردت سمن غنم، قال مالك في سماع أشهب في كتاب العيوب: له رده ويعارضها مسألة المصلي التي في سماعه في جامع البيوع، وفي الواضحة من ابتاع عبدًا فألفاه روميًا فكرهه ليس له رده.
وقال فضل: هي خلاف مسألة السمن في أول سماع أصبغ في كتاب الضحايا: من أصاب بالضحية عيبًا بع ذبحها أخذ قيمتها وأبدلها إن كانت العيب مما لا يجوز في الضحايا، ويضع بالقيمة ما شاء وإن فاتت أيام الذبح فله الأرش، وهو كمن لم يضح وإن كان عيبًا تجزي به الضحية، تصدق بقيمة العيب؛ لأنه قد أوجبها وسماها ضحية.
وفي سماع سحنون في الظهار في عيب هدي التطوع: إنه كعيب العبد المعتق توعًا يصنع به ما شاء. ورواه أشهب عن مالك في الموازية، وهو خلاف ما آخر ثاني الحج من المدونة في عيب هدي التطوع إذ لا يتطوع بهدي معيب، وفي الجهاد في رسم نذر سنة من حمل على فرس في سبيل الله ثم وجد به عيبًا رجع بقميته إن كان قد خرج ومضى به، وإلا فله الرد.
وفي سماع أصبغ: إن أبدل فرسًا حبيسًا بفرس حبيس فوجد بأحدهما عيبًا. فتأمله.
وقال ابن أبي زمنين في الحادي عشر من المغرب: سئل بعض مشايخنا عمن اشترى شاة فذبحها فوجد بلحمها جدريًا؟ قال: رأى هذا بعض من سمعنا من أهل العلم كالعيوب التي يفهمها الجزارون.
وبعض الناس قبل الذبح، وجعلوه قديمًا يرجع فيه بقية العيب بعد الذبح، ويرد به قبل الذبح بخلاف ما هو أصلي مما لا يعلمه أحد إلا بعد الكسر.
وقولنا وقول أصحابنا فيه: إنه كالخشبة ويجد فيها العيب بعد قطعها لا قيام له فيه، وهذا الأصل في عاشر بيوع الواضحة، وفي عيوب المدونة، وفي سماع ابن خالد والموازية.
ابتاع دارًا فيها بئر ينصب فيه ماء حفرة بقرب الدار:
قام المبتاع عند بعض قضاة قرطبة بعقد استرعاء تضمن معرفة شهوده للدار المحدودة بكذا وهو بحومة مسجد كذا، وأنهم يعرفون الحفرة التي في الرحبة المجاورة لها عند نزول الغيث واجتماع الماء في الحفرة يجري الماء منها في بئر هذه الدار، ويشهدون أن ذلك عيب يحط من ثمنها كثيرًا وأثبت عنده هذا العقد وشاور فيه.
стр. 333
فجاوب ابن عتاب:
قرأت خطابك ووقفت على عقد الاسترعاء، وهو ضعيف معتل لا يوجب نظرًا؛ لأنه ذلك فيه أنهم يعرفون الدار المحدودة ويعرفونها عند نزول الغيث واجتماع الماء في الحفرة يجري في بئر هذه الدار، وقد تكون هذه المعرفة قديمة ثم أزيل هذا العيب قبل اشتراء المبتاع لها، وزال العيب عنها، وارتفع عنها.
وإنما تصح الشهادة بأنهم دخلوا الدار بعد البيع لها وعاينوا ذلك وتكرر عليه المرة بعد المرة وأن الماء الذي يجري فيها لا ينشكون أنه ماء الحفرة لتغيره ورائحته فيعود إليه ممن قبلته من يشهد به وبتاريخ دخولهم للنظر إليه؛ فإذا صحت الشهادة، وتيقن العيب صح الجواب عند ذلك، بتوفيق الله وتسديده.
وثيقة في عيب بئر:
يشهد من يتسمى في هذا الكتاب من الشهداء أنهم يعرفون فلانًا بعينه واسمه، وأنه أوقفهم في شهر كذا من سنة كذا إلى الدار التي بحومة مسجد كذا، وحدها كذا، ليروها تشكاه في بئر هذه الدار التي ابتاعها فيما ذلك لهم في شهر كذا.
فنزلوا البئر المذكورة وقلبوا بنيانها وتعرفوا موضع الوهي منها، فوجدوا المائدة والتابوت اللذين قام عليهما طي البئر المذكورة قد أشرع فيهما التعفن، ووهيت بذلك البر المذكورة، وتداعى طيها للسقوط، ويعرفون بدليل العيان أن هذا أقدم بالبشرة من تاريخ الابتياع الذي ذلك لهم.
ويعرفون أن هذا العيب يحط من ثمن هذه الدار؛ إذ لا يمكن إصلاح ذلك إلا بنقض جميع بناء البئر المذكورة وإعادته، شهد بذلك ممن عرفه على حسب نصه، ويحوز موضع العيب المذكورة وأوقع على ذلك شهادته في هذا لكتاب في الشهر المؤرخ فيه.
قال القاضي: هذه الوثيقة من وضع أبي مروان بن مالك، ولحسن عقدها أثبتها في هذا الموضع، وهي أيضًا من الباب الذي نحن فيه، وقد تقدم بعضه قبل هذا، والحمد لله.
من استأجر طبيبًا ليكويه ثم بدا له، وهل يجوز الكي:
سئل ابن عتاب عن رجل شكى إلى طبيب ألمًا بركبته، فقال له الطبيب: أكويك في الركبة وتفيق إن شاء الله، فاتفق معه على أجرة ودفعها إلى الطبيب، وانصرف عنه ليرجع إليه الشاكي ويكويه.
стр. 334
ثم بدا له وسأل الطبيب الأجرة ليردها إليه فأبى من ذلك الطبيب، واحتج الشاكي بأنه الكي لا يجوز.
فأجاب: الكي جائز غير ممنوع منه، وقد كوى النبي ﷺ ابن زرارة، واكتوى ابن عمر من اللغوة، ولا يصح عن النبي ﷺ النهي عنه، وإنما جاء عنه، وقد ذلك العدد الذين يدخلون الجنة من أمته بغير حساب، فقيل له: من هم يا رسول الله؟ قال "هم الذي لا يسترقون ولا يكتوون وعلى ربهم يتوكلون (١) "وليس هذا بنهي، إنما أخبر أنهم أخذوا أنفسهم بأشد الأمور.
إلا أن الكي الذي سألت عنه لم تذكر عدده، ولا آلته التي بها يكوى، وقد يكوى بحديد مصنوع، وبمنجل الحصاد، وبعود، فإن كان وصفا الكي وعدده وآلته فالأرة لازمة له، وإن كانا أهملا ذلك ولم يصفاه وهو مختلف الهيئة والصفة فذلك غير جائز، ولا يلزم فيه الأجرة، وبالله التوفيق.
اختلاف الطبيب والمداوي في الأجرة:
من أحكام ابن زياد كشفنا القاضي ﵁ في امرأتين اختفتا في مداوات صبيتين لإحديهما، فقال صاحبة الصبيتين: عاملتك باثنى عشر درهما، وقالت الطبيبة: بأربعة دنانير ولم تبرأ الصبيتان بعد.
فالذي عندنا في ذلك: أن تحلف الطبيبة بالله في مقطع الحق، لما جعت عمل يدها إلا بأربعة دنانير، ثم تحلف المرأة الثانية: ما عامتها إلا باثنى عشر درهمًا، ثم تفسخ الإجارة فيما بينهما، ولا شيء للطبيبة فيما عملت؛ لأن الطبيب عندنا لا يجب له شيء إلا بعد البرء إذا كانت المعاملة على البرء.
فإن كان الطبيبة أخذت شيئًا؛ ردته، وأيتهما نكلت عن اليمين فالقول قول الحالفة منهما، وإن نكلتا جميعًا انفسخ ما بينهما، وكذلك إن حلفتا جميعًا.
قال القاضي: في هذا الجواب عندي نظر فتدبره.
مسألة في قبالة حصة من أرحاء الحناء بقرطبة:
عقد الفقيه ابن دحون وثيقة قبالة في حصة من أرحاء الحناء على نهر قرطبة، فقال:
стр. 335
تقبل فلان بن فلان من سليمان بن أحمد بن عبد الرحمن الناصر المقبل على نفسه وعلى بنيه الأصاغر في حجرة وولايته؛ فلان وفلانة، جميع حصته وحصتهم من الرحى المنسوبة إلى ملك لعامين: أولهما كذا بكذا وكذا، على أن تطوع المتقبل أحمد بأن يحضر من هذه العدة كذا.
وذكر في آخر العقد: وعلم المتقبل أحمد أن هذه الرحى تتعذر في مدة الشتاء، وتمتنع من الطحن وإنما طحنها باستقامة زمن الصيف ومدته فرضى أحمد بذلك والتزمه، فقام المتقبل أحمد عند صاحب السوق أبي علي ابن ذكوان يذهب إلى استغلال أشهر الشتاء لما وقع في هذا الفضل، فشاور في ذلك واختلف الفقهاء فيها.
فأفتى القرشي: إن الرحى غير مأمونة، وإن القبالة لا تجوز.
وأفتى ابن جريح: إن القالة جائزة، وإن الرحى مأمونة، وللمتقبل استغلال أشهر الشتاء والصيف.
وجاوب ابن عتاب:
سيدي، ووليي، ومن أدام الله نفعه، قرأت ما خاطبتنا به وفهمته، وتأملت ما وقع في عقد القبالة من أن انعقادها كان على أن تطوع المتقبل أحمد بإحضار العدة المذكورة في العقد المذكورة، فخرج ذلك بهذا اللفظ الواقع في العقد عن حد الطوع إلى حد الشرط المصرح، وصار ذلك شرطًا في نفس العقد.
واشتراط تعجيل النقد في قبالة الإرجاء لا يجوز إلا فيما كان منها مأمونًا، وأما غير المأمون، وما يخاف نضوب الماء من أنهارها؛ فلا يجوز لما يدخله من الغرر والكراء والسلف.
والذي أقوله: إنه إن أثبت القائم عند أن هذه الأرحى غير مأمونة؛ وجب فسخ الكراء فيما بقي من المدة؛ لاشتراط تعجيل النقد فيما هو غير مأمون، وما لم يثبت ذلك عندك؛ فالكراء جائز، وللمتقبل أحمد استغلال أشهر الشتاء والصيف إلى انقضاء مدة القبالة إن شاء الله.
قال القاضي: هذه أجوبة مختلفة، ولها تفسير، والله الموفق للصواب برحمته.
مسألة التنازع في ثمن الطعام:
في آخر عاشر بيوع الواضحة ما اشترى من الحنطة والزيت واللحم وشبهه مما يبتاع
стр. 336
في السوق من معاش الناس وحوائجهم، واختلف متبايعاه في قبض الثمن؛ فالقول قول البائع ما لم يفترقا مع يمينه.
فإن تفرقا وفاز المبتاع بما ابتاع من ذلك؛ فالقول قوله مع يمينه، ولا قول للبائع، وإن جاء يطلب الثمن من يومه، وكذلك الصرف.
ولمالك في سماع أشهب وابن نافع في جامع البيوع مثل ذلك أن القول قول البائع مع يمينه أنه لم يقبض الثمن، وإن قبض المبتاع الطعام، ما لم يفارقه.
ولابن القاسم في كتاب ابن المواز: القول قول المبتاع إذا كان قد قبض ما ابتاع، وإن لم يفارق البائع.
قال أصبغ في كتاب المجالس: وهذا في يسير الطعام، مما وجهه المناقدة، وأما الحمل الكبير وما تعظم فيه الصفقة فليس من ذلك، وهذا لا يبرأ منه المشتري إن ادعى ثمنه وهو كالعروض والأرض والدواب والبزوز - قال: وما دق من بياعات الناس في الأسواق؛ كالسوط، والمهامز، والشراك، والنعال، والخف، وسبيله المناقدة؛ فهو كالأطعمة المصارفة.
وقال يحيى بن يحيى عن ابن القاسم: القول قول المشتري في الطعام وإن كثر إذا كان قد بان به. وأباه يحيى بن يحيى وقال: إنما هذا فيما قل.
قال ابن حبيب: والقول قول البائع في الرقيق والدواب والدور الرباع والعقار وشبهها، وإن تفرقا ما لم يطل السنة والسنتين ونحوه، فيكون القول قول المبتاع لأنه قد دفع، لأن هذه الأشياء ليس لها أصل في التبايع على الدين والتقاضي، ولو كان ذلك بزًا وتجارات مما يتبايع على التقاضي وإلى الآجال فيصدق البائع أنه لم يتقاض مع يمنه إذا لم يطل سكوته جدًا العشري سنين أو أقل منها، وما لا يجري بين الناس التبايع إلى مثله من الآجال فيصدق المبتاع مع يمينه أنه قد قضاه.
وهذا أوضح لي مطرف وابن الماجشون وأخبراني أنه قول مالك لهما، وغير مالك من علماء المدينة لا يعلمان غيره. قال: ولم يكن ابن القاسم يميزه هذا التمييز؛ كان يجعل ما عدا الحنطة والزيت، في الدور والعقار بمنزلة البت والتجارات؛ القول فيه أبدًا قول البائع، ولو بعد عشرين سنة حتى يجوز الوقت الذي لا يجوز التبايع إليه، وهو قول شاذ غير مضبوط ولا متبوع. والأول أحب إلي.
стр. 337
وفي ثاني سلم المدونة: قلت: أرأيت ما اشتريت وانقلبت به من جميع السلع والطعام وغيره من دار أو حيوان فبنت به وزعمت أني قد دفعت الثمن، وقال البائع: لم تدفع إلي الثمن؟
قال مالك: أرى ما كان يبتاع على الانتقاد شبه الصرف كالحنطة والزيت واللحم والخضر، وكلها، وما يشبه هذه الأشياء فهو كالصرف يصدق فيه المشتري ويحلف.
وما كان مثل الدور والأرضين والبز والرقيق والعروض؛ فالقول في الثمن قول البائع، ويحلف إن قبضه المبتاع، ولا يخرجه من الثمن قبضه وبينونته به إلا بينة له تقوم له على دفعه، وإلا حلف البائع وأخذ.
قال القاضي: كتبت هذه المسألة لنازلة نزلت من معناها وذلك أن إنسانًا طلب بثمن ثلاثة أرباع دقيق باعها منه منذ ثلاثة أعوام متقدمة لتاريخ طلبه، فقال المشتري: قد دفعته إليك عند شرائي الدقيق منك. وأنكره البائع.
فكتب السؤال على هذا النص إلى أبي مروان ابن مالك؛ إذ كانا قد نقلا عنه أنه أفتاهما أن القول قول البائع، فجاوبني على السؤال ذلك السائلان الآن عن هذه السمألة أن المبتاع كان غائبًا في هذا الأمد؛ فأجبناهما أن القول قول البائع مع يمينه، وهو الحق إن شاء الله لائحًا في أمهات الفقه لمن تدبر واعتبر، وبالله التوفيق.
هذا نص جوابه، ولا أعلم له وجهًا، ولا أراه صوابًا، ولا يزيد الغائب المبتاع مغيبه إلا قوة في تصديقه في دفع الثمن، والله أعلم بالصواب.
تم كتاب البيوع بحمد الله وعنه وصلى الله على سيدنا محمد.
стр. 338
كتاب الأقضية
مسألة في كراء أرض محبسة لخمسين عامًا على أن يغرسها المكتري فغرسها، ثم قام السنة المكريات لها على غراسها بعد سبعة أعوام أو نحوها من أمد الكراء، وطلبن الكراء، وكان الحبس لم يثبت إلا بإقراراهن به، وامتنع المكتري الغارس من ذلك، وهو أخو أحد فقهاء بطليوس أبي شاكر ابن المعذل، وبها كانت النازلة.
قال القاضي:
فكتب إلي بها أبو شاكر وقاضيها أبو الحسن عامر بن خالص بعد تقدم جوابي على بعض فصولها، فجاوبت أبا شاكر عن ذلك، وكان أنكر الجواب بنقض هذا الكراء.
سيدي قد علمت أن المعول فيما يفتى به مما جرت الأحكام عليه على قول ابن القاسم ﵀ لا سيما الواقع منه في المدونة، ثم على ما وقع لغيره فيها، هذا الذي سمعناه قديمًا في مجالس شيوخنا الذين تفقهنا عندهم، وعلة ذي ما جرى به القدر من اعتماد الناس في هذا المغرب في تفقههم ومناظرتهم عليها حتى لا أنست نفوسهم إليها وألفت معانيها واستحكمت عندهم صحة أصولها وفروعها، وما سبق إلى النفس ألفته، فعسير عليها الانفصال منه والصدود عنه، هذا مدرك بالعادة صحيح بالخبرة، ولذلك قل ما ترى المتفقة لمالك المقدم لدرس مذهبه إلا مرتبطًا به لا يريم عنه إلى مذهب غيره، وكذلك الحنفي والشافعي وغيرهما رجوعهم عما تعلقوا به من مذاهبهم وقدموه في دراستهم، وتعمهم قليل لا يكاد يوجد إلا في النادر.
وإن كان من أدركنا من شيوخنا الذين كانت الفتيا تدور عليهم بقرطبة ﵏ ربما امتدوا في الاختيار إلى ما وقع في غيرهما من الواضحة أو سواها، مما يرون من اختلاف أصحاب مالك صحيحًا وأقوى في النظر من غيره، ورمبا فعل ذلك بعضهم ميلاً إلى خلاف من تقدمه من أصحابه، والله يوفق من يشاء.
وإذا كان هذا هكذا فالذي في المدونة في كراء الأرضين منها أن عقد الكراء في أرض المطر يجوز لعشر سنين، ولا ينقد فيها إلا لعام واحد بعد إمكانها للحرث. هذا قول ابن القاسم وروايته عن مالك.
وقال غيره فيها:
لا يجوز أن تكرى إلا لعام واحد قرب الحرث ووقع المطر. قال: وأجازه الرواة ثم لا
стр. 339
يجوز النقد فيها إلا حتى تروي ريا مبلغًا للجميع أو لأكثره مع رجاء لوقوع غيره.
وفي كتاب ابن المواز مثل ما تقدم لابن القاسم سواء. وقال ابن حبيب عن مطرف وابن الماجشون في النقد فيها كقول ابن القاسم وأن العقد يجوز لعشرين سنة وأزيد.
وهذا كله يرد ما جرى في تلك النازلة من العقد لخمسين عامًا وشرط النقد فيهان ويبين فساده، وليس ما حكيناه عن مطرف وابن الماجشون من تجويز العقد فيها لعشرين عامًا أو أكثر دليلاً على جواز الخمسين عامًا؛ إذ لابد لقولهم وأكثر من حد تشهد الأصول بصحته وينتهي إليه ويوقف عليه، وإلا فالقائل بظاهر وأكثر وأن العقد يجوز فهيا المائة عام وأكثر، وهذا لا يقوله أحد.
وقد قال في كتاب ابن المواز: تجوز المساقاة لأربعة أعوام وأكثر. وقال في المدونة: أرأيت المساقاة أتجوز لعشرة سنين؟ قال: قال مالك: المساقاة لسنين جائزة، فأما ما يحد إلى عشر سنين أو ثلاثين أو خمسين فلا أدري ما هذا، ولم أسمع من مالك فيه شيئًان وأما ما لم يكثر جدًا فلا أرى به بأسًا.
فقد قال ابن القاسم: ما لم يكثر، مع قول مالك في كتاب ابن المواز: وأكثر، فلابد للكثرة من تحديد، ولا يجوز غير هذا في الأصول، كما أن من طلق إلى أجل يبلغه عمره - ثلاثين سنة أو نحوهما - لزمه ذلك وعجل الطلاق عليه، ولو طلق إلى مائة سنة أو ألف سنة لم يلزمه.
قال ابن القاسم: في سماع عيسى: لإيقاع ذلك إلى أجل يدركه الموت فيه قبله، وروي عن مالك في أصل السماع أنه لا خير في مساقاة إلى أجل وإن سمي سنين، إنما المساقاة إلى الجداد.
وفي كتاب محمد بن يحيى الوقار:
لا بأس بكراء الدور السنة والسنتين وما فوق ذلك إلى العشرة والعشرين سنة، ولا يجوز أن يكرى الحبس إلا لسنة واحدة ونحوها. هذا نص ما في كتابه.
وظاهره أن العشرين سنة فيها حد لا يتجاوز، وإن كان في كتاب ابن المواز لابن وهب عن مالك: أنه لا بأس بكراء الدار الثلاثين سنة؛ فقد نقل محمد بن حارث في كتاب الشروط له عن يحيى بن أيوب الزهري أنه كان يجوز راءها السنين الشعر والخمس عشرة ما لم يطل جدًا. وهذا نحو ما ذكره الوقار بخلاف رواية ابن وهب عن مالك في كتاب
стр. 340
بن المواز.
وليس في هذا كله تجويزه لأربعين عامًا، فكيف إلى خمسين مع شرط النقد في مسألتنا في أرض المطر، وذلك لا يجوز عند أكثرهم والعقد به فاسد عند ابن القاسم ومن وافقه، وكذلك ظاهر هذه النازلة الفساد بدلي ما ذكرنا من المسائل لطول أمده.
وأما عند غيره الذي ذكرناه من المدونة فلا يجوز هذا الكراء عنده بوجه، ولو لم يعقد إلا لسنتين فأزيد؛ شرط نقد الكراء أو لم يشترط.
ومما يزيد في بيان الفساد فيه لطول الأمد ما وقع في سماع ابن القاسم في كتاب العتق من العتيبة: سئل مالك عن محمد بن سليمان وكان قد أوصى في جواريه أن يحبس سبعين سنة ثم هن أحرار، فقال: أراه غير جائز، وينظر السلطان فيه، فإن رأى أن يعن؛ بعن، وإن رأى أن يعتقن؛ عتقن، وعجل عتقهن ولا يتركهن هكذا.
قال ابن القاسم: وهو رأي وقال ابن الماجشون: إن كان الأجل لا تبلغه أعمارهن؛ بعن، وكان بمنزلة من أعتق عبدًا بعد موته.
وهذا هو الفقه عندي في هذا، فإذا روعي في العتق طول الأجل هذه المراعاة، وأبطل؛ فهو في المبايعات والأكرية أكثر مراعاة، وفساد العقد به أبين فساد.
وهذه المسألة تبطل ما ذكره أبو جعفر بن رزق - سلمه الله - من جواز عقد الكراء إلى سبعين عامًا، ولا سمعته، ولا رأيته، وإنما حكي لي عن المنصور محمد بن أبي عامر أنه اكترى موضعًا حبسًا إلى سبعين عامًا، وهذا لو صح نقله لم يصح أصله، ولا يجوز العمل به لما ذكرناه عن مالك وأصحابه.
وقد ذكر ابن العطار في وثائقه أن الذي جرى به العمل في قبلات أرض الأحباس الأربعة أعوام، وهذا الذي شاهدناه نحن بقرطبة، وأما دور الأحباس والحوانيت وشبهها فإنما تكرى عامًا فعاماً، حضرت ذلك عند قضائها بمحضر فقهائنا مرارًا.
وقد رأيت مسألة نزلت في يجنة محبسة، سوادها تبع لبياضها قبلت إلى اثنى عشر عامًا، حكم فيها صاحب أحكام قضاء الجماعة بقرطبة أبو بكر يحيى ابن قاضي الجماعة أبي بكر محمد بن بيقي بن زرب، بخصام جرى بين ورثة المقتبل والمقبل في غرس كان غرسه فهيا، وذكر في حكمه أنه شاور في ذلك الفقهاء فاختلفوا في نقض الكراء فيها لطول المدة، قال بعضهم: يفسخ، وقال بعضهم يمضي، وأين هذا مما نحن فيه.؟
стр. 341
وهذا كله واضح بين لائح، لا خفاء فيه، ولا إشكال في صحة معانيه.
ويزيد ذلك وضوحًا وبيانًا ما لابن القاسم في سماع أصبغ فيمن باع سلعة بثمن إلى عشرين سنة أو ثلاثين. قال: أما الثلاثين فلا أدري، ولكن عشر وما أشبهه، وكرهه أيضًا إلى العشرين قال: فإن وقع لم أفسخه، ولو كان إلى السبعين فسخته، وكذلك أفسخ النكاح بصداق مؤجل إلى عشرين سنة وأكرهه ابتداء.
قال أصبغ: وكذلك إلى الثلاثين فيه وفيه البيع، قال أصبغ: ولا أرى به بأسًا إلى خمسة عشر عامًا وعشرين؛ لأن مالكًا قد سئل عن العبد يؤاجره سيده الخمس عشرة سنة ونحوها فقال: لا بأس به، وهو جائز، والنكاح فيه أبين وآمن.
وفي كتاب النكاح من الواضحة قال أصبغ: شهدت ابن القاسم وابن وهب تذاكرا أجل الكالئ، فقال ابن وهب: فيه العشرون وما جاوزها فمفسوخ، قال ابن القاسم: وأنا معك على ذلك ثم رجع ابن القاسم فقال: لا أفسخه إلى العشرين، ولا إلى الثلاثين، ولا إلى الأربعين، وأفسخه فيما فوق ذلك.
قال أصبغ: وبه آخذ قال ابن حبيب: إن جاوز ذلك فسخ، وإن كانت الأربعون كثيرًا جدًا. وحكي ابن المواز عن ابن القاسم أنه يفسخ إلى الأربعين فما فوق، وحكي أيضًا أنه يفسخ إلى الخمسين، فقد أجمعوا على فسخ النكاح في الخمسين.
وقال أصبغ: النكاح أبين وآمن من البيع والإجارة، وهذه المسائل كلها أوضح في الرخصة في تطويل الأجل من تطويله في عقد الراء، إذ ليس فيه إلا الخروج في العقد عن المعهود، ومثل هذا إذا وقع مردود لقول النبي ﵇: "من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد (١) " وكله صريح ببطلان ما ذكر من جواز الكراء إلى السبعين والخمسين والحمد لله رب العالمين.
وأما مسألة سحنون التي في نوازله فيمن حبس دارًا له على ولده وولده ولد الأتباع، ولا تورث حبسًا صدقة وهم صغار أو كبار، فأكراها المحبس من رجل خمسين سنة وأكثر، وقبض الكراء ثم مات بعد ذلك بيسير وهو مليء أو عديم، فأراد المحبس عليهم فسخ الكراء.
стр. 342
قال: اما حبسه على الأكابر فغير جائز؛ لأنهم لم يقبضوا حتى أغلق الكراء فيها ومات ولم يقم عليه، وأما الصغار إذا أشهد لهم بالحبس، وأغلقها بالكراء إلى هذا الآمد الذي لا يجوز له؛ فلا يجوز إلى هذا الأمد البعيد، ويفسخ ما فات منه وبعد. ويرجع المكتري بما بقي من نقدهم في مال الأب إن ترك مالا، وإلا فهو دين يطلب به في الآخرة، وإنما يجوز له أن يكري عليهم إلى مقدار بلوغهم.
فهي غير بينة في تجويزه الكراء إلى خمسين سنة لأنه لم يقصد فيها إلى الجواب عن هذا المعنى، ولا وقع عنه لا سيما وهو قد قال في جوابه فيها أنه إذا أغلقها فالكراء إلى ألأمد الذي لا يجوز له فسخ ما بعد منه، فالحجة بها ما بيناه وذهبنا إليه أظهر منها في تجويزه لذلك.
وفي مساع أشهب وابن نافع من مالك فيمن تصدق بدار على مواليه وأولادهم وأولاد أولادهم، فإذا انقرضوا فمرجعها إلى ولده، فلم تزل كذلك حتى لم يبق منهم إلى رجل واحد فأراها من بعض من له المرجع من ورثة المتصدق إلى عشرين سنة، فأنكر ذلك باقي ورثة المتصدق وقالوا: لا نجيزه، لأنا نخاف أن يموت هذا المولي في هذه المدة فتحتج أنت علينا بحيازتك، فقال إذا مات هذا المولي في المدة انفسخ الكراء، ولقد أكثر هذا في السني فليكتبوا عليه كتابًا بذلك يتوثقون عليه فه، فقد قال مالك في هذه العشرين سنة: لقد أكثر هذا في السنين.
ولابن الماجشون في النوادر، وذكره إسماعيل عنه: يجوز كراء ولي الحبس لما يراه يظن السنة والسنتين، وما يجوز مثله للوكيل، وأما بطول فلا يجوز؛ لأنه إنما يليها حيًا نفاذا مات اعرض حكمه.
وأما مكري ما مرجع رقبته لآخر بعده، فلا يلزم ما عقد فيه الكراء من مدة يبقى منها بعد موته شيء وإن قل، بخلاف ولي الحبس الذي ذكرنا إنما يلزم ما قل من عقده؛ لأن الذي إلى غيره المرجع ليس له أن يعقد على غيره، وإنما يكري لنفسه، فهو يجوز له أن يكري أربع سنين أو خمس.
وقد أكرى مالك منزله عشر سنين وهو صدقة على هذا الحال، واستنكره المغيرة وغيره، فما أبيح له في الوجيبة فيجوز له فيه؛ لأنه إنما يتسلفه لنفسه، وإنما الخطر في كثرة السنين؛ إذ قد نص عمره فرد ما بقي فصار سلفًا، ولا يدخل من الخطر في القرب ما
стр. 343
يدخل في البعد.
وقال ابن وهب عن مالك: من أسكن دارًا حياته فله أن يكريها السنة والسنتين وينتقد، ولا يرجع في المدة ولكن يكري قليلا قليلاً. وفي ثاني وصايا المدونة قال ابن القاسم: من أخدم عبدًا حياته فلا يبع خدمته من أجنبي، إلا لمدة قريبة السنة والسنتين والأمر مأمون، ولا يكريه إلى الأجل البعيد. وهو قول مالك.
وقال ابن أبي زمنين: يريد إذا انتقد، وكذلك الدار، ولا بأس بتطيول المدة إذا لم ينتقد إلا بما سكن، وهذا كله شاهد لما قلناه، والهدي من الله ولا يوافق له سواه.
واختصرت بعض ألفاظ هذه المسألة لقصدنا منها إلى ما استظهرنا به.
وأما ما اغترس في الرض المكتراة فرواية ابن القاسم عن مالك في المدونة أنه إذا تمت المدة فلعله المكتري، إلا أن يشاء المكري أخذه بقيمته مقلوعًا فله ذلك، ولا يكون للغارس قلعة حينئذ لقول النبي ﷺ "لا ضرر ولا ضرار (١) ".
وكذلك الغارس في أرض منحها ليغرس فيها لمدة سمياها فنقصت أو لغير مدة، وقد مضى ما يرى أنه منحها لمثل ذلك من الأمد، لرب الأرض أخذ الغرس بقيمته مقلوعًا يوم الحكم، وإن لم يشأ ذلك كلف الغارس قلعة، وحجة المكري ليبنيه والإذن أنه إنما يأخذه بقيمته مقلوعًا لأنه يقول: لم آذن لك في الغرس حين أذنت لك وأنا أريد أن أغرم شيئًا، وإنما أذنت لك لترتفق، وقد علم الغارس حين غرس بإذن أو كراء أنه يطلبه يقلع ذلك عند انقضاء المدة، فلم يغرس ولا بني إلا وقد أجمع على القلع لا على الإبقاء. قال ابن القسم: ورددته على مالك غير عام، فقال مثل ذلك.
وقال ابن المواز: يأخذه بقيمته مقلوعًا بعد طرح أجر من يقلع ذلك. وهذا خطأ من القول لا معنى له إنما يقوم مقلوعًا فأي أجرة قلع في هذا.
стр. 344
وذكر ابن حبيب عن المدنيين من أصحاب مالك في هذا وفي كل ما بني أو غرس بشبهة، لا بتعد: أنه إنما يأخذه رب الأرض بقيمته قائمًا، وقد شهدت شيخنا أبا عبد الله بن عتاب ﵀ يفتي بذلك، وخالفه أبو عمر بن القطان وأفتى بقيمته مقلوعًا على قول ابن القاسم وروايته، وبه العمل.
وهو أصح عندي في النظر، غير أنه يتوجه عندي في هذه النازلة أن يكون للغارس قيمة غرسه قائماً.
وله تفسير، انظره في الفروق قال: وإن أمضى الراء إلى انقضاء الأمد فله حينئذ أخذه بقيمته مقلوعًا، ومن هذه يستدل على أن لذلك المكتري قيمة ما غرس قائمًا إذا نقض باقي أمر كرائه إن لم يستوف الأمد الذي كان أكرى إليه.
وبهذه يستغنى إن شاء الله عن قول سحنون في مبتاع الحبس يبني فيه أو يغرس، وهو معروف لابن القاسم، أن يؤمر يقلع بنيانه وقنضه، وإن كانت الحجة آخرًا لسحنون، ذكرها ابن زيد في النوادر، ومنع سحنون فيها من أن يعطي مستحق الحبس قيمة البنيان للباني.
وفي غير النوادر اختلف في تفسير الواجب في ذلك البنيان، فقال سحنون في كتاب الشرح للمسائل لابن عبدوس: يؤمر الباني بقلع بنيانه إذ ليس ثم من يعطيه قيمة.
وقال ابن المواز في كتابه: أخبرني أصبغ وغيره عن ابن القاسم، قال: سمعنا مالك يقول فيمن حبس دارًا أو أرضًا على رجل حياته، فبني أو غرس ثم مات المحبس عليه - قال: إن أرضي صاحب الدار ورثة المحبس عليه الباني، وإلا أخذوا نقضهم وغرسهم، إلا أن يعطيهم قيمة ذلك مقلوعًا، فقد أعطاك ذاكر هذا في تأليفه أنه يجوز أن يعطي الباني في الحبس قيمة بنيانه أو غرسه بخلاف قول سحنون.
وفي شفعة المختلطة:
سئل مالك عن قوم حبست عليهم دارًا فبنوا فيها ثم مات أحدهمن فأراد بعض ورثته أن يبيع نصيبه من ذلك البنيان، فأراد إخوته الأخذ بالشفعة. قال مالك: مال الشفعة إلا في الأرضين والدور، وإن هذا شيء، وأرى لهم فيه الشفعة، ونزلت بالمدينة فاستحسن مالك أن يجعل فيها الشفعة.
وقال ابن عبدوس: قال سحنون: هو يقول ما بني في الحبس فليس له أخذه ولا بيعه
стр. 345
وهو حبسن قيل له: لعله أراد حبس عمري، قال: فبيع النقض إذا لا يجوز وينقض، ولا شفعة فيه لأنه بيع فاسد.
وهو قول أشهب، وقال: إنه لا يجوز بيعه إلا أن يباع في الضرورة لدين وشبهه، وقال: هو كالشريك يبيع حصته من العبد بعد عتق شريكه، فذلك غير جائز، هكذا في الباب الرابع من شفعة النوادر من قول ابن عبدوس إلى آخره.
وفي جنايات المدونة مسألة عتق الشرك نصيبه من عبد وهوموسر: أنه لا يجوز بيع الذي لم يعتق لحظة، لأن مبتاعه لا يدري ما ابتاع أنصف عبد أم قيمته.
وفي الحبس من المدونة فيمن حبس داره على ولده وولد ولده، فبني أحدهم في الدار بناء، وأدخل خشية ثم مات ولم يذكر ذلك. قال مالك: لا أرى للورثة فيه شيئًا.
قال ابن القاسم: هو عندي سواء كان قليلا أو كثيرًا. قال ابن القاسم: وإن قال خذوه فهو لورثته.
وقال ابن القاسم في التفسير الأول من العشرة: هو لورثة الميت قليلا كان أو كثيرًا، ذكره الميت أو لم يذكره. وفي المختصر الكبير عنه مثله، وهو نحو ما في الشفعة.
وقال المخزومي في يكتاب الحبس: لا يكون من ذلك محرمًا ولا صدقة إلا اليسير من المبتني وشبهها من الميازيب، وأما البناء الذي له القدر فهو مال من ماله.
وقد أوردنا في هذه المسألة من البنيان ما يغني عن تخرص فلان وفلان، والله المستعان، وذكرنا حكم ما يحدث في الحبس من البنيان تعلقه بما كان الفقيه أبو شاكر اعترض به من مسألة مسحنون على الحكم في القرابين الموضوع في الأرض المكراة لخمسين عامًا، وبالله التوفيق.
وكان سؤالهم إياي عنها وأنا حينئذ بأشبيلية في سنة ثمان وستين، ونقلت جوابي في هذا الكتاب من المسودة في صدر ذي الحجة في سنة أربع وسبعين بسبتة، والحمد له رب العالمين، وصلى الله على محمد خاتم النبيين وسلم تسليمًا.
القضاء في مسائل الغائب: من ذلك مملوكة غائب دفعت إلى البائع: غاب محمد بن أحمد الشرقي إلى العدوة عن قرطبة، وتخلف بها مملوكه فقامت بعد مغيبة بمدة عند الوزير صاحب الأحكام أبي بر محمد بن الليث، وذكرت أن سيدها غاب عنها وتركها دون شيء تنفق منه على نفسها، وأنه لم يرسل إليها شيئًا، وسألته النظر لها، فكلفها إثبات
стр. 346
ما يجب إثباته؛ إذ شكت الجوع، ودعن إلى بيعها بمن يموتها وينفق عليها، فأثبتت عنده ملك سيدها إياها ومغيبه عنها وأنه لم يتخلف عندها شيئًا لنقتها، ولا أرسل إليها، وأنها لا مال لها، ولا له مال تعدي فيه بنفقتها.
وشاور في ذلك فأفتى ابن عتاب وابن القطان: إذ قد ثبت ما ذكرت، فأمر من يبيعها ويقبض ثمنها للغائب، ويوقفه عنده له أو عنده ثقة غيره، حتى يقدم إن شاء الله، فحكم بذلك، وستأتي مسألة في طلب ويكل الغائب قبض هذا الثمن إياه، وطلب زوجه إياه بحق ذكرته.
وارث غائب له شريك في دار موروثه وطلب الورثة قسمة الدار:
من أحكام ابن زياد: فهمنا ما ذكره القاضي - وفقه الله - من أن عبد الله بن أصبغ أثبتت عنده موت زوجة عائشة بنت مهنا، وعدةورثتها، وهم: عبد الله زوجها، هذا القائم، وأخواها لأبيها: عبد الملك بن مهنا الغائب الشمرق، وفاطمة الحاضرة، وأثبت للميتة، شركاء في دار مع أخيها الغائب وأختها الحاضرة، وأنها أوصت بثلثها لأختها. وأعذر القاضي في الوصية إلى الحاضرين من ورثة الميتة عائشة بما وجب أن يعذر به، فلم يكن عندهم مدفع.
وسأل بعض الورثة قسم الدار التي ثبت حظ الغائب فيها، وثبت عند القاضي أن الذي يصير من الدار لأقلهم نصيبًا منها لا ينتفع به سكنى، بشهادة رجلين عدلين.
وسأل عبد الله بن أصبغ القاضي وفقه الله أن يأمر ببيع الدار إذ لا تحتمل القسم، وإذ لابد من بيع نصيب الميتة منها لتنفيذ وصيتها، ولما دعي إليه عبد الله زوج الميتة من بيع نصيبه منها وأن يوكل للغائب من يبيع عليه نصيبه، فأحب القاضي معرفة الواجب في ذلك.
فالذي نقول واله الموفق للصواب: إن على القاضي أن يوكل للغائب من يبيع عليه نصيبه من الدار مع من شركه فيها من الحاضرين، ويقبض الوكيل نصيب الغائب له إلى أن يقدم أن شاء الله، وتنفذ وصية المرأة من ثلث مالها، على ما يجب به التنفيذ إن شاء الله. قال بذلك محمد بن لبابة، ومحمد بن وليد.
وفي قولهما: إن بيع جميع الدار قد وجب على جميعهم ويضمون إلى ذلك؛ إذ ليس في نصيب أقلهم نصيبًا منفعة لسكنى كما قال الشهود في شهادتهم، وقال بذلك كله
стр. 347
أيوب ابن سليمان، وقالب: ترجأ الحجة للغائب.
في وصية أخته مثل قول أبي صالح، وقال أيوب: غنه لا يجب لبعض الورثة أن يسكنها فليخرج من فيها حتى تباع. وقال به محمد بن وليد، وعبيد الله بن يحيى.
قال القاضي:
في هذه المسألة وجوابها إفال، لم يذكر فيها ثبوتمغيب عبد الملك، إنما ذلك فيها حكاية غيبة الغائب بالمشرق، وكان يجب أن يشهد بمغيبه واتصاله، وأنهم لا يغرفونه رجع من مغيبه إلى حينالشهادة بذلك، ولا بين فيها حظ الميتة كم هومن الدار وإنما قال: وأثبت للميتة شركاء في دار مع أخيها وأختها، ولم يذر نصيبها من نصيبه، ولا ملكها لذلك النصيب، ولا ملك أخيها الباقي في الدار، ولا حيازتها. ولا يجب للقاضي أمر بقيمتها ولا بالبيع على الغائب حتى يثبت ذلك كله، واتصال الملك على ما يجب.
ووقع في سؤالها أن الميتة أوصت لأختها بثلثها وهي وارثتها، ولم يذكروا أن الوصية للوارث وهو إجماع إلا أن يجيزها الورثة، وبعضهم هنا غائب، وذكروا أنه أعذروا؛ الإعذار في شيء ناقص لا يفيد شيئًا.
وقالوا في جوابهم: وينفذ الوصية وصيها، ولم يذكر من هو، ولا أنه قبل الإيصاء أو امتنع منه، وهذا كله مما كان يلزم عمله واستقصاؤه، وفيه غير هذا.
وخصص ابن وليد في جوابه إرجاء الحجة للغائب في وصية أخته، ومن حقه إرجاؤها له في مبلغ نصيبه من الدار، وفي بيعه عليه؛ إذ قد يباع ببخس الثمن وفي الشهادة، فإن الدار تنقسم وإرجاء الحجة للغائب معمول به، ويأتي بيانه بعد هذا إن شاء الله، وقد مر بيان الإعذار في صدر الأول، وبالله التوفيق.
فيمن عنده كتب لغائب:
فهمنا - وفقك الله - ما قام به ابن أبي الحفاظ عن أخته في كتب، ذلك بأنها عند بن خالد الصابري ولدها المقتول قاسم بن أبي عثمان، لها فيه حق ولكنتها زوجة ابنها قاسم، وسأل عنها أن تأمر ابن خالد بإخراج الكبت لينظر فهيا بالذي يجب في ذلك: إن كانت أخته قامت في ذلك عندك، أو وكلت أخاها على الطلب وثبت توكيلها إياه عندك، أن ترسل إلى ابن خالد ليبعث بالكتب إليك، فتنظر فيها بما يجب إن شاء الله. قال بذلك محمد بن عمر بن لبابة، وابن وليد وسعد بن معاذ، ومحمد بن غالب، وعبيد الله بني يحيى.
стр. 348
قسمة دار الوزير ابن عامر بين ابنيه الحاضر والغائب:
أخبرني أبو عبد الله ابن عتاب أن محمد بن أحمد بن بقي شاورهم في قسمة دار ابن عامر المفصلة على دور التي بداخل مدينة قرطبة، وقال: إن ابنه الواحد الحاضر قام عنده وأثبت ملكها إياها وأنها مشتركة بينه وبين أخيه فلان الغائب بأشبيلية بنصفين، وأنها تحتمل القسمة وحيزت وأثبت مغيب أخيه المذكور.
قال: فأفتيت أنها فيها بالإعذار إلى الذي بأشبيلية لقرب الموضع، وإمكان ذلك بسلوك الطريق إليها وأمنه.
قال: وأفتى ابن القطان بالعهود منه يريد خلافة، قال لي، وقال ابن مالك: الإعذار في هذا وهم لا يحتاج إليه.
قال القاضي:
وكنت قد ذهبت إلى التكلم فيها مع ابن مالك فتوفي ﵀ قبل إمكان ذلك، وكانت وفاته سحر يوم الثلاثاء لإحدى عشرة ليلة خلت من جمادي الأول سنة ستين وأربع مائة.
وتوفي ابن القطان بقرية فاغة الفنداق المجاورة لقبره، ليلة الاثنين لتسع بقين من ربيع الأخير من سنة ستين المذكورة.
وتوفي أبو عبد الله بن عتاب سحر يوم الثلاثاء لعشرة بقين من صفر سنة اثنتين وستين.
وتوفي ابن أبي عبد الصمد يوم الجمعة وقت الظهر، لثمان بقين من ربيع الأول من سنة اثنتين وستين وأربع مائة.
رحمنا الله وإياهم، وكانوا أربعتهم يشاورون في واحد.
غائب طلب بمال وله على حاضر مال:
قامت عند ابن الليث ابن حريش مريم على السراج خلف وهو غائب، بعقد تاريخه رمضان سنة ثمان وخمسين وأربع مائة، لها فيه مائتا مثقال وستون مثقالا ذهبًا قرمونية، من ثمن دار كان باعها منها ثم صرفتها عليه بعيوب ثبتت فيها وأثبتت هذا العقد عنده ومغيب
стр. 349
خلف، شهد شاهد بمغيبه إلى ناحية قرمونة وشاهدان بمغيبه حيث لا يعلمان.
وقالت: لغريمي خلف علي أحمد بن فلان مائتا وعشرون مثقالا، وأظهرت إليه عقدًا أشهد خلف وأحمد فيه على أنفسهما أن خلفًا كان ابتاع من أحمد دارا كذا وحدها كذا بثمن مبلغه كذا، ثم اطلع فيه على عيب كذا وأثبته، ووجب له الرجوع بالثمن على أحمد وصرف الدار، فصرفها عليه وقبضها أحمد منه، وأنظره خلف بثمنها المذكور إلى أجل كذا، وحل الأجل.
وسألت مريم إنصافها من دين غريمها الذي له على أحمد، وحضر أحمد مجلس نظره وأقر بهذا العقد عنده، وأن الثمن باق لخلف عليه، وشاور فيما دعت مريم إليه.
فأفتى ابن عتاب:
إذ قد ثبت عندك ما ذكرت من المغيب وغيره كما وصفت، فالإقرار الذي حيت لا يكتفي به حتى يثبت عندك العقد الذي أقر به أحمد، فكلف مريم إثباته عندك؛ فإذا ثبت أمرتها بالحلف في مقطع الحق بما يجب عليها أن تحلف به، ويتقاضى يمينها من تقدمه لذلك، فإذا حلفت أمرت احمد بإحضار ما عليه ودفعه إليها، وتقيد ذلك كله من نظرك، وترجأ الحجة للغائب إن لم يمكن الإعذار إليه، والله أسأله التوفيق لجميعنا برحمته.
وأفتى ابن القطان:
قرأت خطابك ووقفت عليه، فأما ما ذكرت من ثبوت المغيب عندك، فرأيت شاهديه قد شهدا أنهما لا يعلمان مغيبه حيث هو، ومن تمام الشهادة عندي أن يقولا أن الغيبة بعيدة بحيث لا يعلمون؛ لجواز أن تكون غيبة قريبة، فهو كالحاضر، فإذا تمت الشهادة بذلك حلفت القائمة عندك بما يجب الحلف به، وأعديتها على أحمد بما أقر به، وإقراره لازم كاف وحكمت بذلك على الغائب وأرجأت له الحجة إلى قدومه إن شاء الله.
وأفتى ابن مالك:
شهادة الشهود بالمغيب مختلفة ولم تعرفنا من قبلت منهم، فإن كنت غنما قبلت شهادة عبد العزيز وأحمد فقط، أو كانت الطريق إلى قرمونة ممتنعة بالفتنة، فإنما في هذا عندي ما قد شرح لك في الجواب الأول، أرأيت إن أنكر الغائب ما أقر أحمد به من رد الدار عليه، فكيف يستغني في هذا عن ثبوت العقد الظاهر إليك بين أحمد وخلف وأنت لم
стр. 350
توجه إلينا شيئًا في ثبوت الرد عندك، وغنما نفتي بما جاءنا من عندك لا أزيد.
قال القاضي:
تكلمت فيها مع ابن عتاب وقلت له: لم لا يستغني بإقرار أحمد لخلف بالدين حتى ثبت، وقد أفتيت في مسألة الشركة إن إقرار ابن صفون للشريك الحاضر بشقق الخز التي أحضرها لازم، ويقضي بالشقق للحاضر الذي هو شريك الغائب.
فقال لي: لأن الشركة في هذه قد كانت ثبتت بين الحاضر والغائب اللذين أقر لهما ابن صفوان بالشقق، فكان إقراره بهذا أقوى، ولأن المشهد على نفسه بدين الغائب فيه ضعف حتى يحضر المشهد له، وكأنه أشار إلى التي في سماع يحيى في الشهادات أنه يفعل ذلك لموجب خلطة بينه وبين المقر له، ثم يدعي عليه بأكثر مما أقر له به، فتأملها. ومسألة ابن صفوان ستأتي بعد هذا.
قال القاضي:
وتكلمت أيضًا مع ابن مالك في جوابه وموافقته لابن عتاب، في أنه لا يكتفي بإقرار أحمد لخلف بالدين حتى يثبت. فقال لي: لابد من ثبوته وإن أحمد قد أقر به؛ لأن منحجة أحمد أن يقول: إنما أقررت بهذا الدين من هذه الدار التي بيدي، وجائز إذا أخذتم الدين مني أن يجحدني الغائب صرفه للدار علي بعيب أو غيره، ويدعي أنها باقية على ملكه، وأني ادعيت فيها أو غصبته إياها، فلابد لكم من الحكم بها فأكون قد بقيت صفر اليدين من الدار والدين، وإذا بقي قبلي الدين الذي أقررت به وجحدني عند قدومه وقضى له بداره؛ لم يكن له علي سبيل في غيرها، وأكون قد أحرت ثمنها لأني إنما أقررت به من سببها.
وأصلها في كتاب البضائع في سماع عيسى في سم العشور فيمن قال: ابتعت لك هذه الأمة كما أمرتني، وأنكر الآمر ذلك.
قال ابن القاسم: لا يطؤها المأمور وليبعها فإن كان فيها فضل دفعه إليه إلا أن له أن يخرجها إلى السوق ويستقصي في ثمنها، ثم يأخذها لنفسه ويعطيه فضلا إن كان فيها، ثم له أن يطأها.
قال: وليس جحده إياها إسلامًا منه لها إليه، فليعطه فضلها، ولو أعتقها وجحده كانت حرة، وإنما جحده ثمنها.
стр. 351
قال لي: وليست كالتي في رسم العتق من هذا السماع في كتاب العتق، إذ قال: بعت هذا العبد منك وأعتقته؛ فأد إلى ثمنه، وحده المدعي عليه، وقال: لم أبتع منك شيئًا.
فقال ابن القاسم: العتق ماض ولا شيء على المدعي عليه.
والفرق بينهما بين؛ لان هذا لم يقر بشيء وهو بيده فيحتج بإخراجه عنه، إنما ادعى شيئًا يريد أخذه فلا يقبل فيه، والأول إنما أقر بشيء هو بيده عوضًا عن غيره، فلا يخرج عنه حتى يسلم له عوضه. فتدبر ذلك.
أقرار ابن صفوان بشقق بيده لشريكين أحدهما غائب بفاس في العدوة:
قام عند الوزير صاحب الأحكام محمد بن الليث عبد الله بن خيرة بعقد استرعاء: يشهد من يتسمى في هذا الكتاب من الشهداء أنهم يعرفون محمدًا وعبد الله ابني خيرة بأعيانهما وأسمائهما شريكين متفاوضين في جميع أموالهما وتجارتهما وجميع أمورهما قليلها وكثرها، على هذه الحالة عرفوهما لم يتبدلا بها غيرها في علمهم إلى حين شهادتهم هذه، وتاريخها جمادي الأولى من سنة ثمان وخمسين وأربع مائة.
وأثبت عنده هذا العقد على نصه، وأن محمدًا غاب إلى ناحية مدينة فاس التي بالعدوة منذ عام أو نحوه، وحضر مجلس نظر محمد بن الليث مع القائم عبد الله بن محمد بن صوفان وبيده ست شقق مختلفة الألوان مستنعية منكسة الرسوم، وأقر عنده محمد بن أحمد أن عبد الله ذا وأخاه محمدًا الغائب دفعا إليه ذهبًا في استعمال عشر شقق، هذه الست منها، وصدقة عبد الله في ذلك، وثبت عنده إقرارهما ومقالهما، ودعا عبد الله إلى قبض الشقق فوقها الحكم، وشاور في ذلك.
فأفتى ابن عتاب:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، سيدي، ووليي، ومن وفقه الله وسدده؛ إذ قد ثبت عندك العقد المذكور بالمفاوضة، فشهد بما ثبت عندك منها وتعرف المحضر للشقق بثبوت ذلك عندك، وبتوثق بالإشهاد على دفعها، وإن أحضرها مجلس نظرك ودفعها فيه فهو أتم، وترجئ الحجة للغائب في ذلك، واليمين على عبد الله أن شركتهما لم يحلاها تضعف عندي، ولا أوجبها، والله أعلم بحقيقة الصواب، وإليه أرغب في التوفيق للجميع برحمته، والسلام على سيدي ورحمة الله.
стр. 352
وأفتى ابن القطان:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، سيدي، ووليي، ومن أرشده الله وعصمه؛ تصفحت ما خاطبتنا به، فأما كتاب الاسترعاء بالشركة فإن شهوده قالوا: إنهم يعرفون عبد الله ومحمدًا ابني خيرة، وأنهما شريكان متفاوضان في جميع أموالهما ... إلى آخر العقد، وهذه شهادة ناقصة لا يجب بها قضاء شركة بينهما؛ إذ لم يفسروا معرفتهم بها؛ إن كانت بإشهاد من عبد الله ومحمد أو بإقرار عندهم بذلك، لجواز أن يعرفوا ذلك بسماع يذكر، وهذا غير عامل، فلما جاز أن تكون المعرفة بذلك؛ لم يجز الحكم في هذا بالشركة، إلا بحق لا شك فيه ولا احتمال، ولا سيما إن كان الشهود من غير أهل العلم بهذا، فإن فسر الشهود المذكورون ذلك بالوجه الجائز حكمت بالشركة.
وهذه مسألة شاهدت الشورى فيها، وقد نزلت، وقال أبو محمد رحمهما الله بهذا، ونفذ الحكم به. وكان استظهر في ذلك بمثل العقد المذكور.
وأما ما ذكرت من حضور محمد بن أحمد بن صفوان، وقوله وإقراره بما ذكرت عنه في المقال المذكور، بمحضر عبد الله بن خيرة، وموافقته له عليه وتصديقه له، فرأيت للقاضي أبي بكر ابن زرب بخطه ورحمه الله، وقال في مسائل ذكره: أنه وقع في الكتاب الثاني من أحكام محمد بن عبد الله بن عبد الحكم: وإذا كان لرجل على رجل حق فكتب له إلى رجل له عنده مال من دين أو وديعة أن يدفع إليه ماله، فدفع الكتاب إلى الذي عنده المال، فقال: أما الكتاب فإني أعرفه وهو خطة، ولكني لا أدفع إليك شيئًا: فذلك له، ولا يحكم عليه بدفعه، ولا يبرئه دفعه إن دفع إذا جاء صاحب الحق فأنكر الكتاب، وكذلك لو قال: قد أمرني أن ادفع إليك ولكني لا أفعل، فذلك له؛ لأنه لا يبرئه ذلك إن أنكمر الذي له المال أو مات قبل أن يسأل.
ورأيت لسحنون غير هذا أنه يقضي عليه بدفع ذلك لإقراره بأمر صاحب المال له. وكل له وجه، فإن قادك الاجتهاد إلى أحد القولين بعد تحصين أمر الشركة؛ فقلد من رأيت. وكتاب ابن زرب ﵀ إياها يدل على استحسانه لما كبته، وإن أخذت بقول سحنون فأشهد على ذلك من حكمك، والله يليهم الجميع إلى الصواب وما فيه الخلاص والنجاة برحمته إن شاء الله ، والسلام عليك ورحمة الله وبركاته.
стр. 353
وأفتى بن مالك:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ: سيدي، ووليي، ومن وفقه وسدده وعصمه فيما قلده؛ يحسن أن تسأل اثنين من عدول البينة التي ثبت بها الاسترعاء عندك - عن وجه معرفتهما المفاوضة المذكورة، فإذا فسر لك ذلك أنهما علماء بإعلام المفتاوضين إياهما بذلك؛ أعلمت الشهادة وناب الحاضر منهما عن الغائب، وبدئ الدافع إلى الحاضر من تبعتهما؛ وذلك لأن هذا أمر قريب المأخذ عليك، فهو أتم وأطيب للنفس وأولى بالحسن، والله الموفق لنا ولك برحمته، والسلام على سيدي ورحمة الله وبركاته.
قال القاضي:
قول ابن مالك في جوابه: "فهو أتم" هو نص ما ذكره ابن العطار في وثائقه؛ لأنه قال في بعض عقودها للأوصياء ممن يعرف الإيصاء المذكور، ثم قال: إن قلت ممن يعرف الإيصاء بإشهاد الموصي إياه عليه فهو أتم، وهذا يدل أن الشهادة عنده تامة، وإن لم يبين الشاهد الوجه الذي علم منه ذلك.
وذكر هو وابن أبي زمنين وابن الهندي في مواضع من كتبهم ممن يعرف الإيصاء وممن يعرف التوكيل من غير تبيين.
وأخبرني الشيخ أبو عبد الله بن عتاب عن أبي عمر الأشبيلي أنه أفتى في مثل هذا: أن الشهادة تامة معمول بها، قال: ونحوه في أحكام ابن زياد.
وفي المدونة: إذا ثبت أنه مفاوضة ولم يشتركم، فكان التعويل على هذا أولى من التعويل على قول أبوي محمد يعني ابن الشقاق وابن دحون الذي حكاه أبو عمر ابن القطان في جوابه مستظهرًا به، ولا فرق بين هذا وبين شهادة الشاهد أنه يعرف هذا الدار وهذه الدابة ملكًا لفلان بن فلان، ولا يبين كيف وصل إلى علم ذلك.
وما حكاه عن سحنون فالظاهر عنه خلافه قال ابنه في كتاب كتب إلى شرحبيل - فيمن ثبت عليه دين فلم يوجد له مال، ثم غاب فأقر رجل أنه أودعه جارية أو ناضًا - فكتب إليه سحنون: ما أرى أن يقضي الحكم غرماؤه في المال الذي أقر له هذا به، هكذا في تفليس النوادر، وهو مثل قول محمد بن عبد الحكم، وكذلك قال ابن المواز وابن سحنون في هذا الأصل، ذلك كله عنهم ابن أبي زيد في مواضع من نوادره.
وقال في كتاب الوديعة بعد مسألة ابن المواز وابن عبد الحكم: وفيه قول آخر،
стр. 354
وأدخل من قول سحنون كتاب شجرة إلى سحنون يمن أتى الحكم، وقال: إن فلانًا دفع إلي أو بعث إلي دنانير، أنها لورثة فلان، وأن أدفعها بأمر فلان الحاكم كيف يجري أمر الحاكم فيها؟
فكتب إليه: ثبت عندك الورثة، وأقر هذا أن الغائب أمر بدفعها إليهم، كتب له الحاكم أنك ذكرت أن فلانًا أمرك بدفع ذلك إلى ورثة فلان بأمري، وأني أمرتك أن تدفعها إليهم، يريد بعد أن ثبت عندي أنهم ورثة فلان.
ووصل بها مسألة ابن عبد الحكم وابن المواز، ولم اكتبها هنا على نصها كراهة التطويل، وما أدري ما الذي عدل به عن ذلك هذا إلى ما رآه في معلقات القاضي أبي بكر بن زرب ﵀.
وفي التفليس من النوادر أيضًا:
قال حبيب: أتاني رجل برجل فقال: إن هذا معه بضاعة لفلان الذي بصقلية، ولي أنا على ذلك دين فأعدني في بضاعته هذه. فقال سحنون: نعم، فأعده إذا جاء بينة على ما ذكره.
وهذه رواية محتملة أن تكون كالتي ذلك عنه شرحبيل، ويحتمل أن تكون خلافها.
وقول أبي عمر في جوابة: "فإن قادك الاجتهاد إلى أحد القولين بعد تحصين أمر الشركة؛ فقلد من رأيت" إغفال وخطأ في الفقه، وخروج عن عرف اللسان في البيان.
فأما الخطأ فإبقاؤه الخلاف في المسألة بعد تحصين أمر الشركة؛ يريد في تبيين الشهود وجه معرفتهم للشركة، كيف كان، وهو إذا حصنها باستعادة عدلين يفسران وجه علمهما بالمفاوضة، وكملت شهادتهما على ما شرطه؛ فالحكم بها واجب، والخلاف عنهما مرتفع. وقد تقدم هذا المعنى في جوابه بينًا من كلامهم، إلا أنه لما أطال الكلام أنسيه وغفل عنه؛ فلم يذكره. وإنما الخلاف إن لم يكن الإقرار الذي بيده المال، ولم تقم بينه بالمفاوضة.
وأما الخروج عن عرف اللسان فقوله: إن قادك الاجتهاد إلى احد القولين فقلد من رأيت؛ لأنه يقتضي أمره إياه بالتقليد من رآه تقليده من غر قائلي ذينك القولين. فإن قيل: إنه أراد تقليد من رأيت قوله صوابًا من هذين القولين، فالمعنى متناقض؛ لأنه من قاده اجتهاد إلى اعتقاد شيء، والعمل به لا يسمى مقلدًا، بل يمسى باحثًا مجتهدًا، والتقليد لا
стр. 355
يكون إلا ممن لا اجتهاد له يؤديه إلى علم ما يقلد عالمًا فيه، وكان وجه الكلام وما قادك إليه اجتهادك من هذين القولين فاحكم به وأنفذه، وإن كان الحكم عنده جاهلا مقلدًا فكأن ترتيب الكلام ونظامه: وما تقلدت من هذين القولين فأنفذ القضاء به.
وقوله: وكتاب ابن زرب إياها يدل على استحسانه، لما كتب خال عن الفائدة داخل في الحشو الذي لا يخل منه بطائل إذ لا يجهل أحد أن ابن زرب لم يكتبه إلا مستحسنًا له مستزيدًا علمه به.
وإن قال إنما أراد باستحسانه لما كتب الأخذ واعتقاد الصواب فيه. قيل له: هذا ظن؛ إذا لم يخبر ابن زرب بذلك من اعتقاده، والظن لا يغني من الحق شيئًا وهو أكذب الحديث، ولا يلزم لحل من كتب خلافًا عن عالم أن يعتقد أنه الحق الذي يجب المصير إليه والعمل به، هذا هو المعروف المشهور في التآليف وأنواع التصاريف.
وكلهم أدخل أقوال العلماء المتضادة المختلفة ومذاهبهم المنافية غير المؤتلفة، مستحسين لعلمها والإعلام بها، لا ملتزمين للأخذ بجميعها؛ إذ كان من المحال اعتقاد الحرام والحلال في شيء واحد، لم يغيره حال إلى حال.
توقف ميراث غائب من ميت حاضر ثم ثبت موت الغائب قبل الحاضر:
غاب علي بن أحمد بن سعيد المعروف بابن الخراز عن قرطبة أعوامًا، وتوفي بعد مغيبة ابن عمه لحا محمد بن علي بن سعيد يوم الاثنين لاثنتين عشر ليلة بقيت من ذي الحجة سنة أربع وخمسين وأربعمائة، وورثته زوجته وأخته شقيقته وابنا عمه لحا عبد الله بن أحمد ابن سعيد والغائب علي، وثبتت وفاة محمد ووراثته عند القاضي سراج بن عبد الله، ووقف حظ الغائب على عند محمد بن يحيى بن الرفا.
وقام عبد الله عند صاحب الأحكام محمد بن الليث فطلب الحظ الموقوف لعلي، وقال: إن عليًا توفي قبل محمد، وأظهر إليه عقدًا تاريخه ذو القعدة سنة ست وخمسين، تضمن معرفة شهوده موت علي بالسماع المستفيض قبل تاريخه بثلاثة أعوام، وأثبته عنده ونصه: يشهد من يتسمى في هذا العقد من الشهداء أنهم يعرفون عليًا بن أحمد بن سعيد بعينه واسمه، وأنه غاب منذ عشرة أعوام عن قرطبة إلى جهة شرق الأندلس، واستوطن فيه، وأنهم سمعوا سماعًا فاشيًا مستفيضًا من أهل العدل وغيرهم منذ ثلاث أعوام متقدمة لهذا التاريخ أنه توفي هناك.