← Фикх малики

Фикх малики · id 14594

عقد الجواهر الثمينة في مذهب عالم المدينة

ابن شاس

Полный текст (1 311 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

ولو كان مسبوقا، ففي رده على الإمام ومن على يساره روايتان. خاتمة: يجب قضاء الفوائت على حسب ما توجه الخطاب بها حين الأداء، والترتيب في قضاء اليسير منها واجب، فتقدم على الوقتية، وإن ضاق وقت الأداء أو فات. وقال ابن وهب: يبدأ بالوقتية عند خوف فوات وقتها، وروي عن أشهب: أنه يتخير بينهما، ومستند المشهور الحديث الصحيح، أن رسول الله ﷺ يوم الخندق بدأ بصلاة العصر بعدما غربت الشمس، ثم صلى بعدها المغرب، خرجه مسلم في صحيحه. [ويرتب] الفوائت كما [يرتب] الحاضرة معها. فرع: لو خالف الترتيب، وبدأ بالحاضرة ذاكرا لفائتة يجب ترتيبها، فقيل: يعيد الحاضرة بعد قضاء الفائتة ما دام في وقتها، وروى مطرف وابن الماجشون: أنه يعيد أبدا. وسبب الخلاف: هل الترتيب شرط أم لا؟ ثم اليسير منها الخمس فدون، وقيل: الأربع فقط، ولم يختلف المذهب في الست أنها كثيرة. وذلك يقتضي نفي وجوب ترتيبها، ولكن حكى عن محمد بن مسلمة أنه يقدم المنسيات وإن كثرت، إذا كان يأتي بجميعها مرة واحدة. ومن تذكر فائتة من وقتية يجب ترتيبها معها، فهل تفسد الوقتية بذلك أم؟ قولان، سببهما ما تقدم من الخلاف في اشتراط الترتيب. وثمرتها: وجوب القطع واستحبابه. وهو مأمور على المذهبين بأن يقطع ويبتدئ الفاتئة فيتمها، ثم يشتغل بالمؤداة إن كان

стр. 107

منفردا، ولم يعقد الركعة، وقيل: يتمها ركعتين نافلة، كما لو عقد الركعة. وإن كان إماما أمر أن يقطع. وهل يسري ذلك لصلاة المأمومين؟ روى ابن القاسم أنه يسري ولا يستخلف، وروى أشهب أنه لا يسري (ويستخلف) من يتم بهم، وتصح صلاتهم. وسبب الخلاف: مراعاة الخلاف. وإن كان مأموما تمادى مع إمامه، ولم يقطع. ثم يختلف في وجوب الإعادة عليه. ولو كان في الجمعة، فقال أشهب: إن علم أنه يدرك ركعة من الجمعة بعد قضاء المنسية، فأحب إلي أن يقطع ويقضي، ثم يعود إلى الجمعة، وإن لم يعلم ذلك تمادى. فإذا أكمل الجمعة صلى المنسية خاصة، ولا إعادة عليه في الجمعة إلا احتياطا، لأنها قد فاتت. وقال الشيخ أبو الحسن: مذهب مالك اتباع الإمام، فإذا فرغ صلى التي نسي وأعاد الجمعة ظهرا. قال ابن القاسم: " وإن لم يذكر التي نسى حتى فرغ من الجمعة، لم تكن عليه إعادتها ". قال سحنون: آخر قوله أنه يعيدها في الوقت، ولعيه أكثر الرواة. ولو ذكرها بعد الصلاة الوقتية، صلى المنسية، ثم أعاد الوقتية ما لم يذهب وقتها. وهل الاختياري أو الضروري؟ فيه قولان، سببهما الموازنة بين فضيلة الترتيب، وكراهية إيقاع الصلاة بعد الاصفرار، هذا حكم الفائتة مع الوقتية. فأما حكم الترتيب بين الفوائت، فالمعتبر فيه تحصيل اليقين ببراءة الذمة. والنظر في تحصيل عدد أحوال الشكوك فيها، فيوقع من الصلوات أعدادا على رتب ما [يحيط] بجميع حالات الشكوك. فمن ذلك، من نسي صلاة من الخمس لا يدري ما هي، فإنه يأتي بهن كلهم ليستوفي جميع أحوال الشك. وأما إن علم عين الصلاة، وجهل يومها، فإنه يصليها غير ملتفت لأعيان الأيام، فإن علم أعيان الأيام، وجهل ترتيبها، فالمذهب على قولين، المشهور أنه لا يراعى اختلاف الأيام. وحكى ابن سحنون عن بعض الأصحاب ما يقتضي مراعاتها، مثاله: من نسي ظهرا وعصرا، لا

стр. 108

يدري الظهر للسبت، والعصر للأحد، أو العصر للسبت، والظهر للأحد، فعلى المشهور يصلي ظهرا بين عصرين، أو عصرا بين ظهرين. وعلى القول الآخر: يصلي ظهرا للسبت، ثم عصرا للأحد، ثم عصرا للسبت، ثم ظهرا للأحد. ولو تحقق عين الصلاة وشك في كونها سفرية أو حضرية، فإنه يصليها تامة، ثم يصليها سفرية، لتستوعب الصلاتان حال الشكين. ولو نسي ظهرا وعصرا، لا يدري أيتهما قبل الأخرى، فقد تقدم أنه يصلي ظهرا بين عصرين، أو عصرا بين ظهرين، على المشهور للإحاطة بجميع حالات الشكوك. فلو انضاف إلى هذا الشك، أن يشك، بعد علمه أن إحداهما سفرية والأخرى حضرية، في السفرية منهما، حتى صار الشك في [حالتي] الرتبة والقصر، فاختلفت أجوبة الأصحاب فيها. قال الإمام أبو عبد الله: " والصحيح ما نقل سحنون عن ابن القاسم أنه رجع إليه، ونقله ابن حبيب عن أصبغ، وهو أن يصلي ست صلوات ظهرا تامة، ثم يعيدها مقصورة، ثم عصرا تامة، ثم يعيدها مقصورة، ثم ظهرا تامة، ثم يعيدها مقصورة "، والقانون المرجوع إليه في جواب ما يرد من هذه المسائل، أن يضرب عدد المنسيات في أقل منها بواحد، ثم يزيد على المتحصل واحدا، ثم يصليها على حسب ما تقدم. مثاله في المسألة السابقة: أن يضرب اثنين في واحد، ويزيد واحدا، فتكون ثلاثة ظهرا بين عصرين أو عصرا بين ظهرين. ولو شك مع ذلك في كونهما سفريتين أو حضريتين، أو سفرية وحضرية، فليفعل ما ذكرناه، إلا أن كل صلاة فرغ من فعلها حضرية أعادها سفرية. وإن كان المنسي ثلاث صلوات صبحا وظهرا وعصرا من ثلاثة أيام، لا يدري أيهما قبل، فليضرب ثلاثة في اثنين ويزيد واحدة، فتكون سبعا، فإذا ابتدأ (بالصبح) فكمل الثلاث أعدها، ثم أعاد الصبح، فإن انضاف إلى ذلك الشك في كونها حضرية أو سرية، أو منها حضرية وسفرية، فيعيد كل صلاة تقصر صلاة سفر، فإذا صلى الظهر حضرية أعادها سفرية، وكذلك العصر، ثم يعيدهما كذلك في تكريرهما، فبلغ العدد إحدى عشر، فإن كان المنسي أربعا، فثلاث عشرة صلاة. وإن شك مع ذلك في السفر والحضر، زاد مع كل صلاة حضرية تقصر صلاة سفرية، وإن

стр. 109

كانت المنسية خمسا، صلى إحدى وعشرين، ومع الشك في السفر والحضر تبلغ نيفا وثلاثين، هذا على المشهور. ولو فرعنا على اعتبار الأيام، لم تختص الإعادة بما يقصر، بل يعيد الجميع، فيتضاعف العدد الذي ينتهي إليه الحساب أبدا. ومن هذا الباب، أن ينسى صلاة وثانيتها، ولا يدري ما هما، فإنه يصلي الخمس على رتبتها، ثم يعيد ما ابتدأ به. ولو نسي صلاة وثالثتهما، صلى ستا أيضا، لكن أي صلاة بدأ (بها) عقبها بثالثتها، ثم بثالثة الثالثة، ثم كذلك حتى يكمل ستا، وكمالها بإعادة الأولى. ولو نسي صلاة ورابعتها، ولم يزد على الست، لكن أي صلاة بدأ بها عقبها برابعتها، ثم برابعة الرابعة، ثم كذلك حتى يكمل الست بإعادة الأولى. ولو نسيها وخامستها، لم يزد على الست أيضا، لكن أي صلاة بدأ بها عقبها بخامستها، ثم بخامسة الخامسة، ثم يتمادى على ذلك حتى يكمل الست بإعادة الأولى. ولو كان إنما نسي صلاة وسادستها، أو حادية عشرة لها، أو سادسة عشرة لها، فليصل عشر صلوات، يصلي كل واحدة من الخمس ويعيدها، فيصلي ظهرين وعصرين ومغربين وعشاءين وصبحين؛ لأن السادسة والحادية عشرة والسادسة عشرة هن الأولى بعينها، فكانتا صلاتين متماثلتين من يومين فعليه صلاة يومين. قال الإمام أبو عبد الله: " وهذا إذا أحكم وتدبر تصوره في الذهن لم يصعب، وفرع عليه الناظر ما شاء ". قال: " (وكدا) الفهم فيه يكسب انتباها (وتيقظا) فيما سواه من المعاني الفقهية. الباب الخامس: في شروط الصلاة وهي خمسة: الأول: الطهارة عن الحدث، فهي شرط في الابتداء والدوام، حتى لو أحدث في الصلاة عمدا أو سهوا بطلت، وكذلك لو سبقه الحدث.

стр. 110

الشرط الثاني: طهارة الخبث في الثوب والبدن والمكان، وقد تقدم الخلاف في أنها واجبة مع الذكر، أو مع الذكر والنسيان، أو هي سنة. وإذا قلنا بالوجوب، ففي كونها شرطا في صحة الصلاة خلاف. ثم إذا قلنا بالشرطية، فهل على الإطلاق أو مع الذكر؟ قولان القاضيين أبي الحسن وأبي محمد. ثم النظر فيما يطهر عن النجاسة، وهو الثوب والبدن والمكان. (أما الثوب، فإن أصاب أحد ثوبيه نجاسة ولم يميزه، تحرى، فما غلب على ظنه أنه الطاهر منهما صلى به، وقيل: أنه يصلي بكل واحدة صلاة. قال القاضي أبو بكر: " والصحيح الأول ". ولو أصاب بعض ثوبه نجاسة، ولم يعلم موضعها، لم يجز التحري، وغسل جميعه بخلاف الثوبين؛ لأن أصلهما الطهارة، فيستند اجتهاده إليها، والأصل في الواحد النجاسة بعد الإصابة. ولو قسم هذا الثوب نصفين، لم يجز التحري أيضا، لجواز أن تنقسم النجاسة فيهما). ولو تحقق أن النجاسة أصابت أحد الكمين، فقال القاضي أبي بكر: " يجوز الاجتهاد كالثوبين باختلاف بين العلماء "، ثم قال: " فإن فصلهما جاز الاجتهاد إجماعا ". ولو كان طرف عمامته على نجاسة، فرأى أبو محمد عبد الحق: " أن المراعى في ذلك تحرك موضع النجاسة، فإن تحرك بحركته، فهو كالمصلي وفي بعض ثيابه نجاسة، وإن لم يتحرك فليس كذلك ". وفي السليمانية: يعيد في الوقت، وإن كانت العمامة طويلة، وعلل بأنه صلى والنجاسة متعلقة به؛ إذ لو اضطره (أمر) فتنحى عن المكان الذي يصلي فيه، جر النجاسة متعه. فرع: إذا رأى المصلي في ثوبه نجاسة، يؤمر بإزالتها، فقال في الكتاب: " ينزعه ويستأنف

стр. 111

الصلاة من أولها بإقامة جديدة، ولا يبنى على شيء مما مضى ". وقال ابن الماجشون: ينزعه إذا أمكنه ويتمادى، وإن لم يمكنه تمادى، ثم نزعه وأعاد. وقال مطرف: يقطع إلا أن يمكنه النزع، فينزعه ويتمادى. ولو كان رآها قبل الصلاة، فترك إزالتها إلى وقت الصلاة، فلما كان وقت الصلاة نسي إزالتها فصلى بها، فحكى القاضي أبو بكر عن بعض العلماء: " أن عليه الإعادة، لأنه فرط، ثم استضعفه، واستشهد بتعلق الوجوب بوقت الصلاة دون ما قبله ". قال القاضي أبو بكر: " فإن رآها في أثناء الصلاة، فلما هم بالانصراف نسي فتمادى أعاد أبدا، قاله ابن حبيب، ووجهه أن الصلاة برؤية النجاسة انتقضت "، قال: " وعندي أنها لم تنتقض، إذ لو انتقضت لما عادت بطرحه، وإنما وجب عليه إزالتها، ونسيانه آخرا كنسيانه أولا "، قال: " وإنما ذلك بناء على أحد القولين في (المدونة) ". ولو سال جرحه في الصلاة، أو نكأ قرحته فيها فسالت، فقال القاضي أبو بكر: " إن كان يسرا فلته ومضى، وإن كان كثيرا ففيه قولان: أحدهما يقطع، والثاني يغسله ويتمادى "، قال: " والأول أقيس وأجزى ". وأما البدن، فقد تقدم أن تطهيره بالغسل إن تحققت نجاسته، وإن شك فيها اجتزى بالنضح على المشهور. فلو جعل في جرحه المرتك الذي يصنع من عظام الميتة أو غيره نم النجاسات، فلا يصلي به حتى يغسل. ورخص ابن الماجشون في ترك غسله، وأجاز الصلاة. وأما المكان، فليكن كل ما يماس بدنه عند القيام والجلوس والسجود طاهرا، فلو صلى على حصر أو نحوه مما ينتقل وطرفه متصل بنجاسة، ففي إنزالها منزلة المتصلة ببدنه قولان للمتأخرين، واختيار عبد الحق أنها لا تنزل منزلتها. ومما يتصل بمكان الصلاة نهيه ﷺ عن الصلاة في سبعة مواطن: المزبلة، والمجزرة،

стр. 112

وقارعة الطريق، وبطن الوادي، والحمام، وظهر الكعبة، وأعطان الإبل وهو مجتمعها عند الصدر من المنهل. واختلف في علة ذلك، فقيل: كونها لا يؤمن نفارها، وقيل: زفورتها، وقيل: كونها يستتر بها في العادة عند قضاء الحاجة، وقيل: كونها خلقت من جان. هذا حكم النجاسات التي لا عذر في استصحابها. أما مظان الأعذار فخمس: الأولى: الأثر على محل النجو بعد الاستجمار، فلو صلى من استجمر في ثوب فعرق فيه، فأصاب موضع الاستنجاء، جرى على الخلاف بين القاضيين أبي الحسن وأبي الوليد، كما تقدم. الثانية: يعفى من طين الشوارع عما يتعذر الاحتراز عنه غالبا، وكذا ما على الخف في حق المصلي معه، كما سبق في كتاب الطهارة. الثالثة: دم البراغيث معفو عنه، (إلا إذا كثر كثرة) يندر وقوعها، ويختلف ذلك بالأوقات والأماكن. الرابعة: دم البثرات وقيحها وصديدها، وقد تقدم أنه معفو عنه في حق من وجد منه، فإن أصابه من بدن غيره، ففي العفو عنه قولان. الخامسة: الجاهل بنجاسة ثوبه، يجري حكمه في القضاء على الخلاف المتقدم، وكذلك المتعمد. فرع: ويلتحق بذلك ما لو رعف في الصلاة، وكان الدم بحيث يعلم أنه لا ينقطع، فإنه يتم الصلاة على حاله، وله الإيماء بالركوع والسجود، وإن كان ركوعه وسجوده يضر بجسمه. وإن كان إنما يضر به من جهة تلطخ ثيابه بالدم، ففي جواز الإيماء له من أجل ذلك قولان. وإن كان يرجو انقطاعه أو يشك فيه، فليفتله بأصابعه، ويمضي على صلاته إن كان لا يقصر ولا يسيل، وإن قطر أو سال، فإن تلطخ به الكثير من جسده أو ثيابه قطع الصلاة، وإن لم يتطلخ به ذلك، فها هنا الأولى له أن يقطع، فإن أحب التمادي على صلاته بأن يخرج فيغسل

стр. 113

الدم عنه، ثم يعود إلى الصلاة، فله الترخص بذلك إن كان في جماعة وعقد الركعة، وإن كان فذا ولم يعقد ركعة، فظاهر الكتاب أن له البناء أيضا، وقيل: ليس له ذلك. وسب الخلاف: الاختلاف في أن البناء لحرمة الصلاة أو لحرمة الجماعة. وإذا فرعنا على المشهور فخرج وقد (عمل) بعض أجزاء الركعة، إما القراءة خاصة أو القراءة والركوع وسجدة واحدة، فإنه يلغي ذلك ويستأنف عمله إذا عاد. وقال ابن الماجشون وابن حبيب: يبني على ما عمل من الركعة. (وروى ابن وهب) الجنوح إلى مثله، وأنه لو فعله الراعف لأجزأه. ثم كيفية البناء أن يخرج ممسكا لأنفه، غر متكلم، ولا ماش على نجاسة، فيغسل الدم في أقرب المواضع، فإن تكلم عمدا، أبطل الصلاة، وإن تكلم سهوا ففي البطلان ثلاثة أقوال، في الثالث [تبطل] بالكلام في العودة دون المضي لغسل الدم، لضعف استدامة حكم الصلاة في حق الذاهب، وقوة استدامة حكمها في حق العائد لإقباله عليها. وإن مشى على نجاسة، كان كالمتكلم على ما فصلناه. وإن تعدى مكانا تمكن من غسل الدم فيه إلى أبعد منه، بطلت صلاته. وإذا فرغ من غل الدم على الشرائط المذكورة، رجع إلى الإمام، فأتم الصلاة معه. وإن كان الإمام قد فرغ في غير الجمعة، أتم مكانه، أو في أقرب موضع يصلح للصلاة. فإن كانت الجمعة، وكان [قد] عقد الإمام ركعة رجع أيضا إلى الجامع، فأتم به؛ إذ هو شرط الجمعة، وقيل: يتم بموضعه، وقيل: إن حال بينه وبين العودة حائل، أجزأته الصلاة في موضع غسل الدم، وإن لم يحل بينه وبين الجامع حائل، رجع إليه. وإن كان لم يتم مع الإمام ركعة، ففي الكتاب: " يبتدئ الظهر أربعا "، قال سحنون: يبني على إحرامه، وروي أيضا أنه يقطع، ويبتدي بإقامة. وقال أشهب: ويستحب أن يتكلم ويبتدئ، وإن بنى على إحرامه أجزأه، فإن كان سجد سجدة، فسجد أخرى وصلى ثلاثا أجزأه. وحكم الظن في إكمال الإمام وعدم إكماله، حكم العلم، وإن أخطأ في ظنه عذر.

стр. 114

الشرط الثالث: ستر العورة، والنظر في حدها، وحكم سترها، وصفة الساتر. النظر الأول: في حدها، والمكلفون صنفان: رجال ونساء. والنساء قسمان: حرائر وإماء. فأما الصنف الأول: (فأجمعت) الأمة على أن السوءتين منهم عورة، واختلفوا فيما عد ذلك. وفي المذهب ثلاثة أقوال: أحدها: أن لا عورة إلا السوءتان، الثاني: أن العورة من السرة إلى الركبة، وهما داخلتان في ذلك، والثالث: هذا التحديد، لكنهما غير داخلتين. وروى القاضي أبو الفرج ما ظاهره إيجاب ستر جميع بدن الرجل في الصلاة. وأما القسم الأول من الصنف الثاني، فجميع أبدانهن عورة، إلا الوجه والكفين. وأما القسم الثاني، فعورتهن كعورة الرجل. وقال في الكتاب في الأمة الكبيرة تصلي بغير قناع، قال: " ذلك سنتها، وكذلك المكاتبة والمدبرة والمعتق بعضها "، قال: " ولا تصلي الأمة إلا وعلى جسدها ثوب تستر به جسدها ". وقال في السراري اللاتي لم يلدن: " هن إماء، يصلين كما تصلي الأمة التي لم يتسررها سيدها ". وأما أمهات الأولاد، فإنهن يصلين كالحرة بقناع ودرع أو قرقل يستر ظهور القدمين. فإن صلت أم الولد بغر قناع، فأحب إلي أن تعيد ما دامت في الوقت، وليس ذلك بواجب عليها كوجوبه على الحرائر ". فرع: (إذا افتتحت الأمة الصلاة بما لا يجزي الحرة من اللباس، فطرأ عليها العلم بالعتق في أثنائها، فإن كان سابقا لافتتاحها، فقيل: تقطع، وقيل: تتمادى. وإن كان طروء العتق في أثناء الصلاة، فإن قلنا في الصورة أولى: تتمادى، فها هنا أولى

стр. 115

بالتمادي، وإن قلنا ثم: تقطع، فها هنا قولان في القطع والتمادي). ثم حيث قلنا بالتمادي فيهما، فذلك ظاهر إذا وجدت ما تستتر به في الصلاة، فإن لم تجد، فها هنا قولان في التمادي والقطع. النظر الثاني: في حكم الستر. وهو واجب عن أعين الأنس، وهل يجب في الخلوات أو يندب إليه؟ قولان. (فِإذا) قلنا: لا يجب فيها، فهل يجب للصلاة أو يندب إليه فيها؟ ذكر الشيخ أبو الطاهر عن أبي الحسن اللخمي، أنه حكى في ذلك قولين. ثم قال الشيخ أبو الطاهر: " وليس كما ظنه، وإنما المذهب على قول واحد في وجوب الستر، لكن الخلاف في وجوب الإعادة في الوقت أو فيه وبعده على الخلاف في ستر العورة، هل هو من شروط صحة الصلاة، أم لا؟. وقد ذكر القاضي أبو محمد: أن القاضيين أبا إسحاق وابن بكير والشيخ أبا بكر ذهبوا إلى أن الستر من سنن الصلاة، وهذا يعضد ما حكاه أبو الحسن اللخمي ويحققه. النظر الثالث: في صفة الساتر. وليكن صفيقا كثيفا، ولا يكون شفا، ولا بحيث يصف، فإن كان شفا، فهو كالعدم مع الانفراد. وإن كان بحيث يصف وليس يشف فهو مكروه، ولا يؤدي إلى بطلان الصلاة. هذا حكم القادر على الساتر، فإن عجز عنه، صلى عريانا قائما، يركع ويسجد. فإن اجتمع عراة وأرادوا الجمع، فإن كانوا في ليل مظلم يأمنون من نظر بعضهم إلى عورة بعض، جمعوا، وتقدموا إمامهم، وإن كان الأكمل في الستر أن يصلوا صفا، صلوا كذلك. وإن كان النهار أو الليل المقمر، فإن أمكنهم التباعد حتى يصلوا بموضع لا ينظر بعضهم إلى عورة بعض، فعلوا ذلك، وصولا أفذاذا إن خافوا النظر مع الجمع، ولا فرق في هذا بين الرجال والنساء. وإن جمعهم موضع لم يمكنهم التباعد فيه، فهل ينتقلون إلى الجلوس والإيماء، أو يصلون قياما، ويؤمر كل واحد بغض بصره؟ ها هنا قولان للمتأخرين.

стр. 116

فروع: الأول: لو وجد ساترا قبل الشروع لكنه نجس، صلى به، ولم يصل عريانا. ولو اجتمع له حرير ونجس فبأيهما يصلي؟ قولان: مذهب الكتاب، الصلاة بالحرير، وقال أصبغ: بل يصلي بالنجس، ويعيد في الوقت. وسبب الخلاف: النظر إلى تأكد النجس باختصاص منعه بالصلاة، أو إلى تأكد الحرير (بعموم) المنع فيه. ولو لم يجد إلا حريرا، فالمنصوص لابن القاسم وأشهب أنه يصلي عريانا، ولا يصلي به. واستقرأ الإمام أبو عبد الله من تقدمته الحرير على النجس في الكتاب، أنه يصلي به، ولا يصلي عريانا. الفرع الثاني: من صلى بثوب حرير مع القدرة على ثوب طاهر من غيره، وليس عليه ما يواريه غيره، فصلى به اختيارا، ففيه ثلاثة أقوال: إثبات الإعادة مطلقا، ونفيها مطلقا، وتخصيصها بالوقت. ولو كان عليه ما يواريه سواه، فقيل: لا إعادة عليه، وقيل: يعيد في الوقت. وهكذا اختلف فيمن صلى متختما بالذهب على هذين القولين: الفرع الثالث: لو صلى عريانا لعدم الساتر، ثم طرأ عليه في أثناء الصلاة ما يستتر به، فهل يتناوله فيستتر به ويتمادى، أو يقطع ثم يستتر ويبتدئ؟ قولان. قال الإمام أبو عبد الله: " وهما مبنيان على الخلاف في أن الستر مسنون أو مفروض ". الشرط الرابع: ترك الكلام، والعمد منه، لغير إصلاح الصلاة، مبطل لها، قل أو كثر، ويستوي في ذلك كل ما ينطلق عليه اسم الكلام من غير تحديد لحروفه، ولا تعيين لها. والتنحنح لضرورة غير مبطل، ولغير ضرورة مبطل في أحد القولين، فإن تعذرت القراءة إلا به لم يضر، وفي الإبطال بالنفخ قولان. ولا تبطل الصلاة بسبق اللسان هن ولا بكلام الناسي، وفي كلام الجاهل بتحريم الكلام خلاف، هل يلحق بكلام العامد، أو بكلام الناسي؟

стр. 117

وتبطل الصلاة بكلام المكره، وبالكلام الواجب لإنفاذ أعمى عن السقوط في مهلكة وشبهه. ومصلحة الصلاة عذر في الكلام، فلا تبطل به الصلاة، وقال المغيرة: ليست بعذر، وتبطل الصلاة. ولو قال: ﴿ادخلوها بسلام آمنين﴾، على قصد التلاوة لم يضر، وإن قصد مع ذلك التفهيم، ولو لم يقصد سوى التفهيم. فقال ابن حبيب: (لا يضر)، وقال الإمام أبو عبد الله: " قد يتدرج في ذلك قول بإبطال الصلاة قياسا على أحد القولين فيمن فتح بالقرآن على من ليس معه في صلاة ". ولو تنحنح قاصدا بذلك إسماع شخص، ففي صحة صلاته وبطلانها مع ذلك روايتان لابن القاسم وابن عبد الحكم. وأما إن قهقه، فقيل: تفسد الصلاة، ويستوي في ذلك العمد والسهو والغلبة، وقيل: هي كالكلام، يبطل عمدها، دون غيره. وأما مبدأ الضحك وهو التبسم، فروى ابن القاسم: " لا اعتبار به لخفته "، وروى ابن عبد الحكم: يسجد بعد السلام، لأنه كالزائد في الصلاة. وروى أشهب: " يسجد قبل السلام "، لأنه نقص من هيئة الخشوع والاستكانة. قال القاضي أبو محمد: " قول ابن عبد الحكم أصح ". الشرط الخامس: ترك الأفعال الكثيرة. والكثير ما يخيل للناظر الإعراض عن الصلاة بإفساد نظامها ومنع اتصالها، ولا تبطل بما دون ذلك من تحريك الأصابع في تسبيح أو حكة أو نحو ذلك، ولا بمشي يسير وإن

стр. 118

كره، إذا لم يكن لمصلحة الصلاة، أو لما دعت إليه ضرورة، مثل مشي المسبوق إلى سترة عند مفارقة الإمام، ومثل قتل ما يحاذر، إنقاذ نفس أو مال على قرب، ولو تباعد بحيث يغير نظم الصلاة أبطلها، وإن وجب. ولو دفع المار بين يديه دفعا خفيفا لا يشغله عن صلاته لم يبطلها. ولا يقطع الصلاة شيء يمر بين يدي المصلي، وليكن للإمام المنفرد حريم يمنع المارة بأن يستقبل جدارا أو سارية أو شبه ذلك، أو ينصب بين يديه مثل مؤخر ة الرجل، ثم يصلي ولا يبالي بمن مر وراء ذلك، هذا إذا خشي المرور بين يديه، فإن أمن مهن ذلك، فلا يؤمر بالسترة. وروى ابن حبيب: أنه يؤمر بها وإن أمن، ولا يكفيه أن يخط على الأرض. ثم المار بين يدي المصلي يأثم إن كانت له مندوحة عن المرور، ويختص بالإثم إن كان المصلي لم يتعرض للمرور بين يديه، وإن تعرض شاركه، ولا يأثم إن لم تكن له مندوحة، ولا المصلي إن لم يتعرض للمرور بين يديه، فإن تعرض حينئذ اختص بالإثم. خاتمة: للمحدث لحدث الأصغر المكث في المسجد، وليس للجنب ولا للحائض ولا للكافر، وإن أذن له المسلم، مكث ولا عبور، وقيل: بجواز عبور الجنب في المسجد. الباب السادس: [في السجود] وهو نوعان: الأول: سجود السهو، وهو مأمور به عند ترك السنن التي أحصيناها ف يما تقدم. أما الأركان فجبرها بالتدارك دون السجود، إلا في ترك الفاتحة في ركعة على خلاف وتفصيل يأتي. واعلم أن السهود، وإن كثرت فروعه ودقت بعض مسائله، فإنه بالالتفات إلى قوانينه وأصوله يسهل الوصول إلى تحصيله، وأصوله تنحصر في ثلاثة فصول. الفصل الأول: في مقتضيه وهو ضربان: زيادة، ونقصان. الضرب الأول: الزيادة: وهو قسمان الأول: في زيادة الأقوال، فإن كثرت جدا [أبطلت] الصلاة كما تقدم، وإن كانت دون ذلك أجزأ عنها السجود. وقد قدمنا أن الكلام عمدا يبطل الصلاة وإن قل، إذا كان لغير

стр. 119

إصلاحها، فإن كان لإصلاحها، كما لو سلم الإمام قبل [إكمال] الصلاة، فقال له بعض المأمومين: لم تكمل، فقال الإمام: أكملت، وكذلك لو سأل غير المتكلم أولا، فأخبره أنه لم يكمل فأتم، فإن صلاته وصلاتهم تصح على المشهور. وما فعلوه من الكلام والمراجعة حائز. وتبطل عند ابن كنانة. وقال سحنون: تبطل إلا أن يسلم من اثنتين في الرباعية، كما ورد في قصة ذي اليدين. وقال ابن وهب: لا أرى لأحد أن يفعله اليوم، وكذلك قال ابن نافع، ثم قال: فإن فعل فلا أرى عليه استئناف الصلاة، ولا أحب له أن يعود. فرع: وإنما يجرع الإمام إلى قول المأمومين إذا غلب على ظنه ما قالوه بعد سلامه، أو شك فيه، فإن جزم الاعتقاد بخلاف ما قالوه، لم يرجع إليهم، إلا أن يكثروا جدا، بحيث يفيد خبرهم العلم، فإنه يرجع إلى خبرهم، ويترك اعتقاده. وقال أشهب: إذا أخبره منهم رجلان عدلان بما صلى، رجع إلى قولهما. وقال ابن حبيب: إذا صلى الإمام برجلين فصاعدا، فإنه يعمل على يقين من رواءه، ويدع يقينه، يريد الاعتياد. فروع مرتبة: الأول: إنه يبني إن كان قريبا، فإن طال الأمر وكثر الفعل ووقع اللغط والمراء، وترددت المراجعة بينهم، بعضهم مع بعض، بطلت الصلاة واستأنفها، وقيل: لا تبطل، بل يني وإن طال. الثاني: حيث قلنا: يبني، فعليه أن يرجع إلى الصلاة بإحرام، ثم يكبر تكبيرة لقيام الثالثة. وقال بعض المتأخرين: ليس ذلك عليه أن كان جالسا في مقامه، وإنما يفتقر إلى الإحرام لو قام بعد سلامه، أو فعل ما يوجب حاجته إلى الإحرام، واعترضه القاضي أبو الوليد، بأن الموجب للإحرام هو السلام دون ما عداه. الثالث: إذا قلنا: يحرم، فهل يحرم قائما كالإحرام الأول، أو جالسا، لأنها الحالة التي فارق فيها الصلاة؟ قولان:: حكي الأول عن بعض المتقدمين، والثاني لابن شلبون. الرابع: إذا قلنا: يحرم قائما، فهل يجلس بعد ذلك القيام؟ قال ابن القاسم: " يجلس ليأتي بالنهضة التي فعلها أولا في الصلاة ". وروى ابن نافع: لا يجلس، وقال: إن النهضة غير

стр. 120

مقصودة في نفسها، وقد فات محلها بالقيام، فلا يعود إليها. القسم الثاني: في زيادة الفعل. فإن كان من جنس أفعال الصلاة، وقل، لم يبطلها، وهذا كزيادة ركعة في الرباعية. وإن كثرت الزيادة، فكانت في الرباعية مثلها، فالمشهور المعروف من المذهب بطلان الصلاة، وروي القول بصحتها. وإن كانت الزيادة فيها مثل نصفها، كما إذا صلى الرباعية ستا، ففي بطلانها قولان. ولو كانت ثنائية فزاد فيها مثلها، كمن صلى الصبح أربعا، فإن قلنا بنفي البطلان في الرباعية إذا زاد فيها مثلها، فنفيه ها هنا في الثنائية أولى. وإن قلنا ببطلان تلك، ففي بطلان الثنائية ها هنا قولان. وإذا فرعنا على البطلان، فزاد في الثنائية ركعة، ففي بطلانها أيضا قولان، منشؤهما النظر إلى الزيادة في نفسها، وهي يسيرة، أو بنسبتها إلى الصلاة، وهي مثل نصفها، وفي إلحاق الثلاثية بالرباعية أو (بالثنائية) قولان. ثم حيث حكمنا في هذه الصورة بصحة الصلاة، سجد بعد السلام، وكل (هذا) إذا زاد سهوا. فأما العمد فمبطل للصلاة، ولو كانت الزيادة سجدة واحدة. وإن كانت الزيادة جهلا جرى حكمها على الخلاف في الجاهل، هل ي لحق بالعامد أو بالناسي، وإن كانت الزيادة من غير جنس الصالة أبطلتها أيضا، إن فعلت عمدا، وكذلك لو كثرت. وإن فعلت سهوا، فإن كانت مع السهو يسيرة، [أجزأه] عنها سجود السهو. الضرب الثاني: النقصان. وهو يتنوع إلى نقص ركن وسنة وفضيلة. فإن نقص ركنا غير القراءة، لم ينب عنه إلا الإتيان به، فإن فاته محله من الركعة، بطلت تلك الركعة. فلو أخل بالركوع أو بالسجود، فإنه يتلافى ذلك ما لم يعقد الركعة التي بعد الركعة التي أسقط منها. وعقدها رفع الرأس من الركوع، وقيل: وضع اليدين على الركبتين، وليرجع إلى القيام، ثم يركع، ويستحب له أن يقرأ قبل أن يركع، وقيل: يرجع إلى الركوع.

стр. 121

(ولو) أخل بالركوع من ركعة، وبالسجود من التي تليها، لم يجزئه ركوعه للثانية عن ركوع الأولى. وكذلك لو أخل بالسجود من الأولى، وبالركوع من الثانية، لم يجزه سجوده للثانية عن سجود الأولى على المنصوص. ولو نسي أربع سجدات من أربع ركعات، أصلح الرابعة بالسجدة التي أخل بها منها، وبطل ما قبلها، وتجري كثرة السهو فيها على الاختلاف المتقدم. وإن نسي السجدات الثمان، فلم يحصل له سوى ركوع الرابعة، فليبن عليه. قال سحنون: ولو صلى الإمام ركعة وسجد سجدة، ثم قام ساهيا، فليسبحوا به، ولينتظروا رجوعه، ما لم يخافوا أن يعقد الركعة، (فيقوموا) حينئذ (فيصلوها) معه، فتكون أول صلاتهم، وتبطل الأولى، فإذا جلس فيها قاموا، فإذا صلى الثالثة عنده وقام، فليقوموا كإمام قام من اثنين، فإذا صلى بهم الرابعة عنده وجلس، فيقوموا كإمام قعد في ثالثة، فإن استفاق الإمام، قام فصلى بهم ركعة بأم القرآن، وسجد قبل السلام، وإن لم يستفق، فليأتوا بركعة يؤمهم فيها أحدهم، وإن صلوها أفذاذا [أجزأتهم]، ويسجدون قبل السلام، وسلام الإمام ها هنا على المشهور بمنزلة الحدث. وإن أخل بقراءة الفاتحة في ركعة من الرباعية، ففي الكتاب ثلاثة مذاهب. الأول: أنه يلغي الركعة، وهو بناء على فرضية القراءة في كل ركعة. والثاني: (أنه) يسجد لسهوه، وتصح صلاته، وهو بناء على أن فرضيتها في الجل (أو) في الجملة، لا في كل ركعة. والثالث: أنه يسجد لسهوه ويعيد، وهذا للتردد بين المذهبين. ثم هل تكون الصلاة مجزية على هذا القول والإعادة مراعاة للخلاف، أو (الإعادة) هي الواجبة، لكن يتمادى مراعاة للخلاف؟ في ذلك خلاف له فائدتان.

стр. 122

الأولى: لو ظهر له بطلان إحداهما. والثانية: إطلاق الإعادة أو تخصيصها بالوقت. وأما محل سجوده، فإن جلس بعد ركعتين صحيحتين قرأ فيهما بأم القرآن، فسجوده بعد السلام لتمحض الزيادة بما ألغاه، وإلا كان سجوده قبل السلام لاجتماع زيادة ما ألغاه، ونقص الجلوس، وقراءة السورة من الثانية التي ظنها الثالثة إذا تأخر ذكره عن فعلها. فلو كان المتروك آية من الفاتحة، فقال عبد الحق: " حكى الشيخ أبو عمران عن القاضي إسماعيل أنه قال: يجب، على المذهب، أن يسجد قبل السلام "، وفيها قول آخر: أنه لا يسجد. فرع: ويلتحق بتحقق النقصان الشك فيه، فمن شك هل أخل بركن أم لا؟ وجب عليه الإتيان به، كما يجب على من تيقن أنه أخل به، إلا أن يكون موسوسا، فيبني على أول خاطريه لمشابهته فيه (للعقلاء). ولو ذكر في الركعة الرابعة أنه أخل بسجدة، أو شك هل أخل بها أم لا؟ ولم يدر محلها، فقال ابن القاسم: " يأتي بسجدة، ثم بركعة، لجواز أن تكون من الأخيرة ". وقال أشهب: يأتي بركعة فقط. ولو سلم من الصلاة ثم ذكر سجدة من الركعة الأخيرة، فهل يكون السلام حائلا بينه وبين التلافي، أم لا؟ قولان، أحدهما: أنه يكون حائلا، فيقوم فيأتي بركعة. والثاني: (أنه) لا يكون حائلا، فيسجد. هذا حكم الإخلال بالأركان على الجملة. وبقي منها السلام، فإن أخل به، ولم يطل الأمر بجع إلى الجلوس [وسلم] وأجزأه. وإن طال بطلت الصلاة على المشهور. والشاذ: أنها لا تبطل، إلا أن تنتقض الطهارة.

стр. 123

[فروع]: إذا رجع ليأتي بالسلام، رجع بتكبير على المشهور مراعاة للخلاف، ووقع ما ظاهره أنه لا يؤمر. وإذ ف رعنا على المشهور، فهل يوقعه قائما، أو بعد أن يجلس؟ قولان: ثم هل عليه أن يتشهد ليقع السلام (عقب) تشهد عار من فاصل بينه وبين السلام؟ أو يكفي تشهده الأول، لكون هذا الفصل غير معتبر في إبطال الصلاة، ولا يتشهد في جلوس واحد مرتين، قولان أيضا. فأما السنن: فإن أخل بها عمدا، ففي بطلان صلاته خلاف، وإذا قلنا بالصحة، فلا يسجد، وقيل: يسجد. وإن أخل بها سهوا، فإن كانت فعلا، فإنه يؤمر بالسجود. وكذلك إن كانت قولا، على المشهور. وقيل: لا سجود عليه. وإذا فرعنا على المشهور، فإنه يسجد قبل السلام، كنقص الأفعال. وقيل: بعده، لضعف الأمر به. وهذا ما لم تقل الأقوال جدا، كالتكبيرة ونحوها، فلا يكون فيها سجود. وقيل: يسجد وإن قلت. ولا خفاي بأنه يسجد لترك الجلوس الأول لاشتماله على أفعال وأقوال، وقد سجد له رسول الله ﷺ ، ويعد تاركا له إذا استوى قائما. وإن ذكر قبل استوائه وهو بين القيام والجلوس، فإن استقل وفارق الأرض، تمادى على قيامه؛ لأنه بمفارقته الأرض حصل تاركا للجلوس. وقيل: يرجع ما لم يستو قائما. وإن نهض ولم يفارق، رجع ولا سجود عليه على المشهور، وقيل: يسجد. فرع: لو رجع بعد الاستقلال، فقال ابن القاسم وأشهب وعلي بن زياد: لا تفسد صلاته. وقال ابن سحنون: تفسد، وقيل: تفسد إذا فعل ذلك عن قصد، وتأول بعض المتأخرين على ابن سحنون: أنه أراد القصد. وإذا قلنا بالصحة، فقيل: يسجد بعد السلام لزيادة القيام، وقيل: قبله، لأن السجود قد

стр. 124

ترتب عليه باعتداله قائما ونقصه الجلسة، وعوده إلى الجلوس زيادة بعد تحقق النقص، فلا يغير محل السجود. وعلى هذا الخلاف تخرج إطالته للجلوس حتى يكمله، لأن الزيادة قد تجردت بحصول القيام الذي رجع عنه، والجلوس لم يأت به، ولا بعوض عنه، أو رجوعه حين يذكر ولا يتمادى، لأنه قد عوض عن الجلوس المتروك بهذا السجود الذي قبل السلام، ولا يجتمع العوض والمعوض عنه، وفي ذلك قولان. وإن أخل بالفضائل، فلا سجود عليه، وتجزيه الصلاة لضعف أمر المتروك. الفصل الثاني: في كيفية السجود، والنظر في عدده وصفته الأول: في عدده، وهو سجدتان قل أو كثر، كان من إحدى الجهتين، أو من كلتيهما. النظر الثاني: في صفته، وليكبر لهما في ابتدائهما، والرفع منهما، وفي افتقاره إلى نية الإحرام، وفي ذلك للتين بعد السلام روايتان. ويتشهد للتين بعد السلام ويسلم، وفي التشهد للتين قبله روايتان، ويكفى السلام من الصلاة لهما، ويجهر بالسلام من اللتين بعده، وروي أنه يسر به. الفصل الثالث: في محل السجود وأحكامه . وهو آخر الصلاة، ثم هو بعد السلام إن كان لزيادة محضة، وقبله إن انضاف إليها نقصان أو تمحض. وروي ما يشير إلى نفي تأكد هذه الرتبة، وأنه يجوز أن تخالف، فيؤتي بالجميع قبل أو بعد، ويتفرع على المشهور فرعان: الأول: من صلى النافلة خمسا، هل يسجد قبل السلام لنقض السلام هن أو لنقض الجلسة، على الخلاف في ذلك، أو يسجد بعد السلام للزيادة على اثنتين؟ قولان. الفرع الثاني: لو قدم قبل السلام ما محله بعده، لم تبطل صلاته، وقال أشهب: تبطل إن كان عامدا. وإذا فرعنا على الأول، فهل يؤمر بإعادته بعد الصلاة ليقع في محله المشروع؟ فيه خلاف. وإن سها أن يسجد قبل السلام ما محله ق بله، سجده عبده ما لم يطل، أو ينتقض وضوؤه، فإن كان ذلك، فروي أن الصلاة تفسد من غير اعتبار بالمتروك الذي كان السجود عوضا عنه. وروي أن الإعادة إنما تجب إذا كان عوضا عن بعض الأفعال ولم تعتبر الأفعال على

стр. 125

الإطلاق، ولا اعتبر [شيئا] من الأقوال. وقال في المختصر: إنما يعيد الصلاة إذا كان السجود عوضا عن الجلسة الأولى، (أو) أم القرآن من ركعة، وأوجب ابن القاسم الإعادة في أحد قوليه إذا كانت عوضا عن ثلاث تكبيرات، أو عن (قول): سمع الله لمن حمده، ثلاث مرات. وقال محمد بن عبد الحكم: لا إعادة عليه، وإن كانت عوضا عن الجلسة الأولى، أو ترك القراءة من ركعة، فحكم بصحة الصلاة مع الترك على الإطلاق، بعكس القول الأول. فرع: ولو لم يذكر السجود حتى تلبس بصلاة أخرى، فإن فرعنا على القول بأن الصلاة لا تبطل بتأخره، لم يؤثر ذكره في الصلاة، ولكنه يوقعه بعد فراغها. وإن فرعنا على القول ببطلان الصلاة لترك السجود على الإطلاق، أو حكم ببطلانها على تفصيل، فكان هذا السجود مما اقتضى التفصيل الإبطال به، فإنه أن ذكره ولم يركع لا أطال قراءته في هذه التي هو فيها، يعود إلى إصلاح الأولى بالسجود ويقدر هذا الفاصل كالعدم، ما لم يكن سجود السهو من نافلة، والذكر في فريضة، فلا يقطعها لحرمتها وعلو قدرها عن قدر النافلة، وإن لم يذكر إلا بعد أن طال القراءة أو ركع، فإنه يكون كذاكر صلاة وهو في صلاة أخرى. خاتمة (للنوع) بذكر ثلاث مسائل: الأولى: من شك في عدد ما صلى، فلم يدر أثلاثا أم أربعا، فإن كان سالم الخاطر، طرح المشكوك فيه، وبنى على المتقين له، وهو أقل العددين المتردد بينهما، فيكمل عليه، ويسجد بعد السلام، وقيل: قبله. وإن كان موسوسا بنى على أول خاطريه، في وجود الكمال وعدمه لمشابهته فيه للعقلاء. فرعان: الأول: لو سبق إليه أنه أكمل فعمل على ذلك، فهل يسجد؟ قولان: الفرع الثاني: وهو مرتب عليه، إذا قلنا: أنه يسجد، فهل قبل السلام، لأنه يجوز النقص، أو بعده لأن هذا النقص مطرح، وإنما يسجد ترغيما للشيطان؟ قولان أيضا. المسألة الثانية: من قام إلى خامسة رجع متى ذكر، وسجد بعد السلام، فإن كان إماما، واختلف حال المقتدين به، فجلس قوم لم يتبعوه، واتبعه آخرون، لكن منهم من تبعه سهوا، ومنهم من تبعه عمدا، فأما من جلس فصلاته صحيحة، وكذلك من تبعه سهوا.

стр. 126

وأما من تبعه عمدا، فإن علم أنه لا يجوز له اتباعه، بطلت صلاته، وإن جهل، فظن أنه يلزمه اتباعه، ففي بطلان صلاته قولان، منشؤهما أنه كالعامد أو كالناسي. فرع: فلو قال الإمام: إنما قمت لأني نسيت من إحدى الركعات الأول سجدة مثلا. فأما من جلس فلا يخلو من أن يوقنوا بكمال صلاتهم وصلاة إمامهم، أو يوقنوا بكمال صلاتهم دون صلاة إمامهم، أو يشكوا. فإن أيقنوا بكمال الصلاتين، لم يلزمهم اتباعه، وكانت صلاتهم صحيحة. وإن أيقنوا بكمال صلاتهم دون صلاته، فقيل: يكتفون بكمال صلاتهم ولا يتبعونه. وقيل: يتبعونه، لأنهم في حكم المصلي الواحد، فيتعدى الإخلال إليهم. (وإن) شكوا في الصلاتين لزمهم اتباعه. ثم حيث لا يلزمهم اتباعه، تصح صلاتهم، وحيث يلزمهم لا تصح على المنصوص. وقال أبو الحسن اللخمي: " تصح، لانهم معذورون في ترك الاتباع ". وأما من تبعه متعمدا، فإن كان لعلمه بالإسقاط، فلا شك في صحة صلاته، وإن قصد إلى العمد في الاتباع من غير علم بذلك، فتجري صحة صلاته على الخلاف فيمن تعمد زيادة في صلاته، ثم انكشف له وجوبها عليه لإخلاله بشيء مما تقدم. وأما من تبعه سهوا، فتصح صلاته، وهل يلزمه قضاء ركعة متى لزمه حكم ما أسقطه الإمام من السجود أم لا؟ في ذلك قولان: أحدهما: أن هذه الركعة التي تبع فيها الإمام سهوا، تنوب له (عما) لزمه من القضاء. والثاني: أنها لا تنوب له. وهو كالخلاف فيمن ظن أنه أكمل، فأتى بركعتي نافلة، ثم تذكر أنه إنما صلى ركعتين، ففي نيابة هذه النافلة عما وجب عليه الخلاف. ولو كان مع الإمام مسبوق، فاتبعه في هذه الخامسة التي أصلح بها الإمام ما أخل به متقدما، فهل تنوب له عن ركعة مما سبق به أم لا؟ في ذلك قولان بناهما الشيخ أبو الطاهر على كون الإمام فيها بانيا أو قاضيا.

стр. 127

المسألة الثالثة: في سهو (المأموم). وقد روي أبو الحسن الدارقطني عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ : «ليس على من خلف الإمام سهوا، فإن سها الإمام فعليه وعلى من خلفه ". ولا خلاف أن الإمام سهو المأموم، كما يلزم المأموم سهو الإمام، وإن لم يسبه معه، ولا حضر سهوه، بأن يكون مسبوقا. ثم المسبوق يسجد بسجود إمامه إن كان قبل السلام، وقد عقد معه ركعة، فإن كان لم يدرك معه ركعة، لم يتبعه عند ابن القاسم، وقال سحنون: يتبعه. وأما إن كان سجوده بعد السلام، فلا يسد معه، ثم هو مخير بين أن يجلس حتى يفرغ إمامه من السجود فيقوم للقضاء، وبين أن يقوم بعد سلام الإمام، ويتركه متشاغلا بالسجود. واستحب ابن القاسم قيامه من غير انتظار، واختار غيره قيامه بعد سلام الإمام. ثم إذا أكمل صلاته وسلم سجد، ولو لم يسجد الإمام سجد المأموم، ولو سها بعد مفارقة الإمام سهوا بزيادة أجزأ سجود واحد بعد السلام عن السهوين. وإن كان بنقص، فالمنصوص أنه يسجد بعد السلام تغليبا لحكم الإمام. وقال الشيخ أبو الطاهر: " يجري على قولنا: أنه في حكم المنفرد في القضاء، أن يسجد قبل السلام "، قال: " لأنه قد اجتمع عليه زيادة، وهي ما لزمه من حكم الإمام، ونقص، وهنو ما طرأ له في نفسه ". ولو سجد مع الإمام قبل السلام، ثم سها بعد مفارقته له، ففي سجوده لذلك السهو خلاف، قال الشيخ أبو الطاهر: " ولعله يجري على الخلاف فيما يأتي به، هل يكون فيه قاضيا، فيكون حكم الإمام منسحبا عليه، أو بانيا فيكون كالمنفرد ". النوع الثاني: سجود التلاوة. وقد اختلف المتأخرون في حكمه، فقال القاضي أبو محمد: " هو فضيلة "، وهو طريق أبي القاسم بن الكاتب استقراء من الكتاب. واستقرأ أبو القاسم بن محرز منه أنه سنة.

стр. 128

وعدة السجدات إحدى عشرة، أولها آخر الأعراف، وآخرها في سجدة المؤمن وسجدة ص داخلة فيها، وثانية الحج خارجة عنها. وهي خاتمة الأعراف، وفي الرعد: ﴿بالغدو والآصال﴾، وفي النحل: ﴿ويفعلون ما يؤمرون﴾، وفي بني إسرائيل: ﴿ويزيدهم خشوعا﴾، وفي مريم: ﴿خروا سجدا وبكيا﴾، وفي أول الحج: ﴿الله يفعل ما يشاء﴾، وفي الفرقان: ﴿وزادهم نفورا﴾، وفي النمل: ﴿رب العرش العظيم﴾، وفي سجدة ﴿الم تنزيل﴾: ﴿وهم لا يستكبرون﴾، وفي ص: ﴿وخر راكعا وأناب﴾، وفي سجدة المؤمن: ﴿إن كنتم إياه تعبدون﴾. وقال ابن وهب وابن حبيب: عدتها خمس عشرة، أضافا إلى ما تقدم سجدة آخر الحج، وثلاثا في المفصل آخر النجم، وسجدة الانشقاق، وآخر القلم. وروي أن عدتها أربع عشرة، وهو ما عدداه سوى سجدة آخر الحج، ثم جمهور المتأخرين يرون أن هذا الخلاف قول على ظاهره، وحماد بن إسحاق، أخو القاضي أبو إسحاق، والقاضي أبو محمد لا يعتدان ذلك خلافا في الحقيقة، ويقولان: السجود في الجميع مأمور به، كما ذكر ابن وهب وابن حبيب، وإنما الإحدى عشرة هي العزائم كما ذكر مالك في الموطأ، فهي آكد مما عداها لا غير. ثم السجدة على القارئ وعلى المستمع، إن كان القارئ ممن تصح إمامته، وليست

стр. 129

على غير المستمع، وإن كان سامعا، وغير المستمع من لم يقصد الاستماع، أي لم يجلس للقارئ، ولا على المستمع إذا كان مسمعه عديم الصلاحية للإمامة، ويؤمر المستمع بالسجود وإن تركه القارئ، وقيل: لا يؤمر، فإن كان في الصلاة. فأما في النافلة، فيسجد بقراءة نفسه إن كان منفردا، أو في جماعة يأمن التخليط، فإن كان في جماعة لا يأمن ذلك فيها، فالمنصوص أيضا جوازه، لما ثبت من فعل الأولين في صلاة النفل في رمضان وهم يختمون، فيمرون بالسجدة فيسجدون. وأما في الفريضة، فالمشهور النهي عن السجود فيها، والشاذ جوازه، ولا يختلف الحكم بأن تكون صلاة سر أو جهر، جماعة أو فرادى. وقد علل المشهور بكونها زيادة في أعداد سجود الفريضة. ثم حيث قرأ السجدة وعول على السجود بها، فليجهر بها، ليعلم من خلفه أنه إنما يسجد للتلاوة، فإن لم يجهر وسجد، فهل يتبع في السجود للزوم متابعة أو لا يتبع لجواز أن يكون سجد ساهيا ولم يقرأ آية سجدة؟ في ذلك قولان في السليمانية لابن القاسم وسحنون. ثم هذه السجدة واحدة، وإن كانت تفتقر إلى الشرائط المعتبرة في الصلاة من الطهارتين والستر والاستقبال إلا الإحرام والسلام، ويكبر للسجود عند الهوى والرفع منه إن كان في صلاة، وإن لم يكن في صلاة، ففي الكتاب ثلاثة أِقوال: الأمر بالتكبير، وكراهته، وخيره ابن القاسم. فروع ثلاثة: الأول: في مواضع السجود من الآي، وقد اختلف في ثلاثة منها، الأول: في سجدة ص، فقال الشيخ أبو الحسن: عند قوله: ﴿وخر راكعا وأناب﴾، وقال ابن حبيب: عند قوله: ﴿وحسن مآب﴾. الثاني: في سجدة المؤمن، فقيل: عند قوله تعالى: ﴿إن كنتم إياه تعبدون﴾. وقال ابن وهب: عند قوله: ﴿وهم لا يسئمون﴾. الثالث: في سجدة الانشقاق، فقال ابن حبيب: في آخر السورة، وقال القاضي أبو

стр. 130

محمد: عند قوله: ﴿وإذا قرئ عليهم القرآن لا يسجدون﴾. وسبب الخلاف في الجميع: النظر إلى سبب السجود، أو إلى كمال الثناء على المطيعين. الفرع الثاني: قارئ السجدة إذا جاوزها بيسير سجدها، وإن جازها الكثير رجع إليها، فقرأها وسجد، ثم عاد إلى حيث انتهى في القراءة. وكذلك حكم المصلي يقرؤها، فإن لم يذكرها المصلي حتى رفع رأسه من ركوع الركعة التي هو فيها، فإن كان في فرض لم يعد إلى قراءتها، قاله في الكتاب. وقال ابن حبيب: قال مالك وأصحابه: يعود إلى قراءتها في الثانية ويسجد، وإن كان في نافلة، فإنه يعود إلى قراءتها في الثانية ويسجد. واختلف المتأخرون، هل يسجد قبل قراءة أم القرآن أو بعد قراءتها؟ على قولين: لأبي بكر بن عبد الرحمن والشيخ أبي محمد. فإن لم يذكر المصلي للنافلة السجدة حتى رفع من ركوع الركعة الثانية، فقد فاته السجود وقضاؤه في هذه الصلاة. وقال أشهب: بل يسجد ولو لم يذكر إلا وهو جالس، لم يسلم أو قد سلم. وإن ذكر وهو راكع، مضى على ركوعه، وقال أشهب: بل ينحط للسجود. وسبب الخلاف: الاختلاف في عقد الركعة، هل هو تمام الانحناء، أو رفع الرأس؟. ولو قصد بالركوع السجدة، لم تحصل له، لأنه إن قصد بفعله الإتيان بما عليه من الركوع فقد ألغى السجدة، وإن قصد السجدة، فقد أحالها عن صفتها، وأزالها عن هيئتها، ونحا ابن حبيب إلى إجازة ذلك. ولو لم يتعمد الركوع، ولكنه أراد السجود لها، فركع ناسيا، فهل يعتد بركوعه أم لا؟ فيه قولان: أحدهما: أنه لا يعتد به، فإن كر وهو منحن خر لسجدته، وإن ذكر وقد رفع لم يعتد بركعته وألغاها، وهذا مذهب ابن القاسم. والثاني: أنه يعتد بركعتهن وإلى هذا ذهب مالك ﵁، فإن ذك وهو منحن، رفع متمما للركعة، وإن ذكر بعد أن رفع، فقد تمت الركعة، ويقرأ السجدة فيما عبد، على حسب ما تقدم.

стр. 131

وسبب (الخلاف). الاختلاف في الاعتداد بهذه الركعة، وأن الانحطاط للركوع لم يكن بنيته، بل بنية السجود، وهو نفل والركوع فرض. فإن قلنا: إن الحركة إلى الأركان غير مقصودة، فقد وجد الركوع المقصود وصح. وإن قلنا: إن الحركة إلى الأركان مقصودة في نفسها، وقلنا: إن الخروج عن نية الفرض إلى نية النفل لا يمنع الاعتداد؛ كمصلي نفل وهو في فرض يعتقد أنه أكمل، اعتد هذا بركعته، وإن قلنا: إنه يمنع الاعتداد، لم يعتد هذا بركعته. وإذا قلنا: بنفي الاعتداد، فذكر وهو منحن فخر ساجدا، فهل عليه سجود أم لا؟ (و) قال ابن حبيب: إن طال الركوع، سجد بعد السلام، وفسر الشيخ أبو محمد الطول بالطمأنينة في الركوع. وإن قلنا بالاعتداد بالركعة، ففي المجموعة: يقرأ السجدة فيما بقي من صلاته، ويسجد بعد اللام، وإن لم ير المغرية في هذا سجودا. قال الإمام أبو عبد الله: " والذي قاله المغيرة هو الأصل؛ إذ ليس ها هنا زيادة تقتضي السجود بعد السلام "، قال: " ولا يظهر عندي وجه على مقتضى أصل المذهب، إلا أن يعتقد عن الحركة إلى الركوع لما حولت النية فيها صارت كالعدم، وعدمها لا يمنع الاعتداد، ولكنه نقص يقتضي السجود، ومقتضى النقص أن يكون قبل السلام، لكنهم ربما أخروه إلى ما عبد السلام؛ إذ كان إثبات السجود فيه ضعيفا احتياطا للصلاة، لئلا تقع فيها زيادة، كقول أشهب في ناسي التكبير، يسجد بعد السلام لضعف السجود فيه، فاحتيط فيه من الزيادة في الصلاة ". الفرع الثالث: في سجود الشكر. والمشهور من المذهب كراهية السجود ند بشارة أو مسرة وإنكاره، بل يؤمر بالاقتصار على الشكر، والحمد باللسان. وحكى القاضي أبو الحسن رواية بالجواز، وهو مذهب ابن حبيب.

стр. 132

الباب السابع: في صلاة التطوع وفيه فصلان: الفصل الأول: في الرواتب وهي المفعولة تبعا للفرائض، كركعتي الفجر، وركعة الوتر. وعد القاضي أبو محمد، من ذلك الركوع قبل العصر، وبعد المغرب. وقال في الكتاب: قلت: هل كان مالك يؤقت قبل الظهر من النافلة ركعات معلومات أو بعد الظهر، أو ق بل العصر، أو بعد المغرب، فيما بين المغرب والعشاء، أو بعد العشاء؟ قال: لا، وإنما يؤقت في هذا أهل العراق. ثم الوتر ركعة واحدة، وهي مسنونة، ويدخل وقتها بالفراغ من صلاة العشاء الآخرة في وقتها المشروع، وينتهي وقت الاختيار لها بطلوع الفجر، ويمتد وقتها الضروري إلى أن تصلي الصبح على المشهور من المذهب. وقال أبو مصعب: " ينتهي وقتها بطلوع الفجر، ولا وقت ضرورة لها ". ولتكن مسبوقة بشفع منفصل عنها بسلام، وذلك شرط في تام الفضيلة. وقيل: بل شرط في الصحة. وسبب الخلاف: كونه وترا للفرض أو (للنفل). وثمرته: جواز الاقتصار على الركعة الواحدة للمعذور، كالمسافر والمريض ومنعه. وإذا قلنا بتقديم شفع بلا بد، فهل يلزم (اتصاله) بالوتر أو يجوز، وإن فرق بينهما بالزمن الطويل؟ في المذهب قولان. والمستحب أن يكون الوتر آخر تهجده بالليل، ويستحب أن يقرأ فيه: ﴿قل هو الله أحد﴾ والمعوذتين، وقيل: لا يختص بقراءة معينة. وهل يلزم أن تؤتي بشفع يختص بها، أو ينوب منابه كل نافلة؟ في المذهب قولاه. وإذا فرعنا على أنه يأتي بشفع يختص بها، فهل يستحب أن يقرأ في الأولى.

стр. 133

ب ﴿سبح﴾، وفي الثانية ب ﴿قل يأيها الكافرون﴾، أو لا تتعين فيها قراءة خاصة؟ في ذلك روايتان. وقال ابن نافع: يقنت في الوتر في النصف الآخر من شهر رمضان، والمشهور: أنه لا يقنت فيه، وهو قول ابن القاسم. الفصل الثاني: في غير الرواتب وما شرعت الجماعة فيها كالعيدين، وكسوف الشمس، والاستسقاء: فهي أفضل مما تقدم سوى الوتر، وأفضل أيضا من صلاة الضحى، وركعتي التحية، وقيام رمضان؛ إذ هن سنن، وما تقدم فضائل، حاشا ركعة الوتر، وركعتي الفجر، على خلاف في ركعتي الفجر خاصة، وكذلك ما بعدها. وآكذ هذه السنن العيدان، ثم الكسوف. ولا شك في تقدم الوتر على ما ذكر معه لكونه سنة، ويليه في ذلك ركعتا الفجر للخلاف. في أنهما سنة أو فضيلة، وسائرها فضيلة أو نافلة، وآكدها الركعتان بعد المغرب، واختلف في ركعتي الإحرام، هل هما سنة أو نافلة؟ وكذلك اختلف في ركعتي الطواف، هل هما سنة، أو حكمهما حكم الطواف؟ وتستحب الجماعة في التراويح تأسيا بعمر ﵁، ولاستمرار العمل عليه. ولو انفرد الواحد في بيته لطلب السلامة من قصد إظهار النافلة، لكان أفضل له على المشهور، ما لم يؤد ذلك إلى تعطيل المساجد منها. والذي استمر عليه العمل من العدد فيها تسع وثلاثون يوتر منها بثلاث، وإن فعل دون هذا العدد فلا حرج. ثم التطوعات لا حصر لها، ولا تقضي المرتبة منها ولا غيرها، وما ذكر في ركعتي الفجر من لفظ القضاء قد تأوله الشيخ أبو بكر كما يأتي. واختلف في ركعتي الفجر في ثلاثة فروع: الأول: من دخل المسجد بعد طلوع الفجر وقبل صلاته، فلا يصلي سوى ركعتي الفجر خاصة. وانفرد الشيخ أبو الحسن، فقال: " يحيي المسجد، ثم يركع الفجر ". وأشار الشيخ أبو عمران إلى تضعيفه. الفرع الثاني: لو ركع في بيته ثم جاء المسجد، فهل يركع أيضا؟ روايتان مشهورتان.

стр. 134

ثم إذا قلنا: يركع، فهل بنية النافلة أو بينة إعادة ركعتي الفجر؟ قولان للمتأخرين. الفرع الثالث: من ضاق عليه الوقت، فصلى الصبح وترك ركعتي الفجر، فإنه يصليهما بعد طلوع الشمس إن شاء. وقيل: لا يصليهما حينئذ. ثم إذا قلنا: يصليهما، فهل ما يفعله قضاء، أو ركعتان ينوب له ثوابهما عن ثواب ركعتي الفجر؟ قال الشيخ أبو بكر: وهذا الجاري على أصل المذهب، وذكر القضاء تجوز. الباب الثامن: في صلاة الجماعة وفيه أربعة فصول: الفصل الأول: في حكمها . وهي سنة مؤكدة، وليست بواجبة إلا في الجمعة. وحكى الإمام أبو عبد الله والقاضيان أبو الوليد وأبو بكر عن بعض أهل المذهب: أنها فرض على الكفاية. والمشهور أنه لا فضل لجماعة على جماعة. وقال ابن حبيب: بل تفضل الجماعة الجماعة بالكثرة وفضيلة الإمام. ولا تحصل فضيلة بإدراك أقل من ركعة مع الإمام، ولا يحتبس الإمام للداخل انتظار إدراكه الركعة. ومن صلى منفردا فأدرك جماعة اثنين فصاعدا، استحبت له إعادتها فيها، لا يعيد مع الواحد. قال الشيخ أبو عمران: إلا أن يكون هذا الواحد إمام، فهو كالجماعة. ولا تعاد المغرب ولا العشاء بعد الوتر على المشهور. وقال المغيرة: تعاد الصلوات كلها. فرع: لو شرع في إعادة المغرب، ثم ذكر قبل أن يعقد الركعة الأولى منها، خرج، فإن عقدها أضاف إليها أخرى وسلم، فإن أتمها، فليأت برابعة بالقرب، فإن طال، فلا شيء عليه. الأرض القاضي أبو بكر: " وقال بعض علمائنا: يصلي المغرب ثالثة بعد أن يسلم مع الإمام "، قال: " والأول أصح ".

стр. 135

ثم حيث يؤمر بالإعادة، فهل يعيد بنية الفرض، أو بينة النفل، أو بنية إكمال الفضيلة، أو يفوض الأمر إلى الله تعالى؟ في ذلك أربعة أقوال، (تتخرج) عليها ثلاثة فروع. الفرع الأول: لو صلى فذا ثم أعاد في جماعة، فذكر بعد ذلك أن الأولى كانت على غير طهارة، فقال ابن القاسم: " تجزيه الثانية "، وقال ابن الماجشون: لا تجزيه، لأنه صلى الثانية على جهة السنة، لا على جهة أداء الفريضة. وقال أشهب: إن كان حين دخوله في الثانية ذاكرا للأولى، فلا تجزيه هذه، وإن لم يكن ذاكرا لها أجزأته. الفرع الثاني: إذا صلى مع الإمام لفضل الجماعة معتقدا أنه صلى في بيته، ثم ذكر أنه لم يصل، فقال ابن القاسم: " تجزيه "، وقال أشهب: " لا تجزيه ". الفرع الثالث: إذا كانت الأولى على طهارة، وأحدث في أثناء الثانية، فروى المصريون عن مالك: ليس عليه أن يعيد الثانية. وقال أشهب منهم: ولو قصد بصلاته مع الإمام رفض الأولى، لم تلزمه الإعادة. وروي: أنه يعيدها، وبه قال ابن كنانة وسحنون، إلا أنهما اختلفا في التعليل، فقال ابن كنانة: (لأنه) لا يدري أيتهما صلاته، وقال سحنون: لأنها وجبت بدخوله فيها. وتظهر فائدة اختلافهما في التعليل إذا كان الحدث عن غلبة، وقال عبد الملك: إن أحدث بعد عقد ركعة أعاد الثانية، لأنه أدرك صلاة الإمام، وإذا كان قبل أن يعقد ركعة، لم تلزمه إعادتها، وحكاه أيضا ابن سحنون عن أبيه. وروي في كتاب ابن سحنون: إن كان أراد بصلاته مع الإمام أن يجعلها فرضه والتي صلى وحده نافلة، أو أراد أن يكون الأمر إلى الله تعالى في صلاتيه، فليعد الثانية. ومن صلى في جماعة، لم يعد في جماعة أخرى، إلا أن يعيد في أحد المساجد الثلاثة ما صلاة في غيرها. ويجري مجرى الجمع الإمام يصلي في مسجده وحده لتخلف الجماعة عنه، فلا يعيد في

стр. 136

جماعة أخرى، ولا تعاد الجماعة في ذلك المسجد؛ إذ حكم صلاته حكم صلاة الجماعة. ولا تعاد الجماعة في مسجد واحد مرتين. ولا تترك الجماعة إلا لعذر عام كالمطر والريح العاصفة بالليل، أو خاص مثل أن يكون مريضا، أو ممرضا أو خائفا من السلطان، أو من الغريم وهو معسر، أو كان عيه قصاص مرجو العفو، أو كان عاريا. الفصل الثاني: في صفات الأئمة . قال الإمام أبو عبد الله: " الشروط المعتبرة في الإمامة: البلوغ والعقل والإسلام والذكورية والحرية والعدالة، والعلم بما لا تصح الصلاة إلا به قراءة وفقها، وسلامة الأعضاء التي يكنون فقدها قادحا في الصلاة ". وقد جمع فيما عدد بين شروط الصحة وشروط كمال الفضيلة، وها نحن نشرع في تمييزها بالتفصيل، فنقول: أما الصبي المميز، فلا تجوز إمامته في الفريضة ولا تصح، وقال أبو مصعب: " تصح وإن لم يجز ". وأما في النافلة فتصح وإن لم تجز، وق يل: تصح وتجوز. وأما المجنون، وفي معناه غير المميز، فلا خفاء بعدم الصحة فيهما. وأما المخالف في مسائل الاعتقاد هن فإن كان في الأصولية القطعية، وكان كفرا صريحا لا مراء فيه كاليهودية والنصرانية وشبه ذلك، فلا شك في عدم الإجزاء، وإن كان مما يشكل كونه كفرا كالاعتزال وغيره من مذاهب أهل الأهواء فقيل: لا تجزي الصلاة خلفه. وقد قال مالك:

стр. 137

" من صلى الجمعة وراء القدري أعادها ظهرا ". وقال أصبغ وابن حبيب ببطلان الصلاة خلف البدعي وأنها تعاد أبدا، إلا أن ابن حبيب اشترط أن لا يكون واليا، قال: فإن كان وليان فصلاة وراءه جائزة، وإن أعاد في الوقت فحسن. وقال ابن القاسم: " يعيد في الوقت ". وقال سحنون: لا يعيد في وقت ولا غيره، وحكاه عن جماعة من أصحاب مالك. ونزل الإمام أبو عبد الله هذا الاختلاف على الخلاف في التفكير بالمآل، وذكر عن مالك في ذلك قولين، وعن القاضي أبي بكر بن الطيب أيضا قولين، ثم قال عبد: " والمسألة مشكلة، وقد اضطرب فيها قول مالك وهو إمام الفقهاء، كما اضطرب فيها قول القاضي أبي بكر بن الطيب وهو إمام المتكلمين ". (فأما) إن كانت المخالفة في المسائل الفروعية الاجتهادية، فلا تمنع من الاقتداء به. وخرج أبو الحسن اللخمي خلاف في اقتداء أحد المجتهدين بالآخر من قول أشهب، في قوم صلوا في بيت مظلم، فأصاب الإمام القبلة وأخطؤوها أنهم يعيدون، وإن أصابوها وأخطأها الغ/اأعادوها أجمعون. وذكر قول أشهب أيضا فيمن صلى وراء من لا يتوضأ من مس الذكر: أنه لا ي عد، ومن صلى رواء من لا يتوضأ من القبلة أنه يعيد أبدا، لأن القبلة من اللمس. وقال سحنون: بل يعيد فيهما بحدثان ذلك فإن طال لم يعد. قال الإمام: " فخرج الشيخ أبو الحسن، يعني الخمي، على هذا صلاة المالكي خلف الشافعي، خلف المالكي، ورأى أنه يختلف فيها "، ثم قال الإمام: " وإجراء الخلاف ي ذلك على الإطلاق عندي لا يصح ". قال: " وقد حكى حذاق أهل الأصول إجماع الأمة على إجزاء صلاة الأئمة المختلفين في الفقه بعضهم وراء بعض "، ثم اعتذر عما حكى عن أشهب من الإعادة في القبلة أبدا، بأنه رأى أن المسألة من الوضوح بحيث تكاد

стр. 138

تبلغ مسائل القطع التي يقطع فيها بخطأ المخالف، قال: " وهذا معنى قوله: إن القبلة من اللماس لأن القرآن جاء به، فيكاد إيجاب الوضوء فيه يلحق بالمقطوع به ". قال: " وأدل دليل على صحة هذا التأويل تفرقته بين مس الذكر والقبلة "، ثم قال: " وعلى هذا يجري اختلاف لأصحابنا في نقض بعض الأحكام في مسائل اختلف فيها، وإمضاء الأحكام في غيرها، وإن كان قد اختلف فيها أيضا ". وأما المرأة، فلا تصح إمامتها للرجال ولا للنساء. وروي ابن أيمن جواز إمامتها للنساء. وأما العبد فتجوز إمامته في غير الجمعة إذا لم يكن إماما راتبا، وروى علي في المجموعة: لا يؤمن الأحرار، إلا أن يكون يقرأ وهم لا يقرؤون فيؤمهم في موضع الحاجة أيضا وكره مالك ﵁ وابن القاسم أن يؤم في الفرائض إمامة راتبة. (وأجاز ابن القاسم أن يؤم في التراويح إمامة راتبة). والسنن عند ابن القاسم كالعيدين والاستسقاء والكسوف كالفرائض، يكره أن يكون فيها إماما راتبا. وأجاز ابن الماجشون أن يكون إماما راتبا في الفرائض، قال الإمام: " ويتخرج على قوله جواز إمامته في السنن ".

стр. 139

وأما إمامته في الجمعة فمنعها ابن القاسم، وأمر بإعادة صلاته وصلاتهم. وأجازها أشهب. فنظر ابن القاسم إلى كونها غير متعينة عليه، فإذا أم فيها صار كمتنفل أم مفترضا، ونظر أشهب إلى أنه بتخيره لها دون الظهر، والتزامه لها، وشروعه فيها، صارت كالفرض المتعين، وفارقت النفل بأنه يسوغ له تركه إلى غير بدل، ولا يسوغ له تركها إلا إلى بدل، وهو الظهر. وأما الفاسق بجوارحه لا من جهة الاعتقاد والتأويل والاجتهاد، كالزاني وشارب الخمر، فاختلف المذهب فيه: (فقال ابن حبيب: من صلى وراء من شرب الخمر فإنه يعيد أبدا، إلا أن يكون الوالي الذي تؤدي إليه الطاعة، فلا إعادة على من صلى خلفه، إلا أن يكون حينئذ سركان قاله من قلبت من أصحاب مالك). وكذلك ذكر الشيخ أبو بكر أن الصلاة خلف الفاسق بغير تأويل تعاد أبدا، واختاره. " وقال في الموازية فيمن صلى وفي جوفه الخمر، وليس بسكران: إن من صلى خلفه يعيد أبدا، وكذلك روى عبد الملك بن الحسن عن ابن وهب في العتبية ". وقيل في إمامة الفاسق بجوارحه: تستحب الإعادة في الوقت. وأما الأمي الذي لا يحسن القراءة فلا تصح إمامته، مع حضور القارئ له ولا لغيره. وكذلك من كان لا يقدر على النطق بالحروف من مخارجها على الصحة، (بسبب (الجهل، وفي وجوب اقتدائه بمن يحسنها إذا قدر عليه خلاف. وأما الألكن، فتجوز إمامته للسالم من اللكنة. وقال الشيخ أبو القاسم: " إذا كان يقيم حروف فاتحة الكتاب "، قال الإمام أبو عبد الله: " وقد روي عن القاضي إسماعيل إجازة إمامة الألكن إذا كانت لكنته في غير محل قراءته "، قال: " وهذا الاشتراط لا معنى له، لأن التقصير في غير القراءة لا يؤثر في القراءة مع بعد حال اختلاف النطق بالحروف في القرآن وفي غير القرآن ".

стр. 140

وأما اللحان، فاختلف فيه المتأخرون، فقال الشيخ أبو الحسن: لا تصح الصلاة خلفه، ولو أن لحنه في غير أم القرآن، وقال أبو بكر اللباد: إن كان لحنه في أم القرآن لم تصح الصلاة خلفه، ووافقه الشيخ أبو محمد، ورأى أن الإمام لا تصح صلاه أيضا. وقيل: إن كان لحنه لا يغير معنى، صحت صلاته ما لم يعتمد ذلك، فيفسق بتعمده، (وإن) كان لحنه يغير المعنى: كقراءته إياك نعبد بكسر الكاف، أو أنعمت عليهم بضم التاء، لم تصح الصلاة. وإلى هذا ذهب القاضيان أبو الحسن وأبو محمد، وحكى أبو الحسن اللخمي قولا رابعا، وهو الصحة على الإطلاق. قال الإمام: " ولم أقف عليه "، ثم قال: " وسبب الخلاف في هذه المسألة اعتبار اللحن، هل هو مخرج للكلمة الملحون فيها عن كونها قررنا، وملحق لها بالكلام، أم لا؟ "، مكر وكذلك قال الشيخان أبو محمد وأبو الحسن في إمامة من لا يميز بن الضاد والظاهر: إن صلاته لا تصح، ولا خفاء ببطلان صالة من لا يحسن أداء الصلاة، وصلاة من ائتم (به). وأما نقص الخلقة، فهو على أقسام: الأول: لا تعلق له بالصلاة، ولا (يقرب) من الأنوثة كالعمي، فلا يمنع من صحة الإمامة، ولا من كمال فضيلتها. القسم الثاني: أن يكون مقربا من الأنوثة، وإن لم يتعلق بالصلاة كالخصاء، فتكره إمامة الخصي في الفرائض غمامة راتبة، وأجازها ابن الماجشون. قال الإمام: " ولا يلزم، على القول (بالكراهة)، كراهية إمامة العنين، فإن العنة ليست بحالة ظاهرة تقرب من الأنوثة، بخلاف الخصاء ".

стр. 141

القسم الثالث: أن يكون العضو له تعلق بالصلاة تعلق فريضة، كالسقيم العاجز عن القيام، فلا يؤم القيام. وروى الوليد بن مسلم إجازة إمامته لهم، وأجزها أشهب في مدونته، وفي (جواز) إمامته للجلوس المرضى خلاف. ولو لم يقدر إلا على الاضطجاع لم تصح إمامته للأصحاء بوجه، وكذلك إمامته لأمثاله لا تصح أيضا. وقيل: تصح. ولو كان يصلي إيماء، فقال الإمام: " ظاهر ما أشار إليه أصحابنا أنا لا نجيزها، وإن أجزنا إمامة الجالس، فإن صلاة المومي لا ركوع فيها ولا سجود، ولا يجوز أن يأتم به من في صلاته ركوع وسجود، كما لا يأتم مصلي الفرض بمصلي الجنازة ". القسم الرابع: أن يتعلق بها تعلق فضيلة، كقطع اليد أو شللها، فجمهور أصحابنا على جواز الائتمام به، لأنه عضو لا يمنع فقده من فرض من فروض الصلاة، فجازت الإمامة الراتبة مع فقده كالعين. وقال ابن وهب: " لا أرى أن يؤم الأقطع، والأشل إذا لم يقدر أن يضع يديه في الأرض؛ لأنه وإن بلغ نهاية طاقته في فعل لا يتحمله عن المأموم، فإنه منتقص عن درجة الكمال، فكرهت إمامته لأجل النقص ". وتكره إمامة الأعرابي للحضريين، واختلف الأصحاب في تعليل ذلك. فقال ابن حبيب: " إنما نهى مالك عن إمامة الأعرابي للحضريين، وإن كان أقرأهم لجهله بسنة الصلاة ". وقال بعض المتأخرين: لمداومته على ترك بعض الفروض، كالجمعة وإكمال الصلاة، بكثرة أسفاره. ويكره أن يتخذ ولد الزنى إماما راتبا. وكذلك المأبون والأقلف. وقيل:

стр. 142

يجوز اتخاذهم أئمة راتبين إذا كانوا صالحي الأحوال في أنفسهم، سالمين من النقائض التي تقدم ذكرها. هذا حكم الإجزاء والكمال، فإما الأولوية، فمن انفراد بالعلم والورع فهو أولى؛ إذ بهما يحسن الأداء وتحصل الشفاعة، فإن تعدد من جمعهما، رجح بغيرهما من الفضائل الشرعية والخلقية والمكانية، كالشرف في النسب، والسن، وكمال الصورة، ويلحق به حسن اللباس وذكر الشيخ أبو إسحاق الترجيح بصباحة الوجه، وحسن الخلق. وكملك رقبة المكان أو منفعته، وقد قال مالك ﵁: " صاحب الدار أولى بالإمامة وإن كان عبدا، ولو كانت الدار لامرأة لم يبطل حقها، بل لها تستخلف من يؤمن، ويستحب لها أن تستخلف أحق القوم الإمامة ". ويرجح بالإمارة، فيتقدم الأمير على الرعية، إذا كان صالحا للإمامة، سليما من النقائص القادحة، فمن اجتمع فيه هذه الوجوه فلا خفاء بأنه أولى، فإن نقص بعضها وكان أكمل من غيره قدم. ويقدم الفقيه على الصلاح وعلى القارئ، ويقدم الأفقه على الأقرإ، لأن ما تحتاج إليه الصلاة من القرآن محصور، وما يحتاج إليه من الفقه غير محصور، فما كان لا ينحصر المقدار المحتاج إليه منه كان أولى بالمراعاة، فالمكثر منه أولى من المقل بالإمامة، فإن اجتمع من تساوت أحوالهم في جميع ما ذكر أو بعضه وتشاحوا، أقرع بينهم إذا كان مقصدهم حيازة فضل الإمامة لا طلب الرئاسة (الدنيوية). الفصل الثالث: في شروط القدوة ويرجع ذلك إلى شروط أربعة: الأول: نية الاقتداء، فإن تابع من غير نية بطلت صلاته، ولا يلزم الإمام أن ينوي الإمامة إلا في ثلاثة مواضع: الجمعة، وصلاة الخوف، وانتقال حالته إلى الاستخلاف بعد أن كان مأموما. الثاني: ألا ينزل جنس صلاة الإمام عن جنس صلاة المأموم، كمنتفل يؤم مفترضا. الثالث: اتحاد الفرض المؤتم فيه، فلا يصلي الظهر من يصلي الصبح أو غيره.

стр. 143

الرابع: المتابعة والمساوقة دون المساواة والمسابقة، وروى ابن حبيب أن للمأموم أن يفعل مع الإمام معا، إلا الإحرام والقيام من اثنتين والسلام فيفعله بعده. (ثم) على كلا المذهبين لا تبطل الصلاة بالمساواة، أو التقدم في شيء من الأفعال سوى الإحرام والسلام. وروى سحنون عن ابن القاسم: وإن أحرم معه أجزاه، وبعده أصوب. قال سحنون في المجموعة: هذا قول عبد العزيز، وقول مالك أنه يعيد الصلاة. وحيث صححنا، فيؤمر بالعود إلى ما فعله قبل الإمام، حتى يكون فاعلا له بعده، ما لم يلحقه الإمام، ثم إن لم يفعل، فصلاه صحيحة على المنصوص. وليس ترتيب الموقف بشرط في صحة الصلاة، لكن الأولى أن يقف الواحد عن يمين الإمام، فإن قام أمامه أو خلفه، أو عن يساره، لم تبطل صلاته. وكذلك لو صلى على أرفع مما عليه إمامه، أو أخفض من غير قد إلى التكبير، إذا كان الارتفاع يسيرا كالشبر وعظم الذراع ونحوه، فإن كان كثيرا، فللمتأخرين في بطلان صلاة المرتفع ثلاثة أقوال: البطلان، ونفيه، ومأخذهما النظر إلى ظاهر العموم، أو إلى فقد العلة وهي التكبر والتفرقة، فيعتبر قصد التكبر في المأموم وتبطل على الإمام مطلقا من غير اعتبار قصد؛ لأن ارتفاع الإمام فعل تقدم على جهة الكبر، فمنع في القاصد وغيره حسما لذريعة، ولو قصد المرتفع منهما التكبر لعصى وبطلت صلاه وصلاة من خلفه إن كان الإمام. والأحسن أن يقف الاثنان خلف الإمام، وكذل ما زاد عليهما، فإن (كانت) معهما امرأة قامت وراءهما، وتقوم وراء الإمام وحدها، أو مع غيرها من جنسها، أو مع كون الواحد عن يمينه. والمنفرد وراء الصف إن وجد فرجة تقدم إليها، فإن لم يجد، لم يجذب إليها أحدا من الصف، لكي لا يختل. فروع مرسلة: صلاة المسمع والصلاة به، حكى بعض المتأخرين في صحتها وبطلانها ثلاثة أقوال، يفرق في الثالث، فتصح مع وجود إذن الإمام، وتبطل مع عدمه. وفي الحواشي لعبد الحق: سألت الشيخ أبا عمران عن صلاة الناس بالمسمع يكبر لهم إذا كبر الإمام، ويسمعهم السلام إذا سلم؟ فقال: قد كان الشيخ أبو القاسم يفعله، قال عبد الحق: أراه يريد ابن شبلون فقال لي: وقد أجاب الشيخ أبو الحسن بن محرز باستخفاف ذلك، وأن ابن عبد الحكم أمر المؤذنين به.

стр. 144

والمسبوق ينبغي أن يكبر للعقد ثم للهوى، فإن اقتصر على واحدة وقصد بها العقد أجزأته، وإن قصد بها الهوي أن أطلق انتفى الإجزاء، وفيه رواية لابن وهب. ولو أحدث الإمام من غير تعمد، لم تبطل صلاة المأموم، إلا أن يتمادى على الإمامة بعد الحدث. والمنفرد ليس له نقل صلاته وتحويلها إلى الجماعة، وكذلك المؤتم لا يجوز له أن ينقل صلاته من الجماعة إلى الانفراد. واختلف فيمن اضطر إلى ذلك، كمريض اقتدى بمثله ثم صح، فذهب سحنون إلى إنه يخرج من صلاة الإمام، ويتم لنفسه؛ كما يصير الإمام مأموما لوجود عذر. وقال يحيى بن عمر: يتمادى لأنه دخل بما يجوز له. وإذا شك المسبوق أن الإمام هل رفع رأسه من الأولى قبل ركوعه أم لا؟ لم يعتد بها. قال ابن الماجشون: إذا شك في أن يكون أدرك الركعة معه، فليتماد منه، ويعيد الصلاة، وترك الركوع إذا خشي أن يعجله أو يشك في ذلك أولى. قال ابن القاسم عن مالك: " وحد إدراك الركعة أن يمكن يديه من ركبتيه، قبل رفع الإمام رأسه ". والمسبوق عند سلام الإمام، يقوم من غير تكبير، إذا كان جلوسه لمتابعة الإمام، وإن كان موضع جلوس له هو أيضا قام بتكبير. وقال ابن الماجشون: يقوم بتكبير على كل حال، ثم إذا قام أكمل صلاته. (واختلف المتأخرون في مقتضى المذهب في كونه قاضيا أو بانيا على ثلاث طرق: الأولى: طريقة الشيخ أبي محمد وجل المتأخرين، أن المذهب كله على قول واحد، وهو البناء في الأفعال، والقضاء في الأقوال. الثانية: طريقة بعض القرويين، " أن المذهب على قولين في القراء خاصة، وعلى قول واحد في الجلوس "

стр. 145

الثالثة: طريقة أبي الحسن اللخمي، أن المذهب على ثلاثة أقوال: أحدها: أنه بأن في الأقوال والأفعال، والثاني: أنه قاض فيهما، والثالث: أنه قاض في القراءة، بأن في الأفعال). وأقرب ما فرق به بين الأفعال والأقوال في هذه الطريقة، أنه رأى أن ما أدرك هو أول صلاته حقيقة، فلذلك (يبني) على الجلوس، ولكنه يزيد فيما يأتي به سورة مع أم القرآن إذ لا يفسد الصلاة، ولا ينقص كمالها زيادة السور، بل ينقص الكمال نقصها، فيأتي بالسورة ليتلافى ما فاته من الكمال. الفصل الرابع: في استخلاف الإمام عند حاجته إلى ذلك والنظر في محل الاستخلاف وكيفيته، وصفة المستخلف وفعله: أما محله، فهو حيث طرأ على الإمام ما يفعله من التمادي على الإمامة خاصة، أو يمنعه التمادي على الصلاة جملة. فالأول: كتقصيره عن فرض من الفروض، مثل من عجز عن القيام مثلا، فإنه يستخلف ويرجع إلى الصف فيتم مؤتما بمستخلفه، وكذلك لو حصر عن القراءة فعلم أنه لا يقدر على القراءة في بقية الصلاة، فقال ابن سحنون: إن يستخلف ويصلي مأموما خلف النائب عنه، قال الإمام أبو عبد الله: " ولو حصر عن قراءة بعض السور التي مع أم القرآن لم يكن له عنيد أن يستخلف، لأن صلاته تصح مع تركه فعل ما عجز عنه ". والثاني: كغلبة الحدث أو تذكاره، أو الرعاف الذي يقطع لأجله، وقد تقدم الخلاف في ذاكر صلاة منسية ". وأما كيفيته، فالأولى أن يستخلف بالإشارة، فإن تكلم لم تبطل الصلاة وصح الاستخلاف؛ لأنه بالطارئ قد خرج عن أن يكون إماما، والأولى أن يستخلف من يقرب موضعه منه، فإن استخلف من بعد أتم في مكانه، ولم ينتقل إلى مكان الإمام. ولو طرأ سبب الاستخلاف في حالة الركوع أو في حالة السجود، فهل يستخلف في الحالة أو يرفع رأسه ثم يستخلف؟ حكى الشيخ أبو الطاهر في ذلك قولين.
следующие страницы →