← Фикх малики

Фикх малики · id 14593

ديوان الأحكام الكبرى أو الإعلام بنوازل الأحكام وقطر من سير الحكام

القاضي أبو الأصبغ ابن سهل

Полный текст (727 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

وجوب ابن جريح: يا سيدي ووليي ومن أيده الله بطاعته أحسن ايفعله الناس اتباع السلف الصالح ﵀ وكل من فعل فعلاً لا يشبه السلف الصالح فممنوع، ومستحب أن يمنع منه، فقد قال مالك: بلغني أن أبا سلمة رأى رجلا قائمًا عند المنبر يدعو يرفع يديه فأنكر ذلك عليه، وقال: لا تقلصوا تقليص اليهود، فقيل له: ما أراد بالتقليص؟ قال: رفع الصوت بالدعاء ورفع اليدين. فهذا أبو سلمة ومالك قد أنكرا ذلك عند المنبر بالنهار فيكيف من يفعل وذلك بالليل، لو سمعا ما يفعله سليمان لكان له أشد إنكارًا، لو دعا سليمان ربه في بيته أو سرًا بمسجده لكان أولى به. وقال مالك: إن تميمًا الداري قال لعمر رضي الله تعالى عنه: دعني أدعو الله وأقص واذكر الناس، فقال عمر: لا، فأعاد عليه، فقال له: أنت تريد أن تقول: أنا تميم الداري فاعرفوني. هذا عمر ينهاه بالنهار فيكيف بالليل. وقد قال مالك: القصص بدعة. وقد سئل ابن وهب عن المؤذن هل هو في سعة أن يؤذن في أين حين شاء من نصف الليل إلى آخر؟ فقال: لا يؤذن المؤذن إلا سحرًا. قلت له: وما السحر عندك؟ قال: فازجر ممنوعًا، متبعًا بذلك السلف الصالح والأئمة المهتدي ﵃ أجمعين. وجاوب المسيلي: أما بعد، صانك الله بكفايته وتولاك برعايته، وجعلنا من أهل طاعته، فقرأت ما قيم به على سليمان الشقاق، وما أقر به أن يقوم ويدعو ويتردد في ذلك قدر سماعه بزعمه، وسألت عن الواجب في ذلك وهل يباح له ذلك أو يمنع منه؟ وعلمك محيط أن الله سبحانه فرض على نبيه ﷺ قيام الليل، ثم خفضه عنه ونسخه، وقال بعض السلف من المتقدمين: إن قيام الليل فرض على الناس من أطاقه منهم. وصلى رسول الله ﷺ حتى تورمت قدماه، وقال لمن عاتبه: أفلا أكون عبدًا شكورًا. وقال الله تعالى ومدح: ﴿والذاكرين الله كثيرا ولاذاكيران﴾ (الأحزاب: ألآية ٣٥) وقال: ﴿يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا﴾ (الأحزاب: ٤١)، وقال النبي ﷺ : "ما رأيت أنجى من عذاب من ذلك الله (١) " وقال تعالى ﴿فاذكروني أذكركم﴾ (البقرة: من

стр. 597

الآية ١٥٢). فأمر بذكره على كل حال. وكل ما صنعه سليمان فحسن مأمور به مرغب فيه، حسن من الدعاء وقراءة القرآن، وتذلكير الناس وتخويفهم، قديم من فعل الصالحين والمتبتلين والزهاد في أمصار المسلمين. وقد كان بالبصرة عروة بن أذينة، يقوم بالليل فيصيح في الطريق ويخوفهم ويحظهم بقول الله سبحانه ﴿أفأمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا بيانا وهم نائمون أو أمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا ضحى وهم يلعبون﴾ (الأعراف: ٩٨). ثم يقبل على صلاته فيصلي حتى يصبح، وإنما على المرء من النوافل ما قدر عليه، ولا يكلف ما لا يطيقه. فقد روى عن رسول الله ﷺ أنه قيل له: إن الحولاء بنت تويت لا تنام الليل فكره ذلك، وقال: "إن الله لا يمل حتى تملوا أكلفوا من العمل ما لكم به طاقة (١) ". إلا أنه لا يجوز لسليمان ولا لغيره أن يؤذي أحدًا بفعل ولا بقول، ومن فعل ما ذكرته فغير ملوم، وكان الواجب على من قام عليه في هذا ألا ينكر عليه عند السلطان، وقد دون السلطان كفاية ورفع مثل هذا ألا يصلح. فإن كان هذا الذي وصف لا يؤذي الناس، وهذا محال، لا ينكر هذا من قيام الليل منكرًا فاكشف عنه كشفًا شافيًا، ولا يجب أن يمنع هذا. هذه طريقة المجتهدين في القديم والحديث، وإنما يمنع من أدخل على المسلمين في دينهم مضرة أو في دنياهم، والاقتصاد في الأمور حسن أيضًا، وأما الآذان في الليل للنوافل كلها وللصلاة الفائتة والاستسقاء والخسوف وما كان من غيرها من صلاة النوافل كلها فمنع بعض أهل العلم (أ – ١٦١) من الآذان لها، هذا الذي لا يجوز أن يتعدى إلى غيره. والله يوفق الجميع من الطائفتين بمنه وفضله. وجاوب ابن عتاب: يا سيدي ووليي ومن أدام الله توفيقه، ما ذلك هذا القائم بالحسية عن سليمان أنه يقوم في جوف الليل ويؤذن على سقف المسجد ويبتهل في الدعاء ويتردد في ذلك، فليس

стр. 598

في هذا شيء يمنع منه غير الصعود على السقف لما يتوقع من فساده بالصعود إليه، وعلمك محيط بما ذكره الله من الترغيب قال الله تعالى: ﴿في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه﴾ (النور: من الآية ٣٦). والاحتساب فيما ذكره عن سليمان غير سائغ إذ ذلك ذكر الله، وهو مما تنشرح له صدور أهل الإيمان وتطمئن به قلوبهم ﴿ألا بذكر الله تطمئن القلوب﴾ (الرعد: ٢٨). ومتى عهد من أذن بالأسحار وابتهل في الدعاء والاستغفار يوقف موقف الإقرار والإنكار، أما سمع المحتسب قول الله تعالى: ﴿ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه﴾ (الأنعام: من الآية ٥٢). وقد حكي مالك ﵀ أن الناس في الزمان الأول كانوا عند خروجهم لأسفارهم يتواعدون لقيام القراء لقيامهم بالأسحار فتسمع أصواتهم من كل منزل، وثبت عن الرسول ﷺ أنه قال: "بلالاً ينادي بليل فكلوا واشربوا حتى ينادي ابن أم مكتوم (١) ". وقال ابن حسيب: ولا بأس أن يؤذن لها بليل طويل، يدل على ذلك هذا الحديث. قال: وأي ساعة أذن لها من الليل بعد أن يخرج وقت العشاء، وهو شطر الليل فذلك واسع والنداء لها في عسعسة الليل أفضل، وعليه مضى العمل. وذكر هذا المحتسب أن في ذلك ضررًا عليهم، فيحتمل أن يريد بهذا الضمير جماعة المسلمين، فإن كان أراد هذا فلا يصح قوله؛ إذ لم يمنع أحد من المسلمين من ذلك ولا سمعناه عن أحد منهم أنه قاله، ويحتمل أن يريد من يجاور المسجد من المسلمين وغيرهم. فإن أراد هذا فعلمك محيط أنه لا يجب له التكلم عنهم إلا بعد توكيلهم إياه، ولو ذهبوا إلى ذلك والله يعصمهم منه، ويوفقهم لما سمع منهم؛ لأن مالكًا قال في الضراب للحديد يكون جار الرجل ملاصقًا، ليس ينهما إلا حائط فيعمل الليل كله والنهار، يضرب الحديد فيتأذى بذلك جاره، ولا يجد راحة من كثرة ضربه. قال مالك: لا يمنع من ذلك، فمالك ﵀ رأى ألا يمنع ضراب الحديد وهو يؤذي جاره بذلك، فكيف من يقوم للأذان والدعاء؟ والله أسأله لنا ذلك توفيقًا وتسديدًا، والسلام عليك يا سيدي ووليي ورحمة الله.

стр. 599

في المتحلقين للمسائل يوم الجمعة في الجوامع: من أحكام ابن زياد: سألتنا – وفقك الله وأعانك على ما قلدك – عن قوم يحلقون في المسجد الجامع للفتيا ومذاكرة العلم والخوض فيه وذكرت أن رافعًا رفع إليك أن المتحلقين فيه ليسوا ممن يستحق ذلك وأن إقامتهم واجب، إذ المساجد إنما اتخذت للصلاة وتحلقهم فيها مما يضر بالمصلين. فالذي نراه ونقول به في ذلك – والله الموفق – أن المساجد وإن اتخذت للصلاة، فإن الخوص فيها في العلم وضروبه جائزة من فعل الأئمة. وقد جاء عن مالك ﵀ أنه كان يتحلق يوم الجمعة في مسجد النبي ﷺ حتى يخرج الإمام، فإذا خرج قطع الفتى واستقبل الإمام. والعلم – أكرمك الله – أفل شيء اجتمع لمذاكرته والتكلم فيه بعد كتاب الله ، وقد رأيت مساجد الأمصار يتحلق فيها الأئمة ومن دونهم من المتفقهين، ولا ينكر ذلك عليهم، ولا يقام أحد منهم، وترك المتحلقين في الجامع على ما هم عليه واسع إن شاء الله. قال بذلك عبيد الله بن يحيى وابن لبابة ومحمد بن وليد وسعد بن معاذ. قال القاضي: هذا الجواب على الإطلاق في ترك هؤلاء المتحلقين غير صحيح، إنما يباح ذلك إذا كان فيهم من يوثق بفهمه وعلمه ودينه، ويؤمن عليه التكلم فيما لا يحسنه، والفتوى بما لا يعلمه فهو يتكلم معهم فيما يعلم، ويبصر الجاهل ما لا يفهم، فإذا كان هذا أبيح له وللمستمعين التحلق والتعلم في غير أوقات الصلاة خير لا يضرون بالمصلين. وقد ذلك أبو البختري: أن علي بن أبي طالب – ﵁ دخل المسجد، فإذا رجل يخوف فقال: ما هذا؟. فقالوا: رجل يذكر الناس، فقال: ليس برجل يذكر الناس، ولكنه يقول: أنا فلان ابن فلان فاعرفوني، فأرسل إليه فقال له: أتعرف الناسخ من المنسوخ؟ قال: لا قال: فاخرج من مسجدنا ولا تذكر فيه. وروي عن ابن عابس ونحوه، وما حكوه في جوابهم عن مالك مصحف خطأ، وكذلك باقي جوابهم وتركنا شرحه كراهة التطويل.

стр. 600

الاحتساب في إنزال الزرع وغيره في أفنية المساجد: فهمنا – وفق الله القاضي – ما رفع إليك عن مسجد الشفا من إنزال الناس الزرع والحطب والبقول وغيرها، في دكاكين المسجد فتوسخ بذلك المسجد، وينزل أيضًا في القبلة من المسجد في فنائه الأغنام لتجلب ثم يكثر زبولها فيضر غبارها بالمسجد، فالذي يجب في ذلك أن يكشف القاضي ما رفع إليه بمن يثق، فإذا صح عنده ضرر تلك ذلك قطع الضرر عن المسجد ومنع أولئك الذين يحدثونه في أفنية المسجد. قاله ابن لبابة وأصحابه. في ميضأة مسجد عجب ودخول الصبيان عليهم في المسجد: قام عندي – رحمكم الله – رجل من أهل مسجد عجيب، فذكر أن ميضأة المسجد كان بابها خارجًا عن دار المسجد، وأنها كانت قد ردت من داخل الدار، ثم قام أكثر الجيران فقالوا: إنه يدخل الصبيان ومن لا يجب دخوله المسجد إلى الميضأة، فردوا باب الميضأة خارجًا عن المسجد كما كان بابها فيما مضى، واستظهر القائم بالحبسة في ذلك بقوم أتى بهم، وذكر أن بعض الجيران أراد فتح باب الميضأة في داخل المسجد فاكتبوا لي بما عندكم في ذلك مما يجب علينا فعله ولا يحل لنا تركه. فجاوب ابن لبابة: فهمنا – وفقك الله – ما أرادت معرفته من خير هذه الميضأة، وإني أكرمك الله كثيرًا ما أمر بالمسجد، ورأيت باب الميضأة في الشاعر في موضع حسن، وبلغني أنها هكذا كانت في ابتداء ابتنائها حتى رأى بعض من كانن في المسجد رد الباب في داخل المسجد فمضى زمانًا كذلك. فلما ستقبحه وجوه هل المسجد لمن يدخل الميضأة على المسجد، ولا يتحفظ من الصبيان، وينال ضرر ذلك المسجد رد الباب إلى ما كان عليه، فرأيت رده نظرًا للمسجد وحفظًا له، وصوتًا عمن يدخله ولا يتحفظ، وكذلك يجب أن يتحفظ بالمساجد ويقطع عنها كما يدنس قيعانها. وقد أخبرني العتبي عن سحنون بن سعيد أنه كتب إلى قاضي محمد بن زياد، يشير عليه ألا يلعم معلم في المسجد، فهذا المعلم يكره له التعليم في المسجد لما يخاف من قلة تحفظ الصبيان، فكيف بميضأة يختلف إليها على المسجد من لا يتحفظ من النجاسات فصرف باب الميضأة الذي صرف إلى الشارع في الفضاء من النظر، وأسأل الله التوفيق.

стр. 601

وقال ابن وليد نحوه. في ركوب القاضي والفقهاء إلى مسجد الأمير هشام للباب الذي غلق من أبوابه واختلاف الشهادة فيه: ركبنا مع الفقهاء وجماعة من خيار المسلمين والعدول إلى مسجد الأمير هشام، إذ اشتكى قوم من قريش أنه أغلق باب من أبوابه الذي في البلاط الشرقي، وأنه أفيت في إغلاقه على الأمير – أصلحه الله – والحكام بغير أمره ولا رأيهم، وشهد قوم أنهم يعرفون هذا الباب مفتوحًا منذ أكثر من خمسين سنة، فتحه سعيد بن العباس، فعمر إلى هذه الغاية وأنه راحة للمسجد ولا ضرر فيه على أحد. وشهد آخرون أنه ضرر عليهم، ونظر على الباب قد سد، فأشار رجل من الفقهاء علينا أن سده من حكومة سلطان افتئات على الحكام، وأنه ينبغي لنا أن نعيده كما كان ثم ننظر فيما اختلف الشهادة فيه، وفيما يجب أن يؤخذ منها ويحكم بها إن شاء الله وما كان من شهادة عبيد الله بن يحيى أن قال: إني أعرف المسجد وليس فيه هذا الباب الذي أغلق، ثم أعرفه فتح منذ أكثر من خمسين سنة في أول ولاية الأمير محمد – ﵀ – إلى هذه الغاية. قاله ابن لبابة وعبيد الله. وقال محمد بن غاب مثل ذلك، إلا أنه قال: فتح الباب قضية من القاضي – وفقه الله – فإذا طال زمان عرف هذا المقام، وشهد على ما فعل القاضي، فإن رأى القاضي أن يكتب بذلك كتابًا يشهد عيه أنه فتحه لنظر يستقبله بين الفريقين، وأنه فتحه استرفاعًا للعدا إذا غلق، فرأى عامة لم يتقدمهم فيه قول حكم، وقال فتنة واعتبار، وقاله يحيى بن عبد العزيز وجماعتهم. فتح باب في مسجد مقبرة البرج: شهد عن القاضي أحمد بن محمد بن عبد العزيز الأنصاري أن الباب الذي يريد عبد الملك بن حوثرة فتحه في مسجد مقبرة البرج، على السكة العظمى بجوفي دار عثمان ابن سعيد، يضر فتحه بالمسجد ضررًا بينًا، وشهد محمد بن عبيد بمثل ذلك، وشهد بدر بن إسماعيل أنه يعرف موضع الباب في غلق، والبئر في غلق، ويعرف في موضع الباب حانوتًا بشرقي المسجد مفتوحًا إلى القبلة، ويعرف فيه المؤذن يسكنه ويخيط فيه، وفي شهادته أن يعرف سعيد بن العباس فتح الباب في المسجد وغير الحانوت، وأن هذا الحانون كان

стр. 602

للمسجد. وشهد محمد بن حازم بمثل ذلك، وفي شهادته أن سعيدًا فتح الباب على الغلبة والظلم في علمه، وفي شهادته أن الحانوت المحبس للمسجد، ويعرف فيه بقالان ويؤخذ خرجه للمسجد، وشهد فلان بمثله، وشهد أيوب بن سليمان أن فتح الباب الذي يراد فتحه في هذا المسجد ضرر بالمسجد، وشهد سعيد بن عثمان التجيي بمثل ذلك. قرأنا – وفق الله القاضي – هذه الشهادات، فرأيناها وقعت تامة في الضرر، وفي شهادة قوم أنهم يعرفون بالموضع حانوتًا محبسًا تجري غلته على المسجد، فإذا كان فيهم من تقبله فهذا يوجب إغلاقه ولو لم يكن ضررًا فكيف والقول منا بإجماع أن الضرر الحادث على المسجد يقطع على كل حال. وما رأينا أبقاك الله – هذه الأبواب المفتوحة في أجواف المساجد، ومواضع مصلى الناس تتخذ إلا ليكون مطلاً لمن قعد في المسجد وتروها لا على اللزوم لها ليتخذ في جوف المسجد مسكًا، ولو كان بانيه بديًا فتح هذا الباب في داخل المسجد، ثم اتخذه مختلفًا لقلنا هي أغلقه، فكيف وهو محدث؟ والضرر في حقوق الناس يفني ويرد، فكيف في حقوق الله؟ هي أحق ما ذب عنه ونفي الضرر منه، والله نسأله التوفيق. قأله محمد بن غالب، ومحمد ابن وليد. وفي هذا المعنى في المسجد قال محمد بن غالب: وفق الله القاضي لما يجب شهادتي هذه – أبقى الله القاضي – لم يكن لي يد من تجليبها على وجهها، أما الباب فيما عرفته قديمًا ولا حديثًا من أجل أني كنت لا أخطر بالموضع إلا مارًا على الطريق، لا ألوي على الجانب الذي به الباب، قلما وقعت إلى الموضع، ورأيت الباب مفتوحًا في السقف يدخل منه من أقبل للصلاة، والناس في هذا مختلفون في التحفظ، فمتحفظ يرعى ما يجب عليه من احتراس بدينه وآخر غافل، لا يبالي كيف يدخل ولا كيف وصل. وقد يدخل المسجد من أطانت رجلاه فإن مسحها في داخل المسجد تحت المسقف استهان بالمسجد ولم يعطه بقسطة الواجب له، فظهر لي الضرر الموجب لإغلاقه، وسقط احتجاج المحتج بالقدم فيما ظهر لي من حقوق الله لا يستحق عليه قدم زمان، إذ قد يفعل الناس عن أذى ذلك ورفعه اتكالاً على غيرهم، إذ هو حق على كل أحد أن يؤديه، فيقول

стр. 603

بعضهم عل هذا يرفعه غيري، ومن أجل ذلك لم يستحق مثل هذا من حقوق الله. ولقد شهدت بالموضع حين ركبت إليه ممتحنًا له بالعيان رجلا وهو يشبه هذه الباب بأبواب الجامع في المسقف وهما ضدان؛ لأن الجامع يمنع الناس رهبتهم له من الدخول من ذلك الباب فيه دون تحفظ شديد، فكيف وتلك الأبواب عليها أقفال لا تفتح إلا في أوقات الصلوات، وعليها مع ذلك من عنايتك واهتبالك رقباء يتحفظون بها خوفًا من أن يدخل منها من لا تحفظ عنه. وقد كان هذا الباب فيما يقع عليه الظن الغالب كاليقين ممتنعًا في أيام سعيد وولده من بعده أن يدخله أحد في قدميه دنس أو شيء يحتاج إلى مسحه أو غسله، فلما ذهب القوم وخلف من نسلهم قوم تشغلهم حوائجهم وإصلاح بواديهم صار الباب مطلقًا لمن شاء أن يدخل منه، فبان الضرر وصار وكالحادث ووجب غلقه لا محالة إن شاء الله، فهذه شهادتي وإن كنت خلطتها بالفتى من قبل أن الاختصار لا يؤدي الكل على وجهه. وقال أيوب بن سليمان مثله. ومن هذا المعنى مسجد أم هشام: وقد تقدمت مسألته، استخرجت الله ورأيت الركوب معك ومع جميع إخواننا، فإذا اجتمعتم وعاينتم نفذت ذلك إن شاء الله. قال محمد بن عمر بن لبابة: الذي رأيت حسن إن شاء الله ولقد فكرت بعدك في ترك فتح الباب إذا أبطأ نظرك فرأيت أن عليك فيه دركًا، كيف جاز لمن لا نصيب له في المسجد إلا صلاته، والكلام فيه لورثة بانيه فيغلقه بلا رفع إلى سلطان حتى يكون السلطان هو الذي ينظر فيه فيما يظهر له، إذا كان يقوم كل واحد إلى ما كره فيأخذ لنفسه، وإنما التغيير إلى الحكام فهذه جرأة ما سمع بأشنع منها. قال القاضي: هذا كلام مختل غير مهذب وأشنع منه القتل والغصب، وتعمد إحداث الضرر بفتح الكوى والأبواب وإجراء المياه والأقذار وغير ذلك على الجار، والله الموفق للصواب. في مرور العجل والنصارى على المقابر: فهمنا – وفقك الله – ما ذكره القائم بالحسبة من مرور العجل على المقابر بمقبرة متعة، وسلوك العجم بجنائزهم على مقابرنا، وما سأل من النظر في ذلك، فالذي نرى أن

стр. 604

يتقدم إلى العجالين ألا يسلكوا بعجلهم على المقابر، وأن يكون مسلكهم بغريبها في الفناء المتسع الذي لا قبور به، وينهى العجم عن المرور على مقابرنا لوطئهم قبول المسلمين ومشيهم عليها، وقد ينهى المسلمون عن المشي عليها، فكيف بنجاس كفار، ولهم متسع بشرقي المقبرة مع الدور أو في الأزقة الخارجة إلى الخندقة بجوفي المقبرة. قال بذلك محمد بن لبابة، وقاله أيوب بن سليمان، وليكن هذا المنع في جميع المقابر، وقاله ابن وليد. الاحتساب على النواتية من مراكب المراسي: رفع إليك – رضي الله عنك – أن قومًا من النواتية استعدوا المراكب لإجازة الناس على نهر قرطبة في مرسى بالشيء وغيرها من المراسي؛ وأهم أقاموا لأنفسهم في يجملة المراكب حالة لا ؤمن أن يكون سيلا لهلاك الناس، ولا يجد الناس بدًا من إجازة البقرة إلى ضياعهم ومنازلهم، وذلك أنهم جعلوها دولاً، فتوقف المراكب ويفرد مركبًا واحدًا للإجازة، فيحشى حتى يكاد ينكفي إلا أن الله يدفع، وصاروا يركبون غررًا، وكشفتنا عن الذي يجب عيك النظر به في هذا، وأنت بما جعل الله إليك حائط للعامة، وناظرهم في مصالحهم. وقد قال مالك – ﵀ – للسلطان أن ينظر للناس فيما يصلحهم في دينهم ودنياهم، وهذا من أوجب ما يجب فيه نظرك فامنع – رضي الله عنك – من ذلك منعًا شديدًا حتى تبع المراكب، وينقطع بذلك ما يخاف على المسلمين من ركوب الغدر. فقد جاء فيه خير لعمر بن عبد العزيز حين وصف له ركوب الناس بالبحر، فقال دود على عود، وجاء بكلام غير هذا، كأنه نهي عن ذلك وحذر منه، فامنع عن هذا فإنك مأجور فيه، مثاب عليه إن شاء الله. قال بذلك محمد بن غالب ومحمد بن وليد وعبيد الله ابن يحيى، وقال سعد بن معاذ مثل ذلك، وقال: الحديث لعمر بن الخطاب أيضًا، وقال أحمد بن بقي بمثل قول سعد بن معاذ، وقال بذلك محمد بن عمر بن لبابة وأيوب بن سليمان. قال القاضي: الحديث الذي ذكروا إنما هو لعمر بن الخطاب ﵁، وقع في جامع العتبية في موضعين في سماع ابن القاسم، أحدهما: في أول رسم منه وهو رسم مساجد القبائل، قال مالك: سأل عمر بن الخطاب عمرو بن العاص عن البحر، فقال: خلق قوي يركبه خلق ضعيف، دود على عود، إن ضاعوا هلكوا وإن بقوا فرقوا، فقال: عمر لا أحمل فيه

стр. 605

أحدًا أبدًا. فلما كان بعد عمر حلم فيه فلم يزل يركب حتى كان عمر بن عبد العزيز فاتبع فيه عمر بن الخطاب، وهذا هو الصحيح في الخبر وجعلوه لعمر بن عبد العزيز، وأنه من قوله دود على عود، وقال بعضهم لعمر بن الخطاب والكل مخطئ غير مصيب لان هذا الكلام إنما هو لعمرو بن العاص، وإنما للعمرين النهي عن ركوبه، وقالوا: كأنه نهي عن ذلك، وهما قد نهيا عنه اشد النهي ومنعاه أصلا، وبالله التوفيق. في منع أهل الذمة إحداث الكنائس: فهمنا – وفقك الله تعالى – الشهادات الواقعة في أن الشنوغة محدثة، فرأينا شهادات توجب هدمها بعد الإعذار إلى أهلها، وليس في شرائع الإسلام إحداث أهل الذمة من اليهود والنصارى كنائس لا شنوغات في مدائن المسلمين، وبين ظهرانيهم. قال بذلك عبيد الله بن يحيى ومحمد بن لبابة وابن غالب وابن وليد وسعد بن معاذ ويحيى بن عبد العزيز وأيوب بن سليمان وسعيد بن خمير. قال القاضي: ذلك ابن حبيب في ثالث جهاد الواضحة عن ابن الماجشون عن مالك أن رسول الله ﷺ قال: "لا يرفعن فيكم يهودية ولا نصرانية (١) " قال ابن الماجشون: لا تبنى كنيسة في دار الإسلام ولا في حريمه، ولا في عمله، إلا إن كانوا أهل ذمة منقطعين عن دار الإسلام وحريمه، ليس بينهم مسلمون فلا يمنعون من بنيانها بينهم، ولا من إدخال الخمر إليهم ولا من كسب الخنازير. وإن كانوا بين أظهر المسلمين منعوا من ذلك كله ومن رم كنائسهم القديمة التي صالحوا عليها إذا رثت، إلا إن شرطوا ذلك في صلحهم فيوفى لهم ويمنعون من الزيادة فيها؛ كانت الزيادة ظاهرة أو باطنة، وإن شرطوا ألا يمنعوا من إحداث الكنائس وصالحهم الإمام على ذلك عن جهل منه، فنهي رسول الله ﷺ عن ذلك أولى بالاتباع والانقياد. ويمعنون من ذلك في حريم الإسلام وفي قراهم التي سكنها المسلمون معهم، ولا عهد في معصية الله إلا في رم كنائسهم إن اشترطوا ذلك لا غير، فيوفى لهم به.

стр. 606

قال ابن الماجشون: هذا كله في أهل الصلح من أهل الجزية، وأما أهل العنوة لا يترك لهم عند ضرب الجزية عليهم كنيسة إلا هدمت، ولا يتركون أن يحدثوها وإن كانوا معتزلين عن جماعة المسلمين؛ لأنهم كعبيد المسلمين، وليس لهم عهد يوفي لهم به، وإنما صار لهم عهد حرمت به دماؤهم حين أخذت منهم الجزية. وفي كتاب الجعل من المدونة قال ابن القاسم: عن مالك: لا تتخذ النصارى الكنائس في بلاد الإسلام إلا أن يكون هلم أمر أعطوه، قال ابن القاسم: لا يمنعوا من ذلك في قراهم التي صولحوا عليها لأنها بلادهم يبيعون إن شاءوا أرضهم ودورهم، إلا أن تكون بلاد عنوة فليس لهم أن يحدثوا فيها شيئًا؛ لأنهم ليس لهم أن يبيعوها ولا يورثوها، وهي فيء للمسلمين وإن أسلموا انتزعت منهم. وقال غيره: لا يمنعوا من كنائسهم التي في قراهم التي أقروا فيها بعد افتتاحها عنوة، ولا من أن يتخذوا فيها كنائس؛ لأنهم أقروا فيها على ذمتهم، وعلى ما يجوز لهم فعله وليس عليهم فيها خراج إنما الخراج على الأرض. وفي الكلاب: فهمنا – وفقك الله – ما كشفت عنه من أمر الكلاب المخذة في الحضرة، فإنها ربما أذت وعقرت وأحدثت من جراح الصبيان ما يكون ضررًا، وما شكى إليك من ذلك وكثر به الشكوى ممن ابتلى، فالذي يجب في ذلك – وفقك الله – أن تأمر بقتلها إلا ما كان من كلب صيد أو زرع أو ماشية؛ فإن رسول الله ﷺ قال: "من اقتنى كلبًا إلا كلب ماشية أو زرع أو صيد أحبط من أجره قيراط (١) ". وجاء عنه ﷺ أنه أمر بقتل الكلاب، فمر رسوله ببيت امرأة عمياء لها كلب فأراد قتله، فاعترضت امرأة فقالت: إني كما ترى عمياء، فهو يطرد عني السباع ويؤذنني بالإذن، فعاد إلى النبي ﷺ فأعلمه أمرها فأمره بقتلها، ولم ير لها عذرًا فيما اعتذرت به. قال بذلك محمد بن عمر بن لبابة ومن حضرنا من أهل اعلم، وفي مسائل حبيب عن سحنون في كلاب أهل المواشي في البوادي يتخذونها في دورهم خوف السرق أنه يقتل، وقال في الكلب لصيد التلذذ لا يحل كسبه، ولا يقتل أيضًا.

стр. 607

قال القاضي: كذا هو في الكتاب الذي نقلته منه وأراده: ويقتل أيضًا وهو النظر، والله أعلم. ومن هذا المعنى قال ابن لبابة: إن كان الكلب متخذًا بموضع لا يجوز اتخاذه، فصاحبه ضامن لما نقص الرداء يقوم صحيحًا، ويقوم بالذي أصابه، فما كان من القيمتين ضمنه ويرفوه صاحب الكلب لصاحب الرداء، وإن كان الكلب متخذًا بموضع يجوز اتخاذ فيه فلا شيء عليه. وفي كلب عض صبيًا: قال أبو صالح: فهمت – أكرم الله القاضي – مسألة صاحب الكلب، فأما الكلب فيقتل لأنه متخذ في غير موضع اتخاذ الكلاب، وإن أصاب الصبي شيء ضمنه متخذ الكلب؛ حيث لا يجوز له اتخاذه لتعديه في ذلك بما لم يجز له. قال القاضي: في كتاب الديات من المختلطة: قيل أرأيت الكلب العقور، وما أصاب في الدار وغيرها أيضمنه صاحبه؟ قال: بلغني أن مالكًا قال: إذا تقدم إلى صاحب الكلب العقور ضمن ما عقر، فأنا أرى أنه إذا اتخذه حيث يجوز له اتخاذه ألا ضمان عليه حتى يتقدم إليه، وإن اتخذه بموضع لا يجوز له اتخاذه فيه، مثل أن يجعله في داره وقد عرف أنه عقور. فيدخل الصبي أو الخادم أو الجار الدار فيعقرهم، وقد علم أنه عقور فأراه ضامنًا. وقول مالك في الكتاب العقور إذا تقدم إليه حيث يجوز له اتخاذه لا حيث لا يجوز له اتخاذه كالدور. قال القاضي: تدبر هذا؛ لم يوجب ابن القاسم عليه ضمان ما أصاب العقور إلا بوجهين، أحدهما: أن يتقدم إليه، والآخر اتخاذه بموضع لا يجوز اتخاذه فيهن وقد علم بعقره، وإن لم يتقدم إليه، وأبو صالح ليس في جوابه تقدم إلى رب الكلب، ولا صفة للكلب بأنه عقور وأن ربه علم بعقره فهو خطأ، ولا ضمان على صاحب كلب اتخذه في داره إذا لم يعلم أنه عقور وجرح العجماء جبار كما قال رسول الله ﷺ . وفي سماع ابن الحسن زونان: سألت ابن وهب عن الدابة الصئول تعدو على مملوك فتقتله بعد أن تقدم جيرانه إليه فيها، فعدت على الصبي المملوك وهي مربوطة أو فلتت من رباطها أو كان سلطان تقدم

стр. 608

إليه فيها حين شكي جيرانه أمرها، وقال: إن أدت بعد هذا ضمنتك، فقال: الدابة الصئول في هذا مثل الكلب العقور لا ضمان على ربها حتى يتقدم إليه السلطان بعد المعرفة بالصئول والعقر فلم يحبسها عن الناس ولا غربها ضمن ما عقرت، وهو قول مالك في الكلب على ما وصفت لك. فإن كان دون الثلث ففي ماله، وما كان فيه الثلث فصاعدًا حملته العقالة، وهو من الخطأ إن كان المعقور حرًا، وإن كان عبدًا ففي مال رب الدابة والكلب على كل حال. وقال أشهب: لا ضمان على صاحب الدابة على أي وجه كان تقدم إليه سلطان أو استنهى منه الجيران. قال القاضي: انظر قول ابن وهب: إذا تقدم إليه السلطان بعد المعرفة بالصئول والعقر، لم ير ضمانه إلا بعد التقدم والمعرفة بالعقر، وهو مما يؤيد ما نبهنا عليه من غفلة أبي صالح في جوابه. وفي سماع عيسى عن ابن القاسم في رسم لم يدرك في الثور العقور أو الدابة الصئول أو الكلب العقور أو غيره من العجماء إذا عرف بالعداء على الناس أمر صاحبه بذبحه وتقدم إليه، فإن عقر أحدًا بعد ذلك ضمن في ماله، قال: وإن قتل الثور رجلا بعد التقدم إليه وشهد بذلك واحد حلف ورثته معه يمينًا واحدة واستحقوا الدية في ماله خاصة. وروي عنه ابن عبدوس أن الثلث فصاعدا في ذلك على العاقلة، وهو كقول ابن وهب فوق هذا شرط في هذه أيضًا المعرفة بالعقر والتقدم، وقال عيسى في تفسير ابن مزين: إذا اتخذ الكلب العقور بموضع لا يجوز له اتخاذه فيه فهو ضامن وإن لم يتقدم إليه إذا كان عقورًا، وكذلك قال ابن القاسم، فشرط كونه عقورًا كما تقدم، وقال يحيى بن إبراهيم: لا يكون التقدم إلا عند السلطان وإلا فبإشهاد العدول إذا لم يكن سلطان. وقال أصبغ: إذا لم يثبت ما أصاب الكلب العقور أو الثور العقور وشبهه بشاهدين عدلين، وأنكر اليمين في هذا مع الشاهد الواحد، وأما جواب ابن لبابة في مسألة الرداء، فأبين خطأ من جواب أبي صالح، وأردى، ويطول علينا بيان ذلك وبالله التوفيق.

стр. 609

الاحتساب على ابن السليم فيما اقتطعه من المحجة وضمه إلى جنته بمنية المغيرة وأجوبة الفقهاء في ذلك: فهمنا – وفقك الله – الشهادات الواقعة على سعيد بن محمد بن السليم فيما اقتطعته من محجة المسلمين وضمه إلى جنانه اللاصقة بمحجة قرطبة بمنية المغيرة، فرأينا شهادات تامة منعقدة توجب خراب ذلك، ورد المقتطع من المحجة إليها على حسب ما كانت عليه بعد مضي البينة التي شهدت في ذلك إلى الموضع، وحيازتها بما تقطع في ذلك بالهشادة أنه أخذه من المحجة، وبعد أن تعذر إليه في مدفع إن كان عنده فيمن قبلت شهادته في ذلك، قال بذلك أحمد بن يحيى بن أبي عيسى. وقال هذا قضاء قضاه عمر بن الخطاب ﵁؛ فقد روي ابن كنانة عن مالك ابن أنس قال: هدم عمر بن الخطاب على أبي سفيان أساسا مكان تزيده في طريق المسلمين، فسارع أبو سفيان إلى هدمه، وقال: من أين أهدم يا أمير المؤمنين؟، وحسر عن يده، فقال له عمرك من هنا إلى هاهنا يا أبا سفيان، فهدم أبو سفيان بيده، فرفع عمر يديه إلى السماء وقال: الحمد له الذي حتى الذي لم يمتني حتى رأيت أبا سفيان يطوع لنا هذا الطوع. وحدثني: من أثق به عن عبد الملك بن الحسن، قال: سألت عبد الله بن وهب عن الرجل يتزيد في داره من طريق المسلمين الذراع والذارعين إذا بني وأقام حائطًا وبني بنيانًا، فقام جاره الذي يقابله في الطريق فرافعه إلى السلطان وأحب أن يهدم عليه ما تزيده، وقال: كان لي نفع لمربط دابتي وفنائين وفيما بقي من الطريق ثمانية أذرع أو تسعة، هل له أن يهدم عليه ما زيد؟ فقال ابن وهب: نعم له أن يهدم عليه، قام في ذلك جاره أو من سلك المحجة، وينبغي للإمام أن يتقدم في ذلك لا يترك أحدًا يتزيد من طريق المسلمين. قال ابن وهب: وقد حدثني عثمان بن الحكم عن عبيد الله بن عمر عن أبي حازم أن حدادًا بنى كيرًا في سوق المسلين، فمر به عمر بن الخطاب ورآه، فقال: لقد استعظم سوق المسلمين فهدمه. وقال أشهب بن عبد العزيز: أرى أن يهدم ما اقتطع من طريق المسلمين كان ذلك قليلا أو كثيرا مضرًا أو غير مضر، يهدم ويتقدم الإمام إلى الناس، ولا يترك أحدًا يتزيد من

стр. 610

طريق المسلمين قليلا ولا كثيرًا، وقال بمثل ذلك يحيى بن عبيد الله. قال القاضي: قال محمد بن حارث يحيى بن عبيد الله بن يحيى بن يحيى يكنى أبا عبد الله، شوور مع أبيه في آخر أيامه، وتوفي سنة ثلاث وثلاثون مائة، وأحمد بن يحيى بن يحيى ابن يحيى يكنى أبا القاسم، سمع من عمه عبيد الله ومن ابن وضاح وكان ربما دخل مدخل من شاورهم الأمير عبد الله بن محمد وشاوره ومحمد بن سلمة القاضي في جملة من يشاور كانت وفاته سنة سبع وتسعين ومائتين وهو ابن سبع وأربع سنة. وقال غيره: قال رسول الله ﷺ "اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر (١) " حدثني بذلك إسماعيل بن إسحاق بن حماد بن زيد عن أبي نعيم الفضل بن دكين عن سفيان الثوري عن عبد الملك بن عمير عن ربعي بن حراش عن حذيفة عن النبي ﷺ وأن عمر ﵀ حكم في مثل هذا بالهدم في كير الحداد وما أحدثه في ذلك من سوق المسلمين. وفيما حكم به رحمة الله عليه، على أبي سفيان بن حرب، وأمره بالهدم فيه وتحويل حجازته من مكان إلى مكان، ففعل عمر ﵀، وحكمه أولى أن يقتدي به وأن يكون الأسوة فيه إن شاء الله من غيره. وقد حدثني محمد بن أصبغ بن الفرج أن أباه أصبغ رجع عن قوله فيمن اقتطع من أفنية المسلمين شيئًا وأدخله في داره أنه إذا كان واسعًا رحراحًا لا يهدم فرجع عن ذلك وقال بهدمه ورده إلى حالته وقال: الأفنية والطرق كالأحباس للمسلمين لا يجوز لأحد أن يحدث فيها حدثًا إلا من ضرورة واضطرار إلى ذلك. وقال ابن وهب وأشهب: يهدم على كل حال ضيقًا كان أو غير ضيق، قليلا كان أو كثيرًا، أخبرني بذلك يحيى بن عمر عن سحنون عنهما – والذي أقول به وأذهب إليه فعل عمر ﵁ وحكمه على أبي سفيان وعلى الحداد، قال رسول الله ﷺ : "من اقتطع

стр. 611

شبرًا من أرض بغير حق طوقه من أرضين (١) " رواه سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل عن النبي ﷺ . وقال يحيى بن عبد العزيز جمعتنا – وفقك الله – وكشفتنا عن الشهادة الواقعة على سعيد بن السليم على ما اجتبته البينة من اقتطاعه من طريق المسلمين وضمه ذلك إلى جنانه فأعلمناك – وفقك الله – أن في المسألة نظرًا واختلافًا بين العلماء وسألناك جمع جميعنا، لكي نجمع من ذلك على ما يختاره الله لنا فقلت: بل يكتب كل رجل منكم إلي بما عنده في ذلك، وأنا أسأل الله توفيقك، وأنا أحكي لك ﵁ ما ألفيناه في كتبنا ورويناه عن شيوخنا ﵏. وهو ما قد سمعته وقرأه عليك أصحابنا من رواية زونان عن ابن وهب وغيره، وما حكوا عن الفاروق – ﵀ – من وجوب هتك موضع الحداد، وما أشاروا به من هدم الحائط ورد المحجة إلى ما كانت عليه بعد الإعذار إلى سعيد في مدفع إن كان عنده في شهادة من قبلت شهادته، وبعد حيازتهم للزيادة التي اقتطعها من محجة المسلمين وأحكي لك ما في أحد ذينك الكتابين قبل الباب الذي قرئ عليك أو بعده منه ما قرأ من سؤال أصبغ بن الفرج عن أشهب بن عبد العزيز. قال أصبغ: سألت أشهب عن الرجل يهدم داره، وله الفناء الواسع، فيزيد فيها من الفناء يدخله فيها ثم يعلم بذلك؟ قال: لا يعرض له إن كان الفناء واسعًا رحراحًا لا يضر بالطريق. وقد كرهه مالك ﵁، وأنا أكرهه ولا آمر به ولا أقضي عليه بهدمه إذا كان الطريق واسعًا رحراحًا، لا يضر ذلك بشيء منه، ولا يحتاج إليه ولا يقاربه المشي، وقال أصبغ في الذي يبني دارًا له، فيأخذ من طريق المسلمين شيئًا يتزيده فهيا، كان ذلك مضرًا بطريق المسلمين أو غير مضر أترك ذلك جائزًا؟ وهل يجوز شهادة مثل هذا. قال أصبغ: إذا كان اقتطاعه اقتطاعًا يضر بالطريق والمسلمين أدخله في بنيانه وكان

стр. 612

إدخاله فيما يرى بمعرفة لا بجهالة أو وقف عليه فلم يباله، فلا أرى أن تجوز شهادته ويهدم بنيانه إذا أضر جدًا، وإن كانت الطريق واسعة جدًا كثيرًا، وكان الذي أخذ الشيء اليسير جدًا الذي لا يضر، ولا يكون فسادًا في صغر ما أخذ وسعة الطريق وكثرته فلا أرى أن يهدم بنيانه ولا يعرض له. وقد سألت أشهب عنها بعينها، ونزلت عندنا فكان هذا رأي فيها، وسألته عنها فقال مثله، فهذا رحمك الله قولان مختلفان، كفيانا الجواب وحملاه عنا، ولك الأخذ بأحدهما واختيار أحبهما إليك وأوقعهما بقلبك، ولو ركبت إلى الموضع للمعاينة والتشفي بالروية لكان صوابًا إن شاء الله، فقد ركب القضاء قبلك لما فيه من صلاح المسلمين، فأصلح الله بك على يديك، ونفع المسلمين نظرك. قال القاضي: يحيى بن محمد بن عبد العزيز هذا يعرف بابن الحراز، سمع من رجال الأندلس ثم رحل وحد سنة اثنتين وخمسين ومائتين، وسمع هناك من جماعة مبصر وغيرها كمحمد بن عبد الله بن عبد الحكم وغيره، ثم رجع وتوفي سنة سبع وسبعين ومائتين، وكان فاضلاً ﵀. وقال سعد بن معاذ: يهدم كل ما اقتطع من سكك المسلمين، ولو جاز لأهل جانب السكة التوسع فيها لجاز لأصحاب الجانب الآخر أن يأخذوا مثله، فإذا بسكك المسلمين قد ضاقت بهم، وإنما السكك من جهة الأحباس التي حبسها المسلمون لمنافعهم، وفي حديث عمر ﵁ إذا أمر بهدم كثير الحداد، وهو أقل ضررًا من اقتطاع كثير من طريق المسلمين ما تكتفي به. وقد سئل ابن القاسم عن مسرح مواشي أهل قرية نشط إليه بعضهم ليعمره، فكره ذلك ولم يره لهم، ورأى أن يترك المسرح كما هو، فكيف بمحجة المسلمين التي تخرج عليها عساكر المسلمين إلى عدوهم، وهي مجمع رفاق أمصارهم؟ فأرى أن يقدم الشهود الذين شهدوا فيما اقتطع من المحجة فيحوزونه، ثم يهدم ما اجتمعوا عليه من ذلك بعد الإعذار إلى سعيد في البينة. وإن كان لمثل ما أدخل من المحجة له كراء غرمة المقتطع له، وقد قال الله : ﴿الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه﴾ (الزمر: من الآية ١٨) وينبغي للحكام أن يضربوا الأقاويل بعضها ببعض، فيأخذوا فيها بالأوثق مما قاله أصحاب رسول الله ﷺ ، أو ممن كان

стр. 613

بعدهم إن لم يجدوا في ذلك متقدمًا لأصحاب النبي ﷺ وليس يترك قول صاحب لقول من بعدهم في هذه الأمة. وقال أحمد بن بيطير بمثل قول سعد بن معاذ. قال القاضي: سعد بن معاذ بن عثمان من عمل جيان، سكن قرطبة، ورحل فلقي محمد بن عبد الحكم، وتوفي في جمادي سنة ثمان وثلاث مائة، وأحمد بن بيطير مولى للخلفاء، سمع من ابن وضاح وغيره، وتوفي ضحى يوم الخميس ثاني ذي الحجة سنة ثلاث وثلاثون ومائة. وقال محمد بن عمر بن لبابة: الذي قاله يحيى بن عبد العزيز وحكاه من الرواية فهو كما حكي، وهي روايتنا، والذي رأيت علماءنا؛ العتبي وغيره، يفتون به ويأخذون به من هذه الروايات بقول أصبغ بن الفرج، وبه أقول. قال القاضي: ابن لبابة هذا أبو عبد الله مولى، ولم تكن له رحلة، وكان من الفقهاء، وقال: أدركت بهذا البلد يعني قرطبة ستة وأربعين مفتيًا منهم ستة عشر رجلاً أكابر جلة، كالعتبي محمد بن أحمد وعبد الله بن خالد وغيرهم، وذكر يومًا ذهاب العلم ومن صار في الشورى يتمثل بهذين البيتين: ذهب الرجال الذين يقتدي بفعاللهم ذ ... والمنكرون لكل أمر منكر وبقيت في خلف يزين بعضهم ... بعضًا ليسكت معور عن معور وكانت وفاته سنة أربع وعشرة وثلاث مائة. وقال خالد بن وهب: الذي أقول به - وفقك الله -: أن من تزيد من طريق السملمين شيئًا، ببنيان أو اغتراص أو غيره، مما يريد اقتطاعه دونهم، فإن السلطان يأمر بهدمه وتغييره إذا ثبت ذلك عنده، وبعد الإعذار إلى من شهد عليه فيما شهد به عليه كان ما تزيد، مضرًا أو غير مضر، كان في الطريق سعة أو لم تكن، لا ينبغي لأحد التزيد من طريق المسلمين وينبغي أن يتقدم في ذلك إلى الناس ويستنهي إليهم: ألا يحدث أحد بنيانًا في طريق المسلمين، وقال عمر بن الخطاب ﵁ لحداد بني كيرًا في طريق المسلمين فقال: لقد استهضمتم سوق

стр. 614

المسلمين ثم أمر بهدمه، قال ابن وهب. قال اصبغ بن الفرج: وكان ابن وهب أعلم أصحاب مالك بالسنن والأثر الماضي، وهو مذهب ابن القاسم وفتياه في النهي عن الضرر بالطريق وما يغيرها عن حالها مما يرى أنه ضرر، وجر إلى فساد طريق العامة، ولا ضرر – وفقك الله – على المسلمين أكثر من اقتطاع طريقهم وانتقاصها، وقاله سحنون بن سعيد، هذا الذي أقول به، والله أسأله توفيقك. قال القاضي: خالد بن وهب أبو الحسن التيمي مولى تيم يعرف بابن الصغير شوور في أيام الأمير محمد بن عبد الله وفي أول أيام عبد الرحمن بن محمد أمير المؤمنين الناصر لدين الله وولي أمير المؤمنين أول يوم من ربيع الأول سنة ثلاث مائة وفي ليلته توفي الأمير عبد الله ﵏. وقال محمد بن غالب: قرأت الأجوبة التي في هذا الكتاب وفهمت ما رواه أصحابنا في ذلك، والروايات صحيحة معلومة قد رويناها من غير طريق إن شاء الله ورأيت بعض أصحابنا قد ذهب إلى اختيار قول أصبغ أنه لا يهدم على المقتطع من طريق المسلمين ما اقتطع إذا كان الطريق واسعًا رحراحًا، فاختار برأيه ما رآه صوابًا. ولاذي نراه – والله نسأله التوفيق – اتباع قول المتقدمين ومن هو إلى التوفيق أقرب إن شاء الله. والعجب من الذي اختار قول أصبغ، كيف فارق قول عمر المعروف منه المأثور عنه وما علمته أرخص في هذا لأحد قط وما أظن به إلا أنه اجتهد والله نسأله التوفيق، ولقد خرجت عن الأندلس وأصبغ بن الفرج عندي أكبر أهل زمانه لما كان شاهدناه من تعظيم شيوخنا له، فلما دخلت مصر وجدت أهل بلده محمد بن عبد الحكم ويونس بن عبد الأعلى وغيرهما لا يعطونه ما أعطاه رجال أهل بلدنا والأئمة عندهم المقتدى بهم ابن وهب وأشهب وابن القاسم، وقول ابن وهب وأشهب يوجب هدمه، وبه آخذ – والله اسأله التوفيق. ورأيت أصحابنا وفقهم الله قالوا بهدم الحائط اتباعًا لفعل عمر، وقول الشيخين ابن وهب وأشهب وحضروا أن يكون ذلك حتى يزرع ما اقتطع، وأنا أقول باجتهادي إن

стр. 615

الحائط مضروب في غير حقه بإجماع من الشهود الذين شهدوا في ذلك، فهدمه واجب إذ صار جسمه أجمع موضوعًا في غير حق ثم يكون النظر في التذريع من بعد ذلك ليضع سعيد بن السليم حائطه من خلف الحد الذي تحدد له البينة، وهذا إذا كان الإعذار إليه قد انقضى. قال القاضي: محمد بن غاب هذا هو ابن الصفار أبو عبد الله روي عن ابن سحنون وغيره، توفي سنة ست وتسعين ومائتين. وقال أيوب بن سليمان: الذي أقول به وأعتمد عليه ما لا يجوز غيره قول رسول الله ﷺ : "لا ضرر ولا ضرار. ومن ضار أضر الله به (١) " فلينظر فإن كان ما حدده الشاهدان من هذه المحجة مضرًا بها وتضيقًا عليها هدم ما ضيقها وأعيد إليها ما أخذ منها وإن كان غر ضرر ترك والذي حكم به عمر على صاحب الكير، إنما حمله عند أصحابنا أنه كان ابتنى في موضع ضرر وهكذا روى أصبغ عن أشهب، وأصبغ أكبر في أشهب ممن روي عنه غير ما روي أصبغ. وأما ابن عبد الحكم فإن الذي كان بين أبيه وأصبغ معروف مشهور في المباعدة والبغضاء وأما يونس بن عبد الأعلى فصاحب حديث لا يدخل هذا المدخل والذي أخبرونا عن أصبغ بعلمه وفضله أكبر عندنا ممن وقع فيه بما لا يحل له وهذا فتيا أصبغ وروايته، فمن نظر إليها عرف فضله وعلمه إن شاء الله. قال القاضي: أيوب بن سليمان بن صالح بن هشام المعافري القرطبي كان حافظًا فقيهًا مفتيًا دارت الشورى عليه وعلى صاحبه ابن لبابة في أيامهما، سمع من العتبي وغيره ابتداء بطلب العلم سنة ثمان وأربعين ومائتين وتوفي سنة إحدى وثلاث مائة. وقال محمد بن وليد: قرأت ما جاوب به أبو صالح في هذه المسألة، فقد قال عندي بتوفيق الله وتسديده

стр. 616

إياه وبما قال في جميعها اقول: إنه لا يهدم الحائط إذا كان فيما بقي بعده من الطريق ما يحمل المارة عليها، وهو رأي أصبغ وأشهب وكلاهما إمام في زمانه وعصره، وما لقيت أحدًا من أهل العلم إلا شاهدًا لأصبغ بالحفظ والنظر والتحرير، وقد شاهدت عبد الأعلى بن وهب وشاوره بعض حكام بلدنا في رجل أدخل أذرعًا من المحجة الآخذة من مسجد متعة إلى مسجد مسرور. فأجاب عبد الأعلى: إن كان فيما بقي من المحجة ما يحمل المارة عليها فلا يهدم على الباني؛ لقول رسول الله ﷺ "لا ضرر ولا ضرار (١) "إلا أن في شهادة الشهود ضعفًا لتركهم أداء شهاداتهم ن يوم رأوا ذلك إلى حينهم هذا وأسأل الله التوفيق، وقال ابن لبابة: الذي حكاه ابن وليد عن عبد الأعلى من قوله كما حكي وقد ذكره لنا قبل ذلك. قال القاضي: محمد بن وليد الأموي أبو عبد الله سمع من العتبي وغيره، ولقي بالقيروان محمد بن سحنون، وبمصر محمد بن عبد الحكم وغيرهم، وكان مداهنًا متهمًا بالكذب ووضع الأحاديث، توفي في ذي القعدة سنة تسع وثلاث مائة وصلى عليه ابن لبابة وخرج الشيوخ – ﵏ – في هذه المسألة عن عادتهم في أجوبتهم في غيرها من الموافقة والمسألة، ومتابعة بعضهم بعضًا في الأغلب من أجوبتهم، والأكثر من فتياهم، حتى لا تكاد تجد بينهم خلافًا إلا في يسير من المسائل. وتكلفي في هذه المسألة كل واحد منهم نقل ما قد ذكره الآخر، ولم يتعدوا في ذلك كله ما في سماع ابن الحسن، وسماع أصبغ في كتاب السلطان من العتبية، وأكثرهم تكلفًا لذلك تعنيه لنفسه فيه حتى صار مشتغلا بما لا يعنيه؛ يحيى بن عبد العزيز، فإنه حكي لقاضي جمعهم عند نفسه وكشفه إياهم عن ذلك حتى كأن القاضي قد سها عن ذلك، فذكره إياه، ثم قال: وأنا أحكي لك ما ألفيناه في كتبنا، وهو ما قد سمعته وقرأه عليك أصحابنا من رواية زونان، وما حكوا عن الفاروق وأتى بذلك عنهم، ثم قال: وأنا أحكي لك ما في أحد ذينك الكتابين قبل الباب الذي قرئ عيك أو بعده منه ما جرى من سؤال

стр. 617

أصبغ عن أشهب. قال أصبغ: سالت أشهب، وساق المسألة، وهذا كله قد كان كفاه إياه من تقدمه بفتياه، وصار لذلك جوابه من الحشو الذي لا يحتاج إليه، ومن التكرار الذي لا يعول عليه، وكان يحسبه أن يختار أحد القولين أو يحمل القاضي – كما فعل أخيرًا – على اختيار أحد المذهبين إلى ما في كلامه من المحال، وقبيح نظم المقال ك قوله: وهو ما قد سمعته وقرأه عليك أصحابنا من رواية زونان وأصحابه، لم يقرؤه على القاضي، إنما جاوبوه به كتابًا ومخاطبة، فرآه هو مسطورًا من جوابهم، فلم يقرءوه هم عليه ولا سمعه هو منهم، إنما كان وجهه أن يقول: وهو ما قد جاوبك به أصحابنا مما أفتوك به وكتبوا إليك بنصه، أو يقول: وهو ما قد رأيته وقفت عليه من أجوبة أصحابنا أو ما كان في معنى هذا. وقوله: فأحكي لك ما في أحد ذينك الكتابين قبل الباب الذي قرئ عيك أو بعده، وهذا غير معقول ولا يقع عليه تحصيل لأنه ذلك كتابين، وإنما هو كتاب واحد، وهو كتاب السلطان، وفيه سماع أصبغ وسماع زونان، ثم قال: قبل الباب الذي قرئ عليك أو بعده، فأتى باختلاط هو أشبه بالهذيان منه بالبيان. فإن كان أراد أنه يحكي ما في سماع أصبغ، وعني بالكتابين السماعين، فما الذي دعاه إلى الشك في كون ما يحكيه قبل ما جاوب به غيره أو بعده وهو قد نقل ما في سماع أصبغ على نصه من كتابه؟ ألم ير سماع أصبغ بعد سماع ابن الحسن بعينه؟ فما له ولا دخل الشك في لفظه، ولو تتبعت جواب كل واحد منهم بمثل هذا الانتقاد حتى أنزل الألفاظ منازلها، وأطبق المعاني مفاصلها لطال الكتاب وصرنا إلى الإسهاب، وفيما نشير إليه مقتنع لأولي الألباب. وبالجملة فإن علم أكثر القوم قليل، ونظرهم عليل، وقد تقدم كرنا لما استشهد به ابن لبابة منهم إذ ذلك عنده من كان يشاور معه، والتوفيق من الله لا يهدي إليه سواه، وقد كر ابن حبيب ﵀ هذه المسألة في كتابه بأحسن مساق، وأعذب الألفاظ، وأبين معان مما وقع في العتبية، ولم يذكر ذلك كل واحد منهم ولا خرجوا عما في العتبية، فدل على مغيب ما في كتاب ابن حبيب عنهم وعزوبه عن ذكرهم، ورأيت نقله إذا فيه تتميم لمسألتهم، وبرهان واضح على علو قدر أصبغ ببلده وفي غير بلده، بخلاف ما توهمه فيه من جهل منزلته من هؤلاء المفتين.

стр. 618

قال ابن حبيب: سألت مطرفًا وابن الماجشون عن الرجل يبني أبرجة في الطريق ملصقة بجداره، هل يمنع من ذلك ويؤمر بهدمها إذا فعل؟ فقالا لي: نعم ليس له أن يحدث في الطريق شيئًا ينتقصه به، وإن كان أبقى من الطريق واسعًا لمن سلكه، قلت لهما: فالرفوف والعساكر تظل على الطريق، هل يمنع من ذلك عاملها؟ قالوا: لا لم تزل هذه العساكر والرفوف يتخذها الناس ويظلون بها على الطريق، فلا أرى أن يمنع أحد من ذلك ما لم يضر بأحد. قلت لهما: فالكشف التي تتخذ في الطريق، ويحفرها الرجل في الطريق بلصق جداره ثم يواريها هل يمنع من ذلك؟ قالا: إذا واراها وغطاها، واتقن غطاءها، وساواها بالطريق حتى لا يضر مكانها بأحد فلا أرى أن يمنع، وما كان من ذلك ضررًا بأحد منع. قال ابن حبيب: وسألت أصبغ بن الفرج عن ذلك، فقال لي مثل قولهما في الرفوف والعساكر والكتف. وقال لي في الأبرجة التي تبنى أن ذلك له أيضًا إذا كان ما وراها من الطريق واسعًا، قال لي أصبغ: وذلك أن عمر بن الخطاب قضى بالأفنية لأرباب الدور، قال لي: فالأفنية دور الدور كلها؛ مقبلها ومدبرها، ينتفعون بها ما لم تضيق طريقًا أو تمنع مارة أو تضر بالمسلمين فإذا كان لهم الانتفاع بغير ضرورة حموه إن شاءوا، ومن اخل منهم في بنيانه ما كان له أن يحميه ببروج تشد داره أو حظير حظره وزاده في داره، لم أر أن يعرض له ولا يمنع إذا كانت الطريق وراءه واسعة منبسطة، لا تضر بوجه من الوجوه ولا تضيق. قال: وأكره له أن ابتداء أن يحظره أو يدخله في بنيانه مخافة الإثم عليه فإن فعل لم أعرض له فيه بحكم ولا أمنعه منه وقلدته منه ما تقلد وقد بلغني أن مالكًا كره له البنيان وأنا أكرهه بديا فإذا فات على ما وصفنا لم أر أن يعرض له فيه. قال لي أصبغ: وقد نزل مثل هذا عندنا واستشارني فيه السلطان وسألني النظر إليه يومئذ، فنظرت فرأيت أمرًا واسعًا جدًا، فجًا من الفجوج، وكان له أيضًا في وجه جداره في القنا محط محظر عن الطريق يجلس فيه، ويجتمع فيه الباعة، فكسره وأدخله في بنيانه، فرأيت ذلك كله له واسعًا، وأشرت به على السلطان فحكم به، وسألت عنه أشهب يومئذ فذهب مذهبي، وقال مثل قولي. فأي دليل أدل على علو شأن أصبغ ببلده من هذا أن لي علو على قوله في هذه

стр. 619

النازلة، ويعمل فيها برأيه، ويعتمد سلطانه في ذلك على نظره وشيخه أشهب بحضرته وموافق له وقد دعوى إلى القضاء ببلده مصر، ثم أدركته مطالبة ممن حسده وغض منه بأنه مولى فلم ينفذ ذلك، وساذكر ما حضرني من فضائله بعد إكمال هذه المسألة إن شاء الله. قال ابن حبيب: وقول مطرف وابن الماجشون فيه أحب إلي وبه أقول، ألا يكون له أن ينقص اطريق والفناء ببنيان يشد به جداره، أو يدخله في داره، وإن كانت الطريق وراءه صحراء في سعتها، لأنه حق لجميع المسلمين، ليس لأحد أن ينتقصه كما لو كان حقًا لرجل لم يكن لهذا أن ينتقصه إلا بإذنه ورضاه، وقد قال رسول الله ﷺ : "من أخذ شبرًا من الأرض بغير حقه طوقه يوم القيامه من سبع أرضين (١) ". وإنما تفسير قضاء عمر بن الخطاب بالأفنية لأرباب الدور الانتفاع للمجالس والمرابط والمصاطب وجلوس الباعة فيها للبيوعات الخفيفة في الأفنية وليس بأن تحاز بالبنيان والتحظير، وكذلك سمعت من أرضى من أهل العلم يقول في تأويل ذلفك، ثم ذلك ابن حبيب خبر عمر بن الخطاب – رضي الله تعالى عنه – في هدم كير الحداد وأثرًا عن النبي ﷺ في اقتطاع الأفنية أو الطرق أو الوعيد في ذلك. وفي المجموعة روي ابن وهب عن ابن سمعان أن من أدرك من العلماء قالوا في الطريق يريد أهلها بنيان عرصتها: أن الأقربين إليها يقتطعونها بالحصص على قدر ما شرع فيها من رباعهم، فيعطي صاحب الريعة الواسعة بقدر ما شرع فيها من ريعهم، وصاحب الصغير بقديرها ويتركون لطريق المسلمين ثمانية أذرع. قال القاضي: وهذا أشد مما أنكره منكرهم من قول أصبغ؛ لأن أصبغ كرهه ابتداء ورأى أن تركه لمن فعله إذا كان واسعًا رحراحًا فجًا من الفجوج. وقال ابن أبي زيد في نوادره: قال لنا أبو بكر بن محمد: اختف أصحابنا فيمن تزيد في بنيانه من الفناء الواسع أن يضر فيه بأحد، فروي ابن وهب عن مالك أنه ليس له ذلك، وقال عنه ابن القاسم: لا يعجبني ذلك. ولابن وهب عن ربيعة في المجموعة من بني مسجدًا في طائفة من داره فلا يعجبني ذلك. ولابن وهب عن ربيعة في المجموعة من بنى مسجدًا في طائفة من داره فلا

стр. 620

يتزيد فيه من الطريق، وقال مالك: لا بأس بذلك إن كان لا يضر بطريق الناس. وفي كتاب ابن سحنون: سأله حبيب عمن أدخل في داره من زقاق المسلمين النافذ شيئًا، فلم يشهد به الجيران إلا بعد عشرين سنة. قال: إذا صحت البينة فليرد ذلك إلى الزقاق ولا تحاز الأزقة وفي موضع آخر: إن كان ضرر ذلك بينًا ولا عذر للبينة في ترك القايم بلك فهي جرحه، وهذا كله لم يقف القوم عليه ولا بلغته مطالعتهم، ولو علموه لنقلوه وآثروا ذكره وسطره على تكرار بعضهم كلام بعض بما لم يحل منه بطائل ولا جيء فيه بمعنى زائد. وقول محمد بن غلاب: والعجب من الذي اختار قول أصبغ كيف فارق عمر وهو أعجب مما تعجب منه؛ لأنه تلم بغير تدبر وأنكر قبل أن يفكر؛ لأن قول أصبغ قد رواه عن أشهب فصار مختار ذلك مختارًا لقولهما، وقد أقر ابن غالب في جوابه ذلك بإمامة أشهب، فقد سلم لمخالفه أنه اختار قول إمام هذا الاحتجاج عليه من كلامه، ولو أنكر إمامه أشهب لم يكدح ذلك في إمامه أشهب، ولا في فقهه ورسوخه وتقدمه، كما لم يكدح قوله في تقدم أصبغ عيه، ومجاراته لشيوخه في العلم وانتقاده عليهم في كثير من المسائل. أعرب أبي غالب بذلك الكلام عن جهل نفسه، وسجل عليها باتابع كله ناعق وبارتفاع الحقيقة عنده في العلم بأصبغ وعلمه وتقدمه، وحصل في الطائفة المذمومة المذكورة في تفسير علي بن أبي طالب – ﵁ – الناس حيث قال: الناس ثلاثة: عالم رباني، ومتعلم على سبيل نجاة، وهمج رعاع أتباع كل ناعق، الحديث. وقول أصبغ وروايته عن أشهب ينضاف إليهما ما ذكره ابن سمعان عمن أدركه من العلماء، ويوشك أن يكونوا من التابعين، مع اختلاف قول مالك في هذا الأصل. ومن استظهر بهذا كله في جوابه لا يشنع عليه مخالفة عمر – ﵁ – لأن هؤلاء كلهم لم يخالفوه إلا إلى أصل، ولا اجتمعوا على القول به إلا عن علم، مع أن حديث عمر وجواب أصبغ ومن وافقه مختلفًا المعنى في الظاهر؛ لأن المعهود في طرق الأسواق وأزقتها الضيق في مساحتها فمنع عن أن ينتقص منها، وهي مجتمع للناس فهم محتاجون إلى حيث يجولون ويتصرفون. وكذلك في حديث عمر أنه قال، حين أمر بهدم الكير: تضيقوا على الناس السوق

стр. 621

والطريق، في مسألة أصبغ كان واسعًا ظاهر الاتساع، غير مضر بالمارة فكان الاستحسان عنده لمن يريد مثل هذا الطريق أن يترك لئلا يفسد عليه ما بني ويذهب إنفاقه باطلاً، ولعله كان مضطرًا إلى ذلك لضيق ساحة داره، وتقصيرها عما يقوم به في مسكنه، فالمختار لقوله على هذا غير مخالف بل مجتهد في النظر واضع للاستحسان في موضعه، والله ولي التوفيق. ولما لم يجد ابن غاب عند نفسه علمًا يورده ولا برهانًا على مخالفة يعضده قام مقام الحصر فهذي وخرج عن ذلك المعنى، كما اعترى مصعب بن مقاتل أخو حيان بن مقاتل، خطب خطبة نكاح فحصر فقال: لقنوا موتاكم لا إله إلا الله، فقالت له أم الجارية: الهذا دعوناك؟! عجل الله موتك. وحضر عبد الله بن عامر على منبر البصرة فشق ذلك عليه، فقال له زياد: لا يشق ذلك عليك أيها الأمير، إنك إن أقمت أكثر من ترى عرض لهم ما عرض لك، فقيل لرجل من الوجوه: قم فاصعد على المنبر وتكلم، فلما صعد حصر فقال: الحمد لله الذي يرزق هؤلاء ويكسوهم، وبقي ساكنًا فأنزله، وصعد آخر فلما استوى قائمًا وقابل وجوه الناس وقعت عينه على صلعة رجل، فقال: اللهم العن هذه الصلعة. ومثله كثير. وكذلك ابن غالب سئل عن مسألة لم يكن عنده فيها إلا ما قد جاوب به غيره فعدل إلى الغض من العلماء، وظن أن ما سمعه من محمد بن عبد الحكم، ويونس بن عبد الأعلى في أصبغ بن الفرج – ﵀ – بعض منه ويكدح يه، وهيهات هيهات من ذلك، ولم يعلم أن ابن وهب قال: لا تجوز شهادة القارئ على القارئ يعني العلماء لأنهم أشد الناس تباغيا وتحاسدا، وقاله الثوري للبغي والمنافسة ومن طريق المحاسدة، قال القطان وابن مهدي: سمعناه يقول: ما أخاف على دمي إلا الفقهاء والقراء. زاد غيرهما: ممن أصحابي. قال القاضي: هكذا نصه في المبسوطة وأين محمد ويونس من أصبغ، وفي أصحاب أصبغ المتفقهين عليه الحالمين عنه المقدمين له مع كبار أصحاب مالك من يساويهما أو يشف عليهما، مثل عبد الملك بن حبيب، ويحيى بن إبراهيم بن مزين، بالأندلس، وابن حبيب عالمها، كما قال ابن لبابة، بل قاله عنه سحنون لمانعي له ابن حبيب قال: مات عالم بالأندلس، بل والله عالم الدنيا. ذكره الزبيدي عنه في كتاب النحويين له وهو يقول في غير مسألة من

стр. 622

الواضحة إذا كان فيها تنازع: قال هذا كبار أصحاب مالك/ المغيرة وابن دينار وأشهب وفلان وفلان وأصبغ فيجعله معهم ويسميه في جملتهم. ومن كبار أصحابه المشهورين محمد بن إبراهيم بن المواز عليه وعنده تفقه على جلالته وتدقيقه للمسائل وتنقيحه، وأبو زيد عبد الرحمن بن إبراهيم الأندلسي صاحب الثمانية معولة فيها عليه وعلى مطرف وابن الماجشون، ولو لم يحمل عنه إلا بعض هؤلاء لكان منقبة لا يخفي سبقه وتقدمه معها وأني للمذكورين مثل هذه الدرجة. اما محمد فإن ابن حبيب وابن المواز قد ساويا بين أبيه وأصبغ في حملهما عنهما وتفقهما عندهما، ومحمد أكثر علمه عن الشافعي محمد بن إدريس، حضه أبوه عبد الله بن عبد الحكم على الاختلاف إليه والأخذ عنه والتعويل عليه ومع ذلك فمحمد بن عبد الله فقيه كبير محسن، وأما يونس بن عبد الأعلى فلا ذلك له في هذا المعنى، ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء. وقال فضل بن سلمة راسخ المذهب في وقته وبعده: أخبرني يوسف بن يحيى المقامي، عن عبيد بن سعيد، قال: قدمت على أصبغ بن الفرج، فلما حان توجهي إلى المدينة كتب معي إلى عبد الملك بن الماجشون يسأله أن يجيز له كتبه، فلما قدمت عليه أعلمته بكتابه إليه وهو يومئذ قد كف بصره، فقال لي: اقرأه فلما قرأته. قال لي: اكتب إليه: أشخص للعلم إن كنت تريده فإنما العلم لمن شخص إليه. قال: فذاكرته حال أصبغ، فقال لي: ما أخرجت مصر مثل أصبغ، قال: قلت له: ولابن القاسم؟ قال: ولا ابن القاسم. قال عبيد بن سعيد: كلفًا من ابن الماجشون بأصبغ. قال فضل: وأخبرني يوسف، عن يحيى بن إبراهيم، قال: لما قدمت على أصبغ سلمت عليه وهو محتب، فأخرج يده من تحت حبوته، وكنت أعرف مروءة أصحابنا بالأندلس، فقلت في نفسي: لقد ضاع سفري إلى هذا الرجل، ثم جلست فلما خاض في العلم، قلت في نفسي: ما يضرك لو أخرجتها على طوقك، يعني يده. وقال يوسف: قال ابن مزين: أو غيره من أشياخنا: مرض أشهب فدخل عليه عواده، وفيهم أصبغ، فلما خرج من عنده قالوا: يا أبا عمرو من لنا بعدك؟ قال: هذا الخارج عنا، وأخبرنا يحيى قال: كان ابن وهب يقول: يا أصبغ، لولا أن يكون بدعة لسورناك كما تسور الملوك فرسانها.

стр. 623

قال القاضي: هذه هي الشهادة القاطعة لتعظيم أصبغ لا قول حاسد باغ، وكله غاب عن تحصيل ابن غالبن ولم يكن في علمه، وقال في جوابه: ورأيت أصحابنا قالوا بهدم الحائط إلا أنهم شرطوا. حتى يذرع ما اقتطع. وأنا أقول باجتهادي: أن الحائط مضروب في غير حقه بإجماع من الشهود، فهدمه واجب إذ صار جسمه أجمع موضوعًا في غير حقه، ثم يكون التذريع من بعد مصحف اللفظ والمعنى. فأما اللفظ فقوله: حظروا الهدم حتى يذرع لأنهم لم يذكروا تذريعًا، إنما قال بعضهم: يهدم بعد سير الشهود إلى الموضع وحيازتهم إياه وهذا هو الفقه بعينه والعمل الذي لا يجوز الحكم بغيره، كما أنه لا يقضي القاضي بما شهد فيه وثبت عنده من الأصول للمشهود له إلا بعد حيازة الشهود لذلك، وبعد الشهادة والحيازة يكون الإعذار وبه جرى العمل، وقد تقدم هذا في صدر الكتاب، والحمد لله، وأصلح هذه الأجوبة جواب أبي صالح، ومن وافقه. ذلك هدم الحائط على الحاجب ابن السليم: إنما تركنا التسجيل في الحائط الذي هدم سعيد بن السليم خروجه به على المحجة، فإن ذلك شيء اختلف فيه أهل العلم علينا، فذهب بعضهم إلى ألا يهدم، وكثر في ذلك بالعلل، فلما اختلفوا كان عند القاضي في علمه أنه قد خرج ولا يعرف القدر، ولمي يجز أن يحكم بعلمه فلما شهد به عنده رجلان يعرفهما إلى علمه، وزادا في معرفة الحيازة رأي إمضاء الهدم. والأخذ في ذلك بقول من رأى هدمه اجتهادًا منه، ورد ما أخذ من الطريق وترك التسجيل لقول من لم يرد الهدم فتوسط أقاويلهم، وقد قال رسول الله ﷺ : "خير الأمور أوسطها (١) " وجائز للحكم أن يتوسط فقد جاء عن عمر بن الخطاب أنه أتى بامرأة زنت فكشفها فقالت: زنيت بمرغوش بدرهمين، تستهل بالزنا مع رجل سمته بمرغوش فكشف من حضره، فقال له علي وعبد الرحمن بن عوف: نراها تستهل بالزنا فعليها الرجم، فقال

стр. 624

لعثمان: ما تقول؟ فقال: قد أفتاك أخواك، فقال له: لتقولن، فجلس على نفسه وكان مضطجعًا فقال: تراها تستهل بالزنا، كأنها لا تعرفه وإنما الحد على من عرفه، فقال عمر: أجل إنما الحد على من عرفه وضربها مائة قاله محمد بن غالب. ركوب القاضي مع الفقهاء إلى معاينة حائط فيه تنازع: وقنا مع القاضي - وفقه الله وسدده - إلى الدارين اللتين فيهما عيسى بن دينار وأمينة وحواء ابنتا إبراهيم بن عيسى في الترس الحاجز بين داريهما بغربي دار المرأتين، وبشرقي دار ابن دينار، فرأينا عضادة في جبهة الترس إلى الجوف على الشارع، وعلى العضادة على الحائط الذي من دار المرأتين على نحو الشير. ورأينا هذه العتبة عتبة موصولة بعضها بالية إلى ناحية دار المرأتين وقد خرجت الجديدة نحو الترس الذي تنازعا فيه على قدر العضاة أو خارج قدر أربع أصابع دون العتبة البالية إلا أنها أخذت عرض الترس، وفي طرف هذا الجديدة الكلب الذي يجب عليه الرف، وسمعنا الشهادات الواقعة للمرأتين بأن الترس من داريهما إلى ما رأينا عيه من رف خارج على الترس نحو الذراع، يدل على أن الترس للمرأتين مع عقد الطابية العليا التي تحت السقف. فيجب - والله الموفق للصواب - أن يترك عتبة ابن دينار الباية كما هي، وينزع الكلب الخارج الذي فيه الترس الذي شهد فيه، ويقطع من العتبة الجديدة بحيال الترس لا يزاد عليه، ويدخل فه مكان الخشب طوب، ولا تمنع المرأتان من الانتفاع بحائطهما في أعلاه وأسفله. ولا يمس من عتبة ابن دينار البالية شيء إلا أن يكون عند ابن دينار في الشهود الذين قطعوا بأن الترس للمرأتين مدفع، فينظر القاضي وفقه الله في ذلك بما يريده من الحق إن شاء الله. فإن كان في مدفعه ما يسقط الشهود ويستحق به الترس لإقامته البينة على ذلك، ولم يكن للمرأتين في ذلك مدفع حكم بالترس لابن دينار، وإن لم يكن في مدفعه ما يستحق به الترس ويسقط به الشهود فإن للمرأتين حجة في الترس بالعقد الظاهر فيجب لهما مع أيمانهما. قال بذلك عبيد الله بن بيحيى، ومحمد بن لبابة، ومحمد بن وليد وسعد بن معاذ، ويحيى بن سليمان، وأحمد بن يحيى.

стр. 625

قلتم أكرمكم الله: أن المرأتين تستحقان الترس بعد أيمانهما، مع العقد الظاهر، ولم يأت ابن دينار بأحد يشهد له على الترس ولا بمدفع إلا ما قد عرفتم في أهل المسجد وشكيته بهم، وقد انصرمت الآجال في أهل المسجد وغيرهم، فهل يجب نزع ما ذكرتم في كتاب المشورة من الكلب ووصل العتبة الجديدة وما عليها من الرف على ما لخصتم في كتاب المشورة لو لم يشهد للمرأتين شهود من غير أهل المسجد مع يمينهما والعقد الظاهر الذي ذكرتم؟ أم لا يجب ذلك إلا بالبينة التي شهدت من غير أهل المسجد؟ أوضح لنا رحمك الله ما أرادته من ذلك. قال محمد بن لبابة: فهمت – أكرم الله القاضي، والشورى صحيحة إن تدبرتها وإنما قلنا: إذا تمت للمرأتين شهادة الشهود الذين شهدوا تم لهما ما قلنا من نزع الكلب في الوصل، وإن سقطت شهادتهم بما شكي من عداوتهم له وتظاهرهم عيه عادت المرأتان في الفتيا إلى ما قاله أهل اعلم أن الترس الذي له العقد، وبقول ابن الماجشون وأشهب: مع أيمانهما. ويترك ما وجد فيه كما وجد لا يقلع، وليكن – أكرمك الله – رأيت من الرف والعتبة دليلا واضحًا ما يثبت به للمرأتين الترس ولا يقلع ما وجد فيه لابن دينار إلا ببينة تقطع، إلا فحسب الفريقين أن يتركوا على أن الترس للمرأتين وفيه لابن دينار خشب، ونسأل الله توفيقك وتسديدك على ما قلدك. من أحد درجًا في داره وبلصق جاره وأدخل فيه خشبًا ومطبخًا يؤذيه دخانه: قام عند الوزير صاحب الأحكام بقرطبة محمد بن الليث بن يحيى بن جعد بن مضح، وهند على إشراق مولاة محمد بن حي وقالا: إنها أحدثت في دارها بلصق الحائط الجوفي من دارهما التي بداخل مدينة قرطبة بالموضع المعروف بالتحيل بحومة مسجد أبي رباح درجًا يصعد عليه إلى غرفة لها وأن ذلك يضر حائطهما، وإنها أدخلت أطراف عتبتين في غراب مجلس دارهما وأطراف فرش غرفة أحدثتها لمطبخ دارها، وقالا: إن دخان هذا المطبخ يؤذي ساكني دارهما. وأنكرت إشراق الأحداث، وأقرت لهما بالحائط، وثبت عنده إقرارهما وأن الغراب من حقوق دارهما وأن ملكهما مع سائر الدار لم يفوتا شيئًا من ذلك في علم شهدائه وحيز ذلك، وشهد عنده ابن الندى أنه يعرف الحائط المذكور منذ نحو عشرين عامًا لا درج

стр. 626

بجوفيه وأن الغراب لمي يكن يتعلق منه فرش غرفة ولا العتبتان، وشهد عنده آخر بمثل ذلك في الفرش والعتبتين وقبلهما، وحازا ما أنفقا عليه وأعذر فيه إلى إشراق فأظهرت عقد استرعاء، فيه أن شهوده يعرفون الدرج والفرش والعتبتين على الهيئة التي هي عليها منذ نحو ثلاثين سنة وشهد به شهيدان، وقبل أحدهما وتوقف الآخر وشاور في ذلك. فجاوب ابن عتاب: قرأت ما خاخبتنا به وأدرجت طيه، وإذ قد ثبت عندك ما ذكرت، ولم يثبت عندك ما أظهره من إيه أعذرت مما ذلك في عقد الاسترعاء الذي شهد عندك فيه شاهداه وعرف أحدهما ولم تعرف الآخر لالقضاء بتغير ما أحدث واجب، وإزالته وإعادة الحال على ما كانت عليه أولا لازم، واليمين تضعف عن يحيى وهند، فأنفذ ذلك من نظرك موفقًا للصواب إن شاء الله . وجاوب ابن القطان: يا سيدي، تصفحت خطابك وما أدرجته والجواب المتقدم على ذلك صحيح إلا أن اليمين على القائمين مختلف فيها على ما اختلف فيها أهل العلم في البينة إذا لم تقبلن هل هي شبهة في وجوب اليمني أم لا؟ فالذي رواه ابن القاسم عن مالك، أنه ليس بشبهة، وروى أن ذلك شبهة. وأرى في هذه المسألة أن ذلك شبهة، واليمين واجبة، ثم يغير المحدث والله الموفق للصواب، والملهم إلى الرشاد بفضله. وجاوب ابن مالك: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، يا سيدي ووليي، ومن وفقه الله وسدده وأرشده فيما تقلده شهادة ابن الندي وصاحبه إذا لم تفد فائدة عندي ولا بأثير لها في رأي بلا شك والاسترعاء الذي يه دافعت إشراق لم يثبت، وقد ثبت الجداران لابني مضم، فالبينة على من أدعى واليمين على من أنكر، والمدعية إشراق تكلف البينة بقدم ذلك الضرر، وقد عجزت عنها، فاليمين على القائمين يحلفان بما ينفي ذلك عنهما ويزاح ذل عن حائطهما ولهما رد اليمني. حملنا الله وإياك على الصواب برحمته والسلام. قال القاضي: تكلمت مع ابن مالك بعد ذلك في وجه سقوط شهادة شاهدي القائمين، فقال:

стр. 627

إنما رأيت سقوط شهادتهما لأنهما شهدا بمدة طويلة من آخر معرفتهما الجدار لا عتبتين ولا فرش فيه، ويحتمل أن يكون الإحداث من حينئذ فكان يستحق بالقدم؛ إذ ليس من الضرر المتزايد كدخان الفرن وضرر الدخان وشبهه إن أثبت القائمين علمًا بذلك في هذه المدة كلها، قلت له: فإن القائم: لا أدي متى أحدث، قال: يحلف على ذلك أنه محدث ولا أدي متى أحدث. وسئل ابن القطان عن اليمين المذكورة في جوابه كيف تكون؟ فقال: يحل القائمان في مقطع الحق: إن ذلك محدث وإن إشراق أحداثته، ثم يهدم عنهما، وسكت عن ذلك الدخان إذ لم يثبته القائمان، وسيأتي الكلام فيه وفي غيره إن شاء الله . من ادعى أن هذا بنى على حائط متعديًا: فهمنا – وفقك الله – ما قاله أحمد بن محمد بن الوليد بن غانم، من تعدى أحمد بن قاسم عليه في حائط له، وامتداد أعوانه إلى البنيان على حائط، فالذي نرى أن يأتي هذا القائم أحمد بالبينة أو بشاهد عدل أو شبهه يجب بها عقل هذا الباني حتى يتم عندك إثبات ما ذكره. قال بذلك عبيد الله بن يحيى، وقال: وإن أرسل القاضي لامتحان ذلك بمن يثق به مجس، وقال بذلك ابن لبابة، وسعد بن معاذ، وابن وليد، ويحيى بن سليمان، ويحيى بن عبيد الله، وأحمد بن بيطر، ومحمد بن عبد الملك بن أيمن. قال القاضي: محمد بن عبد الملك بن أيمن من أهل قرطبة، فقيه مشاور، حافظ لمذهب مالك، سمع بالأندلس من ابن وضاح وغيره، ورحل فدخل الأمصار وحمل عن جماعة من علمائها، وقد استغنى به القاضي الحبيب ابن زياد في ولايته الأولى عن ابن لبابة وأبي صالح ودارت الفتى يومئذ عليه، وتوفى في شوال سنة ثلاث وثلاثين وثلاثة مائة وكان مولده مستهل ذ الحجة سنة اثنين وخمسين ومائتين. هدم سعيد بن مجاهد لبيتي محمد بن خالد: شهدت بينة لمحمد بن خالد أنهم حضروه، يقول لسعيد ابن مجاهد: ما دعاك لنقضي بيتي الذي بقرية فلان، وأخذ خشبهما وعتبهما وقرامدهما؟ فقال سعيد أبوك أذن لي في ذلك، ولم يدع شيئًا غير هذا الإذن الذي زعم، وثبت ذلك من قوله عند السلطان وأعلمه بثبوته، فادعى أن عنده مدفعًا لما لم يشهد به عليه، فضرب له آجالاً واسعةً وتلوم عليه

стр. 628

وانصرمت الآجال، ولم يأتي بشيء فعجز. ودعاه الخصم إذ ظهر عجزه إلى رد ما نقض من ذلك وإعادته إلى مثل حالته، وأنصف ما نقص ليقام بتلك الصفة أو يأخذ بقيمة ذلك فنكل عن الصفة وادعى الجهل بها لددًا وتركًا عن الحق، وزعم أنه باعه ولم يحضر نقضه، فدل هذا من قوله أيضًا على باطله ومحكه وهل يبيع الإنسان إلا ما تثبتت معرفته ولا يجهله؟! فهل ترى رحمك الله للسلطان أن يجبره ويشتد عليه في الصفة بالحبس والجلد، ثم يحلفه عليه إذا كان المتعدي عليه جاهلا بالصفة، فقد رأى مالك في الخصم إذا كان ملدًا ظالمًا أنه يجلد، فيكيف وقد ظهر من هذا التعدي واستحق قبله مع لدده لادعائه الجهل لما يعرف أنه يعرفه، ولا يقع اسم الجلد إلا على الظهرز الجواب: في هذا المتعدي الجاهل في صفة ما تعدى فيه واستهلكه أن يقال له: يصح في معقول كل سامع منك ما حكيت من التجاهل أنك لا تنقض إلا ما أحطت به بعيان، وهربك عن الصفة لدد وللملد حكم، قال به أهل العلم من حمل السوط عليه حين تبين لدده فإن وصف صفة وازدجر بالأدب عن التجاهل غرم قيمة ما استهلك. وإن مضى في تجاهله ولم يزعه عن باطله حمل التأديب عليه وكان المتعدي عليه يحيط بمعرفة ما استهلك له وصف ذلك وأغرم هذا قيمة الصفة مع يمينه على الصفة، وإن ادعى أيضًا جهلا في الصفة فهو في ذلك أعذر من المتعدي أقرب عهدًا بما تعدى فيه. ولست أقول أن هذا تعذر لمعنى واحد أرى عليه أدبًا في تجاهله بما يشهد الذهن على معرفته، وأدبًا بما اجترم من التعدي الذي لا يجب أن يسوغه أحد، وإذا تجافى الحكم عن تغيير مثل هذا ذهبت الحقوق، واجترأ الملد على إصراره على اللدد، وإذا جهلت الصفة بتجاهل الفريقين أخذ له أوسط قيمة ما يستدل عليه من وجه لمعاينة الموضع ومعرفة قدر ما كان فيه وإن كانت العين غائبة؛ لأنه إذا أخذ في ذلك بأوسط القيمة فكأن العين قومت إن شاء الله. قال بذلك كله محمد بن غالب، وأيوب بن سليمان، وقال به يحيى بن عبد العزيز إلا ما ذلك من السوط فقد يكون الأدب بالحبس وبما هو دون السوط، وقال عبيد الله بن يحيى إلا أن يتبين للقاضي عن لدده ما يجب ضربه بالسوط، وقال ابن لبابة لا أقول بشيء

стр. 629

في هذه المسألة. قال القاضي: قد تقدم من ذلك الروايات في عقوبة الملد ما فيه كفاية إن شاء الله. فيمن صب ماء جداره على حائط جاره: فهمنا – وفقك الله – ما قاله سليمان وأحمد مما أراده مشتري العرصة التي تجاور جنان نسائهما من رفع حائط على حنان نسائهما وكراهة نسائهما لذلك، وما ذلك عن المشتري من أنه يقول: إن العرضة كانت مبنية، وكان ماء بنيانها ينصب لي الجنان، فالذي يجب أن يمنع المشتري من صب ماء حائطه في هذه الحنان حتى يثبت أن ذلك حق له واجب تشهد به البنية، وذك بعد أن يثبت توكيل نسائهما على المخاصة عنهما يه. قاله ابن لبابة. مسائل في الرفوف: كتبت إلى شيوخنا بقرطبة في شعبان سنة ستة وخمسين وأربع مائة أسألهم عن دارين متجاورتين لرجلين، وبين الدارين حائط لأحد الرجلين، وله على الحائط رف، وقد خرجت أكلبه إلى داره، فأراد صاحب الرف أن يبني على أطرافه الأكلب حائطًا بأجر أو غيره، ويرفعه لحجة أو غرفة يريد ابتناءها فمنعه صاحب الدار، وقال الهواء لي لأنه لإزاء هواء داري، وإنما لكل إخراج الرف إلى ناحيتي لا غير؛ وكيف إن أراد صاحب الرف إزالته ورفع حائطه وإعادة الرف عليه على ما كان، هل له ذلك؟ فكتب إلى ابن عتاب: ليس لصاحب الرف ما أراد من البناء على أطراف الأكلب ويمنع منه، وإنما يملك الهواء من ملك قاعته، وله رفع الحائط وإعادة الرف عليه على نحو ما كان في الخروج. وكتب ابن القطان: لصاحب الرف أن يبني على أطراف أكلبه ما شاء ولا يمنع من ذك ولا من أعلى حائطه من غير ضرر إلا من الريح والضوء وشبهه فليس بضرر. وكتب ابن مالك: يمنع صاحب الرف مما ذهب إليه إلا أن يأذن له معترضه. وكانت جرت بطليطلة بيني وبين موسى بن السقاط قاضي وادي الحجارة،

стр. 630

وجوب ابن القطان عندي أشبه، والله أعلم بالوصواب، وفي كتاب ابن سحنون من سؤال حبيب: وعن رف لحظور خارجة الرجل إلى دار جاره، ولا قصب عليه فأراد أن يضع عليه القصب فمنعه جاره، قال سحنون: ليس له منعه وإنما وضعت الحظور لهذا، وقال فيمن له رف خارج إلى دار جاره فبنى جاره جدار الرف جاره، وأراد أن يعلي بناءه على الرف: ليس له أن يبني فوقه؛ لأن صاحب الرف قد مل سماءه. قال القاضي: وهذه تدل عندي على ما ذهب إليه ابن القطان، وقال سحنون في جواب حبيب، من أراد أن يطر حائطه من دار جاره فمنعه، قال: ليس له منعه أن يدخل داره فيطل حائطه، وكذلك لو قلعت الريح ثوبًا عن كتفي رجل فألقته في دار رجل لم يكن له أن يمنعه من أن يدخل فيأخذه أو يخرجه إليه. تعليق البنيان من حيطان الجوامع والمساجد: كتبت بذلك في شعبان سنة ست وخمسين إلى قرطبة: هل يجوز تعليق حوانيت من حيطان جامع بلدة وكون الحوانيت محبسة عليه أم يترك ما حوله رحابًا؟ وهل لمن جاور مسجدًا أو جامعًا أو يغرز خشبة في جداره قياسًا على جدار جاره؟. فكتب إلى ابن عتابك كان الشيوخ – ﵏ – لا يمنعون من العليق من المساجد إذا كان التعليق لا يضر بها واتصلت بالدور والدور بها كان ذلك لدار المسجد أو لتلك الدار ولمن جاورها أن يغرز خشبه فيها إذا لم يضر بها ولا يمنع من ذلك. وأما الجامع فلا تعلق منته جوانب إذا كان ما حوله فناء له لأنه منع للصلاة عند ضيقه أو لإمساك دواب المصلين وفيه تقييد لحاله، وهذا شأن الجوامع، وكان من حجة الشيوخ في ذلك حديث النبي ﷺ : "لا يمنع أحدكم جاره أن يغرز خشبة في جداره (١) "

стр. 631

الحديث. فحملوا أمر المسجد على ذلك ولو جاور الجامع دار رجل لكان الحكم فيه كذلك، فإذا لم يجاوره أحد فلا يعلق منه شيء، ولم يتكلم الشيوخ في الجامع وإنما ذلك اجتهادي على قولهم والله أسال التوفيق. وقال ابن القطان: منع من غرز الخشب في جدار المسجد إن شاء الله . وقال ابن مالك: لا تعلق الحوانيت في جدار المسجد بحال، ولا لمن جاور مسجدًا أن يغرز خشبة في جداره البتة، وذلك بين والله أعلم بالصواب. من ابتاع دارًا أحدث عليها باب أو غيره فأراد مخاصمة محدثه فيه: كتب من يباسة قبل سنة أربع وأربعين وأربع مائة في رجل له دار ظهرها في زقاق لقوم غير نافذ، ففتح الرجل باب داره إلى هذه الزقاق، وبقى كذلك نحو ثلاثة أعوام، ثم باع القوم دورهم فأراد مبتاعها إغلاق هذا الباب المحدثن واحتج بأن ذلك قد كان للبائعين منه القيام به وأنه تدخل محلهم. فجاوب ابن عتاب: ليس للمبتاعين فيه كلام ولا اعتراض وإنما الكلام فيه للبائعين، فإذا لم يفعلوا حتى باعوا فهو رضي منهم إن شاء الله . وقال أحمد بن رشيق: فقيه المرية مثله. وقال ابن مالك: روى ابن حبيب عن مطرف وابن الماجشون وأصبغ أنه لا كلام للمشتري في ذلك إلا أن يكون البائعون باعوا، وقد خاصموا في ذلك وعلى أن ليس له ذلك تدل المدونة يوجد ذلك في النكاح الأول منها. قال القاضي: يريد مسألة العبد ينكح بغير إذن سيده، ثم يبيعه ولم يعلم بنكاحه، فيريد مبتاعه فسخ نكاحه. قال ابن القاسم: قد سمعت عن مالك فيه شيئًا ولست أحقه وأرى أنه ليس لمشتريه أن يعترض فيه إلا إنه مخبر في إمساكه كذلك، أو رده على بائعه فإن رده فلبائعه فسخ ذلك النكاح أو إجازته.

стр. 632

وفي العتبة في سماع اشهب وابن نافع عن مالك في كتاب الأفضية ما يدل على خلافه، وكذلك في وثائق المعروف بالملون: أن للمبتاع القيام تعلى محدث الضرر على الدار التي ابتاع وكأنه وكيل للبائع في ذلك. وفي مسائل حبيب بن نصر: سألت سحنون عن الزنقة غير النافذة لأقوام، وفيها أبواب دورهم، ودبر دار رجل إليها وليس له فيها إلا حائط دبر داره وكيف قديم في الزنقة يلصق هذا الحائط، وللكنيف قناة تخرج من هذه الدار التي ليس لها في الزنقة إلا هذه الكنيف، وهو مغطي والقتاة لم تجر فيها شيء منذ زمان، فأراد صاحب الدار فتح هذه القناة إلى الكنيف، ويجري فيها العذرة فمنعه أهل الزنقة، فقال: ليس لهم منعه إلا أن يدعو الكيف فيكشف عن دعواهم. فأما إن لم يدعوه فهو لصاحب الدار بهذه الرسوم والآثار التي تدل على أنه لصاحب هذه الدار، قلت له: فإن كان قد باعها فقام المشتري يطلب كنس الكنيف وعمارته فقال له من ذلك ما كان للبائع صاحب الدار ويقوم مقامه، وهذا مثل ما في الوثائق وقال فضل على مسألة ابن حبيب: انظر هل يجوز هذا البيع على قول غير ابن القاسم على أن يكون على خصومته. إحداث فرن بقرب دار: أثبتت عاتكة عند الوزير القاضي بقرطبة أبي علي حسن بن محمد بن زكوان أن عبد الرحمن أحدث بقرب دارها فرنًا يؤذيها دخانه، وأعذر إليه فعالج ضرر قطع الدخان عنها، وأثبت ذلك عند القاضي، فاعترضت عاتكة بأن كون الفرن بقرب دارها ضرر عليها؛ لأنه يحط من ثمنها، وأثبت ذلك فجمع القاضي الفقهاء إلى مجلسه وشاورهم في ذلك. فأفتى ابن عتاب: بأنه لا كلام لعاتكة فيما ذكرته من حطيطة ثمن دارها لقرب الفرن منها إذ قد ارتفع ضرر الدخان عنها، قال لي ابن مالك: ووافقته على ذلك. وأفتى أبو مطرف بن جرج وغيره: أن ليس لعبد الرحمن أن يحدث على عاتكة ما يعيب دارها، وافقه على ذلك محمد بن سعيد أبي زعبل، فلما افترقوا من عند القاضي كتب إليه أبي زعبل محتجًا لقوله، وقول

стр. 633

ابن جورج ومن وافقهما: سيدي ووليي وعدتي، ومن أدام الله نفعه، وأبقى بركته، جمعت الفقهاء في دارك عمرت بك، وشاورتنا فيما ثبت عندك لعاتكة من ضرر الفرن الذي أحدثه عبد الرحمن متصلا بدار عاتكة، وثبت عندك أن ذلك مضر بدار عاتكة، ثم أثبت عندك عبد الرحمن أنه قطع الضرر عنها. ثم أثبت عندك أيضًا عاتكة عقدًا ثانياً أن الفرن المحدث بلصقها ضرر وعيب كبير لاحق بدارها يحط من ثمنها، لقرب الفرن من دارها ولما يتوقع من وقوع النار في الأفران على العادة المفروفة فيها، وأنها لا تجد إن ذهبت إلى البيع من يبتاع منها الدار إلا بحطاط كثير من ثمنها. فجاوبه فيه الفقهاء أبو المطرف بن جورج – سلمه الله – ومن تبعه على مذهبه: أن ليس لعبد الرحمن أن يحدث على عاتكة ما يعيب دارها، ويوقعها تحت ضرر ما تتوقع في الأفران من النيران على العادة في ذلك، واحتجوا فيه بقول الله تعالى: ﴿ولا تبخسوا الناس أشياءهم﴾ (الأعراف: من الآية ٨٥) وبقول الرسول ﷺ : "لقد أوصاني بالجار حتى كاد أن يورثه (١) " ومن ذهب إلى أن يحط من ثمن داره بإصلاح ما له فهو غير آخذ بما أمر الله به، وحض الرسول ﵇ عليه. ومما يبين ما تقاله الفقيه أبو المطرف، ومن تبعه على قوله ما روي عن الرسول ﵇ من قوله: "لا ضرر ولا ضرار (٢) " والضرر عند أهل العلم أن تضر نفسك لتضر بغيرك، فكيف بمن أصلح مال نفسه بإفساد مال جاره وقد أمر الرسول ﵊، في حديث طويل في حجة الوداع، إذ جعل حرمة الدماء والأموال سواء، وحرمها وضمنها في العمد والخطأ، فكيف بمن قصد فساد مال أخيه المسلم بإصلاح ماله! ومن هذا وشبهه عن الرسول كثير. وقد روي عن مالك في رجل وضع جرة زيت حذاء باب رجلن ففتح الرجل بابه ولا علم عنده بالجرة، وقد كان مباحًا له وغير ممنوع أن يفتح بابه ويتصرف فيهز فانكسرت الجرة فضمنه مالك من قول الرسول أنه تضمن أموال الناس بالعمد والخطأ،

стр. 634

فكيف بمن قصد إفساد مال غيره بإصلاح مال نفسه! وحديث الضرر، وحديث حجة الوداع غير منسوخي العمل بهما في جميع الأمصال على ما تقدم من التفسير، فيما فسره أهل العلم. ومحال غير مسموح أن يعارض مثل هذين الحديثين وما قبلهما من القرآن من قوله: ﴿ولا تبخسوا الناس اشياءهم﴾ (الأعراف: من الآية ٨٥) من رأى أحد من الفقهاء أو يتأول عيهم غير ما جرى في كتاب الله وسنة رسول ﷺ ، فهم ﵃ كانوا أعلم بما أراد الرسول بالحديثين، وفسروا معانيهما، ومن تأويل عليهم غير ذلك فهو غير مصيب. وذكر بعض الفقهاء المخالفين لأبي المطرف ومن وافقه أن مالكًا قال فيمن بني جدارًا في داره ورفعه حتى منع جاره الشمس والريح: أن ذلك جائز، وقال: هذا يرد ما قاله من قال: أن ليس لعبد الرحمن أن يبني فرنًا بقرب دار عاتكة إذ يحط ذلك من ثمنها ويعيبها، وليس كما قال لأن غيره أثبت عندك أن العيب لاحق بدارها لقرب الفرن منها ولما يتوقع من النيران. ومن أقام حائطًا في دار الإلب من أمرالحائط السلامة، اللهم إلا إذا كان الحائط غير حصين يحذر تهدمه وإفساد دار جاره، فيجبر على دفع الخوف عن جاره وما يفسد به داره، كما قال مالك في مثل هذا الحائط، وفيمن أراد أن يلقي نارًا في شعراء أرضه، فقال: إن كان غررًا أو خوفًا على أرض جاره منع من ذلك. فأين فرق بين دار وأرض؟ ولولا أن يطول الكتاب لاجتلبت من قول أهل العلم في هذا كثيرًا. ولما ورد هذا الكتاب على القاضي أرسل به إلى الفقيه أبي عبد الله بن عتاب ورأيته عنده في أسطوان داره، فكتب إلى القاضي مجاوبًا عنه مستدلاً لصحة قوله بجواب نسخته: عصم الله القاضي بتقواه، ووافقه لما يحبه ويرضاه، أعلمتنا في مسألة الفرن المحدث الذي قامت به عاتكة عندك فيه، وذكرت أن دخانه يضر بدارها، أنه قد ثبت عندك أن إحداثه كان قبل الشورى بأشهر ستة أو سبعة، فأوجبنا عقله الفرن وقطع عمارته إلى أن يثبت عندك يه، وذكرت أن دخانه يضر بدارها، أنه قد ثبت عندك أن إحداثه كان قبل الشورى بأشهر ستة أو سبعة، فأوجبنا عقلة الفرن وقطع عمارته إلى أن يثبت عندك محدثه ما ذلك من قطع ضرر الدخان. فعرفتنا بذلك أنه ثبت عندك أن ضرر الدخان الذي قيم بسببه قد ذهب عن دار

стр. 635

عاتكة القائمة، وأنك أعذرت إليها في ذلك، فأثبتت عندك أن إحداث الفرن بقرب دارها عيب كبير يحط كثيرًا من ثمنها؛ إذ لا يقدم كثير من الناس على ابتياعها بسبب، ولا يجب – وفق الله القاضي – أن يراعى هذا ولا يتلفت إليه بعد ثبوت انقطاع ضرر الدخان. والضرر فيما أجمعوا عليه من ذلك وما اختلفوا فيه منه مجمعون على أنه إذا قطع الضرر محدثه وزاله فلا يعرض له، ولا أعلمهم نصوا في انحطاط ما يحدث عليه الضرر إذا ارتفع الضرر تكلموا فيه، وفي تركهم النص عليه دليل بين أنه لو كان ذلك مما يجب أن يراعي ومنع بسببه محدثه لبينوه وذكروا، إذ قد تكلموا في معاني الضرر وأقسامه بما سطروه في كتبهم، وفي مسائلهم ما يدل على ذلك مما لا يجب أن يراعي. والذي أقول به وأتقلده من مذهبهم قديمًا: أن جميع الضرر يحب قطعه إلا ما كان من رفع بناء بمنع هبوب الريح وضوء الشمس، أو ما في معناهما فإنه لا يجب قطع ذلك، إلا أن يثبت أن محدثه قصد به الضرر بجاره، وكذلك كل ضرر بؤول إلى انحطاط قيمة ما يجاوره لا يتعدى الضرر المحدث إلى شيء غير انحطاط القيمة الخاصة. والدليل على صحة ما ذكرته من ذلك: ما وقع في كتاب حريم الآبار من المدونة، وهو: قلت: أرأيت الرجل يرفع بنيانه فيمنعني الريح التي كانت تهب في داري والشمس أيكون لي أن أمنعه من أن يرفع بنيانه إذا كان ذلك مضر لي في شيء من هذا الوجوه؟ قال: لا يمنع من هذين، وإنما يمنع إذا أحدث كوًا وأبوابًا يشرف منها، ولم نسمع من مالك في الشمس والريح شيئًا، ولا يمنع من ذلك. وفي كتاب القسمة من المدونة نحو هذا، وزاد قلت أرأيت إن كانت لي عرصة إلى جانب دار قوم فأردت أن اتخذ في تلك العرصة حمامًا أو فرنًا أو موضعًا لرحى، فأبى علي الجيران فقال: إن كان ما تحدث ضرر على الجيران من الدخان وشبهه منعت من ذلك:
следующие страницы →