Полный текст (1 311 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.
стр. 351
لا يفارق، وبينه وبينه معاملة، بر بالحوالة دون الكفيل والرهن.
وإن حلف: (ليقضينه) حقه إلى شهر كذا، أو حين انقضاء الشهر، أو عند انسلاخه، أو بحلوله، فقيل: يكون له يوم وليلة من الشهر الثاني. وقيل: يجب الوفاء قبل انقضاء الأول، فإذا انقضى وقع الحنث. ولو قال: في الهلال، لكان له يوم وليلة.
النوع الثالث: الالتفات على النظر إلى الأغراض أو إلى مقتضى الألفاظ في اللغة أو في الشريعة، كما لو حلف: لا كلم فلاناً، أو ليهجرنه الأيام، فالمنصوص أنه يهجره أبد الدهر.
قال الشيخ أبو الطاهر: ((وألزم أبو الحسن اللخمي أنه يبر بهجرانه أيام الجمعة من الخلاف.
فمن حلف ليهجرنه الشهور، ففي قول: يهجره الدهر، وفي قول يهجره شهور السنة؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْراً﴾.
قال: ((وهذا من أضعف ما يعول عليه من الألفاظ الشرعية)).
(ولو حلف: ليهجرنه، غغي العتبية والواضحة: أنه يبر بهجران ثلاثة أيام، لأنها نهاية الهجران الجائز شرعاً. وفي كتاب محمد: لا يبر إلا بالشهر، لأنه الزمان المحدود في العقود، وكثيراً ما تقع الأيمان عليه، فكأنه المعتاد.
ولو قال: لأطلبن هجرانه، فقال محمد: يهجره سنة. وقيل: شهر يجزيه. قال أبو الحسن اللخمي: ((وقول محمد احتياط، ليس أنه لا يجزي دون ذلك))، قال: ((فإن كان بينهما مصادقة ومصافاة فالشهر طويل، وتلحق فيه المشقة، وإن لم يكونا على ذلك، فالشهر قليل.
ولو قال: لأهجرنه أياماً أو شهوراً أو سنين، للزمه أقل الجمع، وهو ثلاثة.
ولو حلف: لا كلمه أو لا فعل حيناً، فالمنصوص أنه يكون مقتضى يمينه سنة؛ لقوله تعالى: ﴿تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ﴾. ورأي أبو الحسن اللخمي أنه ينطلق على اليسير من الزمن والكثير؛ لقوله تعالى: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾.
стр. 352
قال الشيخ أبو الطاهر: ((لكن الحين ها هنا مفترق بالمساء والصباح، والحين الذي وقع الكلام فيه مطلق)).
ومما سلك به مسلك الحين: الدهر والزمان والعصر، إذا كان منكراً، فإنه ينصرف إلى السنة. لو (عرفه) بالألف واللام، فقيل: (هو) كالأول، (ينصرف) إلى السنة. وقال الداودي: الأكثر في الزمان والدهر مدة الدنيا. قال أبو الحسن اللخمي: ((يريد الأكثر من القول)). وروي في كتاب ابن حبيب في الدهر أنه أكثر من سنة. قيل لمطرف: فسنتان؟ قال: قريب، وما أوقت فيها وقتاً.
النوع الرابع: يلتفت على النظر إلى العرف، أو أصل التسمية في اللغة، كالحالف أن لا يأكل لحماً، فإنه يحنث بأكل لحم الحوث. وأشهب: لا يحنثه إلا بأكل لحوم الأنعام الأربع خاصة، دون الوحش وغيره.
وكذلك لو حلف: أن لا يأكل بيضاً، فابن القاسم يحنثه حتى ببيض الحيتان، وأشهب: لا يحنثه إلا ببيض الدجاج، وما العادة تناوله كثيراً، واستحسن تحنيثه بأكل بيض سائر الطير، والقياس عنده الاقتصار على ما العادة أكل بيضه، كالدجاج وما في معناها.
وكذلك الحالف لا أكل رؤوساً، فأكل رؤوس الطير والحيتان، يحنث عند ابن القاسم، ولا يحنثه أشهب إلا بأكل رؤوس الأنعام الأربعة.
وكذلك لو حلف: لا آكل خبزاً، هل يحنث بأكل ما يصنع من الحنطة كالإطرية والهريسة والكعك، أم لا؟ قال الشيخ أبو الطاهر: ((والكعك أقرب إلى الحنث، لأنه ملحق بالخبز قطعاً)). قال: ((ولو بدا ما يدل على التخصيص، لم يختلف فيه، وكذلك لو بدا ما يدل على التعميم، بأن يقصد التضييق على نفسه لحنث)).
ولو حلف: لا آكل عسلاً، فأكل عسل الرطب، فالمنصوص لابن القاسم تحنيثه، إلا أن تكون له نية. (وأجرى الشيخ أبو محمد على مذهب أشهب نفي الحنث).
стр. 353
ولو حلف: لا آكل أداماً، لجرى على الخلاف: هل يحنث بكل ما يؤتدم به، أو يجري الأمر على ما يؤتدم به في العادة؟
وكذلك لو حلف: لا آكل فاكهة، ففي الرواية يحنث بالباقلي الخضراء، وما أشبهها وهو يرجع إلى ما تقدم.
وكذلك لو حلف: لا كلم إنساناً، فسلم عليه، فإن كان في غير الصلاة حنث، وإن كان في الصلاة، فهل يحنث أم لا؟ مذهب الكتاب: نفي الحنث، إذا كان مأموماً والمحلوف عليه هو الإمام فرد عليه. وفي كتاب محمد: أنه يحنث. ولو كان الإمام هو الحالف فسلم تسليمتين حنث، قاله في كتاب محمد. ورأى أبو الحسن اللخمي نفي الخلاف في التسليمة التي يخرج بها من الصلاة، قال: ((وإنما الخلاف فيما عدا ذلك، وقد أحنثه ابن القاسم إذا حلف على نفي الكلام، فصلى وراءه ففتح عليه)). قال الشيخ أبو الطاهر: ((وعلى النظر إلى المقاصد لا يحنث)).
ولو حلف: لا ((أكلمه))، فكلمه بحيث لا يسمع، لم يحنث. وإن كلمه بحيث يسمع، فلم يسمع لشغل أو غيره، أو كان نائماً فصاح به فلم يستيقظ، فهل يحنث لأنه قصد كلامه، أم لا يحنث إذ لم تحصل المواصلة بذلك؟ قولان لابن القاسم.
النوع الخامس: النظر إلى التمادي على الفعل، هل يكون كابتدائه في البر والحنث، وقد قالوا فيكم حلف على ركوب دابة أو لباس ثوب، وهو راكب ولابس: أنه ينزع وينزل، فإن تمادى كان كما لو ابتدأ، وقد تقدم ما في السكنى.
ولو حلف: لا يدخل داراً، وهو فيها، فهل يلزمه الخروج حينئذ؟ قولان. قال ابن القاسم: لا شيء عليه إن لم يخرج. وقال أشهب في كتاب محمد: إن لم يخرج مكانه حنث.
قال الشيخ أبو الطاهر: ((ومقتضى ما قالوه في اللباس والركوب ما قاله أشهب)). قال: ((والفرق عند ابن القاسم حصول التسمية في اللابس والراكب بالدوام، وعدم حصول اسم الدخول بالبقاء في الدار)).
وأما لو قال للحائض: إذا حضت، أو للطاهر: إذا طهرت، (أو) للحامل: إذا حملت،
стр. 354
فأنت طالق. فقال سحنون: هو على وجود هذه في المستقبل. قال الشيخ أبو الطاهر: ((ولا شك أنها تتصف بهذه الأسماء في الحال، لكن من حملها على الموجود في الاستقبال رأى أن المقصد وظاهر اللفظ يقتضي وجوداً مستأنفاً، لا ما هو حاصل الآن)). قال: ((ومبنى هذا النظر على مراعاة الألفاظ والمقاصد، لكن الخلاف: هل يعجل بالطلاق، أو يستأنى به حتى توجد هذه الأفعال؟ على أصل ثان، وهو من علق بيمينه على ما الغالب وجوده، (هل) يعد كالموجود أم لا؟)).
ويلاحظ هذا الأصل أن يحلف: لا دخل على إنسان بيتاً، فدخل المحلوف عليه على الحالف، ففي تحنيثه بذلك خلاف، وفيه قال مالك: لا يعجبني. قال الشيخ أبو الطاهر: ((ومقتضى لفظه نفي الحنث، إلا أن يريد أن لا يجتمع معه)). قال: ((ولم يحنثوه باجتماعه معه في المسجد، سواء حلف: لا دخل عليه، أو لا اجتمع معه في بيت، وفيه قال مالك: ليس على هذا حلف)). قال: ((وأحنثوه بالحمام. وفرق ابن المواز بأن الحمام لا يلزم دخوله، بخلاف المسجد، وتعقبه أبو الحسن اللخمي بأن له مندوحة أيضاً عن المسجد، بأن يصلي في غيره)). قال أبو الحسن اللخمي: ((قول مالك ليس على هذا حلف، حسن. وليس القصد المسجد والحمام)).
ولو (دخل عليه (في بيت)، وهو ميت، فروى أشهب أنه يحنث. وقاله عبد الملك. وقال سحنون: لا يحنث.
الركن الثاني: في التنبيه على خلافهم في الحمل على مقتضى اللفظ إذا عدم ما قبله من المحامل، ويشتمل على ثلاثة أنواع:
النوع الأول: إذا حلف على فعل ما، فهل يحمل على أقل ما يحتمله اللفظ بناء على الأصل في براءة الذمة، أو على الأكثر بناء على عمارتها به؟ وهذا هو المشهور من المذهب.
وعليه الخلاف فيمن حلف: لا آكل رغيفاً، فأكل بعضه، فإنه يحنث في المشهور.
ولو حلف: ليأكلنه، لم يبر إلا بأكل جميعه قولاً واحداً، لأن كل جزء منه محلوف عليه.
стр. 355
ولو حلف بطلاق زوجته إذا وضعت ما في بطنها، فوضعت ولداً وبقي ثان، لجرى على القولين.
وكذا لو علق الطلاق على الوطء، لحنث بمغيب الحشفة على المشهور، وعلى القول الآخر: لا يحنث بدون الإنزال.
وكذا لو حلف: لا هدم حائطاً أو بئراً، فهل يحنث بفعل البعض أم لا؟ القولان، ولو حلف: لا آكل خبزاً وزيتاً، فأكل أحدهما، جرى على الخلاف عند فقد النية.
النوع الثاني: أن يحلف على فعل شيء فينتقل.
فإن انتقل إلى ما ليس هو معداً للانتقال إليه، كمن حلف ليأكلن طعاماً، ففسد فأكله، فقيل: لا يحنث لأنه قد أكله، وقيل: يحنث، لأنه لم يأكله طعاماً.
ولو انتقل إلى ما هو معد للانتقال إليه، وقد ذكر في يمينه لفظه من كقوله: لا أكلت من هذا القمح أو اللبن، فإن قرب تغيره ولم يبعد، فالمذهب كله على أنه يحنث، وإن أكله منتقلاً، وإن بعد تغيره، كمن حلف أن لا يأكل من هذا الطلع، فأكل من بسره أو رطبه أو ثمره، فالمشهور أنه يحنث أيضاً. وقال محمد: استحسن أشهب أن لا حنث عليه، لبعد ما بينهما في الطعم والمنفعة والاسم.
فلو كان المتناول ما يتولد من الشيء تولداً لا يكون جزءاً منه؛ كقوله: لا أكلت من هذه الشاة، فشرب من لبنها، لم يحنث، إلا أن يريد ترك الانتفاع منها من كل وجه.
وفي حنثه بأكل ولدها خلاف حكاه ابن ميسر، سببه النظر إلى أنه ليس بجزء حقيقة فأشبه اللبن، أو النظر إلى أنه مشبه لها، فأشبه الجزء.
ولو لم يذكر لفظة: ((من)) فإن نكر، فالمذهب أنه لا يحنث فيما يتولد من ذلك الشيء، إلا أن يقرب جداً، كالسمن من الزبد، ففيه قول بالحنث. وإن عرف، فأشار إلى معين وبعدت الاستحالة، فلا حنث، وإن قربت جداً، وكان الغالب أن ذلك الشيء لا يؤكل إلا بعد أن يصنع فيه ما صنع، حنث. قال ابن المواز: ولم يره ابن القاسم إلا في خمسة.
من حلف: لا آكل هذا القمح فأكل خبزه، أو هذا اللحم، فأكل مرقته. وكذلك أجرى حكم من قال: لا أكلت هذا العنب، فأكل عصيره، أو الزبيب أو التمر، فأكل نبيذهما، لأن أجزاء هذه المعتصرة هي بعينها التي أكل، ولم تبعد الاستحالة، أو هذا اللحم، فأكل شحمه؛ لأن الاسم ينتظمه.
ووقع لابن المواز: من حلف لا آكل هذا القمح، فأكله (خبزاً)، أنه لا يحنث. قال
стр. 356
الشيخ أبو الطاهر: ((ولعل هذا لبعد الاستحالة، أو يكون قولاً في أن ما انتقل إليه لا يحنث به)). قال: ((ولا يحلق بذلك السمن والزبد والجبن واللبن، والرطب من البلح والبسر عند ابن القاسم. وقال ابن وهب: إنه يلحق به)).
النوع الثالث: إضافة المحلوف عليه إلى غيره، فإن لم يستهلك بالإضافة حنث بأكله، وإن استهلك جداً كالخل، يحلف لا أكله، فيأكله مطبوخاً، لم يحنث. وقيل: (يحنث).
فإن لم تبعد استحالته كالسمن يلت به السويق، فإن لم تكن نية ولا بساط ووجد طعم السمن حنث بأكله قولاً واحداً، وإن لم يجد طعمه، فظاهر الكتاب أنه يحنث. وقال ابن ميسر:
لا حنث عليه.
وقد سئل الشيخان أبو عمران وأبو بكر بن عبد الرحمن عن الفرق بين مسألتي الخل يطبخ به، والسمن يلت به، فرأى الشيخ أبو عمران: أن السمن لا يستهلك مع اللت بل يبقى معه جزء قائم وإن قل، فيحنث بأكله. ورأى أبو بكر: أن السويق لو عصر لخرج منه سمن). ويتم الغرض من الكتاب بذكر أربع مسائل:
الأولى: أن كل من حلف أن لا يفعل فعلاً حنث بحصول الفعل منه سهواً وعمداً وخطأ وقصداً.
قال الشيخ أبو الطاهر: ((ورأي أبو القاسم السيوري ومن اتبعه من محققي الأشياخ: نفي الحنث إذا سها عن اليمين، ففعل ناسياً لها كمذهب الشافعي)). قال: وراموا تخريجه من مسألتين:
стр. 357
إحداهما: من حلف بالطلاق ليصومن يوماً سماه، فأفطر فيه ناسياً، أنه لا شيء عليه)). ثم ضعف هذا الاستقراء بأنه يحتمل أن يريد: لا قضاء عليه. قال: ((وهو أحد القولين فيمن أفطر في النذر المعين ناسياً)).
والأخرى: من حلف أن لا يبايع إنساناً، فباع ممن هو من سببه، أو ممن اشتراه للمحلوف عليه، ولم يعلم، أنه لا حنث عليه. قالوا: وهذا قد باع ممن حلف عليه ناسياً، ثم قال: ((وهذا الاستقراء أضعف من الأول، لأن مقتضى اللفظ نفي الحنث ولا قصد؛ إذ لا علم، فلا يحنث ولا بمقصود اللفظ ولا بمقتضى القصد. ثم رد المسألة إلى الخلاف في عمارة الذمة بالأكثر أو بالأقل، وما عزاه إلى المتأخرين من نفي الحنث للنسيان))، وهو اختيار القاضي أبي بكر.
ولو فعل المحلوف عليه جهلاً حنث، كما لو حلف أن لا يسلم على زيد، فسلم عليه في ظلمة وهو لا يعرفه. وأما لو أكره، كما لو حلف أن لا يدخل، فحمل قهراً وأدخل، لم يحنث، لكن إن قدر على الخروج فلم يخرج حنث. وكذلك إن حمل بإذنه حنث، وإن سكن مع القدرة على الامتناع حنث أيضاً.
ولو حلف لا أكلم زيداً، ثم سلم على قوم فيهم زيد، فاستثناه بقلبه أو بلفظه، لم يحنث؛ وإن لم يستثنه ولا حاشاه حنث، وإن لم يعلم به، ولو قال: لا أدخل على زيد، فدخل على قوم هو فيهم، حنث.
المسألة الثانية: أن كل حالف فإما أن يحلف على ترك الفعل، أو على الإقدام عليه، فالأول على بر حتى يقع منه الفعل فيحنث، والثاني على حنث حتى يقع منه الفعل فيبر.
وهذا يعتزل زوجته حتى يقع منه الفعل، إلا أن يكون قد ضرب للفعل أجلاً، هل يلزمه الاعتزال.
المسألة الثالثة: من حلف على شيء ليفعلنه، فحيل بينه وبين فعله، فإن أجل أجلاً فامتنع الفعل لعدم المحل وذهابه، كموت العبد المحلوف على ضربه، أو الحمام المحلوف على ذبحها، فلا حنث عليه، بلا خلاف منصوص. وإن امتنع الفعل بسبب منع الشرع، كمن حلف ليطأن زوجته أو أمته فوجدها حائضاً، فقيل: لا شيء عليه، وقيل: إن وطئ أثم وبر، لأنه وطئ؛ وقيل: لا يبر لأنه إنما قصد وطئاً مباحاً. وإن كان الامتناع بمنع مانع كالسارق والغاصب والمستحق، فإنه يحنث، لأن المحل باق، وإنما حيل بينه وبين الفعل فيه. وقال
стр. 358
أشهب: لا يحنث، ورأى ذلك كالموت.
وإن كان الفعل غير مؤقت بأجل، فإن فرط حتى تعذر الفعل حنث، وإن لم يفرط حتى عدم المحل فلا يحنث. وإن تعذر بغيره من الأعذار المتقدمة فالخلاف كما تقدم، وسببه: عمارة الذمة بالأكثر أو بالأقل.
المسألة الرابعة: إن الحنث لا يتكرر الفعل، إلا إذا أتى بصيغة تقتضي التكرار، كقوله: كلما، ومتى ما، وشبه ذلك، أو يقصد التكرار، قاله في كتاب محمد.
وعليه تخرج مسألة الحالف بصدقة دينار من ماله إن نام عن وتره، فنام فتصدق ثم نام بعد ذلك، أن التصدق يجب عليه كلما فعل، فإنه حمل الأمر على أن القصد دوام اليمين.
стр. 359
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
[صلى الله على سيدنا ومولانا محمد وآله وسلم تسليماً]
كتاب النذور
النذر: عبارة عن الالتزام والإيجاب، والنظر في أركان النذر وأحكامه.
النظر الأول في الأركان: وهي ثلاثة: الملتزم، وصيغة الالتزام، والملتزم.
أما الملتزم فكل مكلف له أهلية العبادة، فلا يلزم نذر الصبي والمجنون والكافر.
وأما الصيغة فهي أن يقول: لله علي صوم أو صلاة أو غيرهما من القرب ابتداء [و] يعلق ذلك على وجود شيء ما كقوله: إن شفى الله مريضي، فلله علي كذا، فلو قال: إن كلمت زيداً فلله علي كذا للزم أيضاً على المعروف من المذهب. قال الشيخ أبو الطاهر: ((وقد حكى الأشياخ أنهم وقفوا على قولة لابن القاسم: إن ما كان من هذا القبيل على سبيل اللجاج والحرج تكفي عنه كفارة يمين))، قال: ((وكان من لقيناه من الأشياخ يميل إلى هذا المذهب)).
ولو قال: إن فعلت فعلي نذر، فعليه كفارة يمين. وكذلك لو قال: فعلي يمين أو كفارة يمين.
ولو قال: لله علي نذر فعل كذا، أو أن أفعل كذا، فيخرج نذره ما سمى، فيفعله إن كان طاعة.
قال ابن حبيب: من قال علي نذر أن أفعل كذا (و) كذا في يمين أو في غير يمين، فهذا فعله هو نذره، فإن كان طاعة لزمه، وإن كان معصية، فلا يفعل ولا يكفر. قال: فلو قال علي نذر إن لم أفعل كذا فهذا نذره غير فعله، فإن لم يجعل لنذره مخرجاً ولا نواه، فيؤمر أن يفعل الطاعة فيبر، ولا يفعل المعصية، ويكفر كفارة يمين.
стр. 360
ولو حلف بصدقة ماله، فقال: مالي نذر أو صدقة أو في السبيل، أو هدي، أو لوجه الله، قال: مالي أو جميعه، أجزأه من ذلك إخراج الثلث من العين والطعام والرقيق وغيره، إلا أن ينوي العين خاصة. ثم قال أصبغ: إذا قال لوجه الله فمخرجه الصدقة دون غيرها، ولو قال ذلك في عبده، لكان مخرجه العتق. وإن قال: في سبيل الله أو لسبيل الله، كان مخرجه الغزو والجهاد خاصة. ولو قال: نصف مالي أو ثلاثة أرباعه، أخرج جميع ما سمى.
قال محمد: وكذلك إن قال: مالي إلا درهماً، أخرج جميع ذلك. قال: فإن عين فقال: عبدي أو داري، وذلك جميع ماله أو نصفه أو ثلاثة أرباعه، أخرج جميع ما سمى. وروى ابن وهب فيمن لم يعين، وسمى أكثر من الثلث أنه يقتصر على الثلث. وذكر الشيخ أبو القاسم في المعين إذا كان أكثر من الثلث روايتين. إحداهما: أن لا يلزمه أكثر من الثلث. وقال ابن حبيب: إذا حلف بجميع ماله فإنه يلزمه إخراج ثلثه إذا كان ملياً. فأما القليل المال الذي يجحفه الثلث، فيخرج قدر زكاة ماله، وأما الفقير فيكفر كفارة يمين.
وقال سحنون في جميع ذلك، عين أو لم يعين، يخرج ما لا يضر به إخراجه.
فروع: الأول: إذا حلف بصدقة ماله فحنث فلم يخرج شيئاً، حتى أنفقه، فقال أشهب: لا شيء عليه، ولا يتبع به ديناً. وقال ابن القاسم: يضمن إذا أنفقه أو ذهب منه كزكاة فرط فيها حتى ذهب ماله. وقال سحنون: إذا فرط في إخراج الثلث حتى هلك المال. (ضمن. وفي الواضحة: ومن حلف بصدقة ماله فحنث، ثم ذهب ماله باستنفاق، فذلك دين عليه).
وإن ذهب بغير سببه، فلا يضمن، ولا يضره التفريط حتى أصابه ذلك.
ولو حلف فحنث وقد زاد ماله، فليخرج ثلثه يوم حلف، وإن نقص، فثلثه يوم حنث.
(قال في الواضحة: إن كانت الزيادة بمتجر، فلا يلزمه إخراج ثلثها. وإن كانت بولادة أخرج ثلثها مع ثلث الأصل).
الفرع الثاني: (إذا حلف بصدقة ماله فحنث، فلم يخرج شيئاً، ثم حلف فحنث والمال الأول بيده لم يزد، ففي كتاب ابن حبيب وكتاب ابن المواز: ليس عليه إلا ثلث واحد. قال ابن حبيب: قاله مالك وأصحابه).
وفي كتاب ابن المواز أيضاً: ومن حلف بصدقة ماله فحنث، ثم حلف بصدقة ثلثه فحنث، فيلخرج ثلثه الأول، ثم ثلث ما بقي. وقال مثله في الحالف مرتين بصدقة ماله، ثم قال: يخرج ثلثه مرة واحدة يجزئه، وقاله ابن كتانة، وبالأول أخذ محمد، وقاله أشهب.
стр. 361
الفرع الثالث: إذّا حلف فحنث، وماله مائة، ثم حلف فحنث، وهو مائتان، ثم حلف فحنث، وهو ثلاثمائة، فليس عليه إلا مائة. زاد في كتاب ابن المواز: وقد نما ماله بالتجارة.
ولو حنث أولاً وماله مائة، ثم حنث ثانية وماله ستون، ثم حنث ثالثة وماله أربعون، فليس عليه إلا ثلث المائة التي حنث فيها أولاً، إلا أن يبقى بيده أقل من ثلثها، فلا شيء عليه غير ما بيده، إلا أن يذهب بإتلافه أو إكله، فيلزمه ديناً. وقال محمد: إذا حلف إن فعل أو أن لا يفعل، لم يضمن ما أكل أو أتلف قبل الحنث. وإن حلف لأفعلن، أو إن لم أفعل، فهو كتلفه بعد الحنث، يلزمه ما ذهب بسببه، ولا يلزمه ما ذهب بغير سببه.
الفرع الرابع: من قال: كل (ما) اكتسبه صدقة، فلا شيء عليه، كمن عم في الطلاق والعتق، ولو عين مدة أو مكاناً يكتسب إليها أو فيه، لزمه التصدق بثلث ما يكتسب إلى المدة، أو في المكان عند ابن القاسم وابن عبد الحكم. ولم يلزمه عند ابن الماجشون. وروي عن أصبغ القولان.
ولو قال: كل ما أربحه في هذه السلعة (صدقة) جرى على الاختلاف، إلا أنه يلزمه التصدق بجملة الربح في القول الأول.
ولو قال: ما أملكه إلى حد كذا، دخل في اليمين ما بيده الآن، بخلاف قول ما اكتسبه.
وإن عقب النذر بقوله: إن شاء الله، لم يرتفع الذي في قوله: علي نذر، أو ما (يجري) مجراه مما فيه كفارة يمين فقط. ولو قال: إن شاء فلان، لم يلزمه شيء، حتى يشاء فلان، وأما الملتزم فهو الطاعة دون ما عداها.
ثم هو قسمان:
الأول: ما يوجبه على نفسه ابتداء شكراً لله تعالى على نعمه، وهو مستحب.
والثاني: أن يربط النذر بحصول شيء أو ذهابه، كقوله: إن شفى الله مريضي، أو دفع عني شر كذا، فعلي كذا وهو مكروه، وكلاهما لازم.
وكيفما تصرفت أحوال النذر، فلا يقضي به؛ لأنه له وفاء له إلا مع النية، فإذا قضي عليه بغير اختياره لم يكن وفاء.
النظر الثاني: في أحكام النذور ، والملتزمات أنواع:
النوع الأول: الصوم، فإذا نذر مطلق الصوم كفاه يوم، إلا أن ينوي أكثر.
стр. 362
وكذا في الصلاة تكفيه ركعتان. وأما الصدقة، فيكفيه ما تصدق به، وإن قل. وفي الاعتكاف تكفيه ليلة ويوم.
ولو نذر صوماً، فحكى الشيخ أبو الطاهر في لزوم التتابع ونفيه ثلاثة أقوال: يفرق في الثالث، فيلزمه إن ذكر أعواماً أو شهوراً جملة أو آحاداً، ولا يلزمه إن ذكر أياماً. ولو عين يوماً للصوم تعين. ولو شرط التتابع في صوم لزمه، ولو قال: أصوم هذه السنة، لم يلزمه قضاء أيام العيد وأيام التشريق وأيام رمضان، إلا أن ينوي قضاء ذلك. وروي فيمن نذر صوم ذي الحجة، أنه يقضي أيام النحر، إلا أن ينوي أن لا قضاء لها. قال ابن القاسم: والأول أحب إلي، ويجب قضاء ما أفطر في السفر.
ولو قال: علي صوم سنة، فلن يكفيه إلا أثنا عشر شهراً، ولا تنحط عنه أيام رمضان والعيد والحيض.
ولو قال: لله علي أن أصوم يوم يقدم فلان، فقدم ليلاً، صام صبيحة تلك الليلة. وإن قدم نهاراً، فقال ابن الماجشون وأشهب وأصبغ: يصوم يوماً عوضاً عنه. وقال ابن القاسم: لا شيء عليه.
ولو قدم في الأيام المحرم صومها، كيومي العيدين، فالمنصوص نفي القضاء.
قال ابن الماجشون: ولو علم أنه يدخل أول النهار، فبيت الصوم لم يجزه؛ لأنه صامه قبل وجوبه. قال عنه ابن حبيب: وليصم اليوم الذي يليه، قاله أشهب وأصبغ.
ولو نذر صيام يوم قودمه أبداً، لزمه، إلا أن يوافق يوماً لا يحل صيامه، فلا يصومه ولا يقضيه. وكذلك إن مرضه، وقال ابن حبيب: يقضي ما مرض فيه، لأنه إنما قصد أن يصوم شكراً، وقد نوى تعجيله، فليصمه في أول ما يصح. ولو نذر أن يصلي قاعداً مع القدرة على القيام، جاز له القعود.
ولو نذر اعتكاف ليلة، فقال سحنون: لا يلزمه شيء، لأن بعض العبادة لا يقوم مقامها في النذور. قال القاضي أبو بكر: ((وقد خفي عليه وجه العربية التي علمها مالك وابن القاسم في قولهما: إنه يصوم يوماً يعتكف فيه الليلة، لأن العرب تعبر عن اليوم والليلة بالليلة، حتى تقول: صنماً خمساً)). قال: ((فأما من نذر صوم بعض يوم، أو صلاة بعض ركعة، فإنه يلزمه جميعها، كما لو طلق نصف طلقة)). قال: ((فهذا) آكد. وقول سحنون ضعيف)).
стр. 363
ولو نذر صوم يوم سماه، فوافق يوم عيد، أو يوم حيض، أو مرضاً، لم يلزمه قضاؤه، وقيل: يلزمه.
ولو نذر صوم الدهر لزمه، ولا شيء عليه لأيام العيد والحيض ورمضان، وله الفطر بالمرض والسفر، ولا قضاء؛ إذ لا يمكن.
ولو نذر صوم يوم العيد أو يوم الشك لغا نذره، كما لو نذر الصلاة في الأوقات المكروهة.
النوع الثاني: في الحج.
فإذا قال: إن كلمت فلاناً، فأنا أحرم بحجة أو بعمرة، فإن كلمه قبل أشهر الحج، لم يلزمه أن يحرم بالحج إلى دخول أشهر الحج، إلا أن ينوي أنه محرم من يوم حنث، فيلزمه ذلك. وإن كان في فير أشهر الحج.
وأما العمرة، فعليه أن يحرم بها وقت حنثه، إلا أن لا يجد صحابة، ويخاف على نفسه، فليؤخر حتى يجد، فيحرم حينئذ. والإحرام في الجميع من موضعه لا من ميقاته، إلا أن ينويه، فله نيته.
ولو قال: أنا محرم يوم أكلم فلاناً، فإنه يوم يكلمه محرم في رأي سحنون. ومذهب الكتاب: ((أنه لا يكون بحنثه محرماً)).
وإن قوله: يوم أفعل كذا، فأنا أحرم بحجة بصيغة المضارعة، كقوله: ((فأنا محرم)) باسم الفاعل.
ولو قال: إن فعلت كذا، فأنا أحج إلى بيت الله، للزمه الحج إن حنث. ولو نذر الحج ماشياً، لزمه؛ لأن المشي طاعة. ولو نذر المشي حافياً، لم يلزمه ولينتعل، وإن أهدى فحسن. ولو نذر أن يمشي إلى مكة ولم يذكر الحج، فقال: لله علي المشي إلى مكة، لزمه المشي إلى مكة في حج أو عمرة.
وكذلك لو حلف به فحنث، فإنه يلزمه المشي إلى مكة في حج أو عمرة، على المعروف من المذهب، كما تقدم.
стр. 364
واختلف المتأخرون في علة (لزوم) الحج أو العمرة، فقال بعضهم: لأن العادة في التزام المشي إلى مكة قصد الحج أو العمرة. وقال آخرون؛ بل لأن ذلك يقتضي دخول الحرم، ولا يدخل إلا بإحرام، فصار قائل ذلك ملتزماً للإحرام.
ويتخرج على تحقيق العلة فروع:
الأول: لو قال: علي الذهاب إلى مكة، أو المسير أو المضي، أو ما [شاببهما]، فقال ابن القاسم: لا شيء عليه إلا أن يذكر الحج أو العمرة أو يقصدهما، وتردد قوله في الركوب، وأوجب أشهب الحج أو العمرة في جميعهما، كالمشي.
الثاني: إذا حلف بالمشي إلى مكة أو البيت أو الكعبة أو الركن أو الحجر لزمه.
وإن قال: إلى الصفا أو المروة أو المقام أو زمزم أو منى أو عرفات، لم يلزمه.
وقال أصبغ: يلزمه في كل ما سمى مم اهو داخل في القرية، كالصفا والمروة والحطيم والأبطح والحجون وقعيقعان وأبي قبيس، وإن سمى ما هو خارج عن قرية مكة لم يلزمه.
وقال ابن حبيب: يلزمه إذا سمى الحرم أو ما هو فيه، ولا يلزمه إذا سمى ما هو خارج منه ما عدا عرفات، فإنه وإن كان من الحل، فهو من مشاعر الحج، فإذا نذر عرفات فقد نذر الحج.
الثالث: إذا كان الحالف من أهل الأقطار البعيدة، هل يتعين عليه الحج، أو يتخير بينه وبين العمرة؟ قولان للمتأخرين، مأخذهما ما تقدم من اعتبا رالعادة، أو دخول الحرم.
ثم النظر في المشي في ثلاثة أطراف: مبدؤه ومنتهاه وحكم العاجز عنه.
الطرف الأول: في مبدئه، وهو من حيث نوى، ولنقدم مقدمة جميلة، فنقول:
المعتبر في (النذور) النية، فإن عدمت فالعرف، فإن عدم فمقتضى اللفظ، فإن كان له
стр. 365
[مقتضيات]، فهل يحمل على الأقل أو الأكثر؟ فيه الخلاف المتقدم.
فإذا نذر المشي، فإن كانت له نية، فمن حيث نوى إذ هو التزام لا يقضي به، وإنما المكلف موكول فيه إلى ديانته.
وإن لم تكن له نية، فإن اتحد موضع حلفه وحنثه مشى منه؛ إذ هو مقتضى اللفظ، إلا أن يكون هناك عرف فيرجع إليه.
فإن كان الموضع الذي حلف فيه وحنث، لا يبلغ منه إلى مكة إلى بعد ركوب البحر، فهل يلزمه بعد الركوب إلى أقرب المواضع أن ينزل منه ويمشي؛ إذ هو مقتضى اللفظ، أو له أن يركب إلى الموضع المعتاد؛ إذ هو العرف؟ للمتأخرين في ذلك قولان.
وإن كان موضع حنثه غير موضع حلفه ولا نية له، وهو على بر، مشى من حيث حنث أيضاً بناء على أن الحنث سبب. وقيل: من حيث حلف بناء على أنه شرط.
فإن كانت يمينه بمكة، فإن كان في وقت اليمين في المسجد خرج إلى الحل، وأحرم من هناك. وإن كانت في غير المسجد، مشى إلى المسجد، فصلى هناك إن قصد الصلاة ورؤية المسجد (فيبصره)، فإن رؤيته عبادة. وقيل: يخرج إلى الحل، فينشىء منه حجاً أو عمرة، حملاً لنيته على قصد ذلك.
وإذا مشى من غير مكة، فلا يتعين عليه موضع من البلد الذي مشى منه، إذ العادة عدم التعيين في ذلك.
الطرف الثاني: منتهى المشي. وهو الفراغ من أفعال ما مشى فيه من حج أو عمرة، فينتهي في العمرة بفراغه من السعي، وفي الحج بطواف الإفاضة. وقال ابن حبيب: يمشي في رمي الجمار.
الطرف الثالث: في حكم العجز عن المشي. ولا شك (في) أنه إذا أتى به في جميع الطريق دفعة واحدة، غير مفرق بين أجزائه بمقام خارج عن المعتاد، أجزأه وإن طال المقام، فإن كان مضطراً فكذلك، وإن كان مختاراً وطال به حتى تجاوز العام الذي خرج للحج فيه أو العمرة، وكانت يمينه متعلقة بعام بعينه، فقد أثم في التأخير ويلزمه القضاء على أصل المذهب.
ويختلف في إجزاء ذلك المشي المفرق. وإن لم يكن العام معيناً لم يأثم، وجرى الخلاف في إجراء المشي.
стр. 366
وإن أقام ولم يفته الحج في ذلك العام أجزأه، وقال ابن حبيب: لا يجزئه إلا أن يأتي بمشي متوال.
فإن ركب في بعض الطريق لعجز، وكان يسيراً جداً، فالمذهب أنه يجزئه، وعليه دم إن كان للركوب مقدار.
(فإن) كان مشيه يسيراً وكان قادراً فيما بعد، ألغى المشي الأول ووجب عليه مشي ثان.
وإن كان عاجزاً عن المشي اكتفى بالأول وأجزأه الهدي، لأنه غير مكلف بما لا يقدر عليه.
فإن تساوى ركوبه ومشيه، أو كان كل واحد منهما كثيراً، وجب الرجوع لتلافي ما ركب.
ويركب (المواضع التي) مشى، ويمشي (المواضع التي) ركب. وقيل: إن كان موضعه بعيداً جداً، لم يلزمه الرجوع لشيء مما ركب، فإن عجز في الثاني، لم يكلف العودة دفعة أخرى.
وإن ركب مختاراً، ففي بطلان مشيه قولان، وإذا قلنا: لا يبطل، فإنه يرجع ويمشي ما ركب ويهدي.
ولو مشى في الثاني الطريق أجمع، فقال ابن المواز: يسقط عنه الهدي، قال المتأخرون: كيف يسقط الهدى المقرر في ذمته بمشي غير واجب؟
فرع: من حلف بالمشي فحنث، فمشى في حج، ففاته الحج، أجزأه ما مشى وجعلها عمرة، وقضى الحج قابلاً راكباً وأهدى.
النوع الثالث: إتيان المساجد.
فإذا نذر إتيان مسجد من المساجد اللنائبة عنه، لم يلزمه إلا المسجد الحرام، ومسجد المدينة، ومسجد إيلياء.
ولو ذكر المشي لم يزلمه في (إتيانها). وقال ابن وهب: يأتيها ماشياً، قال ابن المواز: وقد قيل: إن كان قريباً: الأميال ونحوها، أتى ماشياً.
ثم إذا لزمه إتيان مكة للصلاة في مسجدها، فإنه لا يدخل إلا محرماً، قاله القاضي أبو الحسن.
стр. 367
ولو لم يذكر مساجد هذه المواضع، ولم ينو الصلاة فيها، لم يلزمه إتيانها، إلا في مكة، فيلزمه على التفصيل المتقدم.
قال أبو الحسن اللخمي: ((وإن نذر مكي أو مدني الصلاة في مسجد بيت المقدس صلى في مسجد موضعه، وأجزأه. وإن نذر القدسي الصلاة في أحد هذين أتاهما. وإن نذر مدني الصلاة في المسجد الحرام، أو مكي الصلاة بمسجد الرسول أتاه، وذلك أحوط ليخرج من الخلاف))، قال: ((وقياد قول مالك، رحمة الله عليه، أن يأتي المكي المدينة، ولا يأتي المدني مكة)).
ولو ذكر موضعاً غير هذه (الثلاث)، فإن تعلقت به عبادة تختص به، لزمه إتيانه، ولو كان بمكة أو المدينة أو البيت المقدس كرباط أو جهاد ناجز، لكن لا يلزمه المشي ها هنا إن ذكره، إذ لم يرد أنه في مثل هذا عبادة.
النوع الرابع: الضحايا والهدايا.
وقد مضى في الحج أحكام الهدايا، ونحن نتكلم الآن على ألفاظ.
الأول: من نذر التقرب بسوق شاة إلى مكة، لزمه ذبحها بمكة. وكذلك لو لم يذكر لفظ الضحية والقربة، بل قال: علي ذبح شاة بمكة، لزمه أيضاً. فإن أضاف إلى بلدة أخرى فهل يلزمه النحر بها، أو يجزئه نحرها بمكانه؟ فيه روايتان.
اللفظ الثاني: إذا قال: لله عليان أضحي ببدنة، لم تقم مقامها بقرة مع القدرة عليها. وأما مع العجز، ففي إجزائها عنها خلاف.
وكذلك الخلاف في إجزاء سبع من الغنم عند عجزه عن البقرة. ومذبه الكتاب: الإجزاء فيهما.
اللفظ الثالث: أن يقول: لله علي هدي (فإن نوى شيئاً، فله نيته، وإلا فبدنة، فإن لم يجد فبقرة، فإن لم يجد وقصرت النفقة، رجوت أن تجزئه شاة). قال ابن
стр. 368
القاسم: كان مالك يزحف بالشاة كرهاً، قال أشهب: عليه بدنة، وأدنى ما يلزمه شاة، إلا أن ينوي أفضل منها.
اللفظ الرابع: إذا قال: لله علي هدي هذا الشيء، أو حلف به، وهو من جنس ما يهدى، ويمكن وصوله من موضعه، وجب إخراجه بعينه، فإن كان معيناً، فهل يهديه أو يعوض عنه؟
قولان.
وإن لم يمكن وصول المهدى باعه واشترى بثمنه، ثم قيل: لا يشتري إلا من جنس الأول، وقيل: له أن يخالف إلى الأفضل.
فلو كان المنذور هديه من جنس ما لا يهدي، وهو ملك له، وجب عليه التعويض بثمنه هدياً، يبعثه يشتري به ثم؛ لأنه قصد صرف ثمنه في الهدي، ثم في جواز تقويمه على نفسه خلاف، هذا كله في ملكه، فلو كان المنذور ليس ملكاً له، فإن كان مما يتقوم، وهو ملك لغيره، فلا يلزمه لشيء، إلا أن يريد التزام ذلك متى ما ملكه، فيكون من باب العتق المعلق على الملك والطلاق المعلق على النكاح، والمشهور لزومه، وإن كان المنذور مما لا يتقوم، كالحر يلتزم هديه، فعليه هدي.
ولو لم يذكر الهدي، لكن التزم نحر حر، فإن كان أجنبياً، فظاهر المذهب أنه لا شيء عليه فيه، وعد نذراً في معصية.
وإن كان قريباً كالولد والوالدين، فإن ذكر ما يدل على الهدي، كذكر موضع من مواضع مكة أو منى، لزمه الهدي.
وإن اقتصر على قوله: أنا أنحر ولدي، فقال ابن القاسم في الكتاب: ((سئل مالك عنها، فأجاب بكفارة يمين، ثم سئل عنها بعد ذلك))، فقال: ((إن كان إنما أراد بذلك وجه الهدي أن يهيد ابنه لله، رأيت عليه الهدي، وإن كان لم ينو ذلك، ولم يرده، فلا أرى عليه فيه شيئاً: كفارة ولا غيره. قال ابن القاسم: وذلك أحب إلي)).
فرع:
قال أصبغ: قال ابن القاسم: لو كان لمن حلف بنحر (ولده) عدة أولاد أهدى عن كل واحد منهم هدياً، قال: وقد قيل: إن الهدي الواحد لجميعهم، والأول أحب إلي.
стр. 369
ولو قال: مالي في الكعبة أو في كسوة الكعبة أو في طيب الكعبة، فقال ابن القاسم: ((أرى أن يهدي ثلث ماله فيدفعه إلى الحجبة)).
قال: ((وأما إذا قال: مالي في حطيم الكعبة، أو في الكعبة، أو في رتاج الكعبة، فلا أرى عليه شيئاً؛ لأن الكعبة لا تنقض. فتبنى بمال هذا، ولا ينقض الباب، فيجعل هذا فيه))، قال: ((وسمعت مالكاً يقول: رتاج الكعبة هو الباب.
стр. 370
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
[صلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وسلم تسليماً]
كتاب الضحايا والعقيقة
والضحية: سنة مؤكدة لكل قادر عليها، إلا الحاج بمنى، وليست بواجبة، هذا قول مالك على الحقيقة، وهو الذي حكاه العراقيون عنه. وكذلك الأستاذ أبو بكر لم يحك عنه سواه، وهو نصه في الموطأ والمختصر. قال يحيى بن يحيى: قال مالك: ((الضحية: سنة، وليست بواجبة)). وقال عبد الله بن عبد الحكم: قلت له: أرأيت الضحية أسنة هي؟
قال: نعم، قال رسول الله ﷺ : ((أمرت بالنحر، وهو لك سنة))، فذكر الحكم والدليل، وهذا كله نص، وقوله في كتاب ابن المواز: هي سنة واجبة، لفظ محتمل، يرد معناه إلى النص المتقدم. ((والمعنى بذكر الوجوب مع لفظ السنة التأكيد. وقد قال القاضي أبو محمد وغيره: المعني بإطلاق مثل هذا اللفظ أنها سنة مؤكدة)). وربما عبر بعض الأصحاب عنها بوجوب السنن.
فأما ما نقل عن ابن القاسم وابن حبيب من تأثيم تاركها، فرأى لهما لا رواية.
стр. 371
والنظر في أركانها وأحكامها:
النظر الأول: في الأركان ، وهي ثلاثة.
الأول: الذبيح: وهو النعم فقط، ولا يجزئ من الضأن ما دون الجذع ولا من المعز ما دون الثني، وكذا من البقر، وهو سن المسنة. ولا يجزئ من الإبل ما دون السنة السادسة.
ويجزئ الذكر والأنثى. وجملة من الصفات تمنع الأجزاء. فلا تجزئ المريضة البين مرضها وفي معناها الجرباء الكثيرة الجرب، دون الجرب اليسير، ولا العرجاء التي تمتنع بالعرج عن اللحاق بالغنم، ولا العوراء، وإن كانت الحدقة باقية. ولا بأس بالبياض في العين ما لم يكن على الناظر، ولا العجفاء التي لا نقي لها، ولا المجنونة جنوناً لازماً، ولا المقطوع من أذنها ما يزيد على الثلث، وفي الثالث خلاف. أما المقطوعة قدراً يسيراً من الأذن، أو المخروقة الأذن أو المشقوقة، فقد ورد النهي عن التضحية بها. وقال القاضي أبو الحسن: ((لا يمنع شيء من ذلك الإجزاء)). قال الشيخ أبو الطاهر: ((هذا على القول بقصر العيوب المانعة من الإجزاء، على ما ورد في الحديث من العيوب الأربعة)).
ويجزي المنزوع الخصية، والمنكسر القرن إذا كان لا يدمى، والتي لا قرن لها، وفي إجزاء ما سقطت أسنانه، لا لإثغار، خلاف. ويجزئ الفحل، وإن كثر نزواته، والأنثى وإن كثرت ولادتها.
стр. 372
ولا شركة في الدم، فلا تجزئ الشاة عن أكثر من واحد، وكذلك البقرة والبدنة، فلا يجوز أن يشترك جماعة في شاة أو بقرة أو بدنة، فيخرجون الثمن ثم يضحون بها عن جماعتهم.
إلا أن الرجل يجوز له أن يضحي عنه، وعن أهل بيته شاة واحدة، أو بقرة أو بدنة وإن كان الأفضل له أن يضحي عنهم بكبش كبش.
أما السنة: فالأحب الأسمن، والفحل أفضل من الخصي، والأقرن أفضل من الأجم.
وأما الجنسية: فالغنم أفضل من البقر، والبقر أفضل من الإبل. وقال الشيخ أبو إسحاق: الإبل أفضل من البقر، ثم الضأن أفضل من المعز، وفحول كل جنس أفضل من إناثه.
الركن الثاني: الوقت:
وهو يوم النحر، يومان بعده. وأول الوقت فراغ الإمام من الصلاة والنحر، إن أبرز ذبيحته إلى المصلى، وينبغي له أن يفعل ذلك، كما فعل رسول الله ﷺ ليقتدي به الناس، فيذبحون بعده.
وإن لم يبرزها، ففي نفي إجزاء من ذبح قبله وإثباته قولان لابن القاسم وأبي مصعب.
ومن كان بمكان لا إمام به، تحرى ذبح أقرب الأيمة إليه، ثم إن تحرى فوقع قبله أجزأه.
وقيل: لا يجزئه.
ويتحرى في اليوم الثاني والثالث الوقت الذي يذبح فيه الإمام في اليوم الأول، ولا يتقدم عليه، فلو ذبح بعد الفجر وقبل وقت ذبح الإمام بالأمس أجزأه، قاله أصبغ.
وآخر الوقت غروب الشمس ثالث يوم النحر. (ولا يجزئ بالليل). وحكى القاضي أبو الحسن رواية بالإجزاء، ولا يجزئ في اليوم الثالث من أيام التشريق.
стр. 373
الركن الثالث: الذابح:
والأولى أن يتولى الذبح المضحي بنفسه اقتداء بالرسول ﷺ ، فإن لم يمكنه ذلك وكل غيره، ولا ينبغي له أن يوكل مع القدرة، لما قلناه من الاقتداء.
فإن كل كتابياً، لم يجزئه في رواية ابن القاسم؛ إذ ليس من أهل القرية. وروى أشهب: القول بالإجزاء. وإذا صححنا فلينو بنفسه، ولو وكل مسلماً بالتضحية والنية جاز.
وأجزأت إذا نوى بها الذابح عن المالك، فلو نوى بها عن نفسه لأجزأت عن المالك أيضاً، وقال أصبغ: لا تجزئه.
النظر الثاني: في أحكام الضحايا .
وهي قسمان: قبل الذبح، وبعده.
القسم الأول: ما قبل الذبح .
فإذا قال: جعلت هذه الشاة أضحية تعينت. وحكى القاضي أبو الوليد في المذهب قولاً بأنها لا تجب إلا بالذبح، ثم على ملا القولين إن ماتت، فلا شيء عليه. ولو عينها من نذر سابق لزم إبدالها، ولو أتلفها أجنبي فليشتر بقيمته أخرى، وقيل: له أن يصنع بالقيمة ما شاء.
وكذلك لو لم تف القيمة بشاة تصدق بها، أو صرفها فيما شاء على الخلاف المتقدم.
وحيث لا يلزمه شيء بالتلف، فلا يلزم شيء بالتعيب. فإن كان التعيب مانعاً من الصحة خرجت عن الضحية.
ولو قال ابتداء: جعلت هذه أضحية، وهي متعيبة، فهل تصرف إلى مصارف الضحية، أو يعوض بها سليمة؟ فيه الخلاف المتقدم في الهدي.
وكذلك لو قال: لله علي أن أضحي بعرجاء، فهل تلزمه سليمة، أم لا يلزمه إلا العرجاء؟
الخلاف المتقدم.
والضلال كالهلاك، ولكن حيث وجب البدل ووجد ثم وجدها قبل ذبح البدل، ذبحها دونه.
стр. 374
ولو ولدت قبل الذبح، فروى ابن القاسم: يذبح معها. وقال أشهب: لا يضحى به ولا يحل.
ومن مات قبل ذبح أضحيته فإنها تورث، واستحب ابن القاسم أن تذبح عنه، ولم يره أشهب.
القسم الثاني: أحكامها بعد الذبح .
ولا خلاف في وجوبها بالذبح، فلا يجوز التصرف فيها، ولا في شيء من أبعاضها بالمعاوضات، بل يتصرف فيها بالإطعام والأكل، والانتفاع.
ولو مات بعد ذبحها، لم تورث ميراث الأموال، ولم تبع في دينه، لكن لورثته فيها من التصرف مثل ما كان له. وهل لهم قسمة اللحم؟ قولان: أجازه مالك في رواية مطرف وابن الماجشون، ورواه عيسى عن ابن القاسم. وفي كتاب محمد: المنع، وخرج القاضي أبو الوليد الخلاف في ذلك على اختلاف قول مالك وأصحابه في القسمة: هل هي تمييز حق أو بيع؟ قال: ((ويحتمل أن يريد إذا وقعت على وجه كانت بيعاً، فلم تجز في الأضحية. وإذا وقعت على وجه كانت تمييز حق، فجازت فيها)).
قال الشيخ أبو الطاهر: ((وإشارته بهذا إلى أن قسمة التراضي بيع، وقسمة الأسهام مختلف فيها على قولين: هل هي بيع، أو تمييز حق؟)).
وإذا تصدق أو وهب شيئاً من الأضحية فهل للمعطى أن يبيعه أم لا؟ روايتان في كتاب ابن حبيب وكتاب ابن المواز. ولا تجوز إجارة جلدها، وأجازها سحنون.
فإذا تعدى فباع شيئاً من الأضحية، نقض بيعه، فإن فات، فقال ابن القاسم: ((يتصدق بالثمن، ولا ينتفع به، وقال به ابن حبيب، وقال سحنون: يجعل ثمنه إن كان لحماً في طعام، وإن كان جلداً ففي طعام أو ما ينتفع به)). وقال محمد بن عبد الحكم: يصنع به ما شاء من إمساك أو غيره.
ولو غصب شيئاً من أضحيته، أو تعدى عليه، أو تلف عند صانع فضمنه، فهل له أن
стр. 375
يغرمهم قيمة ذلك؟ استحب ابن القاسم أن لا يغرم وكأنه رآه بيعاً. وقال ابن حبيب عن ابن الماجشون وأصبغ: له أخذ القيمة، ويصنع بها ما شاء، وكذلك قيمة الجلد.
(واختلف في اختلاط الرؤوس عند الشواء، هل لصاحب الرأس طلب القيمة أم لا؟).
وقال يحيى بن عمر في رجلين أمراً رجلاً أن يذبح لهما، فذبح واختلطا بعد الذبح، يجزيان من الأضحية، ويتصدقان بهما، ولا يأكلان منهما شيئاً.
واعترض هذا أبو محمد عبد الحق، وقال: ((ما أرى المنع من أكلهما، وهي شركة ضرورية في أضحية مات صاحبها)).
والأفضل الأكل والتفرقة، فلو اقتصر على أحدهما أجزأ وكره. وقال ابن المواز: لو اقتصر على الصدقة لكان أفضل. قال ابن حبيب: وليس لما يأكل ويتصدق حد يندب إليه، والاختيار عند الشيخ أبي القاسم أن يأكل الأقل، ويقسم الأكثر. قال: ((ولو قيل: يأكل الثلث ويقسم الثلثين، لكان حسناً.
ولنختم الكتاب بباب العقيقة، وهي كالضحية في أحكامها وأصنافها وصفاتها، وكذلك هي في أجناسها على المشهور. وقال الشيح أبو إسحاق: ((لا يعق بشيء من الإبل ولا البقر، وإنما العقيقة بالضأن والمعز)). وروي مثله في العتبية.
وأما وقتها فاليوم السابع من ولادة المولود إذا ولد قبل الفجر، ويسقط يوم الولادة إذا ولد بعد الفجر. وروي أنه يحتسب به، ولا يسقط.
ولا يذبح في السابع الثاني أو الثالث، إذا فات الأول. وروى ابن وهب أن الأسابيع الثلاثة في العقيقة كالأيام الثلاثة في الضحايا. وفي مختصر الوقار: يعق عنه في الأسبوع الأول، فإن فات ففي الثاني، فإن أخطأه ذلك فلا عقيقة.
стр. 376
وتذبح ضحى، وقت ذبح الضحايا رواه محمد. (وقال ابن حبيب: لا تذبح العقيقة ليلاً ولا بالسحر، ولا بالعشي، إلا من الضحى إلى الزوال. وفي المبسوط: ومن ذبحها قبل الأوان الذي تذبح الأضحية فيه، لم أرها مجزئة).
ولا يكره كسر عظامها، ويعق عن الذكر والأنثى بشاة شاة.
والإطعام فيها كما هو في الأضحية، وهو أفضل من الدعوة. قال ابن القاسم: ولا يعجبني أن يجعله صنيعاً يدعو إليه. وقال ابن حبيب: وحسن أن يوسع بغير شاة العقيقة لإكثار الطعام، ويدعو الناس إليه.
(وفي المبسوط: قال مالك: عققت عن ولدي، فذبحت من الليل ما أريد أن أدعو إليه إخواني وغيرهم، وهيأت طعامهم، ثم ذحبت ضحى شاة العقيقة، فأهديت منها للجيران، وأكل منها أهل البيت، وكسروا ما بقي من عظامها، فطبخنا فدعونا إليها الجيران، فأكلوا وأكلنا. قال مالك: فمن وجد سعة، فأحب [إلى] أن يفعل هذا، ومن لم يجد فليذبح عقيقته، ثم ليأكل وليطعم منها).
وتلطيخ رأس المولود بدم الشاة مكروه، لكن يستحب أن يسمى في السابع، قال ابن حبيب: ويحلق شعره. (قال الشيخ أبو إسحاق: وهو معنى قوله ﷺ : ((وأميطوا عنه الأذى)).
وهل يتصدق بوزن شعره ذهباً؟ كرهه مالك مرة وأجازه أخرى.
[وتم كتاب الضحايا والعقيقة والحمد لله].
стр. 377
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
[صلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم تسليماً]
كتاب الصيد
وهو مباح، إلا أن يكون القصد به اللهو فيكره، وأجازه محمد بن عبد الحكم، ثم النظر في طرفين:
الطرف الأول: في أركانه ، وهي أربعة:
الركن الأول: الصائد.
وأجمعت الأمة على أن كل ذكر بالغ محكوم له الإسلام تصح منه النية، فإن ما اصطاده حلال. ومعنى ذلك أنه إذا مات الصيد بسبب جراح الجوارح أو السلاح التي اصطاده بهما حل أكله.
فأما المرأة وغير البالغ إذا كان مميزاً، فالمشهور أنهما كالبالغ الذكر فيما صاده. وقال أبو مصعب: ((لا أحب ذلك)).
وأما غير المسلم: فإن كان ليس بكتابي، فلا يحل صيده، أي لا يؤكل إذا مات بآلته، بل ما صاده فلم تدرك ذكاته فإنه ميتة.
وأما الكتابي، ففي أكل ما صاده ثلاثة أقوال: المنع، وهو ظاهر الكتاب. والجواز، وهو قول أشهب وابن وهب. والكراهة، وهي قول مالك في كتاب محمد. قال الشيخ أبو الطاهر: ((ويحتمل أن يبني ما في الكتاب على ذلك)).
стр. 378
الركن الثاني: الآلة، وهي صنفان: سلاح وحيوان.
ويشترط في السلاح أن يكون له حد يجرح ولا يرض، فلو كان لحجر حد أصاب به، فإن أيقن أنه إنما قتل بالحد لا بالرض أكل، وإن لم يوقن بذلك، فقد روى ابن حبيب عن ابن القاسم فيمن رمى صيداً بحجر، مثله يذبح، فقطع رأسه وهو ينوي اصطياده: لا يعجبني أكله؛ إذ لعل الحجر قطع رأسه بعرضه. قال القاضي أبو الوليد: ((وهذا يحتمل أن يكون فيما شك فيه من أمره، فليس له أكله، لأنه لا يتيقن ذكاته)). قال: ((ولو علم أنه أصابه بحده لجاز له أكله)).
ويشترط في الحيوان أن يكون معلماً، واختلف في صورة التعليم، فقيل: أن يكون إذا زجر انزجر، وإذا أغري أطاع. وقيل: يضاف إلى هذين أن يكون إذا دعي أطاع. وحكى ابن حبيب: أن ذلك في الكلاب، وأما الطير فلا يشترط فيها أن تنزجر إذا زجرت.
قال الشيخ أبو الطاهر: ((الذي ينبغي أن يقال في هذا: إن كل ما يمكن من التعليم في سباع الوحش وسباع الطير، فإنه مشترط فيهما)). قال: ((والمقصود من ذلك أن ينتقل الحيوان عن خلقه الأصلي حتى يصير مصرفاً بحكم الصائد، فحينئذ يكون آلة له لا صائداً لنفسه)). ولا يشترط في صفة التعليم أن يمسك الجارح ولا يأكل منه.
قال الشيخ أبو الطاهر: ((وحكى أبو تمام قوله عن المذهب باشتراطه في سباع الوحش، وإذا كان معلماً فجرحه أو نيبه أكل)).
وإن فات بنفسه فإن مات دهشاً أو بهراً أو ما أشبه ذلك لم يؤكل، وإن مات من صدم الجارح أو ضرب بسيف فلم يجرحه ومات من ذلك، فقال ابن القاسم: لا يؤكل، وقال أشهب: يؤكل.
الركن الثالث: المصيد، أعني: ما يصح اصطياده، وهو كل حيوان مأكول اللحم
стр. 379
معجوز عنه في أصل خلقته، احترازاً عن الناد من الأنعام، لأنها في أصل خلقتها متأنسة، فإذا ندت لم تؤكل بما يؤكل به الوحش. وأجاز ابن حبيب ذلك في البقر خاصة، قال: لأن لها أصلاً في التوحش، وألزمه أبو الحسن اللخمي مثل ذلك في الإبل والغنم على قوله: إنها إذا وقعت في مهواة، ولم يوصل إلى نحرها ولا ذبحها، أنها تطعن في جنب أو كتف.
ولو صار المتوحش مقدوراً عليه، لم يؤكل، إلا بما يؤكل به المتأنس. وكذلك لم رمي فأثخن ولم تنفذ مقاتله. وكذلك لو وقع في موضع لا يطيق النجاة منه، أو انحصر في موضع على هذه الصفة، حتى يمكن تناوله من غير مشقة كبيرة.
(وينخرط في هذا السلك أن يرسل على الصيد كلباً، ثم كلباً، ثم يمسكه الأول، ثم يقتله الثاني إذا كان إرساله بعد أن أمسكه الأول، فإن كان إرساله قبل أن يمسكه الأول، فالمنصوص أنه يؤكل.
واستقرأ أبو الحسن اللخمي مما تقدم في الواقع في موضع لا نجاة له منه: أنه لا يؤكل).
فرع: لو رمى صيداً أو أرسل عليه، فمر به إنسان، وهو قادر على ذكاته، فلم يذكه، فأتى صاحبه فوجده فات بنفسه، فالمنصوص ها هنا أنه لا يؤكل، وأن المار به يضمنه لصاحبه.
وأجرى المتأخرون في الضمان ها هنا قولين مأخذهما: أن الترك فعل فيضمن، أو ليس كالفعل فلا ضمان عليه، وخرجوا على هذا عدة فروع، منها: أن يرى إنساناً تستهلك نفسه أو ماله وهو يقدر على خلاصة فلا يفعل.
ومنها أن تكون عنده شهادة لإنسان، فلا يؤديها حتى يؤدي تأخيرها إلى هلاكه أو هلاك ماله، ومنها أن تكون عنده وثيقة بحق ولا يؤدها حتى يتلف الحق أيضاً.
ومنها أن تجب عليه مواساة أحد من المسلمين، فلا يفعل حتى يهلك.
ومنها أن يجرح إنسان جرحاً جائفة أو غيرها، فيمسك آخر عنه ما يخيط به حتى يؤدي إلى هلاكه، ومنها أن يكون لإنسان بجانب آخر زرع، فلا يسقيه بفضل مائة حتى يهلك. ومنها أن يكون له حائط مائل، ولآخر ما يقيمه به من خشب أو حجر، فلا يفعل حتى يقع الحائط، إلى أمثال ذلك مما ينخرط في هذا السلك.
стр. 380
فأما لو قطع إنسان لآخر وثيقة حتى ضاع الحق الذي فيها، فقال الشيخ أبو الطاهر: ((هذا لا يختلف المذهب في ضمانه))، قال: ((وأصل هذه المسائل وشبهها: هو أن المباشر للتلف يضمن ما باشره.
فإن فعل فعلاً أدى إلى التلف، إن قرب السبب من المسبب، ولم ينصرف الفعل إلا إلى المتلف، فلا يختلف في الضمان.
وإن بعد السبب بعداً كثيراً، فلا ضمان. وإن قرب لكن المقصود من الفعل معنى آخر، أو لم يكن في غاية التقرب، ولا في غاية البعد، ففيه قولان)). قال: ((وكذلك من منع شيئاً بفعل فعله، وكذلك من ترك ما يجب عليه من الفعل، ففي كل ذلك قولان. والخلاف في ذلك كله راجع إلى هذا الأصل)).
الركن الرابع: في صفة الصيد، وفيه يتسع الكلام، وتحصره ثلاثة فصول:
الفصل الأول: ما يفعله الصائد
وليقصد إلى اصطياده والذكاة بفعله أو بإرساله، ولا يتأتى ذلك إلا إذا كان الصائد ممن تصح منه النية كما تقدم، وكان الصيد مباح الأكل.
وإذا كان الحيوان مما يصح فيه القصد إلى الذكاة، فرماه بنية ذلك، وعينه وقصد شيئاً فوجده كما قصد استباحه.
فإن وجد غير ما قصد، لكنه مأكول اللحم على الجملة، كما إذا رمى ما ظنه أيلا فوجده بقرة وحش، ففي استباحته بذلك قولان لأشهب وأصبغ، سببهما أن الخطأ في الصفات هل يسري إلى الخطأ في الموصوف أم لا؟
وإن كان غير مأكول اللحم، فلا خفاء أنه لا يؤثر فيه القصد. ولو أرسل ولم يقصد شيئاً معيناً، وإنما قصد ما يأخذ الجارح، أو ما تقتل الآلة مما في جهة محصورة، كمن أرسل على جماعة يراها ولم ينو واحداً منها، أو رأى بعضها أو لا يرى شيئاً منها، لكنها محصورة بموضع لا تختلط بغيرها في الأغلب، كالغار فيه الصيد يرسل جارحة فيه، وينوي أن يأخذ واحداً مما فيه، فالمشهور من المذهب صحة الإرسال على هذه الصفة. وقال أشهب: لا يصح إلا على ما يراه معيناً.
وسبب الخلاف: هل يكون تعيين الجملة كافياً عن الأبعاض، أم لا؟
ولو كان الموضع مما لا ينحصر ولا يمنع من دخول غيره فيه، كالمتسع من الأرض
стр. 381
والغياض، فأجاز أصبغ الإرسال على ما فيها. ومنع منه ابن القاسم وأشهب، فتنحل من هذا أن أشهب لا يبيح إلا المعين، وابن القاسم يبيح العين والمحصور. وأصبغ يبيح المعين بالجهة، وإن أمكن أن يختلط به غيره، أعني أن يكون غير محصور.
ولا خلاف في المذهب أنه لا يباح الإرسال على كل صيد يقوم بين يديه.
ولو رأى الجارح يضطرب، ولم ير الصائد شيئاً فأرسل عليه فأجازه مالك مرة، وكرهه أخرى. وقال: لعله غير الذي اضطرب عليه، قال الشيخ أبو الطاهر: ((وقد أبان مالك أن هذه الصورة جارية على أصل ثان: هل يحكم بالغالب فيجوز أكله؛ إذ الغالب أنه إنما أخذ ما اضطرب عليه أو لا يباح إلا مع اليقين؟)). قال: ((ويحتمل أن تبقى الكراهة على حقيقتها، أو تكون بمعنى التحريم)).
ومن أفعال الصائد التسمية عند الإرسال، كما يسمى الذابح عند الذبح، فإن ترك التسمية، فحكمه حكم الذابح وسيأتي. ومن أفعاله أيضاً اتباع الصيد بعد الإرسال، فإن رجع أو تراخى، فإن أدركه وذكاه قبل أن تنفذ مقاتله، أكل بالتذكية لا بالصيد. وإن لم يدرك حتى أنفذت مقاتله لم يؤكل، إلا أن يتحقق أنه لو اتبعه لم يدركه إلا منفوذ المقاتل، وهذا ظاهر في السهم.
فأما الجوارح، فإن كل له طريق إلى العلم بذلك أكل، وإلا فلا. ولو توارى عنه الصيد، ثم وجده منفوذ المقاتل، فإن تحقق أنه المقصود أكله. وإن شك فيه لم يأكله، وإن غلب على ظنه أنه هو، فهل يأكله؟ ظاهر المذهب على الخلاف، كما تقدم في مسألة اضطراب الجارح.
(ولو بات عنه الصيد، ثم وجده في الغد (منفوذ) المقاتل، فمذهب الكتاب: إنه لا يؤكل، وسوى بين البازي والكلب والسهم. وقال ابن الماجشون: عند ابن حبيب يؤكل على كل أحواله، أصابه سهم أو جارح، قال: وإن لم تنفذ مقاتله لم يؤكل، مخافة أن يكون إنما قتله بعض هوام الأرض ودوابها أو أعان على قتله. وأجاز ابن المواز أكل ما أنفذ السهم مقاتله، دون ما قتله الباز والكلب. وحكى أبو الحسن اللخمي قولاً بالكراهة)). قال
стр. 382
الشيخ أبو الطاهر: ((ويمكن أن يكون القائل بالكراهة عبر بها عن التحريم)).
وإذا تبعه كما أمر، فوجده (منفوذ) المقاتل، لم يفتقر إلى تذكية، ولو وجده غير (منفوذ) المقاتل، فلم يكن معه ما يذكبه به حتى قتلته الجوارح أو فات بنفسه، لم يؤكل.
ولو اشتغل بإخراج الآلة، ففات بنفسه، لم يؤكل. إن كانت في (موضع) يفتقر إلى طول، وإن كانت في يده أو في كمه أو ما في معنى ذلك أكل، لأنه مغلوب عليه.
الفصل الثاني: في الآلة
وقد تقدم اشتراط كون (الجارح) معلماً، وصفة التعليم.
فإن كان غير معلم، لم يؤكل من صيده، إلا ما أدركت ذكاته مجتمع الحياة.
فلو اشترك مع المعلم غيره، فإن تيقن أن المعلم هو المنفرد بالقتل، أكل الصيد.
وإن تيقن غيره، أو شك فيه، لم يؤكل. وإن غلب على الظن أنه القاتل، جرى على الخلاف المتقدم.
الفصل الثالث: في أفعال الجارح
وليكن إنبعاثه بإرسال الصائد لا من نفسه، وليكن في يده، فإن انبعث بإرساله، وهو ليس في يده فهل يؤكل صيده، أم لا؟ ثلاثة أقوال، يخصص في الثالث جواز الأكل بما إذا كان قريباً دون ما إذا كان بعيداً. والتفرقة لابن حبيب، والقولان الأولان في الكتاب.
فإن انبعث بغير إرساله، ثم زجره وأشلاه، فإن لم يلتفت إلى فعله، لم يؤكل إلا أن تدرك ذكاته. وإن رجع إليه ووقف ثم بعثه، فإن رجع إلى يده أكل الصيد، وإن لم يرجع إلى يده جرى على ما تقدم.
ولو كان إنما أغراه وحرضه فاشتد في الطلب بذلك، فمذهب الكتاب ((أنه لا يؤكل)).
стр. 383
وقال أصبغ: يؤكل مطلقاً. وحكى ذلك القاضي أبو الحسن رواية. وقال ابن الماجشون: إذا زاده ذلك قوة واشتداداً أكل.
ولو بعثه فمر في الطلب، ثم عطف عنه، فإن كان راجعاً بالكلية، لم يؤكل.
وإن كان طالباً لكنه تحير في مواضع الطلب، أكل. ولو مر بمثله فوقف عليه، أو بشيء يأكله فاشتغل به، فهو بمنزلة ترك الطلب.
الطرف الثاني: في رسم فروع تكمل الغرض من الكتاب ، وهي ستة:
الأول: لا يؤكل ما أبانت الآلة أو الجارح من الصيد إذا كان ذلك في غير مقتل، ولو بقي لم يمت منه.
ولو كان المبان نصفه أو الكثير منه فإنه يؤكل الجميع، إذا قصد بذلك اصطياده.
ولو قطع يسيراً، لكنه لو بقي لم يعش، فإن كان موته من القطع، ففي أكل المقطوع قولان. المشهور: أنه لا يؤكل.
ولو كان إنما يموت، بمعنى غير القطع، كما إذا قطع خطمه، فيموت جوعاً لتعذر الأكل عليه، فلا يؤكل ما قطع منه، إذ لم تحصل ذكاته بالقطع.
الفرع الثاني: لو رمى صيداً على شاهق فتردى فوجده ميتاً، فإن كان سهمه قد أنفذ مقاتله قبل ترديه، فقد تمت ذكاته، ولا يضره التردي. وإن لم يمفذ لم يجز أكله، لأنه لا يدري من أي ذلك مات، ومثله لو رماه فسقط في ماء.
فلو رماه بسهم مسموم، فروى في الموازية والعتبية أنه لا يؤكل، لعل السم أعان على قتله، قال: وأخاف على من أكله.
الفرع الثالث: لا يستحق الصيد بالرؤية دون الأخذ، فلو رأى واحد من جماعة صيداً فأخبر به من معه، فبادر غيره فأخذه كان لمن أخذه.
ولو كان الصيد غير قادر على النهوض، ولو تمانعوا أخذه، ولم يترك بعضهم بعضاً، ولو تركوا لقدر كل واحد منهم على أخذه فالصيد لجميعهم.
ولو نصب ناصب في موضع، فطرد غيره الصيد حتى وقع فيما نصب، فإن كان الطارد قادراً على أخذه، ولم ينتفع بالحبالات ولا قصد الانتفاع، فالصيد له، ولا شيء عليه لرب الحبالات.
стр. 384
وإن كان منقطعاً عن الصيد وعلى (إياس) منه، ولم يقصد إيقاعه في الحبالات، فوقع فيها بنفسه، فهو لربها، ولا شيء عليه للطارد.
وإن قصد الصائد إيقاعه فيها، ولولا هي لأخذه، فهو للطارد، وعليه لربها بقدر ما انتفع.
وإن لم يحصل الصيد إلا بمجموع الطرد والوقوع، وقصد ذلك الطارد، فالصيد بينهما على قدر ما فعله الطارد ومنفعة المنصوب.
الفرع الرابع: إذا ملك الصيد بالاصطياد فند منه، فصاده غيره بعد أن تأنس عند الأول، وقبل أن يتوحش، فهو للأول قولاً واحداً، فإن صاده قبل أن يتأنس، أو بعد أن توحش. فقال محمد بن عبد الحكم: يكون للأول على كل حال، كسائر أمواله. وقال في الكتاب: ((يكون للثاني على كل حال، لأنه عاد إلى ما كان عليه قبل اصطياد الأول له)).
وروي أنه يكون للأول إن ند بعد أن تأنس، وإن أخذ بعد أن توحش، فإن ند قبل التأنس كان للثاني، وبه قال ابن الماجشون.
وقيل: إن طال مقامه عن الأول فهو للثاني، وإن لم يطل فهو للأول.
وإذا فرعنا على هذا القول فادعى الصائد آخراً طول المدة، وأنكره الأول، فقولان لابن القاسم وسحنون لتقابل الأصلين؛ إذ أصل الملك للأول، واليد للثاني.
وكذلك لو قال الأول: لم يطل، وقال الثاني: لا أدري، فعول ابن القاسم على اليد، وعول سحنون على أصل الملك.
الفرع الخامس: وهو مرتب.
لو كان ملك الأول له بشراء، فقال ابن المواز: هو كالأول، وقال أبو القاسم بن الكاتب: بل يكون هذا للأول على كل حال قياساً على من أحيا ما دثر مما أحياه غيره بعد أن اشتراه، بخلاف الصورة الأولى، فإنها بمثابة من أحيا ما دثر مما أحياه غيره من غير شراء.
الفرع السادس: في اتخاذ ما يسكنه الصيد.
ولا يمنع أحد أن ينصب أبرجة أو أجباحاً في مواضع بها أبرجة وأجباح لغيره، إلا أن تعلم مضرته بالسابق بأن يحدثها بقرب السابق، ويقصد صيد المملوك فيمنع.
فإن نصبها فحصل فيها حمام أو نحل لغيره، فإن قدر على ردها ردها، وإن لم يقدر على
стр. 385
ذلك، فقيل: يكون ما يتولد عنها للسابق، وقال ابن القاسم: ((لمن صارت إليه ولا شيء عليه فيه)). وأشار أبو الجسن اللخمي إلى إجرائها على مسألة ندود الصيد.
وأخذ من القول بالرد إذا عرفت وقدر على ردها قولاً موافقاً لقول محمد بن عبد الحكم المتقدم.
وإذا قلنا: بأن ما يتولد عنها للأول، فينبغي أن يكون عليه بقدر ما ينتفع من أمكنة الثاني.
قال أبو الحسن اللخمي: ((وإن آوى حمام برج إلى دار رجل، ولم يكن حبسه، وعلم أنه برجي ولم يعلم صاحبه، جاز له ملكه، وإن عرف برجه رده على أصل قول مالك. وإن تعرضه بحبس أو اصطياد، فقال ابن القاسم وأشهب: يرده إن عرف برجه، وإلا تصدق بثمنه)). قال: ((ومحمل قوليهما على أنه طالت إقامته، ولو كان بحدثان ما أخذه ولم يقصه أرسله، وشأنه أنه يعود إلى وكره)).
وأما حمام البيوت المملوكة، فهي كالحيوان الداجن من دخل إليه منها شيء فهو كاللقطة.
стр. 386
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
[صلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وسلم تسليماً]
كتاب الذبائح
(وقد تقدم في كتاب الصيد أن الحيوان لا يستباح إلا بذكاة، وأن الذكاة نوعان: ذبح، ونحر في المقدور عليه، وعقر في المعجوز عنه). وقد تقدم الكلام في ذكاة المعجوز عنه، وهذا الكتاب مقصوده النظر في ذكاة المقدور عليه.
والنظر فيه: في المذكي والمذكى، والمذكى به، وصفة الذكاة.
النظر الأول: في المذكي .
ولا شك أن المسلم البالغ الذكر تصح ذكاته إذا صحت منه النية؛ إذ لا تصح الذكاة إلا بنية.
(ويخرج عن هذا المجنون والسكران الذي لا يميز). والمشهور صحة ذكاة من لا يصلي. وعلى رأي ابن حبيب لا تصح ذكاته. وأما الكافر فإن كان غير كتابي، فلا تصح ذكاته.
وإن كان كتابياً يقر على دينه ليس بمرتد، فإن ذبح لنفسه ما يستحله صحت ذكاته، وإن كان مما لا يستحله، فلا تصح ذكاته، إذا كان مما علمنا تحريمه عليهم بكتابنا، كذي الظفر.
وقال ابن وهب وابن عبد الحكم: تصح ذكاتهم له لنسخ شرعهم بشرعنا.
стр. 387
فأما ما علمنا تحريمه عليهم من الشحوم، ففي كتاب محمد: تحريمه، وحكاه القاضي أبو الحسن عن ابن القاسم وأشهب. وفي المبسوط جوامه. وقاله ابن نافع. والمشهور من قول ابن القاسم: كراهيته.
وإن كان مما انفردوا بالإخبار عن تحريمه عليهم، كالتي يسمونها الطريفة، ففي إباحتها وكراهيتها قولان في الكتاب. قال ابن القاسم: وأرى أن لا تؤكل.
وكذلك في استباحة ما ذبحوه لمسلم ومنعه، قولان أيضاً، حكاهما الشيخ أبو الطاهر.
((وعلل منع الاستباحة بأنا إنما نستبيح طعامهم، وهذا ليس منه)).
وقال أيضاً: ((أجاز أهل المذهب ذبيحة السامرية، وهم صنف من اليهود، وإن أنكروا بعس الأجساد)).
قال: ((ومنعوا ذبائح الصابئين، قالوا: لأنهم بين النصرانية والمجوسية، ثم ذكر أن الذي يتحصل من مذهبهم (أنهم غير موحدين) يعتقدون تأثير النجوم وأنها فعالة)).
ولو ذبح الكتابي لعيده أو لكنيسته، فقال ابن القاسم: ((كان مالك يكرهه كراهية شديدة من غير أن يحرمه))، قال الشيخ أبو الطاهر: ((وعند ابن حبيب ما يقتضي الجواز)).
فإن غاب الكتابي على ذبيحته، فإن علمنا أنهم يستحلون الميتة كبعض النصارى، أو شككنا في ذلك، لم نأكل ما غابوا عليه، وإن علمنا أنهم يذكون أكلنا.
قال الشيخ أبو إسحاق: ((وأكره قديد الروم وجبنهم، وأكره جبن المجوس لما يجعلون فيه من أنافح الميتة)).
стр. 388
فرع: (ولا ينبغي للإنسان أن يقصد الشراء من ذبائح اليهود). (قال ابن حبيب عن مطرف وابن الماجشون: ينهي المسلمون عن الشراء من جزاري اليهود، وينهي اليهود عن البيع منهم.
فمن اشترى منهم من المسلمين فهو رجل سوء، ولا يفسخ شراؤه، وقد ظلم نفسه، إلا أن يشتري اليهود مثل الطريف وشبهه، مما لا يأكلونه، فيفسخ على كل حال). قال: وهذا من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فلهذا فسخ الطريف، وإن كان غير محرم على الظاهر من المذهب.
وقد نهى مالك أن يكونوا جزارين.
فأما الصبي والمرأة، ففي الكتاب: ((يؤكل ما ذبحت المرأة من غير ضرورة، وإن لم يحضرها إلا نصراني، فلتل هي الذبح دونه)). ويؤكل ما ذبح الصبي إن أصاب وجه الذبح). وفي كتاب محمد: أكره ذبيحة الصبي والمرأة من غير ضرورة، وتؤكل إن فعلا.
وقال أبو مصعب: ((لا أحب أكل ذبيحة الغلام، إلا أن يحتلم، ولا ذبيحة المرأة، وإن ذبحا في حال ضرورة، فلا أحب ذلك أيضاً)).
النظر الثاني: في المذكى:
ويجوز للإنسان تذكية سائر الحيوان، وكله يقبل الذكاة، إلا الخنزير، فإنه إذا ذكي صار ميتة.
стр. 389
فأما سائر الحيوان، فيطهر بالذكاة جميع أجزائه من لحمه وعظمه وجلده، سواء قلنا: يؤكل أو لا يؤكل، كالسباع والكلاب والحمر والبغال إذا ذكيت طهرت على كلتا الروايتين: في إباحة أكلها ومنعها، وقال ابن حبيب: لا تطهر بالذبح، بل تصير ميتة.
النظر الثالث: في الآية المذكى بها .
وهي كل محدد يمكن به إنفاذ المقاتل، وأنهار الدم بالطعن في لبة ما ينحر، أو فري الأوداج فيما يذبح، فإنه تحصل الذكاة به.
قال في الكتاب: ((بمروة أو عود أو عظم جاز إن احتاج إلى ذلك))، قال: ((ويكره ذلك من غير حاجة وتؤكل)).
قال ابن حبيب: ويذكى بالليطة، وهي قشرة القصب، وبالضرر، وهو حجر له حد كحد السكين.
وروي في المبسوط: كل شيء يصنع من فخار أو عظم أو قرن أو شيء يمر مراً، فإنه جائز. قال ابن حبيب: لا بأس بفلقة العظم ذكياً كان أو غير ذكي. فأما السن والظفر ففيهما ثلاثة مذاهب.
أحدها: (أنه لا يجوز الذكاة بالسن ولا بالظفر، متصلاً كان أو منفصلاً. قال القاضي أبو الحسن: ((وهو الظاهر من قول مالك من رواية ابن المواز عنه)).
والمذهب الثاني: جواز الذكاة بهما، متصلين كانا أو منفصلين، وهو الظاهر من رواية ابن وهب في المبسوط. قال القاضي أبو الحسن: ((وهو) الذي نختاره أن السن إذا كان عريضاً محدداً والظفر كذلك يمكن قطع الحلقوم به مرة واحدة، فإنه يصح)).
وكذلك سائر العظام متصلة أو منفصلة، سواء كانت مما يؤكل لحمه أو لا يؤكل)).
стр. 390
والمذهب الثالث: (أنه تجوز الذكاة بهما منفصلين، ولا تجوز متصلين، قاله ابن حبيب واختار القاضي أبو الوليد الرواية الأولى.
وشرط القاضي أبو الحسن في صفة ما يذكي به أن يفري الأوداج والحلقوم في دفعة واحدة. قال: ((وما كان من ذلك لا يفريها (إلا) دفعات، فلا تجوز الذكاة به، وإن كان حديداً)).
وقال ابن حبيب، في المنجل المضرس: لا خير في الذكاة به، لأنه (يردد) ولا إخاله يقطع، كما تقطع الشفرة، إذا (رددت) به اليد للإجهاز.
النظر الرابع: في صفة الذكاة .
وهي نوعان كما تقدم: ذبح، ونحر.
فأما ما يختص بالذبح: فكل ما يجوز أكل، ما عدا الإبل والبقر، ويدخل في هذا الطير على اختلاف أنواعه، ومنه النعامة، فإنها تذبح عندنا.
وأما ما يختص بالنحر، فالإبل. (وقال الشيخ أبو بكر: إذا نحر الفيل، فلا بأس بالانتفاع بعظمه وجلده. قال القاضي أبو الوليد: ((فخصه بالنحر مع قصر عنقه)). قال: ((ووجه ذلك عندي أنه لا عنق له ولا يمكن، لغلظ موضع حلقه في اتصاله بجسمه، أن يذبح، وكان له منحر، فكانت ذكاته فيه)). ويجوز في البقر الوجهان، والذبح أفضل.
فرع: فإن ذبحت الإبل أو نحر غيرها مما ذكاته الذبح، للضرورة، لأنه وقع في مهواة، أو ما في معنى ذلك، جاز ذلك وحل أكلها، فإن لم تكن ضرورة لم تؤكل.
وقال أشهب في مدونته: إذا ذبح ما ينحر، أو نحر ما يذبح أكل إذا فعل، وبئس ما
следующие страницы →