← Фикх малики

Фикх малики · id 14594

عقد الجواهر الثمينة في مذهب عالم المدينة

ابن شاس

Полный текст (1 311 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

ويستحب أن تؤدي بالجماعة، وليس فيها خطبة قبل الصلاة ولا بعدها، بل إذا فرغ استقبل الناس فذكرهم وخوفهم، وأمرهم أن يدعوا الله إذا رأوا ذلك، ويكبروا ويتصدقوا. فروع: الأول: المسبوق إذا أدرك الركوع الثاني، فقد أدرك الركعة ولا يقضي شيئا منها. الثاني: تفوت صلاة الكسوف بالانجلاء، وبغروب الشمس كاسفة. الثالث: إذا اجتمع كسوف وجمعة، قدمت الجمعة عند خوف الفوات، وإن أمن منه، قدمت صلاة الكسوف. ولو اجتمع جنازة مع هاتين الصلاتين فهي مقدمة، إلا أن يضيق وقت الجمعة، فإنها تقدم عند ضيق وقتها. وتكلم بعض العلماء على اجتماع عيد وكسوف مع خوف الفوات، واعترض عليه بأن العيد لا يجتمع مع الكسوف في العادة. وقال من اعتذر عن ذلك: لا ينكر فرض اجتماع العيد والكسوف، فإن الله على كل شيء قدير. وأيضا فإن كانت العادة قد تقررت بخلاف هذا الفرض، فإن هذا حكم هذه الصورة لو تصورت، والفقيه يتكلم على ما يقتضيه الفقه على الجملة. واعترض الإمام أبو عبد الله هذا بأنه وإن كان جائزا عقلا لا يستحيل تعلق القدرة القديمة به، إلا أنه على خلاف العادة التي أجراها الله سبحانه، وليس من دأب الفقهاء تقدير خوارق العادة، والكلام على حكمها. ولا تصلى صلاة الكسوف للزلازل وغيرها من الآيات. وصلاة خسوف القمر ركعتان كسائر النوافل، ولا يجمع لها. وقيل: يجمع لها قياسا على صلاة كسوف الشمس. والمنصوص أن صلاة كسوف الشمس يؤمر بها كل مكلف من الرجال والنساء، ومن عقل الصلاة من الصبيان، والمسافرين والعبيد. وقال الشيخ أبو إسحاق في مختصره: إذا كانت قرية فيها خمسون رجلا ومسجد يجمعون فيه الصلوات، فلا بأس أن يجمعوا صلاة الكسوف، وتصلي المرأة صلاة الكسوف في بيتها ومن أعجله السير فليس عليه صلاة الكسوف.

стр. 177

فاستقرأ بعض المتأخرين من اعتباره الخمسين أنها كالجمعة، فلا يؤمر بها إلا من يؤمر بالجمعة خاصة. قال الإمام أبو عبد الله: " والذي حكاه ابن شعبان من صلاة المرأة في بيتها، واشتراط عجلة المسافر في سقوط صلاة الكسوف، قد يشير إلى خلاف هذا التأويل. الباب الرابع عشر: في صلاة الاستسقاء وهي سنة عند المحل والجدب لحياة الزرع وغيره، وعند الحاجة لشرب الحيوان: الإنسان والبهائم، كما يحتاج إلى ذلك من كان في صحراء، أو سفينة، أو أهل بلد. وكذلك إذا جاء من الماء ما هو دون الكفاية، وتفعل لتأخير مدد النهر، كما تفعل لتأخير نزول الغيث. ولو تأخر عن طائفة من المسلمين، قال بعض المتأخرين: تستحب لغيرهم أيضا هذه الصلاة، فيستسقي المخصبون للمجدبين. وقال الإمام أبو عبد الله في ذلك: " عندي نظر "، قال: " ولا شك أن دعاء المخصبين للمجذبين مندوب إليه، وأما إقامة سنة صلاة الاستسقاء في مثل هذا، فلم يقم عليه دليل ". (ولا بأس بتكريرها إذا تأخرت الإجابة، قال ابن حبيب: ولا بأس أن يستسقى أياما متوالية. ولا بأس أن يستقى في إبطاء النيل، قال أصبغ: قد فعل ذلك عندنا بمصر خمسة وعشرين يوما متوالية يستقون على سنة الاستسقاء، وحضر ذلك ابن القاسم وابن وهب ورجال صالحون فلم ينكروه). ويستحب أن يأمر الإمام قبله بالتوبة والإقلاع عن الذنوب والآثام والمظالم، وأن يتحالل الناس بعضهم من بعض مخافة أن تكون معاصيهم سبب منع الغيث، قال الله تعالى: ﴿وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم﴾. أيضا فقد تمنع المظالم من إجابة الدعاء، كما جاء في الحديث الصحيح ويأمرهم بالتقرب الصدقات لعلهم إذا أطعموا فقراءهم أطعمهم [الله]، فإن الجمع فقراء إليه. وليس من سنته الأمر بصيام قبله، واستحبه ابن حبيب.

стр. 178

ويخرج الإمام بها إلى المصلى فيس ثياب بذلة بسكينة ووقار، متواضعين متخشعين متورعين وجلين. قال بعض العلماء: وذلك لأن العبد الجاني إذا رأى مخائل العقوبة المهلكة من مولاه، لم يأته راغبا في رفع العقوبة والصفح، إلا وأمارة الذل بادية عليه، والخوف آخذ بناصيته. والمشهور أن إخراج الصبيان والبهائم فيها غير مشروع، وقيل: يخرجون. وأما النساء فلا خلاف في منع من يخشى من خروجها الفتنة، وأما من لا يخشى ذلك منها، فحكمها حكم الصبيان والبهائم. وفي إباحة خروج الذمة خلاف، أباحه، في المدونة، ومنعه أشهب في مدونته، ثم إذا قلنا بالإباحة فهل ينفردون بيوم، أو يخرجون مع الناس ويكونون على جانب، خشية أن يسبق قدر بسقيهم، فيفتتن ضعفاء المسلمين بذلك؟ فيه خلاف أيضا. فقال القاضي أبو محمد: " لا بأس بانفرادهم "، ومنعه ابن حبيب. وتصلى ركعتين كسائر النوافل، ويجهر فيهما بالقراءة بسبح ونحوها، ثم يخطب كخطبة العيد، ولكن يبدل التكبيرات الاستغفار. وقيل: يقدم الخطبة على الصلاة، ثم يبالغ في الدعاء في الخطبة الثانية، ويستقبل القبلة فيها، ويحول وداءه تفاؤلا بتحويل حال، فيجعل ما ي لي ظهره إلى السماء، وما على اليمين على اليسار، ولا ينكسه فيجعل أعلاه أسفله. [تم كتاب الصلاة والحمد لله حق حمده، والصلاة على سيدنا محمد وآله].

стр. 179

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ [صلى الله على سيدنا محمد] كتاب الجنائز والنظر فيه يتعلق بآداب المحتضر، وبغسل الميت وتكفينه، وحمل جنازته، والصلاة عليه، ودفنه، والتعزية، والبكاء عليه، فيجري فيه على ترتيب ما يفعل من حين الاحتضار إلى إكمال المواراة. القول في آداب المحتضر: وليوجه على جنبه الأيمن، وصدره إلى القبلة، كما يجعل في لحده، فإن تعذر ذلك فعلى ظهره، وأخمصاه إلى القبلة. وقيل: بل الأولى الصورة الثانية، وفي المجموعة من رواية ابن القاسم في التوجيه، قال: ما أعلمه من الأمر القديم. قال ابن حبيب: ولا أحب لأهل الميت توجيهه حتى يغلب ويعاين ويوقن بالموت، ومن علامة ذلك إحداد نظره، وإشخاص بصره. قال ابن حبيب: وقد سئل عنه مالك، فقال: إنما أكره أن يفعل ذلك استنانا. (ويلقن) المحتضر الشهادة، واختلف في تلاوة سورة يس أو غيرها عنده، فاستحب وكره خوف التحديد، وليكن هو في نفسه حسن الظن بالله تعالى.

стр. 180

ثم إذا مات تغمض عيناه، قل ابن حبيب: ومن السنة إغماض الميت حين يموت، ثم يشتغل بغسله. القول في الغسل، والنظر في كيفيته، وفي الغاسل: أما الكيفية فأقله إمرار الماء على جميع جسده وأعضائه مع الدلك، وأما الأكمل، فأن يحمل إلى موضع خال ويوضع على سرير، وينزع قميص الرجل، وتستر عورته، ويحضر ماء طهور بارد أو حار، ثم يبدأ بغسل يديه، ثم ينظفه من أذى إن كان عليه، ولا يفضي بيده إلى عورته إن احتاج ذلك إلا وعليها خرقة. قال في المختصر: إلا لأمر لا بد منه، وقال ابن حبيب: لا يباشر عورته، وإن احتاج إلى ذلك. ويعصر بطنه عصرا خفيفا ااحتاج إلى ذلك، ثم يتعهد أسنانه ومنخريه بخرقة مبلولة، يم يوضأ على المشهور، ثم يضجع على جنبه الأيسر، فيغسل جنبه الأيمن، ثم يضجع على شقة الأيمن، فيغسل الشق الأيسر، وذلك غسلة واحدة، ثم يفعل ذلك ثلاثا، وفي تكرير الوضوء في كل دفعة خلاف، فإن حصل الإنقاء وغلا فخمس أو سبع. (ثم ينشف. قال محمد بن عبد الحكم: وينجس الثوب الذي ينشف به، وقال الشيخ أبو إسحاق: لا يصلي فيه حتى يغسل، وكذل كل ما أصابه من مائه. وقال سحنون: لا ينجس الثوب، وهو اختيار القاضي أبو الحسن. وسبب الخلاف: الاختلاف في نجاسة الميت وطهارته). ويستعمل السدر في أضعاف الغسل، ولا يسقط الفرض به إذا قلنا: إن الغسل للعبادة، بل لا بد من غسله بالماء القراح يبدأ به، ثم يضاف السدر إلى الماء فيما بعد، فإن لم ي كن، فغسول أو غيره مما ينقي كالحرض وهو الأشنان، وكالنطرون ونحوهما، ثم الكافور في الأخير إن وجد، فإن تعذر فغيره من الطيب، فإن خرجت (منه) نجاسة بعد الغسل، أزيلت النجاسة ولم يعد. النظر الثاني: في الغاسل، ويجوز للرجال غسل الرجال، وللنساء غسل النساء، وعند اختلاف الجنس، فأما مع الصغر، (فقال في المختصر: لا بأس أن تغسل المرأة الصبي ابن ست سنين أو سبع، ولا بأس أن يغسل الرجل الصبية الصغيرة إن احتيج إلى ذلك. وقال ابن حبيب:

стр. 181

يغسل النساء الصبي ابن سبع سنين وما قاربها، ولا يغسل الرجل الصبية بنت سبع سنين ونحوها، إلا الصغيرة جدا، قاله مالك وأصحابه. وروى نحوه في المجموعة في الصبي. وقال أشهب في الصبية: إذا كان يشتهي مثلها فلا يغسلها (الرجال)، وذلك يتقى منها قبل اتقائه من الصبي. وقال ابن القاسم: لا يغسل التي لم تبلغ، قال عنه ابن مزين: وإن صغرت جدا، وفي سماع ابن وهب: إن مالكا أجاز للنساء غسل الصبي ابن سبع سنين. وأما مع الكبير فيمنع في الأجنبية فلا يغسلها، ولا تغسله، بل ييممها إلى الكوعين، وتيممه إلى المرفقين، ويجوز في مباحة الوطء إلى حين الموت بعقد نكاح أو بملك يمين، فيغسلها وتغسله، وتستر عورة الميت منها. وأجاز ابن حبيب أن تكون عورته بادية، ويجوز أيضا في ذات المحرم، فيغسلها من فوق الثوب. قال ابن حبيب: ويصب الماء عليها من تحت الثوب ويجافيه لئلا يلتصق بجسدها، فيصف إذا ابتل عورتها، وتغسله هي أيضا من فوق الثوب في رواية موسى عن ابن القاسم. وفي الكتاب: " يغسلنه ويسترنه "، قال أبو إسحاق التونسي: وظاهر هذا أنهن يجردنه للغسل، وروي: ييممها وتيممه أحب إلي، وإن غسلنه رجوت سعة. وقال أشهب: " أحب إلي في أمه وأخته أن ييممها، وكذلك المرأة في ابنها "، ولو حضر كافر من جنس الميت، فقال مالك:: " يعلم الكافر من حضر من النساء، والكافرة من حضر من الرجال، ويتولون الغسل ". وقال أشهب في المجموعة: لا يلي ذلك كافر ولا كافرة، وإن وصف لهما، ولا يؤتمن على ذلك كافر. وقال سحنون: يدعون الكافر يغسله، وكذلك الكافرة في المسلمة، ثم يحتاطون بالتيمم فيهما. وفي النوادر: " وليس للمسلم غسل زوجته النصرانية، ولا تغسله هي إلا بحضرة المسلمين ". فروع: في الزوجين: ما تقدم من جواز الغسل بينهما هو حكم النكاح الصحيح اللازم، فأما إن كان فاسدا، فإن كان فساده يقتضي الفسخ إلى حين الموت، فلا غسل بينهما، وإن كان بخلاف ذلك، غسل كل

стр. 182

واحد منها صاحبه، وإن أن العقد صحيحا، لكن فيه خيار، فإن كان لظهور عيب فلا يمنع الغسل، وكذلك إن كان لتزويج الأبعد مع وجود الأقعد، وإن كان لعقد غير الولي على ذات القدر مع وجود الولي، فلا غسل بينهما. واختلف في الرجعية، ففي الكتاب: " لا يغسلها "، وروى عن ابن القاسم أنه يغسلها، وأنه يحدث بالموت من إباحة الرؤية لها ما لم يكن في حال الحياة لحق الموارثة التي بينه وبينها. ولو تزوج أخت زوجته، فأجاز ابن القاسم في المجموعة أن يغسلها، ثم كرهه. وقال أشهب: أحب إلي أن لا ي فعل، وقاله ابن حبيب. (وللزوجة أن تغسل زوجها وإن وعضت ما في بطنها وانقضت عدتها). قال ابن الماجشون: إذا وضعت وهي على سريره، فيجوز لها أن تنكح زوجا غيره، ويجوز لها أن تغسله. وإذا اجتمع جمع يصلحون للغسل، فالبداية بالأزواج، وعند العدم أو الامتناع ينتقل الحق إلى الأولياء على ترتيب الولاية، لكن المشروع أن يغسل الرجال الرجال، والنساء النساء، وتكون البنت وابنة الابن في حق المرأة كالابن وابنه في حق الرجل، ويجري ذلك على ترتيب الأولياء. ويقضي بالغسل للزوج إذا طلبه، وفي كتاب محمد: إلحاق الزوجة به في ذلك، وقال سحنون: لا يقضي لها بغسله، فقيل: لأن للزوج تحصينها حية وميتة، وليس ذلك للزوجة. وقيل: لأن الزوج يجوز له أن يرى زوجته، ولا يجوز لأوليائها رؤيتها، وأولياء الرجل يجوز لهم رؤية وليهم مجردا، فهم أولى منها. وحكم الزوجين من الرقيق حكم الأحرار، إلا أن استيفاء الحق يقف على إذن السادة.

стр. 183

فروع: في بقايا أحكام الغسل. ويفعل بالمرحم كما يفعل بالحلال في الغسل والطيب، وكذلك المعتدة هي كغيرها، فلا تصان عن الطيب، ولا يقلم للميت ظفر، ولا يحلق له شعر، ولا يغير في هيئته أصلا. (قال ابن حبيب: ولا يؤخر حمل الميت بغد غسله، فإن تأخر حمله كالغد، لم يعد غسله، قال: ولا بأس عند الوباء وكثرة الموت واشتداد غسل الموتى على الناس لكثرتهم، أن يكتفي في ذلك بالغسلة الواحدة من غير أن يوضأ، ويكتفى بصب الماء صبا. قال: ولو نزل الأمر الفظيع، فكثر فيه الموتى الذين لا أهل لهم، ولا من يقوم بغسلهم، فلا بأس أن يقبروا بغير غسل إذا لم يوجد من يغسلهم، وأن يجمع منهم النفر في القبر الواحد؛ كذلك قال في أصبغ وغيره من أصحاب مالك). القول في التكفين: والمستحب في لون الكفن البياض، ويجوز غيره، إلا المعصفر ففيه خلاف. قال في المختصر: لا يكفن فيه إلا أن يضطر إليه). وفي المجموعة من رواية علي: " لا بأس بذلك للرجال والنساء ". وأما جنسه، فالقطن والكتان، وكل ملبوس جائز لباسه في حال الحياة. واختلف في الحرير، فمنعه في الكتاب للرجال والنساء، وقال في المختصر: لا يكفن فيه إلا أن يضطر إليه، قال أبو الحسن اللخمي: " وأجاز في سماع ابن وهب الحرير للرجال والنساء "، وقال: " لا أحب ذلك، فإن فعل فواسع ". قال: " ورأى أن المنع سقط بالموت لأنه حينئذ غير مخاطب، فأشبه لباس الصبيان في حال الحياة ". وقال ابن حبيب: يجوز

стр. 184

ذلك النساء، ويمنع (للرجال)، فأجراهم فيه على حكم الحياة. ونص في الكتاب على " كراهية التكفين في الخز ". (قال) ابن القاسم: " وكره الخز لمكان سداه الحرير ". وأما عدده، فأقله ثواب واحد ساتر لجميع الجسد، والثوب الثاني والثالث حق للميت في التركة. قال عيسى في شرح ابن مزين: يجبر الورثة والغرماء على ثلاثة أثواب من مال الميت، وتنفذ وصيته بإسقاطها لأنهما حقه. (ووقع لسحنون أنه إذا أوصى بثوب، فزاد بعض الورثة ثانيا، فلا ضمان عليه إن كان في المال محمل له، وليس للورثة المضايقة فيهما ولا للغرماء المنع منهما وغن استغرق الدين ماله. قال الشيخ أبو الطاهر: " وهذا يشعر بأن الاقتصار على الثوب الواحد منهي عنه ". (" قال ابن سحنون عن أبيه في غريب لا يعرف له أهل، مات عن دينار أو دينارين، قال: لا بأس في مثل هذا اليسير أن يجعل كله في كفنه وحنوطه وقبره ". فرع: لو كفن ثم سرق كفنه بعد دفنه، فقال أصبغ: " لا يلزم ورثته تكفينه ثانية في بقية ماله، إلا أن يشاءوا، أو يحتسب (في) ذلك محتسب. قال ابن سحنون: فإن وجد الكفن الأول بعد أن دفن فهو ميراث. وقال ابن القاسم: " على ورثته أن يكفنوه من فيه بقية تركته، وإن كان عليه دين محيط، فالكفن الثاني أولى ". وقال سحنون: " إن قسم ماله فليس ذلك على ورثته، فإن كان قد أوصى بثلثه، فلا يكفن من ثلث ولا غيره. قال عنه ابنه: إلا أن يكون ذلك بحدثان دفنه، ولم يقسم ماله بعد،

стр. 185

فليكفن ثانية من رأس ماله ". ومن لا مال له يكفن من بيت المال، فإن لم يكن بيت مال، فكفنه على كافة المسلمين. وهل يلزم تكفينه من كانت نفقته لازمة له قبل الانتقال إلى بيت المال أم لا؟ أما السيد فليزمه، وفي كل واحد من الولد والوالد قولان: الإلزام لابن القاسم وابن الماجشون، ونفيه لأصبغ. واختلف في ذلك قول سحنون، فقال مرة: ذلك على الأب في ابنه الصغير وابنته البكر، وقال مرة: ليس ذلك عليه، وقال أيضا: استحسن ذلك في الولد، أما الأبوان فلا شيء عليه فيهما. واختلف في الزوجة، فقال مالك في العتبية: " إن كانت موسرة فمن مالها، وإن كانت معسرة فعلى الزوج. وقال ابن القاسم وسحنون: لا شيء على الزوج بحال، وقال في الواضحة: " يقضي على الزوج بتكفينها، وغن كانت موسرة ". والزيادة على الثلاثة إلى الخمسة مستحسنة للرجال والنساء، وهي في حقهن آكد. والزيادة إلى السبعة غير مكروهة، وما زاد عليها سرف. ولو أوصى بسرف في عدد الكفن أو جنسه، أو في الحنوط أو غيره، كان السداد في رأس المال، واختلفت الرواية في الزائد هل يسقط أو يلزم من الثلث؟ ثم إذا كفن في خمسة فعمامة وقميص ومئزر ولفافتان، واستحب أن يشد على المئزر بعصائب من حقويها إلى ركبتيها، وإن كفنت في ثلاثة، فكالرجل. ثم يذر على كل لفاطة حنوط، ويوضع الميت عليه، ويلصق بجميع منافذ البدن من المنخرين والأذنين والعينين وشبه ذلك قطنة عليها كافور، ثم يلف الكفن عليه، بعد أن يبخر بالعود أن تيسر، ويشد الكفن من عند رأسه ورجليه، وقيل: يخاط، ثم يحل ذلك عند الدفن، ثم تحمل الجنازة.

стр. 186

قال ابن القاسم: ولا يترك ستر المرأة بقبة في سفر أو حضر إذا أمكن. والمشي أمام الجنازة أفضل، وفضل الراكب وراءها، وقيل بالتقديم للماشي والراكب. وقيل: بالتأخر لهما، وهما شاذان، والإسراع بها أولى. قال في الكتاب: " ولا بأس أن تتبع المرأة جنازة ولدها ووالدها وزوجها وأخيها إذا كان ذلك مما ي يعرف أنه يخرج مثلها على مثله، وإن كانت شابه، ويكره لها الخروج على غير هؤلاء ممن لا ينكر لها الخروج عليهم من قرابتها ". وقال ابن حبيب: يكره خروج النساء في الجنائز، وإن كن غير نوائح ولا بواكي، في جنائز أهل الخاصة من ذوي القرابة وغيرهم. وينبغي للإمام أن يمنعهن من ذلك، فقد " أمر النبي ﷺ بطرد امرأة رآها في جنازة فطردت حتى لم يرها ". وقال لنساء رآهن في جنازة: " أتحملنه فيمن يحمله؟ قلن: لا، قال: أفتدخلنه قبره فيمن يدخله؟ قلن: لا، قال: أفتحثين عليه [التراب] فيمن يحي عليه؟ قلن: لا، قال: فارجعن مأزورات غير مأجورات ". قال: وكان مسروق يحثي في وجوههن التراب ويطردهن، فإن رجعهن وإلا رجع. وكان الحسن يطردهن، وإذا لم يرجعن لم يرجعن ويقول: ذلك ندع حقا لباطل. وقال انخعي: كانوا إذا خرجوا بالجنائز غلقوا الأبواب على النساء، وقال ابن عمر: ليس للنساء في الجنائز نصيب. القول في الصلاة: وهي فرض على الكفاية، وقال أصبغ: هي سنة، ومال إليه الشيخ أبو الحسن تنزيلا على المذهب. ثم النظر في أربعة أطراف. الأول: فيمن يصلي عليه، وهو كل ميت مسلم، ليس بشهيد. والاحتراز بالميت عن عضو الآدمي، فإن لا يصلي عليه. (قال) ابن حبيب: إلا أن

стр. 187

يعلم موت صاحبه، فيصلي عليه، وينوي به الجميع. واختلف في الصلاة على نصف الجسد أو أقله، فأما لو وجد أكثره لصلي عليه. وذكر الشيخ أبو الطاهر في هذه الصورة نفي الخلاف في المذهب، إلا ما عند ابن حبيب أنه إذا كان الجسد مقطعا فلا يصلي عليه، وعلل (بأن) الصلاة لا تكون إلا بعد الغسل، وهذا لا يمكن غسله. ولا يصلى على السقط الذي لم يستهل صارخا، ولا دلت أمارة على حياته، ولا يغسل، ولكن يواري بخرقة ويدفن. فإن دلت أمارة على حياته من صراخ أو ارتضاع أو دوام الحركة أياما، أو وجود الإحساس، وشبه ذلك، فهو كالكبير. واحترزنا بالمسلم عن الكافر، فإنه لا يصلى عليه ذميا كان أو حربيا، لكن يوارى الذمي ويدفن وفاء بذمته إذا خشي عليه أن يضيع، ولم يوجد أحد من أهل دينه. وكذلك لو كان له نسيب مسلم، فإنه يخلى بينه وبينهم، فإن لم يجد من يكفنه لفه في شيء وواراه، ولا يغسله، ولا يصلي عليه. قال ابن حبيب: إلا أن يكون ممن يلزمه أمره، مثل الأم النصرانية أو الأب أو الأخ النصرانيين، فلا بأس أن يحضره ويلي أمره وكفنه حتى يخرجه ويبوء به إلى أهل دينه، فإن كفي دفنه ولم يخش الضيعة عليه فلا يتبعه، وإن خشي ذلك فليتقدم أما من جنازته ليسبقهم إلى قبره، وإن لم يخش الضيعة، إلا أن أحب أن يصحب جنازته ويحضر دفنه، مثل أن تكون أمه فيجد لها، ويحب برها، فلا بأس أن يمشي أمام جنازتها معتزلا منها وممن يحملها من أهل دينها. ولو اقتتل المسلمون والمشركون ولم يتميزوا، فحكى القاضي أبو الحسنه عن أبي التمام: " أنه يصلى عليهم وينوي المسلمون ". أما الشهيد فلا يغسل ولا يكفن ولا يصلى عليه، ويدفن بثيابه، ويستحب أن يترك عليه خفاه وقلنسوته. قال أشهب كلا يغسل وإن كان جنبا. وقال سحنون: إن كان جنبا غسل. قال ابن حبيب: ولا ينزع عن الشهيد شيء، إلا السلام ما كان من درع أو مغفر أو بيضة أو

стр. 188

ساعد أو سيف هو متقلده أو منقطة أو (مهاميز)، أو ما كان من الحديد كله. فأما الثياب والعمامة والقباء والسراويل والمدرعة وشبهها، فلا ينزع عنه شيء من ذلك، وهو ما اجتمع عليه من علمت أهل العلم. (واختلفوا) في القلنسوة والخف والفرو والجبة. والشهيد: من مات بسبب القتال مع الكفار في وقت قيام القتال، فإن رفع من المعترك حيا ثم مات، فالمشهور من قول ابن القاسم أنه يغسل ويصلى عليه، إلا أن يكون لم يبق فيه إلا ما يكون من غمرة الموت، ولا يأكل، ولم يشرب. وقال سحنون: إن كان على حال يقتل قاتله بغير قسامة، فهو في معنى الميت في المعترك، وإن كان لا يقتل قاتله إلا بقسامة غسل وصلي عليه. قال ابن وهب وأشهب: وسواء كان المسلمون هم الذين غزوا الكفار، أو غزا الكفار المسلمين. وقال ابن القاسم بتخصيص حكم الشهادة في تكر الغسل والصلاة بما إذا غزا المسلمون. قال أشهب: إلا أن يدفعوا عن أنفسهم أو يقتلوهم نياما أو بعد الأسر، فيغسلون ويصلى عليهم. وقال سحنون وأصبغ: ذلك سواء، لا يغسلون، ولا يصلى عليهم. وهذه الحالة التي وقع الخلاف فيها هي كانت حال عمر ﵁. وأما القتيل ظلما من مسلم أو باع، أو المبطون والغريق، وسائر من ذكر معهم، فيغسلون ويصلى عليهم. وكذا القتيل بالحق قصاصا أو حدا، إذ ليس بشهيد، وتارك الصلاة يصلى عليه. وقاطع الطريق المحارب إن قلن: إنه يقتل أولا، فيغسل ويصلى عليه، ثم يصلب، وإن رأى الإمام أن يصلبه حيا، فقال سحنون: ينزل فيغسل ويصلى عليه ويدفن، وقيل: يصف تلقاء خشبته ويصلى عليه. الطرف الثاني: فيمن يصلي، والنظر في صفة الإمام، وموقفه.

стр. 189

أما الصفة، فالأولى بالصلاة وصي الميت إذا قصد بذلك الرغبة في الصلاح دون مراغمة الولي، ثم الوالي والي المصري، وصاحب الشرط إذا كانت الصلاة إليه، والقاضي إذا كان هو يلي الصلاة. (وقال ابن حبيب: الوالي، إن حضر، إذا كان الذي تؤدي إليه الطاعة، قال ابن حبيب: وليس ذلك لغيره ممن دونه من ولاته وقضاته وصاحب شرطته ولا غيرهم، وإن كانت الصلاة إليهم، قال: وقد كان ابن القاسم يقول: إن ذلك لكل من كانت الخطبة إليه، فسألت عن ذلك مطرفا وابن الماجشون وابن عبد الحكم وأصبغ بن الفرج، فكلهم، قال: ليس للقاضي وإن كانت الصلاة إليه، ولا لصاحب الشرط الموكل بالصلاة، ولا لخليفته، ولا لخليفة الوالي الأكبر على الصلاة، ولا لأئمة المساجد، أهل خطبة كانوا أو غيرهم، من الصلاة على الجنائز قليل ولا كثير، وإنما جاءت السنة في الأمير المؤمن الذين تؤدي الطاعة إليه إذا شهد الجنازة أنه أولى بالصلاة عليها من الأولياء). (فإنه كان الميت قتله الإمام في حد، فلا يصلي هو عليه، ولكن يصلي عليه الناس دونه). وقال محمد بن عبد الحكم: بل يصلي عليه الإمام. ثم الأولياء العصبة على مراتبهم، الابن ثم ابنه، ثم الأب، ثم الأخ الشقيق، ثم الأخ للأب، ثم ابن الأخ الشقيق، ثم ابن الأخ للأب، ثم الجد، ثم العم ثم ابنه، ثم الأقرب فالأقرب. فإن لم تكن عصبة، فمولى النعمة، فإن لم يكن فأحد صالحي المؤمنين، وإذا تعارض السن والفقه، فالفقيه أولى. فأما الموقف، فليقم الإمام وراء الجنازة عند وسط الرجل، وعند منكب المرأة خشية من تذكر ما يفسد الصلاة. وقيل: يقف عند وسطها كالرجل، لأنه أستر لها عمن وراءه. وإذا اجتمعت الجنائز، فيجوز أن تفرد كل واحدة بالصلاة، وأن يصلى على جميعها صلاة واحدة، ثم يتخير إن كانوا جنسا واحدا بين جعلهم صفا أفضلهم بين يديه، ويليه من الجانبين من يليه في الفضل، وبين أن يرتبهم كما يرتب مختلفي الأجناس، وهو أن يجعل أفضلهم بين

стр. 190

يديه، ثم من يليه في الفضل يليه إلى القبلة، وفي الأجناس يقرب الرجل من الإمام، ثم يليه الصبي، ثم العيد، ثم الخنثى، ثم المرأة، ثم الصغيرة، ثم الأمة، ويجعل أفضل الرجال مما يلي الإمام، ويقدم الخصال الدينية التي ترغب في الصلاة عليه، إن استووا، قدم (بالسن)، فإن استووا قدم بالقرعة أو التراضي. فرعان: الأول: لو جيء بجنازة في أضعاف الصلاة على أخرى، لم تدخل في صلاة الأولى، بل تؤتنف الصلاة (عليها) بعد الفراغ من الأولى. الثاني: " لو ماتت النفساء ومنفوسها حمل معها في نعشها، فإن كان استهل جعل على يسارها مما يلي الإمام ليصلي عليهما، وإن كان لم يستهل وضع على يمينها أو ناحية من النعش، وتكون الأم إلى الإمام، وتخص بالصلاة والدعاء. ولا بأس أن يدفن معها في قبرها في اللحد، أو في ناحية من القبر، واستهل أو لم يستهل، وإن شاءوا جعلوه في قبر على حدة. قال ابن حبيبك وقد أخبرنا ابن الماجشون أن أم كلثوم بنت على امرأة عمر بن الخطاب مات هي وابنها زيد بن عمر في فور واحد، ولم يدر أيهما مات قبل، فكان فيهما ثلاث سنن لم يورث واحد منهما من صاحبه، وحملا جميعا معا، فلما وضعا للصلاة، جعل الغلام مما يلي الإمام، وقال حسين بن علي لعبد الله بن عمر: تقدم فصل عليهما، حين كان ابن عمر ولي الصلاة على أخيه، فكان أولى بذلك حين اجتمعا جميعا. الطرف الثالث: في كيفية الصلاة. وأقلها أربعة أركان: النية، والتكبيرات الأربع، والسلام، والدعاء للميت. وزاد أشهب قراءة الفاتحة (عقب) التكبيرة الأولى. ولو زاد تكبيرة خامسة لم تبطل الصلاة، ثم (قيل): ينتظر حتى يسلم، فيسلم المأمون معه، وقيل: يسلمون ولا ينتظرونه؛ لأن هذه التكبيرة صارت شعارا لأهل التشيع، فيجب أن تحمى الذرائع في موافقتهم.

стр. 191

ولا ترفع الأيدي في غير الأولى، وروى ابن وهب أنه قال: " يعجبني أن ترفع اليدان في التكبيرات الأربع "، واختاره ابن حبيب، ثم قال: وكان مطرف وابن الماجشون وأصبغ يرون أن ترفع [الأيدي] في أول تكبيرة من غير كراهة للرفع فيها كلها، قال: وكان ابن القاسم لا يرفع يديه في شيء منها، لا في الأولى، ولا في غيرها، قال: ولا يعجبني ذلك. فأما الأكمل: فإن يحمد الله تعالى، ثم يصلي على نبيه محمد ﷺ ، وأن يدعو للمؤمنين سبحانه، والصلاة على النبي ﷺ : اللهم إنه عبدك وابن عبدك وابن أمتك، كان يشهد أن لا إلا أنت، وأن محمد عبدك ورسولك، وأنت أعلم به، اللهم إن كان محسنا فزد في إحسانه، وإن كان مسيئا فتجاوز عنهن اللهم لا تحرمنا أجره، ولا تفتنا بعده. وهذا هو الذي خرجه في موطئه عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبيه عن أبي هريرة. ولا يجهر بالدعاء ليلا كان أو نهارا، وفي الدعاء بعد الرابعة قبل السلام خلاف. فرع: إذا أدرك المسبوق الإمام في تكبيرة دخل معه بلا خلاف، وفي دخوله معه في غير حالة التكبير روايتان، إحداهما: أنه لا يكبر، بل يقف حتى يكبر الإمام، رواها ابن القاسم وابن الماجشون: وقال بها، وأخذ بها أصبغ. والرواية الأخرى أنه يكبر، ويدخل معه، رواها مطرف وأشهب، وقالا بها، واختارها ابن حبيب. ثم إذا سلم الإمام تدارك ما فاته معه على نحو ما فعل الإمام إن تركت له الجنازة، وإن رفعت أتى بما فاته من التكبير نسقا متتابعا. الطرف الرابع: في شرائط الصلاة. وهي كسائر الصلوات فيها. ولا يصلى عليها بالتيمم إلا في الموضع ال١ي تجوز فيه الصلاة بالتيمم، وقال ابن وهب:

стр. 192

إذا خشي فواتها إن اشتغل بالتماس تيمم وصلى عليها. وقال ابن حبيب: الأمر فيه واسع إن شاء الله، وما علمت أحدا ممن مضى كرهه إلا مالك. ولا تشترط الجماعة فيها. ويشترط حضور الجنازة، فلا يصلى على غائب، وقال ابن حبيب: يصلى على من أكلته السباع أو غرق. ويشترط أيضا ظهور الميت، فلا يصلى على المدفون في المشهور. وروي أنه يصلى على القبر، هذا في حق من صلى عليه. فأما من دفن بغير صلاة، أو بصلاة ناقصة، ففي المبسوط عن مالك: لا ينبش، ولا يصلي على قبره، ولكن يدعون له، وقاله سحنون. وقال ابن وهب ويحيى بن يحيى: لا يخرج أو قرب، ويصلي على قبره. وقال سحنون أيضا: يخرج للصلاة عليه ما لم يخف في إخراجه ضرر أو طول تغير. وقال ابن وهب: لا يخرج وإن لم يخش تغيره، وروي عن ابن القاسم في العتبية. وقيل: يخرج إلا أن يطول. فروع: لو صلى على الميت ونعشه منكوس، رأسه مكان رجليه، لم تعد الصلاة عليه. ولو ذكر إمام الجنازة أنه جنب، فحكمه حكم إمام المكتوبة، إن ذكر قبل الفراغ استخلف، وإن ذكر بعده فلا تعاد، وإن لم ترفع الجنازة، ولو ذكر صلاة نسيها مضى في صلاته، ولم يعد. قاله ابن القاسم وابن الماجشون وأصبغ وابن حبيب. القول في الدفن: ولا بد من حفرة تحرس الميت عن السباع، وتكتم رائحته. " قال ابن حبيب: يستحب أن لا يعمق القبر جدا، وأن يكون عمقه على قدر عظم الذراع فقط، قال: وقد بلغني عن عمر بن عبد العزيز لما حضرته الوفاة قال: احفروا لي ولا تعمقوا.

стр. 193

فإن خير الأرض أعلاها، وشرها أسلفها ". وفي المبسوط عن مالك: لم يبلغني في عمق حفرة الميت شيء موقوف عليه، وأحب ذلك إلى أن تكون مقتصدة، لا عميقة جدا، ولا قريبة من أعلى الأرض جدا. واللحد أفضل من الشق مع القدرة عليه، وليكن في جهة القبلة. قال ابن حبيب: ولا بأس أن يدخل الميت قبره من ناحية القبلة، أو من ناحية الشرق، قال: ومن ناحية القبلة أحب إلي، لأنه أمكن وأهنأ وأيسر على من تولاه. وفي المبسوط: لا بأس أن يدخل الميت في قبره من نحو رأس القبر أو رجليه أو وسطه. ويضع الميت في قبره الرجال، فإن كانت امرأة، فيتولى ذلك زوجها من أسلفها، ومحارمها من أعلاها، فإن لم يكن فصالح المؤمنين، إلا أن يوجد من القواعد من لهن قوة على ذلك، ولا مضرة عليهن فيه، ولا كشف عورة، فهن أولى به من الأجانب. وليستر عليها بثوب حتى توارى في لحدها، وليس لعدد من يلي ذلك حد من شفع أو وتر. ثم يضجع الميت على جنبه الأيمن في اللحد مستقبل القبلة، وتمد يده اليمنى مع جسده، وتحل العقد من عند رأسه ورجليه، ويعدل رأسه بالتراب لئلا يتصوب، وكذلك رجلاه بحيث لا ينكب ولا يستلقي، ويرفق به في ذلك كله كأنه حي. " واستحب أشهب أن يقال عند وضعه في اللحد: باسم الله وعلى ملة رسول الله، اللهم تقبله بأحسن قبول، قال: وإن دعا له بغير ذلك فحسن وإن ترك ذلك فواسع ". ثم تنضد اللبن على فتح اللحد، وتسد الفرج بما يمنع التراب، قال ابن حبيب: أفضل ما سد به اللبن، ثم اللوح، ثم القراميد، ثم الآجر، ثم الحجارة، ثم القصب، كل ذلك أفضل من سن التراب. وسن التراب أفضل من التابوت، قال: يحثي كل من دنا حثيات، وروى سحنون أن ذلك غير مستحب، ثم يهال التراب عليه. ولا يرفع القبر إلا بقدر شبر، ولا يجصص، ولا يطين، ولا بأس بالحصى، ووضع الحجر على رأس القبر. قال أشهب: " ويسنم القبر أحب إلي، وإن رفع فلا بأس ". وقال

стр. 194

محمد بن مسلمة: لا بأس، قال: وقبر النبي ﷺ وأبي بكر وعمر ﵄ مسنمة. وقا الشيخ أبو القاسم: ([تسطح] ولا تسنم)، ويرفع من الأرض قليلا بقدر ما يعرف به ". والأفضل لمشيع الجنازة أن يمكث إلى موارة الميت، وأن لا ينصرف بعد ذلك إلا بإذن أهله ما لم يطل ذلك عليه ويتضرر به، فينصرف نم يغر إذنهم. فروع: لا يدفن في قبر واحد ميتان إلا لحاجة، ثم يرتبون إلى اللحد بالفضيلة كترتيبهم إلى الإمام في الصلاة. والقبر محترم، فلا ينبغي أن يمشى عليه إذا كان مسنما والطريق دونه، فأما إذا عفا فواسع. ولا تنبش عظام الموتى عند حفر القبور، ولا تزاح عن موضعها، ومن وافق قبرا عند حفره فليذره وليرد عليه ترابه، ولا يزاد من قبر على قبر، وليتوق كسر شيء من عظامه، ولا ينبش القبر إلا إذا كان هو أو شيء من الكفن مغصوبا وشح فيه ربه، أو نسي معه مال في القبر، ولو دفن بغير غسل أخرج إن كان قريبا، وقيل: لا يخرج. قال ابن حبيبك ولو وضع الميت على شقة الأيسر، أو ألحدوه على غير قبلة، أو ألحدوه منكسا، رجلاه موضع رأسه، فإن عثر عليه بحدثان دفنه، وقبل أن يخاف التغيير عليه حول، وإن لم يعلم ذلك حتى طال أمره وخفيف عله التغيير ترك، قال: وقاله ابن القاسم وأصبغ. ولا يبقر عن جنين الميتة وإن اضطرب، وقال سحنون: إن طمع بالحياة بقر عليه، قال: وكذلك على دنانير في بطن الميت، قال ابن حبيب: لا يبقر على شيء من ذلك. قال القاضي أبو محمد: " يجب أن يكون على اختلاف حالين: لا على اختلاف المذهبين، فيكون قوله: لا يبقر وإن اضطرب إذا لم يطمع له بحياة، ويكون قول سحنون مفسرا له، قال: ويمكن حمله على ظاهره، إلا أن الأول أظهر. وروى ابن نافع في المبسوط: أن النساء إن استطعن أن

стр. 195

يعالجنه فيخرجنه من مخرجه فعلن، ولم يبلغن أن أحدا شق بطن امرأة على هذا الحال ليخرج الولد، وقال محمد بن عبد الحكم: رأيت بمصر رجلا مبقورا على رمكة مبقورة. (ومن مات في البحر غسل وكفن وصلي عليه، وانتظر به البر إن طمع في إدراكه في ذلك اليوم وشبهه ليدفنوه به، وإن كان البر بعيدا، أو خافوا عليه التغير رمى في البحر مستقبل القبلة، محرفا على شقه الأيمن. قال ابن حبيب: ولتشد عليه أكفانه، قال ابن القاسم وأصبغ: ولا يثقلوا رجله بشيء ليغرق كما يفعل من لا يعرف، وقال سحنون: يثقل بشيء إن قدروا، واحتج من لم ير التثقيل بأنه ربما ألقاه البحر إلى الساحل فيدفنه المسلمون، وفلي تثقيله قطع لما يرجى له من الدفن. قال الإمام أبو عبد الله: " وأما نقل الميت من بلد إلى بلد، فظاهر مذهبنا جوازه. وقال مالك: لا بأس أن يحمل الميت إلى المصر فيدفن فيه [إذا] كان مكانا قريبا. وقال ابن حبيب: ولا بأس أن يحمل من البادية إلى الحاضرة، ومن موضع إلى موضع آخر يدفن فيه، وقد مات سعد بن أبي وقاص وسعيد بن زيد بالعقيق فحملا إلى المدينة ". القول في التعزية، والبكاء على الميت: والتعزية سنة، وهي الحمل على الصبر بوعد الأجر، والدعاء للميت والمصاب. (وذكر ابن حبيب ألفاظا في التعزية عن جماعة من السلف، ثم قال: والقول في ذلك واسع، إنما هو على قدر منطق الرجل، وما يحضره في ذلك من القول، قال: وقد استحسنت أن أقول: عظم الله أجرك على مصيبتك، وأحسن عزاءك عنها، وعقباك منها، وغفر لميتك ورحمه، وجعل ما خرج إليه خيرا مما خرج منه). [ويستحب] تهيئة طعام لأهل الميت ما لم يكن اجتماعهن للنياحة وشبهها. والبكاء جائز من غير نياحة وندب، ومن غير جزع وضرب خد وشق ثوب، فذلك حرام. ولا يعذب الميت بنياحة أهله عليه، إلا إذا أوصى، ﴿ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾.

стр. 196

باب تارك الصلاة: ومن ترك الصلاة واحدة، (و) امتنع من فعلها حتى لا يبقى من الوقت الضروري إلا ركعة واحدة أخذ بفعلها حينئذ، فإن فعلها وإلا قتل. وحكى ابن خويز منداد قولين آخرين، أحدهما: أنه يأخذ بفعلها إذا خاف فوات الوقت الاختياري، وهو بعيد جدا، ثم يقتل حدا لا كفرا. قال القاضي أبو بكر: " قال متأخروا علمائنا: لا يقتل ضربة بالسيف، ولكنه ينخس بالحديد حتى تفيض نفسه، أو يقوم بالحق الذي عليه من فعلها "، ثم قال: " وبهذا أقول "، ويصلي عليه، ويدفن في مقابر المسلمين كما يدفن سائرهم، ولا يطمس قبره. ورأى ابن حبيب أنه يقتل كفرا، وإن كان مقرا بالوجوب إذا تركت تهاونا، وقال: لا أصلي، قال: فأما إن قال: أصلي ولم يفعل، فلا يقتل أصلا. فأما لو تركها جاحدا لوجوبها لكان كافرا، وحكم في بحك المرتد، (والله أعلم). [تم كتاب الجنائز والحمد لله، وبه تم كتاب الصلاة].

стр. 197

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ [صلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وسلم] كتاب الزكاة وهي بالإضافة إلى متعلقاتها سنة أنواع: زكاة النعم، والنقدين، والتجارة، والمعشرات، والمعادن، والفطر. النوع الأول: زكاة النعم، والنظر في وجوبها وأدائها . أما الوجوب فله ثلاثة أركان. الأول: قدر الواجب، وسيأتي بيانه. الثاني: ما تجب فيه، وهو المال، وله خمسة شروط: أن يكون نعما، نصابا، حال عليها الحول، لم يزل ملكه عنها في أضعافه، على خلاف وتفصيل في هذا الشرط، وأن يكون الملك كاملا غير ضعيف. الشرط الأول: أن يكون نعما، فلا زكاة إلا في الإبل والبقر والغنم، ولا تجب في غيرها من الخيل والبغال والحمير والرقيق وغير ذلك، ولا في المتولد من الظباء والغنم. وفرق القاضي أبو الحسن بين أن تكون الأمهات من الغنم فتجب، أو من غيرها فلا تجب. وحكى الشيخ أبو الطاهر قولا بوجوب الزكاة مطلقا، وحكى الأستاذ أبو بكر اتفاق الأئمة الثلاثة على إسقاط الزكاة من (المتولد) [من] فحول الغنم وإناث الظباء. الشرط الثاني: أن تكون النعم نصابا. أما الإبل ففي أربع وعشرين فما دونها الغنم، ففي كل خمس شاة.

стр. 198

فإذا بلغت خمسا وعشرين إلى خمس وثلاثين ففيها بنت محاض أنثى، فإن لم تكن في ماله، فالبن لبون ذكر. فإذا بلغت ستا وثلاثين إلى خمس وأربعين ففيها بنت لبون. فإذا بلغت ستا وأربعين إلى ستين، ففيها حقة. فإذا بلغت إحدى وستين إلى خمس وسبعين، ففيها جذعة. فإذا بلغت ستا وسبعين إلى تسعين، ففيها بنتا لبون. فإذا بلغت إحدى وتسعين إلى عشرين ومائة، ففيها حقتان. فما زاد ففي كل أربعين لبنت لبون، وفي كل خمسين حقة. وكل ذلك لفظ أبي بكر ﵁ في كتاب الصدقة. ويتغير الفرض بزيادة عشر، وفي تغيره بزيادة دونها روايتان، وبعدم التغير قال أشهب. وإذا فرعنا على الرواية الأخرى بوجود التغير، ففي كيفيته خلاف. قال ابن القاسم: يتغير إلى ثلاث بنات لبون، وقال مالك: يتغير إلى التخيير بينها وبين الحقين، كان في الإبل أحد السنين أو لم يكن. وروي في المجموعة: لا يتخير إلا إذا اجتمعا في المال. وبنت مخاض: (هي التي دخلت) في السنة الثانية إلى استكمالها، وولد اللبون: هو الذي قد دخل في السنة الثالثة. والحقة: هي التي قد دخلت في الرابعة. والجذعة: هي التي دخلت في الخامسة. وأما البقر، ففي ثلاثين منها تبيع جذع أو جذعة. قال القاضي أبو محمد: " وهو الذي دخل في السنة الثانية ". وقال ابن حبيب: هو ابن ستين. وقال ابن نافع في المجموعة: هو ما أو في سنتين، ودخل في الثالثة. وفي أربعين مسنة لا تؤخذ إلا أنثى، وهي التي لها ثلاث سنين، قيل: ما أكملتها. وقيل: ما دخلت في الرابعة. وقال القاضي أبو محمد: " سنها أربع سنين ". ثم في ستين تبيعان. ثم يستقر الحساب، ففي كل ثلاثين تبيع، و (في) كل أربعين مسنة إلى مائة وعشرين، فيكون حكمها حكم المائتين من الإبل، وسيأتي. وأما الغنم ففي أربعين شاة شاة، وفي مائة وإحدى وعشرين شاتان، وفي مائتين وشاة.

стр. 199

ثلاث شياه، وفي أربع مائة أربع شياه، وما بينهما أو قاص، ثم استقر الحساب، ففي كل مائة شاة. واختلف في صفة الشاة الواجبة في الغنم والإبل، فقال ابن القاسم وأشهب: يجزي الجذع والثني من المعز والضأن ذكرا كان أو أنثى. وقال القاضي أبو الحسن: " لا يجزي إلا الأنثى، لكن تجزي جذعة كانت أو ثنية من المعز أو من الضأن ". وقال ابن حبيب: حكمها حكم الضحية، لا يجزي فيها إلا الجذع من الضأن ذكرا كان أو أنثى، والثني من المعز، إلا أن يكون تيسا. قال الشيخ أبو محمد: " وليس بقول مالك وأصحابه فيما علمناه ". فرع: واختلف في سن الجذع، فقال أشهب وبان نافع وعلي بن زياد وابن حبيب: هو ما له سنة. وقال ابن وهب: هو ابن عشرة أشهر. وقيل: ابن ثمانية أشهر. وروي عن سحنون عن علي: أنه ابن ستة أشهر. والتحاكم في ذلك إلى أهل اللغة، والأول أشهر عندهم. وأما الثني فما دخل في السنة الثانية. ثم يتصدى النظر في زكاة الإبل في خمسة مواضع. الأول: في إخراج الشاة عن الإبل. والعبرة في تعيين الضأن أو المعز بحال غنم البلد، وقال في كتاب ابن سحنون: يعتبر بحال المالك إذا كان مخالفا غنم البلد. ولو أخرج بعيرا عن خمسة أبعرة بدلا من الشاة الواجبة فيها، فأطلق القاضيان أبو الوليد وأبو بكر القول بأنه لا تجزيه. وقال أبو الطيب عبد المنعم القروي: من أصحابنا من أباه، وليس بشيء لأنه مواساة من جنس المال فأكثر مما وجب عليه. النظر الثاني: في العدول إلى ابن لبون. فمن وجب عليه بنت مخاض، فلم تكن في ماله أخذ ابن لبون، فإن لم يكونا في ماله كلف ابنة مخاض. فإن أراد رب المال أن يدفع ابن لبون ذكرا إذا لم توجد في المال بنت مخاض ولا ابن لبون ذكر، فقال ابن القاسم في الكتاب: " ذلك إلى الساعي إن أراد أخذه، وإلا لزمه بنت

стр. 200

مخاض. ليس له أن يمتنع من ذلك ". ولو كان في ماله ابنة معيبة لا تجزئ، فهي كالمعدومة. ولا يؤخذ الحق بدلا عن بنت لبون عند فقدها، كما يؤخذ ابن لبون بدلا عن بنت مخاض. النظر الثالث: إذا ملك مائتين من الإبل، فإن كان في ماله أحد السنين أخذ منه الموجود، وإن وجدا أو فقدا تخير الساعي. قال محمد: يتخير الساعي إذا وجد السنين، إلا أن تكون أربع الحقاق فيها قوام رب الإبل ومصلحته فيضر به. وقد قال ابن وهب: الساعي بالخيار ما لم يضر برب الإبل، وقيل: يخير رب المال مطلقا، وذكر عن ابن القاسم: أنها إن خلت من السنين إن ما أتاه به ربها منها فليقبله. قال أصبغ: وليس هذا بشيء، والساعي مخير. النظر الرابع: في الجبران. فإن أعظى سنا أعلى، وأخذ عوضا، أو أعطى سنا أدنى وعوضا، فقال أصبغ بعدم الجواز والإجزاء، إلا إذا رد ما أخذ مع الأعلى وأبقاه، فيجزيه. قال الشيخ أبو الطاهر: " وهذا مع فوات المأخوذ، وأما إن كان قائما فليسترده على هذا القول، ويخرج القدر الواجب. وروي في مختصر ما ليس في المختصر إثباتهما، وقال ابن القاسم وأشهب في المجموعة بنفي الجواز وإثبات الإجزاء ". فرع: حيث قلنا بالإجزاء، فلا يراعى في ذلك بدل معين في جنس أو مقدار، بل المقصود حفظ حق المساكين. النظر الخامس: في صفة المخرج من حيث النقصان والكمال. النقصان أربعة. الأول: المرض أو العيب. فإن كان المال كله مرضى أو ذات عوار، فلا يأخذ منها. وقيل: يأخذ. الثاني: الذكورة. فلو كان ماله ذكورا، لم يؤخذ منه إلا الأنثى، ويستثنى من ذلك ابن اللبون في الإبل بدلا، كما تقدم، والتبيع في البقر، وما ذكر في الغنم على الخلاف. الثالث: الصغر.

стр. 201

فلو كان في المال صغار وكبار، لم يؤخذ من الصغار. ولو كان الكل صغارا، لم يؤخذ منها أيضا على المشهور. وقال محمد بن عبد الحكم في جميع هذه الأصناف التي تقدم ذكرها، وفي السخال: لولا خلاف أصحابنا لكان بينا أن يؤخذ منها واحد من أوساطها، ولا يكون عليه ثنية ولا جذعة، واعتذر عن قول عمر ﵁ بأنه خرج على الغالب. الرابع: رداءة النوع. فإن كان الكل معزا أخذ منها، وإن اجتمع الضأن والمعز، فإن كان الواجب شاة واحدة، فإن استوى النوعان تخير الساعي بينهما، وإن اختلفا أخذها من الأكثر. وإن كان الواجب أكثر من شاة، وجبت شاة في الأكثر، ثم نظر فيما بقي منه مع جملة الأقل، فإن كان أكثر من الأقل، والأقل مقصر عن النصاب، مثل أن تكون له مائة وعشرون ضائنة وثلاثون معزة، أخذت الشاة الأخرى من الأكثر أيضا، وإن كان الأقل أكثر من الباقي، وكان نصابا، مثل أن يكون له تسعون ضائنة وسبعون معزة، أخذت الأخرى منه، وإن كان الباقي أقل من أو قل، والأقل مقصر عن النصاب، مثل أن يكون له أربعون من الجواميس، وعشرون من البقر، فعليه تبيع من الجواميس، وتبيع من البقر؛ لأن ما يجب فيه التبيع الثاني البقر فيه أكثر من الجواميس. وإن كان الباقي أكثر من الأقل، وفي الأقل نصاب، مثل أن تكون له مائة وعشرون من الضأن، وأربعون من المعز، أخذت من الأقل عند ابن القاسم. وقال سحنون: تؤخذ من الباقي. فرع: كل ما قلناه فيه: لا يأخذ المصدق لنقصه، فله أخذه إذا رآه نظرا للمساكين. وحكى القاضي أبو الوليد عن القاضي أبي الحسن: " إن ذات العيب لا تجزئ، وإن كانت قيمتها أكثر من قيمة السليمة. قال: ومذهب مالك أنها تجزئ إذا كانت أفضل للمساكين من السليمة "، هذا بيان النصاب، ولا زكاة فيما دونه، ولو تم بالخلطة نصابا. ولنذكر صدقة الخلطاء، والنظر فيها في أربعة فصول. الفصل الأول: في حكم الخلطة وشرطها . وحكم الخلطة: تنزيل المالين منزلة مال واحد بعد حصول النصاب في كل واحد منهما، أو في ملك مالكه.

стр. 202

فلو خلط أربعين بأربعين لغيره، ففي الكل شاة واحدة، ولو خلط عشرين بعشرين لغيره، فلا شيء فيها بمفردها. ثم قد يفيد ذلك تقليلا كمن خلط أربعين بأربعين، فلا يلزمه إلا نصف شاة، وقد تفيد تثقيلا، كمن خلط مائة وشاة بمائة شاة، فيلزمه شاة ونصف. وشروط الخلطة ثلاثة: الأول: اتحاد المراعى والفحل والدلو والمراح والمبيت، أو أكثرها. وقيل: الراعي والمرعى، وقيل: اتحاذ اثنين منها، أي اثنين كانا، وهو وقل الشيخ أبي بكر، وعلل بأن اسم الخلطة يحصل بوصف واحد من هذه، إلا أنه قل ألا تختلط في صفة، وتجتمع في رعي أو سقي ونحوه، فعلمنا أنه لا بد من زيادة على وصف واحد، ولا دليل يوجب أكثر من ذلك. وحكى الشيخ أبو بكر عن بعض شيوخه: أنه راعى في الخلطة وجها واحدا، وهو الراعي، قال: وأنزله منزلة الإمام الذي يتغير به حكم الجماعة عن حكم الانفراد. قال عبد الحق: " وهذا القول نحو قول ابن حبيب: إن أصل الخلطة الراعي، فإذا جمعها الراعي، اجتمعت في أكثر ذلك، وإن فرقها الراعي، فليست بمختلطة وإن جمعها المرعى ". الشرط الثاني: كون الخليط أهلا للزكاة. وقال ابن الماجشون: تحصل الخلطة ويزكي زكاة الخليط، وإن كان خليطه عبدا أو ذميا. الشرط الثالث: اتفاق الأحوال. فإذا حال الحول على أحدهما دون الآخر، زكى زكاة المنفرد. قال أبو بكر: وعلى قول ابن الماجشون يزكي زكاة الخلطة، فيخرج ما ينوبه على حكمها، ويسقط عن خليطه ما ينوبه.

стр. 203

فرع: ولا تشترط الخلطة في جميع الحول، بل يكفى اختلاطها في آخره. واختلف في تقدير ذلك بمدة، وفي قدرها على القول بها، فقال القاضي أبو محمد: " إذا لم [يقصد] الفرار زكاها الساعي على ما يجدها عليه من اجتماع أو افتراق، ويقبل قول أربابها؛ لأن الظاهر أنهم يفعلون ذلك للارتفاق بالفرقة والاجتماع، فيجب إلا يخالف ما ظهر ويصار إلى خلفه إلا بأمارة تقوي التهمة ". وروى ابن القاسم في الكتاب: " إذا كان ذلك قبل الحول بشهرين وأقل، فهم خلطاء "، وذكر أنه لم يسأل عن أقل عن ذلك، ثم قال: " وأنا أرى أنهم خلطاء في أقل من الشهرين ما لم يتقارب الحول، ويهربان فيه إلى أن يكونا خليطين فرارا من الزكاة "، وما يرى أنه نهى عن مثله في حديث عمر بن الخطاب. وقال ابن حبيب: أدنى ذلك الشهر، وما كان دون الشهر لم يجز لهما اجتماع ولا افتراق. وقال محمد بن المواز: إن اجتمعا أو افترقا فيما دون الشهر فجائز ما لم يقرب جدا، ويكن الساعي قد أظلهما. هذا كله إن كان ما وجدا عليه من اجتماع أو افتراق منقصا من الزكاة، فإن لم يكن منقصا، فلا يتهمان عليه، بل يزكي المال على ما يوجد عليه، ولا تأثير للخلطة في شيء من أموال الزكاة سوى النوع المتحد من الماشية. الفصل الثاني: في التراجع وإذا أخذ الساعي من المال ما يجب فيه، رجع المأخوذ منه بقيمة حصة شريكه، وهل تعتبر القيمة يوم الأخذ أو يوم الأربعاء؟ قولان لابن القاسم وأشهب، مأخذهما أنه كالمستهلك أو كالمتسلف. وكذلك لو تأول الساعي، فأخذ بكون المجموع نصابا، وإن كان كل ملك ناقصا عنه لتراجعا أيضا، فلو كان أحد المالين نصابا والآخر دونه، فأخذ الساعي شاتين متأولا، فإن كان المال الناقص عن النصاب هو الموجب لأخذ الثانية بالتأويل، فإنها يتراجعان في الشاتين جميعا على قدر ماليهما. وقيل: الواحدة على رب النصاب، ويتراجعان في الأخرى على قدر المالين. وإن كان المال الناقص لم يضره في أخذها لم يكن على صاحبه شيء. وما أخذه المصدق من المال مع علمه بأنه لا يجب ولم يتأول فيه فهو ممن أخذ من غنمه، لا يرجع على صاحبه منه بشيء.

стр. 204

الفصل الثالث: في اجتماع المختلط والمنفرد في ملك واحد مثل أن تكون له ثمانون فيخلط أربعين منها بأربعين لغيره، والأربعون الأخرى ببلد آخر، فروى محمد: أنه يكون خليطا لصاحبه بما حضر وغاب، وليس عليهما إلا شاة على صاحب الأربعين ثلثها، قال القاضي أبو الوليد: " هذا من مالك بناء على أن الأوقاص مزكاة، وعلى القول الآخر يكون على كل واحد منهما نصف شاة ". . (قال أصبغ: وكذلك لو كانت الثمانون ببلد واحد. وقال عبد الملك: يكون على رب الأربعين نصف شاة، وعلى صاحب الثمانين ثلثا شاة. قال محمد: قول مالك أحب إلينا، وعليه جل أصحابه، وقال سحنون بقول عبد الملك. وقال: هو أحب إلي من قول ابن القاسم وأشهب. قال: وأما أشك أن يكون ابن وهب رواه عن مالك. وقيل: على صاحب الأربعين نصف شاة، وعلى صاحب الثمانين شاة كاملة). وحكاه الشيخ أبو الوليد عن عبد الملك وسحنون. وسبب الخلاف: النظر إلى أثر الخلطة، ففي القول الأول اعتبره في جميع المال، وفي الثاني اعتبره في حق صاحب الثمانين في جملة ماله، واعتبر في حق صاحب الأربعين ما خالطه به صاحبه لا أكثر، وفي القول الثالث اعتبر القدر الذي وقعت الخلطة فيه من الجانبين إلا أكثر. مثال آخر: لو خلط عشرة من الإبل بعشرة لغيره، وبقيت له عشرة أخرى بغير خليط، فعلى القول الأول يكون عليهما بنت مخاض، على صاحب العشرة ثلثها، وعلى صاحب العشرين ثلثاها. وعلى القول الثاني: على صاحب العشرة شاتان، وعلى صاحب العشرين ثلثا بنت مخاض. وعلى القول الثالث: على صاحب العشرة شاتان، وعلى صاحب العشرين أربع شياه. الفصل الرابع: في تعدد الخليط والحكم فيه قريب من الأول، فإذا خلط مع أكثر من واحد، وجب تعميم حكم الخلطة بين الجميع، فيتوزعون الواجب بينهم على نسبة أموالهم، وبه قال ابن القاسم وأشهب. وقال محمد بن المواز: هو خليط لكل واد بجميع ماله، وليسوا خلطاء فيزكي كل واحد منهم بنسبة ما يخصه مع جملة ماشي خليطة. وقيل: هو خليط لكل واد بالذي معه دون ما خرج عنه،

стр. 205

فيزكي كل واحد منهم بنسبة ما يخصه مع ما خالطه به خاصة. ثم اختلف القائلون بذلك في حكمه هو، فقيل: يزكي على ضم ماله بعضه إلى بعض. وقيل: يفرد كل مال بالزكاة مع خليطه كأنهما لمالكين. وسبب الخلاف: أنه اجتمع ها هنا أمران كالمتناقضين، أحدهما أن الخليط الأوسط يجب ضم بعض ملكه إلى بعض مع عدم الخلطة، والثاني أن الطرفين ليس بينهما خلطة، فلا يجب ضم ملكها بعضه إلى بعض. فمن غلب حكم الوسط، ورأى أن كل واحد منهما يجب ضمه إليه، وهو يجب ضم ملكه بعضه إلى بعض، قال: يكو الجميع كالخلطاء. ومن غلب حكم الطرفين المنفردين أفرد ملك الوسط، فجعله كمالين لمالكين، ولم يضم بعضه إلى بعض، وهذا هو القول الرابع. ومن رأى الوسط قد جعل كل واحد من الطرفين خليطه، والخليط يجب أن يضاف جميع ما يملكه إلى ما خالط به، جاء منه القول الثاني. ومن وجب عنده ضم الملك الواحد بعضه إلى بعض، وأفرد حكم الخليط بما خالط به، جاء من القول الثالث. وبيان ذلك بالمثال: أن من خلط عشرة من الإبل بعشرة مع خليط، وعشرة أخرى بعشرة مع آخر، فعلى القول الأول يجب في الجميع بنت لبون، على الأوسط نصفها، وعلى كل واحد من الطرفين ربعها. وعلى القول الثاني: يجب على الوسط أيضا نصف ابنة لبون، وعلى كل واحد من الطرفين ثلث بنت مخاض. وعلى القول: يجب على الوسط ثلثا بنت مخاض، وعلى كل واحد من الطرفين شاتان. وعلى القول الرابع: يجب في الجميع ثمان شياه، على الوسط أربع، وعلى كل واحد من الطرفين شاتان. فرع: حيث ثبت للساعي على أحد الخلطاء حصة من شاة أو غيرها من ماشية الزكاة، أخذ منه قيمة ذلك ذهبا أو ورقا. وقيل: إنه يأتي بها، فيكون شريكا معه فيها. الشرط الثالث: الحول. فلا زكاة في النعم حتى يحول عليها الحول، إلا السخال الحاصلة في أضعاف حول أمهاتها إذا تمت بها نصابا، أو كانت نصابا دونها، فإن الزكاة تجب فيها بتمام حول الأمهات،

стр. 206

ولو ماتت الأمهات بقيت السخال لم تنقطع التبعية ووجب الزكاة فيها. لو ملك مائة وعشرين فنتجت في آخر الحول سخلة، وجبت عليه شاتتان لحدوثها في أضعاف السنة. الشرط الرابع: أن لا يزول الملك عن عين النصاب في الزكوات العينية، وفيه اختلاف وتفصيل. فإن أبدل العين القاصرة عن النصاب بذهب أو ورق، وليست للتجارة، انقطع الحول واستأنفه. فإن كانت نصابا، ففي الاستئناف أو البناء روايتان، وعلى البناء جل الأصحاب، إلا أشهب فإنه ثبت على الرواية الأولى بالاستئناف، وهذا إذا باع النصاب بما فيه الزكاة، ولم يبع فرارا. وأن أبدلها بماشية من غير جنسها كإبل بغنم، أو بالعكس فلا يبني على حول الأولى في إحدى الروايتين، واختارها ابن القاسم وأشهب، وهي المشهورة. ويبني في الرواية الأخرى إذا كانت نصابا (نصابا)، وهي اختيار ابن وهب وابن الماجشون. ولو كانت الثانية نصابا دون الأولى لاختلف في البناء تفريعا على القول به. وأن كانت الماشية الثانية من جنس الأولى، وكانتا نصابا نصابا، بنى حولها على حول الأولى. وفي كتاب ابن سحنون عن مالك: لا يبنى. فإن كانت الأولى قاصرة عن النصاب فقولان أيضا على القول بالبناء. ولو تخلل بين الماشتين عين، ولم تكن الأولى للتجارة استقبل بالثانية حولا في رواية ابن القاسم وأشهب. وروى مطرف وابن الماجشون أنها تبنى على حول الأولى. هذا كله ما لم يكن فرارا من الزكاة، فيبنى على كل حال. ولو استهلكت ماشيته، فأخذ بدلا عن القيمة الواجبة له ماشية، فهل يلتحق بصورة بدل الماشية بالماشية من غير تخلل عين أو بصورة تخلل العين؟ قولان، سببهما أن من خير بين شيئين فاختار أحدهما، هل يعد كأنه لم يأخذ إلا ما وجب له، فيكون هذا كالبدل، أو يعد (كالمنتقل) من شيء إلى شيء، فيكون هذا كالتارك للقيمة، والآخذ عنها ماشية؟ وفي هذا الأصل قولان (للأصحاب). الشرط الخامس: كمال الملك.

стр. 207

وأسباب الضعف ثلاثة: الأول: امتناع التصرف، فإذا كان المال متهيئا في نفسه للتصرف، لكن تعذر على مالكه التصرف فيه بالتنمية وغيرها، فإن كان للمنع منه كالغصب، فإن كان في الناض زكاة لعام واحد. وقيل: يستقبل به حولا. وكذلك إن كان لضياع وقد التقط، وقال المغيرة: بل [يزكي] اللقطة لكل عام. وإن كان لعدم العلم بمكانه، بأن دفنه فضل عنه، فإنه يزكيه لكل عام لتفريطه. وقيل: لعام واحد كالدين. وقيل: إن دفنه في صحراء زكاه لما مضى من السنين لتعريضه له للتلف. وإن دفنه في بيته، أو ما ف ي معناه، لم يزكه لماضي لعدم تعريضه. وقال ابن المواز عكس هذا، وعده في الصحراء كالتالف، وجعله في البيت مقصرا في طلبه. وإن كان للغصب في الماشية فعادت إلى ربها بعد أعوام، فقال ابن القاسم في الكتاب: " يزكيها لعام واحد "، وقال أيضا: " يزكيها للأعوام الماضية كلها "، وقاله أشهب، قال " لأنها لم تزل عن ملكه، وما أخذت السعاة منها أجزأ عنه، بخلاف العين تغصب ". وبنى أبو الحسن اللخمي هذا الخلاف على الخلاف في رد غلات المغصوب، ولو كان المغصوب شجرا، فالزكاة واجبة فيه على له الغلة من مالك أو غاصب. ولو ردت الماشية بعيب، أو لفساد البيع، أو أخذها بائعها لفلس المشتري بعد أن أقامت بيد المشتري أعواما، ففي وجوب زكاتها على ملك المشتري أو البائع خلاف منشؤه التردد في رد المبيع في الصور الثلاث، هل هو نقض للبيع من أصله أو من حينه؟ وعليه أيضا ينبني الخلاف في استقبال البائع بها حولا، أو بناء حلولها على ما تقدم. فأما ما اشتراه من الماشية، فحال عليه الحول قبل قبضه، فعليه زكاته. السبب الثاني: تسلط الغير على ملكه، وهذا كالرقيق والملتقط والمديان. فأما الرقيق فلا تجب الزكاة عليه في شيء من أمواله، ويستوي في ذلك يسير (الرق) وكثيره، وكماله وبقيته. وأما الملك في السنة الثانية في اللقطة إذا نوى تملكها ولم يتصرف فيها، فقال مالك في كتاب محمد: تجب عليه الزكاة إذا تم حولها من يوم نوى. وقال ابن القاسم في المجموعة: لا زكاة عليه إذا لم يحركها.

стр. 208

وأما المديان فتسقط عنه زكاة العين الحولي من الناض، وقيم عروض التجارة إذا استغرقه الدين، أو لم يبق منه نصابا، إلا أن يكون غنيا بما يجعله في مقابلة دينه على وجوه يأتي تفصيلها وبيان الخلاف فيها. ويتنحصر الكلام في تفصيل زكاة المديان في فصلين: الفصل الأول: في بيان الدين المسقط للزكاة ويسقط كل دين وجب في معاوضة، وتدل فيه نفقة الزوجة إذا حلت، وإن لم يفرض ذلك لها حاكم، وتلحق بها نفقة الولد إذا قضى بها واستقر الطلب، فتسقط الزكاة، ولا تسقط نفقة للأبوين إذا لم يقض بها، فإن قضى بها، فروى ابن القاسم وأشهب: أنها تسقط، وفي الكتاب عن ابن القاسم: " لا تسقط ". وإن لم يقض بنفقة الولد، ففي إسقاطها للزكاة خلاف. وروي عن ابن القاسم: أنها لا تسقط، وهي رواية ابن حبيب عن مالك، وقال أشهب: إنها تسقط. ومهور النساء تسقط على المشهور، وقال ابن حبيب: لا تسقط لأن العادة بقاؤها في الذمم المدد البعيدة، ويسقط دين المساكين الواجب لهم، وقيل: لا يسقط. الفصل الثاني: في بيان ما جعل في مقابلة الدين والمشهور أنه يجعل جميع الديون فيما يملكه من العروض التي تباع عليه فيما دون العين. وروى يحيى بن يحيى عن ابن القاسم استثناء الدين الواجب للمساكين من جملة ذلك، فرأى أن يجعله في العين. وروى ابن المواز عنه موافقة المشهور. وقيل: بل يجعل الدين كله في العين لقدرة الغرماء على جعل ديونهم في العين. وإذا فرعنا على المشهور، ففي اشتراط ملك العرض الذي يجعل فيه الدين من أول الحول خلاف. (روى محمد عن ابن القاسم: أنه لا يزكي حتى يكنون العرض عنده من أول الحول، وروى عيسى عنه أيضا: أنه لو أفاده عند الحول جعل دينه فيه وزكى. وقال أشهب: يزكي سواء أفاد العرض عند الحول أو قبله بيسر. وإن أفاده بعد الحول زكى حينئذ، قال محمد وبه

стр. 209

وأقول، وبه قال أصحاب ابن القاسم). وفي معنى العرض الدين الذي له، والمال المعدني والحرث والماشية، على خلاف في هذين. وكذلك الخلاف في العين الحولي الذي قد أخرج زكاته، والخدمة، ومرجع الرقبة وغير ذلك، ولنفصل جمعيها بفروع متتالية، فنقول: من كان له مائتان لحولين كالحرم ورجب عليه مائة، فقال ابن القاسم: " يزكي ما حل حوله منهما أولا، ويجعل دينه في الأخرى، ولا يزكي الثانية ". قال الشيخ أبو محمد: " يريد لا يزكي الثانية عند حولها، (لأن دينه فيها) "، (وفي كتاب ابن حبيب: يزكي كل مائة لحولها، ويجعل دينه في الأخرى). وإذا كان له دين جعل ما عليه فيه وقيل: بل يجعله فيما (بيده). وإذا فرعنا على المشهور، فقال سحنون: يجعل عدد ما عليه في قيمة ما على من الدين إلى أجل. وقال أشهب: فيمن بيده مائة دينار، وعليه دين مائة، وله دين على آخر مائة: إنه يجعل الدين الذي عليه في الدين الذي له، ويزكي المائة التي في يده، فجعل الدين الذي عليه في عدد الدين الذي له. وقال ابن القاسم: إن كان دينه على غير ملي فيحسب قيمته. وحكى الشيخ أبو الطاهر قولا بأنه يجعل ما عليه من الدين في قيمة دينه إن كان مؤجلا، أو على غير ملي، وفي عدده إن كان حالا وعلى ملي، ويجعل دينه فيما لا يسقط الدين زكاته من ماله كالمعدني، وكذلك الحرث، والماشية على المشهور. وقيل: لا يجعله في الحرث والماشية بل في العين.

стр. 210

وإن كان له مكاتب، (فقال أصبغ: يجعل دينه في قيمته عبدا، احتياطا للزكاة لإمكان عودة عبدا، ورواه ابن حبيب عن أشهب). وقال ابن القاسم: يجعل في قيمة كتابته، لأنها المملوكة له فقط. وقال أشهب أيضا: في قيمته مكاتبا لا بقيمة ما عليه، إذ يمكنه بيعه كذلك. ويجعل الدين في المدبر إذا كان بعد التدبير، وقال سحنون: لا يجعل في رقبة المدبر ولا في خدمته، ألا ترى لو أن شريكا في بعد أعتق نصيبه منه، وليس له سوى مدبر، لم يقوم عليه نصيب شريكه. ويطرد الخلاف في المعتق إلى أجل، وأولى بالمنع. وإذا قلنا: يجعل في المدبر، فنقل ابن المواز عن جماعة [من] الأصحاب: أنه يجعل في قيمته، ونقل الشيخ أبو القاسم عن غير أبو القاسم: " أنه يجعل في خدمته ". واختاره القاضي أبو الوليد. ولو كان تدبيره بعد الدين لجعل في رقبته بغير خلاف. وإذا قلنا: يجعل في المعتق إلى أجل، ففي قيمة خدمته، ويجعل المخدم دينه في مرجع رقبة العبد على المنصوص، ويجعل المخدم دينه في الخدمة. قال في الكتاب: " ولا يحسب دينه في قيمة عبده الآبق، إذ لا يجوز بيعه ". قال ابن المواز: وقال أشهب: إن كان إباقه قريبا (ترتجى) رجعته، قوم على غرره، وجعله في دينه، وإن طال أمره فلا يحسب. ولو وهب له ما عليه من الدين عند الحول، فروى ابن القاسم: " أنه لا يزكيه حتى يحول عليه الحول بعد الهبة ". وقال أشهب: يزكيه حين وهب له، ولو لم يكن له مال غيره. ولو وهبه لأجنبي، فقال أشهب: لا زكاة على الغريم، ولا على الواهب. وقال محمد: يزكيه الواهب، لأن يد قابضه كيده، وقاله ابن القاسم. وكذلك في وجوبها على الواهب لغريمه خلاف أيضا، وعليه تخرج مسألة نصاب تزكية ثلاثة في حول واحد، وذلك بأن يكون لرجل خلاف أيضا، وعليه تخرج مسألة نصاب تزكية ثلاثة في حول واحد، وذلك بأن يكون لرجل دين، وعليه مثله لثالث، والمديانان مليان، ولكل واحد منهما عروض تفي بما عليه، فأحال الوسط منهم مطالبته على مديانه فقبضه بعد حلول الحول عليه، فالزكاة واجبة على الطرفين، ويختلف في الوسط.

стр. 211

السبب الثالث: عدم قرار الملك. فلا زكاة في الغنيمة قبل القسم على المشهور، ومن أكرى دارا أربع سنين بمائة دينار نقدا، فمر به حول، فقيل: يزكي الجميع، وقيل: لا يزكي غير ما حل حوله من السنة الأولى. وقيل: يزكي ما قابل السنة الأولى. وأشار بعض المتأخرين إلى بناء هذا الاختلاف على الخلاف في استقرار ملك عوض المنافع، هل يكون من يوم قبضه، أو من يوم استيفاء العوض عنه؟ قال: وفي ذلك قولان. الركن الثالث: في من تجب عليه. ويعتبر في توجه وجوبها الحرية، واختلف في عد الإسلام شرطا معتبرا في الوجوب، وإن لم يختلف المذهب في عدة من شروط الأداء، فالقاضي أبو بكر ومن وافقه من المتأخرين لم يعتبروه، وعده القاضي أبو محمد من شروط الوجوب. وكذلك نص عليه الشيخ أبو الوليد، وأبو الحسن اللخمي وغيرهم. فتجب الزكاة في مال الصبي والمجنون، وتجب على المرأة ولا تجب على الرقيق، ولا على السيد فيما بيد رقيه، ولا على من فيه بقية رق، ولا على من يملك ذلك منه. قال القاضي أبو بكر ومن وافقه: " ولم نشترط فيه الإسلام، إذ الكفار مخاطبون بفروع الشريعة عندنا، لكن لا يؤخذ (أهل) الذمة بزكاة شيء من أموالهم، لأنا عاهدناهم على أنا لا نأخذهم بفروع الدين ما داموا على كفرهم، كما لا نأخذهم بالصلاة والصوم، هذا حكم الأموال المملوكة المطلقة. فأما الأموال الموقوفة، فإن تكان نباتا، فالزكاة واجبة فيها على أصل ملك مالكها، ولا يراعى مقدار ما يصير لكل إنسان. وقيل: إن كان المتولي لتفريقها على الموقوف عليهم غيره، وكانوا ممن يستحقون أخذ الزكاة، فلا تجب الزكاة فيها. ثم إذا قلنا بوجوبها فيها على المشهور، أو لأن الموقوف عليهم غير مستحقين لأخذ الزكاة، فهل يعتبر كمال النصاب في حصة كل واحد منهم إذا كانوا معينين، أو إنما يراعى في

стр. 212

المجموع؟ قولان لمحمد وسحنون، سببهما: هل يملكون بالظهور أو بالوصول إليهم؟ قال الشيخ أبو عمران: قول خلاف لظاهر ما في المدونة وغيرها، فأما غير المعينين فيراعى في الجملة؛ إذ لا يملكون إلا بالوصول إليهم. (وإن كانت مواشي، فإن وقفت لتفرق أعيانها في سبيل الله، أو على المساكين، فمر الحول قبل تفرقتها، فلا زكاة فيها). وقال محمد: قال ابن القاسم مرة: هي مثل الدنانير، ولا أعلم إلا أن مالكا قاله. وقال أيضا بأن القاسم رواه عن مالك. (وقاله أشهب: إن كانت تفرق على مجهولين فلا زكاة فيها، وإن كانت تفرق على معينين، فالزكاة على من بلغت حصته ما فيه الزكاة). قال محمد: هذا أحب إلينا. وإن أن وقفها لتفرق أولادها، زكيت الأصول. (قال سحنون: إذا كان في جملة الثمرة خمسة أوسق، ففيها الزكاة، كان على معينين أو مجهولين). وكذلك في نسل الأنعام. وقال ابن القاسم: إذا كانت على معينين، فلا زكاة على من ليس في حظه ما فيه الزكاة من ثمرة أو نسل. وإن كانت على مجهولين، ففي جملة الثمرة والأولاد الزكاة إن بلغ ذلك ما فيه الزكاة إذا تم لأولاد حول من وقت الولادة في الوجهين جميعا، وإلا فلا. (وإن وقفت الأنعام لتكون غلتها من لبن وصوف، تفرق على معينين، أو غير معينين، فالزكاة في الأمهات والأولاد جميعا، وحولهما واحد، لأن ذلك كله موقوف). قال أبو محمد عبد الحق: " وأعرف في المال الموقوف لإصلاح المساجد، والغلات المحبسة في مثل هذا اختلافا بين المتأخرين في زكاة ذلك "، قال: " والصواب عندي في ذلك، أن لا زكاة في شيء موقوف على من لا عبادة عليه من مسجد ونحوه، والله أعلم ". وإن كانت عينا، فإن كانت وقفت لتفرق، فلا زكاة فيها، لأنها خرجت من يد من كانت له، ولم يقبضها من صارت إليه، ولا تنمية فيها، وإن وقفت لتسلف من احتاج إليها زكيت بعد الحول.

стр. 213

خاتمة: اختلف في محل اشتراط مجيء الساعي، والمشهور اشتراطه في الوجوب، والشاذ أنه شرط في الأداء لا في الوجوب. وأما التمكن من الأداء، فقال الأستاذ أبو بكر في تفسيره، هو مطالبة الساعي دون قدرة رب الماشية على إيصالها إليه. الطرف الثاني للزكاة: طرف الأداء. وله ثلاثة أحوال: الأداء في الوقت، وقبله تعجيلا، وبعده تأخيرا، فهذه ثلاثة أقسام. الأول: الأداء في الوقت. وهو واجب على الفور، تؤدي إلى الإمام إذا كان (عدلا)، وكان يصرفها في وجوهها. وقيل: لأربابها أن يتلوا تفرقة الناض، وهو المال الباطن مستحقيه، وإن كان الإمام عدلا. وتجب نية الزكاة، فينوي الزكاة المفروضة، وينوي ولي الصبي والمجنون. قال القاضي أبو الحسن: " ورأيت بعض أصحابنا ذهب إلى أنها لا تفتقر إلى نية "، قال: " وأظنه إنما هب إلى ذلك لما رآها تجزئ يأخذ الإمام قهرا ". ثم قال القاضي أبو الحسن: " ولا يحتاج الإمام إلى نية، لأن الفعل منه يقوم مقام النية، لأنه يأخذ ما وجب أخذه من المأخوذ منه وإن أن كارها، فإنه يعلم أن أخذها واجب عليه ". وينبغي للساعي أن يعلم من السنة بشهر لأخذ الزكاة، ويستحب أن يكون في الصيف حين تطلع الثريا مع الفجر. ولا يجب على الإمام ولا على نائبه أن يدعو لصاحب الصدقة إذا أخذها منه، ولكن يندب إلى ذلك. القسم الثاني: في التعجيل. ولا (يجزئ) في المدة [الكثيرة] لغلبة شائبة العبادة على الزكاة، وإن اشتملت

стр. 214

على قصد سد الخلة، وفي إجزائه في اليسيرة خلاف. روى أشهب أنه لا يجزئ، وقيل: يجزئ. (ثم اختلف القائلون بالإجزاء في تقدير اليسيرة، فقال ابن المواز والقاضي أبو الفرج: مثل اليوم واليومين، قال محمد: على تكره، وحكى ابن حبيب عمن لقي من أصحاب مالك: الخمسة إلى العشرة، وقيل: نصف الشهر. وروى عيسى عن ابن القاسم تحديدها " بالشهر ونحوه على تكره منه لذلك ". فرعان: الأول: قال القاضي أبو بكر: " هذا الخلاف مقصور على زكاة الحيوان والعين وأما زكاة الزرع فلا يجوز تقديمها فيه لأنه لم يملك بعد ". الفرع الثاني: (لو عجل الزكاة بل الحول بالمدة الجائزة على الخلاف فيها، ثم هلك النصاب قبل تمام الحول، أخذها إن كانت قائمة بعينها، وعلم أو تبين أنها زكاة معجلة وقت الدفع، وإن لم يتبين ذلك لم ي قبل قوله. وأما لو دفع الزكاة معجلة، ثم ذبح شاة من الأربعين، فجاء الحول ولم ينجبر النصاب، ولم يكن له الرجوع، لأنه يتهم أن يكون ذبح ندما ليرع فيما عجل). القسم الثالث: في تأخير الزكاة. وهو سبب للضمان والعصيان عند التمكن، فإن تلف النصاب بعد الحول وقبل التمكن نفلا زكاة عليه على المشهور. وقيل: تجب عليه زكاة ما بقي، وإن كان دون النصاب. فلو ملك خمسا من الإبل، فتلف قبل التمكن أحدها، سقطت الزكاة عن الكل، كما لو تلف قبل الحول؛ لأن الإمكان شرط في الوجوب، وعلى الشاذ لا يسقط عنه إلا خمس شاة، لأن الإمكان عنده شرط في الأداء لا في الوجوب. ولو اشترى بالنصاب بعد الحول سلعة، ثم باعها بعد حول آخر، فربح فيها، فإنه يؤدي عن النصاب للعام الأول، ثم يؤدي عن المجموع للعام الثاني إن كان له عرض يجعله في مقابلة

стр. 215

قدر زكاة النصاب الأول، وإن لم يكن له عرض زكى ما بقي بعده على المعروف من المذهب. قال الشيخ أبو الطاهر: " ويتخرج على القول بأن دين المساكين في الزكاة لا يسقطها أن يزكي عن الجميع. قال ابن عبد الحكم في هذه المسألة: يستقبل بالربح حولا. قال الشيخ أبو الطاهر: " ومنها أخذ القول بأن الربح كالفائدة ". وإمكان الأداء يفوت بغيبة المال وبغية المستحق، وهو المسكين أو السلطان فيما يتولى قبضه على أحد القولين. فإن قيل: هل تتعلق الزكاة بالعين؟ قلنا: فيه خلاف، قيل: تتعلق؛ إذ هي مواساة. وقيل: بل تتعلق، وهم كالشركاء، وعليه تخرج زكاة ما بقي وإن أن دون النصاب للشركة فيه كالشركة في التالف. وإذا ملك عدة من الماشية، فتكرر الحول قبل أخراج الزكاة، ثم قدم الساعي فوجدها زائدة، فلتأخره سببان. السبب الأول: تأخر الساعي عنه. فيزكي ما وجد بيده عن ماضي السنين، على أن الجميع على ما بيده الآن من غير اعتبار بما كان بيده في السنين الماضية، ويبدأ بالسنة الأولى، ثم ما يليها، ما لم ينقص جزء الزكاة عدتها في بعض السنين، فينقص الواجب أو يسقط. وقال أشهب: بل يخرج عن كل سنة زكاة ما كان يده فيها. ومن الأصحاب من نزل بالقول الأول على ما إذا لم يدع أن ماشيته كانت في ماضي السنين دون ذلك. قال غيره: وهو بعيد عن مقتضى لفظ الكتاب. واستدل في الكتاب للمشهور بأن السعاة تخلفوا في الفتنة ست سنين، ثم بعثوا، فأخذوا من الناس عما تقدم على ما في أيديهم، ولم يسألوهم عما كان في أيديهم قبل ذلك مما مات في أيديهم، ولا مما أفادوا، قال: وهو الشأن. ورأى أنه كان كالمتفق عليه من السلف. قال بعض الأصحاب: ولأنهم جعلوا الأعوام كالعام الواحد، وعدلوا بين أرباب الأموال والمساكين، فأخذوا بالزيادة ما لم يضمنوا النقص، مثال ذلك: أن تتخلف الساعة عمن يملك ألفا من الغنم مثلا عشرة أعوام، ثم تأتي وليس في يده إلا أربعون، فلا يؤخذ منه إلا شاة واحدة، فإن كان بالعكس، فكانت أولا أربعين، ثم كملت في العام الآخر، فالقولان كما تقدم. المشهور أنه يؤخذ منه زكاة الألف عن الأعوام المتقدمة. والشاذ أنه إنما تؤخذ منه
следующие страницы →