Полный текст (1 311 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.
стр. 1051
القاسم، والثاني قاله مالك، وأخذ به سحنون.
ومن ادعى عبدًا في يد غيره أنه كان ملكه فأعتقه فلا يكفيه شاهد ويمين، لأنه يثبت الحرية دون الملك، فأما إن اتفق اجتماع الصنفين بترتب أحدما على الآخر مثل أن تكون الشهادة بمال إلا أن ثبوت يتضمن (معنى آخر) لا يحكم فيها بالشاهد واليمين كالشهادة بشراء الزوجة الأمة، أو عكس هذا بأن يشهد الشاهد بما ليس بمال، لكن يتضمن مالاً في المآل كالشهادة بالوكالة على قبض مال مثلاً، فهل تقبل الشهادة حينئذ أم لا؟.
أما المثال الأول: وهو مباشرة الشهادة للمال فتقبل وإن آلت إلى غير مال، لأن ترك قبولها يؤدي إلى مخالفة أحد أصلين متقررين وهما: قبول الشاهد واليمين في بيع الإماء، وفسخ النكاح بملك أحد الزوجين للآخر.
وأما المثال الثاني: فاختلف فيه كما تقدم، فقال ابن القاسم: تقبل فيه لأن المقصود البراءة من المال، وما قبله في حكم اللغو إذ ليس المقصود منه إلا ما ذكرناه. وقال أشهب وابن الماجشون: لا تقبل.
وسبب الخلاف: الاعتبار بالمآل أو بالحال.
قال الإمام أبو عبد الله: "ولا خلاف في أن شهادة الواحد دون اليمين معه لا يقضي بها من باب الشهادة، كما أن يمين المدعي دون شهادة من يشهد له لا يقضي بها، وإنما يقضي بمجموعها على اضطراب بين العلماء هل القضية مستندة إلى الشاهد واليمين مع شهادته كالتقوية له، أو مستندة إلى اليمين والشاهد كالمقوي لها، أو مستندة إليهما؟ فأما إذا رجع الشاهد عن شهادته غرم نصف الحق كرجوع أحد الشاهدين. ثم قال: ولو أسندت القضية إلى اليمين لكان لتغريم الشاهد وجه، لان بشهادته صارت اليمين في جنبة الحالف. قال: فينظر في هذا، كرجوع المزكين عن التزكية.
إذا تقرر أنه لا يحكم بمجرد شهادة الشاهد الواحد حتى يقترن به اليمين، فلليمين أربعة أحوال:
الأول: أن تكون ممكنة، فيحلف الطالب ويستحق، واحدًا كان أو جماعة، مؤمنًا أو كافرًا، حرًا أو عبدًا، ذكراً أو أنثى، فإن نكل ردت على المطلوب، فإن حلف برئ، وإن نكلك غرم.
فرع: لو حلف المطلوب ثم وجد الطالب شاهدًا آخر فهل يحكم له به أم لا؟ قولان:
الأول: في كتاب محمد.
стр. 1052
والثاني: لابن القاسم وابن كنانة، وعدا نكوله قاطعاً لحقه.
وإذا فرعنا على الحكم له به، فالمراد بذلك أنه يحلف معه، لا أنه يضم إلى الأول. وإن نكل فهل يحلف المطلوب مرة ثانية، لأنه لم يستفيد باليمين الأولى سوى إسقاط الشاهد الأول، أو يسقط حقه بدون يمين المطلوب، لا، يمينه قد تقدمت فلا تتكرر اليمين عليه؟ قولان أيضًا.
الأول: في كتاب محمد.
والثاني: لابن مسير.
الحال: [الثاني] أن تكون اليمين ممتنعة غير مرجوة الإمكان، كما إذا شهد الشاهد، مثلاً، على رجل أنه حبس ربعًا على الفقراء أو تصدق عليهم بمال، فلا يمكن أن يستحلف جميع الفقرا، إذ ذلك ممتنع عادة، ولا سبيل إلى التحكم بتخصيص بعضهم باليمين، إذ لا يستحلف إلا من يستحق الملك أو القبض، وليس في الفقراء من يشار إليه إلا ويمكن أن تصرف الصدقة عنه إلى غيره، فلا يتعين لأحد منهم استحقاق ملك ولا قبض، فإذا ظهر امتناع اليمين لحق هذا القسم بقيام الشاهد الواحد في الطلاق والعتاق، لا، تعذر هذا عرفًا كتعذر الأول شرعًا، فلا جرم تنتقل اليمين إلى جانب المطلوب كما تقدم.
الحال: [الثالث] أن تكون اليمين ممتنعة الآن، مرجوة الإمكان في الاستقبال كشاهد شاهد لصبي بحق، فإن اليمين تمتنع من الصبي حتى يبلغ, (لكن) لا بد لشهادة الشاهد من أثر ناجز، والمنصوص في المذهب والمعروف منه تحليف المطلوب كما في القسم الثاني، فإن حلف ففي إيقاف المشهود به إذا كان معينًا كدار أو عبد، أو كان مما يخشى تلفه إن لم يوقف، قولان مبنيان على الخلاف في أن القضية مستندة إلى الشاهد، وإنما اليمين كالمقوية، فيوقف المطلوب إذا وجد سببه، أو ليس استنادها إليه فلا يوقف لعدم السبب. وإن نكل المطلوب أخذ المشهود به منه لكن هل يؤخذ أخذ تمليك أو أخذ إيقاف؟ قولان:
الأول: في كتاب محمد
الثاني: في كتاب ابن حبيب. ويتخرج على هذا الخلاف استحلاف الصبي وعدم استحلافه.
فروع:
الفرع الأول: إذا قلنا: يؤخذ أخذ إيقاف، استحلف الصبي بعد البلوغ، فإن نكل حلف المطلوب حينئذ ويرى، فإن نكل أخذ الحق منه.
стр. 1053
الفرع الثاني: إذا استحلف المطلوب فحلف، ثم استحلف الصبي فنكل، اكتفي بيمين المطلوب [الأول]. هذا هو المشهور من المذهب، وأشار بعض المتأخرين إلى إمكان إجراء الخلاف في ذلك (على الخلاف المتقدم).
الفرع الثالث: (إذا شهد الشاهد واستحلف المطلوب فحلف أو نكل، فلم يحكم عليه، (على الخلاف المتقدم)، فإن الحكم يكتب شهادة الشاهد ويثبتها ويسجلها للصغير صيانة لحقه خوفاً من موت الشاهد أو تغير حاله عن العدالة قبل بلوغ الصبي. ولو مات الصبي قبل بلوغه لحلف وارثه الآن واستحق).
الفرع الرابع: (لو كان الصغير لا مال له، وإنما ينفق عليه من مال أبيه بالحكم عليه، فطلب الأب أن يحلف هو مع شهادة شاهد قام لولده الصغير الذي في كفالته ونفقته، فأشار في كتاب محمد إلى أن الأب لا يمكن من ذلك، ورآه كالحالف على مال ليملكه غيره. وروي أن له أن يحلف مع الشاهد لما له في ذلك من المنفعة لسقوط النفقة عنه).
قال الإمام أبو عبد الله: "وكأن هذا الخلاف يلتفت إلى ما تقدم من الخلاف في كون القضية مستندة إلى مجرد شهادة الشاهد أم لا؟ ".
الحال [الرابع] أن تكون اليمين ممكنة من بعض من له الحق، وممتنعة من بعضهم، وذلك كشهادة شاهد على رجل بأنه وقف داره على بنيه وعقبهم بطنًا بعد بطن، فإن من لم يلحق من الأعقاب يستحيل أن يستحلف إلا مع شهادة من شهد له، والموجودة من ولد الصلب لا تستحيل يمينهم، فاختلف المذهب ها هنا لكون هذه الشهادة وقعت ب شيء واحد تصح اليمين فيه مع الشاهد من وجه وتتعذر من وجه آخر. فذكر محمد أن الذي يذهب إليه أصحابنا امتناع اليمين مع هذه الشهادة على الإطلاق. وروى ابن الماجشون أنه إذا حلف الجل من أهل هذه الصدقة ثبت جميعها على حسب ما أطلقه المحبس. وروى ابن وهب ومطرف وابن الماجشون أنه إذا حلف واحد ممن يستحق هذه الصدقة ثبت جميعها للحاضر والغائب ومن يولد بعد.
وسبب الخلاف: أن الشهادة اشتملت على ما تصح اليمين معه وما لا تصح، فمن التفت إلى جانب تعذرها أبطل الحبس، ومن التفت إلى جانب الصحة صحح الحبس.
(ثم اختلف على القول بالتصحيح، هل يكتفي بيمين الجل لكونهم يقومون مقام الكل،
стр. 1054
أو يكتفي بواحد لان الجل إنما يستحق بيمينهم غيرهم ممن لم يحلف، لأن يمين الحالف تنسحب على حقوق غيره لما كانت لا شهادة بشيء واحد لا يتبعض في الحكم [تصحيحًا] لها على الإطلاق، وكذلك يمين الواحد.
قال الإمام أبو عبد الله: "وربما هجس في نفسي تعليل آخر، وهو أنه حلف واستحق نصيب طالبه بقية طبقته بنصيبهم مما أخذ، إذ حقهم فيه على الشياع وهو مقر لهم، فإذا أخذ منه شيء عاد (اليمين) لإكمال نصيبه، فلا يزال هكذا حتى يؤخذ الحبس كله، فاكتفى بيمينه وحده يمينًا واحدة، لأنه حلف على الجميع لحق نفسه على هذا التخريج").
وروى بعض القرويين، تفريعًا على ثبوت هذا الحبس بيمين الحاضرين مع الشاهد، أنه إن حلف الجميع ثبت الحبس، وإن نكل الجميع لم يثبت لواحد منهم حق، وإن حلف بعضهم ونكل البعض، فمن حلف استحق نصيبه، ومن نكل لم يستحق شيء ا، وقدر أن كل نصيب كحق منفرد شهد به شاهد لرجل واحد، فإن حلف استحق، وإن نكل لم ستحق. قال: "وكذلك إذا انقرض البطن الأول ووجد البطن الثاني، فإنهم لا يستحقون شيء اإلا بالإيمان كالبطن الأول. وقيل فيمن لم يحلف أبوه: إنه لا يستحق شيء اوإن أجاب إلى اليمين").
وسبب الخلاف: هل يلتقي البطن الثاني منافع الوقف عن الواقف أو عن الأول؟ وعلى تحقيق هذا المعنى أيضًا يتخرج حكم ما لو حلف واحد من البطن الأول ونكل سائرهم، وقلنا بأنه يستحق نصيبه دون غيره، ثم مات هو وبقي إخوته الناكلون، هل يرجع نصيبه إلى بقية أهل طبقته أو إلى البطن الثاني؟
قال الإمام أبو عبد الله: "وقدج قيل: إن نكولهم يصيرهم (كالموتى)، ويرجع الحق إلى البطن الثاني". قال: "والأظهر عندي أن المحبس إذا شرط أن لا يأخذ البطن الثاني إلى أهل البطن الثاني". قال: "والأظهر عندي أن المحبس إذا شرط أن لا يأخذ البطن الثاني شيء اإلا بعد انقراض البطن الأول وموت جميعهم، فما دام أحد من الناكلين حيًا لا يستحق أهل البطن الثاني شيء ا، فإذا مات جميعهم، من حلف ومن نكل، انتقل حكم الشهادة إلى البطن
стр. 1055
الثاني، فمن حلف استحق، ومن لم يحلف لم يستحق شيء ا.
ويتخرج على تحقيقه، أيضًا، أنه هل يفتقر أهل البطن الأول في استحقاق ما يرجع إليهم عمن مات من طبقتهم إلى يمين مجدة، كما في استحقاق البطن الثاني بعد انقراض البطن الأول؟ قولان، سببهما ما تقدم.
فرع: فيما يقوم مقام الشاهد واليمين.
ويقوم مقامهما الشاهد والنكول، والمرأتان واليمين، والمرأتان والنكول، واليمين النكول.
الباب الخامس: في الشهادة على الشهادة
وهي تجري في كل شيء من حقوق الله تعالى وحقوق الأدميين من مال أو حد أو قصاص. ثم النظر في أربعة أطراف.
الطرف الأول: في التحمل. ولا يجوز تحمل الشهادة على الشهادة إلا إذا قال الشاهد: أشهد على شهادتي. أو رآه الفرع وهو يشهد بين يدي الحاكم، فله أن يشهد على شهادته وإن لم يشهده.
وقال محمد: لا يشهد على شهادته وإن رآه يؤيدها حتى يشهده، ولو قال في غير مجلس (الحاكم) لفلان على فلان كذا وعندي به شهادة لم يجز التحمل لأنه يتساهل في غير مجلس الحكم، وكذلك لو قال: أشهد أن له عليه كذا، لم يتحمل أيضًا.
الطرف الثاني: (في) الطوارئ على شهود الأصل. ولا يضر موت شاهد (الأصل) وغيبته ومرضه، بل هو المراد من شهود الفرع. أما إذا طرأ عليه الفسق أو العداوة أو الردة امتنعت شهادة الفرع، ولو طرأ الجنون لم تمتنع.
فرع: إذا أكذب شهود الأصل شهود الفرع قبل الحكم بطلب شهادة الفروع. قال أبو الحسن اللخمي: "واختلف إذا كان إكذابهم لهم بعد حكم القاضي بشهادتهم، فقال محمد في رجلين نقلاً عن أربعة أنهم أشهدونا أنهم يشهدون على فلان بالزنى، فلم يحد الناقلان حتى قدم الأربعة فأنكروا أن يكونوا أشهدوهم، قال: يحد الأربعة القادمون حد القذف، ويسلم الاثنان لأنهما صارا شاهدين على الأربعة بالقذف. قال: فأثبت النقل وجعل إنكار الأربعة رجوعاً.
وقال مالك، في كتاب ابن حبيب، في رجلين نقلاً عن غائب فحكم بشهادتهما مع يمين
стр. 1056
الطالب، ثم قدم الغائب فأنكر الشهادة فإن الحكم ينقض ويرد. وقال ابن القاسم ومطرف: الحكم ماض ولا غرم عليه ولا على الناقلين. قال: ولو قدم قبل الحكم بها لكان أحق بشهادته".
الطرف الثالث: في العدد. ويشهد على كل شاهدان. وإن شهدا على شهادتهما جميعًا جاز في غير الزنى. وقال عبد الملك: لا تجوز أن يشهد على الآخر اثنان سوى الاثنين الذين شهدا على الأول ولا يجوز أن يشهد أحد شاهدي الأصل مع شاهد آخر على شهادة الأصل الآخر.
وأما شهادة الزنى فلا تثبت بالنقل، على رواية مطرف، إلا بستة عشر شاهدًا على كل شاهد أربعة غير الأربعة الذين يشهدون على غيره. وقال ابن الماجشون: "إذا شهد أربعة على كل واحد من الأربعة جاز، فإن تفرقوا فثمانية على كل واحد اثنان".
وحكى القاضي أبو محمد، رواية ثانية بالاكتفاء بشهادة اثنين على كل واحد من شهود الأصل، ثم قال: "والأولى هي الصحيحة". وقال محمد: "إن شهد اثنان على شهادة واحد واثنان على شهادة ثلاثة تمت الشهادة. قال: وإن شهد اثنان على رؤيتهما ونقل الاثنان عن اثنين جازت الشهادة".
الطرف الرابع: في العذر المرخص لشهادة الفرع. وهو الموت والغيبة والمرض ونحوها من الأعذار، فلا تسمع شهادة الفرع إلا إذا مات الأصل أو مرض مرضصا يشق عليه الحضور، أو غاب بمكان لا يلزمه الحضور منه لأداء الشهادة. قال محمد: ولا تنقل في الحدود إلا في غيبة بعيدة. فأما اليومان والثلاثة فلا، إلا المرأة فإنه ينقل عنها مع حضورها بالبلد. ورواه ابن حبيب عن مطرف قال: ولم أر بالمدينة امرأة قط قامت بشهادتها عند الحاكم، ولكنها تحمل عنها، وذلك لأن ما يلزمها من الستر عذر يسقط عنها فرض الجمعة، فكان كالمرض وخوف الغريم فكل ما تترك به الجمعة كالمرض.
وليس على شهود الفرع تزكية شهود الأصل، لكن إن زكوهم ثبتت عدالتهم وشهادتهم بقولهم، وليس عليهم أن يشهدوا على صدق شهود الأصل.
فرع: يجوز أن يشهد النساء على شهادة غيرهن فيما تجوز شهادتهن عليهن، وليكن مع
стр. 1057
وقال أشهب وعبد الملك: لا يجوز نقلهن (للشهادة) بحال، لا في مال ولا في غيره، إذ النقل لا يجوز فيه الشاهد واليمين، وإنما تجوز شهادتهن حيث يحكم بالشاهد واليمين.
الباب السادس: في الرجوع عن الشهادة
قال محمد: لم يحفظ أصحاب مالك عنه في غرم الشاهد جوابًا، إلا أن جميع أصحابه يرون أن يغرم ما أتلف بشهادته إذا أقر بتعمد الزور. قال عبد الملك بن الماجشون: وإن رجع ولم يقر بالتعمد لم يغرم.
وقال ابن القاسم وأشهب: إن شهدا على رجل بحق واحد ثم قالا قبل الحكم: بل هو هذا، لرجل غيره وقد وهمنا، لم يقبلا في الأولى ولا في الأخيرة. ثم النظر في المشهود به يتعلق بأطراف.
الأول: القصاص، وللرجوع ثلاث حالات.
الحالة الأولى: أن يكون قبل القضاء، فيمتنع القضاء ولو لم يصرح الشاهد بالرجوع ولكن عاد فقال للقاضي: توقف في قبول شهادتي، ثم عاد وقال: اقض فقد ذهب عني التشكك، فقال الإمام أبو عبد الله: "لا يبعد أن يجري في قبولها القولان الجاريان في التشكك قبل الأداء، كما لو سئل عن شهادة فلم يذكرها ثم عاد فقال: تذكرتها"، قال: "، قال: "ولكن اشترط مالك ﵁ في قبول هذه الشهادة البروز في العدالة"، قال: "والواجب قبولها على الإطلاق لأن التشكك يعرض للعالم بال شيء ثم يذهب عنه ويرجع على اليقين.
الحالة الثانية: الرجوع بعد القضاء وقبل الاستيفاء، وفي ذلك خلاف، قال أصبغ: لا يستوفي. وقال ابن القاسم: يستوفي كما في الأموال. وقال أيضًا: القياس نفوذه، واستحسن ألا ينفذ لحرمة الدم، ورأى فيه العقل. ويقرب من قوله هذا قول محمد، في رجوع الشهود بزنى المحصن بعدا لحكم وقبل تنفيذه: إنه لا يرجم ولكن يجلد حد البكر.
الحالة الثالثة: الرجوع بعد الاستيفاء، كما لو شهدا بقتل واستوفى، ثم رجعا، فإنهما يغرمان الدية في الخطأ، وكذلك في العمد أيضًا عند ابن القاسم. وقال أشهب: يقتص منهما في العمد.
ثم حيث قلنا: لا يقتلان، فلا خلاف في عقوبتهما في العمد إذا ظهر عليهما أنهما تعمدا الزور ولم يأتيا تائبين. ولو علم القاضي بكون الشهود كذبوه وحكم، (فأراق) الدم لكان
стр. 1058
حكمه كحكمهم إذا لم يباشر القتل بنفسه، بل أمر به غيره ممن تلزمه طاعته. ولو علم ولي القصاص أن الشهود تعمدوا الكذب وأن القاضي علم ذلك منهم، ثم باشر قتل قاتل وليه بهذا الحكم لكان عليه القصاص أن اعترف بالعمدية، والشاهد معه كالشريك.
الطرف الثاني: الحدود.
وإذا رجع الشاهد قبل الحكم ردت شهادتهم وحدوا، وإن رجعوا بعد إقامة الرجم، فإن اعترفوا بتعمد الزور حدوا، ثم هل يقتلون، أو تؤخذ الدية من أموالهم، قولان لأشهب وابن القاسم، وإن لم يتعمد فالدية على عواقلهم.
فروع:
الفرع الأول: إذا شهد أربعة بالزنى ثم رجع أحدهم قبل الحكم حدوا، ولو كان رجوعه بعد الحكم وإقامة الحد على الزاني لحد الراجح بغير خلاف.
واختلف هل يحد الباقون، لأن الزنى لم يثبت بأربعة أو لا يحدون لأن الحكم نفذ بشهادتهم وهم الآن باقون عليها لم يكذبوا أنفسهم؟
الفرع الثاني: لو كان الشهود ستة فرجع اثنان منهم، لم يحد الباقون لاستقلال الحد بشهادتهم وهم لم يرجعوا عنها. واختلف قول ابن القاسم في وجوب الحد على من رجع.
وسبب الخلاف: النظر إلى أنهما معترفان بالقذف ومقران بأن من شهد معهما شهدوا بزور، أو النظر إلى أنهما كالقاذفين شهد لهما أربعة بأن المقذوف زنى، قال الإمام أبو عبد الله: "والتحقيق أن يكشف الراجعان، فإن قالا: إنهما كذبا وكذب من شهد معهما، حدًا، وإنقالا: لا نعتقد كذب من شهد معنا بل الغالب صدقهم لعدالتهم عندنا لم يحدا".
الفرع الثالث: لو انكشف بعد رجوع الاثنين أن أحد الأربعة الذين بقوا عبد فقال في كتاب محمد: يحد الراجعان، ويغرمان ربع الدية لكون الحد أقيم بأربعة بطل أحدهم بكونه عبدًا، ولا غرامة على العبد لأنه لم يرجع عن شهادته، ولكن عليه الحد لأن الشهادة لم تتم، ولا يلزم الثلاثة حد ولا غرامة. ولو لم يشهد عليه إلا أربعة فرجم بشهادتهم ثم وجد أحدهم عبدًا، فإن عليهم الحد أجمعين للقذف، وعلى العبد نصف حد الحر. قال الإمام: "وهذا قد يعترض بأن العبد إذا حد لأن الشهادة لم تتم بأربعة، فكذلك يجب الحد على الأحرار الثلاثة أيضًا. قال: "ويفرق ههنا بين بطلان شهادة الرابع الحر برجوعه وبين بطلان شهادة العبد، لأجل أن العبد لم يرجع عن شهادته فيوهن شهادة الثلاثة، وإنما ردت شهادته شرعاً.
стр. 1059
الفرع الرابع: إذا رجع من لستة اثنان بعد إقامة الحد فقد تقدم حكمهما، فلو رجع ثالث لزمه غرم ربع الدية، يدخل معه فيه من سبقه بالرجوع قلوا أو كثروا، مع الحد على كل واحد منهم، سواء رجعوا معًا أو مفترقين. فإن رجع آخر، أيضًا لزمه ربع الدية، يشاركه فيها كل من رجع قبله ويشركهم فيما غرموا قبله، فيصير نصف الدية بين جميعهم على عددهم، فإن رجع ثالث لزمه مع كل من رجع قبله ثلاثة أرباع الدية.
الفرع الخامس: (إذا رجم المشهود لعيه، فلما فقئت عينه في الجرم رجع واحد من الستة ثم تمادى الرجم عليه، فأوضح موضحة، فرجع ثان ثم تمادى الرجم عليه فمات فرجع ثالث، فقال محمد: إنه لو يرجع هذا الثالث ما كانعلى من تقدم من رجوعه شيء، وأرى على الراجع الأول سدس دية العين، وعلى الثاني مثل ذلك وخمس دية الموضحة، وعلى الثالث ريع دية النفس فقط، قال: وقيل مضافاً إلى السدس والخمس المتقدمين، والأول أصح).
الفرع السادس: إذا شهد أربعة بالزنى واثنان بالإحصان، ثم رجع الجميع، فهل يختص غرم الدية بالأربعة أو يعمم الجميع؟، قولان:
القول الأول: قول ابن القاسم واختاره سحنون وأصبغ، ووجهه أن شهادتهم لم تباشر ما يوجب الحد، لأن السبب هو الزنى، وشهوده مختارون لأداء الشهادة، إذ لو شاءوا لم يشهدوا.
والقول الثاني: ذهب إليه أشهب وابن الماجشون ومحمد، ووجهه أن السبب مركب [من مقتضى الشهادتين، إذ لو انفردت الشهادة بالزنى عن الشهادة بالإحصان لم تقبل.
ثم [إذا فرعنا] على القول الثاني فهل تقسم الدية على آحاد الجنسين فتكون بينهم أسداسًا أو على الجنس فيكون على كل جنس نصفها، فيخص كل واحد من الأربعة ثمن الدية، وكل واحد من الاثنين ربعها؟ قولان، أيضًا:
الأول: لأشهب وعبد الملك، ووجهه أن الستة اشتركوا في الموجب للحد وأيهم قدر عدمه بطل الموجب، فكانوا كلهم فيه سواء.
والقول الثاني: لمحمد، ووجهه أن الموجب مركب من وصفين: الزنى والإحصان، والمقصود بعدة الشهود إنما هو ثبوت كل واحد منهما، وليس العدد بمقصود في نفسه فعتبر، وإنما يعتبر المقصود وهو ثبوت الوصفين.
стр. 1060
الفرع السابع: إذا شهد شاهدان على رجل بأن قد قذف رجلاً، فحد المشهود عليه بشهادتهما، ثم رجعا وأكذبا أنفسهما، فقال سحنون: لا غرم في ذلك ولا قود عند جميع أصحابنا، وإنما في ذلك الأدب. وكذلك لو شهد بأنه شتمه أو لطمه أو ضربه سوطًا، ثم رجعا بعد الحكم، بها فإنما في ذلك الأدب. قال بعض المتأخرين: لأنهما لم يتلفا مالاً فيغرماه، ولا نفسًا بتعمده شهادة الزور [فيطلبان] بديتها عند ابن القاسم، أو بالقصاص عند أشهد.
الفرع الثامن: إذا ادعى المقتضي عليه أن الشهادتين عليه رجعا عن شهادتهما وقالا: شهدنا بزور، وطلب إقامة البينة مكن منه، فإن أقامها قضي عليهما بالمال.
وكذلك في قيام البينة برجوع أحدهما يغرم نصف المال، فإن طلب يمينهما أنهما لم يرجعا، ففي إلزامهما اليمين له قولان:
الأول: رواية ابن سحنون عن أبيه، قال: إذا أتى بلطخ يوجب عليهما اليمين.
والثاني: لمحمد بن عبد الحكم.
ولو رجعا عن الرجوع لم يقالا، بل يقضي عليهما بما يقضي به على الراجع المتمادي في رجوعه. ووجه ذلك أن رجوع الشاهد عن شهادته ليس بشهادة، وإنما هو إقرار على نفسه بما أتلف بشهادته، وقد نص على ذلك محمد، وكان عن ابن القاسم وعبد الملك وابن عبد الحكم وأصبغ، وعليه يخرج قول سحنون في استحلاف الشاهد إذا ادعى عليه بالرجوع فنكل.
الفرع التاسع: في ذكر ما يلحق برجوع الشهود، وهو ظهور كذبهم وإن لم يعترفوا بالكذب، وفي ذلك صور:
الأولى: إذا شهد شاهدان على رجل أنه قتل ابن رجل عمدًا، فحكم له بالقصاص وقتل المشهود عليه بأنه قاتل، ثم قدم الابن حيًا بعد ذلك، وتبين كذب الشهود، فذكر الإمام أبو عبد الله أن المذهب لم يختلف في تعلق الغرامة بالشهود، وإنما الخلاف في البداية والترتيب في الغرم وفي رجوع من غرم بما غرم على من لم يغرم. والذي أشار إليه هو أن ابن القاسم وسحنون قالا: تؤخذ الدية من الشهود إلا أن يكونوا فقراء فتؤخذ من الأب القاتل.
وروي نفي الترتيب، وأن ولي الدم يخير: إن شاء اتبع بالدية الشاهدين، وإن شاء اتبع بها الولي القاتل. ثم إن اتبع الشهود فليس له العدوان عنهم إلا أن يجدهم فقراء، وإن ابتدأ باتباع القاتل لم يكن له العدول عنه مليًا كان أو فقيرًا. وروي أيضًا أنه لا يرجع على الولي بشيء، وأما الرجوع فقال سحنون: من غرم لا يرجع على غيره بما غرم، كان ولي الدم أو الشهود.
стр. 1061
وفي رواية التخيير: أن الشهود يرجعون بما أدوا على القاتل، ولا يرجع هو عليهم بما ودى.
ولو كانت الشهادة بقتل الخطأ فأخذت الدية من العاقلة ثم قدم المشهود بقتله حيًا لردت الدية، فإن أعدم آخذها غرمها الشهود، ثم لا يرجعون بها على الأخذ، ولا يرجع هو بها عليهم إن أخذت منه، وأما إن كانت الشهادة إنما هي على إقرار القاتل فلا يلزم الشهود غرم ولا عقوبة، والدية على آخذها. وكذلك ولو كانوا فروعًا ناقلين عن غيرهم.
الصورة الثانية: أن يشهد على رجل بالزنى فيرجم بالحكم المرتب على الشهادة، ثم يطلع بعد الرجم على أنه مجبوب، ويتبين كذب الشهود، ففي الكتاب: "يغرم الشهود الدية في أموالهم". وذكر محمد عن أشهب أنه يرى الدية على عاقلة الإمام. وبه قال محمد بن عبد الحكم.
الصورة الثالثة: (قال محمد بن عبد الحكم في رجل قيد عبده وحلف، قال الشيخ أبو محمد: "يعني بحريته ألا ينزع عنه القيد شهرًا لفعل استوجب [به] ذلك، وحلف بحريته أن في القيد عشرة أرطال، ثم جاء شاهدان فشهدا أنه ليس في القيد إلا ثمانية أرطال"، قال الشيخ أبو محمد: "أراه يريد، فحكم القاضي بعتق العبد"، قال: "ثم إن السيد نزع القيد"، قال الشيخ أبو محمد: "يريد بعد الشهر"، قال: "فوجد فيه عشرة أرطال، قال محمد: فلينقض القاضي حكمه لأنه ظهر كذب الشاهدين.
الطرف الثالث: في البضع. وإذا رجع الشاهدان بعد الشهادة على الطلاق وبعد القضاء نفذ الطلاق، ولا غرم عليهما إن كانت مدخولاً بها، لأنهما إنما أتلفا وفوتا (عليه) بشهادتهما منافع بضع، وذلك ما يتقوم. وإن كانا شهد أنه تزوج بامرأة ثم طلقها قبل الدخول، فقال،
стр. 1062
ابن القاسم: يغرمان نصف الصداق. قال: وكذلك لو شهد على دخوله بزوجة عنده مع إقراره بالطلاق وإنكار الدخول، لغرما النصف، أيضًا، إذا رجعا. وقال أشهب وابن عبد الحكم: إذا شهدا عليه بالطلاق قبل الدخول فلا غرم عليهما بحال.
وسبب الخلاف: النظر إلى أصلين: أحدهما هل منافع البضع مما يتقوم أم لا؟. والأصل الآخر هل الصداق كله يثبت بالعقد، أو كله مترقب؟، فابن القاسم بنى على أن الصداق كله مترقب لجواز أن ترتد المرأة قبل الدخول فيسقط جملة، وقد ألزمه الشهود بشهادتهم، على هذا القول، مال لم يكن لزمه وحالوا بينه وبين الزوجة، فصاروا كمن ألزمه الثمن وحال بينه وبين المثمن. وبنى أشهب وابن الحكم على أن منافع البضع مما لا يتقوم، وأن الصداق كله واجب بالعقد، والشهود إنما يغرمون ما (أتلفوه) بشهادتهم، وإنما حالوا بينه وبين ما اشتراه بالصداق من منافع البضع وذلك مما يتقوم، وصار ذلك كمن شهد على مستحق لقصاص أنه عفا، فإنه لا يغرم شيء الأنه إنما فوت بشهادته استحقاق دم، وذلك مما لا يتقوم.
ولو شهد بطلاق زوجة ثابت نكاحها بشهادة غيرهما، وشهد آخران بأن الزوج دخل بها، ولا يعلم شاهدا الطلاق هل أوقعه قبل البناء أو بعده، وكذلك الشاهدان الآخران لا يعلمان أنه طلق، فإن شاهدي الطلاق إن رجعا لا غرامة عليهما على مذهب الجماعة أشهب وعبد الملك ومحمد وغيرهم. وذكر ابن سحنون أن أصحابنا على هذا المذهب وإن بعض الرواة خالف فيه، قال: وأكثر الرواة على خلافه. ولو رجع الشاهدان بالدخول لغرما نصف الصداق، بينهما نصفين، لأنه الثابت بشهادتهما. وإن رجع أحدهما غرم ربع جميع الصداق.
فروع:
الفرع الأول: إن الشاهدين بالدخول إذا غرما نصف الصداق لرجوعهما ثم ماتت الزوجة قبل الدخول استرجعاه، لاعتقاد الزوج أنها ماتت في عصمته لأنه منكر للطلاق.
الفرع الثاني: إذا شهد شاهدان على الزوج أنه طلق قبل البناء فقضي عليه بنصف الصداق على قول ابن القاسم، ثم مات الزوج فرجع الشاهدان عن شهادتهما فإنهما يغرمان للمرأة ما حرماها من ميراثه وما أسقطا من صداقها. ولو كان إنما ماتت هي لرجع الزوج عليهما بميراثه فقط لا شيء مما غرم من الصداق. وهذا الجواب إذا كان كل واحد من الزوجين منكرًا ما شهد به الطلاق.
الفرع الثالث: إذا شهدا بطلاق أمة من زوجها ففرق القاضي بينهما بشهادتهما، ثم جاء شاهدان آخران فشهدا بأن الأولين مزوران، إما لعلمهما بغيبتهما عن البلد الذي فيه
стр. 1063
الزوجان أو لغير ذلك، ثم رجع الشاهدان المكذبان غرما للسيد ما نقص من ثمنها بما ألصقا بها من عيب الزوج فتبقى معه، ويغرمان للسيد ما بين قيمتها ذات زوج وخالية من زوج.
الفرع الرابع: إذا شهدا على امرأة أنها اختلعت من زوجها بمال، وهي تنكر ذلك وتذكر أنه طلقها من غير عوض، فإذا غرمت بشهادتهما ثم رجعا غرمًا لها ما غرمت للزوج.
الفرع الخامس: وهو مرتب على الرابع: لو كان الخلع المشهود به على ثمرة لم يبد صلاحها فقضي بذلك للزوج، ثم رجعا، (فقال عبد الملك: عليهما قيمة الثمرة على الرجاء والخوف، قساسًا على من أتلف الثمرة قبل زهوها. وذهب محمد إلى أنها لا ترجع عليهما بشيء حتى يجد الزوج الثمرة ويقبضها، فيطالب الشاهدان حينئذ بالغرامة.
وإن كان الخلع بعبد آبق أو بعير شارد، فقال عبد الملك: يغرمان قيمة الآبق والشارد على أقر صفاتهما. فإن ظهر بعد ذلك أنهما كانا معيين عند الخلع استردا مما غرماه ما يقابل العيب. وعلى قول محمد إذا كان حصول الآبق أمرًا قريبًا أخذت الغرامة إلى حصوله حسبما قاله في الثمرة، وإن كان بعيدًا غرم الشاهدان قيمته على الصفة التي أبق عليها. ثم رجع محمد فقال: لا غرامة على الشاهدين في هذا ولا في الجنين، إذا وقع الخلع به، ورجع الشاهدان، إلا بعد خروج اجنين وقبضه، وبعد وجدان العبد الآبق والبعير الشارد وقبضهما، فيغرمان قيمة ذلك يومئذ، وقد كان قبل ذلك تالفًا. وكذلك الجنين وكذلك الثمرة قبل بدو صلاحها.
الفرع السادس: (إذا شهد شاهدان على امرأة أن فلانًا تزوجها على مائة دينار، وصداق مثلها مائتان دينار، وهي تجحد، فقضى القاضي بذلك ودخل بها الزوج، ثم أقرأ أنهما شهدا بزور، فالنكاح ماض بالحكم وعليهما ما أتلفا عليهما من صداق مثلها. ولو كان صداق مثله مائة دينار فأقل لمترجع عليهما بشيء. وإن طلقها الزوج قبل البناء فإنها تسأل عما أنكرت، فإن ثبتت على أنه لم يكن نكاح قط فلا شيء لها، وإن قالت: قد كان نكاح وجحدته كراهية للزوج، فلها أخذ نصف الصداق منه كالمرأة تدعي أن زوجها طلقها ثلاثًا ولم تجد بينة فبقيت تحته حتى مات وصارت وارثة، فإنها إن تمادت على تلك الدعوى فلا ميراث لها، وإن قال: كنت كاذبة كراهية للزوج، كان لها الميراث. قال الشيخ أبو محمد: "يريد وتحلف").
стр. 1064
الطرف الرابع: في العتق وما يتصل به: وإذا شهد شاهدان على مالك لعبد أنه أعتقه عتقًا ناجزًا، والمال يجحد، فقضي عليه بعتقه بشهادتهما، ثم رجع الشاهدان، فإنهما يغرمان للسيد قيمة عبده، لأنهما منعاه من بيعه والانتفاع به، فصارا بذلك كالمانعين له بقتله، ويكون الولاء لسيده لأنهما معترفان بذلك، والسيد يستحق ماله على مقتضى إنكاره، فإن لم يكن له وارث أخذ السيد ماله على مقتضى قوله وقول الشاهدين. وإن كان العتق في أمه وهي تعلم أن الشاهدين مزوران فلا يحل لهما أن تبيح فرجها بالتزوج لأحد.
وإن كان الشهادة بأنه أعتقه إلى أجل فقضى عليه بذلك، ثم رجعا، غرما قيمته حالة، أيضًا، لا، المعتق إلى أجل امتنع فيه البيع، وهو من أعظم المقاصد في الأملاك، وقد حالا بين السيد وبينه، إلا أن السيد إذا أخذ قيمته وقد دخلت فيها قيمة خدمة العبد للسنة التي يعتق لانقضائها، فلا يجمع له بين أخذ الشيء وأخذ قيمته، والشاهدان يقولان: نحن نستحق منافع العبد إلى أجل عتقه لكون السيد أخذ منا قيمتها فيما أخذ، فيستحق الرجوع على السيد بمقدار ما أخذ منا من قيمة هذه المنافع التي أثبتناها حين شهادتنا في يده. فههنا وقع الخلاف في المذهب.
فذهب عبد الله بن عبد الحكم إلى أن هذه المنافع تقوم على غررها وتجويز أن يموت العبد قبل الأجل أو يعيش إليه فيخرج حرًا، فتحط القيمة على هذه الصفة من جملة القيمة التي يغرمانها، وتبقى منافع العبد لسيده على حسب ما كانت قبل أن يرجعا عن الشهادة.
قال محمد: وهذا الذي قاله ليس بمعتدل، لأنه قد تكون قيمة هذه المنافع أوفى من قيمة رقبته فيكون الشاهدان أتلفا عليه العبد ثم لا يغرمان شيء ا.
قال الإمام أبو عبد الله: "وهذا الذي قاله محمد صحيح من جهة الفقه لو أمكن تصوره، ولكنه كالممتنع من جهة العادة لأنه إذا حكم بقيمة الرقبة التي تباع بها ويبقى العبد مملوكًا طول أيام حياته فقد علم قطعًا أن قيمة المنافع المؤجلة قد دخلت في هذا التقويم فلا يصح أن تكون أكثر منه".
(ورأى) سحنون أن تسلم منافع العبد إليهما إلى أن ينقضي الأجل يؤاجران العبد أو يستخدمانه ويحسب ذلك عليهما حتى يستوفيا ما غرما، وما بقي من منافع المدة فللسيد. وإن لم تف منافع المدة بما غرما لم يرجعا بشيء مما بقي على أحد. وكذلك لو مات في أضعاف المدة أو بعد فراغها ولم يستوفيا لم يرجعا بشيء، إلا أن يترك مالاً فيأخذا منه مقدار ما غرماه أو بقي منه بعدما قبضًا في حياته. وكذلك لو قتل لم يكن لهما شيء إلا أن تؤخذ قيمته من قاتله
стр. 1065
قاتله فيأخذا منها، لأن السيد معترف أن ما يستحقه من مال العبد فيه دين، وهو مقدار ما أخذ منهما.
ورأى محمد أن سيد العبد بالخيار بين أن يسلم خدمته إليهما، كما قال سحنون، وبين أن يتمسك بها ويدفع إليهما قيمة هذه المنافع وقتًا بعد وقت، بحسب ما يرى في ذلك من مقتضى الاجتهاد، وبهذا قال عبد الملك بن الماجشون.
ومنشأ هذا الاختلاف: النظر إلى تقابل الحقوق، فمن حق السيد أن يتمسك بالعبد أو الأمة ليأمن عليهما ويدفع القيمة إلى الشاهدين، ومن حق الشاهدين أم يقولا: نحن غرمنا قيمة المنافع في قيمة الرقبة فكأنها اشتريناها (منه)، فنحن أحق بعين المنافع.
وإن كانت الشهادة بأن دبر عبده فقضي عليه بذلك ثم رجعا، فإنهما يغرمان قيمته ناجزًا ويقال لهما: ادخلا فيما أدخلتماه فيه فاقبضا من الخدمة التي أبقيتما بيده من رقة ما وديتما، ثم ترجع خدمته لسيده. ثم حكمهما في موته في مدة حياة السيد أبو بعدها، ولم يستوفيا ما غرم حكمهما في المعتق إلى أجل، فإن خرج بعد موت السيد حرًا فلا شيء لهما، وإن رق منه شيء فهما أولى به حتى يستوفيا منه، وإن رده دين فهما أولى من صاحب الدين، وهما كأهل الجناية.
وإن كانت الشهادة بالكتابة وقضى بها ثم رجعا فليؤديا قيمته ناجزة أيضًا.
(قال محمد: قيمته يوم الحكم، ثم يتأديانها من الكتابة على النجوم حتى يستوفيا، ثم يتأدى السيد ما بقي منها، ولو رق (بعجزه) قبل أن يستوفيها لبيع لهما منه بتمام ما بقي لهما، فإن لم يبلغ ما بقي فلا شيء لهما). (قال محمد: هذا قول عبد الملك. وروي عن ابن القاسم أنهما يغرمان القيمة فتوضع بيد عدل ويتأدى السيد الكتابة، فإن استوفى من الكتابة مثلها رجعت إلى الشاهدين، وإن كانت الكتابة أقل أو مات المكاتب قبل الاستيفاء دفع (للسيد) من تلك القيمة تمام قيمة عبده).
(قال محمد: ويقول عبد الملك: أقول وعليه أصحاب مالك، لأن السيد في قول ابن القاسم مظلوم، قد منع منه عبده، وما كان له فيه من التصرف، ولم تدفع له القيمة، ولإراحة
стр. 1066
الشاهدين، أيضًا، في إيقافها، إذ لعلها تنوي فيغرمانها ثانية. قال: ولو استحسنت قول ابن القاسم لقلت: فكلما قبض السيد من الكتابة شيء ارد مثله من القيمة الموقوفة إلى الشاهدين، ولم أوقفها كلها إلى انقضاء الكتابة كما في ظاهر قوله).
(وقال سحنون: إذا رجعا بيعت الكتابة بعرض، فإن كان فيها وفاء بقيمة العبد أو أكثر فللسيد، وإن كان أقل رجع عليهما بتمام القيمة، والقول الأول أكثر.
وإن كانت الشهادة أنه استولد أمته فحكم بذلك ثم رجعا، فعليهما قيمتها للسيد، لما قدمناه من التعليل، ولا شيء لهما إذ لم يبق فيها خدمة يرجعان فيها بما يغرمانه إلى أن تجرح أو تقتل فيؤخذ لذلك أرض فلهما الرجوع فيه بما غرماه، وما فضل للسيد. قال سحنون: وكذلك إن أفادت مالاً فليرجعا فيه بما وديا. وقال محمد: لا يرجعان فيما تفيد من مال بعمل أو بهبة أو بغير ذلك، بل ذلك للسيد مع ما أخذ. وقال محمد بن عبد الحكم: عليهما قيمتها، ويخفف عنهما لما بقي له فيها من الاستمتاع. وكذلك إن كانت حاملاً غرما قيمتها على التخفيف. ولو كان لها ولد وكانت شهادتهما أنه أقر أنها ولدته منه فألحق به، ثم رجعا فعليهما له قيمته.
قال الشيخ أبو محمد: "وروي عن بعض مشائخنا: أنه لا شيء عليهما إذا رجعا بشهادتهما عن استيلاد الأمة، قال: وهي رواية ما أدري ما حقيقتها، ولا أرى ذلك.
وإن كانت الشهادة أنه أعتق أم ولده فقال محمد: قال عبد الملك، وأخبرنا أصحابنا مثله عن أشهب: إنه لا شيء على الشاهدين لأنه لم يبق له فيها غير الوطء ولا قيمة له. وقال ابن القاسم: على الشاهدين قيمتها للسيد كما لو قتلها رجل، قال محمد: والقول الأول أقوى وأصح. وقال محمد بن عبد الحكم: يغرمان له قيمتها ويخفف عنهما من ذلك بقدر ما كان بقي له فيها من الرق".
الطرف الخامس في النسب، والولاء، وإرقاقالحر.
أما النسب: فمن ادعى أنه ابن رجل، والرجل ينفيه، فأقام بينة أن الأب أقر به أنه ابنه فحكم بذلك، ثم رجعا وأقرا بالزور بقرب ذلك، ولم يمت الأب، فلا شيء عليهما في تثبيت النسب قبل أن يؤخذ [بشهادتهما] المال بالميراث، بأن يموت الملحق به فيرث المقضي له وتمنع العصبة، فحينئذ يغرمان للعصبة ما أتلفا عليهم. وإن كان المشهود (ببنوته) عبدًا لرجل
стр. 1067
فقضي بإلحاق نسبه وحريته، ثم رجعا والسيد صحيح البدن، فالحكم بالنسب ماض، وعليهما للسيد قيمة العبد، فإن مات الأب بعد ذلك وترك ولدًا آخر غير المستلحق فليقسمان تركته، إلا قدر قيمة المستلحق التي أخذ الأب من الشاهدين فإنها تعزل من التركة فتكون للابن الأول خاصة، لأن المستحلق مقر أن أباه ظلم فيها الشهود، وأنه لا ميراث له فيها، وينظر إلى ما حصل للمستلحق من الميراث من غير القيمة فيغرم الشاهدان مثله للابن الأول بما أتلفاه عليه.
"قال محمد: وإنما جعلنا القيمة للابن الأول، لا، الو قسمناه بينهما لرجع الشاهدان على المستلحق فيما أخذ منهما فأخذاه منه، لأنه مقر بأنه لا رجوع لأبيه عليهما لصحة نسبه عنده، فإذا أخذا ذلك منه قام عليهما الابن الأول فأخذه منهما، لأنه يقول: لو بقي ذلك بيد المستلحق لوجوب لي عليكما الرجوع بمثله لأن عليهما أن تغرما كل ما أخذ من التركة. قال: ولو طرأ على الميت بعد ذلك دين مائة دينار لرجل، فإنه يأخذ من كل واحد من الولدين نصفها، فإن عجز عن ذلك [تم] قضاء الدين من تلك القيمة التي انفرد بها الأول ورجع الشاهدان (عليه) فأغرماه مثل الذي غرمه الملحق للغريم، لأنه أخذه منهما عوضًا عما أخذه الملحق من تركة أبيه، والآن فقد صرف في دين أبيه فلم يتلفا عليه شيء اً بشهادتهما. وقال: ولو لم يكن للميت غير المستلحق وحده، وقد ترك مائتي دينار، مائة من كسبه ومائة أخذها من الشاهدين في قيمة المستلحق، فالمائة الواحدة له فقط والمائة الاخرى للعصبة فإن لم يكونوا فلبيت المال ويغرم الشاهدان مائة أخرى للعصبة أو لبيت المال [لأنهما] لولا شهادتهما أخذ العصبة مائتين. فإن طرأ على الميت دين مائة دينا أخذها من الملحق وحده، ورجع الشاهدان فأخذا المائة التي وديا للعصبة أو لبيت المال بعد موت الميت".
وأما المواريث: فمن ترك مائة دينار فورثها مولاه، ثم قدم رجل فأثبت أنه ابن عمه فنزعها من المولى، ثم قدم آخر فأثبت أنه أخو (الميت)، فأخذها من يد أبن العم، ثم قدم آخر فأثبت أنه ابن الميت فانتزعها من يد الأخ، ثم رجع جميع الشهود، فعلى شهود تلابن غرمها للأخ لا، هم أتلفوها عليه، وكذلك على شهود الأخ غرمها لابن العم وعلى شهود ابن العم غرمها للمولى.
وأما الولاء: فإذا شهد شاهدان أن فلانًا مولي فلان، والمشهود عليه ينكر، فقضي
стр. 1068
بالولاء، ثم رجعا وأقرا بالزور، فلا شيء عليهما إلا أن يموت ويترك مالاً ولا يرثه غير ذلك المولي المحكوم له، فإنهما يغرمان لمن أتلفا ذلك عليه حتى صار لهذا إن أقرا أنهما انتزعا ولاءه من الذي نازع الآخر فلي الولاء إن كان أحد نازعه. وأما إن لم يعرف فيه منازع فيوقف ما (يضمنانه) حتى يثبت مستحق وإنما يضمنان تركته التي مات عنها، كانت أكثر مما كان معه يوم الحكم أو أقل.
وأما إرقاق الحر: فقال محمد بن عبد الحكم: إذا شهدا على رجل أنه عبد لفلان وهو يدعي الحرية فقضي عليه بالرق، ثم رجعا، فلا قيمة عليهما في الرقبة، ولكنهما يلزمان للعبد كل ما استعمله سيد، وكل خراج أدى إليه من عمله وإن كان له مال فانتزعه، فهذا كله يلزم الشهود للعبد. ثم ليس لمن قضى له (بملكه) أن يأخذ ذلك منه، لأنه إنما هو عوض مما أخذ منه. ولو مات المشهود له وذلك في يده لم يأخذه السيد بل يوقف حتى يستحق ذلك مستحق يرثه بالحرية. ولو أعتق منه العبد قبل موته عبدًا لجاز عتقه وكان ولاؤه بعد لمن كان يرث عنه الولاء لو كان حرًا، ويرث العبد إن مات ومعتقه حي. وإن أوصى منه العبد كان ذلك في الثلث منه، وإن وهب منه أو تصدق جاز ذلك، ويرث باقيه ورثته وإن كان له من يرثه لو كان حرًا، وليس للعبد أن يتزوج منه لأن النكاح ينقص رقبته".
الطرف السادس: في المال. وقد تقدم ما يعرف منه حكم الرجوع فيه على الجملة، غير أن المقصود ههنا ذكر فروع.
الفرع الأول: في رجوع الشهود عن بعض الشهادة.
"قال محمد بن عبد الحكم: وإذا شهد شاهدان لزيد وعمرو بمائة دينار فأخذاها كل واحد خمسين، ثم رجعا وقالا: المائة كلها لزيد، واعترفا بالكذب في اشتراك عمرو معه فيها، فإنهما يغرمان خمسين للمشهود عليه، لأنهما أقر أنهما أخرجاه من يده إلى ما لا حق له فيها، ولا تقبل شهادتهما للآخر أن المائة كلها له، ولا يغرمانها له، لا، هما إنما أخذا خمسين من مال المشهود عليه دفعاها لمن لا شيء له عليه، وإن (كان) لزيد عنده خمسون أخرى فقد بقيت على من هي عليه. قال: ولو كان المشهود به ههنا عبدًا معيناً، شهدا بأنه لزيد وعمرو، ثم رجعا بعد أن قضي بذلك فقالا: إنما العبد كله لزيد، فإنهما يغرمان نصف قيمة العبد لزبد إن كان الذي أخرج العبد بالشهادة من يده يصدقهما في أن جميعه لزيد على حسب ما قالاه في
стр. 1069
رجوعهما، وإن كان ينكر الشهادتين ويقول: كله لي، فغرامة النصف المذكور يقضي بها للمشهود عليه".
الفرع الثاني: في رجوع بعضهم عن الشهادة، أو عن بعضها. "قال ابن القاسم وعبد الملك وابن عبد الحكم وأصبغ، في شاهدين قضي بشهادتهما في حق، ثم رجع أحدهما: فإنه يغرم نصف الحق. قال محمد: ولو رجع أحدهما عن نصف ما شهد به لغرم ربع الحق، وإن رجع عن الثلث غرم لسدس. ولو رجعا جميعًا كان الحق عليهما نصفين. فإن اختلف رجوعهما لزم كل واحد غرم [نصف] ما رجع عنه، لأنه هو الذي أتلف".
الفرع الثالث: في رجوع بعضهم مع ثبات من يستقل بهم الحق. وإذا كانت البينة ثلاثة فقضي بها ثم رجع أحدهم، فقال محمد: لا يغرم شيء الاستقلال الحق بمن بقي، فإن رجع ثان غرما نصف الحق. "وقال محمد بن عبد الحكم: بل يغرم الراجع أولاً ثلث الحق. ثم حكى عن أشهب أنه قال: لو شهد أربعة بدراهم، ثم رجع منهم ثلاثة لغرموا ثلاثة أرباع الدراهم. وقال محمد في ثلاثة شهدوا بثلاثين دينار فقضي بها، ثم رجع أحدهم عن الثلثين، ورجع آخر عن عشرين منها، ورجع ثالث عن عشرة منها: فعشرة على الجميع غرمها أثلاثًا، وعشرة لا يغرم أحد منها شيء الاستقلال ثبوتها بشاهدين، وهذا على القول الأول بأن الراجح لا يغرم إذا بقي ممن شهد معه من يثبت معها لحق، وتبقى عشرة على الأولين منها خمسة بينهما نصفين، ولا شيء على الثالث منها.
الفرع الرابع: "في رجوع بعض البينة المشتملة على جنسي الرجال والنساء، وكيفية توزيع الغرامة.
وإذا حكم لرجل ونساء، ثم رجع الجميع، فعلى الرجل نصف الحق، وعلى جماعة النساء نصفه بينهن بالسوية، ولو رجعن وحدهن لكان عليهن النصف. ولو كن عشرًا فرجع منهن واحدة إلى ثمان فلا شيء عليهن، فإن رجع منهن تسع، أو رجع ثمان ثم رجعت واحدة بعدهن، فعلى التسع ربع المال بينهم بالسوية، لانه بقي من أحيى ثلاثة أرباع الحق، وذلك في كل ما تجوز فيه شهادتهن مع الرجال".
فأما ما ينفردن به ويقبلن فيه منفردات عن الرجال، فكل امرأة منهن كرجل، فلو شهد
стр. 1070
رجل وعشر نسوة على رضاع، ثم رجع الكل بعد الحكم، فعلى الرجل سدس ما يجب من الغرامة عما أتلفت الشهادة، وعلى كل امرأة نصف سدس إذ لا يتوقف الشرط على الرجل. لو رجع الكل إلا امرأتين لم يجب غرم على القول باعتبار ثبات من يستقل به الحق. ولو رجع الكل إلا واحدة وزع نصف الحق على جميع من رجع.
الفرع الخامس: في طلب المشهود عليه من الشهود ألزم غرمه بشهادتهما قبل أن يغرمه. "قال في كتاب محمد: إذا حكم بشهادتهما ثم رجعا، فهرب المقضي عليه قبل الأداء، فطلب المقضي له أن يأخذ الشاهدين بما كانت يغرمان لغريمه لو غرم له، قال: لا يلزمهما غرم حتى يغرم المقضي عليه فيغرمان له حينئذ، وإن أقر بتعمد الزور.
وقال محمد بن عبد الحكم: للمقضي عليه أن يطلب الشاهدين بالمال حتى يدفعاه عنه إلى المقضي له، ثم قال: وقال بعض أصحاب أبي حنيفة: لا يحكم على الشاهدين حتى يؤدي المقضي عليه، وفي هذا تعرض لبيع داره وإتلاف ماله واللذان أوجبا عليه ذلك قيام، أرأيت لو حبسه القاضي في ذلك أيترك محبوسًا ولا يغرم الشاهدان بل يؤخذان بذلك حتى يخلصاه، فإن لم يفعلا حبسا معه، ولو شهد عليه بمائة دينار فحكم عليه بها وضرب له الإمام فيها أجلا عشرة أيام أو أكثر أو أقل، ثم رجعا قبل تمام الأجل، فإنهما يغرمان ذلك الآن للمقتضي له ويبرئ المطلوب".
خاتمة الكتاب: يذكر اطلاع القاضي بعد الحكم على خلل في الشهود.
وإذا حكم بشهادة اثنين ثم ظهر أن أحدهما عبد أو ذمي أو مولى عليه، فعلى المقضي له بالمال رده على المحكوم عليه، إلا أن يحلف مع الشاهد الباقي فيتم له ما أخذ، فإن نكل حلف المحكوم علين، إن شاء، وأخذ ماله، فإن نكل فلا شيء له. قال سحنون: والحكم ههنا ينتقض، بخلاف رجوع البينة، وبخلاف أن يظهر أن أحدهخم مسخوط، وبهذا قال أشهب. قال محمد: ولا أعلم إلا وقد قاله لي عبد الملك. وقال ابن القاسم: ينقض الحكم كما لو كان عبدًا أو ذميًا. وذكر الشيخ أبو محمد اختلافاً في قبول شهادة المولى عليه لسوء نظره في المال لا لجرحة فيه.
"قال سحنون: وإن كان الحكم في قصاص في قتل أو قطع يد، فإن حلف المقضي له بالقصاص في اليد مع (شاهده الباقي)، أو حلف المقضي له بالقتل مع رجل من عصبته خمسين يمينًا قسامة تم له الحكم الأول، وإن نكل عن القصا في اليد، ولم يعلم بأن شاهده
стр. 1071
عبد لظاهر حريته، فليحلف المقتص منه في اليد أن ما شهد عليه به باطل. وإذا (نكل) المقضي له بالقتل عن القسامة، فالنكول في مثل هذا ترد به الشهادة وينقض به الحكم.
ثم قال بعض أصحابنا: لا ضمان على الحاكم وهو لم يخطئ، وقد اجتهد وفعل ما عليه من العمل على ما ظهر إليه ولا ضمان على المحكوم له بالقصاص لأنه لم يأخذ ثمنًا فيرده، وغرم ذلك على الشاهدين إن كانا جهلاً رد شهادتهما عنه بأن أحدهما عبد أو ذمي. وقال بعضهم: إن ذلك على عاقلة الإمام. وقيل: إن ذلك هدر، لا على الإمام ولا على البينة ولا على المحكوم له، وإنما خطأ الإمام الذي يكون على عاقلته ما جاوز ثلث الدية منه ما يخطئ به في نفس الحكم، مثل أن يقتل أو يقص من لا يجب ذلك عليه، أو يجيز شهادة العبد والذمي والمولى عليه، وهو يرى أن ذلك يجوز، أو يقطع من سرق من غير حرز، أو من سرق ثمرًا أو كثرًا. وأما يظهر له ما لم يعلمه، وما بالغ فيه في الإعذار والاجتهاد، فهذا الذي عليه. وكذلك لو حكم بالرجم في الزنى، ثم ظهر أن أحد الشهود عبد أو ذمي أو مولى عليه، فالحكم زائل، كأنه لم يكن، ويجلدون للقذف.
وقال بعض أصحابنا: الغرم على الحاكم إن كان الشهود لم يعلموا أن الذين شهدوا معهم كما ظهر من أمرهم، وإن كانوا يعلمون ذلك فعليهم الغرم.
وقال بعضهم: لا شيء عليهم ولا على الحاكم، جهلوا من معهم، أو كانوا عرفوا بهم وجهلوا أن شهادتهم لا تجوز، فأما لو علموا بهم وعلموا أنهم لا تجوز شهادتهم فهم ضامنون للدية".
стр. 1072
كتاب الدعوى والبينات ومجامع الخصومات
وهي تدور على خمسة أركان: الدعوى، والجواب، واليمين، والنكول، والبينة.
الركن الأول: الدعوى ، وفيه مسائل:
الأولى: من يحتاج إلى الدعوى.
ومن غضب منه شيء وقدر على استرداده مع الأمن من تحريك فتنة أو سوء عاقبة بأن يعد سارقًا أو نحو ذلك، جاز له أخذه ولم يلزمه الرفع إلى الحاكم. فأما إن كان حقه عقوبة فلابد من الحاكم.
ولو كان حقه ديناً، ومن هو عليه ممتنع من أدائه، وحصل له في يد صاحب الحق شيء من جنس ما عليه أو غير جنسه، فقد اختلفت الرواية في ذلك، فروي أن له مقدار دينه من الجنس إن كان الغريم غير مديان، أو مقدار ما يخصه لم حاصص بدينه، إن كان مديانًا. وروي أنه ليس له ذلك من الجنس ولا غيره، على أي تقدير كان. وروي: له ذلك وإن كان غير جنس حقه، يتحرى قيمته ويأخذ مقدار ما يستحق، حكاها القاضيان أبو الحسن وأبو بكر، واختاراها، واستدل عليها القاضي أبو الحسن بقصة هند.
ولو جحد من عليه الحق، وله على المستحق مثله، والحقان حالان. لجاز له أن يجحد على الرواية الأولى والأخيرة ويحصل التقاص.
الثانية: في حد المدعي.
стр. 1073
وهو مت تجردت دعواه عن أمر يصدقه، أو كان أضعف المتداعين أمرًا في الدلالة على الصدق، أو اقترن بها ما يوهنها عادة، وذلك كالخارج عن معهود، والمخالف لأصل، وشبه ذلك. ومن ترجح جانبه ب شيء من ذلك فهو المدعى عليه.
فإذا ادعى أحدهما ما يخالف العرف، وادعى الآخر ما يوافقه، فالأول المدعي. وكذلك كل من ادعى وفاء ما عليه أو رد ما عنده من غير أمر يصدق دعواه، فإنه مدع، إلا المودع إذا ادعى رد الوديعة فإنه يصدق لترجح جانبه بالاعتراف له بالأمانة. فإن أشهد عليه فهل هو باق على ائتمانه أم لا؟ فيه خلاف ينبني عليه الخلاف المتقدم في كتاب الوديعة.
ثم الدعوى المسموعة هي الدعوى الصحيحة، وهي أن تكون معلومة محققة، فلو قال: له عليه شئ، لم تسمع دعواه. وكذلك لو قال: أظن أن لي عليك شيء. أو قال: لك علي كذا وأظن أني قضيته، لم تسمع.
الثالثة: من قامت عليه البينة فليس له أن يحلف المدعي ما لم يقدم الدعوى الصحيحة ببيع أو إبراء.
الرابعة: إذا قال من قامت عليه البينة: أمهلوني فلي بينة دافعة، أمهل، ما لم يبعد فيقضي عليه، ويبقى على حجته إذا أحضرها. ولو قال: أبرأني فحلفوه، فليحلف قبل أن يستوفي. ولو قال: أبرأني موكلك الغائب، فقال ابن كنانة: يحلف الوكيل أنه ما علم أنه أبرأه ويقبض الدين ولا ينظره، إلا أن يكون الطالب قريبًا على مثل اليومين فيكتب إليه ويحلفه. وقال ابن القاسم: لا يحلف الوكيل، وينظر حتى يجامع صاحبه.
الخامس: إذا ادعى في النكاح أنه تزوجها تزوجًا صحيحًا سمعت دعواه ولا يشترط أن يقول بولي ويرضاها، بل لو أطلق سمع أيضًا. وكذلك في البيع، (بل) لو قال: هي زوجتي لكفاه الإطلاق.
السادس: المسترق إذا ادعى أنه حر الأصل صدق مع يمينه، إلا أن يكون بيد من هو له حائز حوز الملك. وإن ادعى الإعتاق فعليه البينة. والصغير المعرب عن نفسه يدعي الحرية، فإن تقدمت لمن هو في يده فيه حيازة وخدمة لم يصدق في دعوى الحرية، وإن كان متعلقًا به لا يعلم له فيه قبل ذلك حيازة ولا خدمة صدق في دعوى الحرية.
الركن الثاني: جواب المدعى عليه .
وهو إقرار أو إنكار، فإن قال: لا أقر ولا أنكر، ولكن يقيم البينة على دعواه، أو قال للحاكم: لا أحاكمه إليه، أجبره على أن يقر أو ينكر، فإن أبى حبسه حتى يقر أو ينكر، رواه أشهب. وقال أصبغ: يقول له القاضي: إما أن تحاكم، وإما أحلفت هذا المدعي وحكمت له عليك.
стр. 1074
هذا إذا كانت الدعوى مشبهة وكانت تستحق باليمين مع النكول، لأن نكوله عن الكلام نكول عن اليمين. وإن كانت الدعوى فيما لا يثبت إلا بالنية دعا خصمه بها وحكم عليه أن تمادى على ترك الكلام. وقال محمد: أحكم عليه بغير يمين من المدعي. وقال أبو الحسن اللخمي: "المدعي بالخيار بين ثلاث: إما أن يأخذ المدعي به بغير يمين، على أنه متى عاد إلى الإنكار كان ذلك له.
وإما أن يحلف الآن، ويحكم له به ملكًا، بعد أن يعلم المدعى عليه أ، هـ إن لم يقر أو ينكر حكم عليه كما يحكم على الناكل، ولا ينقض له الحكم بعد إن أتى بحجة إلا أن يأتي ببينة لم يكن علم بها.
وإما أن يسجن له حتى يقر أو ينكر لأنه يقول: هو يعرف حقي، فإذا سجن أقر واستغنيت عن اليمين".
فروع:
الفرع الأول: (قال محمد: من ادعي عليه بستين دينارًا فأقر بخمسين وتأبى في العشرة أن يقر أو ينكر، فإنه يجبر بالحبس حتى يقر بها أو ينكر إذا طلب ذلك المدعي، فإن أصر على الامتناع والتمادي عليه حكم عليه بغير يمين. قال محمد: لأن كل مدعى عليه لا يدفع الدعوى فإنه يحكم عليه بغير يمين. قال: وكذلك المدعى عليه بدور في يده لا يقر ولا ينكر، فإذا أجبر على ذلك فتمادى حكم عليه للمدعي [بلا يمين].
[الفرع] الثاني: لو قال المطلوب: تقدمت بيني وبين الطالب مخالطة فمن أي وجه يدعي هذا؟ لزم أن يسأل عن ذلك الطالب، فإن بين وجه طلبه وقف على ذلك المطلوب، وألزم ما يدعيه، إذ لعله بذكر السبب يجد مخرجًا، وإن امتنع عن ذكر السبب من غير أن يدعي نسيانًا لم يسأل المطلوب عن شيء.
الفرع الثالث: لو ذكر السبب فقال المطلوب: أنا أحلف أنه لا شيء عندي من هذا السبب، فقال أشهب: لا يجزيه بحال حتى يقول: ولا أعلم له شيء ابوجه من الوجوه،
стр. 1075
ونحوه في كتاب ابن سحنون".
قال القاضي أبو الوليد" (وكان) الظاهر أن يجزيه يمينه أن لا شيء له عنده من جهة مطلبه، لا، الطالب لم يطلبه بغير ذلك".
وفي الركن مسائل:
الأولى: لو قال: لي عليك عشرة، فقال: لا تلزمني العشرة، لم يكلف اليمين مطلقًا، بل يحلف أنه ليس عليه عشرة ولا شيء منها.
الثانية: لو قال: لي عليك عشرة، فقال: لا تلزمني العشرة، لم يكلف اليمين مطلقًا، بل يحلف أنه ليس عليه عشرة ولا شيء منها.
الثانية: إذا ادعى سلفًا أو بيعًا لم يجزيه من الجواب أن يقول: لا حق لك عندي حتى يقول: لم تسلفني ما تدعيه، أو لم تبع مني شيء امما ذكرت، رواه ابن سحنون عن أبيه. وقال: هو مقتضى قول مالك. قال: وكان ربما قبل منه: ما له علي حق. وإلى القول الأول رجع أخيرًا مالك.
الثالثة: إذا ادعى عليه ملكًا، فقال: ليس لي، إنما هو وقف على الفقراء (أو) على ولدي، أو هو ملك لطفل، لم يمنع ذلك من إقامة البينة للمدعي ما لم يثبت ما ذكر فتقف المخاصمة على حضور من تثبت له عليه الولاية، ولو قال: ليس هو لي، أو هو لمن لا أسميه، فأولى ألا يمنع من تمام المحاكمة. ولو قال: لفلان، وهو حاضر، فحضر، فللمدعي أن يحلف المقر له، فإن نكل حلف المدعي وأخذ المدعى به. وإن حلف المقر (له) فللمدعي أن يحلف المقر لأنه أتلفه عليه بإقراره، فإن نكل حلف المدعي وأخذ قيمة المقر به من المقر. ولو أضاف إلى غائب، فإن أثبت ذلك بينة انصرفت الخصومة عنه إلى الغائب، وإن لم يثبت ذلك لم يصدق وحلف، فإن رجع المدعي به إلى المدعي بغير يمين، فإن جاء المقر له فصدق المقر أخذه، لأن من هو في يده يتهم أن يكون أراد صرف الخصومة عن نفسه.
الرابعة: إذا خرج المبيع مستحقًا فله الرجوع على البائع بالثمن، فإن صرح في نزاع المدعي بأنه كان ملك البائع لم يرجع عليه لأن الغاصب ظلم البائع.
الخامسة: جواب دعوى القصاص على البعد يطلب من العبد، ودعوى الأرض يطلب جوابها من السيد.
السادسة: إذا ادعى ولم يحلف، فقال: لي بينة قريبة فاطلبوا منه كفيلاً، أخذ منه كفيل
стр. 1076
بنفسه ما بينه وبين خمسة أيام إلى الجمعة، كذلك إذا قامت البينة، فله طلب الكفيل قبل التعديل. ولو ادعى عليه خلطة وادعى بينة قريبة على اللطخ كاليوم ونحوه وكل بالمطلوب، وقال سحنون: يؤخذ منه كفيل.
الركن الثالث: اليمين والنظر في الحلف، والمحلوف عليه، والحالف، والحكم .
أما الحلف، فهو: بالله الذي لا إله إلا هو، لا يزاد على ذلك في شيء من الحقوق ولا تغليظ بالألفاظ.
(وفي كتاب ابن سحنون من رواية ابن كنانة: يحلفون فيما يبلغ من الحقوق ربع دينار، وفي القسامة واللعان عند المنبر: بالله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة الرحمن الرحيم. وحكى ابن حبيب عن مطرف وابن الماجشون: أن الإيمان في الحقوق والدماء واللعان وفي كل ما فيه اليمين على المسلمين، بالله الذي لا إله إلا هو.
قال القاضي أبو الوليد: "وهذا هو المشهور من مذهب مالك، وبه قال ابن القاسم، ورواه عن مالك في المدونة. قال ابن القاسم: "ولا يزاد على الكتابي: الذي أنزل التوراة والإنجيل، ولا يحلفون إلا بالله".
وروى الواقدي عن مالك: أن اليهود يحلف بالله الذي أنزل التوراة على موسى، ويحلف النصراني بالله الذي أنزل الإنجيل على عسى، ويحلف الكافر حيث يعظم من كنيسته أو بيت ناره). قال ابن حبيب عن مالك: إن الكافر يحلف بالله الذي لا إله إلا هو.
وتغلظ اليمين بالمكان في الأموال وغيرها من الحقوق على الطالب والمطلوب. (واختلف في التغليظ بالزمان، ففي كتاب ابن سحنون من رواية ابن كنانة: يتحرى بأيمانهم في المال العظيم وفي الدماء واللعان الساعات التي يحضر الناس فيها المساجد ويجتمعون للصلاة، وما سوى ذلك من مال وحق ففي كل حين.
стр. 1077
وروى ابن حبيب عن مطرف وابن الماجشون: لا يحلف حين الصلاة إلا في الدماء واللعان، وأما في الحقوق ففي أي وقت حضر الإمام استحلفه، وقاله ابن القاسم وأصبغ).
وتخرج المخدرة فيما له بال من الحقوق إلى المسجد وتحلف فيه، والتي لا تخرج نهاراً فلتخرج ليلاً، وتحلف في اليسير في بيتها إن لم تكن ممن تخرج ويبعث إليها من يحلفها، ويجزي رجل واحد. وأم الولد مثل ذلك فيمن تخرج أو لا تخرج.
وقال محمد بن عبد الحكم: والإماء في ذلك كالحرائر أمهات الأولاد وغيرهن. قال: فإن احتاج الحاكم أن يحلف امرأة في بيتها من علة أرسل إليها رجلين عدلين أحب إلي ممن يعرفها. قال: وإن أرسل واحدًا أجزأ ذلك إن شاء الله. والعبد ومن فيه بقية رق كالحر في الأيمان.
ويحلف الحالف قائمًا مستقبل القبلة، روى ذلك ابن الماجشون. وحكى ابن حبيب أن ذلك يختص بالحلف في المساجد، وأما في غيرها فيكونون قعوداً. وحكى ابن عبدوس عن أشهب أن القيام في الأيمان إنما هو في اللعان والقسامة دون سائر الحقوق.
قال ابن القاسم: "ولا يعرف ملك اليمين عند المنبر إلا في منبر الرسول ﷺ في ربع دينار فأكثر. قال مالك: ومن أبى أن يحلف عند المنبر فهو كالناكل عن اليمين".
فرعان في صفة اليمين:
الفرع الأول: قال في الكتاب: "وشرط اليمين أنتطابق الإنكار".
وقال محمد بن عبد الحكم: إذا شهد الشاهد بإقرار المدعى عليه لم يكن للطالب أن يحلف أن عليه كذا، ولا أنه عصب كذا، ولكن يحلف بالله لقد أقر له فلان بكذا. وقال: فإن كان المدعى عليه غائبًا زاد في يمينه: إن حقه عليه لباق ولا عنده به رهن ولا وثيقة، ثم يقضي له بذلك. وإن كان ميتًا زاد، بعد قوله: ما عنده به رهن ولا وثيقة: ولا أبرأه منه، لا من شيء منه، ولا أحال به ولا شيء منه أحدًا، ولا أحتال به ولا بشيء منه على أحد وإنه عليه لثابت إلى يومه هذا، ثم يقضي له به. قال: وإن كان صاحب الحق قد مات أحلف من بلغ من ورثته على مثل ذلك مما كان هو يحلف عليه، إلا أنهم يحلفون على العلم، وليس على من لم يبلغ يمين، ويقضي لهم جميعًا بالحق.
стр. 1078
الفرع الثاني: (لو جحد البائع قبض الثمن وادعى به على المبتاع فأنكره وأراد أن يحلف: ما له عنده شيء، لم ينفعه حتى يحلف ما اشترى منه سلعة كذا، وبه قال مطرف.
وقال ابن الماجشون: إذا حلف: ما له عليه شيء من كل ما يدعيه. فقد برئ، واختاره ابن حبيب. وروي عن ابن القاسم القولان).
وقال ابن حارث: قال أحمد بن زياد.: قلت لمحمد بن إبراهيم بن عبدوس: إذا أسلف الرجل الرجل مالاً فقضاه إياه بعد ذلك بغير بينة وجحد القابض، فإن أراد أن يحلفه أنه ما أسلفه، وقال المسلف: بل أحلف ما له عندي شيء، وقال: لابد أن يحلف: ما أسلفه شيء ا، قال: قلت له: فقد اضطررتموه إلى يمين كاذبة، أو إلى غرم ما لا يجب له عليه، قال: فقال: يحلف: ما أسلفه، فإن علم باطن أمره أنه قد قضاه عني في ضميره سلفًا يجب علي رده إليك في هذا الوقت، وبرئ من الإثم في ذلك.
وأما المحلوف عليه، فيحلف الحالف على البت في كل ما ينسبه إلى نفسه من نفي أو إثبات.
ويحلف على البت، أيضًا، في الإثبات المنسوب إلى غيره. وأما في النفي، فيكفي الخلف على نفي العلم، فيقول: لا أعلم على موروثي دينًا، ولا أعلم منه إتلافًا وبيعًا.
ويحلف من ادعى عليه: أنه دفع رديئًا في النقد، ما أعطاه إلا جيادًا في علمه. ولو قال: ما أعرف الجيد من الردئ,، فقال بعض الأصحاب: يحلف: ما أعطيته رديئًا في علمي. وأما النقص، فإنما يحلف فيه على البت، على العلم.
ثم الحالف تحل له اليمين بظن غالب يحصل له من خط أبيه، أو خط نفسه، أو من يثق به، أو قرينه حال من نكول خصم، وغير ذلك، وقيل: لا يحلف إلا على ما يتيقنه. وذكر الإمام أبو عبد الله (عن بعض أشياخه) إضافة هذين القولين إلى مالك ﵁.
ثم النظرفي اليمين إلى نية القاضي وعقيدته، فلا يصح تورية الحالف ولا ينفعه قول: إن شاء الله، بحيث لا يسمع القاضي.
стр. 1079
وأمال الحلاف، فهو كل ما توجهت عليه دعوى صحيحة مشبهة. والدعاوي على مراتب:
الأولى: وهي أعلاها، ما يشهد العرف بأنها مشبهة.
والثانية: ما شهد بأنها غير مشبهة، إلا أنه لم يقض بكذبها.
والثالثة: ما قضي بكذبها.
أما الأول: فمثل أن يدعي سلعة معينة بيد رجل، أو يدعي غريب وديعة عند خير، أو يدعي مسافر أنه أودع أحد رفقته، وكالمدعي على صانه منتصب للعمل أنه دفع إليه متاعًا يصنعه والمدعي على بعض أهل الأسواق والمنتصبين للبيع والشراء أنه باع منه أو اشترى وكالرجل يذكر في مرض موته أن له دينًا قبل رجل، ويوصي أن يتقاضى منه فينكره، وما أشبه هذه المسائل. وهذه الدعوى مسموعة من مدعيها، وله أن يقيم البينة على مطابقتها، أو يستحلف المدعى عليه، ولا يحتاج في استحلافه إلى إثبات خلطة.
وأما المرتبة الثانية: وهي التي تليها، فمثل أن يدعي الرجل على رجل دينًا في ذمته، ليس داخلاً في الصور المتقدمة. وهذه الدعوى أيضًا تسمع، (ولمدعيها) أن يقيم البينة على مطابقتها، فأما استحلاف المدعى عليه فليس له ذلك إلا بإثبات خلطة بينة وبينه.
ثم النظر في الخلطة، في تفسيرها، وما تثبت به، ودليل اعتبارها.
الأول في تفسيرها: وقد اختلف أصحابنا فيه، فروى أصبغ عن ابن القاسم أنه قال: هي أن يسالفه أو يبايعه ويشتري منه مرارًا، وإن تقابضا في ذلك الثمن والسلعة وتفاصلا قبل التفرق، وقاله أصبغ. وقال سحنون: لا تكون الخلطة إلا بالبيع والشراء من الرجلين، يريد المتداعيين.
(وقال الشيخ أبو بكر: معنى ذلك أن ينظر إلى دعوى المدعي، فإن كانت تشبه أن يد
عي بمثلها على المدعى عليه أحلف له، وإن كانت مما لا تشبه وينفيها العرف لم يحلف، إلا أن يأتي المدعي بلطخ. وقال القاضي أبو الحسن: "ينظر إلى المتداعيين، فإن كان المدعى عليه يشبه أن يكون يعامل المدعي أحلف". ومنهم من قال: المسألة على ظاهرها، ولا يحلف إلا بثبوت الخلطة بينهما أو المعاملة.
فرع: وإذا لم تكن خلطة، وكان المدعى عليه متهمًا، لم يستحلف. وقال سحنون: يستحلف المتهم وإن لم (تكن) خلطة.
стр. 1080
(وثبت بإقرار الخصم بها، وبالشاهدين واليمين. وقال ابن كنانة في المجموعة: تثبت بشهادة رجل واحد، [و] امرأة واحدة. وروى عيسى عن ابن القاسم في المدنية مثل ذلك وقال محمد: لا تثبت بالشاهد بغير يمين.
وفي تحليف من قامت عليه بينة فدفعها بعداوة قولان، المشهور منهما أنه لا يحلف).
النظر الثالث: في دليل اعتبار الخلطة. والدليل على لزوم اعتبار الخلطة، حيث قلنا بلزوم اعتبارها، النص والمعنى.
أما النص، فما روى سحنون عن ابن نافع عن حسين بن عبد لله عن أبيه عن جده علي بن أبي طالب ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "البينة على من ادعى، واليمين على من أنكر" إذا كان بينهما خلطة وبإثباتها أخذ علي بن أبي طالب ﵁ والفقهاء السبعة والقاسم بن محمد وعمر بن عبد العزيز وغيرهم.
стр. 1081
وأما المعنى، فلما في ذلك من صيانة أهل الفضل والمنزلة عن البذلة وكف الأطراف عنهم.
فأما الحديث المنقول بدون الزيادة [المذكورة] في الحديث الذي استدللنا به، وإن كان هو الأشهر من حيث النقل، فإنه لم يرد لإرادة باين العموم والاستغراق لمن تجب عليه اليمين أو لخصوصه، وظهور هذا القصد فيه يمنع من التعلق بعمومه، إذ المعتمد في المفهوم من ألفاظ العموم وشبهها ما يظهر من قصد (مطلقها)، لا [مجرد] صيغة العموم، ولهذا المعنى قلنا في قوله ﷺ : "فيما سقت السماء العشر، وفيما سقي بنصح أو دالية نصف العشر": "إن المقصود منه تمييز النوعين، وتخصيص كل واحد منهم بحكم، الاستغراق في مقتضى الصيغة ولذلك لم نعمم الحكم في الجنس ولا في القدر.
فإن قال قائل: إن هذا لا يمنع من التعلق به في الجملة، فلا [يمكنه] أن يجحد ضعفه لما ذكرناه، فإذا تنزلنا على صحة التعلق به مع ضعفه خصصناه بالمعنى الجلي في صيانة الأعراض كما تقدم. ثم الحديث الذي استدللنا به يقضي (عليه)، على جميع الأحوال، بالاتفاق، لتقييده وإطلاق هذا.
وأما المرتبة الثالثة: فمثالها أن يكون رجل حائزاً لدار يتصرف فيها مدة السنين الطويلة بالبناء والهدم والإجارة والعمارة، وينسبها إلى نفسه، ويضيفها إلى ملكه، وإنسان حاضر يراه ويشاهد أفعاله فيها طول هذه المدة، هو مع ذلك لا يعارضه ولا يذكر أن له فيها حقًا، ولا مانع يمنعه مطالبته من خوف [سلطان]، أو ما أشبه ذلك من الضرر المانع من المطالبة بالحقوق، ولا بينه وبين المتصرف في الدار قرابة ولا شركة في (ميراث)، (و) ما أشبه ذلك مما يتسامح به القرابات والصهر بينهم في إضافة أخذهم أموال الشركة إلى نفسه، ولا منعته غيبة، بل كان عرياً عن ذلك أجمع، ثم جاء بعد طول هذه المدة يدعيها لنفسه ويزعم
стр. 1082
أنها له. ويريد أن يقيم بذلك، فدعواه غير مسموعة أصلاً، فضلاً عن بينته، وتبقى الدار بيد حائزها، لأن كل دعوى ينفيها العرف وتكذبها العادة مرفوضة غير مسموعة، قال الله تعالى: (وأمر بالعرف) وأوجبت الشريعة الرجوع إليه عند الاختلاف في الدعاوي كالنقد والحمولة والسير، وفي الأبنية ومعاقد القمط ووضع الجذوع على الحائط وغير ذلك، فكذلك في هذا الموضع، ولان ذلك خلاف العادات، لأن الناس لا يسكنون على ما يجري هذا المجرى من غير عذر.
فرع: إذا اعتبرنا طول المدة، فقد اختلف في تحديدها، فحدها ابن القاسم وابن وهب وابن عبد الحكم وأصبغ بعشر سنين، واستدل لهم بما ذكره سعيد بن المسيب وزيد بن أسلم أن رسول الله ﷺ قال: "من حاز شيء اعشر سنين فهو له". وقال ابن القاسم أيضًا: إن التسع والثمان وما قارب العشر مثل العشر. ولم يؤقت مالك، ورأى أن ذلك على قدر ما ينزل ويجتهد فيه الإمام، فرب حائظ يغتل ويخدم ويبني ولا يدع المالك ملكه ويتجافى عن هذا. قال: وما اغتل من ذلك أقصر مدة في الحيازة مما يحاز بالسكنى والحرث. وقال مطرف بقول ابن القاسم.
وقال ابن الماجشون بقول مالك، وكان يرى من ورث عمن حاز أقوى من موروثه ي الحيازة، إلا أن يأتي الطالب ببينة على إسكان أو إعمار أو مساقاة ونحوه فيكون أولى.
فرع: كل دعوى لا يقبل في إثباتها إلا شاهدان فلا تجب فيها اليمين بمجرد الدعوى، ولا ترد على المدعى، ولا يجب فيها شيء، وذلك مثل القتل العمد والنكاح والطلاق والعتاق والنسب والولاء والرجعة وشبه ذلك.
وأما حكم اليمين، فهو انقطاع الخصومة في الحال لا براءة الذمة، بل لملدعي بعد ذلك أن يقيم البينة ويعتذر بأنه لم يعلم بأن له بينة، أو بأنها كانت غائبة. أما إذا كان علامً بها وهي حاضرة، ففي الحكم له بها روايتان، المشهورة منها: أنه ليس له أن يقيمها ولا تسمع بعد يمين المدعى عليه. قال القاضي أبو الحسن: "وقد قال به مالك. (قال). وهو (الأحود
стр. 1083
والأصح. وبالأولى قال ابن القاسم، وبالثانية قال ابن وهب وأشهب.
الركن الرابع: النكول .
ولا يثبت الحق بمجرده، لكن ترد اليمين على المدعى إذا تم نكول المدعى عليه. ويتم نكوله بأن يقول: لا أحلف، أو أنا ناكل، أو يقول للمدعي: احلف، أو يتمادى على الامتناع من اليمين، فيحكم القاضي بنكوله. ثم حيث تم نكوله، ثم قال: أنا أحلف، ليم يقبل منه.
وينبغي أن يعرض القاضي اليمين على المطلوب ويشرح له حكم النكول. ثم المدعي إن نكل فنكوله كحلف المدعى عليه، وإن حلف استحق. ولو قال: أمهلوني، أمهل. وإن قال المدعى عليه: إن بيني وبينه حسابًا، وسأل المهلة حتى يراجع حسابه، أمهل اليومين والثلاثة، بعد إقامة كفيل بوجهه. وقال محمد بن عبد الحكم: يمهل على قدر ما يرى من ذلك.
الركن الخامس: البينة.
وقد ذكرت شروطها وصفاتها في الشهادات. والمقصود ههنا النظر في تعارض الينتين، ومهما أمكن الجمع بينهما جمع، وإن تناقضتا وأمكن الترجيح رجعنا إليه، وإن استوتا تساقطتا وبقي المدعي في يد من هو في يده مع يمينه إن كان من المتداعيين. واختلف إذا كان من غيرهما، فقيل: يبقى في يده، وقيل: يقسم بين مقيمي البينتين لأنههما قد (اتفقا) على إسقاط ملك الحائز. وروى مطرف وابن الماجشون أنه يقضي بأكثرهما عددًا عند التكافؤ في العدالة، إلا أن يكون هؤلاء كثيرًا يكتفي بهم فيما يلتمس من الاستظهار، والآخرون أكثر جدًا، فههنا لا تراعى الكثرة.
ولو أقر من هو في يده لأحدهما لتنزل إقراره منزلة اليد للمقر له حتى ترجح البينة. ولو كان في أيديهما جميعًا لقسم بينهما بعد أيمانهما.
فرع: حيث قلنا: يقسم بينهما، فإن لم يكن في أيديهما قسم على قدر الدعاوي، وإن كان في أيديهما، فاختلف أصحابنا على وجهين.
أحدهما: أنه يقسم بينهما على قدر الدعاوي أيضًا، كما لو كان خارجًا عن أيديهما.
والآخر: أنهما لا يتفاضلان بمجرد تفاضل الدعاوي، إذ سبب الاستحقاق بعد تساقط البينتين الحيازة وهما فيها سيان، بل يقسم بينهما نصفين لتساويهما فيها، إلا أن يسلم أحدهما للآخر بعد حيازته. وكذلك لو كانوا جماعة لقسم بينهم على عدد رؤوسهم، إلا أن يسلم أحدهم بعض ما تخص حيازته.
стр. 1084
فرع مرتب: إ١اقلنا بأن القسمة على قد الدعاوي إما تفريعًا على القول بذلك مطلقًا وإما لأن المدعى خارج عن أيدي المتداعيين. فقد اختلف في كيفية ذلك. فروى ابن حبيب عن مالك: أن المدعى به يقسم جميعه على قدر الدعاوي، وإن اختلفت الحصص المدعى بها كعول الفرائض. وبه قال مطرف وابن كنانة وابن وهب وأشهب وأصبغ.
وقال ابن القاسم وابن الماجشون: إن اختلفت الدعوى فإنما يقسم ما اشتركوا في الدعوى فيه، فيقسم بينهم على السواء، أما ما اختص بالدعوى به بعضهم فلا يقاسمه فيه من اختص عنه بدعواه.
ثم اختلف في اعتبار الاختصاص على طريقتين، يأتي بيان كل طريق منهما وفائدته في أثناء التمثيل، وذلك في صورتين.
مثال الصورة الأولى: إذا تداعى رجلان في شيء، فادعى أحدهما جميعه، وادعى الآخر نصفه، وأقاما بينتين متكافئتين، فعلى قول مالك ومن وافقه (عليه): يقسم المدعى بينهما على ثلاثة أسهم، لمدعي الكل سهمان، ولمدعي النصف سهم واحد. وعلى قول ابن القاسم وابن الماجشون: يقسم بينهما على أربعة أسهم، لمدعي الكل ثلاثة أسهم، ولمدعي النصف سهم واحد، لأن مدعي النصف قد سلم لمدعي الكل النصف، وبقي النزاع بينهما في النصف الآخر فيقسم بينهما نصفين.
ومثلا الصورة الثانية: إذا كانوا ثلاثة [وادعى أحدهم الجميع، وادعى الآخر النصف] وادعى الثالث الثلث، فعلى قول مالك: يقسم بينهم على أحد عشر سهمًا، لمدعي الكل ستة أسهم، ولمدعي النصف ثلاثة، ولمدعي الثلث سهمان، وذلك على ما تقدم من التشبيه بعول الفرائض.
وعلى قول ابن القاسم وابن الماجشون: تنقسم من إثنى عشر، وتصح من ستة وثلاثين على إحدى الطريقتين.
وبيان ذل ك: أن مدعي الكل قد سلم له النصف على هذا الطريق إذ لا ينازعه فيه أحد من صاحبيه، وسلم مدعي الثلث السدس، وهو الثلث من النصف الآخر وهو متنازع فيه بين مدعي الكل ومدعي النصف فيقتسمانه بينهما نصفين، ويبقى الثلث يقتسمونه كلهم، فيخص مدعي الكل النصف ستة أسهم، ونصف السدس سهم، وثلث الثلث سهم وثلث، تكون الجملة ثمانية أسهم وثلث سهم، ويخص مدعي النصف نصف السدس سهم وثلث، الثلث سهم وثلث تكون الجملة سهمين وثلث سهم، ولا يخص مدعي الثلث سوى ثلث سهم، فيضرب أصل
стр. 1085
المسألة في مخرج الكسر تبلغ ستة وثلاثين كما تقدم.
وأما على الطريق الثاني، فتقسم من أربعة وعشرين سهماً، ومنها تصح، وبيان ذلك أن مدعي الكل إنما سلم له على هذا الطريق السدس لا غير، إذ لا ينازع فيه بوجه، وذلك أربعة أسهم من أربعة وعشرين سهمًا تبقى عشرون، مدعي الكل يدعيها وصاحباه يدعيانها، فتقسم بينه وبينهما نصفين، له نصفها عشرة أسهم يصير له أربعة عشر سهمًا، وتبقى لهما عشرة أسهم، مدعي الثلث يسلم منها سهمين، لزيادتهما على الثلث، يأخذهما مدعي النصف، ثم يقتسمان الثلث الباقي بينهما نصفين، فيحصل لمدعي النصف ستة أسهم، ولمدعي الثلث أربعة، ف هذا فرق بين الطريقتين وثمرته.
أما إذا وجد الترجيح فمداركه أربعة:
المدرك الأول: زيادة المزية في العدالة دون زيادة العدد، على الرواية المشهورة.
المدرك الثاني: قوة الحجة، قال أشهب: يقدم الشاهدان على الشاهد واليمين، وعلى الشاهد والمرأتين، إن استووا في العدالة. وقال ابن القاسم: لا يقدمان. قال: ولو كان الشاهد أعدل من كل واحد منهما لحكم به مع اليمين، وقدم على الشاهدين. وفي العتبية من رواية أصبغ عنه تقديم الشاهدين. وأخذ أصبغ بقوله الأول.
وقال مطرف وابن الماجشون: لا يقدم، وإن كان أعدل أهل زمانه.
ولو اقترنت اليد بالحجة الضعيفة لم تعتبر اليد، وقد بينا أن زيادة العدد في الشهادة لا تؤثر في الترجيح، على مشهور العدالة بخلاف الرواية.
فرع: إذا قدمنا الأعدل، فلو كانت البينة من الجانبين مقبولة بالتعديل، فهل ينظر إلى كون المعدلين في أحد الجانبين أظهر عدالة، أو أعرف بوجوهها من المعدلين في الجانب الآخر أم لا؟ لم يعتبر ذلك ابن القاسم وابن الماجشون، واعتبره مطرف، وروى نحوه.
المدرك الثالث: اليد، فتقدم بينة الداخل على بينة الخارج، عند التكافؤ، مع يمينه على الرواية المشهورة لو ترجحت بينة الخارج لقدمت مع يمينه على الخلاف أيضًا.
وذهب عبد الملك إلى أن الحائز لا ينتفع ببينته، وأن بينة المدعي أولى لتخصيص البينة به في الحديث.
فرعان:
الفرع الأول: إذا قامت (البينة) على الداخل فادعى الشراء من المدعي، أو ثبت
стр. 1086
الدين، فادعى الإبراء، فإن كانت البينة حاضرة سمعت قبل إزالة اليد وتوفية الدين، وإن كانت غائبة غيبة قريبة أمهل (ليأتي) (بها)، وإن كانت بعيدة طولب ف يالوقت بالتسليم، ثم إذا أقام البينة استرد.
الفرع الثاني: من أقر لغيره بملك، ثم عاد إلى الدعوى لم تقبل منه دعواه حتى يدعي تلقي الملك من المقر له.
المدرك الرابع: استمال إحدى البينتين على زيادة تاريخ أو سبب ملك. فإذا شهدت بينة أنه ملكه منذ سنة والأخرى منذ أكثر من ذلك قدم السابق. وإن كانت إحداهما مطلقة والأخرى مؤرخة، قدمت المؤرخة على المطلقة. وحكى أبو الحسن اللخمي فيها خلافًا.
ولو كانت إحداهما مطلقة والأخرى مضافة إلى سبب من نتاج أو زراعة أو غيره لقدمت المضاف إلى السبب.
فروع:
الفرع الأول: لو شهدت البينة بملكه بالأمس، ولم تتعرض للحال، لم تسمع حتى يقول في الشهادة: إنه لم يخرج عن ملكه في علمهم. ولو شهدت أنه أقر له بالأمس ثبت الإقرار ويستصحب موجبه.
ولو قال المدعى عليه: كان ملكك بالأمس، نزع من يده، لأنه يخبر عن تحقيق فيستصحب. كما لوا قال الشاهد: هو ملكه بالأمس، أو اشتراه من المدعى عليه بالأمس.
ولو شهد على أنه كان في يد المدعي بالأمس لم يأخذه بذلك حتى تشهد البينة أنه ملكه. ولو شهدوا أنه انتزعه منه أو غصبه أو غلبه عليه هذا، فالشهادة على هذا جائزة، ويجعل المدعي صاحب اليد.
الفرع الثاني: لو شهدت بينة أحدهما بالملك وبينة الآخر بالحوز، قضي لمن شهد له بالملك، ولو كان تاريخ الحوز متقدمًا.
الفرع الثالث: إذا ادعى ملكًا مطلقاً، فذكر الشاهد الملك والسبب لم يضر.
الفرع الرابع: ابن مسلم وآخر نصراني، ادعى المسلم أن أباه أسلم ثم فالقول قول النصراني، والمقدمة بينة المسلم إن تعارضتنا لأن الناقلة أولى من المستصحبة. وكذلك لو ادعى الابن الإرث في دار، وادعت زوجة أبيه أن أباه أصدها إياها أو باعها لها قدمت بينتها.
стр. 1087
ولو شهدت بينة النصراني أنه نطق بالتنصير ومات عقيب ذلك، فهما متعارضتان. ولو كان الميت مجهول الدين، فادعى كل واحد أنه ما مات على دينه، فلا ترجيح لبينة المسلم. وقيل: ترجح. وإن لم تكن بينة، فليست دعوى أحدهما بأولى من دعوى الآخر بالتصديق، فيجعل كأن المال في أيديهما فيقسم بينهما. ولو كان في يد أحدهما لم يخص في التصديق بعد إقراره بأنه من جهة الإرث. ولو كان عوض الاثنين جماعة واختلفت الدعوة منهم وقلنا بالقسم بينهم، قسم المال عليهم نصفين وإن تفاوتت أعدادهم، بل لو كان في إحدى الجهتين جماعة وفي الأخرى واحد، لكان لهم النصف وله النصف، لأن استحقاق من في إحدى الجهتين كاستحقاق من في الجهة الأخرى على حد سواء. فإن كان مع الولدين المتداعيين في دين أبيهما طفل، فقال سحنون: "يحلفان ويوقف ثلث ما بيد كل واحد منهما حتى يكبر الصغير فيدعي دعوى أحدهما فيأخذ ما أوقف من سهمه، ويرد إلى الآخر ما أوقف له من سهمه".
وقال أصبغ في التعبية: "كلامها مقر للصغير، فله لنصف، ويجبر على الإسلام، ولهذين جميعًا النصف بينهما. قال سحنون: " فإن مات قبل أن يبلغ حلفًا واقتسما ميراثه، وإن مات أحدهما قبل بلوغه وله ورثة يعرفون فهم أحق بميراثه وإلا ترك، فإذا كبر الصبي وادعاه كان له".
الفرع الخامس: إذا مات النصراني في رمضان، وادعى أحد ابنيه أنه أسلم في شوال فيرثه، وقال الآخر: له بل أسلمت في شعبان فلا ترثه، فبينة النصراني أولى لأنها ناقلة، والقول قول المسلم إذا لم تكن بينة، لأن الأصل بقاء الكفر.
ولو اتفقا على أن أباهما مات مسلمًا وأن أحدهما كان حينئذ مسلمًا، وادعى الآخر أنه كان أيضًا مسلمًا قبل موت أبيه وناكره أخوه في ذلك فعلى المدعي البينة، لإنكار أخيه ما ادعاه من تغيير الأصل، ويرث المتفق على إسلامه والله أعلم ..
стр. 1088
كتاب الجراح
الدماء خطيرة القدر في الدين، عظيمة الحرمة عند الله تعالى، وأدلة الشريعة من الكتاب ولاسنة والإجماع (مطابقة) على أن القتل كبيرة فاحشة موجبة للعقوبة في الدنيا والآخرة.
وموجباتها في الدنيا خمسة: القصاص، والدية، والكفارة، والتعزير، والقيمة.
و النظر في القصاص في [النفوس] والأطراف . ومن النفس في الموجب والواجب والموجب للقصاص له ثلاثة أركان.
الركن الأول: القتل.
وهو كل فعل عمد محض عدوان من حيث كونه مزهقًا للروح. والنظر في أطراف.
الأول: في العمد المحض.
والخطأ: ما لا قصد فيه إلى الفعل، كما لو سقط على غير فقتله، أو ما لا قصد فيه إلى الشخص، كما لو رمى إلى صيد فأصاب إنسانًا. والعمد: ما خلف الخطأ، وهو الذي قصد به إتلاف نفس الشخص، وكان ما قصد به مما يقتل مثله من محدد أو مثقل، أو بإصابة المقاتل كعصر الإنثيين، وشدة الضغط، أو بأن يهدم عليه بيتًا، أو يضربه بحجر عظيم، أو بخشبة لها حد أو لا حد لها، أو يصرعه، أو يجر برجله على غير اللعب، أو يغرقه في الماء أو يحرقه بالنار، أو يخنقه، أو يطبق عليه بيتًا، أو يمنعه الطعام والشراب حتى يموت جوعًا. فأما إن لطمه أو وكزه فمات، فيتخرج على الروايتين في نفس شبه العمد وإثباته، فعلى رواية النفي هو عمد يجب فيه القصاص وهو مذهب الكتاب. وعلى الرواية الأخرى في إثباته يكون الواجب
стр. 1089
فيه الدية دون القود ولو قتله بالسحر واعتراف بذلك لقتل.
الطرف الثاني: في بيان المزهق، وهو نوعان، تسبب ومباشرة.
فالتسبب كحفر البئر حيث لا يؤذن له فيه، قصد الإهلاك به، وكالإكراه وشهادة الزور في القصاص على إحدى الرواتين، وتقديم الطعام المسموم إلى الضيق، وحفر بئر في الدهليز وتغطية رأسه عند دخول الداخل، وكذلك لو حفره ليقع فيه لص فوقع فيه فهلك.
وأما المباشرة فما يقتضي الموت، إما بغير واسطة كحز الرقبة، وإما بواسطة كالجراحات المقتضية للموت، أو ما يقوم مقامها في اقتضائه كالخنق والرض والتحريق والتغريق وشبه ذلك.
الطرف الثالث: في اجتماع السبب مع المباشرة، وذلك على مراتب.
الأولى: أن يغلب السبب على المباشرة، وذلك ظاهر إذا لم تكن المباشرة عدوانًا، كمن حفر بئراً على طريق رجل أعمى، وليس فيها غيره ولا طريق أخرى له، فوقع فيها فمات، أو طرح رجلاً مع سبع في مكان ضيق، أو أمسكه على ثعبان مهلك، أو فعل ما قدمناه من تقديم الطعام المسموم، أو تغطية رأس البئر. واتفقت الرواية على تغليب السبب أيضًا في شهود القصاص إذا رجعوا بعد الاستيفاء، واختلف هل تأثيره في إيجاب القود أو العقل على روايتي أشهب وابن القاسم، هذا (إذا) كان الولي غير عالم بتزوير البينة، فأما لو علم بذلك وبأن الحاكم علم بذلك وحكم مع علمه بتزويرهم لكان الولي معهم كالشريك لاعتدال السبب والمباشرة ولحقت هذه الصورة بالمرتبة الثالثة. وقال مالك فيمن حفر بئرًا للص ليهلك فيها فهلك فيها، أو حفرها في طريق المسلمين، أو وضع (فيها) سفًا أو سكينًا أو شيء ايطلب به هلاكهم فهلك فيها أحدهم: فإنه يقتل به.
قال البغداديون: من أصحابنا: أو طرح قشور البطيخ في طريق المسلمين قصدًا لإهلاكهم فهلك بها بعضهم، فإنه يقتل به.
قال بعض الأصحاب: ولو كان إنما فعل حيث يجوز له فعله، أو لم يقصد بذلك أذية أحد، لم يجب عليه قصاص.
стр. 1090
فأما قول مالك في المجموعة وكتاب محمد فيمن حفر بئراً على الطريقين أو ربط فيها دابة مما لا يجوز له: إنه ضامن لما أصاب في ذلك، وجعله فيه الدية دون القصاص، فلأنه لم يفعله لقتل أحد.
وكذلك قوله: لو حفر بئرًا أو سربًا للماء، مما يعمل مثله للماء، في أرضه أو داره، فعطب به إنسان فمات فلا يضمن، إنما قال ذلك لأنه فعله في ملكه.
وكذلك رواية ابن وهب عن مالك فيمن حدد قصبًا أو عيدانًا فجعلها في باب الجنان والثغرة لتدخل في رجل الداخل إلى حائطه، من سارق أو غيره، إنه يضمن ما أصاب فيه، فجعل فيه الدية دون القود، لأنه فعله في ملكه. وكذلك قوله: لو اتخذ فيه كلبًا عقوراً لكان ضامنًا لما أصاب.
وكطذلك قول أشهب فيمن احتفر بئراً في داره أو أرضه ليسقط فيها إما سارق أو طارق، أ, عدو، فإنه يضمن من أصيب فيه من هؤلاء وغيرهم. قال: وكذلك من جعل على حائطه شركًا، أو تحت عتبته مسامير ليصيب فيها من دخل، فهو ضامن لما أصاب بذلك.
وإلى ما ذكرناه أشار الأستاذ أبو بكر فقال عقب ذكره لهذه المسائل: ليس هذا بخلاف لما تقدم من كلام العراقيين لأنه دائر بين من عمل ذلك في محله، وبين من لم يعمل في محله، ولا قصد قتل إنسان.
(واختلف في الإشارة بالسيف، فقال محمد: من أشار على رجل بالسيف وكانت
следующие страницы →