Полный текст (1 311 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.
стр. 246
وأما الجلي، فالغازي معلوم بفعله وكونه فيه، ولو أعطي بقوله، فلم يحقق الموعود، استرد.
وأما الغارم، فيطالب بالبينة على الدين، وعلى العسر إن كان عن مبايعة، إلا إذا كان عن طعام أكله.
والمؤلف قبله ظاهر.
والمدعي أنه ابن سبيل يعطى إذا كان على هيئة الفقراء، ويكتفى بقرينة حاله.
الثانية: في قدر المعطى.
فالغارم يعطى على قدر دينه، والفقير والمسكين يعيطان كفايتهما وكفاية عيالهما.
وفي جواز إعطاء النصاب، وإعطاء من يملكه خلاف. وروى علي وابن نافع: ليس في ذلك حد، وإنما هو على اجتهاد المتولي، وقد تقل المساكين وتكثر الصدقة، فيعطى الفقير قوت سنة، وروى المغيرة: يعطى دون النصاب ولا يبلغه.
والمسافر يعطى قدر ما ي بلغه إلى المقصد، أو إلى الموضع ماله.
والغازي يعطى ما يقوم به في حال الغزو. والمؤلفة قلوبهم يعطون ما يراه الإمام والعامل يعطى أجر مثله.
ولا يعتبر الثمن في العامل ولا ف غيره من الأصناف، بل قسمتها على الاجتهاد من الإمام، وعلى قدر ما يراه من الحاجة، زاد على الثمن أو نقص عنه، استغرق جميع الأصناف أو بعضها أو صنفا واحدا أو بعضه، اعتبارا لجملة الأصناف بواحدها، إذ اللام لبيان المصرف لا للتمليك.
فرعان:
الأول: من اجتمعت فيه صفتان استحق سهمين، وقال القاضي أبو الحسن: " لا يعطى سهمين، بل يعطيه الإمام على الاجتهاد، وكذلك المتولي زكاة ماله ".
الفرع الثاني: في صفة الإعطاء.
وهي أن يخرج المتصدق الصدقة من يده، ولا يحبسها عنده، ويجريها على من تصدق بها عليه، رواه المغيرة.
المسألة الثالثة: نقل الصدقة عن موضع وجوبها غير جائز، وهو البلد الذي فليه المال
стр. 247
المالك والمستحقون للزكاة، فإن نقلها أو دفعها إلى فقراء غير بلده، كره ذلك له وأجزأ عنه.
وقال سحنون: " لا يجزيه ".
ولو بلغ الإمام أن ببعض البلاد حاجة شديدة، جاز له نقل بعض الصدقة المستحقة بغيره إليه.
وهل المعتبر مكان المال وقت تمام الحول، فتفرق الصدقة عنده؛ إذ هو سبب الوجوب، أو مكان المالك، إذ هو المخاطب بها فيخرجها حيث هو؟ في ذلك قولان.
وأما صدقة الفطر، فإنما ينظر فيها إلى موضع المالك فقط.
فرع: حيث قلنا: تنقل الزكاة، فروى ابن القاسم: " أن الإمام يتكارى عليها من الفيء ". وقال ابن القاسم: " لا يتكارى عليها، ولكن يبيع ذلك، ثم يشتري مثله (بالموضع) ". وفي " العتبية عن مالك فيمن وجبت عليه صدقة ماله وهو بموضع ليس فيه مساكين: أنه يحمله إلى المساكين، ويكري من عنده حتى يبلغه ".
الرابعة: إذا كان الوالي يعدل في الأخذ والصرف، لم يسع المالك أن يتولى الصرف بنفسه في الناض ولا في غير ذلك، بل يرفع زكاة الناض إلى الإمام. وأما زكاة الحرث والماشية، فيبعث الإمام في ذلك. وقيل: زكاة الناض إلى أربابه. وقال ابن الماجشون: ذلك إذا كان المصرف الفقراء والمساكين خاصة، فإن احتيج إلى صرفها لغيرهما من الأصناف لأداء الاجتهاد إلى ذلك، فلا يفرق عليهم إلا الإمام.
ثم حيث قلنا: للمالك أن يفرقها، فالأفضل له أن يوليها غيره ليسلم من الحمد، إلا أن لا يكون عارفا بمصارفها، فيتعين عليه رد أمرها إلى غيره.
ولو كان الإمام جائرا لم يجز دفعها إليه، لا عن الظاهر ولا عن الباطن، فإن دفعها إليه اختيارا لم تجزئ عنه إذا كان يجوز في صرفها.
وإن أخذها جبرا، فإن عدل في صرفها أجزأت عنه، وإن لم يعدل فيه، ففي إجزائها عنه قولان، منشؤهما: الخلاف في نفوذ قسمة الغاصب.
стр. 248
ثم الإمام إذا نصب ساعيا فليكن جامعا لشرائط الولاية، ومن شرائطها أن يكون عارفا بأبواب الزكوات، ففيها فيها، وينبغي له أن يسم الصدقات.
الخامسة: صدقة التطوع.
وفي تحريمها على آل الرسول ﷺ قولان كما تقدم، وصرفها سرا، وإلى الأقارب والجيران أفصل، والاستحباب في شهر رمضان آكد.
هذا آخر كتاب الزكاة، وقد رأيت أن أضيف إليه فصلا يتعلق به.
فصل:
قد تقدم في هذا الكتاب ذكر اعتبار المقادير بالكيل والوزن، ووقفت من تحريرهما على ما رأيت أن أثبته ها هنا رجاء النفع، وهو ما خرج النسائي بإسناده عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : «المكيال على مكيال أهل المدينة، والوزن على وزن أهل مكة».
وخرج أبو داود عن أحمد بن حنبل قال: «صاع ابن أبي طيب خمسة أرطال وثلث»، قال أبو داود: وهو صاع رسول الله ﷺ .
وأسند عبد الحق (البجائي) إلى عبد الله بن أحمد بن حنبل قال: ذكر لي أبي أنه عبر مد رسول الله ﷺ ، فوجدها رطلا و (ثلثا) في المد، قال: ولا تبلغ في التمر هذا المقدار، قال: وبحثت أنا غاية البحث عند كل من وثقت بتمييزه، فكل اتفق لي على أن دينار الذهب بمكة وزنه اثنان وثمانون حبة وثلاثة أعشار حبة بالحب من الشعير المطلق، والدرهم سبعة أعشار المثقال، فوزن الدرهم المكي سبع وخمسون حبة وستة أعشرا حبة وعشر عشر حبة، فالرطل مائة درهم واحدة وثمانية وعشرون درهما بالدرهم المذكور، قال: ووجدنا أهل المدينة لا يختلف منهم اثنان في أن مد رسول الله ﷺ الذي به تؤدى الصدقات ليس أكثر من رطل ونصف، ولا أقل من رطل وربع، وقال بعضهم: رطل وثلث: وليس هذا اختلافا، ولكنه على حسب رزانة المكيل من التمر والبر والشعير. انتهى كلامه، وانتهى بانتهائه كتاب الزكاة ما يتعلق به.
стр. 249
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
كتاب الصوم
والنظر في الصوم والفطر.
أما الصوم، فالنظر في سببه وركنه وشرط وسنن.
أما السببن، فاثنان:
الأول: رؤية الهلال، وتحصل بالخبر المنتشر، وهو الكمال فيها، ولا يفتقر ذلك إلى شهادة، وتثبت بشهادة عدلين على الإطلاق، وقيل: إن كانت السماء مصحية والمصر كبيرا، فلا يكفي الشادان، ويعزى هذا إلى سحنون. والحكم في هلال شوال كمال ذكرنا.
ولا يثبت الهلال برؤية واحد، إلا في حق الرائي خاصة، لكن يجب عليه أن يرفع شهادته إلى الحاكم إن كان ممن تقبل شهادته، رجاء أن ينضاف إليه غيره فيثبت الحكم. وقيل: يرفع وإن كان لا يرجى قبول شهادته، لجواز الاستفاضة.
وإذا رؤي الهلال في بلد لزم غيرهم الصوم بذلك، والقضاء إن فاهم من غير تفصيل.
وحكى القاضي أبو إسحاق عن ابن الماجشون، أنه رأى: إن كانت ثبت بأمر شائع، فالحكم كذلك، وإن كان ثبت عند الحاكم بشهادة شاهدين كسائر الأحكام، لم يلزم من خرج من ولايته، إلا أن يكون أمير المؤمنين، فيلزم القضاء جماعتهم إذا كتب بما عنده من شهادة أو رؤية إلى من لم يثبت عنده.
وإذا رؤي هلال شوال بعد الزوال أو قبله، لم يجز الإفطار إلا بعد الغروب، لأنه لليلة.
стр. 250
المستقبلة. وقال ابن وهب وابن حبيب وعيسى بن دينار: إن رئي الهلال قبل الزوال، فلا يجوز الإمساك، لأنه لليلة الماضية.
السبب الثاني: العدد، وإنما يعتبر عند عدم الرؤية، وهو عبارة عن إكمال عدة الشهر المنقضي ثلاثين يوما، فيجب صوم اليوم الحادي والثلاثين في أول الشهر، وفطره في آخره.
فرع: ولا اعتماد على ما ذهب إليه بعض الناس من اعتبار المفارقة في الهلال، ولا التفات إليه، لأنه إن كان فاسدا فلا دلالة له، وإن كان صحيحا، فلم يعتبره الرسول ﷺ ، بل حصر السبب فيما ذكرنا، فكان ما سواه غير معتبر في الشرع، فلا يجوز الاعتماد عليه بوجه.
القول في ركني الصوم، وهو النية والإمساك.
الركن الأول: النية ، فعليه أن ينوي نية معينة مبنية جازمة، فلا يصح صيام من غير نية.
وحكى القاضي أبو محمد " عن عبد الملك بن الماجشون وصاحبه أحمد بن المعذل أنهما يقولان: إن أصبح ولم يأكل ولم يشرب، ثم علم أن اليوم من شهر رمضان مضى على إمساكه، وأجزأه من صيامه، ولا قضاء عليه ".
والتعيين: أن ينوي أداء فرض رمضان.
ومعنى التبييت: أن ينوي لكل يوم من كل نوع من ليلته، ويستثني من ذلك شهر رمضان، فله أن يجمعه بنية واحدة من أوله، ولان صوم الشهر عبادة واحدة، ولا يتخلل بين أجزائها إلا ما يتخلل بين النية وبين افتتاحها، فلا يضر تخلله كاليوم الأول، هذا ما لم يقطعه أو يكن على حالة يجوز له الفطر، فيلزمه استئناف النية.
ويستثنى أيضا شهر التتابع، وكذلك من شأنه سرد الصوم. قال الشيخ أبو بكر: " وهذا القول من مالك في الصيام النفل يبه أن يكون استحسانا. فأما القياس فإن عليه أن ينوي كل ليلة، لجواز أن يفطر بدل الصوم، ويصوم غير الذي عود نفسه، فهو مخالف لصوم رمضان. وقيل: لا يستثنى من ذلك رمضان ولا غيره، وحكاه القاضي أبو بكر رواية. واختار الأخذ بها.
والمعنى بالجازمة أن لا تكون مترددة، فإن النية المترددة باطلة، فمن نوى ليلة الشك
стр. 251
صيام غد إن كان من رمضان، لم يجزئه، لأنها غير جازمة، نعم، لا يضر التردد بعد حصول الظن بشهادة أو استصحاب كما في آخر رمضان أو اجتهاد في حق الأسير وشبهه.
(ثم إن غلط الأسير بالتأخير لم يلزمه القضاء، وإن غلط بالتقديم لزمه القضاء إن كان شهرا واحد). وكذلك إن استمر ذلك شهورا في سنين متوالية، فإنه يقضي الجميع على المشهور. وقال ابن الماجشون: يقضي الأخير فقط.
الركن الثاني: الإمساك عن المفطرات .
وهي: الجماع، والاستمناء، والاستقاء على خلاف فيه خاصة، ودخول الداخل، وضبط الدخول، كل عين يمكن الاحتراز منه غلابا، وصل من الظاهر إلى المعدة والحلق من منفذ واسع كالفم والأنف والأذن، وفي إلحاق الحقنة بالمائعات بذلك خلاف. وكذلك في إلحاق غير المغذي من ذلك به، أو القصر عليه، فيفطر بالحقنة بالمائع على قول، وبالسعوط أيضا إذا وصل إلى حلقه، وقال أشهب: رأى عليه القضاء؛ إذ لا يكاد يسلم، قال: وأما المحتقن فلا شك فيه، وليقضيا في الواجب والتطوع.
ولا يفطر بالكحل إذا لم يكن يتحلل منه شيء، وإن أن مما يتحلل منه شيء إلى الحلق أفطر به، وقال أبو مصعب: " لا يفطر به ". وكره ابن القاسم الكحل من غير تفصيل.
ولا يفطر بما يقطر في الإجليل، ولا بالفصد أو الحجامة. ولا بتشرب الدماغ الدهن بالمسام، إلا أن يجد طعم ذلك في حلقه، قاله في السليمانية. ولا بالحقنة بما لا ينماع، ولا بوصول ما تعالج به الجائفة إلى الجوف؛ لأنه لا يصل إلى مدخل الطعام؛ إذ لو وصل إليه لمات.
أما تعذر الاحتراز غالبا، فنعني به إذا طارت ذبابة إلى جوفه، أو وصل غبار الطريق إلى بأنه.
وأما غبار الدقيق فقال أشهب في مدونته: عليه القضاء، وقال القاضي أبو محمد: " لا شيء عليه ". واختلف أيضا في غبار الجباسين، وأولى بعدم الإفطار.
стр. 252
ولا يفطر من سبق إلى جوفه فلقة حبة بين أسنانه، وقال أشهب: أحب إلي أن يقضي، قاله عنه ابن عبد الحكم. وأما ذلك فليقض، قال الشيخ أبو محمد: " يريد أن أمكنه طرحها. وأما لو أوجز بغير اختيار، فإنه يفطر.
ولو استقاء عامدا أفطر، ووجب عليه القضاء، ورأي الشيخ أبو القاسم: " أنه مستحب ".
ولو ذرعه القيء لم يفطر إلا أن يرد شيئا من ذلك إلى جوفه بعد إمكان طرحه. وروى ابن أبي أويس أن عليه القضاء، وإن لم يزدرده. ويفطر بابتلاع الحصاة والنواة عامدا، وقال بعض المتأخرين: لا يفطر.
ولو ابتلع دما خرج من سنه أو سنا أفطر إن كان قادرا على طرح ذلك. وقيل: لا يفطر.
ولو كان مغلوبا لم يفطر. وإن سبق الماء في المضمضة إلى باطنه أفطر وإن لم يبالغ.
والجماع واستدعاء المني بالاستمناء أو باستدامة الفكر، أو النظر بمجردهما من غير استدامة سبب لوجوب القضاء والكفارة، ولو لم يخرج بهما إلا المذي كان سببا للقضاء إن كان استدامهما.
ويختلف في جوبه أو استحبابه، فإن لم يستدمهما فلا شيء عليه، وكذلك ما دون الإمذاء من الفكر والنظر والقبلة، وإن كره الإقدام على تعمد ذلك.
والغالط الذي يظن غروب الشمس أو عدم طلوع الفجر، يفطر، يلزمه القضاء.
ويرحم الأكل عند الشك في غروب الشمس أو في طلوع الفجر، وقيل: يكره عند الشك في الطلوع. وقال ابن حبيب: يباح له الأكل عند الشك في الطلوع، ثم إن تبين أنه أفطر بد الطلوع أو قبل الغروب وجب القضاء على كل حال، وإن لم يتبين له الأمر بعد الأكل جرى وجوب القضاء واستحبابه على الخلاف المتقدم.
ولو طلع الفجر وهو يجامع، فعليه القضاء إن استدام، فإن نزع ففي إثبات القضاء ونفيه خلاف بين ابن الماجشون وابن القاسم، سببه أن النزع هل يعد جماعا أم لا؟
القول في شرائط صحة الصوم:
وهن أربع: ثلاث في الصائم وهي: الإسلام، والنقاء عن دم الحيض، والعقل.
فعدم الإسلام وعدم النقاء يمنعان الصحة، وكذلك زوال العقل بالجنون، أما استتاره بالنوم فلا يمنع الصحة.
стр. 253
وكذلك انغماره بالإغماء إن طرأ بعد الفجر، ودام أيسر النهار. ويمنع إن كان قبل الفجر وتمادى إلى غروب الشمس، وفي منعه إذا برأ قبل الفجر وزال بعده بيسيره أو بعد الفجر ودام نصف النهار أو أكثره خلاف.
الشرط الرابع: الوقت القابل للصوم، وهو جميع الأيام، ويستثني من ذلك يوما العيدين باتفاق. وفي أيام التشريق خلاف وتفصيل، فإن نذر صومها لم يصم اليومين الأولين، وقيل: يصومهما، وصام اليوم الثالث. وقيل: لا يصومه، ويصوم جميعها المتمتع. وقيل: هو كغيره.
وصوم يوم الشك جائز إن وافق وردا أو قضاء أو نذرا. وكذلك لو لم يكن له سبب على المشهور، وقال محمد بن مسلمة بكراهية صومه ابتداء من غير سب. ونصوص المذهب على النهي عن صيامه حوطة. ويوم الشك هو يوم ثلاثين من شعبان إذا كانت السماء متغيمة.
القول في السنن: وهي تعجيل الفطر بعد اعتقاد الغروب، فول أراد الوصال، فحكى أبو الحسن اللخمي قولين في جواز ذلك ونفيه، ثم اختار جوازه إلى السحر، وكراهيته إلى الليلة القابلة.
وتأخير السحور مستحب، وكذلك كف اللسان عن الهذيان، وترك السواك بالرطب، وترك المبالغة في المضمضة والاستنشاق.
القسم الثاني من الكتاب، في مبيحات الإفطار وموجباته.
أما المبيح فهو المرض والسفر الطويل، وهو سفر القصر. وطارئ المرض في أثناء النهار مبيح، وطارئ السفر لا يبيح، فإن أفطر بعد شروعه في السفر، وقد كان بيت في الحضر، فإن كان متأولا فظاهر المذهب أن لا كفارة عليهن وإن لم يتأول، ففي وجوبها وسقوطها قولان.
стр. 254
وإن أفطر قبل الشروع في السفر، فقال أشهب في كتاب ابن سحنون: لا كفارة عليه، سافر أو لم يسافر. وقال سحنون: يكفر سافر أو لم يسافر، ثم رجع فقال: إن سافر لم يكفر، وإن لم يسافر كفر. وقال ابن الماجشون وابن القاسم في كتاب ابن حبيب: إن أفطر قبل أن يأخذ في أهبة السفر كفر، وإن أفطر بعد أن أخذ في أهبة السفر متأولا ثم سافر لم يكفر. قال ابن الماجشون: وإن عرض له ما حبسه عن السفر كفر. وإذا زال المرض والسفر وهو غير مفطر لم يبح الإفطار.
والمسافر إذا أصبح على نية، فليس له أن يفطر، إلا أن يطرأ عليه عذر يقتضي الفطر، ومنه التقوى للقاء العدو؛ كما فعله الرسول ﷺ . وقال مطرف: له أن يفطر (من) غير طروء عذر.
وإذا فرعنا على منع الفطر فأفطر، ففي وجوب الكفارة وسقوطها ثلاثة أقوال: الوجوب للمغيرة وبن كنانة. والسقوط رواية. والتفرقة لابن الماجشون، فيوبجها في الجماع دون الأكل والشرب.
والصوم في السفر أحب من الفطر لتبرئة الذمة. وقال عبد الملك بن الماجشون: " الفطر أفضل، وري أنهما سيان.
وأما موجبات الإفطار فخمسة:
الأول: القضاء، وهو يتنوع إلى قضاء رمضان، وإلى قضاء غيره، وقضاء غير رمضان يذكر عند ذكره.
فأما قضاء رمضان فواجب على كل مفسد للصوم أو تارك له بسفر أو مرض أو إغماء أو حيض أو سهو، وكذلك الحيوان. وقيل: مما لم تكثر السنون. وقيل: ما لم يبلغ مجنونا.
ولا يجب على من ترك بصبا أو كفر، ولا على المفند الذي لا يستطيع صومه إلا بخوف التلف، ولا يجب التتابع في قضاء رمضان، ولكن يستحب.
الثاني: الإمساك تشبها بالصائمين، وهو واجب على كل متعد بالإفطار في شهر رمضان، أو ظان للإباحة مع عدمها. وغير واجب على من أبيح له الفطر إباحة حقيقية كالمريض يصح، والمسافر يقدم، والحائض تطهر في بقية النهار.
ومن أصبح يوم الشك مفطرا، ثم تبين أنه في رمضان، أمسك.
أما الصبا والجنون والكفر، فإذا زال شيء منها لم يجب الإمساك. وقيل: يجب في الكفر خاصة.
стр. 255
ومن نوى التطوع في رمضان لم ينعقد، وإن كان مسافرا لتعين الوقت. وحكى القاضي أبو بكر فيه رواية بالانعقاد، واستضعفها كثيرا.
فأما لو صامه قضاء عن رمضان آخر عليه، فقال ابن القاسم في العتبية وأشهب في مدونته: " لا يجزيه عن واحد منها ". وفي الكتاب: " أرى أن يجزيه، وعليه قضاء رمضان الآخر "، روي بكسر الخاء وفتحها، فحصل من ذلك قولان آخران عن ابن القاسم.
الثالث: الكفارة، ولا تجب إلا في رمضان دون غيره من أنواع الصوم، وتجب بالخروج عن صومه على وجه الهتك من كل معتقد لوجوبه من رجل أو امرأة، لكل يوم كفارة لا يسقطها عن ويم وجوبها في آخر، من غير اعتبار بالأنواع التي يخرج عن الصوم بها من جماع أو أكل أو شرب أو غر ذلك، ولا بالوجهة الذي يخرج عن الصوم من اعتماد تركه أو بعد عقده بقطع نية أو إمساك، ولا بطروء عذر بعد ذلك أو عدمه، كمعتمد الفطر يمرض، أو يسافر، أو يجن، أو تحيض المرأة على المشهور نظرا إلى الحال شيء وقيل: بإسقاط الكفارة عند طروء العذر نظرا إلى المآل.
وكذلك الخلاف في القائل: اليوم نوبتي في الحمى، فيفطر ثم تأتيه. وفي القائلة: اليوم أحيض. فأفطرت ثم حاضت، وأولى بالإسقاط ها هنا وفي المستقيء خلاف. وكذلك مبتلع ما لا يغطي قصدا.
ولا تجب على الناسي، لأنه لم ينتهك، وقيل: تجب عليه في الجماع خاصة، والمكره كالناسي.
وتجب بالزني [وبجماع] الأمة، ووطء البهيمة، والإتيان في غير المأتي. ولا تجب على من ظن أن الصبح غير طلاه، فجامع. وتجب على المنفرد برؤية الهلال. وقال أشهب: إن تأولا فلا تجب عليه، وعلى من جامع مرارا في أيام، لكل يوم كفارة كما تقدم.
ولا تتكرر بتكرر الانتهاك في اليوم الواحد، وقيل: تتكرر إن كان الانتهاك الثاني عبد التفكير.
стр. 256
ولو أكره امرأة لم يجب عليها أن تكفر بحال، ووجبت عليه كفارتان عنه وعنهما في المشهور. وقيل: لا كفارة عليه عنها.
ثم اختلف الأصحاب، هل هذه الكفارة متنوعة أم تختص بالإطعام خاصة؟ وسبب اختلافهم احتمال لفظ الكتاب، وصيغته: " قلت: وكيف الكفارة في قول مالك؟ قال: الطعام لا يعرف غير الطعام، لا يأخذ مالك بالعتق ولا بالصيام " هذا نص لفظه.
فمن نوع حمله على الأولى، ويجزي غيره. ومن خصص حمل اللفظ على ظاهره، والصحيح التنويع، ورد ظاهر هذه الرواية إلى مذهبه في الموطإ، وإلى ما رواه ابن الماجشون عنه، وهو أن الإطعام أفضل.
وإذا فرعنا على التنويع، فأنواعها ثلاثة: عتق وصيام و‘طعام، وهي على التخيير ككفارة الأيمان. وقيل على الترتيب ككفارة الظاهر.
النوع الأول: العتق، فيعتق رقبة كاملة غير ملفقة، مؤمنة، سليمة، محرر، وتحريرها أن (يبتدئ) إعتاقها من غري أن يكون مستحقا بوجه.
النوع الثاني: الصيام، وهو صوم شهرين متتابعين.
النوع الثالث: الإطعام، هو إطعام ستين مسكينا، مدا، لكل مسكين، بمد النبي ﷺ ، وقال أشهب: مدل لكل مسكين أو غداء وعشاء، والإطعام أحب إلينا من الغداء والعشاء.
وإذا فرعنا على المشهور، فالإطعام يعمها. وقيل: تتنوع: فتكون إطعاما إن كانت بفير جماع، وعتقا أو صياما إن كانت عن جماع.
ثم إذا قلنا بالتسوية مع اختلاف الموجب، فالإطعام أفضل لأنه الأمر المعمول به في الحديث، ولأنه أعم نفعا؛ إذ الصيام لا يتعدى نفعه المكفر، والإعتاق وإن تعدى نفعه المكفر، فلا يتجاوز المعتق، ويتعدى نفع الطعام إلى ستين مسكينا، فيحيا به مثل هذا العدد، لا سيما في أوقات الشدائد والمجاعات. وقيل: العتق أفضل. وقال المتأخرون: يختلف ذلك بالأوقات والبلاد، فالأول في ارتفاع الأسعار، والثاني في انخفاضها.
وتستقر الكفارة في الذمة عند العجز عن جميع الخصال وقت الإفساد، ثم المعتبر حالة التكفير على القول بالترتيب.
стр. 257
الموجب الرابع: قطع التتابع والنية.
أما قطع التتابع، فهو أن يفطر بغير عذر، أو بعذر يمكنه دفعه، كالسفر، فأما ما لا يمكنه دفعه من سهو أو مرض، أو خطأ عدة أو حيض، فيجزي البناء معه.
وأما قطع النية، فهو إفساد الصوم أو تركه على الإطلاق لعذر أو غير عذر، أو بحصول الوجه الذي يسقط معه الانحتام، وإن آثر الصوم معه كالسفر والمرض، ولا يقطع استدامتها، وإنما يقطع استصحاب ابتدائها.
الخامس: الفدية، وهي مد من طعام لمسكين عن كل يوم، وتجب ثلاثة أمور:
أحدها: ما يجب لفضيلة الوقت وهو في حق الحامل والمرضع.
فأما الحامل إذا خافت على ولدها، فروى ابن وهب: أنها تفطر وتطعم. وقال أشهب: تطعم استحبابا من غير إيجاب. وقال في الكتاب: " تفطر وتقضي، ولا إطعام عليها لأنها مريضة ". وقال ابن الماجشون: إن خافت على حملها وجبت عليها، وإن خافت على نفسها لم تجب عليها. وقال أبو مصعب: " إذا خافت على ولدها قبل مضي ستة أشهر أطعمت، وإن دخلت في الشهر السابع لم تعم لأنها مريضة ".
وأما المرضع إن احتاجت إلى الفطر لولدها إذ لم يقبل غيرها، (أو) لم يقدر على الاستئجار له، فقال في الكتاب: " تطعم ". وقال في المختصر: لا إطعام عليها.
ومنشأ الخلاف: أنها مطيقة في نفسها، وغير مطيقة لضرورة الولد.
الثاني: كل من لا مرض به، ويعلم أنه لا يمكنه إكمال صوم اليوم، كالمتعطش والشيخ الكبير، فيطعم استحبابا. وقيل بوجوب الإطعام عليه. وقال أبو الحسن اللخمي: " الصواب سقوط الإطعام عنه ".
الثالث: ما يجب لتأخير القضاء، فلكل يوم أخر قضاؤه عن السنة الأولى مع الإمكان مد، ولا ي تكرر بتكرر السنين، ويخرجها عند الأخذ في القضاء، وقال أشهب: عند تعذر القضاء واستقرارها في الذمة، لأنه سبب الوجوب، فكلما مضى يوم من شعبان قد تعين للقضاء أطعم عن يوم، لأنه صار مفرطا.
стр. 258
وأما صوم التطوع، فيلزم إتمام ما شرع فيه منه، (وكذا) القضاء، ولو لم يكن على الفور، فإن أفطر في التطوع متعمدا من غير عذر، فعليه القضاء، وإن أفطر في القضاء متعمدا، فهل يجب عليه قضاء الأصل فقط، أو قضاؤه وقضاء القضاء؟ قولان.
ولو أفطر في التطوع لمرض أو حض أو غيره من الأعذار المبيحة للفطر، لم تجب عليه قضاء. ولو أفطر ناسيا أتم، ولا شيء عليه.
فأما إن سافر فيه، فأفطر من غير ضرورة، فقال في الكتاب: " عليه القضاء ". وقال ابن حبيب: لا قضاء (عليه).
وأما الفطر في المنذور، فإن كان عمدا عصا ووجب عليه القضاء، وإن كان [نسيانا] أو لعذر، فإن كان النذر غير معين وجب القضاء، وغن كان معينا فقيل: يجب. وقيل: لا يجب، وقيل: يجب في النسيان، ولا يجب في الحيض والمرض. وقيل: يجب إن كان المقصود صوم يوم، ولا يجب إن كان المقصود هو اليوم لمعنى فيه.
وعلى ذلك يخرج الخلاف في مسألة ناذر الصوم يوم يقدم ف لأن، فيقدم نهارا، مذهب الكتاب " سقوط القضاء ". وقال أشهب: يلزمه القضاء.
ولنختتم الكتاب بذكر صوم التطوع المرغب فيه.
وهو في السنة صوم يوم عرفة لغير الحاج وعاشوراء وتاسوعاء ويوم التروية، ففي الحديث «إن صيام يوم عرفة يكفر السنة الماضية والباقية، وصيام يوم عاشوراء يكفر السنة الماضية». وروى أيضا أن صيام يوم التروية كصيام سنة.
ومن المرغب فيه صوم الأشهر الحرم وشعبان وعشر ذي الحجة، فقد روى أن صيام كل يوم منها يعدل صيام سنة.
وورد في الصحيح: " صيام ستة أيام من شوال "، إلا أن مالكا أتقى أن يلحق الجاهل بالفرائض ما ليس منها على أصله في كراهية التحديد، واستحب صيامها في غل ذلك الوقت لحصول المقصود به من تضاعف أيامها وأيام رمضان حتى تبلغ عدة العام؛ كما قال
стр. 259
[النبي] ﷺ : «صيام شهر رمضان بعشرة أشهر، وصيام ستة أيام بشهرين، فذلك صيام سنة».
ومحمل تعيين محلها في شوال (عقيب) الصوم على التخفيف في حق المكلف لاعتياده الصيام، ولا لتخصيص حكمها بذلك الوقت فلا جرم لو فعلها في عشر ذي الحجة مع ما روي من فضل الصيام فيه لكان أحسن لحصول المقصود مع حيازة فضل الأيام المذكورة.
والسلامة مما أتقاه مالك ﵁. وقال مطرف: إنما كره مالك صيامها لئلا يلحق أهل الجهل ذلك برمضان، وأما من رغب في ذلك لما جاء فيه، فلم ينهه.
وأما في الشهر، فقال ابن حبيب: روي أن صيام الأيام البيض صيام الدهر، قال: وكذلك " صيام ثلاثة أيام من كل شهر ": أول يوم منه هن ويم عشرة ويوم عشرين. قال: وبلغني أن هذا صوم مالك بن أنس. واختار الشيخ أبو الحسن المبادرة بالثلاثة أول الشهر، وعلل بأنه لا يدري ما يقطعه عن ذلك.
فأما صوم الدهر، فقال الشيخ أبو الطاهر: " هو مستحب "، وكرهه أبو القاضي أبو بكر.
ونص مالك ﵁ على كراهية توقيت منذور من صيام أو غيره. قال: " ولكن يفعل متى أحب ". [تم كتاب الصيام والحمد لله].
стр. 260
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
[صلى الله على سيدنا محمد]
كتاب الاعتكاف
وحقيقته في اللغة: اللبث في المكان. وفي الشريعة: اللبث في المسجد للعبادة.
وهو قربة، ومن نوافل الخير، لا سيما في العشر الأواخر من شهر رمضان لطلب ليلة القدر.
وقد اختلف في قوله ﷺ : «التمسوها في التاسعة والسابعة والخامسة» هل المقصود ظاهر هذا اللفظ؟ أو يكون المقصود ليلة إحدى وعشرين، وليلة ثلاث وعشرين، وليلة خمس وعشرين؟ فيكون معنى اللفظ: لتسع بقين، ولسبع بقين، ولخمس بقين. وهذا هو قول مالك في الكتاب من رواية ابن وهب ".
ثم النظر في ثلاثة فصول:
الفصل الأول: في أركانه ، وهي أربعة:
الركن الأول: استمرار الإقامة على عمل مخصوص، وهو ما خصه من العبادة كالصلاة، وقراءة القرآن، وذكر الله ﵎. وقيل: جميع أعمال البر المختصة بالآخرة، القاصرة، والمتعدية في ذلك سواء، ومع الكف عن الجماع ومقدماته. ويجوز له أن يأمر ببعض شؤونه، وما فيه مصلحة معاشه، ولا بأس أن يعقد النكاح وأن يتطيب.
стр. 261
الركن الثاني: المعتكف ، وهو كل مسلم عاقل، فيصح اعتكاف الصبي والرقيق، والردة والسكر المكتسب مانعان من الصحة، قارنا الابتداء أو طرآ، ويجب استئنافه بطروء أحدهما.
وأما زوال العقل من غير اكتساب، كالجنون والإغماء، فيوجبان البناء دون الاستئناف، ولو صدر منه يوجب الكفارة في الصيام أفسد الاعتكاف.
فأما لو صدرت منه كبيرة، فإنها تبطل الاعتكاف عند العراقيين، وإن لم تبطل الصوم، كالقذف وشرب الخمر ليلا، ولا يبطل الاعتكاف بذلك عند المغاربة، ثم حيث بطل وجب قضاؤه.
وكذلك إن انقطع اتصاله بما لا يسقط معه قضاء الصوم، فإن كان بحيث يسقط فيه قضاء الصوم، فلا يجب قضاء الاعتكاف. ويختلف في وجوب قضائه حيث يختلف في وجوب قضاء الصوم.
الركن الثالث: الصوم .
ولا يصح الاعتكاف دونه، ولا يشترط كونه له. فلا يصح اعتكاف بعض يوم، ولو طرأ عليه ما يمنع الصوم فقط، ففي وجوب المقام في المسجد مع تعذر الصوم خلاف، وذلك كالمريض القادر على الملازمة دون الصوم، أو يصح في بعض النوم، أو تظهر الحائض في (أضعاف) النهار وتغتسل.
وكذلك المعتكف أواخر شهر رمضان أياما يتخللها العيد. وإذا قلنا في هذا باللزوم، فالخلاف أيضا في خروجه إلى العيد، وهو على مراعاة الخلاف في أنه لا يلزمه اللزوم.
الركن الرابع: المعتكف: وهو المسجد، ويعتكف في عجزه ورحابه. (ويكره للمؤذن المعتكف أن يرقى على ظهر المسجد. واختلف قوله في صعوده المنار، فمرة قال: لا، ومرة قال: نعم، وجل قوله فيه: الكراهة، وهو رأي ابن القاسم).
ويستوي في ذلك جميع المساجد، إلا إذا نوى مدة يتعين عليه إتيان الجمعة في أثنائها، فيتعين الجامع، وقيل بل يكره الاعتكاف حينئذ في غيره فقط.
ومنشأ الخلاف: هل يبطل الاعتكاف بخروجه إلى الجمعة، وهو المشهور، أم لا؟
стр. 262
فإن فرعنا على عدم الإبطال، فإنه يتم اعتكافه ي الجامع وقيل: يعود إلى مسجده، فيتم فيه، ولا يصلح اعتكاف المرأة في مسجد بيتها.
الفصل الثاني: في حكم النذر
والنظر في ثلاثة أمور:
الأول: التتابع، فإذا قال الله علي أن أعتكف شهرا لزمه التتابع وإن لم يشترطه.
ولو قال: أعتكف هذا الشهر فسد أوله بتعمد فساد آخره، واستأنفه متتابعا في القضاء والشروع، كالنذر.
الثاني: في استتباع الليالي، فإذا نذر اعتكاف شهر دخلت الليالي، ويكفيه شهر بالأهلة، وكذلك لو نذر اعتكاف يوم أو أيام دخلت ليلته ولياليها.
ولا يفترق الليل والنهار في شيء من أحكام الاعتكاف (سوى) الصوم.
الثالث: في قاطع التتابع، وهو انقطاع بعض شروط الاعتكاف، ومن ذلك الخروج عن المسجد لغير عذر، وأما العذر فعلى مراتب:
الأولى: الخروج لقضاء الحاجة، وهو غير ضار، ولا يجب قضاء تلك الأوقات، ولا تجديد النية عند العود. ولا فرق بين قرب المكان وبعده، إذا لم يجد أقرب منه، وبين أن يكثر الخروج لقضاء الحاجة (أو يقل)، ولا يشتغل بعيادة مريض في الطريق، ولا بصلة الجنازة، فإن جامع عامدا في وقت قضاء الحاجة أبطل اعتكافه، واستأنفه.
(الرتبة) الثانية: الخروج للمرض والحيض والنسيان.
وليس بقاطع للتابع أيضا.
(الرتبة) الثالثة: خروجه مضطرا لما تعين عليه من حق الله تعالى، كجهاد، أو حق آدمي كحبس في دين، وفي بطلان اعتكافه بذلك لأنه قاطع لاتصاله كقطع الصلاة بفعل يضادها، وعدم بطلانه لأنه ضروري، كالمرض والحيض، قولان.
وهذا ما لم يقصد بالاعتكاف الهرب من حق وجب عليه فيلزمه الخروج، ويبطل اعتكافه
стр. 263
قولا واحدا، وفي بطلانه بالخروج مكرها خلاف.
ولو اشترط الخروج لغير ما ذكر جواز خروجه له، لم ينفعه اشتراطه، وكان وجوده كعدمه.
الفصل الثالث: في حكم الاعتكاف
عند الدخول فيه والخروج منه، وحالة طروء العذر القاطع.
فأما الدخول، فإن حصل قبل غروب الشمس من ليلة اليوم الذي قصد اعتكافه أجزأه بلا خلاف، وإن حصل بعد طلوع فجره لم يجزئه.
فإن دخل بين غروب الشمس وطلوع الفجر، ففي الصحة والبطلان خلاف؛ منشئه طلب استكمال النهار، وقد حصل، وهو (قول القاضي (أبي محمد). واستواء الليل والنهار في أحكام الاعتكاف سوى الصوم، ولم يحصل؛ إذ لا يصح استيفاء جميع أجزاء الليل إلا دخل قبل الغروب، وهذا قول ابن الماجشون، وهو ظاهر قول مالك.
وأما الخروج منه فلا شك أنه إذا خرج بعد غروب الشمس من آخر يوم من أيام اعتكافه، كان ذلك جائزا وصح اعتكافه، إلا إذا كان الاعتكاف للعشر الأواخر من شهر رمضان، فإنه يؤمر ببقائه في معتكفه إلى حيث يخرج منه إلى العيد. وروى سحنون عن ابن القاسم: " أنه يخرج من معتكفه ليلة الفطر "، وعمدة الفرق (فعل (الرسول) ﷺ .
ثم إذا فرعنا على البقاء، فهل ذلك واجب، أو مندوب إليه؟ قال القاضي أبو محمد: هو مندوب إليه ". وقال ابن الماجشون وسحنون: هو على الوجوب.
وثمرة هذا الاختلاف: فساد الاعتكاف بالخروج إذا قلنا بوجوب البقاء، وعدم الفساد إذا قلنا باستحبابه. ولذلك قال سحنون: إن خرج ليلة الفطر بطل اعتكافه.
وأما حالة طروء العذر، فحكمه البقاء على ما يقدر عليه من أفعال الاعتكاف، ولا يسقط عنه إلا ما عجز عنه، فالحائض تفعل ما لا يمنعها الحيض منه، كملازمة الذكر، (وتجنب) الاستمتاع والاشتغال بما يمنع المعتكف منه، ويسقط عنها الصوم، وملازمة المسجد.
وكذلك المريض إذا عجز عن الصوم أو تعذر عليه دخول المسجد لمرضه، أو اجتمعا له.
стр. 264
فرع:
قال سحنون: اعتكف في رمضان فمرض، ثم خرج رمضان ثم أفاق، فعليه إذا أفاق قضاء الصيام، وليعتكف فيه.
وأما لو كان في غير رمضان فلا قضاء عليه لما مرض فيه. وقال ابن عبدوس: إن مرض قبل أن يدخل فيه في غير رمضان، فلا يلزمه شيء مما مرض فيه. قال الشيخ أبو محمد: " يريد وهي أيام بأعيانها نذرها "، قال: " وأما إن مرض بعد أن دخل فيه، فليقض ما مرض فيه لبقاء حرمة العكوف عيه ". [تم كتاب الاعتكاف والحمد على ذلك].
стр. 265
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
[صلى الله على سيدنا محمد]
كتاب الحج
وهو ركن من أركان الإسلام، واجب على من استطاعه من أحرار المكلفين.
ولا يجب في العمر إلا مرة واحدة، وفي كونها على الفور، أو مسترسلة على الزمان إلى خوف الفوت، خلاف.
فالذي يحكيه العراقيون (عن) المذهب أنها على الفور. قال أبو القاسم بن محرز وغيره من المتأخرين: ومسائل المذهب تدل على خلاف ذلك. قال الشيخ أبو الطاهر: " وإشارتهم إلى ما وقع في المذهب من التراخي به لرضى الآباء "، قال: " وهذا لا يدل على ثبوت التراخي، لأن رضى الآباء واجب، فمراعاته كتعارض واجبين ".
ثم النظر في المقدمات والمقاصد واللواحق.
القسم الأول: في المقدمات ، وهي الشرائط والمواقيت.
القول في الشرائط:
ولا يشترط الحج إلا الإسلام؛ إذ يصح للولي أن يحرم عن الصبي. وكذلك المجنون يحرم عنه أبوه، ويحج به.
стр. 266
ولا يشترط لصحة المباشرة إلا الإسلام والتمييز، فإن المميز لو حج بإذن الولي جاز، وكذلك العبد. ولا يشترط لوقوعه عن حجة الإسلام إلا الإسلام، والحرية، والتكليف.
ويشترط لوجوب حج الإسلام ما عاد الإسلام من هذه الشرائط، مع الاستطاعة، ثم هي معتبرة بحال المستطيع ي صحة بدنه، وفي ماله وعادته، ومحالة على القدرة والإمكان من غير تحديد.
وذلك يختلف باختلاف الأشخاص، ومسافة الطريق، ووجود الجلد وعدمه. وقال ابن حبيب: الاستطاعة: الزاد والراحلة. وذكر ابن عبدوس مثله عن سحنون. وتؤول على من بعدت داره. (فعلى المشهور): من حلاه القدرة على المشي يلزمه الحج، وإن لم يجد الراحلة.
وكذلك الأعمى إذا وجد قائدا، وكان جلدا على المشي، أو كان عنده ما يركب.
ويجب على من لا يجد طيرققا إلا في الرحر، إلا أن يكون غالبه العطب، أو يكون هو يعلم من حال نفسه أنه يميد حتى يعطل الصلوات. ولو كان لا يجد موضعا لسجوده، لكثرة الراكب وضيق الموضع، فقد قال مالك " إذا لم يستطع الركوع أو السجود إلا على ظهر أخيه، فلا يركبه، ثم قال: أيركب حيث لا يصلى!؟ ويل من ترك الصلاة ".
والمرأة كالرجل إلا في استصحاب الولي، ويختلف في إلزامها الحج مع عدمه إذا وحدت رفقة مأمونين، ومع الحاجة إلى البحر أو المشي.
ويسقط الحج إذا كان في الطريق عدو يطلب الأنفس أو الأموال، أو يطلب من الأموال ما لا يتحدد بحد مخصوص، أو يتحدد بقدر يجحف، وفي سقوطه بغير المجحف خلاف.
ويجب على المتسول إذا كانت تلك عادته، وغلب على ظنه أنه يجد من يعطيه، وقيل: لا يجب.
ولو لم يكن عنده من الناض ما يحج به، وعنده عروض، فيلزمه أن يبيع من عروضه للحج ما يباع عليه في الدين.
стр. 267
وسئل ابن القاسم عن الرجل تكون له القرية ليس له غيرها، أيبيعها في حجة الإسلام ويترك ولده لا شيء لهم يعيشون به؟ قال: نعم، ذلك عليه، ويترك ولده في الصدقة.
ويكره له أن ينتقل بالحج قبل أداء رضه، فإن فعل لمخ ينقلب إلى الفرض، بل يقع كما نواه.
هذا حكم المباشرة، فإن عجز عنها، لم تلزمه الاستنابة، ولا تجوز إن اختارها؛ إذ لا تصح النيابة، وهي وقوع الحج عن المحجوج عنه. وروي إجازة ذلك. وقال ابن واهب وأبو مصعب: " تجوز في حق الولد خاصة ". وقال ابن حبيب: جاءت الرخصة في الحج عن الكبير الذي لا منهض له ولم يحج وعمن مات ولم يحج، أن يحج عنه ولده وإن لم يوص به، ويجزيه إن شاء الله. وقال أشهب في كتاب محمد: إن حج عن الشيخ الكبير أجزأه.
وإذا أوصى الميت بالحج عنه، وكان صرورة، نفذت وصيته. وقيل: لا تنفذ، فإن لم يوص، لم يحج عنه، وقيل: يحج عنه إن كان صرورة، ثم حيث صححنا النيابة، فهي تقع بأجر وبغير أجر، فإن وقعت بأجر، فهي على قسمين:
قسم هو إجازة بعوض يكون ثمنا للمنافع، كالإجارات كلها، فيكون العوض ملكا للمستأجر، فإن عجز عن كفايته لزمه إتمامه من ماله، وما فضل عنها، كان له.
والقسم الآخر يسميه أصحابنا البلاغ، وهو: أن يدفع إليه مال ليحج به، فهذا لا يجوز له صرفه في غير الحج، وإن احتاج إلى زيادة رجع بها، وإن فضل شيء رده، وله أن ينفق ما لا بد له منه مما يصلحه، من الكعك والزيت وأكل اللحم مرة بعد مرة، وشبه ذلك، والوطاء واللحاق والثياب، فإذا رجع رد ما ف ضل من ذلك كله، ورد الثياب. قال محمد: وإنا لنكره ذلك، وهذا والإجارة في الكراهة سواء، وأحب غلينا أن يؤاجر نفسه بشيء مسمى.
والإجارة على الوجهين جميعا مكروهة على المشهور، لأنها من باب طلب الدنيا بعمل الآخرة، إلا أنها إن وقعت على أحد الوجهين لزمت من الجانبين للخلاف فيها.
وحكم الأجير إن ينوي الحج لمن حج عنه، فإن نوى لنفسه انفسخت الإجارة، إلا أن يكون استؤجر على عام لا بعينه.
ولو اشترط عليه الإفراد بوصية الميت، فقرن أو تمتع، لم يجزئه.
ولو شرط عليه بغير وصية فخالف، ففي الأجزاء خلاف، فإن لم يشترط، فإن قلنا ثم بالإجزاء فها هنا أولى، وإن قلنا بعدمه، ففي ثبوت الإجزاء ها هنا ونفيه ثلاثة أقوال، يفرق في الثالث بين أن يقصد بالعمرة فتجزئه، وبين أن يقصد بها نفسه فلا يجزئه.
стр. 268
ثم إن تمتع أعاد الحج ثانيا، وإن قرن فسخت الإجارة، لأنه خان، ولا تؤمن عودته.
وهل يتعين للعقد أول سنة، أو يفتقر إلى تعيين الزمان الذي يحج فيه؟ للمتأخرين في ذلك قولان.
وإذا فرعنا على الافتقار، بطل العقد عند عدم التعيين. وكذلك اختلفوا أيضا في وجوب الفعل على الأجير على نفسه، أو تعلقه بذمته.
وكذلك المعين في الوصية، إلا أن يكون على حالة ترغب في عينه، وعليه يخرج الخلاف في امتناعه، هل يعوض بغيره، أو تبطل الوصية، ويجتزئ الورثة بما بذلوا قليلا كان أو كثيرا، إذا لم يسم الميت قدرا، ووجدوا من يحج بما بذلوه ممن حيث أوصى، لا من الميقات، ولا من مكة، إلا أن يظهر منه قصد إلى غر ذلك، فيصار إليه. فإن سمى قدرا معلوما ولم يجدوا من يحج بدونه، استأجروا به كله، فإن وجدوا بدونه من يحج ما نص عليه الميت من حجة أو حجج، كان الفاضل لهم؛ إلا أن يظهر من قدره غنه أراد إعطاء جملة ما عين من المال إلى رجل بعينه، فيعطاه.
فإن لم يسم ما يحج عنه، ووجد من يحج عنه حجة واحدة بدون ما عين، فهل يرد الباقي إلى الورقة، أو يحج به عند حجج؟ فيه خلاف.
ولا شك أن الآخذ على الإجارة يضمن ما ضاع منه، إذ على ملكه تلف.
فإن ضاع من الآخذ على البلاغ، رجع ما لم يحرم، فإن تمادى قبل الإحرام، فلا شيء له، وإن تمادى بعده، كانت نفقته في ذهابته وعودته على المستأجر، إن لم يكن للميت مال، فإن كان له مال، فهل يكون منه، أو من مال المستأجر؟ فيه خلاف.
ولو صد الأجير أو مات حتى افتقروا إلى استئجار غيره، واستأجروا من حيث انتهى.
ولو لم يوحد من يحج عنه بما أوصى به إلى استئجار غيره، استأجروا من حيث انتهى.
ولو لم يوحد من يحج عنه بما أوصى به أو بثلثه إلا من المواقيت أو من مكة، فهل يحج عنه بذلك من حيث وحد، اويرجع ميراثا؟ ثلاثة أقوال: يفرق في الثالث بين أن يكون صرورة فيحج عنه، أو غير صرورة فيرجع ميراثا.
إذا صد الأجير فأراد أن يقيم على إحرامه إلى عام ثان، أو يتحلل وأراد البقاء على إجارته ليحج في العام الثاني، فللمتأخرين في المسألتين قولان. ثم إذا فسخت الإجارة، فله من الأجر بقدر ما بلغ.
هذا حكم الحج في الوجوب والاستطاعة والنيابة والإجارة، وتساويه العمرة في (جميع) ذلك، خلا الوجوب، فغنها سنة مؤكدة. ومذهب ابن حبيب وابن الجهم أنها واجبة.
стр. 269
المقدمة الثانية: في المواقيت:
والميقات الزماني للحج: شوال وذو القعدة وذو الحجة روي جميعه، وروي العشر الأول منه، وروي إلى آخر أيام التشريف.
وفائدة الخلاف: تعلق الدم بتأخير طواف الإفاضة.
وأما العمرة: فجميع السنة وقت لها، ويصح الإحرام بها في كل وقت من غير كراهية إلا في أيام منى لمن حج، ويكره أيضا تكرارها في السنة الواحدة. وقال مطرف: لا يكره.
ومراعاة هذا الميقات للأولى، وقيل: للأوجب، فلو أحرم قبل أشهر الحج انعقد إحرامه وصح، وقيل: لا ينعقد.
أما الميقات المكاني: فهو في حق المقيم مكة في الحج لا في العمرة ولا في القران، وقيل: يحرم في القران منها أيضا.
أما الأفاقي: فميقاته إن توجه من جانب المدينة: ذو الحليفة. ومن الشام ومصر: الجحفة، ومن اليمن: يلملم، ومن نجد: قرن، من العراق: ذات عرق.
وهذه المواقيت لأهلها ولمن مر بها إلا أن يمر بها من له ميقات دون ما مر به، كالشامي أو المصري يمر بذي الحليفة، فله تجاوزها إلى الجحفة، وإن كان الأفضل له أن يحرم من ذي الحليفة ميقات النبي ﷺ .
وأما الذي مسكنه بين الميقات وبين مكة، فميقاته مسكنه، والاختيار لمريد الإحرام أن يحرم من أول الميقات، فإن أحرم من آخره فلا بأس. ومن حاذي ميقاتا فميقاته عند المحاذاة؛ إذ المقصود مقدار البعد عن مكة. وإن جاء من ناحية لم يحاد ميقاتا ولا مر به يحرى محاذاتها وأحرم. والأفضل أن يحرم بالحج من ميقاته زمانه ومكانا، ويكره تقديمه عليه، ويلزم أن فعل ثم مهما جاوز ميقاته، فإن كان ضرورة فإن تجاوز الميقات وهو مريد " للحج أو العمرة غر محرم فهو مسيء عليه وعليه الدم، ويسقط عنه بالعود إليه قبل أن يبعد عنه وهو حلال، فإن عاد
стр. 270
بعد البعد والإحرام لم يسقط. وإن قصد دخول مكة حلالا، ثم بدا له أن يحرم فأحرم دونها، فعليه دم. وقال محمد: لا هدي عليه، وإنما الهدي على من جاوز ميقاته، يريد الإحرام ".
وإن تمادى غير محرم حتى دخل مكة، ففي وجوب الدم عليه بذلك خلاف، إلا أن يكون من مكثري التردد إليها، كالمترددين بالحطب والفاكهة، ومن في معناهم، لمشقته في التكرار.
ولو تجاوز الميقات، يريد الحج، ثم أحرم به، ففاته فتحلل بعمرة، ففي وجوب الدم ونفيه قولان لأشهب وابن القاسم.
وأما العمرة، فميقاتها كميقات الحج، إلا في حق المقيم بمكة، مكيا كان أو آفاقيا، فإن عليه الخروج إلى طرف الحل ولو بخطوة في ابتداء الإحرام.
فإن لم يفعل ذلك حتى طاف وسعى، لم يعتد بعمرته، لأنه لم يجمع بين الحل والحرم.
والحاج بوقوف عرفة جامع بينهما، والأفضل للمعتمر الإحرام من الجعرانة، أو التنعيم.
стр. 271
القسم الثاني من الكتاب: في المقاصد
وفيه ثلاثة أبواب:
الباب الأول: في وجوه أداء النسكين:
وهي ثلاثة:
الأول: الإفراد، وهو أن يأتي بالحج مفردا عاريا عن صفتي التمتع والقران، وهو أفضل منهما، والتمتع أفضلهما.
الثاني: القران، وهو أن يحرم بهما جميعا، فيتحد الميقات والفعل، وتندرج العمرة تحت الحج.
ولو أحرم بالعمرة، ثم أدخل الحج عليها قبل الطواف كان قارنا، فإن شرع في عمل العمرة، فقال أشهب: لا يصح قرانه حينئذ. وقال ابن القاسم: " يصح ما لم يكمل الطواف "، وقال أيضا: " ما لم يركع "، وذكر القاضي أبو محمد: " أنه يصح، ويرتدف الحج ما لم يكمل السعي ".
ولو أدخل العمرة على الحج لم يصح، لأنه لا يتغير الإحرام به بعد انعقاده، وكذلك إرداف أحدهما على مثله، ولا يصح أيضا الجمع بين مثلين في عقد الإحرام.
الثالث: التمتع، وهو أن يفرد العمرة ثم الحج، لكن يتحد السفر؛ إذ يحرم بالحج قبل رجوعه إلى أفقه، أو إلى مثله، وله خمسة شروط:
الأول: أن لا يكون من حاضري المسجد الحرام، فإن الحاضر ميقاته نفس مكة، فلا يكون قد ربح ميقاتا.
وكل من مسكنه بمكة أو ذي طوى، فهو من الحاضرين، دون غيره: وقيل: بل كل من
стр. 272
مسكنه دون مسافة القصر حوالي مكة. وقيل: بل كل من مسكنه دون المواقيت، وتردد مالك فيمن له أهل بمكة، وأهل بغيرها وقال: " هي من مشتبهات الأمور، والاحتياط في ذلك أعجب إلي "، وقال أشهب: إن كان أكثر إقامته بمكة، ويأتي غيرها منتابا، فلا هدي عليه، وإن كان بالعكس من ذلك، فعليه الهدي. قال أبو الحسن اللخمي: " ولا يختلف في هذا "، وقال: " وإنما تكلم مالك على من تساوت إقامته في الموضعين ".
فرع: المراعى في حضور المسجد الحرام وقت فعله النسكين وابتدائه بهما، فإن كان في ذينك الوقتين مستوطنا مكة فحكمه حكم (أهل الآفاق)، وإن كان مستوطنا سائر الآفاق، فحكمه حكم أهل الآفاق.
الثاني: أن يتحلل من العمرة من أشهر الحج، ثم يحرم به، فلو تقدم تحللها لم يكن متمتعا، إذ لم يزحم الحج بالعمرة في مظنته.
الثالث: أن تقع العمرة والحج في سنة واحدة.
الرابع: أن لا يعود إلى أفقه، ولا إلى أفق مثل أفقه.
الخامس كان يقع النسكان عن شخص واحد.
وإنما يحب دم التمتع بإحرام الحج، وهل يجوز تقديمه على الحج بعد إحرامه بالعمرة؟ فيه خلاف أجراه أبو الحسن اللخمي على الخلاف في تقديم الكفارة قل الحنث؛ لأن الموجود من هذا إنما هو أحد سببي التمتع، وهو العمرة.
الباب الثاني: في أعمال الحج، وفيه اثنا عشر فصلا:
الفصل الأول: في الإحرام
وينعقد بالنية المقترنة بقول أو فعل، مما يتعلق بالحج كالتلبية والتوجه على الطريق.
وقال ابن حبيب: التلبية كتكبيرة الإحرام، فعلى حقيقة تشبيه لو نوى وتوجه نحو البيت من غير تلبية، لم ينعقد إحرامه.
أما لو تجردت عنهما، فالمنصوص أنه لا ينعقد. ورأى أبو الحسن اللخمي إجراء
стр. 273
الخلاف في هذه الصورة من الخلاف في مسألة انعقاد بمجرد النية. وأنكر الشيخ أبو الطاهر هذا الاستقراء، وقال: " لم يختلف المهب أن العابدات لا تلزم إلا بالقول أو النية والدخول فيها، وهو الشروع ".
وصفة تلبية رسول الله ﷺ : «لبيك اللهم لبيك نلبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك ".
قال أشهب: ومن اقتصر على تلبية رسول الله ﷺ المعروفة، اقتصر على حظ وافر، ولا بأس عليه إن زاد على ذلك فقد زاد عمر: " لبيك ذا النعماء والفضل الحسن، لبيك، لبيك مرهوبا منك، ومرغوبا إليك ". وزاد ابن عمر: " لبيك لبيك لبيك وسعديك والخير بيدك لبيك، والرغبى إليك والعمل ".
ولو احرم مطلقا لا ينوي حجا ولا عمرة، فقال أشهب: هو بالخيار، إن شاء جعلها حجة، وإن شاء جعلها عمرة، وأحب إلي أن يجعلها حجة، وقع له في موضع آخر: أحب إلي أن يكون قارنا.
ولو اختلف العقد والنطق، فالاعتبار بالعقد. وروي: ما يشير إلى اعتبار النطق، فروى ابن القاسم فيمن أراد أن يهل بالحج مفردا فأخطأ، فقرن أو تكلم بالعمرة، فليس ذلك بشيء، وهو على حجه. قال في العتبية: " ثم روجع مالك فقال: عليه دم "، وقاله ابن القاسم. ولو أحرم مفصلا، ثم نسى ما أحرم به، فإنه يكون قارنا عند أشهب. وقال غيره: يحرم بالحج، ويعمل حينئذ القران.
ولو شك هل أفرد أو قرن هن تمادى على نية القران وحده.
وإن شك هل أحرم بالحج أو بالعمرة مفردا، طاف وسعى، لجواز أن يكون إحرامه بعمرة، ولا يحلق لإمكان أن يكون في حج، ويتمادى على عمل الحج، ويهدي لتأخير الحلاق لا للقران؛ لأنه لم يحدث نية للحج، بل تمادى على نيته الأولى، وهي لشيء واحد.
أما العمرة فلا يضره تماديه بعد فراغه من سعيها. وأما الحج فيكون مفردا، ويكون ما تقدم من الطواف والسعي له لا للعمرة.
стр. 274
الفصل الثاني في سنن الإحرام: وهي أربع:
الأولى: الغسل تنظفا حتى يسن للحائض والنفساء، ويغتسل الحاج لثلاثة مواطن:
للإحرام، ولدخول مكة، وللوقوف بعرفة.
ولا يتطيب بعد الغسل، ولا يتطيب قبله أيضا بما تبقى رائحته بعد الإحرام.
فن فعل فقد أساء، ولا فدية عليه. وحكى الشيخ أبو الطاهر قولا بوجوب الفدية، وعلله بأن بقاء الطيب كاستعماله ".
الثانية: التجرد عن المخيط في إزار ورداء ونعلين.
الثالثة: أن يصلي ركعتين أو أكثر، ثم يلبي ناويا. فالراكب يبتدئ إذا ركب، وأراد الأخذ في السير. والماشي إذا أخذ في المشي، والأحسن أن تكون الصلاة مختصة بالإحرام، فإن أحرم عقيب الفرض، فلا بأس.
ولو أتى الميقات في وقت نهي، أمر بالانتظار لوقت الصلاة، إلا أن يكون خائفا أو مراهقا فيحرم.
الرابعة: أن يجدد التلبية عند كل صعود وهبوط، وحدوث حادث، وخلف الصلوات، وإذا سمع من يلبي.
ولا تفرع الأصوات بالتلبية في شيء من المساجد، إلا في المسجد الحرام ومسجد منى.
ولا يلبي في الطواف والسعي، فإن لبى فلا حرج، فإذا فرغ من سعيه عاود التلبية.
ويستحب رفع الصوت بها إلا للنساء، ولا يسرف في رفع الصوت، ولا يلح فلا يسكت. ثم يقطع في الحج إذا كان قاصدا لمكة حين يأخذ في الطواف.
ثم يعاود التبية بعد فراغه من السعي إلى أن يقطع إذا زاغت الشمس من يوم عرفة في رواية ابن المواز. وإذا راح إلى المصلى في رواية ابن القاسم. وإذا راح إلى الموقف في رواية أشهب، واختارها سحنون، وحكى القاضي أبو محمد في إشرافه: " أنه يلبي حتى يرمي جمرة العقبة ". واستحسنه أبو الحسن اللخمي، ويقطع المعتمر من المواقيت وما قاربها، إذا دخل الحرم، وإن أحرم من القرب، فإذا دخل بيوت مكة.
стр. 275
الفصل الثالث: في سنن دخول مكة
وهي أن يغتسل بذي طوى، ويدخل مكة من ثنية كداء بفتح الكاف والمد، وهي الصغرى التي بأعلى مكة، يهبط منها على الأبطح والمقبرة فيها عن يسارك، وأنت نازل منها. ويخرج من ثنية كدي بضم الكاف وفتح الدال وتشديد الياء على التصغير، وهي الوسطى التي بأسفل مكة. (فكذلك) فعل رسول الله ﷺ .
ثم يدخل المسجد من باب بنى شيبة، فيأتي الركن الأسود، ويتبدئ بطواف القدوم.
وكل من دخل مكة من غير مكثري التردد، فإنه يحرم عليه دخولها حلالا، وإن لم يرد نسكا، وقيل: يكره. وقال أبو مصعب: " يباح ".
الفصل الرابع: في الطواف .
وواجباته ستة:
الأول: شرائط الصلاة من طهارة الحدث والخبث وسترة العورة، إلا أنه يباح فيه الكلام.
فرعان:
الأول: لو طاف غير متطهر أعاد، فإن رجع إلى بلده قبل الإعادة، رجع من بلده على إحرامه إلى مكة فيطوف. وقال المغيرة: يعيد ما دام بمكة، فإن أصاب النساء وخرج إلى بلده أجزأه.
الفرع الثاني: لو طاف وفي ثوابه أو بدنه نجاسة، فعلم بها بعد طوافه فأزالها وصلى، لم يعد الطواف كمن ذكر بعد الوقت.
وإن ركع بها الركعتين أعادهما فقط إن كان قريبا، ولم ينتقض وضوءه. فإن انتقض أو طال ذلك، لا شيء عليه، كزوال الوقت.
قال أصبغ: سلامه من الركعتين، كخروج الوقت، وليس إعادتهما بواجب، وهو حسن أن يعيدهما بالقرب.
قال أشهب: إن علم بنجاسة الثوب في طوافه، نزعه إن كان كثيرا، وأعاد طوافه. وإن علم بعد فراغه أعاد الطواف والسعي فيما قرب إن كان واجبا، ون تباعد فلا شيء ويهدي، وليس بواجب.
الثاني: الترتيب، وهو أن يجعل البيت على يساره، ويبتدئ بالحجر الأسود، ولو جعله
стр. 276
على يمينه، لم يصح، ولزمته الإعادة. قيل: إذا رجع إلى بلده لن تلزمه إعادة.
ولو بدأ بغير الحجر لم يعتد بذلك الشوط إلى أن ينتهي إلى الحجر، فمنه يبتدئ الاحتساب.
الثالث: أن يكون بجميع بدنه خارجا عن البيت، فلا يمشى على شاذروانه، ولا في داخل محوط الحجر، فإن بعضه من البيت.
الرابع: أن يطوف داخل المسجد، فلو طاف خارجه لم يجزئه. ولا يطوف من وراء زمزم، ولا من وراء السقائف، فإن فعل مختارا، (أعاد) ما دام بمكة، فإن رجع إلى بلده فهل يجزيه الهدي أو يلزمه الرجوع؟ للمتأخرين قولان.
الخامس: رعاية العدد، فلو اقتصر على ستة أشواط لم يجزئه.
السادس: ركعتان عقيب الطواف مشروعتان، وليستا من الأركان. واختلف في حكمهما فقال القاضي أبو محمد: " هما ستة ". وقال القاضي أبو الوليد: الأظهر عندي (أنهما واجبتان) في الطواف الواجب، (وتجبان) بالدخول في التطوع ". وقال الشيخ أبو الوليد: " حكمهما حكم الطواف في الوجوب والندب ".
فرعان:
الأول: لو ترك الحاج أو المعتمر الركعتين، أعاد الطواف، ثم أتى بهما عقيبه وسعى.
قال ابن القاسم: " يركعهما، ولا يعد الطواف ولا السعي ".
الفرع الثاني: وهو مرتب: إذا قلنا بإعادة الطواف، ثم أتى بهما عقيبه وسعى.
وقال ابن القاسم: " يركعهما، ولا يعيد الطواف ولا السعي ".
الفرع الثاني: وهو مرتب: إذا قلنا بإعادة الطواف لاتصال الركعتين به، فإن فات ذلك بالبعد عن مكة ركعهما وأهدى.
أما سنن الطواف، فهن أربع:
الأولى: أن يطوف ماشيا لا راكبا، وإنما ركب رسول الله ﷺ ليظهر فيستفتي.
فإن طاف راكبا أو محمولا لغير عذر، فقال القاضي أبو محمد: " يكره له ذلك ".
стр. 277
وروى محمد لا يجزئه. قال القاضي أبو الوليد: وإنما يريد نحو ما ذهب إليه أبو محمد، لأنه روي عن مالك أنه قال: " يعيد طوافه "، فإن لم يفعل فليبعث بهدي.
الثانية: استلام الحجر الأسود بالفم ومس الركن اليماني باليد، فإن منعته الزحمة من الاستلام بالفم، اقتصر على لمسه بكفه، أو بما معه من عود إن لم يستطع لمسه. ثم في تقبيل ما يلمسه به، روايتان. ويستحب ذلك في آخر ذلك كل شوط.
الثالثة: الدعاء، وليس بمحدود. وقال ابن حبيب: يقول عند ابتداء الطواف واستلام الحجر: بسم الله والله أكبر، اللهم إيمانا بك، وتصديقا بكتابك، ووفاء بعهدك، واتباعا لسنة نبيك محمد ﷺ .
الرابعة: الرمل للرجل دون النساء في الأشواط الثلاثة الأول، والهيئة في الأربعة الأخيرة، وذلك في طواف القدوم.
وفي شرعيته في طواف الإفاضة للمراهق، وفي طواف القدوم في حق من أحرم من التنعيم وشبهه، خلاف. فإن ترك الرمل أولا لم يقضه آخرا؛ إذ تفوت به السكينة.
ولو طيف بالمريض الذي لا يقدر على الطواف بنفسه، أو بالصبي، فالمنصوص في المريض أنه يرمل به، وفي الصبي قولان، وأجراهما أبو الحسن اللخمي في المريض.
ولو زوحم الطائف رمل بحسب قدرته، إن كان متحركا، وسقط عنه إن كان وافقا، لعدم تصوره.
فرع:
لو طاف المحرم بالصبي الذي أحرم عنه، أجزأ عن الصبي. ولو كان الطائف لم يطف عن نفسه، لم ينتقل إليه، ولا يكفيهما طواف واحد، بخلاف ما إذا حمل صبيين وطاف بهما طوافا واحدا، فإنه يكفيهما، كراكبين على دابة.
стр. 278
الفصل الخامس: في السعي
ومن فرع من ركعتي الطواف، استلم الحجر، وخرج من باب الصفا إليها، فترقى فيها حتى يبدو له البيت إن قدر، فيدعو ثم يمشي إلى المروة، ويترقى فيها ويدعو، ويسرع الرجال دون النساء في المشي في بطن المسيل، وهو ما بين الميلين الأخضرين. قال الشيخ أبو إسحاق: وثم ميل أخضر ملصق بركن المسجد، فإذا انتهى إليه سعى سعيا هو أشد من الرمل حول البيت، حتى يخرج من بطن المسيل إلى ميل أخضر هناك، ثم يعود إلى الهيئة. ويكمل له السعي بأن يحصل له الوقوف على الصفا أربعا، وعلى المروة أربعا، والترقي، والدعاء، وسرعة المشي سنن.
ولكن وقوع السعي بعد طواف ما شرط، فلا يصح الابتداء به، وليسع عقيب طواف القدوم، فإن كان مراهقا، فعقيب طواف الإفاضة.
ولو أخره غير المراهق، وأتى به بعد طواف الإفاضة، ففي لزوم الدم [له] وعدمه قولان لابن القاسم وأشهب.
فإن لم يأت به عقيب طواف الإفاضة، وأتى به عقيب طواف الوداع، فقال أبو الحسن اللخمي: " يجزئه عند مالك، (لأنه) يرى أن واف التطوع في الحج يجزي عن الواجب ". قال: ولا يجزي عند محمد بن عبد الحكم ".
ولا تشترط فيه الطهارة، ولا شيء من شروط الصلاة بخلاف الطواف لكن تستحب.
الفصل السادس: في الوقوف بعرفة
وفي الحج ثلاثة خطب:
الأولى: أن يخطب الإمام اليوم السابع من ذي الحجة بمكة بعد الظهر خطبة واحدة، ولا يجلس فيها. وقل: يجلس في أثنائها، فيأمرهم بالغدو إلى منى، ويخبرهم عما يفعلونه إلى حين وصولهم إلى عرفة.
ثم يخرج اليوم الثامن بمقدار ما يدرك، بعد الوصول، صلاة الظهر هناك، ويبيت ليلة عرفة بمنى، ثم يغدو منها بعد طلوع الشمس، فيأتي عرفة، فيخطب بها بعد الزوال، وهي الخطبة الثانية، ويجلس في وسطها، يعلم الناس فيها ما يفعلونه من الوقوف والصلاة
стр. 279
إلى اليوم الحادي عشر. ثم يخطب الثالثة اليوم الحادي عشر، فيعلمهم ما يفعلونه من بقية المناسك.
وإذا خطب الثانية بدأ المؤذن بالأذان إن شاء، والإمام في الخطبة. وإن شاء بعد فراغه منها، وقيل: إذا فرغ الإمام جلس، ثم أذن المؤذن. وفي الواضحة وغيرها: أنه إذا جلس بين الخطبتين أذن المؤذن، فإذا تمت الخطبة أقيمت الصلاة، فيصلي الظهر والعصر جميعا، ويجمع معهم العصر من صلى الظهر وحده، ثم يقبلون على الدعاء إلى وقت الغروب.
والوقوف راكبا أفضل، تأسيا برسول الله ﷺ ، ولأنه أقوى على الدعاء.
فإن لم يكن راكبا قائما، ولا يجلس إلا لعلة، أو لكلال. ثم يفيضون بعد الغروب إلى المزدلفة.
ويستحب المرور بين المأزمين، فيصلون بالمزدلفة المغرب والعشاء في وقت العشاء.
فلو قدمها الحاج ق بلها، فقال ابن القاسم: " يعيد، لأن النبي ﷺ ضرب لها ميقاتا ".
وقال أشهب: يعيد العشاء وحدها، إن صلاها قبل مغيب الشفق، ورأى التأخير رخصة لا عزيمة.
والواجب من الوقوف ما ينطلق عليه اسم الحضور في جزء من أجزاء عرفة، سوى بطن عرنة، فإن وقف ببطن عرنة لم يجزئه لأنها من الحرم.
وإن وقف بالمسجد، فوقف مالك وابن عبد الحكم في إجزائه، وقال أصبغ: لا يجزئه.
قال محمد بن المواز: ويقال: إن حائط المسجد القبلي على حده، ولو سقط لسقط في عرنة. قال أبو الحسن اللخمي: " وعلى هذا يجزئ الوقوف فيه، لأنه من الحل. وقال: وكذا عند ابن مزين، أنه يجزئ الوقوف فيه ".
واختلف في اشتراط كونه عاملا بأنه بعرفة، وفي اشتراط وقوفه بها، حتى لا يجزئ المرور من غير وقوف.
(ولو أحضر المحرم المغمى عليه، ففي الكتاب قال: " قال مالك يجزئه ". وروى مطرف وابن الماجشون: إن أغمي عليه بعرفة قبل الزوال لم يجزئه، وإن أغمي عليه بعد
стр. 280
الزوال، وكان ذلك قبل أن يقف أجزأه، وإن اتصل به الإغماء حتى دفع به، وليس عليه أن يقف ثانية إذا أفاق في بقية ليلته. قالا: وهو كالذي يغمى إليه في رمضان قبل الفجر أو بعده، وروي في: " مختصر ما ليس في المختصر ": إن وقف مفيقا ثم أغمي عليه أجزأه، وإن وقف مغمى علبيه فلم يفق حتى طلع الفجر، لم يجزئه. وقاله أشهب في مدونته).
ويبتدئ وقت الوقوف من زوال الشمس يوم عرفة، وينتهي بطلوع الفجر يوم العيد. ومتعلق الإجزاء من ذلك الليل، فلا بد من الوقوف في الليل ولو لحظة.
فلو أنشأ الإحرام ليلة العيد جاز؛ لأن " الحج عرفة " ووقته باق. ولو فارق عرفة نهارا، ولم يكن حاضرا وقت الغروب، ولا عاد بالليل تداركا، فقد فاته الحج.
فرعان:
الأول: من أتى قرب الفجر وقد نسي صلاة، فإن صلاها طلع الفجر ولم يقف، ففي كتاب ابن المواز: إن كان قريبا من جبال عرفة، وقف وصلى، وإن كان بعيدا بدأ بالصلاة وإن فاته الحج. وقال محمد بن عبد الحكم: إن كان من أهل مكة وما حولها، فليبتدئ بالصلاة، وإن كان من أهل الآفاق مضى إلى عرفة، فوقف وصلى.
الفرع الثاني: لو وقف الحاج يوم العاشر غلطا في الهلال أجزأهم حجهم، ولم يجب القضاء، ويمضون على علمهم، ولو تبين لهم ذلك، وثبت عندهم في بقية يومهم أو بعده، ويكون حالهم في شأنهم كله كحال من لم يخطئ، وقاله ابن القاسم في العتبية، وقال أيضا: " لا يجزئهم ". واختلف فيه قول سحنون أيضا، وحكى الخلاف عنهما الأستاذ أبو بكر. وقال أبو القاسم بن الكاتب القروي: ليس بين مالك ومن اتبعه خلاف أن حجهم تام. قال: وكذلك نقل عن الشافعي ومن اتبعه، وأبى حنيفة ومن اتبعه، وجميع علماء الأمصار.
ولو وقفوا اليوم الثامن لم يجزئهم، ووجب القضاء. وحكى القاضي أبو بكر القول بالإجزاء عن ابن القاسم وسحنون، واختاره.
стр. 281
الفصل السابع: في أسباب التحلل
فإذا جمع الحجيج بين المغرب والعشاء بمزدلفة باتوا بها، ثم ارتحلوا بعد أن يصلوا الصبح مغلسين بها، فإذا انتهوا عند المشعر الحرام، وقوفا فكبروا ودعوا، ثم دفعوا قبل الأسفار الأعلى، فيجاوزون إلى وادي محسر، فيسرعون المشي فيه، فإذا وافوا منى بعد طلوع الشمس، رموا سبع حصيات إلى الجمرة الثالثة، وهي العقبة، وكبروا مع كل حصاة بدلا عن التلبية؛ لأنها للإحرام، والرمي تحلل، ويأتونها على حسب حالهم قبل وضع رحالهم: الراكب راكبا، والماشي ماشيا.
ثم ينحرون ويحلقون، ويعودون إلى مكة لطواف الإفاضة، ثم يعودون إلى منى للرمي في أيام التشريق.
وللحج تحللان.
يحصل أحدهما برمي جمرة العقبة، والآخر بطواف الإفاضة.
ولو قدم إفاضة على رمي جمرة العقبة، فقال مالك وابن القاسم: " تجزئه الإفاضة "، وعليه الهدي، وقال مالك أيضا: لا تجزئه، وهو كمن لم يفض.
وقال أصبغ: أحب إلي أن يعيد الإفاضة وهو في يوم النحر آكد.
ويحل له بين التحللين جميع ما كان ممنوعا منه، إلا النساء والصيد والطيب.
والحلاق إن كان تحللا، فهو من المناسك هو أو التقصير.
وهل تفسد العمرة بالجماع قبل الحلق لأن التحلل لم يتم دونه، أو تجزئ ويجب الهدي؟ روايتان.
ولا يتم ها النسك بدون حلق جميع الرأس، فإن لم يكن على رأس المحرم شعر، فليمر الموس على الرأس.
ويقوم التقصير مقام الحلق، حيث يتمكن من الإتيان به على وجهه، وقد يتعذر للعجز عن ذلك، فيتعين الحلاق كمن لا شعر على رأسه، أو شعره لطيف لا يمكن تقصيره، أو لبد شعره، مثل أن يجعل الصمع في الغسول، ثم يلطخ به رأسه عند الإحرام، أو عقصه، أو
стр. 282
ظفره، فإنه لا بد من الحلق في جميع هذه الصور.
ويفتقر في التقصير إلى الأخذ من جميع الشعر، كما يأخذ في الحلاق جميعه.
ولو أزال الشعر عن رأسه بالنورة أجزأه. وقال أشهب: لا يجزئه، وقال أبو الحسن اللخمي: " اختلف فيه، وأرى أن يجزئه ".
واستحب مالك إذا حلق أن يأخذ من لحيته وشاربه وأظفاره، وذكر أن ابن عمر كان يفعله.
والسنة في حق المرأة التقصير دون الحلاق، إذ هو تشويه في حقها.
فرع:
قال مالك في المرأة إذا قصرت: تأخذ قدر الأنملة، أو فوقه بقليل: أو دونه بقليل. وقال في الرجل: ليس تقصيره أن أخذ من أطراف شعره، ولكن يجز ذلك جزا، وليس مثل المرأة فإن لم يجزه وأخذ منه، فقد أخطأ ويجزئه. قال القاضي أبو الوليد: " يبلغ به الحد الذي يقرب من أصول الشعر ".
الفصل الثامن: في المبيت
والمبيت بمزدلفة ليلة العيد، وبمنى ثلاث ليال بعده، نسك. فأما الثلاث، فيجب بتركه فيها الدم، وكذلك في واحدة منها.
وأما ليلة العيد، فإن دفع من عرفة إلى منى، ولم ينزل بالمزدلفة، فقال مالك: " عليه الدم، وإن نزل بها، ثم دفع من أول الليل أو وسطه، فلا دم عليه ". وقال عبد الملك: لا دم عليه، وإن دفع من عرفة إلى منى.
стр. 283
الفصل التاسع: في الرمي
وهو من الأبعاض المجبورة بالدم، وهو رمي سبعين حصاة مثل حصى الخذف، واستحب مالك لقطها على كسرها.
يرمي سبعا يوم النحر إلى جمرة العقبة قبل نزوله، وإحدى وعشرين حصاة في كل يوم من أيام التشريق إلى الجمرات الثلاث.
ومن نفر في النفر الأول سقط عنه رمي اليوم الأخير، ومبيت تلك الليلة. وقال ابن حبيب: يرمي عنه في الثالث عقيب رميه لليوم الثالث، كمنا كان يرمي لو لم يتعجل. قال الشيخ أبو محمد: " وليس هذا قول مالك، ولا أعلم من هب إليه من أصحابه ".
قال ابن المواز: وإنما يصدر رمي المتعجل كله بتسع وأربعين حصاة، منها سبع يوم النحر، ولليومين اثنتان وأربعون.
قال ابن القاسم: " قال مالك: أرى أهل مكة مثل غيرهم في التعجيل، ثم استثقله لهم إلا من عذر من تجارة أو مرض ".
قال مالك: " ولا يعجبني لإمام الحاج أن يتعجل ". محمد: قال أشهب: فإن فعل فلا بأس عليه، وأخذ ابن القاسم بقوله: إن لأهل مكة التعجيل كغيرهم، فإن غربت على المتعجل الشمس بمنى، لزمه المبيت والرمي. (وأرخص) للرعاء أن ينصرفوا بعد رمي جمرة العقبة يوم النحر، ثم يعودون ثالثه، فيرمون عن الثاني والثالث، ثم إن شاءوا انصرفوا إذ ذاك يوم النفر الأول، وإن أقاموا إلى الغد رموا مع الناس يوم النفر الآخر. وقال ابن المواز: إن رعوا بالنهار ورموا بالليل فلا بأس به.
ووقت الرمي في أيام التشريق بين الزوال والغروب، ولا يجزئ إلا رمي الحجر، ويتبع اسم الرمي، ولا يكفيه الوضع.
والعاجز يستنيب في الرمي، إذا كان الظاهر من حاله أنه لا يزول عجزه في وقت الرمي.
وفي الرمي عنه ظهر من حاله أنه يقدر على الرمي ولو في آخر وقته، خلاف. وللرمي وقت أداء، ووقت قضاء، ووقت فوات.
فأما وقت الأداء في يوم النحر، فمن طلوع الفجر إلى غروب الشمس. وتردد القاضي أبو الوليد في الليلة التي تلي يوم النحر، هل هي وقت أداء أو وقت قضاء؟.
стр. 284
والفضيلة من هذا الوقت من بعد طلوع الشمس إلى الزوال. وما بعده لا يشاركه في الفضل، وإن شاركه في كونه وقت أداء. وكذلك ما قبل طلوع الشمس.
ووقت الأداء في كل يوم من الأيام الثلاثة من بعد الزوال إلى مغيب الشمس، ويتردد في الليل كما تقدم في جمرة العقبة. والفضيلة تتعلق بعقيب الزوال من هذه الأيام. ووقت القضاء لكل يوم ما بعده منها، فلا قضاء لليوم الرابع.
فإن ترك جمرة، أتى بها في يومها إن ذكرها فيه، ثم لا شيء عليه إلا أن تكون الأولى أو الوسطى فيعيد ما بعدها. وقيل: لا يعيد، وإن ذكرها بعد مضي يومها، أعاد ما كان في وقته خاصة. وقيل: لا يعيد.
ولو كان المتروك حصاة واحدة وذكر موضعها، رماها، فجبر بها النقض، ولم يعد رمي الجمرة. ويختلف فيما بعدها على ما تقدم. وقيل: يعيد رمي الجمرة. وقيل: يجزئه جبر نقصها إن كان يوم الأداء، ويبتدئ رميها إن كان يوم القضاء.
وكذلك إن لم يذكر موضعها، فقال في الكتاب: " يرمي عن الأولى بحصاة، ثم يعيد ما بعدها ". وقال فيه أيضا: " يبتدئ رمي الجميع، ولا يعتد بشيء ".
ولا خلاف في وجوب الدم مع فوات القضاء، ولا في سقوطه مع الأداء. ويختلف في وجوبه وسقوطه مع القضاء. ثم يجب جنسه [ترك جمرة أو حصاة، لكن يتنوع:
ففي ترك جمرة أو الجمار كلها، تجب بدنة، فإن لم يجد فبقرة، فإن لم يجد فشاة. وفي ترك الحصاة يهدي ما شاء. وفي كتاب محمد: من ذكر بعد أيام منى حصاة، ذبح شاة، فإن كانت جمرة، ذبح بقرة. محمد: وإن كانت الجمار كلها فبدنة. وقال عبد الملك فيمن ترك حصاة إلى ست: فشاة، فإن كانت سبعا فهو كالجميع، وعليه بدنة.
ولا يبطل الحج بفوات شيء من الجمار. وقال عبد الملك: يبطل بفوات جمرة العقبة.
فرعان:
الأول: في صفة الرمي.
وهي أن يبدأ بالجمرة التي تلي مسد منى، وهي الأولى، فيرميها من فوقها بسبع حصيات، واحدة بعد واحد، يتبع بعضها بعضا، ويكبر كلما رمى بحصاة، فإذا فرغ من رميها، تقدم أمامها، واستقبل الكعبة، فرفع يده وكبر الله وهلله وحمده، وأكثر ذكره والثناء عليه، على حسب ما يحضره ويستطيع، ويصلي على النبي ﷺ ، ويدعو لنفسه ولأبويه وللمؤمنين،
стр. 285
ويطيل الوقوف للدعاء، فقد روي عن القاسم وسالم أنهما كانا يقفان قدر ما يقرأ ما الرجل السريع سورة البقرة.
ثم يمضي إلى الجمرة الوسطى، ويرميها كذلك، فإذا قضى رميها انصرف عنها ذات الشمال في بطن المسيل، فيقف أمامها مما يلي يساره، ووجهه إلى البيت، فيفعل في الوقوف والذكر والدعاء كفعله عند الجمرة الأولى. واختار ابن حبيب أن يكون وقوفه دون الوقوف الأول، لفعل ابن مسعود.
ثم يمضي إلى الجمرة القصوى، وهي جمرة العقبة، فيرميها كذلك، إلا أنه يرميها من أسفلها في الأيام الأربعة، يقف ببطن الوادي فيستقبلها، والبيت عن يساره ومنى عن يمينه، ولا يقف عندها للدعاء والذكر، كما فعل في اللتين قبلها، فتلك السنة.
ويستحب أن يأتي بالجمار في الأيام الثلاثة ماشيا ذاهبا وراجعا، كما فعل رسول الله ﷺ .
وليعلن الحاج بالتكبير أيام منى، ويذكر الله فيها، ويعاود ذلك وقتا بعد وقت إلى انقضائها، فقد كان عمر ﵁ يكبر أول النهار، ويكبر الناس بتكبيره، ثم يكبر إذا ارتفع النهار كذلك،
ثم يكبر إذا زالت الشمس كذلك، ويكبر الحاج حتى ترتج منى بالتكبير، حتى يبلغ ذلك مكة، وبينهما ستة أميال. ثم يكبر بالعشي كذلك أيام منى كلها.
الفرع الثاني: قال القاضي أبو محمد: " ما يفعل بمنى من رمي ونحر وحلاق، فلا شيء في تقديم بعضه (على بعض)، إلا تقديم الحلاق على الرمي ففيه دم ". وقال الشيخ أبو الطاهر: " إن ابتدأ بالنحر قبل الرمي فالمذهب سقوط الفدية، وإن ابتدأ بالحلق قبل الرمي، فقولان، سقوط الدم، ووجوبه ". قال: " والمشهور الوجوب ". وإن ابتدأ بالحلق قبل النحر، ففي سقوط الفدية ووجوبها قولان لمالك وعبد الملك. وإن ابتدأ بالإفاضة قبل الرمي، فقد تقدم حكم ذلك.
الفصل العاشر: في طواف الوداع
ويسمى طواف الصدر، وهو مشروع إذا لم يبق شغل، وتم التحلل، وعزم على الانصراف، فإن عرج بعده على شغل خفيف، كما لو باع أو اشترى بعض حوائجه، لم يعده.
следующие страницы →