الحديث. فحملوا أمر المسجد على ذلك ولو جاور الجامع دار رجل لكان الحكم فيه كذلك، فإذا لم يجاوره أحد فلا يعلق منه شيء، ولم يتكلم الشيوخ في الجامع وإنما ذلك اجتهادي على قولهم والله أسال التوفيق.
وقال ابن القطان:
منع من غرز الخشب في جدار المسجد إن شاء الله .
وقال ابن مالك:
لا تعلق الحوانيت في جدار المسجد بحال، ولا لمن جاور مسجدًا أن يغرز خشبة في جداره البتة، وذلك بين والله أعلم بالصواب.
من ابتاع دارًا أحدث عليها باب أو غيره فأراد مخاصمة محدثه فيه:
كتب من يباسة قبل سنة أربع وأربعين وأربع مائة في رجل له دار ظهرها في زقاق لقوم غير نافذ، ففتح الرجل باب داره إلى هذه الزقاق، وبقى كذلك نحو ثلاثة أعوام، ثم باع القوم دورهم فأراد مبتاعها إغلاق هذا الباب المحدثن واحتج بأن ذلك قد كان للبائعين منه القيام به وأنه تدخل محلهم.
فجاوب ابن عتاب:
ليس للمبتاعين فيه كلام ولا اعتراض وإنما الكلام فيه للبائعين، فإذا لم يفعلوا حتى باعوا فهو رضي منهم إن شاء الله .
وقال أحمد بن رشيق: فقيه المرية مثله.
وقال ابن مالك:
روى ابن حبيب عن مطرف وابن الماجشون وأصبغ أنه لا كلام للمشتري في ذلك إلا أن يكون البائعون باعوا، وقد خاصموا في ذلك وعلى أن ليس له ذلك تدل المدونة يوجد ذلك في النكاح الأول منها.
قال القاضي:
يريد مسألة العبد ينكح بغير إذن سيده، ثم يبيعه ولم يعلم بنكاحه، فيريد مبتاعه فسخ نكاحه. قال ابن القاسم: قد سمعت عن مالك فيه شيئًا ولست أحقه وأرى أنه ليس لمشتريه أن يعترض فيه إلا إنه مخبر في إمساكه كذلك، أو رده على بائعه فإن رده فلبائعه فسخ ذلك النكاح أو إجازته.
стр. 632
وفي العتبة في سماع اشهب وابن نافع عن مالك في كتاب الأفضية ما يدل على خلافه، وكذلك في وثائق المعروف بالملون: أن للمبتاع القيام تعلى محدث الضرر على الدار التي ابتاع وكأنه وكيل للبائع في ذلك.
وفي مسائل حبيب بن نصر: سألت سحنون عن الزنقة غير النافذة لأقوام، وفيها أبواب دورهم، ودبر دار رجل إليها وليس له فيها إلا حائط دبر داره وكيف قديم في الزنقة يلصق هذا الحائط، وللكنيف قناة تخرج من هذه الدار التي ليس لها في الزنقة إلا هذه الكنيف، وهو مغطي والقتاة لم تجر فيها شيء منذ زمان، فأراد صاحب الدار فتح هذه القناة إلى الكنيف، ويجري فيها العذرة فمنعه أهل الزنقة، فقال: ليس لهم منعه إلا أن يدعو الكيف فيكشف عن دعواهم.
فأما إن لم يدعوه فهو لصاحب الدار بهذه الرسوم والآثار التي تدل على أنه لصاحب هذه الدار، قلت له: فإن كان قد باعها فقام المشتري يطلب كنس الكنيف وعمارته فقال له من ذلك ما كان للبائع صاحب الدار ويقوم مقامه، وهذا مثل ما في الوثائق وقال فضل على مسألة ابن حبيب: انظر هل يجوز هذا البيع على قول غير ابن القاسم على أن يكون على خصومته.
إحداث فرن بقرب دار:
أثبتت عاتكة عند الوزير القاضي بقرطبة أبي علي حسن بن محمد بن زكوان أن عبد الرحمن أحدث بقرب دارها فرنًا يؤذيها دخانه، وأعذر إليه فعالج ضرر قطع الدخان عنها، وأثبت ذلك عند القاضي، فاعترضت عاتكة بأن كون الفرن بقرب دارها ضرر عليها؛ لأنه يحط من ثمنها، وأثبت ذلك فجمع القاضي الفقهاء إلى مجلسه وشاورهم في ذلك.
فأفتى ابن عتاب:
بأنه لا كلام لعاتكة فيما ذكرته من حطيطة ثمن دارها لقرب الفرن منها إذ قد ارتفع ضرر الدخان عنها، قال لي ابن مالك: ووافقته على ذلك.
وأفتى أبو مطرف بن جرج وغيره:
أن ليس لعبد الرحمن أن يحدث على عاتكة ما يعيب دارها، وافقه على ذلك محمد بن سعيد أبي زعبل، فلما افترقوا من عند القاضي كتب إليه أبي زعبل محتجًا لقوله، وقول
стр. 633
ابن جورج ومن وافقهما: سيدي ووليي وعدتي، ومن أدام الله نفعه، وأبقى بركته، جمعت الفقهاء في دارك عمرت بك، وشاورتنا فيما ثبت عندك لعاتكة من ضرر الفرن الذي أحدثه عبد الرحمن متصلا بدار عاتكة، وثبت عندك أن ذلك مضر بدار عاتكة، ثم أثبت عندك عبد الرحمن أنه قطع الضرر عنها.
ثم أثبت عندك أيضًا عاتكة عقدًا ثانياً أن الفرن المحدث بلصقها ضرر وعيب كبير لاحق بدارها يحط من ثمنها، لقرب الفرن من دارها ولما يتوقع من وقوع النار في الأفران على العادة المفروفة فيها، وأنها لا تجد إن ذهبت إلى البيع من يبتاع منها الدار إلا بحطاط كثير من ثمنها.
فجاوبه فيه الفقهاء أبو المطرف بن جورج – سلمه الله – ومن تبعه على مذهبه: أن ليس لعبد الرحمن أن يحدث على عاتكة ما يعيب دارها، ويوقعها تحت ضرر ما تتوقع في الأفران من النيران على العادة في ذلك، واحتجوا فيه بقول الله تعالى: ﴿ولا تبخسوا الناس أشياءهم﴾ (الأعراف: من الآية ٨٥) وبقول الرسول ﷺ : "لقد أوصاني بالجار حتى كاد أن يورثه (١) " ومن ذهب إلى أن يحط من ثمن داره بإصلاح ما له فهو غير آخذ بما أمر الله به، وحض الرسول ﵇ عليه.
ومما يبين ما تقاله الفقيه أبو المطرف، ومن تبعه على قوله ما روي عن الرسول ﵇ من قوله: "لا ضرر ولا ضرار (٢) " والضرر عند أهل العلم أن تضر نفسك لتضر بغيرك، فكيف بمن أصلح مال نفسه بإفساد مال جاره وقد أمر الرسول ﵊، في حديث طويل في حجة الوداع، إذ جعل حرمة الدماء والأموال سواء، وحرمها وضمنها في العمد والخطأ، فكيف بمن قصد فساد مال أخيه المسلم بإصلاح ماله! ومن هذا وشبهه عن الرسول كثير.
وقد روي عن مالك في رجل وضع جرة زيت حذاء باب رجلن ففتح الرجل بابه ولا علم عنده بالجرة، وقد كان مباحًا له وغير ممنوع أن يفتح بابه ويتصرف فيهز فانكسرت الجرة فضمنه مالك من قول الرسول أنه تضمن أموال الناس بالعمد والخطأ،
стр. 634
فكيف بمن قصد إفساد مال غيره بإصلاح مال نفسه! وحديث الضرر، وحديث حجة الوداع غير منسوخي العمل بهما في جميع الأمصال على ما تقدم من التفسير، فيما فسره أهل العلم.
ومحال غير مسموح أن يعارض مثل هذين الحديثين وما قبلهما من القرآن من قوله: ﴿ولا تبخسوا الناس اشياءهم﴾ (الأعراف: من الآية ٨٥) من رأى أحد من الفقهاء أو يتأول عيهم غير ما جرى في كتاب الله وسنة رسول ﷺ ، فهم ﵃ كانوا أعلم بما أراد الرسول بالحديثين، وفسروا معانيهما، ومن تأويل عليهم غير ذلك فهو غير مصيب.
وذكر بعض الفقهاء المخالفين لأبي المطرف ومن وافقه أن مالكًا قال فيمن بني جدارًا في داره ورفعه حتى منع جاره الشمس والريح: أن ذلك جائز، وقال: هذا يرد ما قاله من قال: أن ليس لعبد الرحمن أن يبني فرنًا بقرب دار عاتكة إذ يحط ذلك من ثمنها ويعيبها، وليس كما قال لأن غيره أثبت عندك أن العيب لاحق بدارها لقرب الفرن منها ولما يتوقع من النيران.
ومن أقام حائطًا في دار الإلب من أمرالحائط السلامة، اللهم إلا إذا كان الحائط غير حصين يحذر تهدمه وإفساد دار جاره، فيجبر على دفع الخوف عن جاره وما يفسد به داره، كما قال مالك في مثل هذا الحائط، وفيمن أراد أن يلقي نارًا في شعراء أرضه، فقال: إن كان غررًا أو خوفًا على أرض جاره منع من ذلك. فأين فرق بين دار وأرض؟ ولولا أن يطول الكتاب لاجتلبت من قول أهل العلم في هذا كثيرًا.
ولما ورد هذا الكتاب على القاضي أرسل به إلى الفقيه أبي عبد الله بن عتاب ورأيته عنده في أسطوان داره، فكتب إلى القاضي مجاوبًا عنه مستدلاً لصحة قوله بجواب نسخته: عصم الله القاضي بتقواه، ووافقه لما يحبه ويرضاه، أعلمتنا في مسألة الفرن المحدث الذي قامت به عاتكة عندك فيه، وذكرت أن دخانه يضر بدارها، أنه قد ثبت عندك أن إحداثه كان قبل الشورى بأشهر ستة أو سبعة، فأوجبنا عقله الفرن وقطع عمارته إلى أن يثبت عندك يه، وذكرت أن دخانه يضر بدارها، أنه قد ثبت عندك أن إحداثه كان قبل الشورى بأشهر ستة أو سبعة، فأوجبنا عقلة الفرن وقطع عمارته إلى أن يثبت عندك محدثه ما ذلك من قطع ضرر الدخان.
فعرفتنا بذلك أنه ثبت عندك أن ضرر الدخان الذي قيم بسببه قد ذهب عن دار
стр. 635
عاتكة القائمة، وأنك أعذرت إليها في ذلك، فأثبتت عندك أن إحداث الفرن بقرب دارها عيب كبير يحط كثيرًا من ثمنها؛ إذ لا يقدم كثير من الناس على ابتياعها بسبب، ولا يجب – وفق الله القاضي – أن يراعى هذا ولا يتلفت إليه بعد ثبوت انقطاع ضرر الدخان.
والضرر فيما أجمعوا عليه من ذلك وما اختلفوا فيه منه مجمعون على أنه إذا قطع الضرر محدثه وزاله فلا يعرض له، ولا أعلمهم نصوا في انحطاط ما يحدث عليه الضرر إذا ارتفع الضرر تكلموا فيه، وفي تركهم النص عليه دليل بين أنه لو كان ذلك مما يجب أن يراعي ومنع بسببه محدثه لبينوه وذكروا، إذ قد تكلموا في معاني الضرر وأقسامه بما سطروه في كتبهم، وفي مسائلهم ما يدل على ذلك مما لا يجب أن يراعي.
والذي أقول به وأتقلده من مذهبهم قديمًا: أن جميع الضرر يحب قطعه إلا ما كان من رفع بناء بمنع هبوب الريح وضوء الشمس، أو ما في معناهما فإنه لا يجب قطع ذلك، إلا أن يثبت أن محدثه قصد به الضرر بجاره، وكذلك كل ضرر بؤول إلى انحطاط قيمة ما يجاوره لا يتعدى الضرر المحدث إلى شيء غير انحطاط القيمة الخاصة.
والدليل على صحة ما ذكرته من ذلك: ما وقع في كتاب حريم الآبار من المدونة، وهو: قلت: أرأيت الرجل يرفع بنيانه فيمنعني الريح التي كانت تهب في داري والشمس أيكون لي أن أمنعه من أن يرفع بنيانه إذا كان ذلك مضر لي في شيء من هذا الوجوه؟
قال: لا يمنع من هذين، وإنما يمنع إذا أحدث كوًا وأبوابًا يشرف منها، ولم نسمع من مالك في الشمس والريح شيئًا، ولا يمنع من ذلك.
وفي كتاب القسمة من المدونة نحو هذا، وزاد قلت أرأيت إن كانت لي عرصة إلى جانب دار قوم فأردت أن اتخذ في تلك العرصة حمامًا أو فرنًا أو موضعًا لرحى، فأبى علي الجيران فقال: إن كان ما تحدث ضرر على الجيران من الدخان وشبهه منعت من ذلك:
стр. 636
قلت: وكذلك إن كان حدادً واتخذ فيها كيرًا أو فرنًا أو رحى تضر بجدران الجيران قال: يمنع من ذلك.
فإنما رعى ابن القاسم في ذلك ضرر الدخان وما يضر بالجدر، ومعروف متى رفع به البنيان وقطع به ضوء الشمس أن القيمة تنحط بذلك فيما أحدث عليه الرفع ولو كان انحطاط القيمة يراعي في ذلك لذكره ابن القاسم وبينه، ولم يترك ذكره. هذا موضع الاستدلال بهذه الروايات.
وفي المستخرجة: سئل مالك: أترى من قول النبي ﷺ : "لا ضرر ولا ضرار" أن يستأذن الرجل جاره في خشبة يغرزها في جداره، فيأذن له ثم يغضبه فيريد نزعها؟ فقال: إذا أذن له فما أرى له نزعها على وجه الضرر؛ لأن النبي ﷺ قال: "لا ضرر ولا ضرار" فهذا منه. فأما إن كان احتاج إلى جداره لأمر لم يرد به ضررًا، رأيت للرجل أن يبني في جداره ويرفعه ما بدا له، وإن كان في ذلك مضرة على جيرانه، لأن الرجل يعمل في حقه ما أحب.
وقال أشهب في موضع آخر: وما احتكره الرحل في ملكه مما بجاره، فليس له ذلك إن كان يجد منه بدًا، ولم يضر ليه، فأما إن كان به ضرورة إليه فله أن يحتفر في حقه، وإن أضر بجاره، لأنه يضر به منعه كما أضر بجاره حفره، فهو أولى أن يمنع جاره أن يضر به في منعه له من الحفر في حقه؛ لأنه ماله.
وكذلك قال لي مالك فلم يرد مالك بقوله: إن أضر ذلك بجيرانه، وقول أشهب عنه: وإن أضر حفره بجاره أن ذلك ضرر دخان أو اطلاع؛ لأنه قد نص على المنع من ذلك، وفي مسائله وكتب أصحابه، وإذا لم يرد هذا النوع من الضرر فلا يتوجه قوله هذا إلا إلى ضرر يؤول إلى انحطاط القيمة أو ما يدخل في معناه.
وقد كان من فتي الشيوخ عندنا فيمن أراد أن يفتح بابًا في زقاق نافذ: أنه إن كان الزقاق ضيقًا نكب عن باب جاره إن أمكنه التنكيب، وإن لم يمكنه التنكيب لم يمنع من الفتح، وإن كان فيه ضرر على جاره.
وفي الواضحة: قال مطرف وابن الماجشون واصغ في الرجل يريد أن يبني وقربه أندر، وهو يحبس بنيانه الريح عن الأندر، فلا يمنع من البنيان في حقه وجد عنده مندوحه أو لم يجد، وإن كان في بنيانه بطلان الأندر لأن الأندر نفعه يصرف إلى غيره، ولو منع
стр. 637
هذا من البنيان في حقه لموضع الأندر لكان قد أضر به ومنع من حقه.
وإذا أحدث الأندر إلى جانب الجنان وأضر تبنه بها مع محدثه من هذا؛ لأن هذا بمنزلة الحمام والفرن يحدث في جوار الدار فيضر دخانهما بمن جاورهما، فإنه منع من إحداثهما، وليست من الأفياء التي ليس أحد أن يمنع منها أحد.
وفي الثمانية لأبي زيد نحو هذا، قال ابن حبيب في كتاب آخر، وهو كتاب السداد لحسين بن عاصم، نحو ما تقدم، وزاد قال عنه وعن عبد الله بن الحكم: وليس لأحد حجة في حبس ريح أو شمس أو قمر أو ما أشبه ذلك من الأفياء، وإنما الحجة في الأحداث التي أحدثها الناس بأفعالهم، فتكون من المضرة بأعيانهما، مثل مصب ماء أو فتح كوة يطل منها، أو ما أشبه هذا، فتلك الأحداث التي يمنع محدثها من إحداثها، قال عبد الملك وهو قول العامة وبه أقول.
ولسحنون في المستخرجة في بعض الروايات مثل هذا، وزاد سحنون كما لا يمنع من رفع بنيانه لمنع جاره من ضوء الشمس وهبوب الريح، واختلف قول سحنون في هذا، وقد اختلف هوله في الأندر اختلافًا كبيرًا، وإنما ذكرت هذه الروايات لقولهم: ولو منع هذا من البنيان لكان قد منع من حقه وأضر به، ولم يمنع الباقي من التصرف في أرضه وإن كان في ذلك مضرة على جاره، إذ ذلك الضرر مما لا يوجب قطعه عندهم.
وقد بينوا ذلك في آخر المسالة، وبينوا أن ضرر الحمام والفرن هو الدخان، ولم يذكروا انحطاط قيمة ولا غيرها. فتدبر ذلك وتدبر قوله أيضًا: وإنما الحجة في الأحداث التي أحدثها الناس بأفعالهم، فتكون هي المضرة بأعيانها، في ذلك المعنى الذي وصفته وفي المدينة وغيرها.
قال ابن كنانة فيمن له أرض في مجص فأراد أن يبني في هذا، وقال الذين حوله: لا تبن فيها، فإنك تضر بزرعنا. قال لا يمنع أن يبني ما شاء إذا كان له مخرج إلى الطريق في أرضه. فلم يراع أحد ممن تقدم قوله في شيء من هذه المسائل نقصان القيمة.
قال فضل: سئل يحيى بن إبراهيم عن الرجل يفتح بابًا في الزقاق النافذ أو غير النافذ فيطل منه على جاره وجدار جاره تصير نحو الحيطين وشبههما، فإن بني خيطًا ثالثًا ثم يطل عليه، فقال يجبر جاره على أن يبني خيطًا ثالثًا، وليس له أن يضر جاره، ولا يمنعه من فتح بابه إذا كان على هذا النحو. فتأمل – وفقك الله – إلى هذه المسألة وقد قال فيها فضل: إنها
стр. 638
جيدة، ولم يمنعه من فتح الباب، وألزمه بنيان ما لم يكن له حاجة إليه.
وكان الشيوخ عندنا قديما يختلفون في الرجل يجعل في داره رحى أو شبهه، مما له دوي أو صوت يستضر به، فذهبت طائفة منهم إلى المنع من ذلك، وطائفة لم تمنعنه، ورأيت فيها جوابً لابن عثمان بن عبد ربه ابتدأه بأن قال: قال أبو بكر عبد الرحمن: وإذا اجتمع ضرران اسقط الأصغر للأكبر، ومنع الرجل من الانتفاع بماله وضيعته التي يقوم بها معاشه أكبر ضررًا من الذي يتأذى بدوي الطاحن، فالضرر الأكبر عنده هو منع الرجل من التصرف في ماله، والضرر الأصغر هو اعتراض جاره عليه.
وإنما ذكرت هذه الحكاية عن أبي بكر بن عبد الرحمن، وهو أحد المشيخة السبعة، وهو موافق لما رواه أشهب عن مالك، وهذه مسألة قد نزلت قديمًا عندنا ولم نسمع أحدًا من فقهائنا جعل انحطاط قيمة ما يجاور ذلك ضررًا يمنع به من الإحداث، وإنما جعلوا الضرر في ذلك الدخان ومصب المياه وما شبهه.
ولم يذكر أحد من الموثقين في وثائقهم القديمة والحديثة وثيقة في معنى انحطاط القيمة، ولو كان ذلك مما يقضي به ويحكم لذكروه كما ذكروا وثائق الضرر؛ إذ ذلك مما يكثر نزوله بين الناس في القديم والحديث.
ومما يؤيد ما ذكرته من أن انحطاط القيمة لا تراعى: اتفاق الجميع فيمن أحدث فرنًا على فرن آخر قديم، أو حمامًا على حمام، أو رحى على رحى قديمه، ولا يضر المحدث من ذلك بالقديم في شيء من وجوه الضرر إلا في نقصان الغلة أو قلة العمارة أنه لا يمنع محدث ذلك من إحداثه، وليس لصاحب القديم اعتراض في ذلك، ومعلوم إنه إذا قلت العمارة أو الاستغلال أن القيمة تنحط، بل ربما آل ذلك إلى أن يبطل القديم بسبب ما أحدث عليه.
وفيما قدمت ذكره ما يدل على صحة ما قلته فيه واعتقدته ولكل مسألة تقدمت شاهد يؤيدها من الأثر والقياس والنظر، تركت ذلك إذ لم أقصد إلى الاحتجاج إلا الاستدلال أو الرد على من خاف قولي، وإنما قصدت إلى التبيان عنه على سبيل الفتوى، وما جرت به عادة شيوخنا – ﵏ – وإن أحب القاضي – وفقه الله – الوقوف على مواضع الحجة ووجوه الأدلة كتبت به إليه، والله أسأله حسن العون عليه، والتوفيق لما فيه النجاة لديه برحمته.
стр. 639
قال القاضي:
في كلام ابن أبي زعبل تخاذل لمن تدبره، تركته كراهة التطويل، والصواب، فيما ذهب إليه ابن عاب، والله أعلم.
قيام ابني ابن المراثي على زوجة العمري في ضرر ذكراه من دارها على دارهما:
قاما عند الوزير صاحب الأحكام وذكر أن في دارها غرفة فيها باب يخرج منه إلى سقف بين يديه من دارها ويجلس عليه، ويطلع منه على غرفة في دارهما الملاصقة لدارها بداخل مدينة قرطبة، وبحومة الجامع وأنه قد يصعد من هذا السقف إلى سقف دارهما، لقرب رفوفهما من رف ذلك السقف، ويكشف الصاعد عليها ما في قاعة دارهما.
وأثبت في ذلك ضررًا عليهما، وأعذر في ذلك إلى زوجها وكيلها أبي القاسم. فأثبت عنها أنه لا ضرر من ذلك الباب على دارهما إذ لا يقع بصر الناظر منه على شيء من دارهما، لأنه مفتوح إلى غير ناحيتها، وقال: إنه لا يخرج أحد إلى السقف الذي بين يديه وأعذر إلى ابني أبي المراثي فلم يكن عندهما مدفع إلا ما توجبه السنة، وشاور الحكم في ذلك.
فأفتى محمد بن فرج:
يا سيدي ووليي، تصفحت خطابك وما أدرجت طيه، وقد قال رسول الله ﷺ : "لا ضرر ولا ضرار" والاطلاع من الضرر الذي يجب قطعه، إلا أن الاطلاع الذي أثبته عندك أخو بكر لا يجب تطميس الباب، ولا قلع عتبته، إذ لا يطلع منه حتى يخرج إلى السقف، وإنما يجب أن تؤمر فاطمة أن تجعل على الباب المذكور شرجبًا وثيقًا عاليًا حتى لا يوصل منه إلى السقف الذي يطلع منه على دار بكر وأخيه.
وهذا كان راي القاضي محمد بن بيقي بن زرب، إذ نزلت هذه المسألة بعينها في أيامه فاقتد بالقاضي ﵀، فهو أهل من يقتدي به، وأنفذ ذلكعلى قاطمة، ولا منفعة لها في العقد الذي أثبت وكيلها أنه لا ضرر في الباب. ومن أثبت الضرر أعلم ممن نفاه إلا أن يكونوا عندك أعدل وأعرف من الآخرين وأبصر، فيجب حينئذ أن ترسل من قبلك من تثق بعد التهم وبصرهم إلى الدارين جميعًا.
فإن اتفقوا على الاطلاع نفذ قطعة بما ذكرناه، وإن اتفقوا على أنه من وقف على السقف المتصل بالباب لم ير من في دار بكر، ولا من في قصبته، ولم يتبين شخصه لبعد ما
стр. 640
بين الموضعين، بقي الباب على حاله وتقدمت إلى قاطمة وزوجها أشد التقدم ألا يصعد أحد على السقف إلا لإصلاحه أو لما لابد منه من سبب ما في عقد أبي بكر وأخيه أنه قد رأى السقف رجال، وكذا نساء، على حالة قبيحة وتغيير.
هذا وشبهه واجب وإنكاره لازمن والله تعالى نسأله لنا ولك خلاصًا جميلا برحمته، والسلام عليك يا سيدي ووليي ورحمة الله.
وأفتيت أنا:
يا سيدي ووليي، ومن أدام الله عصمته، وأجمل فيما قلده عاقبته: شهادة من أثبت شيئًا بشهادته أولى بالقبول من شهادة من نفاه – قاله غير واحد من أصحابنا وبه العمل، وهو دليل المدون والعتبية وغيرهما، فلا يلتفت إلى ما جاء فيه من خلاف لضعفه، وقلة قائله.
وقد ثبت لمحمد وبكر ما ذكرته من الضرر على غرفتهما وسقف دارهما، من باب غرفة فاطمة، فأحكم لهما بقطعة عنهما بما ذكره الفقيه أبو عبد الله محمد بن فرج في جوابه في وضع حاجز في الباب الشرقي، يمنع من التطرق منه إلى السقف الضار بدار بكر ومحمد، وقد خصت في ذلك معها في مجلس حكمك ورأيت اختيارك ما ذكره، أبو عبد الله من وضع شرجب في الباب المشتكي منه، فأنفذ ذلك من اختيارك؛ إذ هو اختيار القاضي أبي بكر ابن زرب، رواه عنه القاضي يونس بن عبد الله – رحمهما الله.
ونص ما حكاه عنه، قال – يريد ابن زرب -: من فتح بابًا إلى غرفة على دار جاره، لا يطلع عليه منها إلا بكلفة، مثل أن يدخل رأسه وشبهه، فإنه لا يسد ذلك عليه إلا أني أستحسن أن يوضع على الباب شرجب لئلا يدخل رأسه منه، قال يونس: فقلت له: هل رأي هذا لأحد، فقال: لا، إلا أني استحسنه وأفتيت به. هذا نص ما ذكره عنه، وهو إن شاء الله نظر حسن، والله تعالى يحملك على الصواب، وينفلنا جميعًا جزيل الثواب.
من سأل القاضي أن يبعث من ينظر إلى ما يدعي أنه أحدث عليه، وقال الآخر لا يبعث إلى مالي أحد:
من أحكام ابن زياد: قال قاسم للقاضي: ابعث من يكشف عما أحدثه علي عباس في أندر داخل جنان محدثة، وقال عباس: لا يجب أن تبعث إلى مالي حتى يثبت عندك ما يقوله، فإذا ثبت عندك نظرت بما يجب. قال عبيد الله بن يحيى: أما أنا فإني أرى اتبعث
стр. 641
معه من ينظر إلى الذي أحدث، إذ صار في داخل غلق لا يمكن أن يوقف إليه من يستشهد به، فإن شهد عندك رسلك أن الذي أحدثه مضر به أمرت بصرف الضرر عنه، وإن شهد بغير ذلك حملتهما على ما يجب.
وقال ابن لبابة: ليس للخصم مقال فيما احتج به؛ لأن الضرر الذي يدعيه قاسم في غلق ممنوع عنه، فلهذا نرى إرسال القاضي لمعاينة الضرر. وقال بذلك أيوب بن سليمان وقال: قد بعث النبي ﷺ حذيفة بن اليمان مع القوم الذي اختصموا في خصر، فقضي به حذيفة للذين كان القمط من قبلهم ثم أخبر به النبي ﷺ ، فقال: "أصبت (١) " وهذا الحديث أصلنا في الإرسال وفي معاقد الحيطان.
الشهادة في فرن وقناة أحدثا على دار رجل:
فهمنا – وفقك الله – الشهادات فرأيناها اجتمعت على إحداث الفرن وإضراره بدار عمرن واختلفت في معرفة القناة، فإذا عرفت من الشهود في القناة شاهدين، وكنت قد أعذرت إلى محدث الفرن في ذلك، فلم يكن عنده مدفع، فقد وجب عليه قطع ضرر الفرن، فإن لم يمكنه قطعه إلا بهدمه وجب هدمه، ولزمك الإشهاد للمقضي له بالحكم بالمقضي عليه وقطع الضرر، ويجري ما السماع في القناة على ما شهدوا به. والله نسأله التوفيق قاله ابن لبابة وأصحابه.
الحكم في قناة أنها محدثة وصاحبها يدعي قدمها:
قال ابن زمزم في القناة الجارية إلى الجنان: إنه لم يحدثها، وإنها لم تزل جارية على حالها، فالواجب – وفق الله القاضي – أن ينظر إلى هذه القناة رجلان تقبلهما، فإن شهد عليه بقدم، على ما يؤديه العيان، قبل لمن ادعى الإحداث: أقم البينة على ما ادعيت. وإن دل على أنها محدثة منع اضرر.
وإن أشكل الأمر فلم تقطع بينة بإحداث ولا بقدم وكان حالهما متوسطة أوجبت التوقف على البينة، قيل لمجريها: أقم البينة أنها جرت بحق وإلا فإن العداء ظاهر حتى يأتي بما
стр. 642
يسقطه إن شاء الله، وهذا يكون إذا ثبت الجنان لمن يذب عنها ويدفع. قال بذلك عبيد الله بن يحيى، ومحمد بن الوليد، ومحمد بن لبابة.
قال القاضي:
ولو شهدت البينة بقدم القناة على ما دلهم لعيان عليه، فمن تمام شهادتهم بذلك الشهادة بتحديد أمد القدم، بدليل معرفة لاختلاف أصحابنا في هذا الأصل، وقد قال سحنون في قناة جرت على دار رجل سنة: ذلك قليل والأربع حيازة واستحقاق ذكره حبيب بن نصر في سؤالاته.
وقد فرق في ذلك أيضًا بين ما ضرره متزايد وغير متزايد، وذلك كله في الأصول مبسوط لابن حبيب وغيره، وقد ذكرناه بعد هذا في مسألة الشجرة مختصرًا فتأمله.
في قنوات مقبرة عامر وركوب القاضي والفقهاء إليها بأمر الأمير وإعلام الأمير بذلك:
ركبت – أبقى الله الأمير – إلى مقبرة عامر كما أمرني أعزه الله منع من استركبته مع يمن أهل العلم وغيرهم فنظرت ونظروا إلى قدرات الدور الشارعة إلى الشرع والشارعة إلى الغرب فرأوا قنوات مغطاة تفضي إلى المقبرة ورأوا قناة الحمام مع بنيان دور مع المقبرة متصلة بها، تفضي إلى حفرة في المقبرة، فيها يستنقع ماء القنوات المغطاة والمصخرة وإلى حفرتين غيرهم، ويصب فيها مياه القنوات.
فرأى عبيد الله حفرًا تفضي إلى الحفر الكبيرة وقال: إنه لا يعرف ماء الدور منذ ثلاث وستين سنة مقبلاً إليها لم أر مشتكيًا لأذاه، ولا متكلمًا فيه إلى أيامنا هذه، ويعرف ماء الحمام من ذلك الوقت ينساب إلى حفرة ثانية لا يشتكيه أحد ولا يدعي ضرره.
وقال محمد بن عمر بن لبابة: قولنا في ذلك ما قد قلناه وكتبنا به إلى الأمير – أكرمه الله – أن القنوات المفدونة التي رأيناها مع القاضي – وفقه الله – يجب ردمها لضررها بالمقبرة وبالطريق وأنها لا مخرج لها فيما رأينا إلا المقبرة، ثم تمضي إلى الحفرة.
ورأينا أن تباع القنوات على وجه الأرض فيخرج منها ماء السماء وقت المطر، ويجري في مجاريه التي كان يجري فيها حتى يستقر في الحفر الثلاث، فإنه لا يستحق على المقابر والطريق ضرر إذ ليس للمقابر متكلم، إلا أن يقوم محتسب يرفع ذلك إلى الحاكم فإذا غبيت المجاري كان ضرره ظاهرًا، إذ ليس يستبين إلا بظهوره، ويقطع ضرر قناة الحمام عن المقبرة.
стр. 643
وقال محمد بن وليد: الذي قال ابن لبابة في هذا الحق عندي، وبقوله في ذلك أقول وأسأل الله التوفيق. وقال خالد بن وهب: نظرت إلى القنوات التي بالمقبرة المنسوبة إلى عامر، إذ استركبنا القاضي فقولي قد تقدم في ذلك على ما كتبت به إلى الأمير – أعزه الله – في الكتاب الأول وبه أقول، وأنا عليه أن المقابر مقابر – المسلمين – أحباس المسلمين ليس لأحد أن يحدث فيها شيئًا، ولا ينقصها بما يكون ضرر بها.
وأما مجاري دور الساكنين عليها فواسع لهم أن يجروها على وجه الأرض يسيل فيها ماء السماء، لا يمنعون من ذلك الافتراق الماء إذا خرج على وجه الأرض وقلة ضرره، وهو حينئذ كالمطر يسيل عليها، ولا يمنعون من ذلك وأسأل الله التوفيق.
وقال سعد بن معاذ: قد تقدم لي فيها إلى الأمير _ أصلحه الله – ما تقدم، وهو مثل ما قاله أصحابنا، وبه أقول. وماء الحمام ظاهر النجاسة، وهو ماء الكنف، وهو جار إلى حفرة المقبرة فينبغي قطع جريه فيها، ولا يترك. قال جميعهم بمثل قول ابن لبابةوابن وليد.
وأوصى الأمير إلى القاضي بالكف عن النظر في ذلك، فكتب القاضي: أتاني سعيد المغيلي ن أصحاب الرسائل فأعلمنا أن الأمير – أطال الله بقاءه – يا سيدي بأن أقرط كتابًا أتاني به عليه طابع الأمير – أكرمه الله – ويعلمني أن أكف عما كنت قد شرعت فيه مما أمرني به – أبقاه الله - من النظر في القنوات التي تخرج إلى مقبرة عامر.
وكتب الأمير في ذلك إلى عبيد الله بن يحيى ليعلمه بقدم هذه السواقي أو حدثها:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، أعلمنا بما عندك في السواقي الشراعة من دور الناس إلى حفرة مقبرة عامر، إن كانت قديمة لا يجب تبديلها عن حالها، أو مستحدثة مما يجب فيها النظر، فقد اختلف أصحابك وغيرهم في أسبابها.
وسبب ساقية الحمام المنسوب إلى ابن طملس، فقد أدركت من ذلك بالسن ما لم يدركه غيرك، ومع هذا فليس بين الحمام والحفرة التي إليها يصير ماؤه واساقية الخارجة من دار موسى بن زياد إلا يسير وإخال بعض السواقي التي فيها جاور مسجد منيقلة شارعة إلى حفرة غيرها مقاربة للدور والمساكن، إذ لا يكره من هذا ولا يقل إلا ما امتد وطال وبعد، فإن ضر ذلك إذا كان بين، فقل في هذا بما تستحسنه على ما أدركت منه، ومن قدمه وأوشك ذلك لتأمر فيه إن شاء الله والله المستعان.
стр. 644
جواب عبيد الله:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، أعز الله الأمير وأكرمه وأدام إقامة السنن به، الذي أدركت – أكرم الله سيدي – أني أعرف المقبرة من تاريخ خمس وأربعين ومائتين سنة، منذ ثلاث وستين سنة، على الحال التي هي عليه، تحضر الجنائز بها ما سمعت مخلوقًا تظلم في شيء من مجرى ماء دورها إلى أيامنا هذه.
وأعرف الدار التي صارت إلى موسى بن زياد لرجلين من التجار يسمى أحدهما عيسى والآخر منتيل، ولا اشتكى مجرى ماء دورهما إلى هذه الأيام، وأعرف ماء الحمام من هذه المدة وهو في دار خلد النار، وماؤه يجري إلى الحفرة التي فيها مجراه اليوم، هذا الذي عرفت – أكرم الله الأمير – سيدي لم أسمع متكلمًا ولا مستنكرًا لشيء منه إلى الوقت الذي تهيج فيه من تهيج والله أسأل الأمير إطالة البقاء.
الشهادة في كوة مفتوحة لمجرى ماء على دار رجل:
شهد عندنا أبو صالح أنه دخل دار عمر بن عامر، فنظر إلى كوة لمجرى ماء دار عمر على دار زكريا دل على أنها قديمة، ولم ير في الدار كوة لجري ماء دار عمر سواها، ولا مصب لداره إلا تلك الكوة، وفي شهادته أنه دخل دار زكريا فنظر إلى حفرة الفرن المحدثة قبالة الكوة التي نظر إليها في دار عمر لقرب ما بينهما. وفي شهادته: أن دخان ذلك الفرن المحدث وحره مضر بعمر في داره، وشهد سعد بن معاذ بمثل ذلك.
فهمنا – وفق الله القاضي – الشهادتين الواقعتين في هذا الكتاب فرأيناهما اجتمعتا على إحداث الفرن والإضرار بدار عمر، واختلفت في معرفة القناة، فإذا عرفت من الشهود شاهدين مع شهادة أبي صالح أنه نظر إلى كوة لمجرى ماء دار عمر على دار زكريا، ولم ير في الدار كوة مجرى ماء دار عمر سواها، ولا مصب لماء دار عمر إلا تلك الكوة، وشهادة ابن معاذ بمثله.
وكنت قد أعذرت إلى محدث الفرن في ذلك ,أجلته آجالاً، فلم يكن عنده مدفع، فقد وجب على المحدث قطع ضرر الفرن، وإن لم يمكنه إلا بهدمه وجب عليه هدمه ولزمك الإشهاد للمقضي له الحكم على المقضي عليه بقطع الضرر وغمضاء القناة يجري ماء السماء على ما شهدوا فيه. قاله ابن لبابة، وعبد الله، وابن غالب، وابن وليد.
стр. 645
إباحة الدخول في دار رجل للنظر إلى قناة له:
فهمنا – أكرمك الله – ما تناظر فيه ابن مرزبان عن زوجه وأصبغ عن نفسه، فالواجب على أصبغ أن يبيح الدخول إلى القناة لينظر إليها كيف هي، وقد نزل مثل هذا لمحمد بن سلمة فأشرنا بجمعاتنا عليه بهذا الفعل. قاله أيوب بن سليمان.
الشهادة إلى هذه القناة بالنظر إليها تشق بيت أصبغ وداره إلى الخندق:
فهمنا – وفقك الله وسددك – ما قامت به أمة الرحيم بنت حريس من أن قناة دارها اليت يربض مسجد أبي الوليد، تخرج بحشوش ما يقع فيها بيت أصبغ المعروفة بابن البقية مدفونة ثم يخرج على بيته وتشق داره حتى تفضي إلى الخندق، وقول أصبغ أن الدار داره، وأنكر أن يكون عليه قناة لدار أمة الرحيم لكنيف أو غيره.
فهمنا منا ذكرته من إرسالك إلى معاينة القناة من وثقت به، وشهدوا عندك بمعاينة القناة بشق من دار أمة الرحيم على بيت اصبغ في داره حتى تقع في الخندق، وقالت أمة الرحيم: إن أصبغ سد القناة، فرجع ما كان يجري فيها إلى دارها وأضر بها وسالت عن الواجب في ذلك.
فالذي نقول به: إن لم يكن عندك أصبغ مدفع في شهادة الذين وجهتهم لمعاينة ذلك، أن يلزم مرور القناة على بيته على ما كانت تسلك فيه، وينهي عن سدها، ويقطع أذاه عن أمة الرحيم، ويمنع من ذلك. قاله ابن لبابة، وابن وليد وأيوب بن سليمان، وإن دفع أصبغ في الشهود الذين بعثهم القاضي لمعاينة ذلك بدفع يسقط شهادتهم بعث غيرهم أبدًا؛ لأنه أمر حاضر وشيء ظاهر، وقال عبيد الله، وابن غالب.
أبراج الحمام وإضرار النحل بها:
كشفنا من حضرنا من أهل العلم عما رفعه إلينا بعض أهل البوادي من عمل قرطبة، من أن لهم أبرجة حمام قديمة، أن قومًا من أهل تلك البوادي أحدثوا عليها نحلا اتخذوها يف تلك البوادي، في كشورو وى، وأن ذلك النحل يضر بحمام الأبرجة في مسارحها عند الماء وغيرها حتى بحجر الحمام وربما أضر في القوائل بالماشية عند شربها الماء.
فقالوا نرى – والله الموفق للصواب والمعين عليه – لو لم يكن في هذا غير قول الرسول ﷺ "لا ضرر ولا ضرار" لكان قولاً شافيًا كافيًا مغنيًا عن كل قول وموجبًا عن لقطع الضرر، وأن يمنع متخذ النحل من اتخاذها، فكيف وهو قول أصحابنا، وقد
стр. 646
وقعت هذه المسألة بعنيها في كتاب السلطان من المستخرجة: أنه لي لأحد أن يتخذ نحلاً تضر ببرج حمام قديم، وما أعلم بينهم في ذلك اختلاف، وأسأل الله أن يحضرك التوفيق والرشد والتسديد. قاله ابن لبابة، ومحمد بن وليد، وسعد بن معاذ، ويحيى بن سليمان وغيرهم.
مسألة أخرى مثلها:
قال أبو عبد الله بن وليد: الذي نقول به أن كل ضرر يحدثه الرجل على جيرانه فهو ممنوع منه؛ لقول رسول الله ﷺ : "لا ضرر ولا ضرار" وليس يكون من الضرر شيء أبين من أن يأتي الرجل فيدخل على أهل القرية ما يهلك حمامهم ويؤذ في صبيانهم، فيجب أن يمنع هؤلاء من إدخال الأجباح في دورهم ويقصروا على ذلك إن شاء الله، ولا يستطاع الاحتراس من النحل والحمام، كما لا يستطاع الاحتراس من البهائمولا ضرر أعظم من اتخاذ ما لا يستطاع الاحتراس من أذاه. وقاله ابن معاذ، وابن لبابة، ويحيى بن سليمان.
قال القاضي:
قولهم في المسألة التي قبل هذه: وقد وقعت هذه المسألة بعينها في كتاب السلطان من المستخرجة أنه ليس لأحد أن يتخذ نحلا يضر ببرج حمام قديم، وهو خطأ وتصحيف للتي في الكتاب المذكور، وأظنهم كتبوا ذلك في جوابهم متكلين على حفظهم فخانهم الذكر وغلب عليهم النسيان الذي هو آفة علم الإنسان، إنما في كتاب السلطان في بعض الروايات، وهو أيضًا في كتاب الجدار:
وسئل عيسى بن دينار:
عن الحمام والنحل يضر بشجر القوم إذا نورت وبكرومهم، أيمنع صاحبها من اتخاذا عليهم، ويؤمر بإخراجها؟ قال: نعم، أو ما يشبه ذلك الماشية تعدوا على الكرم والشجر والزرع، وحفظ الزرع ونحوه على ربه؟ قال: لا يشبه النحل الماشية؛ لأن النحل والدجاج الطائر والحمام لا يستطاع الاحتراس منها، كما يحترس من الماشية، ألا ترى أن الماشية الضارية لفساد الزرع تغرب وتخرج، فما أستطيع الاحتراس منه فهو كالماشية لا يؤمر صاحبها بإخراجها عنهم، وقد قيل فيمن له كواء في حائطه أو عرفته تجتمع فيها البراطيل فتؤذي الناس في زروعهم: إنه يؤمر بسدها.
стр. 647
قال القاضي:
هذا ما في بعض كتاب روايات السلطان من هذه المسألة، وذكرها ابن حبيب في كتاب البنيان والأشجار والمياه والأنهار. قال: سأل مطرفًا عمن اتخذ نحلاً في قرية تضر شجر القوم أو اتخذ برجًا فيه حمام وكواء للعصافير تأوي إليها، ويأخذ فراخها وهو تؤذي كما يؤذي الحمام في الزرع. قال هذا كله من الضرر، ويمنع من اتخاذ ما يضر الناس في زرعهم وشجرهم.
ولا يشبه النحل والحمام الماشية؛ لأن النحل والحمام طائر لا يستطاع الاحتراس منها كما يستطاع ذلك في الماشية، ألا ترى أن مالكًا قال في الدابة الضارية بفساد الزرع التي لا تحترس منها إنها تغرب، وتخرج وتباع على صاحبها، فانحل والحمام أشد وكذلك الدجاج الطائرة والأوز وشبهها مما لا يستطاع الاحتراس منه.
قال وسلت أصبغ عن ذلك، فقال لي: النحل والحمام والأوز والدجاج عندنا كالماشية، لا يمنع صاحبها من اتخاذها، وإن أضرت وعلى أهل القرية حفظ زروعهم وشجرهم وهذا أن ابن القاسم يقول.
قال ابن حبيب: وليس يعجبني هذا، وقول مطرف في ذك أحب إلي، وبه أقول، وهو الحق إن شاء الله، ولابن كنانة في المجموعة نحو قول أصبغ؛ لأنه لا يمنع قال: وأكره أن يؤذي أحدًا، وقال غيره لا يمنع صاحب البرج من اتخاذ منافعه في جداره وبرجه ولا من اتخاذ الدجاج والأوز وعلى أهل الزرع حفظه بالنهار.
قال القاضي:
هذا الموجود في كتابنا في هذه المسألة، وأما ألا يتخذ نحلاً على برج حمام قديم، فليس في أمهات كتبنا بمعلوم، وإنما هي النازلة التي جاوبوا عنها وأنكرنا قولهم أنها في كتاب السلطان بعينها، والله ولي التوفيق.
في شجرة قديمة مظلة على دار:
إذا ثبت به مخلد كتب به على نفسه أنه التزم قطع ما اظل من زيتونه على دار آمنة، ودفع الضرر عنها، قطع إلا أن يعذر بجهالة، وكان مثله يعذر، فإن عذر بجهالة وحلف بالله: ما التزمت ذك إلا وأنا أظن أنه يلزمني، نظر حينئذ في الزيتونة، فإن كانت قديمة
стр. 648
سنين فما فوقها لم يقطع، وإن كانت غير قديمة قطع الضرر عنها. قال بذلك عبيد الله بن يحيى، وابن لبابة، أيوب، وابن وليد.
وقال يحيى بن عبد العزيز: يلزمه ما ألزم نفسه، وقال ابن لبابة: العشر السنين في الضرر قليل وهي قوله كانت تروي عن أصبغ بن الفرج، والذي روي عن أصبغ وعرف قوله، وسمعت بعض مشايخنا المفتين يقول: لا يستحق الضرر.
قال القاضي:
انظر جعلوا الضرر يستحق بحيازته عشرة أعوام فأزيد بمحضر الذي أحدث عليه، وقال ابن لبابة: هي قوله الأصبغ وجعلوه هنا كسائر ما يستحق من الأموال بطول الحيازة بمحضر القديم بعدها، وهذه القولة وقعت لأصبغ في نوازله في كتاب جامع البيوع من العتبية في مسائل ماء من دارك على دار جارك، وتركت نقل المسألة كراهة التطويل.
والقول الآخر عنه في كتاب آخر كتاب الاستحقاق فيمن أحدث كوة أو بابًا على دار غيره أو أندرًا على جنانة أو ميازب على حائط وهو حاضر ينظر ولا ينكر ولا يغير قال: لا يستحق هذا في السنين الخمس ولا العشر بعد أن يجعلوا له أنه ما كان عن رضى ولا تسليم إلا أن يطول بالدهور الكثيرة جدًا، يحمل على ذلك أنه حق يستحق بالحبازة، وقال ابن حبيب في شرح قول النبي ﷺ : "لا ضرر ولا ضرار": هما كلمتان بمعنى واحد رددتا توكيدًا في المنع مننه، وقد يأخذه تصريف الإعراب فالضرر الاسم والضرار الفعل.
وقوله: "لا ضرار" أي لا يدخل على أحد من أحد ضرر وإن لم يتعمده، "ولا ضرار" أي لا يضار أحد بأحد. ووجوه الضرر كثيرة تستبين عند نزول الحكم فيها، منها دخان الحمامات والأفران وغبار الأندار ورش دباغ الدباغين إذا أضر ذك بمن جاوره، قيل لمحدثه: احتل له وإلا فاقطعه، وسواء كان قديمًا أو محدثًا.
ولا يستحق الضرر بالقدم إلا أن يكون الضرر أقدمن المتأذي به، ولا تكون الحيازة في أفعال الضرر حيازة تقوى بها حجة محدثة، بل لا يزيده تقادمه إلا ظلمًا وعداء. قال في آخر المسألة: هكذا فسر لي من لقيت من أصحاب مالك عندما كشفتهم عنه، وفي المسألة طول اختصرته.
стр. 649
وفي كتاب السداد:
سئل عيسى بن دينا عمن له منصب حيتان صاد فيه أعوامًا، ثم شكى جيرانه أن ذلك يضر بهم، واحتج هو باستحقاقه ذلك عليهم هذه الأعوام، قال: لهم أن يمنعوه.
قال القاضي:
وهذا نحو ما ذكره ابن حبيب، ونحو أحد قول أصبغ، وقد تقدم لسحنون في مصب ماء على دار جاره أنه يستحقه في الأربعة الأعوام.
وقال ابن أبي زمنين: رأيت في مسائل سئل عنها يحيى بن إبراهيم بن مزين، ما كان من الضرر يبقى على حال واحدة لا يزيد، كفتح الباب والكواء يطلع منها وشبه ذلك، فإن محدثه بمحضر ممن أحدثه عليه؛ يستحقه في مثل ما يستحقه به ما يحاز بطول الزمان، وما كان ضرره يتزايد كالكنف؛ فلا يستحقه محدثه بطول حيازة ويقطع عن المستضر به متى قام فيه، وكذلك الدباغ لأنه مما لا يبقى على حالة واحدة، قال: وهذا الذي علمناه ولم نزل نسمعه.
قال القاضي:
وقول الشيوخ في ملتزم قطع الشجرة: أنه إن قال: جهلت أنه لا يلزمني، وكان ممن يعذر بالجهالة؛ حلفه على ذلك ولم يكن عليه أن يقطع: وهو أصل مختلف فيه. قال ابن القاسم في رسم أمهات أولاده، فمن تصدق على ابنه بدنانير وعمل له فيها فمات وهو في يديه، فانفذها له الورثة ثم أرادوا الرجوع فيها: الناس في هذه مختلفون، أما أنا فأرى أن يحلفوا – أن كانوا معرفين بالجهالة – أنهم إنما انقذوها له، وهم يرون أن ذك عليهم يلزمهم، ويرجعون فيها فيأخذونها، وهذا جواب الشيوخ في مسألة مخلد الشجرة.
وفي كتاب الصدقة أيضًا في نوازل سحنون:
فيمن تصدق على أخيه بنصف ماله في مرضه مرضًا ليس مندفًا دام به سنين يخرج في حوائجه يقضيها، وقبض أخوه الصدقةوجازها سنين، ثم مات المريض المتصدق، فقام ورثته على المتصدق عليه وقالوا: لا تجوز لك هذه الصدقة لأنها كانت في المرض، وإنما لكل منها الثلث، وقد سالنا عنها الفقهاء، فقالوا هذا؛ فرد إليهم ما زاد على الثلث، ثم علم أن الصدقة كلها جائزة.
قال سحنون: ومن يعلم أنك جاهلاً أن جميع الصدقة لك، أنت تدفع مالك
стр. 650
بعد ما حزته ثم تدعي الآن الجهالة؟ ما أرى لك فيما دفعت إليهم حقًا، فقال السائل: أنا أقيم البينة أنهم قالوا لي: لا يجوز لك من الصدقة إلا الثلث، وأن الفقهاء أخبرونا بذلك، فقال لهم: أما إن أقمت البينة على هذا فأرى أن ترجع عليهم بما أخذوا.
ونحوه في نوازله في آخر الدعوى فيمن قتل رجلاً له وليان، فصالح أحدهما على نصيبه بألف دينار، ثم صالح الآخر بألف، إذ خاف القتل، ثم أخبر أنه لا قتل عليه فقام على الثاني ليسترجع منه خمس مائة دينار، فقال سحنون: لكل واحد منهما ألفه والصلح جائز إلا أن يثبت عند الحكم أنه إنما صالح الباقي وهو يرى أن له قتله فيرجع حينئذ بخمسمائة دينار.
وفي الشهادات في نوازل أصبغ في هذا الأصل إلا رجوع له ولا قول، وكذلك في سماعه في كتاب النكاح، وفي رسم أوصى لمكاتبه في التخبير، وهو أصل مختلف فيه كما قال ابن القاسم.
قال أبو عبد الله بن عتاب:
سمعت شيخنا القاضي أبو عبد الرحمن بن بشر يقول غير مرة: كان أبو عمر أحمد بن عبد الملك الإشبيلي يقول لنا: سبعة أشياء لا يعذر فيها بالجهالة مدعيها.
قال القاضي: وكان لا يذكرها لنا وإذا سألناه عنها لم يشرحها لنا.
قال القاضي:
فتتبعت ذلك إلى وقتي هذا فلم أجد إلا بعضها، ثم أخرج إلى كتابه الذي علقها فيه فكتبتها من خطه وقرأتها عليه وهي: إذا قام الشفيع أكثر من عام وهو عالم بشفعته ثم أراد الأخذ بها وادعى الجهالة فإنه لا يعذر، وفي كتاب الأخبار إذا علمت الأمة أنها أعتقت فوطئها زوجها ثم أرادت أن تختار نفسها وادعت الجهالة فإنها لا تعذر.
وفي كتاب الرجيم: إذا وطء المرتهن الجارية الرهن وادعى الجهالة حد ولم يعذر، وفي كتاب السرقة: من سرق خرقة أو ثوبًا لا يساوي ربع دينار فأكثر أنه إن كان سرق نم ذلك ما يسترفع في مثله قطع ولم يعذر بالجهالة، وفي التخبير في رسم إن خرجت من سماع عيسى، فيمن ملك امرأته أمرها فقضت بالبتة فلم يمكر عليها، وادعى الجهل وظن أن ذك لا يلزمه وإراد أن ينكر عليها حين علم فإنه لا يعذر بالجهالة.
стр. 651
قال ابن عتاب:
فتتبعت ذلك فوجدت منه مسائل كثيرة، منها: حديث مرغوس في المقرة جهلا بالزنى، قال لا يعذر أحد فيه اليوم من العجم وغيرهم، وذكر ابن حبيب عن أصبغ أن يدرأ فيه الحد عمن جهل تحريم الزنى ممن يرى أن مثله يجهله كالصبي وشبههم، وفي سماع ابن القاسم: سئل مالك عمن أسلم من العجم فأتى حدًا لا يعذر بالجهالة ويقام عليه الحد.
وفي كتاب الصلاة من سماع يحيى عن ابن القاسم فيمن خير امرأته فطلقت نفسها واحدة، فيقول: ليس ذلك لك، فتقول فإذا ليس ذلك لي فأنا طالق البتة، قال: لا أرى ذلك لها من أجل أنها تركت ما جعل بيدها فلم تقضي فيه بما يجوز لها، وإن قالت ما كنت أعلم أن لي بالتخيير إلا واحدة فلما تبين لي طلقت بالبتة، فلا يقبل منها ولا تعذر بما اعدت من الجهالة.
وفي المستخرجة في كتاب التخيير من سماع عيسى ع ابن القاسم فيمن ملك امرأته أمرها فقالت: ثم صالحها بعد ذلك قبل أن تسأل ما قبلت أنها تسأل، فإن قالت: كنت طلقت بقولي قد قبلت اثنتين أو ثلاثًا فالقول قولها إلا أن يناكرها فيحلف على ما نوى، قل له أيناكرها، وهي في غير مكله؟ قال: نعم ذلك له.
وإن قال: لم أنو شيئًا فالقضاء ما قضت. فإن قالت: كنت طلقت اثنتين فالصلح ثلاث ولا تحل له إلا بعد زوج، وفي البتة لا تحل له أيضًا إلا بعد زوج، وإن قالت: كنت طلقت ثلاثًا فلم يناكرها فليس عليه أن يرد ما أخذ منها لأنها حين صالحت علمت أنها لم تطلق ثلاثًا وإن ادعت الجهل لم تعذر.
قال القاضي أبو الأصبغ:
اختصرت بعضها وفي كتاب الشهادات في نوازل سحنون، قال أصبغ: قال ابن القاسم: من استحلف اباه في حق له عليه سقطت شهادته وإن جهل أن عقوق، وكذلك قاطع الدنانير جاهلا بكراهيته.
وفي سماع أصبغ فيمن استحلف أباه وأخذه بحد فحد له لم تجز شهادته وإن جهل أنه عقوق، وقال: إن عذر بالجهالة في هذا عذر أيضًا في أشياء كثيرة من ارتكاب الحرام وشبهه فلا أرى أن تجوز شهادته، وروي المقامي عن ابن حبيب في غير الواضحة عن أصبغ قال ابن القاسم في الذي يقطع الدنانير والدراهم جاهلا بكراهيته، ويستحلف أباه
стр. 652
في العقوق جاهلاً أنه عقوق: لا تجوز شهادة هذين وإن كان جاهلين.
وفي كتاب ابن المواز وابن القاسم أنه لا تجوز شهادة قاطع الدنانير والدراهم إلا أن يعذر بالجهالة. وقال فيمن وقع له على أبيه يمين في حق أنه يحلفه، وكذلك الحد يجب له عليه أنه يحد له إن أحب فإن أحلفه أو حده لم تجز شهادته، وإن عذر بالجهالة يم ينفعه ذلك.
وفي كتاب الأكرية من سماع بن حبيب نقلته من أصله بخطه، وقال: وسألت أصبغ هل يجوز للرجل أن يكري الدابة لحمل طاعماه إلى رحى سماها، وحمله من الرحى مطحونًا إلى داره ولا يؤقت وقتًا لحبسه الدابة؟ فقال لي: إذا لم يكن ذلك في إبان حمل الأنهار أو في إبان كثرت الناس واجتماعهم والأوقات التي يكون فيها الحبس على الطحين وطول اللبث على ذلك فلا بأس به، وإن كان ذلك في أبان خوف الحبس واللبث فلا خير فيه إلا مؤقتًا.
قال: وإن كان في غر إبان الحبس ثم أتى الحبس من علة رحى أو ما أشبه ذلك فإنه إذا انقضى من الوقت مثل ما كان يعرف قبل ما حدث من العلة والحبس أخذ دابته ولم يكن عليه انتظاره الطحين إلا أن للمكتري أن يكريها راجعه من الرحى على مثل حمل طعامه إلى مثل موضع داره.
قلت: فإذا جهل ذلك ورد الدابة، وهو يرجوا أخذها إذا طحن؟ قال لا شيء له، ولا يعذر بالجهالة، فإن اشترط أنه متى طحن أتى لأخذ الدابة، وهو يرجو أخذها إذا طحن؟ قال: لا شيء له ولا يعذر بالجهالة، قلت: فإن اشترط أنه متى طحن أتى لأخذ الدابة، وهو في إبان خوف الحبس واللبث؟ لا يجوز ذلك إلا على الوقت كما فسرت لك.
وفي الدمياطية لابن القاسم في المرتهن: يرد الرهن إلى الراهن إن ذلك خروج من الرهن ولا يعذر بالجهالة.
وفي الواضحة فيمن باع جارية وقال: كان لها زوج فطلقها أو مات عنها، وقالت له الجارية ذلك؛ لم يجز للمشتري أن يطأها، ولا يزوجها حتى تشهد البينة على الطلاق أو الوفاة، فإن أراد المشتري ردها وادعى أنه ظن أن قول الجارية والبائع في ذلك مقبول: لم يكن له ذلك، وإن كان ممن يجهل معرفة ذلك وقد لزمته بعينها.
стр. 653
وفي سماع ابن حبيب
سمعت أصبغ يقول في المظاهر يطأ قبل الكفارة أنه يعاقب؛ جاهلا كان أو عالمًا.
ولأشهب في ديوانه فيمن أعتق أم ولده ثم وطئها في العدة وأدعى الجهالة أنه لا يعذر لذلك والحد لازم كما لو زنى رجل وزعم أنه لم يعلم بتحريم الزنى، وفرق أشهب بين المعتق والمطلق ثلاثًا أو البتة يطأ في العدة، فقال في المطلق: لا يجد ويلحقه الولد، وهو موضع شبهة لأهل الجهل وكذلك المطلق قبل الدخول ثم يطأ يلحقه الولد ولا حد عليه ولا عليها، وذكر ابن حبيب عن أصبغ في الموصي إليه يشتريى نصرانية فيعتقها: ثم يجز ويضمن الوصي وإن أخطأ أو جهل.
وفي سماع ابن القاسم:
سئل مالك عن رجل علي صيام الظهار فصام ذا الحجة، فقال: لما صام وهو يعلم أنه مفطر؟ فقيل له: قد كان ذلك. قال أحب إلى أن يبتدئ الشهرين وإن بنى على صيامه فعسى أن يكون له في ذلك سعة، وما هو بالبين، قال ابن القاسم: أرى أن يبتدئ الشهرين، ولا تنفعه الجهالة؛ لأن الله تعالى يقول في كتابه: ﴿فصيام شهرين متتابعين﴾ (النساء: من الآية ٩٢): فلا تنفع أحدًا جهالته فيما خالف كتاب الله.
وفي الشهادات من سماع ابن حبيب:
وسألت مطرفًا عن تارك شهود الجمعة، وهو ممن يجب عليه حضورها، هل يجرح ذلك شهادته؟ فقال لي: سمعت مالكًا يقول: من تركها من غير مرض ولا عذر؛ لم تجز شهادته. قال مطرف: وذلك إذا تركها مرارًا ولم يعرف له عذر في تركها، وشهادته مطروحة حتى يثبت عذره ويظهر ولا يعذر في ذلك بجهالة.
وروي عن مالك ابن أبي حبيب قال: قلت رجل وأنا حديث السن: ما على الرجل يقول: على مشي إلى بيت الله ولم يقل: على نذر مشي، فقال لي رجل: هل لكان أعطيك هذا الجرو – لجرو قثاء في يده – وتقول علي المشي إلى بيت الله؟ قال: فقلت: نعم، فقلت وأنا يومئذ حديث السن، ثم مكث ما شاء الله حتى عقلت فقيل لي: إن عليكم مشيًا فجئت سعيد بن المسيب فسألته فقال: عليك مشي، فمشيت.
قال مالك: وهذا الأمر عندنا. قال أبو عبد الله: وحكم الجاهل في مسائل الصلاة حكم العامد سواء لا يعذر بالجهل فيها، وكذلك الحج يستوي فيه الجهل والعمد والنسيان
стр. 654
في كثير من وجوهه.
قال مالك في الموطأ:
من نتف شعرًا من أبطه، أو من أنفه، أو طلي جسده بنورة، أو حلق عن شجه في رأسه لضرورة، أو حلق قفاه لموضع المحاجم وهو محرم؛ ناسيًا أو جاهلاً، فعليه في ذلك كله الفدية إن فعل شيئًا منه، ومن قذف عبدًا فظهر أنه قد كان أعتقه قبل ذلك فالحد يلزم، ولا يعذر بجهل العتق، وكذلك إن لم يعرف العبد بعتقه، فقذف أو شرب مسكرًا أو زنى فحده حد الحر. والمرأة يغيب عنها زوجها فتنفق من ماله ثم يأتي نعيه أنها ترد ما أنفقت من حين توفي وإن كانت جهلت موته.
والبيوع الفاسدة حكم الجاهل في ذلك حكم العامد في جميع الوجوه، ومن اشترى أباه أو أحدًا ممن يعتق عليه جاهلاً بذلك لم يعذر بالجهالة وعتق عليه، فإن اشتراه عبده المأذون أو مقارضة فكذلك.
قال القاضي:
هنا انتهى ما جمعه الشيخ أبو عبد الله بن عتاب ﵀ مما لا يعذر فيه بالجهل فاعله، وما قصر رحمة الله عليه ورضوانه.
التنازع في طريق إلى كرم داخل كروم أو أرض بين أرضين:
كان لرجل كرم بين كروم لأناس شتى متلاصقة، وكانت قد تبورت، فكان صاحب الكرم يسير إلى كرمه من حيث شاء لا يمنع ثم عمر أرباب الكروم كرومهم، فمنعوه من الدخول عليها، وكان قبل عمارتهم لها بالغرس قد سلك على الأرض إلى كرمه نحو ستة أعوام، فلما غرس الأرض ربها وأدرك الغرس منعها من السلوك عليه أو سكتت له الأربعة الأعوام أو نحوها بعد الغرس. ونزلت ببياسة فكتبت بها إلى قرطبة قبل سنة أربع وأربعين وأربع مائة قلت: وكيف إن كان في موضع الكرم أرض بيضاء ما العمل في ذلك؟
فكتب إلي ابن عتاب:
الأرض البراح مخالفة لما قد حشر عليها وصرف إلى موضع يدخل منه، فإن كان لأهل البلد سنة في الفدادين والأحقال حملوا عليها، وإلا فإن كان صاحب الأرض المجهولة المدخل يعلم أن مثله يجهل ذلك لمغيب أو صغر يكون قد ورث الأرض وهو صغير أو
стр. 655
غائب يجهل أمرها، فيلزم ل من جاوره اليمين أنه لا مدخل له على أرضه، فمن حلف برئ ومن نكل كان عليه المدخل.
وإن كان صاحب الأرض ممن يعلم أنه لا يخفى عليه ذلك ولا يجهله قيل له: لا يمين لك على من يجاورك بهذه الدعوى التي لا تحققها، فإن حققت دعواك على أحد لزمته اليمين أو يصرعها عليك فيحق بذلك ما تطلبه وإلا فلا شيء لك فلما وردني جوابه هذا أعدت سؤاله عن الحكم كيف يكون إن حلفوا أجمعوا أو تكلموا أجمعون.
فكتب إلي: ليس عندي من الجواب إلا ما جاوبتك به إلا أنه أظهر إلى بعض أصحابنا مسألة كتب فيها إلى يحيى، فأجاب فيها، تشبه مسألتك في اللفظ، وتخالفها في المعنى، وهي كتب عثمان بن غازي إلى يحيى بن يحي بن يحي في رجل كانت له أرض، وقد أحاط بها أرض قوم فغرسها، فكان يختلف أحد الشركاء إليها على أرض من جاوره، فسد القوم أرضهم بالسد، ومنعوه الممر فيما سدوا عليه، فوقف لا يجد ممرًا إلى كرمه، فكتب إليه أن يؤمروا أن يجعلوا له طريقًا إلى كرمه على غير مضرة بهم ولا به ثم يتراد القوم هذا الممر بينهم حتى تكون على جميع من كان يختلف عليه.
وكتب ابن القطان إلي.
قي مسألتي إذا لم يثبت لصاحب الكرم الداخل طريق على واحد من المانعين له، فلا طريق له عليهم وإنما يقول له الحكم: إن أثبت عندي شيئًا حكمت لك له، إلا أنه إن ادعى أن له طريقًا على أحدهم وحقق دعواه حلف له المدعي عليه، فإن نكل حلف المدعي، وقضي له بما يدعي من الطريق.
وأما سلوكه المدة التي ذكرت فلا حجة له في ذلك إن لم يحتج بسكوت المسلوك عليه، وإن قال هو ملكي ومالي وطريقي إلى كرمي؛ فعلى رب الكرم أن يثبت أن الأصل له وأن مروره هذا محدث، فإن أثبته قضي له بدفع محدث الطريق إن شاء الله وكان في جوابه إصلاح اعتذر منه كما يعتذر في الوثائق.
قال القاضي:
ورأيت بعد ذلك في هذا المعنى كتب إلى بكر بن وافد فيمن له أرض فغرسها كرمًا وحوله أرض جيرانه وقرابته غير محظور عليها، فكان يختلف إلى كرمه من حيث أمكنه
стр. 656
عشرين سنة أو نحوها، ثم غرس جيرانه وقرابته أرضهم من كل ناحية، وأغلقوا عليه فمنعوه الاختلاف إلى كرمه من كل ناحية، فأجاب ليس لهم أن يغلقوا ما يقطعون بإغلاقه السلوك إلى أرضه إن شاء الله.
وفي كتاب البنيان والأشجار لابن حبيب:
وسألت أصبغ عن أرض لرجل في وسط أرضين لقوم كان ينتجعها بالحرث والحصاد على فدان من لم يحرث فدانه تلك السنة، فأراد أن يتخذ بنيانًا في أرضه تلك فمنعه أصحاب الفدادين المحيطة به، وقالوا: تطرق علينا وتضر بنا فداديننا إذا زرعنا. هل يمنع مما أراد من البنيان في أرضه؟
فقال لي: لا يمنع من ذلك وهو يمر إلى أرضه من حيث كان يمر مرة من هذه الأرض إذا لم تزرع ومرة على هذه الأخرى إذا زرعت، ويمنع من أن يضر بالقوم في زروعهم. قلت: فإن أراد كل واحد منهم أن يغلق على أرضه ببنيان أن بحظير البستان كيف يصنع صاحب الأرض المتوسطة؟ قال: يمنعون مما ذكرت حتى يجتمعوا له على ممر يتركونه له من أرض من شاءوا منهم، وذلك على كل من كان هذا المتوسط يختلف على أرضه إلى ارض نفسه.
قلت فإن اختلفوا في هذا الممر؟ فقال لهم المتوسط: اتركوا لي ممرًا واسعًا يحملني وماشيتي وجميع حوائجي، وأبى القوم من ذلك. فقال لي يحكم له عليهم بمثل الممر الذي كان له في أرضهم من قبل البنيان منهم، ومنه على حال ما كان يختلف إليها بماشيته.
وإن لم يكن يختلف قبل ماشيته لم يكن عليهم أن يتركوا له ممر ماشيته وكذلك إذا أراد هو البنيان وحده. ولم يردوا هم بنيان أرضهم، وتركوها للحرث والزرع كما كانت، فاحتاج من المنافع من دخوله إلى أرضه وخروجه منها إلى أكثر مما كان يحتاج أولاً؛ إذ كان يختلف إليها للحرث فقط فإنه يمنع من البنيان؛ لأنه استحقاق لأكثر من حقه. قال وسئل ابن القاسم عن ذلك فقال مثله.
وفي حريم البئر من المدونة:
فيمن له بئر يحول بينه وبين أرضه أرض جاره، فمنعه الجار من الممر إلى العين. قال ابن القاسم: سمعت مالكًا يقول فيمن له أرض حوله أرض للناس مزروعة فأراد أن يمر بماشيته إلى أرضه في زروعهم إن كان ذلك يفسد فلهم أن يمنعوه.
стр. 657
وفي المجموعة:
سئل سحنون عن طريق الفدادين، فقال: إن كان لهم أمر معروف حملوا عليه وإن نظر، فإن كان أهل الفدادين من سبق منهم إلى حرث فدانه لم يقدر أحد أن يشقه، ودار أصحابه من وراء ذلك فليس لأحد على أحد طريق، وإن كان إذا حرث أحدهم شقوا أرضه وسلكوا في حرثه طريقًا قد عرف ذلك فهو على ما عرفوا ليس لأحد أن يغيره.
وفي الأقضية:
في نوازل سحنون في أهل منزل يحجز رجل على حق له، وارض يغرسها وكان أهل المنزل يسلكون فيها طريقًا هم وغيرهم فقاموا عليه فقالوا: قطعت طريقنا فأنكر أن يكون طريقًا لهم لازمة، فأتوا هم إلى الحكم ببينة أنهم يعرفونها طريقًا سلكها الناس منذ عشرين سنة، ويأتي رب الأرض ببينة أنها طريق محدثة بلا حق.
قال سحنون هذا كثير ما يكون بين المنازل، ويختصر الناس في الأراضي وربما قطعها الحرث، حتى ربما كانت القرية تؤتي من غير طريق، وربما تساهل الناس في أرضهم لاستبعادهم عن ذلك، فإذا ثبت أن هذه الطريق من تلك الأرض فليست بلازمة لرب الأرض إلا أن تكون الطريق الحاملة التي تركب من غير وجه، ويطول ذلك، وتقطع مدة كرية الزرع في اتساعها، وطول زمنها الخمسين والستين سنة فأما الطريق المختصرة فليست بحجة على صاحبها، إذا ثبت ذلك كما ذكرت لك.
وفي رسم المكاتب من سماع يحيى:
ذكر الأفنية وفي كتاب السلطان في رسم طلق وغيره من هذا الأصل وفي قسمة المدونة مسألة من له نخلة في أرض رجل، تركنا جلب هذا وغيره كراهية التطويل، ويما ذكرناه ونبهنا عليه تبصرة لمن استبصر وتذكرة لمن أراد أن يتذكر.
ادعى أن واليا بجيان غصبه منزله فأمر الأمير بالنظر هل:
فهمنا – وفق الله القاضي – بطاقة حسنة وتضرعًا لرجل من أهل جيان ملهوف بأمرك الأمير – أصلحه الله – بالنظر لصاحب هذه البطاقة بالحق والسنة وكشفتنا عن وجه النظر فيها، وكانت شكية الرجل صاحب البطاقة بعامر بن أبي عامر وأنه غصبه منزله في أيام ولايته كورة جبان، فوجه النظر أن تحمل هذا القائم إثبات موت عامر بن عامر وعدة ورثته وغصبه إياه هذا المنزل، فإذا أثبت ذلك أعذرت إلى ورثته ثم تنظر بينهم بما
стр. 658
يظهر لك إن شاء الله. قال بذلك محمد بن لبابة، وعبد الله بن يحيى، وأيوب بن سليمان، ومحمد بن وليد.
مسألة ابن نيرة وابنه المقتولين من مماليك منية العجب واعتقال أموالهما لينظر فيها:
مد الله القاضي في النعمة، وللمسلمين في بقائه ودوام أيامه أنت والله نسأله حياطتك في كشفك عن الواجب عليك في جميع نظرك على أفضل ما كان عليه سلفك ﵀ أخذًا بالحيطة لنفسك ولمن تنظر له، فحاطك الله وحاط بك الذي أحببت – وفقك الله – معرفته في أمر ابن نيرة المقتول، وابنه المقتول معه، وأنهما في ديوان القضاء على اسم مملكة.
وأن من كمان بمينة العجب موقفًا لعمارتها إنما كان في عبيد مسمين قد سميت نساؤهم وأولادهم في كتاب المدون للقضاة، وحجرت على العبيد في نكاح الحرائر، فلم قتل ابن نيرة وابنه أشكل عليه أمرهم، ولم تعلم أهما من أبناء الحرائر أم من أبناء الإماء؟ ورفع رافع أن لابن نيرة مالاً، وقد تخلف ولدًا صغيرًا، ولم يزل الله يحوط بك الصغير والكبير، والحضار والبادي.
فالذي يجب عليك اعتقال مال ابن نيرة من وجهين: أحدهما أنه إن كان من أبناء الإماء هو وابنه المقتول والصغير الباقي، فلما له حكم وإن كان في نفسه من أبناء الحرائر انتقل الحكم إلى غير ذلك إن كان ابنه مثله.
ولو لم يكن هذا المعنى قائمًا لكان عليك النظر للصغير في جميع ماله كما لم تزل تفعل في مال غيره فمره – وفقك الله – باعتقال ذلك ومعرفة مبلغ المال ثم تجمع أهل شوراك فتفصل بما يجتمع عليه قولهم – إن شاء الله – فقد كان في أيام القاضي ابن سلمة مثل هذه القضية في رجل مات منهم وأنت باستقصائك وموالاتك بالمشاورة لا تعدم التوفيق – إن شاء الله – قال محمد بن غالب وعبيد الله وابن لبابة وأبو صالح ومحمد بن وليد.
من لزمه حد ولم تعرف حقيقة بلوغه:
قال ابن لبابة إنما يعرف البلوغ بالسنين كما فعل النبي ﷺ إذ رد ابن أربع شعرة سنة ومن جهلت سنوه؛ ففيه للصحابة حكم في المهري اختلفوا فيه بالإسكندرية إن كان بالغًا أو غير بالغ، فأمر أبو بصرة الغفاري بالنظر إليه إن كان أنبت فيحكم له بالبلوغ،
стр. 659
وإن كان لم ينبت لم يحكم له به ولا يفرض له في المغانم، والعمل في الإسلام على هذا إن وجدت من يقطع عل ولادة، وإلا فقد نظرنا إليه لم ينبت وحسبك هذا حكمًا من أصحاب النبي ﷺ .
صبي أسلم وأراد الرجوع إلى دينه: أتاني – رحمك الله – صبي لم يبلغ فأسلم وصار عند رجل فضمه إليه ابتغاء ثواب الله فتردد عليه أبواه يريدان رده إلى دينهما، والغلام يأبى، فلما كان البارحة أتاني والده فأعلمني أن ولده يريد الرجوع إلى والديه ودينهما، فاكتبوا غلي بما يجب في ذلك.
قال ابن لبابة:
فهمت ما ذكره القاضي، فإن كان الغلام قد عقل، مثل أن يكون ابن عشر سنين أو ما زاد فليتشدد عليه ويهدد ويوعد عليه، فإن لج في الرجوع إلى دينه برئ به إلى أبويه ولم يبلغ به القتل ولا يكون هذا معجلا حتى يبلغ، ثم تكون الفتيا على ما مضى في الجواب، وأسأل الله التوفيق.
غلام أسلم ثم عاد إلى النصرانية دينه:
كتب القاضي إلى عبيد الله بن يحيى – حفظك الله وأبقاك – أتاني – رضي الله عنك – غلام من النصارى يريد الإسلام، فأسلم على يدي وكتبت إسلامه وأشهدت عليه، فلما كان بعد أيام أتاني فذكر أنه بدا له عن الإسلام فامتحنته فوجدته مصرًا على ما قال، فانظر إليه وإلى كتاب إسلامه، وتكتب إلي برأيك فيه مفسرًا إن شاء الله.
فجاوبه:
أسأل الله أن يديم إقامة السنين بك، وأن يجزل على ذلك ثوابك، الغلام – مد الله في عمرك – في قده مراهق ولا أظنه بلغ، فأرى أن يحمل عليه الوعيد، فإن رجع إلى الإسلام فبتوفيق الله وجميل نظرك/، وإن أصر حبسته أيامًا لعله يراجع أمر الله، فإن أصر تركته في سخط الله ، فليس بأول من أغواه الشيطان، والله أسال لك أجزل الثواب وأعظم الأجر، والسلام عليك ورحمة الله وقال ابن لبابة مثله.
قال القاضي:
هذه أجبوة مهلهلة يسلم وهو مشكوك في بلوغه ثم يرتد ولا يجبر على الإسلام إلا بالوعيد وسجن أيام!! هذا جهل من قائله! قال سحنون من أسلم قبل بلوغه ثم عقل
стр. 660
الإسلام فارتد ومات قبل البلوغ، وهو يكره على الإسلام فميراثه لأهله.
قال ابن القاسم وأشهب وعبد الملك: ولو لم يمت لم يقتل، وإنما يكره على الإسلام بالضرب وإن بلغ والمغيرة يقتله إن تمادي بعد البلوغ.
وأما ن ارتد من أولاد المسلمين فاليؤدب، فإن تمادى حتى بلغ، فأصحابنا مجمعون على أن يقتل إذا بلغ وتمادى، ابن سحنون قال المغيرة: إن أسلم غلام مراهق يعقل الإسلام ثم مات فلا يرثه أبواه الكافران، وقد أجاز عمر وصية غلام يفاع.
وإن مات أبواه أوقف ميراثه؛ فإن رجع الغلام إلى دين أبيه قبل الحلم ورثه، وإن لم يرجع لم يرثه. من حدود النوادر.
وفي قول المغيرة هذا نظر فتدبره، وفي هذه الجملة بيان خطأ الجواب في مسألة الصبي الذي أغواه التي قبل هذاه.
غلام يزعم أنه حر وأنه يكره على اليهودية، وادعى يهودي أنه مملوكه فوقف عند أمين فقال الأمين: إنه أبق منه:
فهمنا – وفقك الله – ما ذكرت من رفع الرافع إليك أن غلامًا أقفل عليه في دار يستغيث ويقول: إنه يكره على اليهودية فأرسلت من كشفته بكشف عن ذلك فانصرف ومعه يهودي وغلام بالغ فأعلمنهما بما رفع إليك، فقال اليهودي الغلام عبدي ابتعته منذ أربعة أعوام من يهودي من أهل طليطلة، والغلام حينئذ يهودي وأنكر أن يكون ضربه وأقفل عليه.
وقال الغلام: أنا حر ابن حرين مسلم ابن مسلمين من أهل طليطلة، قدمت منها منذ ثلاث أعوام مع رجل من اليهود فنزلنا فندقًا ثم انتقلنا منه إلى هذا اليهودي بخدمته، وإني حين أظهرت الإسلام وأردت الخروج عن خدمته ضربني وأقل علي وكشف الغلام عن ظهره وبه آثار ضرب شدية لا يمكنه فعل ذلك بنفسه، وقال له البينة أنه حر، وادعى اليهودي بينة حاضة يعرفون الغلام، وقال: إن معه عهدة الغلام مكتوبة بالعبرانية.
فوقف الغلام على يدي أمين الممتحن أمره ونأخذ رأي أهل العلم فه، وسأل اليهودي أن يحبس الغلام في السجن، ثم قال الأمين: ابق الغلام مني من غير تفريط في الاحتراس به، فقال اليهودي: إنه كان سبب إبقاء الغلام أن الأمين خرج به مع نفسه إلى ضيعة، وكان الغلام في مجلس حكومة القاضي في الوقت الذي ذلك فيه اليهودي أن الغلام
стр. 661
أبق إلى وقت ارتفاع القاضي من نظره، وطلب اليهودي إغرام الأمين قيمة الغلام، فسأله القاضي – وفقه الله – هل يجب على الأمين قيمة الغلام أم لا؟
فالذي نقول به في ذلك، والله الموفق للصواب: إن توقيف القاضي للغلام لاستبراء أمره حزن من النظر وصواب من الفعل، والذي يطلبه اليهودي من إغرام الأمين باطل لا يلزم؛ لأن رسول الله ﷺ قال: "ليس على أمين غرم (١) ".
وقال أهل العلم: إلا أن يتعدى، وقلت: إنه ثبت عندك أن الغلام كان في مجلسك إلى أن ارتفعت عن النظر في اليوم الذي ذلك اليهودي أنه ابق يه الغلامن ولو ثبت خروج الأمين بالغلام ثم ثبت رجوعه به وابق، لم يضمن أيضًا فهذا قولنا فيما سألتنا عنه. قاله ابن وليد.
وقال ابن لبابة: ليس على أمين ضمان إلا أن يثبت أنه سار به إلى باديته وأبقى من البادية، فلو ثبت ذلك بالبينة فحينئذ كان يضمن لأنه تعدى بإخراجه عن موضع أمانته، فيكيف وقد رئي في مجلس القضاء يوم إباقه، فهذا تكذيب لما ادعاه اليهودي وإسقاط لدعواه عن الأمين.
وقال عبيد بن يحيى: لا ضمان على الأمين إلا أن يكون أبق عنه من منزله، فأما إن كان رجع به فأبق من داره بعد أن ظهر في مجلس القاضي فلا ضمان عليه. وقال أحمد ابن يحيى بن أبي عيسى: لا ضمان على الأمين وساق نحو كلام عبيد الله.
وقال محمد بن غالب: خروج الأمين بالغلام محترسًا به لا يوجب ضمانًا حتى يثبت بالبينة العدلة أنه خرج به لمفنعة نفسه، فيكون متعديًا فيضمن، وإن رجع به فلا ضمان عليه أصلاً في كل حال، وقال يحيى بن عبد العزيز مثل ذلك، وقال أيوب مثله، وقال سعد ابن معاذ مثل قول عبيد الله.
من تعدى على باب رجل فكسر بابها وضرب ربها وانتهب ما فيها:
شهد عند القاضي شهود أنهم قالوا لعمر بن عبد العزيز: لقد ساءنا ما سمعناه عن ولديك من مسيرهما بجماعة من أهل الفساد والشر منهم عبيد الأقطع وابن تمامة النواجه وحارث الجنان، وسعد الذي صار في خدمتك إلى دار يسكنها عبد الله، سكارى،
стр. 662
وكسروا الباب وهجموا على العيال، وانتهبوا ما في الدار، وضربوا عبد الله حتى أشفى على الموت.
فقال عبد الملك ومحمد ابنا عمر: نعم فعلنا ذلك وفي شهادتهم أنهم يعرفون الفعلة بأعيانهم وأسمائهم من أهل الفساد والشر وشرب الخمر والعباثة، وشاور في ذلك فقالوا فهمنا – وفقك الله – الشهادات الواقعة، فرأينا شهادات توجب الأدب البليغ والحبس الطويل على الفعلة المسمين في هذا الكتاب المشهود عليهم إن لم يكن عندهم مدفع وإن ذكروا مدفعًا حبسوا وكشوفوا عن مدفعهم وهم في الحبس، فإن مثل هذا شنيع يكون في مجمع وحاضرة فستحقون الأدب البليغ، ومن شهد عليه بشرب الخمر منهم فعليه الحد وزيادة الأدب، لعظيم ما انتهكوا وأظهروا. قاله عبيد الله وابن وليد، وابن لبابة وسعد بن معاذ.
قال القاضي:
سكتوا في جوابهم هذا عن الحكم على المشهود عليهم بغرم ما انتبهوا من الدار، على ما شهدوا به الشهود، وهو من فصول المسألة التي يجب بيانها.
قال ابن حبيب في كتاب الأحكام من أسمعته: سألت كطرفًا وابن الماجشون، عن القوم يعدون على منزل الرجل فيغيرون عليه والناس ينظرون فينتهبونه ويذهبون بما كان فيه من مال أو حلي أو ثياب أو طعام أو ماشية، غير أن الشهود لا يشهدون على معاينة ما يذهبون به إلا أنهم يشهدون على غاراتهم وانتهابهم.
فقال لي مطرف: أرى أن يحلف المغرا عليه على ما ادعى مما يشبه أن يكون له وأن مثله يملكه مما لا يستمكر ويصدق فيه، وقال لي ابن الماجشون: لا أرى أن يعطي بقوله ويمينه وإن ادعى ما يشبه، حتى يقيم بينة بدعواه، وسألت عن ذلك أصبغ فأخبرني عن ابن القاسم مثل قول ابن الماجشون، واحتج بقول مالك فيمن انتهب صرة دنانير بحضرة شهود ثم اختلف في عدة ما كان فيها ولا يعرف الشهود – قال مالك: القول قول المنتهب مع يمينه.
قال ابن حبيب: وقول مطرف في ذلك أحب إلي وبه أقول. وقال ابن كنانة والظالم، أحق من تحمل عليه قلت لمطرف: فإن أخذ واحد من هؤلاء المغيرين، أيضمن جميع ما أغاروا عليه إذا شهدت به بينة أو حلف المغار عليه مما يشبهه؟
стр. 663
فقال لي: نعم يضمن ذلك من أخذ منهم، لأن بعضهم قوى ببعض، كلاقوم يدخلون حرز الرجل فيسرقون الخشبة التي لم يكن يقوى عليها وثمنها ثلاثة دراهم، فكلهم يقطع وكل واحد منهم يضمن جميع ثمنها إن كان له مال، من قبل أنه كأنه إنما سرقها وحده، ولو لم يضمن إلا ما ينويه وهو أقل من ثلاثة دراهم لما قطع إذن، ولكنه أنز كأنه سرق وحده ذلك جبر كأن بعضهم إنما قوي ببعض، فكذلك المغيرون على الرجل.
قال لي مطرف: وكذلك اللصوص المحاربون القاطعون الطريق؛ من أخذ منهم ضمن جيمع ما أخذ هو وأصحابه، وإن أخذوا جميعًا أخذ جميع السراق والمغيرين وهم أغنياء، أخذ من كل واحد ما ينوبه. وقال ابن الماجشون وأصبغ في ضمان ذلك مثل قول مطرف.
قال لي مطرف وحد هؤلاء المغيرين في العقوبة كحد المحاربين إذا شهروا السلاك عليه، وفعلوه مكابرة على وجه الغلبة، كان بأصل نايرة أو على وجه الغياثة. قال في جميعهم في والي بلد، يعتب على بعض أهله فيغير عليهم وينسف أموالهم ظلمًا، مثل قولهم في المغيرة.
مسألة في أهل الشر:
قرأنا – وفقك الله – الشهادات الواقعة عندك، على أحمد وعمر ابني عطاف، بالأذى للناس باللسان واليد والشر والردى والفساد والبسط، والتعدي على الناس، وفهمنا منا ذكرته من قولك لبعضهم، يجب - أكرمك الله – على أحمد وعمر الأدب الموجع والحبس الطويل، فإن الإغلاظ على أهل الشر والقمع لهم والأخذ على أيديهم مما يصلح الله به العباد والبلاد. قال ابن لبابة، وابن وليد بعد الإعذار في ذلك.
وقال به يحيى بن عبد العزيز، وابن معاذ وعبيد الله، وأيوب، وخالد بن وهب، وقال: من لم يمنع الناس من الباطل ليم يحملهم على الحق.
في امرأة رمت رجلاً أنه افتضها:
أتتني – رحمنا الله وإياكم – امرأة فذكرت أن رجلاً اختدعها وافتضها، ونسبت ذلك إلى رجل شهد عندي جماعة من خيار المسلمين ممن أعرفه أنه من أهل الطهارة والحالة الحسنة، وأنهم لا يعلمونه نسب إليه من هذا الشيء، وشهد عندي أن هذه الجارية منسوب إليها الردى، فاكتبوا إلي بما عندكم في ذلك.
стр. 664
الذي عندنا – أكرمك الله – في هذا أنها إذا رمت في ذلك رجلا لا شيبهه ما رمته به ولا ينسب إليه ما شهد به عليها مما نسب إليها، فالحد لعيها واجب للرجل الذي رمته حد الفرية ثمانون سوطًا. قاله أبو صالح. وقال ابن لبابة: وتضرب لإقرارها بالزنا مائة سوط فيكون عليها مائة وثمانون سوطًا، يريد إن أقامت على دعواها، وإن رجعت عن ذلك لم يلزمها إلا حد القذف.
قال القاضي:
وهذه المسألة إذا ادعت المرأة أن فلانًا استكرهها في المدونة في الخلع وكتاب الشهادة وكتاب الغصب، وكفى الشهادات، وعند آخر كتاب السرقة، وفي سماع أشهب في كتاب الغصب، وفي مساع عيسى في الحدود، وفي أول رسم من سماع يحيى في كتاب الدعوى.
وقال ابن المواز: إن جاءت به متعلقة تدمي أو لا تدمي، وهو ممن لا يتهم بذلك، حدت للقذف لا للزنا. قاله ابن القاسم وابن وهب، وقاله مالك، وقال ابن الماجشون: ولا يلزمه صداق ولا أدب، ولا تحد هي لما رمته به، وقالع أصبغ.
وإن كان متهمًا فلها عليه صداق المثل. قاله ابن الماجشون وأشهب، وقال ابن القاسم لا صداق لها أن يشهد رجلان أنه احتملها وغاب عليها، فتحلف وتأخذ صداقها إن ادعت أنه أصابها ويوجع هو ضرًا، وقاله مالك.
وقال ابن حبيب: سألت مطرفًا عمن سرق متاعه فاتهم من جيرانه رجلاً أو فريبًا لا يعرف حاله؛ أترى للإمام أن يحبسه حتى يعرف يسأل عنه ويتبين حاله؟ فقال لي: نعم، أرى ذلك على الإمام، وأرى ألا يطيل حبسه.
قلت له: فإن كان هذه المتهم مأبونًا بالسرقة متهمًا بها؟
قال فذلك أطول لحبسه، وإن وجد عنده بعض متاعه وادعى المتهم أنه اشتراه، ولا بينة له، وهو متهم بالسرقة فلا سبيل للمدعي إلا فيما في يديه وإن كان غير معروف بذلك، فعلى السلطان حبسه والكشف عنه.
وإن كان معروفًا بالسرقة مأبونًا في حاله حبس أبدًا حتى يموت في السجن. قال: وسألت عنه ابن الماجشون وابن عبد الحكم وأصبغ فقالوا مثله، وكتب بذلك عمر بن عبد العزيز.
стр. 665
وقال ابن المواز من ادعى سرقة واتهم بها من هو من أهل التهم، كشف واستقصى عليه بقدر تهمته وشهرته بذلك، وربما كان فيه الضرب، وهذا فول العلماء، وقاله مالك والليث.
قال ابن وهب: قال الليث من وجد معه متاع مسروق وقال: اشتريته، فإن كان متهمًا عوقب. وكتب عمر بن عبد العزيز في مثله أن يسجن حتى يموت، وقال أشهب: إذا شهد فيه أنه متهم فإنه يمتحن بقدر ما اتهم فيه، وعلى قدر حاله، ومنهم من يجلد بالسوط مجردًا.
وإن كان الولي غير عدل فلا يذهب به إليه ولا يشهد عليه عنده، إلا أن يعرف أنه لا يأخذه بغير حق. ابن المواز، وذكره ابن حبيب عن أصبغ من حال الوالي برجل، فقال: سرق متاعي، فأن كان موصفًا بذلك متهمًا هدد وامتحن وأحلف.
قال محمد: قال أشهب: لا يمين عليه. قال ابن حبيب عن ابن الماجشون: من شهدت عليه بينة أنه سارق معروف بالسرقة متهم بها قد سجن فيها غير مرة، إلا أنه لم تكن معه سرقة حين شهدوا عليه، فلا يقطع بذلك لكن يطال سجنه.
في الشهادة على ابن حمدون يعصر الخمر وبيعها:
شهد عند القاضي أحمد بن محمد قاضي الجماعة بقرطبة محمد بن كليب ومحمد بن زياد وزكريا بن خميس، أنهم يعرفون عبد الله بن حمدون بعصر الخمر وبيعها وبشربها ويدخرها ويجتمع إليه أهل الشر والفساد.
فجاوب أبو صالح وابن وليد وعبيد الله:
شهد عند القاضي أحمد بن محمد قاضي الجماعة بقرطبة محمد بن كليب ومحمد بن زياد وزكريا بن خميس، أنهم يعرفون عبد الله بن حمدون بعصر الخمر ويبيعها ويشربها ويدخرها ويجتمع إليه أهل الشر والفساد.
فجاوب أبو صالح وابن وليد وعبيد الله:
قرأت – وفقك الله – الشهادات وفهمتها – إن شاء الله – فإما شرب الخمر ففيه الحد ثمانون سوطًا، وأما عصرها وبيعها فالأدب على قدر ما يزعمه من ذلك وينهاه، وأما جمع أهل الشر والفساد فأكثر من ذلك من الأدب والحبس حتى بظهر منه توبة تعرف بعد الإعذار إليه في شهاداتهم عليه. وقاله محمد بن وليد.
اللوث في الدم: كشفتك – رحمك الله – عن اللوث في الدم ما هو عندك وما يؤخذ به في ذلك، فقلت لي مشافهة: هو الرجل العذل، ولو وجدت في الدم أكثر من هذا لأخذت به اجتهادًا وحيطة، فأردت أنه يكتب إلي بخط يده بذلك ليكتب بعدك أصحابك.
стр. 666
فجاب عبيد الله بن يحيى بخط يده:
نعم – رحمك الله – كذلك قلت لك، وهو رأيي والذي كنت أعرف والذي ﵀ يقوله ويشير إليه، وقال ابن لبابة: هذه مسألة فد اختلف فيها، فالذي وضعه مالك في الموطأ أن اللوث البينة غير القاطعة.
وروى أشهب عن مالك أن للوث: الشاهد العدل والشاهد غير العدل واللفيف، وروى ابن القاسم عن مالك وقال به أن اللوث الشاهد العدل، وقال به أصبغ.
وللقاضي – وفقه الله – التخير على الاجتهاد بما يوفقه الله له من الحق إن شاء الله. وقاله أيوب بن سليمان، وسعد بن معاذ، ومحمد بن وليد ويحيى بن سليمان.
قال القاضي:
ما أدل هذه المسألة على قلة علم عبيد الله لاقتصاره في جوابه عنها على رأيه ورأي أبيه مما قيل في ذلك – ﵀ وإياهم – وكذلك كان العلم في أكثر الأوقات عزيزًا قليلاً، فقهنا الله في الدين.
وقال ابن حبيب: سألت مطرفًا عن تفسير قول مالك: لا تكون القسامة إلا بأحد وجهين: قول المقتول دمي عن\د فلان أو لوث من بينة غير قاطعة. فقال لي: سألت مالكًا عن اللوث، فقال لي اللطخ، أليس مثل اللفيف من السواد والنساء يحضرون ذلك، والرجلين غير العدلين أو النفر غير العدول يشهدون على ذلك، فتكون القسامة معهم.
قال مطرف وقد كان بعض أصحاب مالك يروي عنه أنه قال: لا يكون اللوث إلا الشاهد العذل. وهو وهم من رواه، فاحذر هذا القول لا تقبله، فأظنه أنه قد انتهى إليك أنما قال له ابن أبي حازم ويومًا – ونحن جميعًا معه – يا أبا عبد الله ترى الشاهد العدل لوثًا؟ فقال: نعم، فجعله بعض من سمعه معنى أن تفسير اللوث: الشاهد العدل، وإنما معناه أنه لوث أيضًا، وهو أبين اللوث وأظهره، وإنما اللوث بعينه اللطخ البين، والشاهد الواحد منه اللوث والنفر غير جائزي الشهادة، أو الصبيان أو النساء إذا حضروا ذلك من اللوث أيضًا. وقد قيل بذلك عندنا بالمدينة.
واللوث التباس الأمر واختلاطه، تقول: التاث هذا الأمر، فأعرف هذا، وإياك أن تقبل غيره. وسألت عنه ابن الماجشون فقال لي مثل قول مطرف، وأعلمت به أصبغ فاستحسنه، وقال به، ورأى أنه الحق والصواب.
стр. 667
وقال ابن حبيب: وأخبرني أصبغ عن ابن وهب عن الليث عن ربيعة ويحيى بن سعيد في نسوة شهدن عرسًا أو جنازة، فتنازعت امرأتان منهن، فشهدت امرأة كانت معهما أن إحداهما ضربت الأخرى بحجر على فؤادها فقتلتها وجحدت المرأة االقسامة تكون مع شهادتها، وهو من اللطخ والشبهة.
قالا: وكذلك كل من شهد فيه النساء أو العبيد أو الصبيان أو ايهود أو النصارى أو المجوس من قتل فجأة أو قتل أو جرح، ولا يحضره غيرهم فإن شهادتهم في مثل هذا لطخ ولوث بين تجب به القسامة. ومثل أن يرى المتهم بحذى المقتول وقربه وإن لم يرده حين أصابه.
ولمالك في سماع أشهب أن المرأة لوث، وأن العبد ليس بلوث. وقال ابن حارث:
رأيت لسحنون: إنما يقسم مع الشاهد العدل إذا رأى جسد المقتول ميتًا. وقال محمد بن عمر أخو يحيى بن عمر: لا يعجبني هذا وهو خلاف قول المصريين.
وقال ابن القاسم عنه في المختلطة: اللوث الشاهد الواحد إذا كان عدلاً، ويرى أنه حاضر الأمر في المجموعة مثل من روايته وقال عنه ابن نافع: ولا يحلف مع شهادة المسخوط ولا النساء ولا العبيد ولا الصبيان.
وقال ابن المواز قال عن مالك أصحابه: لا تجب القسامة إلا بأحد أمرين إما أن يقول الميت دمي عند فلان أو بلوث من بينة على القتل وإن لم يكن قاطعة. وأحب إلي أن يكون اللوث شاهد عدل أو امرأتان عدلتان ثم روي أشهب عنه – وهو في العتبية – أنه الشاهد وإن لم يكن عدل، وكذلك المرأة. وقال مرة في غير العدل: أرجو. وقال: ليس شهادة العدل باللوث.
قال محمد وذهب أشهب إلى أنه يقسم مع غير العدل ومع المرأة، وأما العبد واصبي والذمي فلم يختلف فيه قول مالك وأصحابه أنه ليس بلوث. قال أشهب ودعوى الميت أقوى في التهمة من شهادة المسخوط.
قال ابن عبد الحكم: لا تجوز شهادة النساء في قتل العمد، ولا تكون لطخًا. قال محمد يريد امرأة واحدة، وأما امرأتان عدلان فيقسم مع شهادتهما، ويقتل بذلك.
قاله ابن القاسم: وفي المنتخب لمحمد بن يحيى بن عمر بن لبابة: رجع مالك عن قوله يريد في الموطأ – بلوث من بينة، إلى أن قال: اللوث الشاهد العدل. قال: وقال ابن القاسم:
стр. 668
وما كل الناس اجتمع على هذا، فكيف إذا كانت غير قاطعة.
قال القاضي: فأين عبيد الله من هذا كله، وفي التفسير الأول ليحيى بن يحيى عن ابن القاسم عن مالك في رجلين شهد أنه حضر بهما ثلاثة رجال يحملون خشبة ومعهم صبي هو ابن لأحدهم، فلما غابوا عنهما سمعا وقع الخشبة في الأرض وبكاء الصبي فأتبعاهم، فوجد اشخبة في الأرض، والصبي في حجر أبيه في الموت، ومات من ساعته: إنها شهادة قاطعة، تجب الدية على عواقهم، وإن لم يشهدا بالمعاينة.
قال: قتل هذا وليي ولي وشهد بذلك رجلان ليم يعرفهما القاضي:
فهمنا – وفقك الله – ما كشفت عنه عن أمر الذي أتاك برجل فزعم أنه قتل وليه، وأتاك برجلين شهدا أن هذا المرمي قتل ولي هذا، ولم تعرف الرجلين، فحبست المرمي، وأمرت أن يعود إليك الشاهدان إذ كنت على ظهر حتى تكتب شهادتهما، فلم يعودا إليك، ولم يعد الرامي، ولا تعرفه ولا قريته، ولا أتاك بسبب أكثر مما ذكرت وله في حبسك أكثر من خمسة عشر يومًا، وأردت معرفة الواجب فيه.
فالواجب إذا لم يأتي الرامي بأكثر مما ذكرت، ولا ثبت نسبه من المقتول ابن عمه، فلا معنى لحبس هذا الرامي، كان متهمًا أو غير متهم، وإنما قال أهل العلم: يحبس المتهم الشهر ونحوه إذا قام بدم المقتول وليه وثبت ذلك، فأما مثل هذا فلا كلام له، ولا يجب به حبس من رماه. قاله ابن لبابة، وأيوب وابن وليد، وعبيد الله، ويحيى بن سليمان، وابن معاذ.
زعم فلان ضربه وعفج بطنه وغير ذلك من التدمية:
سألتنا – وفقك الله – عن أمر عنيت به من أمور الرعية التي قلدك الله أمرها، وجعلك راعيها عناية منك بها، واهتباك بأسبابها، وذلك أنه يردك من التدميات ما حملك على الكشف عنه، وذلك أن الرجل يأتيك بنفسه، يزعم أن فلان تولى ضربه وعفج بطنه حتى صار ذلك في موقف الموت بزعمه، أو يأتيك وليه عنه بمثل ذلك، ويدعوا إلى السماع من بينة على ذلك، ويطلب القائم بها حبس المدعي عليه، وقد يأتيك آخر ويدعي على رجل وبه جراحات غليطة مخوفة، وآخر عليه جراح سهل قد أسال دمه، وأحببت رضي الله عنك أن تعلم ما يلزمك به النظر في هذا لتنظر به إن شاء الله.
فالذي نقول به: إن الزمان قد فسد، وإن هذه الحالة إنما يسرع إليها من لا رقبة له
стр. 669
عنده ولا خشية تمنعه من ركوب الباطل لاستخراج ما بأيد الناس بمثل هذا من الاحتيال، ولكنه مع ذلك تتوسط لهم بنظرك حالة تكون خلاصًا لك إن شاء الله، وأداء لحق ذوي الحقوق القائمين عندكن إن شاء الله.
فمن جاءك وعليه جراح مخوفة فاحبس المدمي عليهم حتى يصح المجروح أو تتبين حالة يجب بها إطلاقه، ومن جاءك معافى من الجراح يدعي على رجل ضرًا مؤلمًا قد بلغ منه مبلغ الخوف على نفسه بغير سبب قائم، فادعى القائم بمثل هذه البينة على دعواه، فإن أثبت تعدي المرمي عليه ولم يكن عند المدعي عليه في البينة مدفع فغزرن وإن رأيت حبسه فذلك إليك على ما يظهر لكل من شنعه ما ثبت عليه.
ومن جاءك بجرح خفيف وهو ممن يظن به أنه يركب مثل هذا من نفسه فاسلك به سبيل المعافي من الجراح. فإذا نظرت بهذا، كان نظرًا يدفع الله به اليد، ويدرأ به البسط، وينفع به العامة، ويدفع به عن دمائهم وأموالهم إن اء الله، قال بذلك كله محمد بن عمر ابن لبابة، وابن غالبن وابن وليد، وابن معاذ، ويحيى بن سليمان، وأحمد بن يحيى، ويحيى بن عبد العزيز، وعبيد الله بن يحيى.
وقال أيوب بن سليمان: إلا في المدعي الضرب المؤلم غير الظاهر أو الجرح الخفيف، فإنه ادعى ذلك على من يشبه ما ادعى عليه من ذلك من دعواه، وإن لم يدعه على من يشبهه ذلك، فكما قال أصحابنا.
وقال يحيى بن عبيد الله: قال محمد بن عبد الله بن عبد الحكم: مالك يقول في المرأة تتعلق بالرجل الفاضل المبرز بالخير والعدل، وتقول: أكرهني على نفسي؛ قال: الحد عليها. وأنا آخذ بمثل هذا في التدمية، إذا قصد بدمه رجلاً فاضلاً قد عرف بالخير لا يقارف الدماء، فغني أبطل التدمية ولست أقبلها منه. قال محمد: وما عندي بينهما فرق. وصدق إن شاء الله .
قال القاضي:
ترك يحيى بن عبد الله المصير إلى قول ابن القاسم وغيره والوقوف عنده والفتوى به، لأنه تفقه على محمد بن أدريس الشافعي في حياة أبيه وغيره من أصحاب المالكين، وإن كان قد رد على الشافعي في كثير من مسائله، ولا أظن ابن عبيد الله قد غاب عنه ما قاله ابن القاسم وغيره، فإن كان علمه فكان يجب أولاً أن يذكره ويختار قول من رأى الحق.
стр. 670
في قوله، وأما أن يعرض عن ذلك مشهور المذهب ولا يذكره ويعداه إلى غيره؛ فذلك تقصير.
في كتاب الديات من المختلطة قال ابن القاسم: قال مالك: من قال دمي عند فلان ففيه القاسمة. ولم يذكر لنا مالك كأن المقتول مسخوط غاو غير مسخوط، وهو سواء وليس كالشاهد؛ لأنه لا يتهم، والمرأة كالرجل في ذلك في العمد والخطأ؛ في ذلك القسامة.
قيل أرأيت إن قال المقتول: دمي عند فلان، فسمى رجلاً أروع تلك البلاد ممن لا يتهم في الدماء ولا غيرها، ليس بمأبون في شيء من الشر؟
قال: لم أسمع مالكًا يحاشي أحدًا من أحد، وأرى أنه مصدق في كل من ادعى عليه، وإن رمى بدمه صبيًا، أقسم ورثته وأخذوا الدية من عائلة الصبي، وكذلك إن رمى بدمه ذميًا أو أمة أو عبدًا، أقسم ورثته واستحقوا دمه؛ فإن كان عمدًا قتلوا، وإن كان خطأ قيل لسيد العبد: ادفع أو أفد، وقيل لأهل جزية الذمي: احملوا عقل هذا الرجل.
وفي تفسير ابن مزين قال: وسألته يريد عيسى بن دينار عن صفة الضرب الذي إذا ادعاه الرجل أنه ضرب به أو قتمت به بينة؛ وجبت القسامة؟ فقال الضرب كله. فقلت له أمن ذلك اللطخة؟ قال: نعم قال الله تعالى: ﴿فوكزه موسى فقضى عليه﴾ (القصص: ١٥).
قلت: فإن ادعى أن فلانًا ضربه، ومن ضربه يموت، وليس به أثر ضرب من جسده قليل ولا كثر؟
قال: يحمل من ذلك ما تحمل، وتكون فيه القسامة على سنتها. قلت وإن لم تعلم منازعة بين المدعي والمدعي عليه ذلك قبله؟ قال: وإن هو أعلم بما وصل إليه من ذلك.
قلت: وإن رمى بذلك صالحًا من الناس لا يتهم بشيء؟ قال: وإن رمى بذلك خير الناس حالاً، فربما حدثت البلايا، وربما كان الضرب الذي يخفي أثره وهو يكيد صاحبه؛ فالقسامة تجب بقوله، ويمضي على سنتها، ويدين من ذلك ما تدين، وأصدق ما يكون المرء إن شاء الله حين ينزل به الموت ويحضره فراق الدنيا.
قال ابن مزين: وأخبرني يحيى عن ابن يحيى عن ابن نافع مثله. وقال أصبغ من قال: سقاني فلان سمعًا ومنه أموت فمات، أقسم على قوله ووجب القود.
وفي العتبيبة: في آخر سماع عيسى عن ابن قاسم: لا قسامة في مثل هذا إلا في