Полный текст (1 311 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.
стр. 1016
المتقدمين اجتهد رأيه بعد ذلك، ومثل الأشياء بعضها ببعض من النظائر والأشباه، وشارو ثم حكم. وإذا أشكل على القاضي الأمر، ولم يتبين له شيء يحكم به فيه تركه أبدًا، لا يحكم في شيء وفي قلبه منه شك ولا ريب). قال سحنون في كتاب ابنه: إذا كانت شبهة وأشكل الأمر، فلا بأس أن يأمرهما بالصلح. وقال مالك في كتاب محمد في بعض المسائل: لو اصطلحا.
ولا يقضي القاضي بعلمه في المدعى به بحال، سواء علمه قبل التولية أو بعدها، في غير مجلس قضائه، أو فيه قبل الشروع في المحاكمة أو بعده. وقال عبد الملك وسحنون: يحكم بما علم بعد الشروع في المحاكمة.
فرع: فإن حكم بعلمه حيث قلنا: لا يحكم، فقال القاضي أبو الحسن: "لا ينقض عند بعض أصحابنا". قال: "وعندي أنه ينقض". ولو أنكر الخصم بعد الحكم عليه وقال: ما كنت أقررت، ففي قبول حكم الحاكم عليه في ذلك خلاف.
وقال أبو إسحاق التونسي: لم يذكر في كتاب محمد خلافًا فيما رآه القاضي أو سمعه في غير مجلس قضائه أنه لا يحكم به، وأنه ينقض إن حكم به ينقضه هو وغيره، وإنما الخلاف فيما يتقاضى به الخصمان في مجلسه، فإن حكم به فينقضه هو ولا ينقضه غيره. وعبد الملك وسحنون يريان أنه يحكم به مثل قول أهل العراق للضرورة إلى ذلك، كما استعمل علمه في عدالة البينة وتجريحها، ويحكم بعلمه في ذلك. وقال أبو الحسن اللخمي: "قد اختلف إذا أقر بعد أن جلسا للخصومة ثم أنكر، فقال مالك وابن القاسم: لا يحكم بعلمه. وقال عبد الملك وسحنون: يحكم، ورأيا أنهما إذا جلسا للمحاكمة فقد رضيا أن يحكم بينهما بما يقولانه، ولذلك قصدا، فإن لم ينكر حتى حكم، ثم أنكر بعد الحكم، وقال: ما كنت أقررت ب شيء، ولم ينظر إلى إنكاره، قال: وهذا هو المشهور من المذهب". وقال ابن الجلاب "إذا ذكر الحاكم أنه حكم في أمر من الأمور وأنكر المحكوم عليه لم يقبل قول الحاكم إلا ببينة". قال أبو الحسن اللخمي وهو أشبه في قضاة اليوم لضعف عدالتهم.
وقال أيضًا: "ولا أرى أن يباح هذا، اليوم لأحد من القضاة".
стр. 1017
ولا خلاف في اعتماد القاضي على علمه في الجرح والتعديل، فإذا علم فسق الشاهد أو كذبه وقف عن القضاء، ويغنيه علمه بعدالة الشهود عن المزكين.
وأما الخط فلا يعتمده إذا لم يتذكر، كما ذكر القاضي أبو محمد. وحكى الشيخ أبو عمر رواية، أنه لا يلتفت إلى البينة بذلك ولا يحكم بها.
ولو شهد الشاهدان على قضائه عند غيره لحكم بشهادتهما ونفذ قضاؤه. قال ابن حبيب: أخبرني أصبغ عن أبن وهب عن مالك في القاضي يقضي بقضاء ثم ينكره، فيشهد عليه به شاهدان، فلينفذ ذلك، وإن أنكره الذي قضى به، معزولاً كان أو لم يعزل.
الفصل الثالث: في التسوية
وليس بين الخصمين في المجلس، والنظر، وجواب السلام، وأنواع الأكرام. والمسلم والذمي في ذلك سواء. وله، في قول، أن يرفع المسلم على الذمي في المجلس.
فإذا استقر بهما المجلس، فإن بدر أحدهما بالدعوى (طالب) الآخر بالجواب، فإن أقر ثبت الحق، وإن أنكر قال المدعي: ألك بينة؟ فإن قال: لا بينة لي واستحلفه، ثم جاء ببينة سمعت، على إحدى الروايتين، ولم تسمع على الرواية المشهورة، إلا أن يظهر له عذر من نسيان أو غيره.
قال محمد بن عبد الحكم: وإن لم يبدر واحد منهما، سألهما: من الطالب منكما؟، فإذا
стр. 1018
عرفه سأله عما يدعي، وأمر المدعي عليه ألا يتكلم حتى يفرغ المدعي من كلامه، ثم يسأله: أيقر أم ينكر، فإن أقر قال للطالب: أشهد على إقراره إن شئت لئلا يرجع عنه.
فإن تنازعا في تعيين المدعي، فإن ادعى كل واحد (منهما) أنه هو، نظر إلى الجانب منهما لصاحبه، فإن لم يعرف أمرًا بالانصراف، فمن أبى إلا المحاكمة فهو المدعي، فإن أبيا أقرع بينهما، وإن قال كل واحد منهما لصاحبه: أنت المدعي، أمرا بالانصراف، أيضًا، حتى يأتي أحدهما فيكون المدعي.
ثم حيث تعين المدعي وتمت حجته، وانتهت حجة المدعى عليه، فأراد الحكم عليه، فليقل له: أبقيت لك حجة؟ فإن قال: لا، حكم عليه.
قال محمد: وإن قال: نعم، وقد تبين للقاضي أن حجته نفذت وهو في طريق اللدد، فإنه يضرب له أجلاً غير بعيد، فإذا تبين لدده أنفذ الحكم [عليه] ولو ادعى بينة بعيدة مثل أن يقول: بالعراق أو مصر، فإنه يقضي عليه، متى (جاءت ببينة) فهو على حجته عند هذا القاضي وعند غيره، وينبغي له أن يذكر في القضية أنه زعم أن له بينة غائبة على بعد من البلاد. فمتى حضرت شهوده كان على حجته.
فرع: لو حكم عليه بعد قوله: إنه لا حجة له، ثم أتى بحجة، مثل أن يأتي بشاهد آخر عند من لم يحكم بشاهد ويمين، أو يأتي بينة لم يعلم بها، فجعل ذلك له في الكتاب.
وقال محمد: إنما ذلك إذا كان هو القاضي بنفسه، وأما غيره فلا. وقال سحنون: لا يقبل منه وإن كان لذلك وجه. قال أبو إسحاق التونسي: والأشبه ما في الكتاب، وإن غيره من القضاة ينظر في ذلك.
وإذا تزاحم المدعون قدم السابق، فغن تساووا أقرع بينهم. ولا يقدم الشرف ولا لغيره إلا المسافر المستوفز إن رأى في تقديمه مصلحة، وما يخشى فواته. وينبغي له أن يفرد للنساء يومًا، أو وقتًا من كل يوم. وكذلك يفعل المفتي والمدرس عند التزاحم.
الفصل الرابع: في التزكية
ومن كان مشهورًا بالعدالة والفضل لم يسأل عنه، وأجاز شهادته وكذلك من عرفَهُ بِجُرْحّةَ أو كان مشهورًا بذلك، فإنه يرد شهادته. وإنما يجب عليه الاستزكاء مهما شك وإن
стр. 1019
سكت الخصم. إلا أن يقر بعدالتهما. وليكتب للمزكين أسماء الشاهدين والخصمين فلعلهم يعرفون بينهم عداوة.
وقال محمد بن عبد الحكم: ويجعل أصحاب مسائل يسألون عن الشهود، وأحب له أن لا يعرفوا.
وإذا أخرج أسماء الشهود لأصحاب المسائل كتب أسماء الشهود، واحتاط بالأسماء والأنساب والكنى والصفة والتحلية والصناعة والقبائل، والخضاب إة كان يخضب، والمنازل لئلا يوافق إسم إسمًا أو نسب نسبًا، ويكتب لهم لمن شهدوا، وعلى من شهدوا، لئلا يسألوا عنهم من شهدوا له أو عليه.
(قال مطرف وابن الماجشون: ولا يجتزأ بتعديل العلانية دون تعديل السر، وقد يجتزئ بتعديل السر دون تعديل العلانية). وقال أصبغ: وليكن التعديل سرًا وعلانية. ولا أحب أن يجتزئ بتعديل العلانية دون تعديل السر. قال مالك: "ولا أحب أن يسأل في السر أقل من إثنين" إلا في مثل (الفائقين) في العدالة والعلم بالتعديل.
(قال سحنون: ولا يقبل تعديل الأبله، وليس كل من تجوز شهادته يجوز تعديله، ولا يجوز في العدالة إلى المميز النافذ الفطن الذي لا يخدع في عقله، ولا يستزل في رأيه).
ويشترط في المزكي أن يكون خبيرًا بباطن من يعدله بطول المحنة والمعاشرة، ولا يحتزي باليسير من ذلك.
قال مالك: "والرجل يصحب الرجل شهرًا فلا يعلم منه إلا خيرًا لا يزكيه بهذا، وهو
стр. 1020
كبعض من يجالسك، وليس هذا باختيار. ويقال أيضًا: كان يقال لمن مدح رجلاً: أصحبته في سفر؟ أو خالطته في مال؟.
وقال سحنون: يزكيه من يعرف باطنه كما يعرف ظاهره ممن صحبه الصحبة الطويلة، وعامله بالأخذ والعطاء. قال ابنه عنه: في السفر والحضر، فإذا عرف منه اجتناب الكذب والكبائر وأداء الأمانة وحسن المعاملة زكاة".
فروع:
الفرع الأول: إن التعديل من جيران الشاهد، وأهل سوقه، وأهل محلته مقبول، ولا يقبل من غيرهم، لأن توقفهم على تعديله، مع كونهم أقعد به وأعلم ريبة في عدالته، إلا أن لا يكون فيهم عدل فيقبل من غيرهم من سائر بلده.
الفرع الثاني: في صفة المزكي.
(وروى ابن حبيب عن مطرف وابن الماجشون وابن عبد الحكم وأصبغ: لا يجوز تعديل الرجل وإن كان عدلاً حتى يعرف وجه التعديل. ورواه مطرف.
وفي الكتاب: "لا يجوز أن يكون (المعدلان) غير معروفين عند الحاكم إذا كان شاهد الأصل من البلد، وإن كان غريبًا جاز".
الفرع الثالث: إن الجرح يسمع في الرجل المتوسط العدالة، ويسمع أيضًا في المبرز المعروف بالصلاح والفضل من باب العداوة أو الهجرة أو القرابة وما أشبه ذلك.
واختلف هل يقبل تجريحه من وجه القدح في العدالة، فمنعه أصبغ. وأجازه سحنون، وقال: يمكن من التجريح فيه، ولا يفرق بين وجوه التجريح.
الفرع الرابع: وهو مرتب إذا قبل تجريحه، فقال سحنون: لا يقبل ذلك إلا من الرجل المميز العدالة. وقال أصبغ: لا يمكن الخصم من جرحة العدلين الفائقين بالعدالة بجرحه الإسقاط إن ادعى ذلك، إلا بجرحة عداوة أو هجرة، فقد يكون ذلك في الصالح والبارز. وقال ابن الماجشون: يجرح الشاهد من هو مثله وفوقه، ولا يجرحه من هو دونه إلا بالعداوة والهجرة. وأما القدح في العدالة فلا.
стр. 1021
(وقال محمد بن عبد الحكم: إذا كان الرجل مبرز العدالة لم يقبل جرحه، إلا أن يكونوا معروفي العدالة وأعدل منه، (ويذكرون) ما جرحوه به مما يثبت بالكشف، ولا يقبل تجريحه إلا بأهل العدالة البينة. وقال مطرف: يجرح الشاهد بمن هو مثله وفوقه ودونه بالإسقاط والعداوة إذا كان عدلاً عارفاً بوجه التجريح. قال أبو الحسن اللخمي: "وهذا أحسن، لأن الجرح يكتمه الإنسان من نفسه، فيطلع عليه بعض الناس، وهي شهادة وعلم عنده يؤديه مثل سائر الشهادات".
الفرع الخامس: قال ابن كنانة في المجموعة: لا ينبغي للحاكم أن يسأل عن الشاهد في التجريح قبل تعديله، ولا يقبل الجرح فيمن لم تثبت عنده عدالته، فإذا عدل الشاهد قال الحاكم للمطلوب: جرح، وإلا حكمت عليك. وروى أشهب فيها: لا يقول للمطلوب: دونك فجرح، وفي ذلك توهين للشهادة.
وقال ابن نافع: أرى أن يقول له ذلك ويمكنه منه، وقد يكون العدل عدوًا للمشهود عليه.
وقال مطرف وابن الماجشون: لا يحكم على الخصم، جاهلاً كان أو عالمًا، حتى يطلبه بجرحه من شهد عليه ويؤجله في ذلك، فإن عجز حكم عليه، وذكر ذلك في كتاب حكمه عليه.
الفرع السادس: في التجريح سرًا.
في المجموعة: قيل لابن القاسم: أيجرح الشاهد سرًا وقد يقول: من يجرحه: أكره عداوة الناس؟، قال: نعم، إذا كانوا أهل عدالة. وقال سحنون مثله، وذكر في موضع آخر: إن المشهود له إذا سأل القاضي أن يخبره بمن جرح شاهده أن عليه أن يخبره بذلك.
الفرع السابع: في لفظه التزكية.
وليجمع المزكي في لفظه بين [ذكر] العدالة والرضا، فيشهد أنه عدل رضا، ولا يقتصر على أحد الوصفين. (قال مطرف وابن الماجشون وابن عبد الحكم وأصبغ: ويجزيه أن يقول: أراه عدلاً رضا رضا، وليس عليه أن يقول: هو عدل رضا عند الله، تعالى ولا أن يقول: أرضاه علي ولي. ورواه أشهب.
[وروى] ابن كنانة: التعديل أن يقول: أعرفه وأعلمه عدلاً رضا جائز الشهادة. ولا
стр. 1022
يقبل منه إذا قال: لا أعلمه إلا عدلاً رضا. قال سحنون: ولا يقبل منه حتى يقول: إنه عدل رضا)، ولا يجب ذكر سبب العدالة.
واختلف في ذكر سبب الجرح، فقيل: يجب، وقيل: لا يجب. وفرق مطرف وابن الماجشون باعتبار حال الشاهدين، فأوجباه إذا كانا غير عارفين بوجوه التجريح، ولم يوجباه إذا كانا عالمين بذلك.
واعتبر أشهب حال الشاهد، فأوجب ذكر سبب الجراح إذا كان مشهور العدالة، ولم يوجبه إذا كان غير مشهورها، وإنما قبل بالتزكية.
الفرع الثامن: إذا ارتاب القاضي بعد التزكية لتوهم غلط الشاهد، فليبحث ويسأل عن التفصيل، فربما يختلف كلام الشاهد، فإن أصر على إعادة الكلام الأول أمضاه. وعلى القاضي أن يحكم بعد البحث استصحابًا للعدالة.
الفرع التاسع: بينة الجرح مقدمة على بينة التعديل. وقيل: يقدم الأرجح منهما. واختار أبو الحسن تفصيلاً، فقال: "إن تقابلت البينتان في مجلس واحد قدم الأرجح، وإن (كانتا) في مجلسين متقاربين قدمت بينة الجرح، وإن تباعد ما بين المجلسين قضى بالأخيرة منهما، كان جرحًا آو تعديلاً".
وقول واحد في الجرح لا يقابل بينة التعديل، إلا أن يكون مقامًا من جهة الحاكم للكشف عن ذلك فيخبره عن عدلين فأكثر، ولا يجوز الجرح والتعديل بالتسامح.
الفرع العاشر: في تكرير التزكية.
(وفي المجموعة من رواية أشهب، في الرجل يشهد فيزكي، ثم يشهد ثانية: إن شهادته تقبل بالتزكية الأولى، وليس الناس كلهم سواء، منهم المشهور العدالة، ومنه من يغمص فيه بعض الناس). وقال سحنون: "إذا عاد المزكي فيشهد مرة أخرى رجع المزكي ثانيًا وثالثًا حتى يكثر تعديله وتشتهر تزكيته فيقبل بغير تزكية". وقال الشيخ أبو الوليد: "هذا
стр. 1023
استحسان من سحنون، حتى لو مات المزكيان الأولان أو غابا، ولم يوجد غيرهما، وجب الحكم بتعديلهما الأول".
(وروى ابن حبيب عن مالك ومطرف وابن الماجشون: لا يحتاج إلى إعادة المزكي إلا أن يغمز فيه ب شيء أو يرتاب فيه. وقال ابن كانة: لا يحتاج إلى الإعادة في المشهور العدالة في تزكيته). وقال محمد بن عبد الحكم: أحب أن يعيد القاضي من الشهود في المسألة من إنما يعدل بالمسألة عنه في كل سنة أو أقل، ليس في ذلك حد على قدر الاجتهاد.
الباب الثالث: في القضاء على الغالب ، وهو نافذ ويتعلق النظر فيه بأركان:
الركن الأول: الدعوى، ولتكن معلومة، أعني جنس المدعى به وقدره، ولتكن مع المدعي بينة.
الركن الثاني: المدعي، ويحلفه القاضي بعد البينة على عدم الإبراء، والاستيفاء والاعتياض والإحالة والاحتيال والتوكيل على الاقتضاء في جميع الحق ولا في بعضه، ولا يجب التعرض في اليمين لصدق الشهود. وقال الشيخ أبو إسحاق: يقول في آخر اليمين: وإنه لحق ثابت [له] عليه إلى يومه ذلك.
الركن الثالث: في كيفية إنهاء الحكم إلى القاضي الآخر، وذلك بالإشهاد والكتاب والمشافهة.
أما الإشهاد فبأن يشهد شاهدان على تفصيل حكمه. قال سحنون: ولو أشهد على كتابه وخاتمه رجلاً وامرأتين جاز فيما تجوز فيه شهادة النساء.
ويستحب أن يكتب ذلك في كتاب مختوم، والاعتماد على الشهادة، فلو شهد بخلاف ما في الكاتب جاز إذا طابق الدعوى، ولو شهد بما فيه وهو مفتوح بغير ختم لجاز أيضًا. ولو قال القاضي: أشهدتكما على أن ما في الكتاب خطي، كفى ذلك على إحدى الروايتين. وكذلك لو قال: ما في الكتاب حكمي. وكذلك لو قال المقر: أشهدتك على ما في القبالة وأنا عالم به،
стр. 1024
كفى، حتى إذا حفظ الشاهد القبالة وما فيها، وشهد على إقراره، جاز أيضًا على إحدى الروايتين، ووجه الجواز أن الإقرار بالمجهول صحيح.
ثم للشاهد على الحكم أن يشهد عند المكتوب إليه وعند غيره، وإن لم يكتب القاضي ي كتابه: إلى من يصل إليه من القضاة، وكذلك يشهد، وإن مات المكتوب إليه والكاتب.
ولتكن عدالة شهود الكتاب ظاهرة عند المكتوب إليه، ولا يكفي تعديلهما في ذلك الكتاب الذي إنما يثبت بشهادتهما.
وليذكر في الكتاب اسم المحكوم عليه واسم أبيه وجده وحليته ومسكنه وصناعته أو تجارته وشهرة إن كانت له بحيث يتميز بذلك. فإن كان في ذلك البلد رجل يلائمه ي ذلك كله لم يحكم له حتى يأتي ببينة، تعرف أنه المحكوم عليه بعينه. ولو كان أحد المتلايمين قد مات لم يستحق على الحي منهما ما في الكتاب حتى تشهد البينة أنه الذي استحق عليه، إلا أن يطول زمان الميت، ويعلم أنه ليس هو المراد بالشهادة لبعده، فيلزم الحي.
وأما الكتاب المجرد من غير شهادة على القاضي فلا أثر له. قال ابن القاسم وابن الماجشون: ولابد من شهود بأن هذا الكتاب كتاب فلان القاضي. وزاد أشهب: ويشهدون أنه أشهدهم عليه، وروى ابن وهب: ويشهدون أنه أشهدهم بما فيه.
وقال ابن نافع عن مالك: كان من الأمر القديم إجازة الخواتم حتى إن كان القاضي ليكتب للرجل بالكتاب إلى القاضي، فما يزيد على ختمه فيجاز له، حتى أحدث عند اتهام الناس الشهادة على خاتم القاضي: أنه خاتمه.
وقال ابن كنانة: كان إذا جاء كتاب من قاضي مكة إلى قاضي المدينة أنفذه بغير بينة، ثم نظر أهل العلم في ذلك، فخافوا أن تملك الأموال وتستحل الفروج بغير بينة، فألزموا الناس البينات على الكتب التي يأتي من كورة إلى كورة، وإذا جاء من أعراض المدينة إلى قاضي المدينة قبلوه بغير بينة يجتزئون في ذلك بمعرفة الخط والخواتم والجواب، إذا كان ذلك في الحقوق اليسيرة. وكذلك قال عبد الملك نحو هذا، ولم يذكر ما قال ابن كنانة في الحقوق اليسيرة.
وأما الشفاهة، ف لو شافه القاضي قاضيًا آخر لم يكف، لان أحدهما في غير محل ولايته، فلا ينفع سماعه أو إسماعه، إلا إذا كانا قاضيين لبلدة واحدة، أو تناديا من طرفي ولا يتهما، فذلك أقوى من الشهادة فيعتمد. ولو كان المسمع في محل ولايته دون السامع ورجع السامع إلى محل ولايته فهي كشهادة يسمعها في غير محل ولايته، فلا يحكم بها إذ لا يحكم بعلمه.
ولو اقتصر القاضي على سماع البينة على الغائب وكتب إلى قاض آخر حتى يقضي
стр. 1025
المكتوب إليه جاز مهما ذكر أسماء شهود الواقعة وعلى المكتوب إليه أن يبحث على عدالة الشهود، وكأن الأول ناب عنه في سماع البينة فقط، فعليه هو التعديل والحكم، ولو كتب الأول عدالتهما وأشهد عليه جاز ذلك.
ثم إن ادعى الخصم جرحًا فليظهره ويمهل، فإن قال: لا يمكن جرحهم إلا في بلدهم فلا يمكن منه، بل يسلم المال، ثم إن ظهر الجرح استرد.
فرع: إذا ورد كتاب قاض على قاض، فإ عرفه بأنه أهل للقضاء قبله. قال في المجموعة: إذا كتب قاض إلى قاض، فإن ثبت عنده أن الذي كتب إليه مستحق للقضاء في فهمه ومعرفته بأحكام من مضى وآثارهم مع فضله ودينه وورعه وانتباهه وفطنته، وغير مخدوع في عقله، فليقبله، وإن عرفه بأنه ليس بأهل لذلك لم يقبله. قال أشهب في رواية سحنون عنه: إذا كتب إليه غير العدل أن بينة فلان ثبتت عندي، فلا يقبل كتابه، لأنه ممن لا تجوز شهادته.
وإن لم يعرف حاله، فروى ابن حبيب عن أصبغ: إن جاءه بكتاب قاض لا يعرفه بعدالة ولا سخطه، فإن كان من قضاة الأمصار الجامعة، مثل المدينة ومكة والعراق والشام ومصر والقيروان والأندلس، فلينفذه وإن لم يعرفه، وليحمل مثل هؤلاء على الصحة.
وأما قضاة الكور الصغار، فلا ينفذه حتى يسأل عنه العدول وعن حاله.
الركن الرابع: المحكوم به، وذلك لا يخفى في الدين، وكذلك العقار الذي يمكن تعريفه بالحد، إذا قلنا: قضي على الغائب في العقار، إما لبعد الغيبة، أو مطلقًا على الرواية الأخرى.
أما العبد والفرس وما يتميز بعلامة، فقال ابن القاسم وسحنون: يحكم فيه بذلك إن كان غائبًا. وقال ابن كنانة: إن كان العبد لا يدعي الحرية ولا يدعي أحد ملكه حكم فيه بالصفة، وإن كان يدعي الحرية أو يدعيه من هو في يده فلا يحكم فيه بذلك.
الركن الخامس: المحكوم عليه، وشرطه أن يكون غائبًا عن البلد. واشترط محمد بن عبد الحكم أن يكون له بالبلد الذي يحكم عليه فيه مال أو حميل أو وكيل. قال: إذ لم يول الحكم على جميع الناس، إنما ولي على أهل بلد خاص، قال: ولكن ينقل [الشهادات] إلى غيره من القضاة.
وإذا كان المدعى عليه في البلد فقال سحنون: لا تسمع البينة دون حضوره، إلا أن يتوارى أو يتعذر فيقضي عليه كالغالب. وقال ابن حبيب: قال ابن الماجشون: العمل عندنا أن يسمع القاضي بينة الخصم ويوقع شهاداتهم، حضر الخصم أو لم يحضر، فإذا حضر قرأ عليه الشهادة، وفيها أسماء الشهود وأنسابهم ومساكنهم، فإن كان عنده لشهادتهم مدفع، أو
стр. 1026
لعدالتهم مجرح أطرده ذلك، وإلا لزمه القضاء. وإن سأله أن يعيد عليه البينة حتى (يشهدوا) بمحضره فليس ذلك له، ولا ينبغي للقاضي أن يجيبه إلى ذلك. ولو سأله الخصم بدءا ألا يسمع من بينة صاحبه إذا أتى بها إلا بمحضره، فإن خشي القاضي عليه في ذلك دلسة أو استرابة ورأى أن اجتماعهم أجمع للفصل وأبرأ من الدخل فليجبه، وإن أمن فلا يجبه، فإن أجابه، حين سأله ذلك من غير شيء خافه عليه، فليمض له ذلك، لاختلاف الناس فيه، فقد قال بعض العراقيين: لا يكون إيقاع الشهادة إلا بمحضر الخصم المشهود عليه. قال ابن حبيب: وقال مطرف وأصبغ مثله. وقال فضل بن سلمة: سحنون لا يرى إيقاع الشهادة إلا بمحضر الخصم، إلا أن يكون الخصم غائبًا غيبة بعيدة.
واختتام البا بذكر فروع:
الفرع الأول: إذا غاب الخصم ولم يكن موضعه يزيد على مسافة العدوى أحضره القاضي. قال محمد بن عبد الحكم: إذا استعدى الرجل على الرجل، فإن كان في المصير معه أعطاه عدواه، بخاتم يختمه له، أو رسول يرسله حتى يجلبه إليه، وكذلك إن كان في القرب من المصر، فأحب إلي أن يجلبه إذا كان يقدر على أن يأتيه وينظر بينه وبين خصمه، ويرجع فيبيت في منزله.
قال محمد: وإنما هذا إذا كان السبيل مأمونًا لا يخاف على الذي يجلبه إليه في طريقه الخوف الذي يقل معه الأمن، فأما إذا كان الأغلب السلامة وإنما يقع الخوف الفلتة والمرة في الزمان، فإنه يجلب لأن هذا أمر لا تخلو منه الدنيا.
الفرع الثاني: إذا كان موضعه يزيد على المسافة المذكورة، فقد قال محمد: وإذا كان بعيدًا من المصر، على ما فسرت لك، لم يجلبه، إلا أن يثبت عليه شاهدان أو شاهد بحق، فيكتب إليه مع ثقة: إما أن يرضي خصمه، وإما أن يحضر معه.
الفرع الثالث: إذا كان للغائب مال في البلد وجبت التوفية منه.
الفرع الرابع: يقبل كتاب القاضي إلى القاضي في العقوبات وفي القصاص والحدود
стр. 1027
الفرع الخامس: المخدرة لا تحضر مجلس الحكم لتحلف في اليسير، بل يبعث الحاكم إليها من يحلفها، والمعني بالمخدرة من يزري بمثلها حضور مجال الأحكام، وإن كانت تتصرف وتخرج إلى غير ذلك، فأما فيما له بال من الحقوق فتخرج إلى المسجد ليلاً.
الفرع السادس: ليس للقاضي أن زوج امرأة خارجة عن ولايته، إلا إذا دخلت ولايته.
الفرع السابع: إذا كان في ولايته يتيم قد مسته الحاجة وله أموال بعمل آخر في ولاية غيره، فإنه يكتب إلى الغير يعلمه بحال الطفل وحاجته. ويقتضي منه بيع ماله وتنفيذه لنظر له، فإذا ورد كتابه باع المكتوب إليه من مال اليتيم أقل رباعه رداً عليه وأحقها بالبيع، وصير الثمن لينظر فيه.
стр. 1028
كتاب الشهادات
وفيه ستة أبواب:
الباب الأول: فيما يفيد أهلية الشهادة، وما يفيد قبولها وما يمنع منه .
فأما ما يفيد أهليتها فثلاثة أوصاف، وهي: التكليف، والحرية والإسلام. فلا تقبل شهادة غير مكلف، ولا يستثنى من ذلك إلا شهادة الصبيان [بعضهم] على بعض في الدماء على شروط يأتي بيانها، وإنما استثنيت لأن الشرع ندب إلى تعليمهم الرمي والثقاف والصراع إلى سائر ما يدربهم على حمل السلاح والطعن والضرب، والكر والفر وتوقيح أقدامهم وتصليب أعضائهم، وتعليمهم البطش والحمية والأنفقة من العار والفرار، ومعلوم أنهم في غالب أحوالهم يخلون بأنفسهم في ذلك وقد يجني بعضهم على بعض. فلو لم يقبل قول بعضهم على بعض لأهدرت دماؤهم، لا سيما وقد احتاط الشرع (فحقن) الدماء حتى قبل فيها اللوث واليمين وإن كان لم يقبل ذلك في درهم واحد.
وعلى قبول [شهادتهم] تواطأت مذاهب السلف الصالح رضوان الله عليهم، فلقال به من الصحابة علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان ﵄. ومن التابعين سعيد بن المسيت وعبد الله وعروة إبنا الزبير ومحمد بن علي بن الحسين وعمر بن عبد العزيز
стр. 1029
والشعبي والنخعي وشريح وابن أبي ليلى وابن شهاب وابن أبي مليكة، وقال: ما أدركت القضاة إلا وهم يحكمون بقول ابن الزبير وأبي الزناد، وقال: هي السنة وهو مذهب أهل المدينة.
إذا ثبت ذلك فالشروط: كونهم يعقلون الشهادة، أحرارًا، ذكورًا محكومًا لهم بالإسلام، اثنين فصاعدًا، متفقين غير مختلفين، يكون ذلك بديهتهم قبل تفرقتهم وتخيبهم. ويكون ذلك لبعض على بعض، ويكون في القتل والجراح خاصة. ولا تقبل شهادتهم على كبير أنه قتل صغيرًا، أو على صغير أنه قتل كبيرًا.
فإذا شهدوا ثم رجعوا عن شهادتهم أخذ بالشهادة الأولى، ولم يلتفت إلى ما رجعوا إليه.
واختلف من هذه الأوصاف في اثنين: أحدهما الذكورية، فروي اشتراطها، وبه قال أشهب. وحكى سحنون في المجموعة اختلاف قول ابن القاسم في اشتراطها. وقال المغيرة في كتاب ابن سحنون: تجوز شهادة إناثهم.
والآخر قبول شهادتهم في القتل، فروي ابن القاسم قبولها فيه، وبه قال المغيرة. وأشهب يمنع من ذلك ويخصها بالجراح.
فرع: اختلف في العداوة والقرابة هل تقدح في شهادتهم أم لا؟ ولم يختلف أنه لا يعتبر فيهم تعديل ولا تجريح.
عدنا إلى الأصل. ولا تقبل شهادة عبد، ولا كافر أصلاً، ولا على كافر، ولا شهادة مبتدع كالقدري والخارجي وشبههم من أهل [الضلالات]، وإن كانوا يصلون بصلاتنا، ويستقبلون قبلتنا. قال القاضي أبو الحسن: "وذلك (لفسقهم)، والفسق يوجب رد الشهادة، ولو كان عن تأويل غلط فيه متأول".
وأما ما يفيد قبول الشهادة وهو ما يشترط الاتصاف به بعد ثبوت الأهلي فوصفان:
الوصف الأول: العدالة، والمراد بها الاعتدال والاستواء في الأحوال الدينية، وذلك بأن يكون ظاهر الأمانة، عفيفًا عن المحارم، متوفيًا (للإثم)، بعيدًا من الريب، مأمونًا في الرضا
стр. 1030
والغضب. قال بعض علمائنا: وليست العدالة أن يمحض الرجل الطاعة حتى لا تشوبها معصية، وذلك متعذر لا يقدر عليه إلا الأولياء والصديقون، ولكن من كانت الطاعة أكثر حاله وأغلبها عليه، وهو مجتنب للكبائر، محافظ على ترك الصغائر، فهو العدل.
قال في الكتاب: "لو ثبت على الشهود أنهم شربة خمر، أو أكلة ربا، أو معروفون بالكذب في غير شيء، أو أصحاب يان، أو مجان يلعبون بالنرد والشطرنج فذلك يسقطهم، وغيره مما يشبه، وكذلك اللاعب بالحمام إذا كان يقامر عليها، وكذلك لو كان يعصر الخمر وإن كان لا يشربها، أو يكري (نفسه) من (الخمار). واشترط في تجريح لاعب الشطرنج أن يكون مدمنًا عليه. وكره اللعب بها وإن قل، وقال: هي أشد من النرد. وقال غيره: لا تجوز شهادته وإن لم يكن مدمنًا.
الوصف الثاني: المروءة، فيشترط في العدل أن يكون مستعملاً لمروءة مثله في دينه ودنياه، وكل من صدر منه فعل أذن بسقوط الدين أو المروءة، فهو قادح في شهادته.
فأما حقيقة المروءة فقال القاضي أبو بكر: "الضابط في المروءة ألا يأتي الإنسان ما يعتذر منه مما يبخسه عن مرتبته عند أهل الفضل".
وقال أبو القاسم بن محرز: ليس المراد بالمروءة نظافة الثوب، وفراعة المركوب، وجودة الآلة، وحسن الشارة، ولكن المراد بها التصون ولاسمت الحسن، وحفظ اللسان وتجنب السخف والمجون، والارتفاق عن كل خلق ردئ يرى (أن) من تخلق به لا (يحافظ) (معه) على دينه وإن لم يكن في نفسه جرحة، وذلك كالإدمان على لعب الحمام والشطرنج وإن لم يقامر عليها، وشبه ذلك من الأمور. وقال: وقد رأى بعض الناس أن شهادة البخيل لا تقبل، قالوا: وذلك أن إفراط البخل يؤديه إلى منع الحقوق وأخذ ما ليس بحق.
ولا ترد شهادة أرباب الحرف الدنيئة كالكناس والدباغ والحجام والحائك، (وما)
стр. 1031
أشبهم، إلا أن يكون التحرف بذلك على جهة الاختيار لها ممن لا يليق به، فإنها تدل على خبل في العقل، وتخرم المروءة.
قال القاضي أبو الوليد: "ويشترط فيمن اجتمع فيه هذان الوصفان أن يكون عالمًا يتحمل الشهادة، لأنه من لم يكن عنده علم بتحملها لم يؤمن عليه الغلط فيها وترك ما هو شرط في صحتها. وأن يكون متحرزًا فيها ليؤمن عليه التحيل من أهل الحيل فيشهد بالباطل وهو لا يعلم. وقال محمد بن عبد الحكم: قد يكون الرجل الخير الفاضل ضعيفًا لا يؤمن عليه، لغفلته، أن يلبس عليه، فإذا كان كذلك لم يجز للإمام قبول شهادته.
وأما ما يمنع من قبول الشهادة بعد وجود الوصفين المقتضين للقبول فالتهمة، ولها أسباب:
السبب الأول: أن يجر إلى نفسه بشهادته أو يدفع.
أما الجزء، فكمن يشهد أن فلانًا جرح موروثه، وكمن شهد بدين له ولغيره. فالمشهور أنها لا تقبل له ولا لغيره. وفي كتاب محمد أنها لا تجوز، إلا أن يكون الذي له يسيرًا جدًا. وكذلك لمن يتهم عليه، وإن كان الحق المشهود به وصية، فإن كان ماله فيها كثيرًا لم تجز شهادته له ولا لغيره. وإن كان يسيرًا، ففي الكتاب: "تجوز له ولغيره"، وكذلك قال مطرف. وروى غيره لا تجوز له ولغيره، وبهذا قال ابن عبد الحكم. وروي أيضًا: لا تجوز له، وتجوز لغيره، وبها قال ابن الماجشون. وألحق بالجار إلى نفسه شهادة الوصي بدين الميت إذا كان يلي ما يقبض منه.
وأما الدفع، فكشهادة بعض العاقلة بفسق شهود القتل الخطأ، فأما لو شهد رجلان لرجلين بدين لهما على رجل، وشهد المشهود لهما أيضًا للشاهدين لهما بدين على رجل آخر لقبلت الشهادتان. وكذلك شهادة رفقة القافلة في قطع الطريق بعضهم لبعض على قول ابن القاسم وروايته في الكتاب.
السبب الثاني: (البعضيه) وما يلحق بها في تطرق التهمة من جهة النسب والسبب وما ف معناهما. فلا تجوز شهادة الولد لوالده و [لا] الوالد لوده، ولا الجد لولد ولده، ولا ولد
стр. 1032
الولد لجده، وذلك يتضمن عمودي النسب الأعلى والأسفل، والأجداد والجدات من قبل الأب والأم والولد وولد الولد من ذكور وإناث.
وأما شهادة الأخ لاخيه، فأجازها في الكتاب من رواية ابن القاسم إلا أن يكون في عياله.
وقدال بعض أصحابنا: "لا تجوز على الإطلاق، وإنما تجوز على شرط، ثم اختلف في تحقيق ذلك الشرط، ففي كتاب محمد لا تجوز شهادته له إلا أن يكون مبرزًا. وقيل: تجوز إذا لم تنله صلته. وقال أشهب: تجوز في اليسير دون الكثير، إلا أن يكون مبرزًا فتجوز في الكثير".
وقال غير هؤلاء: "تقبل الشهادة للأخ إلا فيما تتضح فيه التهمة، مثل أن يشهد له بما يكتسب به الشاهد شرفًا وجاهًا، أو يدفع به معرة، أو تقتضي الطباع والعصبية فيه الغضب والحمية، كشهادته بأن فلانًا قتله، أو بجرح من جرحه). وفي جواز تعديله له ومنعه قولان "لابن القاسم وأشهب".
فرع: قال محمد بن عبد الحكم: أصحابنا يجيزون شهادة الأب والابن والزوج والزوجة
стр. 1033
على أنه وكل فلانًا، ولا تجوز شهادتهم أن فلانًا وكله، لأن الذي يوكل لا يتهمان عليه في شيء.
(وقال ابنالقاسم في المجموعة: لا تجوز شهادة القرابة والموالي في الرباع التي يتهمون [بجرها] إليهم أو إلى بنيهم اليوم أو بعده، مثل حبس مرجعه إليهم أو إلى بنيهم. وقال أيضًا: لا تجوز شهادة الرجل لابن امرأته أو لابنتها، وكذلك المرأة لابن زوجها. وكذلك شهادة الرجل لزوج ابنته وزوجة ابنه، ورواه عيسى عنه. وقال سحنون: ذلك جائز.
استحسن بعض المتأخرين في الشهادة لزوج البنت وزوجة الابن أن تقبل إن كان الشاهد مبرزًا في العدالة، وألا تقبل إ لم يكن كذلك.
قال أبو القاسم بن محرز: وقد اختلف في شهادة الأب لبعض ولده على بعض، والولد لأحد أبويه على الآخر، قال: والصواب إجازة ذلك، لأن الشاهد قد استوت حاله فيمن شهد له ومن شهد عليه، فصار بمنزلة شهادته لأجنبي على أجنبي، ما لم يكن هنالك ميل ظاهر إلى المشهود له مثل أن يكون باراً به أو صغيرًا أو سفيهًا في ولايته، أو يكون المشهود عليه عاقًا له، أو تكون حالة الشاهد مع أحد أبويه حالة توجب تهمة، فيمنع ذلك من قبول شهادته بينهما لمن يتم له منهما. وهذا كله إذا اعتبر عند نزوله لم يخف وجه الصواب.
ورأى الإمام أبو عبد الله أن هذا مقتضى التعليل بالتهمة، ثم قال: "لكن سحنون يمنع قبول شهادته، هذه وإن وقعت للأكبر من ولده على (الأصغر)، [والرشيد] منهما على السفيه الذي في ولايته". قال: "وكأنه لم يطلب مقتضى هذه العلة، بل أشار إلى أنه كالحكم الذي ليس بمعلل فقال: ترد الشهادة، لأن رد شهادة الوالد لابنه من السنة".
قال الإمام: وأما إن كان الأمر بالعكس بأن (شهد) للصغير على الكبيرة، ولمن في ولايته على من خرج منها، وللبار على العاق، فإنه لا يختلف عندنا في رد شهادته لظهور التهمة
стр. 1034
بكون المشهود له آثر عنده، وأحب إليه من المشهود عليه".
فرع مرتب: إذا اعتبرنا اختلاف أحوال المشهود له والمشهود عليه، ورتبنا القبول والرد عليهما، فلو فرضنا خفاء علم ذلك عنا، ولم يظهر لنا منه ميل إلى أحد الأولاد، وكانوا في السن والرشد على حالة واحدة، وكذلك في البر والعقوق، فاختلف في شهادته بينهما:
فقيل: تُقْبَلُ، لان الأصل قبولها ولم يتحقق سبب التهمة، وهذا القول موافق لما اختاره أبو القاسم بن محرز.
وقيل: ترد، لأنه قد يحب أحد بنيه أكثر، ويخفي ذلك إشفاقاً على قلوب إخوته، فالتهمة ها هنا متطرقة بخلاف شهادته لأجنبي.
تتمة لهذا الوصف:
اختلف في أخوة الصداقة، هل تلحق بالقرابة المانعة من قبول الشهادة، أم لا؟ والمشهور أنها لا تلحق إذا كان ليس في نفقته ولا يشتمل عليه بره وصلته، وحكى ابن سحنون عن ابن كنانة أن شهادته إنما تقبل لصديقه في المال اليسير، ورأى أن الصداقة ربما كانت كأخوة من جهة النسب.
قال الإمام أبو عبد الله: "وهكذا كل من كان في عيال إنسان ونفقته لا تقبل شهادة المنفق عليه للمنفق، لأن منفة المنفق بالمشهود به في النفقة وهو شريكه فيها، فكأنه شهد لنفسه.
وأما شهادة المنفق للمنفق عليه فنص ابن حبيب على قبولها. ورأى بعض المتأخرين أنه إذا شهد لأخيه الذي في عياله لم يقبل"، قال: "لأنه (يدفع) بها نفقته عنه، إذ لو تركه بغير إنفاق للحقته معرة وسوء أحدوثة، فهو يدفع ذلك عن نفسه بشهادته له".
ومما تطرق إليه التهمة شهادة المديان المعسر لمن له عليه الدين، فلا تقبل لأنه كأسيره فيصانعه بها. وكذلك شهادة رب الدين له لا تقبل، لأنه يريد الاستيفاء مما يتحصل بشهادته له، فالأول دافع عن نفسه والثاني جار لها.
السبب الثالث: العداوة.
فلا (يقبل) العدو على عدوه، لكن يقبل له، فإن قيل: ما العداوة التي تمنع قبول
стр. 1035
الشهادة؟ قلنا: هي التي تكون لسبب من أسباب الدنيا، كالمنازعة في مال أو جاه أو ما في معنى ذلك، وهي التي تظهر التعصب وتحمل على الفرج بالمصيبة والغم بالسرور.
(فأما إن كانت العداوة غضبًا لله سبحانه فلا تمنع القبول، فأن الغضب لله، لكون المغضوب عليه كافرًا أو فاسقًا، يدل على قوة الإيمان، فهو أولى بان يؤكد العدالة.
قا الإمام أبو عبد الله: "لكن لو سرى ذلك إلى إفراط أذى من الفاسق المعادي لفسقه لمن غضب عليه وهجره لله سبحناه، حتى أوغر صدره وأحب من أجله ضرره، لوجب الوقف عن شهادته، إذ تحققت التهمة بينهما لخروجه عن العداوة الدينية إلى عداوة دنيوية، ولا، العداوة الدينية لو كانت تمنع لما قبلت شهادتنا على الكفار").
فرعان:
الفرع الأول: قال أبو الحسن اللخمي: "اختلف فيمن كان عنده شهادة وكان يذكرها، ثم عاداه المشهود عليه فاحتج إلى القيام بالشهادة قال: وقبولها ها هنا أخف إذا كانت قيدت".
قال: "واختلف في شهادة الرجل على ابن عدوه بمال أو بما لا يلحق الأب منه معرة، فأجازها محمد وإن كان الأب حيًا والابن في ولاء أبيه. وقال ابن الماجشون: لا ترد إذا لم يكن في ولائه. وقال أيضًا: لا تجوز بمال إذا كان الأب حيًا، يريد: وإن كان رشيدًا". قال: "وإن شهد بعد موته بمال على الصبي جازت. وإن شهد بمال على الأب لم تجز، وإن كان المال صار للولد.
وقال ابن القاسم: إذا كانا أعداء لأب الصبي لم تجز شهادتهما ولو كانا مثل ابن أبي شريح وسلميان بن القاسم".
الفرع الثاني: كل من لا تجوز شهادته على رجل فلا تجوز تزكيته لمن شهد عليه، ولا تجريحه لمن شهد له. وكذلك كل من لا تقبل شهادته لرجل فلا تقبل تزكيته لمن شهد له ولا تجريحه لمن شهد عليه.
السبب الرابع: التغفل.
قرب عدل لا يكون مطلعًا بفهم ما شهد فيه، (وتذهب) الأمور فيحمل الشيء على خلاف ما هو عليه. وقد يلقن فيقبل التلقين. ورب شيء يحمله (فهم) بعض الناس ولا
стр. 1036
يحمله فهم بعضهم. ورب شيء خفيف يفيئ بتحمله كل أحد، فما كان مثل ال شيء الذي لا يكاد يلتبس، [أو] اللفظة التي لا تتعلق بغيرها ولا يطول الخطاب معها قبلت فيه شهادة كل عدل، وما كان من القصص الطويلة والأمور التي فيها مراجعة، ولا يؤمن على الشاهد إذا كان مغفلاً أن يذهب عليه بعضها، ولعل ما فهم متعلق بما ذهب عليه، فإن هذا وشبه لا يقبل فيه إلا من المتيقظ المميز.
السبب الخامس: الحرص على زوال (التعبير) اللاحق للشاهد، وذلك من وجهين:
الوجه الأول: إظهار البراءة مما رمي به، وذلك مثل دفع عار الكذب، فمن ردت شهادته لفسق [فتاب]، [ثم شهد] بشهادته التي رد فيها، لم تقبل منه، لأنه يدفع بها عار التكذيب. وكذلك الشهادة المعادة من العبد والصبي والكافر إذا زال نقصهم الذي ردت شهادتهم من أجله لا تقبل أيضًا، لما في الطباع البشرية من شدة الحرص على غسل المعرة بالتكذيب للشاهد.
الوجه الثاني: قصد التأسي والتسلي بأن يجعل غيره مثله ليتسلى بذلك عند عجزه عن براءة نفسه كقصة زليخا. وقد قال عثمان ﵁: "ودت الزانية أن النساء كلهن زنين". وقد نبه الله تعالى على التسلي بالاشتراك بقوله تعالى: (ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم أنكم في العذاب مشتركون).
إذا تقرر هذا: (فمن أتى [كبيرة] فحد (لها) كزان بكر جلد، أو سارق قطع، أو شارب حد، أو قاذف جلد، ثم تاب هؤلاء وصلحت أحوالهم حتى صاروا عدولاً، فإن شهادتهم لا تقبل في مثل ما حدوا فيه، هذا مذهب مطرف وابن الماجشون وأصبغ وسحنون.
زاد مطرف وابن الماجشون في الزاني والمنبوذ رد شهادتهما فيما يتعلق بالزنى أيضًا كاللعان والقذف. وقال ابن الكنانة بقبول شهادة هؤلاء كلهم فيما حدوا فيه.
قال الإمام أبو عبد الله: "وهو ظاهر الكتاب، وظاهر إطلاق غيره من الكتب المذكور
стр. 1037
فيها قبول شهادة هؤلاء مطلقًا". قال: "وأما ولد الزنى فلم يختلف المذهب في رد شهادته في الزنى، وقبولها فيما سوى ذلك مما لا تعلق له بالزنى) والفرق على قول ابن كنانة وظاهر الكتاب أن المعرة بإتيان كبيرة يكفرها الحد وتمحوها التوبة والورع والعفاف فيصير فاعلها كأنه لم يأت قبيحًا، "إذ التائب من الذنب كمن لا ذنب له".
وأما ولد الزني فالمعرة لاصقة به أبدًا ما عاش، ولا تصح منه توبة عنها، إذ لم تكن من فعله، فافترقا.
السبب السادس: الحرص على الشهادة، وذلك في التحمل والأداء والقبول.
أم الحرص على التحمل فمثل أن يجلس مختفيًا في زاوية لتحمل شهادة، ينبني قبول شهادته على جواز تحمل الشهادة على المقر من غير أن يشهد على نفسه بما أقر به وهو المشهور. وإذا فرعنا عليه ففي كتاب محمد: تقبل شهادة المختفي إذا لم يكن المشهود عليه ضعيفاً أو مخدوعًا أو خائفًا، فقيل له: أيجوز أن يختفي له ليشهد عليه؟ فأجاب بأنه يتخوف ألا يحيط الشاهد علمًا بما كان من الخصمين، ثم قال: ولكن إن تحقق الإقرار كما يجب فليشهد. وحيث أجزنا شهادته فلا تحمل على الحرص.
وأما الحرص على الأداء فهو الابتداء به قبل طلبه، حيث لا تجب الابتداء به. والحقوق المشهود بها قسمان: حق الله تعالى، وحق لآدمي. وحق الله سبحانه نوعان: نوع (يستفاد) فيه التحريم، ونوع لا (يستفاد) فيه.
فأما ما يستفاد فيه التحريم فتقبل فيه الشهادة مع المبادرة، إذ تجب المبادرة بها وتأخير القيام بها من غير عذر جرحة، وهذا كالطلاق والعتاق والخلع والعفو عن (القصاص) وتحريم الرضاع والوقف على غير المعينين وشبه هذا، ولا يحمل ذلك على الحرص [على) الشهادة إذ هو مأمور به.
أما النوع الثاني وهو ما لا (يستفاد) تحريمه كالزنى وشرب الخمر وشبههما، فلا يجب الابتداء بها ولا يضر إخفاؤها، لأنه ستر وقد أمر به. وقال ابن القاسم في المجموعة: يكتمها
стр. 1038
ولا يشهد بها إلا في تجريح إن شهد على أحد.
وأما القسم الثاني: وهو ما كان حقًا لآدمي فلا يبتدئ به وإن كان صاحب الحق لم يعلم بشهادته له، لكن إ١اعلم ذلك منه أعلمه بما له عنده من الشهادة، فإن طلبه بأدائها، أداها، وإن سكت عنه تركها، فإن بادر بها (دون طلب) لم تقبل.
وأما الحرص على القبول، فقال الإمام أبو عبد الله: "قد قيل في الشهادة: إنه إذا شهد وحلف على صحة شهادته إن ذلك يقدح في شهادته، بكون اليمين كالعلم على التعصب والحميدة وشدة الحرص على إنقاذها. قال: "وكذلك اختلف ابن القاسم (ومطرف في حقوق الله ، إذا قام بها شهود وخاصموا المشهود عليه فيها، فرأى ابن القاسم) أن ذلك يمنع من قبول شهادتهم، لأن المخاصمة علم على شدة الحرص على إنقاذ الشهادة والحكم بها، وشدة الحرص على إنفاذها قد تحمل على تحريفها أو زيادة فيها أو نقص منها لتنفيذ الشهادة بالتحريف. ورأى مطرف أن ذلك غير قادح لأن هذا تصرف فيه التهمة لأمور الآخرة، وقد تقدم أن العداوة لله سبحانه لا تؤثر في الشهادة، ولذلك قبلت شهادة المسلمين على الكفار، وإن كانوا أعداء من ناحية الدين.
ا
لسبب السابع:
(تطرق التهمة من جهة الشذوذ في الشهادة ومخالفة العادة، كشهادة البدوي على القروي، وفيه ورد النص، فروي عن رسول الله ﷺ أنه قال: "لا تقبل شهادة البدوي على القروي. وفي طريق أبي داود: "ولا تقبل شهادة بدوي على صاحب قرية".
قال محمد بن عبد الحكم: تأوي لمالك هذا الحديث على أن المراد به الشهادة في الحقوق والأموال، ولم ترد (به) الشهادة في الدماء و [ما] في معناها مما يطل به الخلوات)، فلهذا قلنا: لا تقبل شهادة البدوي على القروي أوله في الحقوق التي يمكن
стр. 1039
الإشهاد عليها في الحضر دون القتل والجراح [وشبههما].
قال الإمام أبو عبد الله وشيخه: والمراد بالحديث قصر الرد على موضع تحقق التهمة، قالا: وذلك إذاكتب خطه في الوثيقة أو في الصداق وهما في الحضر، فالعدول عن إشهاد العدول إلى إشهاده ريبة، قالا: فأما لو قال: مراً به فسمعتهما يتقارران، أو كانوا في سفر، فلا تهمة تقتضي الرد. قال الإمام: "وعلى هذا الأسلوب جرى الأمر فيما ذكره في الكتاب في شهادة السؤال أنها لا تقبل إلا في التافه، اليسير، لأن العادة مطردة أن مثلهم لا يستشهدون ويوثق بشهادتهم، فالعدول إليهم في المعاملات عن الأغنياء (المشهورين) ريبة، وكذلك يسترابون في غير الأموال أيضًا لما استولى عليهم من كدية الناس، وتطلب أدنى محتقر من الطعام منهم، وتذللهم لهم في ذلك، فتنخرم الثقة بهم في كل ما له بال وقدر مما يشهدون به، اللهم إلا أن يكونوا فقراء لا يسألون ولا يقبلون الصدقة إن أعطوها، فإن شهادتهم تقبل في الظاهر من المذهب. وقال ابن كنانة: لا تقبل في المال الكثير كخمسمائة دينار إذا لم يكونوا ظاهري العدالة.
قال الإمام أبو عبد الله: "وهذا الذي انفرد به بعيد عن ظاهر الشرع وقواعده. وأشار بعض الأشياخ إلى تأويل هذه الرواية والاعتذار عنها بأن المراد بها كون إشهاد مثل هؤلاء فيما له بال والاستعداد بشهادتهم من الشاذ النادر، فرجعت إلى معنى الشذوذ". قال: "وأما المتكفف فحكمه ما ذكر في الكتاب".
"وأما من يسأل ولا يشهر بالمسألة، ولكن يسأل عند نائبه تنوبه الإمام أو رجلاً شريفاً، فإن ذلك يلحق أيضًا بالفقير المقبول الشهادة.
وأما من اشتهر بالمسألة وعرف بها وإن لم يكن متكففًا، فظاهر الرواية أنه يلحق بالفقير المتكفف
стр. 1040
فروع:
الفرع الأول: إن هذه الأسباب إذا زالت قبلت الشهادة، ولا يخفى حكم زوال الصبا والرق وأمثاله، وإنما يحتاج إلى النظر في زوال الفسق والعداوة، فإن التوبة مما تخفى، ولا يكفي قول الفاسق: تبت ولا أعود، ولا إقرار القاذف على نفسه بالكذب، بل يجب استبراء حالهما، وكذلك كل فاسق يقول: تبت، فإنه لا يصدق حتى يستبرأ مدة يظهر بقرائن الأحوال صلاح سريرته فيها، ويغلب على ظن أنه قد ندم عليها وكفرها بالتوبة والأعمال الصالحة.
قال الإمام أبو عبد الله: "وقد حد بعض العلماء أمر الاستبراء لحال هذا التائب بمضي سنة من حين إظهاره التوبة. وأشار إلى ما أشار إليه من حد أجل العنين بسنة من أجل اختلاف أحوال الأزمان وجعل تأثيره في العزائم والشهوة في حق التائب كتأثيره في الطبائع والقوى في حق العنين". قال الإمام: "وهو ضعيف"، ثم قال: "ومنهم من وقت بستة أشهر، وهو أضعف. ثم قال: "والتحقيق أن يستند في ذلك إلى قرائن أحوال الرجال، فإن منهم من لا يظهر معتقده وباطنه على طول الدهر، ويغالط الحذاف بظاهره حتى يظنوه صالحاً وإن كان فيالباطن (زنديقًا). ومهم من هوب العكس من ذلك لا يقدر أن يظهر خلاف ما يبطن إلا زمنًا قليلاً يتكلف [فيه] استعمال نفسه"، قال: " (فالصحيح) الرجوع إلى قرائن الأحوال، وإسناد غلبة الظن، في الانتقال إلى العدالة، إليها، لا إلى مجرد مضي زمن".
الفرع الثاني: إذا ظهر للقاضي بعد الحكم أنه قضى بشهادة عبدين أو كافرين أو صبيين نقض الحكم. وفي نقضه إذا كانا فاسقين خلاف، نقضه ابن القاسم، ولم ينقضه أشهب وسحنون.
الفرع الثالث: إذا حدثت التهمة بعد أداء الشهادة لم تبطل الشهادة، وذلك كالرجل يتزوج المرأة بعد أن شهد لها، أو تقع بينه وبين المشهود عليه خصومة بعد أن شهد عليه.
وأما حدوث الجرحة في الشاهد بعد أداء شهادته فإنها تبطل شهادته فيها، وتبطل فيما
стр. 1041
يستقل أيضًا. قال ابن الماجشون: لا تبطل شهادته هذه إ١اكانت الجرحة شيء اظاهرًا كالجراح والقتل ونحو ذلك.
خاتمة للباب: يذكر عبارة جامعة أوردها أبو القاسم بن محرز عن الشيخ أبي بكر في صفة من تقبل شهادته، قال: هو المجتنب للكبائر، المتوقي لأكثر الصغائر، إذا كان ذا مروءة وتمييز مستيقَظا، متوسط الحال بين البغض والمحبة. قال أبو القاسم: وقد أتت هذه الصفة على جميع ما ينبغي في الشاهد العدل.
الباب الثاني: في العدد والذكورة .
والعدد مشترط في كل شهادة، فلا يثبت بشهادة واحد حكم أصلاً، ثم الشهادات في العدد على ثلاث مراتب.
المرتبة الأولى: بينة الزنى، ويشترط فيها العدد والذكورة، وهي أعلى البينات، وعددها أربعة، قال يثبت إلا بأربعة رجال يشهدون أنه أدخل فرجه في فرجها كالمردود في المكحلة، وقد أتوا مجتمعين غير مفترقين.
قال الإمام أبو عبد الله: "وظاهر المذهب أن للعدل النظر إلى العورة قصدًا لتحمل الشهادة".
واللواط في الشهادة كالزنى، وهل يثبت الإقرار بالزنى بشاهدين أم لابد من أربعة كما في الرؤية؟ فيه خلاف على القول بأنه إذا رجع عن إقراره لغير عذر لم يقبل رجوعه.
المرتبة الثانية: ما عدا الزنى مما ليس بمال ولا يؤول إلى مال كالنكاح والجرعة والطلاق والعتق والإسلام والردة والبلوغ والولاء والعدة والجرح والتعديل والعفو عن القصاص وثبوته في النفس وفي الأطراف على خلاف فيها، وثبوت النسب والموت والكتابة والتدبير وشبه ذلك، وكذلك الوكالة والوصية عند أشهب وعبد الملك، فهذه كلها أيضًا يشترط فيها الوصفان فإنما تثبت بشهادة رجلين، ولا تثبت برجل وامرأتين.
وقال مالك وابن القاسم وابن وهب: يجوز في الوكالة بطلب المال، وإسناد الوصية التي ليس فيها إلا المال، شاهد وامرأتان.
أما ما لا يظهر للرجل كالولادة وعيوب النساء والرضاع، فإنه إنما يشترط فيه العدد
стр. 1042
فحسب، ويقول النساء فيه مقام الرجال، فيثبت بامرأتين، وكذلك الاستهلال والحيض.
المرتبة الثالثة: الأموال وحقوقها، كالأجل والخيار والشفعة والإجارة وقتل الخطأ وكل جرح لا يوجب إلا المال، فلا يشترط فيها أيضًا إلا العدد، فيثبت برجل وامرأتين. وكذا فسخ العقود، وقبض نجوم الكتابة، حتى النجم الأخير، وإن ترتب العتق عليه.
فرعان:
الفرع الأول: إذا شهد على السرقة رجل وامرأتان ثبت المال وإن لم تثبت العقوبة. وكذلك لو شهد على النكاح بعد الموت رجل وامرأتان أو رجل مع يمين الطالب ثبت الميران عند ابن القاسم. وقال أشهب: لا يصح الميراث إلا بعد ثبوت النكاح، ولا يثبت بذلك.
الفرع الثاني: من أقام شاهدين وطولب بالتزكية فله أن يطلب الحيلولة، فيوقف الحيوان والعروض التي تعرف بعينها ويشهد عليها، وما خشي عليه في الإيقاف الفساد من طعام وشبهه بيع (ووقف) ثمنه، فإن ضاع فهو ممن ثبت له. وأما العقار فيمنع فيه من الإحداث والهدم والبناء، ولم هو بيده قبض أجرته إلى حيث [ما] ينفذ القضاء. وللعبد طلب الحيلولة إقامة الشاهدين على العتق. وأما الأمة فيفعل القاضي فيها ذلك وإن لم تطلب، إلا أن يكون السيد مأمونًا فيؤمر بالكف عنه. وقال أصبغ: إن كانت من الوخش رأيتها مثل العبد، وإن كانت رائعة فلا يؤتمن عليها. وينزل شاهد واحد منزلة شاهدين في إيجاب الحيلولة إلا في الطعام الذي يخشى فساده، فلا يباع، ولكن إذا خشي عليه خلي بينه وبين من كان في يديه بعد استحلافه.
стр. 1043
الباب الثالث: في مستند علم الشاهد وتحمله وآدابه ، وفيه فصلان:
الفصل الأول: في مستند علمه . والأصل فيه اليقين الواضح كالشمس،
ولكنا قد نلحق الظن به للحاجة فنقول: المشهود به قسمان:
القسم (الأول) ما يدرك بالحاسة فيستند إليها كالإبصار (المجرد) في الأفعال، والسمع المجرد في الأوقال، فتقبل شهادة الأصم في الأفعال، والأعمى في الأقوال.
وأما اعتماد الشاهد في الخط [فمختلف] فيه، وهو ينسم إلى ثلاثة أوجه:
الوجه الأول: الشهادة على خط المقر، وهو أقواها في جواز الشهادة. ويليه:
الوجه الثاني: وهو الشهادة على خط الشاهد الميت أو الغائب. ويليه:
الوجه الثالث: وهو شهادة الشاهد على خط نفسه، وهو أضعفها في إجازة الشاهد، فمن يجيزها (فيه يجيزها) في الوجهين الأولين أيضًا، ومن لا يجيزها في شهادة الشاهد على خط المقر لا يجيزها في شيء من الأوجه الثلاثة.
وفي حكاية الخلاف في قبول الشهادة على الخط طريقان:
الطريق الأول: على جهة الجمع، فنقول: المذهب في قبول الشهادة في الأوجه الثلاثة على أربعة أقوال:
القول الأول: نفي الجواز في شيء من الأوجه الثلاثة.
القول الثاني: تخصيص الجواز بالشهادة على خط المقر خاصة.
القول الثالث: تخصيص نفي الجواز بشهادة الشاهد على خط نفسه.
القول الرابع: جوازها في الأوجه الثلاثة.
الطريق الثاني: على جهة التفصيل: فنقول: أما الشهادة على خط المقر فالمذهب أنها جائزة مقبولة، وأنها كالشهادة على إقراره، فيحكم له بمجرد الشهادة على الخط.
стр. 1044
وحكى الشيخ أبو القاسم رواية بأنه لا يحكم له بها حتى يحلف معها، فرأى في (الأولى) أنها كالشهادة على الإقرار. ورأى في الثانية أنها لم تتناول المال، وإنما تناولت ما يجر إليه. ويخرج على الروايتين ما إذا أقام على الخط شاهدًا واحدًا هل يحلف معه ويستحق أم لا؟.
قال الشيخ أبو الوليد: "والمشهور من المذهب أن الشهادة على الخط في ذلك جائز عاملة، لم يختلف في ذلك قول مالك ولا قول أحد من أصحابه فيما علمت، إلا ما يروى عن محمد بن عبد الحكم من قوله: لا تجوز الشهادة على الخط، هكذا مجملاً، ولم يخص موضعًا من موضع".
وأما الشهادة على خط الشاهد الميت أو لغائب فقال الشيخ أبو الوليد "لم يختلف" في الأمهات المشهورة قول مالك في إجازتها وإعمالها". قال: "وروي عنه أيضًا أنها لا تجوز، وإليه ذهب محمد، وجعل الشهادة على خطه كالشهادة على (شهادته) إذا سمعها منه، ولم يشهده عليها". قال: "وقد يكتب خطه بما قد يستريب فيه عند الأداء وقد يكتب على من لا يعرفه إلا بعينه، وقد لا يعرفه ولا باسمه. والفرق على المشهور أن الرجل قد يخبر بما لا يتحققه، ولا ينبغي للرجل أن يكتب شهادته حتى يحقق ما يشهد عليه، ويعرف من أشهد بالعين والاسم، مخافة أن يموت أو يغيب فيشهد على خطه، فأشبه ذلك من يسمع رجلاً يؤدي شهادته عند الحاكم أو يشهد عليها غيره أنه يشهد على شهادته بما سمع منه وإن لم يشهده عليها". قال الشيخ أبو الوليد: "والقول الأول أظهر، إذ قد قيل، وهو قول محمد: إنه لا يجوز له أن يشهد على شهادته حتى يشهده عليها، وإن سمعه يؤديها عند الحاكم أو يشهد عليها غيره مع أن وضع الشاهد شهادته في الكتاب لا قوى قوة ذلك. قال: "وقد قال ابن زرت: لا تجوز الشهادة على خط الشاهد حتى يعرف أنه كان يعرف من أشهده معرفة العين".
قال الشيخ أبو الوليد: "وذلك صحيح لا ينبغي أن يختلف فيه لما قد يتساهل الناس فيه
стр. 1045
من وضع شهادتهم على من لا يعرفون. قال: "والذي جرى عليه العمل عندنا، على ما اختاره الشيوخ، إجازتها في الأحباس وما جرى مجراها مما هو حق لله تعالى وليس هو بحد".
فرعان:
الفرع الأول: اختلف في حد الغيبة التي تجوز فيها الشهادة على خط الشاهد الغائب عند من يجيزها، فقال ابن الماجشون: قدر ما تقصر فيه الصلاة. وحكى ابن مزين عن أصبغ أنها مثل مصر من إفريقية، أو مكة من العراق.
وقال سحنون، في رواية ابنه عنه: الغيبة البعيدة، ولم يحدها.
(الفرع الثاني: إذا قلنا بقبول الشهادة على خط الشاهد الميت أو الغائب، فقد قال مطرف وابن الماجشون: إنها تجوز في الأموال خاصة، حيث تجوز اليمين مع الشاهد. وقاله أصبغ). في العتيبية، سئل مالك عن امرأة كتب لها زوجها بطلاقها مع من لا شهادة له، فوجدت المرأة من يشهد أن هذا خط زوجها، فقال: إن وجدت من يشهد لها بذلك نفعها، واختلف في مراده بقوله: نفعها، هل تطلق عليه أو تستحلفه؟.
وأما شهادة الشاهد على خطه، إذا لم يذكر الشهادة، فروى مطرف في الواضحة: إن عرف خطه ولم يذكر الشهادة ولا شيء اً منها، فإن لم يكن في الكتاب محو ولا ريبة فليشهد بها، ون كان الرق طلسًا أو مغسولاً أو فيه محو فلا يشهد.
قال مطرف: ثم رجع فقال: لا يشهد، وإن عرف خطه، حتى يذكر الشهادة أو بعضها، أو ما يدل منها على أكثرها. قال: وبالأول أقول ولابد للناس من ذلك. وبه قال ابن الماجشون والمغيرة وابن أبي حازم وابن دينار، وإن لم يحط بما في الكتاب عدداً فليشهد،
стр. 1046
وبه قال أيضاً ابن وهب وابن عبد الحكم، وهو اختيار سحنون في نوازله.
وقال ابن القاسم وأصبغ بالقول الثاني أنه لا يشهد. قال ابن حبيب: هذا أحوط، والأول جائز.
التفريع: أما على القول الأول فقالوا: يشهد، ولا يقول للسلطان إنه لا يعرف منه إلى خطه. ويشهد أن ما فيه حق، وذلك لازم له أن يفعله قالوا: وإن ذكر للحاكم أنه لا يعرف من الشهادة شيء اوقد عرف خطه ولم يرتب، فلا يقبلها الحاكم.
وأما على القول الثاني الذي رجع إليه مالك، فروى أشهب "عنه أن الشاهد يرفعها إلى السلطان على وجهها، ويقول: إن كتابًا شبه كتابي وأظنه إياه ولست أذكر شهادتي ولا أني كتبتها، يحكى ذلك على وجهه ولا يقضي بها. قيل: فإن لم يكن في الكتاب محو ولا شيء، وعرف خطه، قال: قد يضرب على خطه ولم يذكر الشهادة، فلا أرى أن يشهد، وقد أتيت غير مرة بخط يدي أعرفه ولم أثبت الشهادة عليه، فلم (أشهد).
قال الشيخ أبو محمد: "قال أبو بكر: كان القاسم بن محمد إذا شهد بشهادة كتبها، وكان مالك بفعله". ومن لا يعرف نسبه فلابد من الشهادة على عينه.
ولا يجوز تحمل الشهادة على المرأة المنتقبة، بل لابد من أن تكشف عن وجهها ليعرفها ويميزها، عند الأداء، عن أمثالها بالإشارة والمعرفة المحققة، ولو عرفها رجلان فلا يشهد عليها بل على شهادتهما بأن فلانة أقرت، وذلك عند تعذر الأداء منهما لأنه فرعهما. وقال ابن نافع: يشهد، ورواه عن مالك.
قال الشيخ أبو الوليد: "والذي أقل به: أنه إن كان المشهود له أتاه بالشاهدين ليشهد له عليها بشهادتهما عنده أنها فلانة، فلا يشهد إلا على شهادتهما، وإن كان هو سأل الشاهدين فأخبراه أنها فلانة فليشهد عليها". قال: "وكذلك لو سأل عن ذلك رجلاً واحدًا يثق به أو امرأة لجاز له أن يشهد". قال: ولو أتاه المشهود له بجماعة من لفيف النساء يشهدن عنده أنها فلانة لجاز له أن يشهد إذا وقع له العلم بشهادتهن.
стр. 1047
وإذا شهدت بينة على عين امرأة بدين وزعمت أنها بنت زيد، فليس للقاضي أن يسجل على بنت زيد حتى يثبت بالبينة أنها بنت زيد.
القسم الثاني: ما لا يدرك بالإحساس، وإنما يثبت بقرائن الأحوال أو بالتسامع.
أما القرائن فكالشهادة بالإعسار، فإنه إنما يدرك بالخبرة الباطنة، وقرائن الأحوال في الصبر على الضر والجوع، ولا يعلم ذلك بيقين، لكن إذا حصل ظن قريب من اليقين جازت الشهادة. وكالشهادة للمرأة بضرر زوجها، ففي العتبية من رواية عيسى عن ابن القاسم أن ذلك جائز بالسماع من الأهل والجيران.
وأما التسامع، فهو أن يقو الشهود: سمعنا سماعًا فاشيًا من أهل العدل وغيرهم. وقال محمد: يقولون: إنا لم نزل نسمع من الثقات. وقال مطرف وابن الماجشون: يقولون: سمعنا سماعًا فاشيًا من أهل العدل. قالا: ولا يجوز من غير أهل العدل من سامعين أو مسموع منهم، ولا يسمون من سمعوا منه، فغن سموا كان نوقل شهادة لا شهادة سماع.
قال أبو إسحاق التونسي: وشهادة السماع أجيزت للضرورة، ولا يستخرج بها شيء من يد حائز، وإنما تصح للحائز، مثل أن يثبت رجل على رجل حائز لدار أنها لأبيه أو لجده، وهذا الطالب غائب، فيقيم الذي هي في يده بينة على السماع في تطاول الزمان أنه اشتراها من أبي هذا القائم، أو جده، أو ممن صارت إليهم عنهم، فيثبت له بقاؤها في يده بهذه الشهادة، (أو إن أباه هو أو جده اشتراها من أبي هذا القائم أو جده أو ممن صارت إليه عنهم، فيثبت له بقاؤها في يده بهذه الشهادة). قال: وكذلك السماع في الأحباس أن تكون داراً ليست في يد (مشتر لها)، وإنما هي في يد حائزين لها، فتشهد بينة على السماع أنها حبس على الحائزين لها وعلى أعقابهم، أو تكون لا يد عليها لأحد، فتشهد بينة أنها حبس على بني فلان، أو حبس لله تعالى ما بقيت الدنيا، فهذا الذي تصح فيه شهادة السماع طال الزمان.
وقال أبو القاسم بن محرز، بعد أن ذكر (مثل) ما ذكر أبو إسحاق: ولن يقضي لأحد من هؤلاء؛ بما وصفنا من شهادة السماع، إلا بعد يمينه. قال: وذلكم أن السماع إنما هو نقل وإن لم يكن من شرطه إذن المنقول عنهم الشهادة، ولعل أصل السماع عن شاهد واحد،
стр. 1048
فالشاهد الواحد لا يقوم به الحق إلا مع اليمين. قال: ولن تقبل شهادتهم إلا مع السلامة من الريب، فلو شهد رجلان على السماع، وفي القبيل مائة رجل من أسنانهما لا يعرفون شيء امن ذلك، لم تقبل شهادتهما، إلا أن يكون العلم بذلك فاشيًا فيهم، قال: فأما لو شهد شيخان قديمان قد باد جيلهما لقبلت شهادتهما وإن لم يشهد بذلك غيرها. كذلك قال ابن القاسم.
إذا تقرر هذا فيثبت بشهادة السماع إذا وقعت على هذه الأوصاف الوقف والملك. والمشهور في المذهب: الاجتزاء فيها بقول عدلين. وقال عبد الملك في المبسوط: أقل ما يجوز في الشهادة على السماع أربعة شهداء، قال: وذلك أنه شبيه بالشهادة على الشهادة، فاحتيط في شهادة السماع، ثم حيث قلنا بقبولها في لوقف والملك، فتقبل في الدور والأرضين والحيازات والصدقات وفي الموت فيما بعد من البلاد، ولا يكون جميع ذلك إلا (فيما تطاول فيه) الزمان. واختلف في الخمس عشر سنة، فلم يرها في كتاب محمد طولاً، (ورآها) طولاً في كتاب ابن حبيب. وقيل: إن كان وباء فهي طول وإلا فلا. وفي ثبوت النكاح والنسب والولاء بها خلاف.
(فأما النكاح فقال سحنون في العتبية: "جل أصحابنا يقولون في النكاح إذا انتشر خيره في الجيران: أن فلانًا تزوج فلانة وسمع الدفاف، فله أن يشهد أن فلانة زوجة فلان". زاد (محمد بن عبد الحكم): وإن لم يحضر النكاح).
(وأما الولاء والنسب فقال محمد: اختلف قول مالك في شهادة السماع في الولاء والنسب. وذهب أصبغ إلى أنه يؤخذ بذلك المال ولا يثبت له نسب به. ولا يعجبنا هذا. وأكثر قول مالك وابن القاسم أنه يقضي له بالسماع بالولاء والنسب، وكذلك في الأحباس والصدقات فيما تقادم.
وفي العتبية من رواية أبي زيد عن ابن القاسم: "يقضي له بالميراث ولا يجر بذلك ولاء، ولا يثبت له نسب، إلا أن يكون أمرًا منتشرًا، وفي بعض الروايات: سماعًا فاشيًا ظاهرًا مستفيضًا يقع به العلم فيرتفع عن شهادة السماع، ويصير في باب الاستفاضة والضرورة، وذلك مثل أن يقول: أشهد أن نافعاً مولى ابن عمر وأن عبد الرحمن بن القاسم وإن لم يعلم الشاهد
стр. 1049
لذلك أصلا. وفي آخر المسألة قيل لابن القاسم: أفتشهد أنك ابن القاسم ولا تعرف أباك ولا أنك ابنه إلا بالسماع، قال: نعم يقطع بهذه الشهادة، ويثبت بها النسب".
وأما الملك، فإنما يشهد به إذا طالت الحيازة وكان يفعل فيه من التصرف ما يفعل المالك من البناء والهدم ونحو ذلك، ولا ينازعه فيه أحد، وإن لم يعلم حين دخوله في ملكه وليس يكتفي بشهادة هؤلاء أنه يحوزها وإن طالت حيازته حتى يقولوا شهادتهم: إنه يحوزها بحقه، وإنها لم ملك. فأما من رأى من يشتري شيء امن سوق المسلمين، فلا يجوز له أن يشهد له بالملك، لأنه قد يشتري من غير مالك.
الفصل الثاني: في وجوه التحمل والأداء
أما التحمل: فحيث يفتقر إليه ويخشى تلف الحقوق لعدوه، فهو من فروض الكفايات، لأن إباية الناس كلهم عنه إضاعة للحقوق، وإجابة الكل إليه إضاعة للأشغال.
وأما الأداء: فيجب على من تحملها إذا كان متعينًا ودعي لأدائها من مسافة قريبة كالبريد والبريدين، فإن دعي من مسافة بعيدة لم يلزمه. وحيث قلنا باللزوم بقرب المسافة، فلو كانوا أكثر من إثنين فأدى منهم إثنان، واجتزأ بهما الحاكم لسقط الفرض عن الباقين، فإن لم يجتزي بهما تعين المشي إليه حتى يقع الإثبات إذا دعاهم صاحب الحق لإحياء حقه. (وإن كانوا اثنين فقط تعينا، فإن امتنع أحدهما وقال: أحلف مع الآخر، أثم). وكذلك لم يتعين وامتنع جميعهم لأثموا.
ولا يستحق الشاهد أجرة، لكن إن كانت المسافة بعيدة بحيث لا يلزمه الإتيان منها، فيجوز أن ينفق على الشاهد في إتيانه. وأما إن كانت المسافة مما يلزمه الإتيان منها، فلا يجوز له أن ينتفع من جهته، إلا ألا تكون له دابة ويشق عليه المشي، فيجوز له أن يركب دابة المشهود له لا غير.
وقال الشيخ أبو الوليد: "إذا ركب دابة المشهود له وله دابة، أو أكل طعامه والمسافة قريبة فقيل: تبطل شهادته، وقيل: لا تبطل.
ولو كان الشاهد لا يقدر على النفقة ولا على اكتراء دابة، وهو ممن يشق عليه الإتيان راجلاً، فلا تبطل شهادته (إن أنفق عليه المشهود له أو اكترى له دابة، وقيل): تبطل شهادته)
стр. 1050
بذلك. إذا لم يكن مبرز العدالة. وكذلك لو كان الشاهد بمكان بعيد لا يلزمه الإتيان للأداء، قيل: لا يضره أكل طعام المشهود له وإن كان له مال، ولا ركوب دابته وإن كانت له دابة. وكذلك في انتظاره للأداء إذا احتجب السلطان فأنفق عليه المشهود له مدة الانتظار إذا لم يجد من يشهده على شهادته وينصرف. وقيل: إن شهادتهم تبطل بذلك لأنهم يوفرون به النفقة على أنفسهم".
قال الشيخ أبو الوليد: "وهو الأظهر، قال: فانظر على هذا أبدًا إذا أنفق المشهود له على الشاهد في موضع لا يلزم الشاهد الإتيان إليه والمقام فيه (جاز، وإن أنفق عليه في موضع يلزم الشاهد الإتيان إليه والمقام فيه) فلا يجوز ذلك إلا فيما يركب الشاهد إذا لم تكن له دابة ولم يقدر على المشي، فلا اختلاف في أنه يجوز للشاهد أن يركب دابة المشهود له إذا لم تكن له دابة [وشق] عليه المشي. جملة من غير تفصيل بين قريب ولا بعيد ولا موسر ولا معسر، وإنما يفترق ذلك حسبما ذكرناه في النفقة وفي الركوب إذا كانت له دابة". وأما الكاتب فيستحق الأجرة.
الباب الرابع: في الشاهد واليمين
والأموال وحقوقها، الخسيس منها والنفيس، العين وغيره، من مشار إليه أو في الذمة، يثبت بشاهد ويمين. قال محمد بن عبد الحكم: الشاهد العدل البين العدالة.
ولا يثبت بهما النكاح والطلاق والعتاق وغير ذلك من الحقوق الخارجة عن الأموال. لكن إن شهد عليه بالطلاق أو بالعتاق فلا تلغى الشهادة حتى يكون وجودها كعدمها، بل يطالب المشهود عليه بأن يقر أو يحلف، فإن امتنع منهما، فهل يحكم عليه بمقتضى الشهادة أو يحبس ليقر أو يحلف؟، روايتان: وبالأولى قال أشهب ومحمد بن عبد الحكم، وبالثانية أخذ ابن القاسم وأكثر الأصحاب وهي الأخيرة.
ثم إذا قلنا بأنه يحبس، فهل تحدد مدة حبسه بالسنة فيخلى سبيله بعدها إن تمادى على الامتناع من الإقرار واليمين، أو يتمادى حبسه أبدًا حتى يحلف أو يقر؟، قولان: والأول لابن
стр. 1051
القاسم، والثاني قاله مالك، وأخذ به سحنون.
ومن ادعى عبدًا في يد غيره أنه كان ملكه فأعتقه فلا يكفيه شاهد ويمين، لأنه يثبت الحرية دون الملك، فأما إن اتفق اجتماع الصنفين بترتب أحدما على الآخر مثل أن تكون الشهادة بمال إلا أن ثبوت يتضمن (معنى آخر) لا يحكم فيها بالشاهد واليمين كالشهادة بشراء الزوجة الأمة، أو عكس هذا بأن يشهد الشاهد بما ليس بمال، لكن يتضمن مالاً في المآل كالشهادة بالوكالة على قبض مال مثلاً، فهل تقبل الشهادة حينئذ أم لا؟.
أما المثال الأول: وهو مباشرة الشهادة للمال فتقبل وإن آلت إلى غير مال، لأن ترك قبولها يؤدي إلى مخالفة أحد أصلين متقررين وهما: قبول الشاهد واليمين في بيع الإماء، وفسخ النكاح بملك أحد الزوجين للآخر.
وأما المثال الثاني: فاختلف فيه كما تقدم، فقال ابن القاسم: تقبل فيه لأن المقصود البراءة من المال، وما قبله في حكم اللغو إذ ليس المقصود منه إلا ما ذكرناه. وقال أشهب وابن الماجشون: لا تقبل.
وسبب الخلاف: الاعتبار بالمآل أو بالحال.
قال الإمام أبو عبد الله: "ولا خلاف في أن شهادة الواحد دون اليمين معه لا يقضي بها من باب الشهادة، كما أن يمين المدعي دون شهادة من يشهد له لا يقضي بها، وإنما يقضي بمجموعها على اضطراب بين العلماء هل القضية مستندة إلى الشاهد واليمين مع شهادته كالتقوية له، أو مستندة إلى اليمين والشاهد كالمقوي لها، أو مستندة إليهما؟ فأما إذا رجع الشاهد عن شهادته غرم نصف الحق كرجوع أحد الشاهدين. ثم قال: ولو أسندت القضية إلى اليمين لكان لتغريم الشاهد وجه، لان بشهادته صارت اليمين في جنبة الحالف. قال: فينظر في هذا، كرجوع المزكين عن التزكية.
إذا تقرر أنه لا يحكم بمجرد شهادة الشاهد الواحد حتى يقترن به اليمين، فلليمين أربعة أحوال:
الأول: أن تكون ممكنة، فيحلف الطالب ويستحق، واحدًا كان أو جماعة، مؤمنًا أو كافرًا، حرًا أو عبدًا، ذكراً أو أنثى، فإن نكل ردت على المطلوب، فإن حلف برئ، وإن نكلك غرم.
فرع: لو حلف المطلوب ثم وجد الطالب شاهدًا آخر فهل يحكم له به أم لا؟ قولان:
الأول: في كتاب محمد.
стр. 1052
والثاني: لابن القاسم وابن كنانة، وعدا نكوله قاطعاً لحقه.
وإذا فرعنا على الحكم له به، فالمراد بذلك أنه يحلف معه، لا أنه يضم إلى الأول. وإن نكل فهل يحلف المطلوب مرة ثانية، لأنه لم يستفيد باليمين الأولى سوى إسقاط الشاهد الأول، أو يسقط حقه بدون يمين المطلوب، لا، يمينه قد تقدمت فلا تتكرر اليمين عليه؟ قولان أيضًا.
الأول: في كتاب محمد.
والثاني: لابن مسير.
الحال: [الثاني] أن تكون اليمين ممتنعة غير مرجوة الإمكان، كما إذا شهد الشاهد، مثلاً، على رجل أنه حبس ربعًا على الفقراء أو تصدق عليهم بمال، فلا يمكن أن يستحلف جميع الفقرا، إذ ذلك ممتنع عادة، ولا سبيل إلى التحكم بتخصيص بعضهم باليمين، إذ لا يستحلف إلا من يستحق الملك أو القبض، وليس في الفقراء من يشار إليه إلا ويمكن أن تصرف الصدقة عنه إلى غيره، فلا يتعين لأحد منهم استحقاق ملك ولا قبض، فإذا ظهر امتناع اليمين لحق هذا القسم بقيام الشاهد الواحد في الطلاق والعتاق، لا، تعذر هذا عرفًا كتعذر الأول شرعًا، فلا جرم تنتقل اليمين إلى جانب المطلوب كما تقدم.
الحال: [الثالث] أن تكون اليمين ممتنعة الآن، مرجوة الإمكان في الاستقبال كشاهد شاهد لصبي بحق، فإن اليمين تمتنع من الصبي حتى يبلغ, (لكن) لا بد لشهادة الشاهد من أثر ناجز، والمنصوص في المذهب والمعروف منه تحليف المطلوب كما في القسم الثاني، فإن حلف ففي إيقاف المشهود به إذا كان معينًا كدار أو عبد، أو كان مما يخشى تلفه إن لم يوقف، قولان مبنيان على الخلاف في أن القضية مستندة إلى الشاهد، وإنما اليمين كالمقوية، فيوقف المطلوب إذا وجد سببه، أو ليس استنادها إليه فلا يوقف لعدم السبب. وإن نكل المطلوب أخذ المشهود به منه لكن هل يؤخذ أخذ تمليك أو أخذ إيقاف؟ قولان:
الأول: في كتاب محمد
الثاني: في كتاب ابن حبيب. ويتخرج على هذا الخلاف استحلاف الصبي وعدم استحلافه.
فروع:
الفرع الأول: إذا قلنا: يؤخذ أخذ إيقاف، استحلف الصبي بعد البلوغ، فإن نكل حلف المطلوب حينئذ ويرى، فإن نكل أخذ الحق منه.
стр. 1053
الفرع الثاني: إذا استحلف المطلوب فحلف، ثم استحلف الصبي فنكل، اكتفي بيمين المطلوب [الأول]. هذا هو المشهور من المذهب، وأشار بعض المتأخرين إلى إمكان إجراء الخلاف في ذلك (على الخلاف المتقدم).
الفرع الثالث: (إذا شهد الشاهد واستحلف المطلوب فحلف أو نكل، فلم يحكم عليه، (على الخلاف المتقدم)، فإن الحكم يكتب شهادة الشاهد ويثبتها ويسجلها للصغير صيانة لحقه خوفاً من موت الشاهد أو تغير حاله عن العدالة قبل بلوغ الصبي. ولو مات الصبي قبل بلوغه لحلف وارثه الآن واستحق).
الفرع الرابع: (لو كان الصغير لا مال له، وإنما ينفق عليه من مال أبيه بالحكم عليه، فطلب الأب أن يحلف هو مع شهادة شاهد قام لولده الصغير الذي في كفالته ونفقته، فأشار في كتاب محمد إلى أن الأب لا يمكن من ذلك، ورآه كالحالف على مال ليملكه غيره. وروي أن له أن يحلف مع الشاهد لما له في ذلك من المنفعة لسقوط النفقة عنه).
قال الإمام أبو عبد الله: "وكأن هذا الخلاف يلتفت إلى ما تقدم من الخلاف في كون القضية مستندة إلى مجرد شهادة الشاهد أم لا؟ ".
الحال [الرابع] أن تكون اليمين ممكنة من بعض من له الحق، وممتنعة من بعضهم، وذلك كشهادة شاهد على رجل بأنه وقف داره على بنيه وعقبهم بطنًا بعد بطن، فإن من لم يلحق من الأعقاب يستحيل أن يستحلف إلا مع شهادة من شهد له، والموجودة من ولد الصلب لا تستحيل يمينهم، فاختلف المذهب ها هنا لكون هذه الشهادة وقعت ب شيء واحد تصح اليمين فيه مع الشاهد من وجه وتتعذر من وجه آخر. فذكر محمد أن الذي يذهب إليه أصحابنا امتناع اليمين مع هذه الشهادة على الإطلاق. وروى ابن الماجشون أنه إذا حلف الجل من أهل هذه الصدقة ثبت جميعها على حسب ما أطلقه المحبس. وروى ابن وهب ومطرف وابن الماجشون أنه إذا حلف واحد ممن يستحق هذه الصدقة ثبت جميعها للحاضر والغائب ومن يولد بعد.
وسبب الخلاف: أن الشهادة اشتملت على ما تصح اليمين معه وما لا تصح، فمن التفت إلى جانب تعذرها أبطل الحبس، ومن التفت إلى جانب الصحة صحح الحبس.
(ثم اختلف على القول بالتصحيح، هل يكتفي بيمين الجل لكونهم يقومون مقام الكل،
стр. 1054
أو يكتفي بواحد لان الجل إنما يستحق بيمينهم غيرهم ممن لم يحلف، لأن يمين الحالف تنسحب على حقوق غيره لما كانت لا شهادة بشيء واحد لا يتبعض في الحكم [تصحيحًا] لها على الإطلاق، وكذلك يمين الواحد.
قال الإمام أبو عبد الله: "وربما هجس في نفسي تعليل آخر، وهو أنه حلف واستحق نصيب طالبه بقية طبقته بنصيبهم مما أخذ، إذ حقهم فيه على الشياع وهو مقر لهم، فإذا أخذ منه شيء عاد (اليمين) لإكمال نصيبه، فلا يزال هكذا حتى يؤخذ الحبس كله، فاكتفى بيمينه وحده يمينًا واحدة، لأنه حلف على الجميع لحق نفسه على هذا التخريج").
وروى بعض القرويين، تفريعًا على ثبوت هذا الحبس بيمين الحاضرين مع الشاهد، أنه إن حلف الجميع ثبت الحبس، وإن نكل الجميع لم يثبت لواحد منهم حق، وإن حلف بعضهم ونكل البعض، فمن حلف استحق نصيبه، ومن نكل لم يستحق شيء ا، وقدر أن كل نصيب كحق منفرد شهد به شاهد لرجل واحد، فإن حلف استحق، وإن نكل لم ستحق. قال: "وكذلك إذا انقرض البطن الأول ووجد البطن الثاني، فإنهم لا يستحقون شيء اإلا بالإيمان كالبطن الأول. وقيل فيمن لم يحلف أبوه: إنه لا يستحق شيء اوإن أجاب إلى اليمين").
وسبب الخلاف: هل يلتقي البطن الثاني منافع الوقف عن الواقف أو عن الأول؟ وعلى تحقيق هذا المعنى أيضًا يتخرج حكم ما لو حلف واحد من البطن الأول ونكل سائرهم، وقلنا بأنه يستحق نصيبه دون غيره، ثم مات هو وبقي إخوته الناكلون، هل يرجع نصيبه إلى بقية أهل طبقته أو إلى البطن الثاني؟
قال الإمام أبو عبد الله: "وقدج قيل: إن نكولهم يصيرهم (كالموتى)، ويرجع الحق إلى البطن الثاني". قال: "والأظهر عندي أن المحبس إذا شرط أن لا يأخذ البطن الثاني إلى أهل البطن الثاني". قال: "والأظهر عندي أن المحبس إذا شرط أن لا يأخذ البطن الثاني شيء اإلا بعد انقراض البطن الأول وموت جميعهم، فما دام أحد من الناكلين حيًا لا يستحق أهل البطن الثاني شيء ا، فإذا مات جميعهم، من حلف ومن نكل، انتقل حكم الشهادة إلى البطن
стр. 1055
الثاني، فمن حلف استحق، ومن لم يحلف لم يستحق شيء ا.
ويتخرج على تحقيقه، أيضًا، أنه هل يفتقر أهل البطن الأول في استحقاق ما يرجع إليهم عمن مات من طبقتهم إلى يمين مجدة، كما في استحقاق البطن الثاني بعد انقراض البطن الأول؟ قولان، سببهما ما تقدم.
فرع: فيما يقوم مقام الشاهد واليمين.
ويقوم مقامهما الشاهد والنكول، والمرأتان واليمين، والمرأتان والنكول، واليمين النكول.
الباب الخامس: في الشهادة على الشهادة
وهي تجري في كل شيء من حقوق الله تعالى وحقوق الأدميين من مال أو حد أو قصاص. ثم النظر في أربعة أطراف.
الطرف الأول: في التحمل. ولا يجوز تحمل الشهادة على الشهادة إلا إذا قال الشاهد: أشهد على شهادتي. أو رآه الفرع وهو يشهد بين يدي الحاكم، فله أن يشهد على شهادته وإن لم يشهده.
وقال محمد: لا يشهد على شهادته وإن رآه يؤيدها حتى يشهده، ولو قال في غير مجلس (الحاكم) لفلان على فلان كذا وعندي به شهادة لم يجز التحمل لأنه يتساهل في غير مجلس الحكم، وكذلك لو قال: أشهد أن له عليه كذا، لم يتحمل أيضًا.
الطرف الثاني: (في) الطوارئ على شهود الأصل. ولا يضر موت شاهد (الأصل) وغيبته ومرضه، بل هو المراد من شهود الفرع. أما إذا طرأ عليه الفسق أو العداوة أو الردة امتنعت شهادة الفرع، ولو طرأ الجنون لم تمتنع.
فرع: إذا أكذب شهود الأصل شهود الفرع قبل الحكم بطلب شهادة الفروع. قال أبو الحسن اللخمي: "واختلف إذا كان إكذابهم لهم بعد حكم القاضي بشهادتهم، فقال محمد في رجلين نقلاً عن أربعة أنهم أشهدونا أنهم يشهدون على فلان بالزنى، فلم يحد الناقلان حتى قدم الأربعة فأنكروا أن يكونوا أشهدوهم، قال: يحد الأربعة القادمون حد القذف، ويسلم الاثنان لأنهما صارا شاهدين على الأربعة بالقذف. قال: فأثبت النقل وجعل إنكار الأربعة رجوعاً.
وقال مالك، في كتاب ابن حبيب، في رجلين نقلاً عن غائب فحكم بشهادتهما مع يمين
следующие страницы →