← Фикх малики

Фикх малики · id 14594

عقد الجواهر الثمينة في مذهب عالم المدينة

ابن شاس

Полный текст (1 311 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

المدينة، إلا أن يخاف منهم أذى أو تدبير. وقيل: يجوز قتلهم. وإذا فرعنا على المشهور، فهل يترك النساء إذا تبرهن؟ حكى الشيخ أبو الطاهر في ذلك قولين: " أحدهما: أسرهن إذ الرهبانية تختص بالرجال. والثاني: تركهن لانقطاعهن عن أهل الكفر ". ثم حيث قلنا: لا يقتل الرهبان، فتترك لهم أموالهم، إلا أن تكون كثيرة، فيؤخذ ما يزيد على قدر كفايتهم. ولا يقتل المعتوه، ولا يقتل الأعمى ولا الزمن، إلا أن يكون ذوي رأى وتدبير، تخشى أذيتهما، وقيل: لا يقتلان بوجه. ولا يقتل المسلم أباه المشرك إلا أن يضطره إلى ذلك، بأن يخافه على نفسه. فرع: من قتل من لا يباح له قتله من صبي أو امرأة أو شيخ بعد أن صار مغنما، فعليه قيمته، تجعل في المغنم. وإن قتله في دار الحرب قبل أن يصير مغنما، فليستغفر الله سبحانه، ولا شيء عليه. الخامسة: يجوز نصب المجانيق على قلاعهم، وإن كان فيهم نسوة وصبيان، (وكذا) إرسال الماء عليهم، وقطعه عنهم، وفي إضرام النار عليهم خلاف، ما لم يكمن فيهم أسارى مسلمون، فلا يجوز إذن إحراقهم، ولو تترسوا بالنساء والذرية تركناهم، إلا أن (نخاف)، تركهم على المسلمين فنقاتلهم، وإن اتقوا بهم. ولو تترس كافر بمسلم لم يقصد الترس، وإن خفنا على أنفسنا، فإن دم المسلم لا يباح بالخوف. فإن تترسوا في الصف، ولو تركناهم لانهزم المسلمون وعظم الشر، وخيف استئصال قاعدة الإسلام [أو] جمهور المسلمين وأهل القوة منهم، وجب الدفع، وسقطت مراعاة الترس. السادسة: لا يجوز الانصراف من صف القتال إن كان فيه انكسار المسلمين. وإن لم يكن، فيجوز أن قصد به ما قال الله سبحانه في المتحيز إلى فئة، أو المتحرف لقتال. ولا يجوز الانهزام، إلا إذا زاد الكفار على ضعف المسلمين. وهل المعتبر في النظر إلى صورة العدد، لأنه مقتضى الظاهر، أو إلى القوة والجلد.

стр. 317

لأنه المقصود والمعول عليه في المدافعة؟ قولان. وعلى الأول جمهور الأصحاب، وبه قال ابن القاسم، والثاني رواه ابن الماجشون. فرع: هذا [إن] علمت القوة والجلد، فإن جهل ذلك اعتبر العدد بلا خلاف. ولا يجوز الاستبداد بالمبارزة دون إذن الإمام إذا كن عدلا. (ولا يجوز حمل رؤوس الكفار من بلد إلى بلد، ولا حملها إلى الولاة. وقد كرهه أبو بكر الصديق ﵁، وقال: هذا فعل العجم). التصرف الثاني: الاسترقاق. ويجوز استرقاق الكافر إذا كان نظرا، ولا يمنع من ذلك كون المرأة حاملا من مسلم، لكن لا يرق الولد، إلا أن تكون حملت به حال كفره، ثم سيبت بعد إسلامه، فالحمل فيء. وإذا سبي الزوجان معا، أو سبي الزوج أولا انقطع النكاح بينهما عند أشهب. وقال ابن المواز: النكاح على حاله، ولو سبيت أولا القطع النكاح. وقال ابن المواز: إن استبرئت بحيضه، فوطئها السيد قبل أن تصلح لزوجها حرمة، فقد انهدم النكاح، وإن حصلت له حرمة قبل ذلك، فهو أولى بها. فرعان الأول: (إذا سبيت المرأة وولدها الصغير، لم يفرق بينهما في البيع والقسمة، والصغير ها هنا من لم يثغر. وروي من لم يحتلم). ولو بيع مع الجدة، وقطع عن الأم، لم يجز. وليست الجدة في معنى الأم ولا الأب، فتجوز التفرقة بينه وبينها. الفرع الثاني: حكم الأساري. وينحصر نظر الإمام فيهم بين خصال خمس، وهي: القتال، والاسترقاق، والمن، والفداء، وعقد الذمة، فيفعل من ذلك ما أدى اجتهاده إلى أن المصلحة للمسلمين فيه. التصرف الثالث: إهلاك أموالهم غيظا لهم. وذلك جائز؛ لم يتمكن من تملكها بتحريق الأراضي والزروع والعلوفات، وقطع النخيل والشجر، وعقر الدواب، وإخراب البلاد، ولا تمس النخل إلا أن تكون من الكثرة والاجتماع بحيث يؤثر إتلافها، ويجب إهلاك كتبهم التي لا يحل الانتفاع بها.

стр. 318

التصرف الرابع: الاغتنام. والغنيمة: كل ما أخذته الفئة المجاهدة على سبيل الغلبة، دون ما يختلس ويسرق، فإنه خاص بملك المختلس والسارق، وفيه الخمس إذا كان آخذه مسلما. وفي اشتراط كونه حرا خلاف، اشترطه سحنون وابن المواز، ولم يشترطه ابن القاسم. ودون ما ينجلي عنه أهله بغير قتال، فإنه فيء. وللغنيمة أحكام: الأول: أنه يجوز التبسط في أطعمتها قبل القسمة ما داموا (في دار) الحرب، لأجل الحاجة. ويجري ذلك في القوت والحم والتبن والشعير. ويجوز ذبح الأنعام لأكل، وقيل: لا يجوز. ثم إذا ذبحها فله الانتفاع بجلودها إن احتاج عليها، فإن لم تكن له بها حاجة، أو استغنى عنها، ردها للمغانم. ويباح الأكل لمن معه طعام، ومن ليس معه، ولكن قدر الحاجة. ولو فضل منه شيئا بعد الدخول إلى دار الإسلام، وتفرق الجيش لتصدق به إن كان كثيرا، فإن كان يسيرا فله الانتفاع به. الحكم الثاني للغنيمة: أنه لا يستقر ملك الغانمين عليها بنفس الغنيمة، وإنما ملكوا بذلك أن يملكوا، وقيل: بل ملكوا بالقهر والاستيلاء وتقضي الحرب. وقد خرج بعض علمائنا على القولين ما نذكره الآن من الفروع، وهي: لو وقع في المغنم من يعتق على بعض الغانمين، فإنه يعتق عليه، ويغرم نصيب أصحابه. وكذلك لو أعتق عبدا من المغنم، لكمل عليه، قاله سحنون فيهما. وقال ابن القاسم وأشهب: إذا أعتق أمة من المغنم، فلا عتق له. ولو وطئ جارية من المغنم حد، ولم تكن له أم ولد. وقال عبد الملك: لا حد عليه. وكذلك يقطع إن سرق منه، وقال عبد الملك: لا قطع عليه. وقال سحنون: إن سرق ما يزيد على حصته ثلاثة دراهم قطع، وإلا فلا. وأما الوطء فلا حد فيه، والاستيلاد ثابت. ثم إن كان سهمه من الغنيمة يستغرق الأمة، أخذ منه قيمتها يوم الحمل. وإن لم يف سهمه كمل من ماله، فإن كان عديما فمصابته منها بحساب أم (ولد) يباع (باقيها) فيما لزمه من (القيمة)، ويتبع من قيمة اللود بقدر ذلك.

стр. 319

الحكم الثالث: إن أرضى الكفار المأخوذ بالاستيلاء قهرا أو عنوة، تكون وقفا يصرف خراجها في مصالح المسلمين، من أرزاق المقاتلة والعمال، وبناء (القناطر) والمساجد، وغير ذلك من سب الخبر، ولا تقسم. وروي أنها تقسم كسائر أموال الغنيمة من العين والعروض. وفي بعض روايات المدونة ما يقتضى التخيير، فيصرف الأمر فيها إلى اجتهاد الإمام. وإذا فرعنا على المشهور، فلا يجوز بيع ما كان كذلك من (أرض) العراق والشام ومصر، بل تؤخذ إجارتها، وتصرف في الوجوه التي ذكرناها من المصالح. وكذلك دور مكة، لا يجوز بيعها. فروع ثلاثة: الأول: ما حصل في أيدي العدو من أموال المسلمين، فأسلموا عليه، كان لهم. وإن عاد شيء من ذلك إلى الغنيمة، فهو لمن كان يملكه من المسلمين، يأخذه قبل القسم بغير ثمن، وهو أحق به بعده بالثمن. ولا يجوز قسمه إن علم به. ولو وقع لأحد الغانمين أم ولد مسلم لعدم العلم بها، ثم علم بها بعد القسم، وجب ردها إلى سيدها، ولزمه فداؤها بما اشتريت به، وإن كان أكثر من قيمتها، فإن كان عديما قبضها، واتبع بقيمتها، قاله في الكتاب. وقال في الموطإ: " يفديها الإمام لسيدها، فإن لم يفعل، فعلى سيدها أن يفديها ". وقال أشهب والمغيرة وعبد الملك: على سيدها الأقل من قيمتها، أو الثمن الذي اشتريت به، وإن كان معدما اتبع به. قال عبد الملك: ومشتريها أحق بما في يد سيدها من غرمائه. وما ذكرناه عن الكتاب من حكم أم الولد إذا وقعت في المغنم، وهو حكمها فيه إذا اشتريت من دار الحرب. وأما لو فدى حرا مسلما من دار الحرب، لرجع علبيه بما فداه به، أحب أو كره. الفرع الثاني: إذا أسر العدو حرة مسلمة، فولدت عندهم أولادا، ثم غنمها المسلمون، فولدها الصغار بمنزلتها، لا يكونون فيئا. وأما الكبار بلغوا وقاتلوا نف هم فيء.

стр. 320

(قال في ثمانية أبي زيد وكتاب ابن حبيب: ما سبيت به الحرة من ولد صغيرا أو كبير، تبع لها في الحرية والإسلام، لا يباعون ولا يسترقون، ويكرهون على الإسلام. فمن أبى أجبر. فإن تمادى فهو كالمرتد يقتل قال أبو الحسن اللخمي: " يريد إن تمادى الصغير على الكفر بعد عن بلغ ". وقال أشهب في كتاب محمد: حملها وولده الكبير فيء. وذكر ابن سحنون عنه قولين، أحدهما: مثل ما حكى عنه محمد، والآخر: أنهم كلهم أحرار). قال ابن القاسم: ولو كانت أمة لرجل، كان كبير ولدها وصغيرهم لسيدها. وقال ابن الماجشون: صغارهم وكبارهم في فيء، وقال أشهب: هم فيء، إلا أن تكون تزوجت، (فيكونون) لسيدها. وأما الحرة الذمية، فقال الشيخ أبو إسحاق: هي مردودة إلى ذمتها وصغارها ولدها، أما كبارهم الذين قد بلغوا وأطاقوا القتال، فهم فيء. الفرع الثالث: إذا أسلم الحربي، ثم خرج إلينا فغزا المسلمون بلاده فغنموا أهله وولده وماله. فِأما أهله أعني زوجته، فلا يختلف المذهب في أنها فيء، لاستقلالها بحكم نفسها، حكى ذلك الشيخ أبو الطاهر. وأما ولده فمذهب الكتاب أنهم فيء، وهو تغليب الحكم الدار. وقال أشهب وسحنون: هم تبع لأبيهم، فأثبتا لهم حكم التبعية. قال سحنون وقال بعض الرواة؛ إن كان ولده صغارا كانوا تبعا له. واختلف في ماله على ثلاثة أقوال أيضا، فقال في الكتاب: " هو فيء "، كما قال في الولد والزوجة، وقال: " من حكم بتبعية صغار ولده له، وكذلك ماله هو له، فإن أدركه قبل أن يقسم أخذه، وإن كان قد قسم، كان أحق به الثمن ". وقال ابن حارث: إن كانوا أحرزوا ماله وضموه إلى أملاكهم من حين إسلامه وخروجه من عندهم، كان فيئا. وإن تركوه كان له، وإن دخل في المقاسم أخذه بالثمن. قال أبو الحسن اللخمي: " القول بأن ماله وولده له أحسن "، هذا كله إذا خرج إلينا بعد إسلامه.

стр. 321

فإن بقي في دار الحرب، ثم دخل المسلمون، فغنموا ما فيها، فللمتأخرين قولان: أحدهما: أنه بمنزلة الأول، وهو على تغليب حكم الدار، والثاني: أنه لا ينقطع ملكه على ماله، ويتبعه ولده الصغار، وهو نظر إلى بقاء يده على ماله، وعدم انفصال ولده عنه. الباب الثالث: في ترك القتل والقتال بالأمان والأمان مصلحة في بعض الأحوال ومكيدة من مكائد القتال في المبارزة. وينقسم إلى: عام لا يتولاه إلا السلطان: وإلى خاص يستقل به الآحاد، وهو المقصود بيانه الآن. والنظر في أركانه وشروطه وحكمه. أما أركانه فثلاثة: الأول: العاقد. وهو كل مؤمن مميز، حتى العبد والمرأة والشيخ الهرم والصبي إن عقل الأمان. وروى معن بن عيسى: أنه لا يصبح أمان العبد. وقال سحنون: إن أذن له سيده في القتال جاز أمانه، وإلا لم يجز. وقيل: إن قالت صح أمانه، وإلا فلا. وقيل أيضا بعدم صحة أمان المرأة. وقال سحنون: في الصبي إن أجازه الإمام في المقاتلة صح أمانه، وإن لم يجزه لم ي صح. [وقيل] في الكافر أيضا: يصح أمانه؛ لأن له ذمة، فكان تابعا للمسلمين. وكل من أجزنا أمانه غير أمير الجيش، فلا يتوقف أمانه على تنفيذ الأمير له. وقال ابن الماجشون: لا يلزم تأمين غير الإمام، فإن أمن غيره، نظر فيه الإمام، فإن رأى إمضاءه وإلا رده. ولا يصح الأمان من غير المميز لصغر أو جنون، ويشترط في المؤمن أن يكون آمنا، فلا يصح أمان الخائف. الركن الثاني: المعقود له، وهو الواحد أو العدد المحصور، أما العدد الذي لا ينحر كأهل ناحية، فلا يصح أمان الآحاد فيه، بل ذلك إلى السلطان. الركن الثالث: نفس العقد.

стр. 322

وينعقد الأمان بصريح اللفظ، وبالكنانة، والإشارة المفهمة، فإن رد الكافر ارتد، وإن قبل صح، ولا بد من قبول ولو بالفعل، ولو أشار عليه مسلم في صف الكفار فانحاز إلى صف المسلمين، وتفاهم الأمان فهو أمان، ولو ظل الكافر أن المسلم أراد الأمان، والمسلم لم يرده، فلا يغتال، ومن دخل لسفارة لم يفتقر إلى عقد أمان، بل ذلك القصد يؤمنه. ولو قال الوالي: أمنت من قصد التجارة، صح. ولا يصح من الآحاد. فإن ظن الكافر صحته فلا يغتال، وليوف له بالأمان، بل لو ظن ما أوهم به مما ليس بتأمين تأمينا، كان تأمينا له. وقال مالك في العلج يلقاه الرجل ببلد العدو مقبلا فيأخذه، فيقول: جئت للأمان، إنه أمر مشكل، فليرد إلى مأمنه. قال ابن القاسم: " وكذلك الذي يوجد، وقد نزل تاجرا بساحلنا فأخذ، فقال: ظننت أنكم لا تعرضون لمن جاء تاجرا حتى يبيع ". وروى ابن وهب في قوم من العدو نزلوا بساحلنا بغير إذن، فأخذوا، فزعموا أنهم تجار لفظهم البحر، ولا يعلم صدقهم، وقد تكسرت مراكبهم ومعهم السلام أو ينزلون للماء بغير إذن، فهم فيء لا يخمسون والإمام يرى فيهم رأيه. وشرط اومان ألا يكون على المسلمين ضررا، فلو أمن جاسوسا أو طليعة، أو من فيه مضرة، لم ينعقد. ولا تشترط المصلحة، بل يكفي عدم المضرة للصحة. وحكمه: أنه إذا انعقد كففنا عنه، وعن ما يتبعه من أهل ومال إن شرط ذلك في الأمان، فإن اقتصر على قوله: أمنتك، فلا يسري اومان إلى ماله من أهل ومال في الحصن الذي نزل منه. ويصح عقد الأمان للمرأة مقصودا للعصمة عن الاسترقاق، وإذا أمن الأسير آسره، صح ولزمه ذلك، إلا أن يكون مكرها له عليه.

стр. 323

فلو أمنهم وأمنوه، بشرط أنه لا يخرج من ديارهم، فليقم ولا يهرب عنهم. قال أبو الحسن اللخمي: " هذا إذا عاهدوه، فأما إن استحلفوه بالطلاق أو العتاق، لم يلزمه الوفاء، وجاز له الهرب ". قال: " ثم لا يلزمه كطلاق ولا عتاق، لأنه مكره ". ويجب على المبارز مع قرنه الوفاء (بشرطه)، فلو أثخن المسلم وقصد تدفيفه، منعناه على أحد القولين. ولو خرج جماعة لإعانة (الكافر) استنجاده، قتلناه معهم، وإن كان بغير إذنه، لم نتعرض له. ولو خرج جماعة لمثلهم، ففرغ بعضهم من قرنه، جازت إعانة من ظفر لمن لم ي ظفر في القتل والدفع، كما فعل علي وحمزة ﵄ مع عبيدة بن الحارث بن عبد المطلب. ويتم النظر في مشارطات الكفار برسم مسائل. الأولى: إذا أخل ببضع الأركان، كما إذا أمن من قلنا: لا يؤمن، أو ظن العلج الأمان ولم يرده المؤمن، أو أوهمه الأمان بغير أمان. ففي جميع ذلك يرد المؤمن إلى مأمنه ولا يغتال، فأما لو فقد الشرط، بأن كان عينا أو جاسوسا لقتل، ولم يرد. الثانية: إذا قال رجل من الصحن: أفتح لكم على أن تؤمنوني على عشرة أرؤس من الرقيق، أو عشرة أفراس من الكراع هن أعطاه ذلك المسلمون، وكذلك على ألف درهم. الثالثة: المستأمن رع إلى داره، فما خلفه عندنا من وديعة أو يدن، بعث به إليه. وإن مات فغلى ورثته إن عرفوا، وإن لم يعرفوا فإلى طاغيتهم، إلا أن يجاهد، فيقتله المسلمون عبد الأسر، فيكون ماله للجيش الذي أسره، لأنه ملك رقبته، بخلاف ما إذا قتل دون أسره. الرابعة: إذا حاصرنا أهل قلعة، فنزلوا على حكم رجل صح إذا كان ذلك الرجل عاقلا عدلا بصيرا بمصالح القتال، وإن حكم بقبول الجزية، أجبروا عليه، ولو حكموا فاسقا، صح. ثم إذا حكم تعقب الإمام حكمه، فإن رآه نظرا للإسلام، وإلا رده، وولي هو الحكم بما يراه نظرا، ولا يردهم إلى مأمنهم. ولو حكم العدو ذميا أو امرأة أو صبيا أو عبدا وهم عالمون به، لم يجز حكمهم، وليحكم الإمام بما يراه، لأنهم رضوا بأقل المسلمين، أو بمي فرددناهم إلى حكم من هو أعلى وأفضل، فلا حجة لهم.

стр. 324

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ كتاب عقد الذمة والمهادنة والعقود التي تفيد الأمن للكفار ثلاثة: الأمان: وقد تقدم ذكره، والذمة والمهادنة، وهما مقصود الكتاب. العقد الأول: عقد الذمة ، والنظر في أركانه وأحكامه، وأركانه خمسة: الركن الأول: نفس العقد، وهو التزام تقريرهم في دارنا وحمايتهم والذب عنهم، بشرط بذل الجزية، والاستسلام من جهتهم. وينبغي أن يعين مقدار الجزية، ويقبلوا ذلك، فإن لم (يذكر) مقدار الجزية نزلوا على مقدار جزية أهل العنوة، وهي ما قدره عمر بن الخطاب ﵁، على ما نبين فيما بعد. وإذا وقع العقد فاسدا فلا نعتالهم، لكن نلحقهم بالمأمن. ولو دخل كافر دارنا ثم قال: دخلت بأمان، فإن أشبه ما قال صدق، وإن لم يشبه رأى فيه الإمام رأيه، كما في سائر الأسارى، وليس لمن وجده فيه شيء. الركن الثاني: العاقد وهو الإمام ويجب عليه، إذا بذلوه ورآه مصلحة، إلا أن يخاف غائلتهم. ولو عقده مسلم بغير إذن الإمام لم يصح، ولكن يمنع الاغتيال. الركن الثالث: فيمن (يعقد) له، وهو كل كافر ذكر بالغ حر قادر على أداء الجزية، يجوز إقراره على دينه ليس بمجنون مغلوب على عقله، ولا بمترهن منقطع في دير. قال القاضي أبو الوليد: " (" هذا ظاهر مذهب مالك "، قال: وقال عنه القاضي أبو الحسن: " إنه استثنى القرشي في ذلك "). وقال ابن الجهم: تؤخذ الجزية من كل من دان بغير إسلام، إلا ما أجمع عليه من كفار قريش. وذكر في تعليل ذلك أنه إكرام لهم عن الذلة.

стр. 325

والصغار، لمكانهم من رسول الله ﷺ . وقال غيره: إنما ذلك لأن جميعهم أسلم يوم فتح مكة، واستثنى ابن وهب مجوس العرب. واستثنى ابن الماجشون من ليس بكتابي. أما الصبي والعبد والمرأة، فهم أتباع، ولا جيزة عليهم، وكذلك المجنون، ولا تؤخذ ممن ترهب وانقطع في الديرة قبل ضربها عليه. وإذا دخلت امرأة دارنا من غير أمان أو تبعية استرقت، وكذلك الصبي، والفقير العاجز عن الكسب، يقر مجانا. وقيل: يسترسل وجوبها على الغني والفقير، لأنها ثمن صيانة الدم. وإذا بلغ الصبي أخذت منه عند بلوغه، ولم ينتظر مرور الحول بعد بلوغه. ولا تقبل من المرتد، إذ لا يقر الدين الذي انتقل إليه. الركن الرابع: في البقاع. ويقرون في جميع البلاد، إلا في جزيرة العرب، وهي: مكة والمدينة، واليمن في رواية عيسى بن دينار. وروى ابن حبيب أنها من أقصى عدن وما والاها من ساحل البحر إلى أطراف الشام ومصر في المغرب وفي المشرق، ما بين سرب إلى منقطع السماوة. ولا يمنعون من الاجتياز بها مسافرين ولا يقيمون. (الركن) الخامس: في تفصيل مقدار ما يجب عليهم، وواجباتهم أربعة. الأول: الجزية، فلو أقر الوالي من غير جزية فقد أخطأ. ويخير المقر بين الإقامة على الجزية وال رد إلى مأمنه. (وأكثر الجزية أربعة دنانير على أهل الذهب، وأربعون درهما على أهل الورق. ولا يزاد على ذلك، فإن كان [فيهم] الضعيف خفف عنه بقدر ما يراه الإمام. وقال ابن القاسم: لا ينقص من فرض عمر لعسر، ولا يزاد عليه لغني. وقال القاضي أبو الحسن: " لا حد لأقلها، قلاك و [قد] قيل: أقلها دينار أو عشرة دراهم، وهي عقوبة بدل من القتل، فلو اسلم أو مات بعد سنة، سقطت عنه ".

стр. 326

ولو اجتمع عليه جزية سنين، فقال القاضي أبو الوليد: " إن كان فر منها أخذت منه للسنين الماضية، وإن كان ذلك لعسر لم تؤخذ منه، ولم يكن في ذمته ما يعجز عنه؛ إذ الفقير لا جزية عليه ". الثاني: الضيافة وأرزاق المسلمين. وقد كان عمر ﵁ فرض مع الدنانير أرزاق المسلمين مدين من حنطة على كل نفس في الشهر، مع ثلاثة أقساط زيت ممن كان بالشام والجزيرة، وعلى من كان بمصر إردبا من حنطة في كل شهر. قال: ولا أدري كم من الودك والعسل، وعليهم من الكسوة التي كان عمر يكسوها الناس على أن يضيفوا من مر بهم من المسلمين ثلاثة أيام. وعلى أهل العراق خمسة عشر صاعا كل شهر على كل رجل، مع كسوة معروفة. قال: ولا أري كم قدرها، كان عمرها يكسوها الناس. وأربعة دنانير يسيرة فيما كان عليهم من الطعام والأدام والكسوة والضيافة. قال مالك: " وأرى أن يوضع عنهم اليوم من الضيافة والأرزاق، لما أحدث عليهم من الجور ". الثالثة: الإهانة. فتؤخذ منهم الجزية على وجه الإهانة والصغار، امتثالا لأمر الله سبحانه. الرابع: يجوز أن يؤخذ العشر من بضاعة تجار أهل الحرب. وأما الذمي، فلا ي جوز أن يؤخذ من تجارته شيء، إلا أن يتجر في غير أفقه الذي يؤدي فيه الجزية، فيؤخذ منهم العشر كلما دخلوا، ولو مرارا في السنة. واختلف: هل الواجب عشر ما يدخلون به كالحربيين، وهو رأي ابن حبيب، أو عشر ما

стр. 327

يعتاضون عنه، وهو رأي ابن القاسم. وسبب الخلاف: هل المأخوذ منهم لحق الوصول إلى القطر الثاني أو لحق الانتفاع (فيه؟). ويتخرج على تحقيقه فرعان. الأول: (لو دخلا ببضاعة أو عين، ثم أرادوا الرجوع قبل أن يبيعوا أو يشتروا، فابن حبيب يوجب عليهم العشر كالحربيين، وابن القاسم لا يوجبه). الثاني: لو دخلوا بإماء، فابن حبيب يمنعهم من وطئهن، واستخدامهن، ويحول بينهم وبينهن، لأنه يرى المسلمين شركاءهم. وابن القاسم لا يرى المنع، ولا يحول بينهم وبينهم؛ إذا لا يرى الشركة. ولو باعوا في بلد، ثم اشتروا فيه، لم يؤخذ منهم إلا عشر واحد، ولو باعوا في أفق، ثم اشتروا في أفق آخر بالثمن، أخذ منهم عشران. ويخفف عن أهل الذمة فيما حملوه إلى مكة والمدينة من الزيت والحنطة خاصة، فيؤخذ منهم نصف العشر. وروى ابن نافع أنه يؤخذ منه العشر كاملا، كما لو حملوه إلى غيرهما، أو حلموا غيره إليها، وقال بالأول دون ما روى. وإذا دخل الحربي بأمان مطلق، أخذ منه العشر، لا يزاد عليه شيء. وتجوز مشارطته على أكثر من ذلك عند عقد الأمان على الدخول. فروع: الأول: إذا تجر أهل الذمة بالخمر وما يحرم علينا، فروى ابن نافع أنهم يتركون حتى يبيعوه، فيؤخذ منهم عشر الثمن. وإن خيف من خيانتهم جعل معهم أمين. قال ابن نافع: وذلك إذا جلبوه إلى أهل الذمة، لا إلى أمصار المسلمين التي لا ذمة فيها. وذكر ابن حبيب في الحربيين إذا نزلوا ومعهم خمر أو خنزير، فالوالي يريق الخمر،

стр. 328

ويقتل الخنزير، ويفيت الجميع. ولا يجوز للإمام إنزالهم على إبقاء ذلك بأيديهم. الثاني: إذا انتقل ذمي من قطر إلى قرط كمصر والشام، فأوطن الثاني، ثم قدم منه بتجارة إلى الأول، فقال ابن القاسم: لا يؤخذ منه عشر؛ لأنها بلدته التي صالح عليها. وإن رجع إلى الشام الذي أوطنه، أخذ منه العشر. قال أصبغ: ذلك متى تركت جزيته لم تحول، ولم تؤخذ منه حيث انتقل، فإن أخذت منه حيث استوطن، ومحي عنه الأول، صارت كبلده، ولم يؤخذ منه شيء. الثالث: قال ابن سحنون عن أبيه: إذا اشترى الذمي، فأخذ منه العشر، ثم استحق ما بيده أو رده بعيب، رجع بالعشر. الرابع: قال أشهب: إذا ثبت أن على الذمي دينا للمسلم، لم يؤخذ منه عشر، ولو ادعاه لم يصدق بمجرد قوله، ولا يسقط بثبوته لذمي. النظر الثاني: في حكم عقد الذمة. وهو يقتضي وجوبا علينا وعليهم، فحكمه علينا وجوب الكف عنهم، وأن نعصمهم بالضمان نفسا أو ومالا، ولا نتعرض لكنائسهم، ولا لخمورهم و [لا] خنازيرهم ما لم يظهروها، فإن أظهروا الخمر أرقناها عليهم. وإن لم يظهروا، فأراقها مسلم، فقد تعدى، ويجب عليه الضمان. وقيل: لا يجب، ولو غصبها وجب عليها ردها. ويؤدب من أظهر الخنزير. ولو باع الأسقف عرصة من الكنيسة أو حائطا، جاز ذلك إن كان البلد صلحا، ولم يجز إن كان عنوة. وقال أصبغ في بيع شيء من الديارات في الخراج أو مصالح الكنيسة، وذلك حبس عليها. قال: لا يشتريه المسلم، ولا يجوز من ذلك في أحباسهم إلا ما يجوز في أحباس المسلمين. ولا يحكم حكم المسلمين في منع بيع الكنائس، ولا رده، ولا إنفاذ حبسها، ولا إجارته، ولا الأمر فيه. ولو ترافعوا إلينا في خصوماتهم واتفقوا على الرضا بحكمنا، فالحاكم مخير في الحكم بينهم أو الترك، ولا يتعين عليه. وقيل: لا يحكم بينهم إلا برضا أساقفتهم مع رضاهم. فإن لم يتفق الخصمان، لم يحكم بينهما، إلا أن تتعلق الخصومة بمسلم، فيجب الحكم. قال يحيى بن عمر: وكذلك لو كانا مختلفي الملة.

стр. 329

فإن ترافعوا إلينا في التظالم، حكمنا بينهم على كل حال، لأنه من باب الدفع عنهم، ويجب أيضا دفع الكفارة عنهم. أما حكمه عليهم، فأربعة أمور: الأول: في الكنائس، فإن كانوا (في بلده) بناها المسلمون، فلا ي مكنون من بناء كنيسة. وكذلك لو ملكنا رقبة بلدة من بلادهم قهرا، وليس للإمام أن يقر فيها كنيسة بل يجب نقض كنائسهم بها. أما إذا فتحت بالصلح على أن يسكنوه بخراج، ورقبة الأبنية للمسلمين، وشرطوا إبقاء كنيسة جاز: وأما إن افتتحت على أن تكون رقبة البلد لهم، وعليهم خراج، ولا تنقض كنائسهم، فذلك لهم، ثم يمنعون من رمها. قال ابن الماجشون: ويمنعون من رم كنائسهم القديمة إذا رثت، إلا أن يكون ذلك شرطا في عهدهم، فيوفى لهم. ويمنعون من الزيادة الظاهرة والباطنة. ونقل الشيخ أبو عمر: " أنهم لا يمنعون من إلاح ما وهى منها ". وإذا منعوا من إحداث كنيسة فيما بين المسلمين لقوله ﷺ : «لا ترفع فيكمن يهودية ولا نصراينة»، فلو صولحوا على أن يتخذوا الكنائس إن شاءوا، فقال ابن الماجشون؛ لا ي جوز هذا الشرط، ويمنعون منه، إلا في بلدهم الذي لا يسكنه المسلمون معهم، فلهم ذلك، وإن لم يشرطوه، قال: وهذا في الصلح. فأما أهل العنوة نفلا ي ترك لهم عند ضرب الجزية عليهم كنيسة إلا هدمت، ثم لا يمكنون من إحداث كنيسة بعد، وإن كانوا معنزلين عن بلاد الإسلام). ولا يمنع أهل الصلح من إظهار الخمر والناقوس وغبر ذلك داخل كنائسهم. وليس لهم إظهار شيء من ذلك خارجها، ولا لهم حمل الخمر من قرية ق قريتهم التي يسكنونها مع المسلمين، ونكسرها إن ظهرنا عليها، وإن قالوا: لا نبيعها من مسلم. وإن أظهروا ناقوسا كسرناه. ومن وجدناه منهم سكرانا أدبناه، وإن أظهروا صلبهم في أعيادهم واستقائهم كسرت عليهم وأدبوا. ولا يرفعوا أصوات نواقيسهم، بل يضربون لها ضربا خفيفا، لوا يرفعوا أصوات بالقراءة.

стр. 330

في كنائسهم في شيء من حضرة المسلمين. الثاني: يمنعون من ركوب الخيل والبغال النفيسة، ولا يمنعون من الحمار، ولا يركبون السروج، بل يركبون على الأكف عرضا. الثالث: يمنعون من جادة الطريق، ويضطرون إلى المضيق، إذا لم ي كن الطريق خاليا، ويلزمون الغيار، ولا يشتبهون بالمسلمين في الزي، ويؤدبون على تكر الزنانير، ولا يدخلون المساجد. (وفي الواضحة وكتاب ابن سحنون: كتب عمر بن عبد العزيز أن يختم في رقاب رجال أهل الذمة بالرصاص، ويظهروا مناطقهم، ويجزوا نواصيهم، يركبوا على الأكف عرضا. قال ابن حبيب: وروي عن الني ﷺ : «لا تبدؤوهم بالسلام، وإذا لقيتموهم بطريق فألجئوهم إلى أضيقها». وقال عمر: سموهم ولا تكنوهم، وأذلوهم ولا تظلموهم، ولا تبدؤوهم بالسلام. ونهى عمر أن يتخذ منهم كاتب، وقال: قال الله تعالى: ﴿ولا تتخذوا بطانة من دونكم﴾. ونهى عنه عثمان. وقال عمر بن عبد العزيز: كان المسلمون إذا افتتحوا البلاد لم يكن لهم علم بأمر الخراج، حتى استعانوا بالعجم، ثم إن المسلمين عرفوا من ذلك ما يحتاجون إليه وكثروا، فلا ينبغي أن يستعملوا في شيء من أمور المسلمين. وكتب عمر أن يقاموا من أسواقنا، وقاله مالك). الرابع:: الانقياد للحكم. وإذا زنى بمسلمة، أو سرق مال مسلم حكمنا عليه في ذلك. أما ما لا يتعلق بمسلم، فلا نعرض لهم فيه، لا أن يترافعوا إلينا على التفصيل المتقدم.

стр. 331

وعليهم أيضا كف اللسان. فإن أظهروا معتقدهم في المسيح أو غير ذلك، مما لا ضرر فيه على مسلم عزرناهم، ولا ينتقض به العهد، وإنما ينتقض بالقتال، ومنع الجزية، والتمرد على الأحكام، وإكراه المسلمة على الزنى. فإن أسلم لم يقتل، إذ قتله لنقض العهد لا للحد، وكذلك التطلع إلى عورات المسلمين. أما قطع الطريق والقتل الموجب للقصاص، فحكمهم فيه حكم من ف عله من المسلمين. وإن تعرض أحد منهم لرسول الله ﷺ أو لغيره من الأنبياء بالسب، وجب عليه القتل، إلا، يسلم. وروي: يوجع أدبا، ويشرد به، فإن رجع عن ذلك قبل منه. وأم المسلم، فهو إن كذب على رسول الله عزر، وإن كذبه فهو مرتد، وإن سب الله تعالى أو رسوله أو غيره من الأنباء قتل حدا، ولا يسقط القتل عنه بالتوبة. وقيل: حكمه حكم المرتد. العقد الثاني: عقد المهادنة ، والنظر في شروحه وحكم. أما الشروط فأربعة: الأول: أن لا يتولاه إلا الإمام. الثاني: أن تكون للمسلمين إليه حاجة، فإن كانوا مستظهرين على العدو، لم تجز الهدنة، وإن بذل العدو المال؛ لقوله تعالى: ﴿فلا تهنوا وتدعا إلى السلام وأنتم الأعلون﴾، قال في كتاب ابن المواز: ولقد طلب الطاغية ذلك إلى عبد الله بن هارون، وبذلوا مائة ألف دينار كل عام، فشاور الفقهاء فقالوا له: إن الثغور اليوم عامرة، فيها أهل البصائر وأكثرهم نازعون من البلدان، فمتى قطع عنهم الجهاد تفرقوا، وخلت الثغور للعدو، والذي يصيب أهل الثغور نهم أكثر من مائة ألف، فصوب ذلك ورجع إلى رأيهم. وقال ابن الماجشون: إذا كان الإمام على رجاء من فتح حصن، لم ينبغ له أن يصالحهم على مال، وإن كان على إياس منه لضعفه أو لامتناعهم، أو لما يخاف أن يدهمه من العدو فليفعل. وليس يحرم عليه أن يصبر عليهم إن كان ذا قوة. قال ابن حبيب: ولا بأس أن يصالحوا على غير شيء يؤخذ منهم، وقد صالح النبي ﷺ يوم الحديبية على غير شيء. والمراعى في ذلك ما يراه الإمام الأصلح للمسلمين. الثالث: أن يخلو عن شرط فاسد، كشرط ترك مسلم في أيديهم، وكذا ولو التزم مالا فهو فاسد، إلا إذا ظهر الخوف، وتعين في دفعه ذلك.

стр. 332

الرابع: المدة، ولا تتعين بل هي موكولة إلى اجتهاد الإمام، وما يراه الأصلح في حال عقد الهدنة من الإطالة أو عدمها. وقال الشيخ أبو عمر: " يستحب أن لا تكون مدة الهدنة أكثر من أربعة أشهر، إلا مع العجز ". ثم يجب الوفاء بالمشروط إلى آخر المدة، إلا، يستشعر خيانة، فله أن ينبذ العهد إليهم، وينذرهم. النظر الثاني: في حكمه. وحكمه الوفاء بالمشروط الصحيح، ولا يجوز أن يشترط رد من جاءنا منهم مسلما عليهم، وذلك ممنوع في الرجل، كما هو في المرأة إذا جاءت غلينا مهاجرة مسلمة، فلا تحل ردهما، ولا يصح شرط ذلك. هل يرد عليهم من أسلم من رهائنهم؟ روى ابن وهب أن مالكا سأله أهل المصيصة، إذ رهنوا منهم سبعة، وارتهنوا من الروم سبعة حتى يفرغ ما بينهم، فأسلم الذين بأيدينا وأبوا الرجوع إلى بلدهم، فقالوا: يردون إليهم. قال ابن حبيب: قال من لقيت من أصحابه المدنيين: ومعنى ذلك: إن الروم حبسوا من عندهم من المسلمين، فيرد هؤلاء يستنقذ بهم أولئك، فإن رجي خلاص أولئك، ففلا يرد إليهم هؤلاء. ولو شرط أن يرد إليهم من أسلم، فقال ابن الماجشون وغيره، لا يوفى لهم بذلك، وهذا جهل من فاعله. وقال سحنون: مالك يرى أن يدر من أسلم من الرسل والرهن. وقال في المختصر: " إذا ارتهن المسلمون من المشركين رهائن، فأسلموا وأبوا أن يرجعوا، فليردهم إليهم ". وقال سحنون أيضا: لا يردون. تم بعون الله الجزء الأول من كتابا العقد الجواهر الثمينة ويليه الجزء الثاني وأوله كتاب قسم الفيء والغنائم

стр. 333

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ كتاب قسم الفيء والغنائم وفيه بابان: الباب الأول: في الفيء وهو كل مال فاء للمسلمين من الكفار من خمس وجزية أهل العنوة، وأهل الصلح، وخراج أرضهم، وما صولح عليه الحربيون من هدية، وما يؤخذ من تجار الحربيين، وتجار أهل الذمة، وخمس الركاز، وخمس الغنائم. وكيفية قسمته ما ذكر ابن حبيب أنها السيرة التي مضى عليها أئمة العدل في ذلك، وهي أن يبدأ بسد مخاوف المسلمين، وتثقيف حصونهم، واستعداد آلة الحرب، فإن فضل شيء أعطي قضاتهم وعمالهم، ومن للإسلام فيهم انتفاع، وتبني منه مساجدهم وقناطرهم إليه وما هم محتاجون، ثم يفرق على فقرائهم، فإن فضل شيء ورأى الإمام (تفرقته) على الأغنياء فرقه، وإن رأى حبسه لنوائب الإسلام فعل. قال: وذلك كبناء مساجد وقناطر وغزو، وفك أسير، وقضاء دين، ومعونة في عقل جراح، وتزويج عازب، وإعانة حاج، وإرزاق من يلي مصالحهم، وتدبير أمورهم. والتفرقة فيه بقدر الحاجة، لا على الحرمة والسابقة والبلاء في الإسلام. وروي اعتبار ذلك. وروي أن الأمر موكول إلى اجتهاد الإمام، فيقسم (على) ما يراه من مساواة أو تفضيل، بحسب الفضائل التي ذكرناها. ويعطي الإمام أقرباء رسول الله ﷺ على ما يراه، ولا يتعين لهم خمس ولا غيره، ويوفر سهمهم لأنهم يمنعون من الزكاة. وإذا بلغ (الإمام) عن بلد حاجة، نقل من الفيء والخمس إلى ذلك الموضع بقدر

стр. 334

الاجتهاد، ولا ينقل مالاً من بلد إلا بعد إزالة حاجته وحاجة أهله، ويشيد حصونه، ويزيد في كراعه وسلاحه، ويقطع منه رزق عمال ذلك البلد وقضائه والمؤذنين، ومن يلي شيئاً من مصالح المسلمين، ثم يخرج عطاء المقاتلة الذين يدونهم من أهل ذلك البلد لجهاد عدوهم، ثم يعطي العيال والذرية وسائر المسلمين على قدر المال، فإن كان فيه سعة، دفع إلى كل ما يحتاج إليه، ويبدأ بالفقراء، فما فضل من جميع ذلك حمله إلى بيت المال يقسمه على من عنده من المسلمين، فيبدأ فيه بمثل ما بدأ في البلد الذي حمل منه، وإن لم يكن فيه ما يعم الفقراء والأغنياء آثر الفقراء كما بدأ الله بهم، فقال (تعالى): ﴿كَيْ لاَ يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاءِ مِنكُمْ﴾. قال عبد الله بن عبد الحكم في قسم الفيء إذا صار في بيت المال: ((يبدأ فيعطي الرجال المقاتلة من جميع البلدان، ويعد فيهم من بلغ خمس عشرة سنة، ويحصي ذرية المسلمين فمن بلغ دون السن، ودون المحتلم من ذكر أو أنثى ويحصي النساء، ويعلم ما يحتاج الجميع إليه في عامهم، (ويبدأ) بالمقاتلة، فيسد بهم الثغور والأطراف وعورات المسلمين، ويفاضل بينهم في العطاء على قدر المغزى ومؤنته، ثم يعطي النساء والذرية والمنفوس لقوام عامهم، ولا يعطي المماليك، وليعط الأعراب وأهل البوادي ممن له قرار أو لا قرار له، كما يعطي النساء والذرية والزمنى، لا كما يعطي المقاتلة لأنهم حشو الإسلام، فيعطون لحرمته، وبقدر المؤونة، وكذلك الزمنى من أهل الحاضرة. وإنما العطاء للمقاتلة من أهل المدائن ممن تضرب عليهم البعوث)). الباب الثاني: في قسمة الغنائم والغنيمة: كل مال تأخذه الفئة المجاهدة على سبيل الغلبة، وخمسها مقسوم كخمس الفيء. وأربعة أخماسها للغانمين. ويتطرق إلى الخمس النفل والرضخ والسلب. أما النفل فهو زيادة مال يخص به أمير الجيش من فعل فعلاً خطيراً، كتقدمه طليعة، أو تهجمه على قلعة، أو من رأى منه زيادة غناء، وحسن بلاء، وهو موكول إلى اجتهاد الإمام.

стр. 335

ومحله الخمس، لا أصل الغنيمة، وقدره ما يقتضيه الرأي بحسب اجتهاد الإمام. وأما الرضخ، فهو مال تقديره إلى رأي الإمام أيضاً، يصرف إلى العبيد والصبيان والنساء على قول، حيث قلنا: لا يسهم لهم. ومذهب الكتاب: ((أنه لا يسهم لهم، ولا يرضخ)). ومحله الخمس كالنفل. ولو حضر الكافر بإذن الإمام وقاتل، ففي الإسهام له ثلاثة أقوال: يفرق في الثالث بين أن يستقل المسلمون بأنفسهم، فلا يسهم له، أو لا يستقلوا ويفتقروا إلى معونته، فيسهم له، فإن لم يقاتل، لم يستحق شيئاً. وحكم العبد حكم الذمي. وفي الصبي المطيق للقتال ثلاثة أقوال أيضاً: الإسهام، ونفيه، والتفرقة بين أن يقاتل فيسهم له، أو لا يقاتل فلا يسهم له. وأما المرأة فإن لم تقاتل لم تستحق، وإن قاتلت ففي استحقاقها قولان. وأما السلب، فهو ما يؤخذ مع القتيل من ثيابه وسلاحه، وما شابهه من السلب المعتاد دون ما ينفرد به عظماء المشركين. وقيل: بل يدخل فيه كل ما معه من ذلك وغيره. وحكم السلب أنه كسائر أموال الغنيمة، لا يستحقه القاتل، إلا أن ينفله الإمام إياه، حيث (يرى ذلك) مصلحة. ولا يجوز له أن ينادي به قبل القتال: لئلا يشوش على المقاتلة نياتهم، فإن فعل فقيل: يملكه القاتل بذلك، وقيل: لا يملكه به. والنداء بذلك يوم حنين، إنما كان بعد فراغ القتال، وجلوس النبي ﷺ . أما قسمة الغنيمة ففيها مسائل: الأولى: إذا ميز الإمام الخمس، قسم الأربعة الأخماس الباقية من الغنيمة على الغانمين. ويستثني عن ذلك العقار خاصة، فإنه يبقى لمن يأتي من المسلمين ليشترك الكل في منفعته، كما فعل عمر ﵁. وقيل: يقسم كغيره، وقيل: ذلك موكول إلى اجتهاد (إمام الوقت) كما تقدم. ولا تؤخر قسمة ما يقسم إلى دار الإسلام. وسبب استحقاق السهم شهود الوقعة لنصرة المسلمين، فلو شهد آخر الوقعة استحق، ولو حضر بعد انقضاء القتال فلا، ولو غاب بانهزام فكذلك. فإن كان قصد التحيز إلى فئة أخرى، فلا يسقط استحقاقه.

стр. 336

واختلف فيمن خرج لشهود الوقعة، فمنعه العذر منه، كمن ضل، ففي ثبوت الإسهام له ونفيه ثلاثة أقوال: يفرق في الثالث، وهو المشهور، فيثبته إن كان الضلال بعد الإدراب، وينفيه إن كان قبله. وكمن بعثه الأمير من الجيش في أمر من مصلحة الجيش، فشغله ذلك عن شهود الوقعة، فإنه يسهم له. وروي: أنه لا يسهم له. فأما اشتراط كونه من جنس من يلزمه القتال، بأن يكون مسلماً حراً ذكراً مطبقاً للقتال بالبلوغ أو المراهقة، فقد تقدم الخلاف في فقد ذلك، هل يخل بالاستحقاق أم لا؟ وأما فقد العقل، فإن كان مطبقاً، فلا يسهم له إذا خرج كذلك من دار الإسلام، فإن كان ذلك طارئاً عليه في دار الحرب، ففي الإسهام له خلاف. وإن كان يفيق، فإن كان بحيث يتأتى منه القتال أسهم له، وإلا فلا. الثانية: إذا وجه الإمام سرية، فغنمت شيئاً، شارك في استحقاقها جيش الإمام، إذا كانت خرجت منه، وإن خرجت من بلد، فلا يستحق أهل البلد معهم شيئاً. الثالثة: من حضر لا يقصد الجهاد، كالأجير لسياسة الدواب والتاجر وشبههما، من لم يقاتل منهم لم يستحق، وإن قاتل استحق. وقال أشهب: لا يستحق أحد منهم، وإن قاتل. وإذا فرعنا على المشهور، فإنه يسقط للأجير من الإجارة بقدر ما اشتغل عن عمله، إذا كان مستغرق المنافع. الرابعة: يسوى بين الجميع في القسمة إلا الفارس، فإنه يعطى ثلاثة أسهم: (سهم له، وسهامن لفرسه)، وللرجال سهم. ويعطى لراكب الفرس دون سائر ما يركب، لما فيها من الكر والفر، إلا ما كان من البراذين والهجن، بمثابتها في ذلك، فإنه يسهم لها، وما لم يكن كذلك لم يسهم لهم. ويسهم للضعيف لأنه يرتجى برؤه، وقال أشهب وابن نافع: لا يسهم له لأنه لا يمكن القتال عليه الآن فأشبه الكسير ولا يسهم للأعجف إذا كان في حيز ما لا ينتفع به، كما لا يسهم للكسير. فأما المريض مرضاً خفيفاً مثل الرهيص وما يجري مجراه، مما لا يمنعه المرض عن

стр. 337

حصول المنفعة المقصود منه، فيسهم له. ولو أحضر فرسين لم يعط إلا لفرس واحد، وقال ابن الجهم: يعطي لهما. ورواه سحنون عن ابن وهب: ولا خلاف أنه لا يعطي لما زاد عليهما. ويعطي الفرس المستعار والمستأجر، وكذا المغصوب، وسهمه لغاصبه، إلا إذا غصبه من غاز ففيه خلاف، هل يكون لصاحبه، أو للغاصب؟ فأما لو أخذه من المغانم، أو من أحد ممن لم يغز ولا حضر في الجيش، لكان سهمه للغاصب. ويستحق السهم للخيل، وإن كانت في السفن ووقعت الغنيمة في البحر، لأنها مستعدة للنزول إلى البر. الخامسة: ذكر ابن المواز أن الخيار (إلى الإمام) في أن يقسم أعيان الغنائم أو أثمانها، يفعل من ذلك لم يراه الأصلح. وحكى ابن سحنون عن أبيه: يبيع الإمام ويقسم الأثمان، فإن لم يجد من يشتري قسم الأعيان. واختار القاضي أبو الوليد ((قسمة الأعيان دون بيع)).

стр. 338

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ كتاب السبق والرمي وفيه بابان: الباب الأول: في السبق وهو: عقد لازم كالإجارة، ويشترط في السبق ما يشترط في عوض الإجارة، وليس من شرطه استواؤه من الجانبين. وفيه ثلاثة فصول: الفصل الأول: في صوره: وهي (ثلاث): الأولى: أن يجعل الوالي أو غيره مالاً للسابق. والثانية: أن يخرجه أحد المتسابقين. والثالثة: أن يخرج كل واحد منهما شيئاً، فمن سبق منهما أخذهما. الفصل الثاني: في أحكام هذه الصور الثلاث ولا يختلف في إباحة الأولى، وأما الثانية فإن كان المخرج لا يعود إليه المخرج بوجه، بل إن سبق أخذه السابق، وإن سبق كان لمن يليه، أو لمن حضر إن لم يكن معهما غيرهما، فذلك جائز أيضاً. قال الأستاذ أبو بكر: وهذا إنما يتصور على قوله: إن مخرج السبق لا يحرز سبقه أبداً، وهو قوله المشهور. فهذا إذا سبق يكون طعمه لمن حضر، سواء شرط ذلك أم لا، ومثال ذلك أن يكون فرسان لا أكثر، فيخرج أحدهما سبقاً. (فأما) على قوله الثاني، الصحيح أنه إذا شرط أن السبق لمن سبق، من مخرجه أو غيره جاز، على ما رواه ابن وهب عنه، فها هنا لا يكون طعمه لمن حضر، وإنما يكون للسابق. فلو شرط في هذه الصورة أن يكون طعمة لمن حضر، لم يجز في قول معظم العلماء. قال: وهكذا يجيء على قول مالك.

стр. 339

وإن كان الشرط أن يرجع السبق إلى مخرجه إن سبق، فرويت الكراهية في ذلك، وأخذ بها ابن القاسم. وروى ابن وهب الجواز، وأخذ به أيضاً أصبغ. قال القاضي أبو محمد: ((وهو الصحيح عندي)). وأما الصورة الثالثة: فإن لم يكن معهما غيرهما، فلا يجوز قولاً واحداً، وإن كان معهما من لا يأمنان أن يسبقهما، يغنم إن سبق، ولا يغرم إن سبق. فالمشهور عن مالك منع ذلك. وأجازه سعيد بن المسيب وابن شهاب. قال ابن المواز: وهو الذي نختاره، وهو قياس قول مالك الآخر: إنه يجوز سبقه. الفصل الثالث: في شروطه وهي إعلام الغاية، وتبيين الموقف، إلا أن يكون لأهل المكان سنة في ذلك، فيستغنى بها. ومعرفة أعيان الخيل، ولا يشترط معرفة جزئها، ولا من يركب عليها من صغير أو كبير، ولا يحمل عليها إلا محتلم، وكره مالك حمل الصبيان عليها. فرع: كل ما ذكرنا من أحكام السباق، فهو بين الخيل أو الركاب أو بينهما، (وهما) المراد بقوله ﷺ : ((في خلف أو حافر))، ولا يلحق بهما غيرهما بوجه، إلا أن يكون بغير عوض، فتجوز فيه المسابقة، إذا كان مما ينتفع به في نكاية العدو ونفع المسلمين، فتدخل في ذلك المسابقة بين السفن وبين الطير، إذا كان لإيصال الخبر بسرعة للنفع به. وأما لطلب المغالبة فقمار، من فعل أهل الفسق. وتجوز المسابقة على الأقدام، وفي رمي الحجارة ويجوز الصراع. كل ذلك إذا قصد به الانتفاع والارتياض للحرب، جاز بغير عوض في جميعه. الباب الثاني: في الرمي وهو كالسبق بين الخيل والإبل، فيما يجوز ويكره، وما يختص الرمي به من كونهما يشترطان رشقاً معلوماً، ونوعاً من الإصابة معيناً، من خسق أو إصابة من غير خسق وسبق إلى عدد مخصوص من الإصابة، أو يشترط أن أحدهما لا يحتسب له إلا بما أصاب في الدائرة

стр. 340

خاصة. ويحتسب للآخر ما أصاب في الجلد كله، وغير ذلك مما يشبهه، فجميعه صحيح لازم، ويختص بالرمي عن القوس دون غيره. فرع: لو عرض للسهم نكبة من بهيمة عرضت، أو انكسر السهم أو القوس، فلا يكون بذلك مسبوقاً. وأما الفارس يسقط عن فرسه، أو يسقط الفرس فينكسر، فإن كان السباق بين جماعة، خرج هذا عنه، وإن لم يكن إلا هو وقرينه، فحكى محمد بن المواز أن الذي رأى أهل الخيل عليه أن يعدوا الذي بلغ الغاية سابقاً، ثم قال: وما لهذا عندي وجه. واختار هو أن كل ما كان من قبل الفارس من تضييع السوط، وانقطاع اللجام، وحرن الفرس، فلا يعذر به، وكذلك لو نفر من السرادق، فلم يدخله ودخله الآخر، سبق الممتنع. قال: وإن كان ذلك من غيره، كما لو نزع سوطه، أو ضرب وجه فرسه عذر [به]، ولم يكن مسبوقاً.

стр. 341

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ كتاب الإيمان وفيه ثلاثة أبواب: الباب الأول: في نفس اليمين قال القاضي أبو بكر: ((اليمين عبارة عن ربط العقد بالامتناع والترك، أو بالإقدام على فعل بمعنى معظم حقيقة أو اعتقاداً، لكن يختص إيجاب الكفارة من ذلك بما ربط باسم الله سبحانه، أو بصفة من صفاته النفسية أو المعنوية، دون الصفات الفعلية)). ولا تجب الكفارة في يمين الغموس، إذ الفعل ماض، ولا في اللغو، وهو الحلف على شيء يظنه على ما حلف عليه، ثم [يتبين] له خلافه، وقيل: هو القول: ولا والله، بلى والله والجاري على اللسان من غير قصد. ولا تجب بالمناشدة: وهي أن يقسم غيره عليه، ولا تجب إذا قال عقيبه: إن شاء الله، قاصداً بذلك حل اليمين. ثم الألفاظ التي يحلف بها قسمان: أحدهما: تجريد الاسم المحلوف به، كقولك: الله لا فعلت، والآخر: زيادة عليه، وهي ضربان: متصلة وهي الحروف نحو: والله وبالله وتالله وأيم الله ولعمر الله. منفصلة وهي الكلمات، نحو: (أحلف) وأشهد وأقسم، فهذه إن قرنها بالله أو بصفاته نطقاً أو نية كانت أيماناً، وإن أراد بها غير ذلك، أو أعراها من نية، لم تكن أيماناً يلزم بها حكم، ولفظ ماضيها كمستقبلها. ولو حلف بمخلوق كالنبي والكعبة، أو قال: إن فعل فهو يهودي، أو برئ من الله، فليس بيمين. ولو قال: بالله أو بالرحمن أو بالخالق أو الرازق، وما لا ينطلق على غير الله، ثم حنث فعليه الكفارة.

стр. 342

(فلو قال): أردت بالله، وثقت بالله، ثم ابتدأت لأفعلن، دين. ولو قال: بالجبار أو الرحمن أو الرحيم أو الحق أو العليم أو الحكيم، كانت أيماناً، وكذا قوله: وحق الله، وحرمة الله، وقدرة الله، وعلمه، وكلامه. وكذلك قوله: وجلال الله، (وعظمته)، وكبريائه، كلها أيمان. ولو قال: بالشيء أو الموجود، وأراد به الإله ، كان يميناً. (وكذلك) كل ما كان من صفات النفس أو المعنى، ولا تجوز اليمين بصفات الفعل، ولا تجب فيها كفارة، كقوله: وخلق الله، ورزق الله، وشبه ذلك. فرعان: الأول: إذا حلف بعدة من أسماء الله سبحانه؛ كقوله: والله والسميع والخبير ونحوه، لم تتكرر عليه الكفارة. وإن جمع في حلفه جملة من الصفات؛ كقوله: وقدرة الله وعزته وجلاله، فذكر عبد الحق أن مقتضى الروايات يقتضي أن ذلك على قولين في تكرر الكفارة عليه بذلك. وحكى القول بتعدد الكفارات عن الشيخ أبي عمران، وأنه فرق بأن عطف بعض الصفات على بعض لا يصلح إلا بالواو، ويصح أن يقال: والله السميع العليم اللطيف. الفرع الثاني: إذا قال: الأيمان تلزمني إن فعلت كذا، ثم فعل، فقال الأستاذ أبو بكر: ليس لمالك ولا لأصحابه فيها قول يؤثر، وإنما تكلم فيها المتأخرون من أهل مذهبه، فأجمع هؤلاء المتأخرون على أنه يحنث فيها بالطلاق في جميع نسائه، والعتاق في جميع عبيده، فإن لم يكن له رقيق، فعليه عتق رقبة واحدة، والمشي إلى مكة في الحج، والتصدق بثلث جميع أمواله، وصيام شهرين متتابعين، قال: ثم اختلفوا في فرع، وهو الطلاق الواقع بها هل هو ثلاث أو واحدة؟ والأول: رأى أبي بكر بن عبد الرحمن رجل الأندلسيين. والثاني: رأي الشيخ أبي عمران، وسائر القرويين. ثم اختار هو أنه لا يلزمه أكثر من ثلاث كفارات على سنة اليمين بالله، وأن هذا اللفظ لا يدخل تحته إلا اليمين بالله تعالى دون جميع ما ذكروا من الطلاق والعتاق وغيره، إلا أن ينوي ذلك، أو يكون العرف جارياً في بلد يحلفون بهذه اليمين، وقد استمر العرف على أن المراد بها الطلاق والعتاق والصدقة والحج، فيلزمه حينئذ جميعها، قال: ولا فرق بين أن يقول: الأيمان تلزمني، أو لازمة لي، أو جميع

стр. 343

الأيمان، أو الأيمان كلها تلزمه. وحكى الشيخ أبو الطاهر أن المذهب لم يختلف في أن جميع الأيمان تلزمه، إن لم تكن له نية في القصر على أحدها، وكان ممن ينوي لأن (النية) لم تحضره، قال: ((لكن اختلف الأشياخ: هل يلزمه الطلاق ثلاثاً بهذا اللفظ أو إنما تلزمه واحدة؟)). ثم حكي عنهم في ذلك ثلاثة أقوال: يفرق في الثالث بين أن يكون له مقصد في التعميم، (فتلزمه) الثلاث، وبين أن لا يكون له مقصد في ذلك، فلا يلزمه إلا واحدة، قال: ((ولا فرق بين أن يقول: كل الأيمان أو جميع الأيمان أو لا يقول ذلك)). هذا حكم الطلاق، فأما غير ذلك فيلزمه عتق من يملك قبل حنثه والمشي إلى بيت الله تعالى، والصدقة بثلث المال، وكفارة اليمين بالله، وصوم شهرين متتابعين. ومن اعتاد اليمين بصوم سنة، فإنه يلزمه ذلك. وهكذا يجري في حكم أيمان البيعة. واختلف فيمن حلف بأشد ما أخذ أحد على أحد، فقال ابن وهب فيما روى عبد الملك بن الحسن عنه في العتبية: ((تكون عليه كفارة اليمين بالله))، وروي عن ابن القاسم أنه إن لم تكن له نية، فإنه تتعلق به جميع الأيمان، كما تتعلق بيمين البيعة. الباب الثاني: في الاستثناء والكفارة ، وفيه فصلان [الفصل] الأول: في الاستثناء وقد اختلف الأصحاب: هل هو حل اليمن، أو بدل عن الكفارة؟ وهذا قول ابن القاسم، والأول قول ابن الماجشون: قال القاضي أبو بكر: ((وهو مذهب فقهاء الأمصار))، قال: ((وهو صحيح، لأنه تبين أنه غير عازم على الفعل)). وشرطه: أن يكون متصلاً، ولا يشترط أن يكون قصده مقارناً لبعض حروف اللفظ.

стр. 344

واشترط ابن المواز أن يكون قصد الاستثناء مقارناً ولو لآخر حرف، قال: فلو انقضى آخر يمينه وهو غير قاصد للاستثناء ثم أتبعها الاستصناء من غير صمات ولا نفس، لم ينفه، حتى يبدو له في الاستثناء قبل آخر حرف من يمينه، فيكون له ذلك، إذا لم يكن بين ذلك صمات إلا النفس. وقال القاضي أبو إسحاق: لا يكون الاستثناء أبداً سبقاً باليمين، إلا وقد أراده صاحبه قبل أن يتم اليمين. فأما إن لم يعزم عليه إلا بعد فراغه، فإنه لابد لذلك العزم من وقت يتخلل بين اليمين والاستثناء، فلا يصح معه [حكم] النسق، ويبرد حكم اليمين في ذلك الوقت. وإذا عزم على الاستثناء قبل آخر جزء من أجزاء يمينه، وإن قل، صح، لأنه لو قطع يمينه في هذا الموضع، وسكت عن تمامها، لم تلزمه. ثم الاستثناء قسمان: أحدهما: إخراج بعض ما تناوله اللفظ بصيغة إلا، ولا يجزئ فيه القصد عن غير نطق إن قيدت الحالف البينة، وكانت اليمين مما يقضي به، فإن كانت اليمين مما لا يقضي به، أو لم تقيده بينة، ففي الإجراء من غير نطق خلاف منشؤه النظر إلى أنه من باب تخصيص العموم فيجزي بالنية، أو النظر إلى أن له حقيق الاستثناء، فلا يجزي إلا نطقاً. وهذا كما إذا حلف على أشياء: لأفعلها، مثلا واستثنى بعضها، أو حلف بالأيمان تلزمه وحاشى الزوجة، وما أشبه ذلك. القسم الثاني: بمعنى حل اليمين، مثل الاستثناء بصيغة إن أو بصيغة إلا، أن كما إذا استثنى رأي نفسه أو غيره، واستثنى صفة من صفات الفعل، ولا يجزي ذلك إلا نطقاً؛ كقوله: إلا أن أرى غير ذلك، أو يبدو لي، فيكون الاستثناء في هذا القسم رافعاً لحكم اليمين عن كل ما تناولته وموقفاً لجملتها. وفي القسم الأول إنما رفع الحكم عن بعض ما تناولته اليمين دون سائره. وقال أبو القاسم بن محرز؛ لا فرق بين الصيغ، وإنما فرق الفقهاء بين الاستثناء والمحاشاة، لاختلاف معانيهما، ثم اختار إن ما كان بابه إيقاف حكم اليمين (كلها) ورفع حكمها، فلا يصح فيه الاستثناء إلا بالنطق، وما كان بابه رفع الحكم ن بعض ما تتناول اليمين، نظر فإن كان من أصل ما حلف عزله في نفسه، وعلق اليمين بما سواه، فذلك له، وهذا الذي يسميه الفقهاء: محاشاة. وإن كان لم [يعزله] في أصل عقد يمين، بل علقه يمينه بجميع الأشياء المحلوف عليها، ثم استدرك باستثناء بعضها، فلا ينعقد الاستثناء ها هنا حتى يحرك به لسانه، لأنه إنما

стр. 345

يريد حل ما قد انعقد بيمينه وإيقاف حكمه، وذلك ما لا يصح إلا بالنطق. قال: وسواء كان استثناؤه بإلا أو بغيرها من الألفاظ التي تتناول البعض. فرع: حيث قلنا: لابد من النطق بالاستثناء، فتحريك شفتيه يجزيه، وإن لم يجهر به. قال ابن حبيب عن أصبغ وغيره: هذا في غير المستحلف، فإن استحلف فلابد من الجهر. وقال ابن المواز فيما كان من الأيمان وثيقة في حق، أو شرطاً في نكاح، أو عقد بيع، أو ما يستحلفه أحد عليه، لا تجزيه حركة اللسان، حتى يظهره ويسمع منه. ولابد في الاستثناء من قصد حل اليمين، ولو قصد التفويض إلى مشيئة الله وامتثال أمره تعالى في قوله: ﴿ولا تقولن لشئء إني فاعل ذلك غداً * إلا أن يشاء الله﴾، لم ينفعه استثناؤه. الفصل الثاني: في الكفارة والنظر في السبب والكيفية والملتزم أما السبب فهو يمين معقودة، فلا كفارة في الغموس، ولا في اللغو. وإنما توجب اليمين عند الحنث، وهل هو ركن أو شرط؟ فيه خلاف. فائدته جواز تقديمها بعد اليمين على الحنث. ولا يحرم الحنث باليمين، لكن الأولى أن لا يحنث، إلا أن يكون الخير في الحنث. . النظر الثاني: في الكيفية، وهي ثلاثة أنواع: الأول: عتق رقبة، يشترط فيها ما قدمناه في الصيام. النوع الثاني: إطعام عشرة أمداد لعشرة مساكين، إن كان بمدينة الرسول ﷺ ، واختلف إذا كان ذلك في غيرها. فقال ابن القاسم: ((يجزيه المد بكل مكان))، وقال غيره: يخرج الوسط من الشبع. ثم قال بعضهم: هو رطلان بالبغدادي من الخبز، وشيء من الأدم، وعد ذلك الوسط من الشبع في سائر الأمصار. (وقال ابن المواز: أفتى ابن وهب بمصر بمد ونصف. وأشهب: بمد وثلث، قال: وإن مداً وثلثاً لوسط من عيش الأمصار في الغداء والعشاء). النوع الثالث: كسوة عشرة مساكين، ويكفي في الكسوة في حق الرجال الثوب الواحد الساتر لجميع الجسد.

стр. 346

وأما في حق النساء فأقل ما (تجزئهن) فيه الصلاة، وهو الدرع والخمار، وهكذا حكم الصغار منهن، وقيل: يكسى صغارهن ما يكسى كبارهن قياساً على الطعام، فإن عجز عن جميع ذلك فصوم ثلاثة أيام، ولا يجب التابع فيه، وإن استحب. فرع: لو لفق الكفارة من النوعين (الأخيرين)، فأطعم خمسة مساكين وكسا خمسة، فقال ابن القاسم في الكتاب: ((لا يجزيه))، وهو قول أشهب. قال محمد: وروي عن ابن القاسم أيضاً أنه يجزيه. النظر الثالث: في الملتزم، وهو كل مسلم مكلف حنث، حراً كان أو عبداً، لكن العبد ليس عليه إلا الصوم، فيجزيه بلا خلاف، ولا يجزيه العتق لأن الولاء لغيره. وأما الكسوة والإطعام، فقال في الكتاب: ((إذا كسا أو أطعم بإذن سيده رجوت أن يجزيه، وليس بالبين، والصوم أحب إلي)). وحكى المتأخرون في الإجزاء قولين، وعللوا المنع بأن السيد لم يملكه ما كفر به، وإنما أذن له في صرفه في الكفارة خاصة، فحصل العبد مكفراً بما لم يستقر ملكه عليه، وإنما أمر بالكفارة بما يملكه. الباب الثالث: فيما يقتضي البر والحنث ، ويتهذب الغرض ... من هذا الباب بمقدمة وركنين: المقدمة: اعلم أن المقتضيات للبر والحنث أمور: الأول: النية، إذا كانت مما يصلح أن يراد اللفظ بها، كانت مطابقة له أو زائدة فيه، أو ناقصة عنه بتقييد مطلقه، وتخصيص عامه. الثاني: السبب المثير لليمين [ليتعرف] منه، ويعبر عنه بالبساط أيضاً، وذلك أن القاصد إلى اليمين لابد أن تكون له نية، وإنما يذكرها في بعض الأوقات، وينساها في بعضها، فيكون المحرك على اليمين وهو البساط دليلاً عليها لكن قد يظهر مقتضى المحرك ظهوراً لا إشكال فيه، وقد يخفى في بعض الحالات، وقد يكون ظهوره وخفاؤه بالإضافة. الثالث: العرف: أعني ما عرف من مقاصد الناس في أيمانهم.

стр. 347

الرابع: مقتضى اللفظ لغة ووضعاً. والمشهور أن هذه الأمور على ما ذكرناه من الترتيب. وقيل: ينتقل عند عدم السبب والبساط إلى وضع اللغة، ولا يعتبر العرف. وقال الشيخ أبو الطاهر: ((إذا فقدت النية والبساط، فهل يحمل اللفظ على مقتضاه لغة، أو مقتضاه عرفاً، أو متقضاه شرعاً إن كان له مقتضى في الشرع يخالف الأمرين؟ في ذلك ثلاثة أقوال)). قال الشيخ أبو الوليد: ((هذا كله فيما كان من ذلك مظنوناً))، قال: ((فأما ما كان معلوماً كقوله: والله لأقودن فلاناً كما يقاد البعير، ولأعرضن على فلان النجوم في القايلة، وشبه هذا، فهذا يعلم أن القصد به خلاف اللفظ)). قال: ((فلا خلاف في أنه يحمل على ما علم من مقصده به)). هذا تمام المقدمة، ولنشرع بعدها في الركنين. الركن الأول: في تنزيل مسائل أهل المذهب على ما قدمناه ذكره من الأمور، ويشتمل على أنواع: النوع الأول: النظر إلى المقاصد، أو إلى السبب المحرك لليمين، كمن حلف: لا ساكن إنساناً، فإنه ينتقل عن مساكنته حتى ينتقل حاله عن الحالة الأولى التي كانا عليها، فإن كان معه أولاً في دار واحدة انتقل عنها، فإنه ضرب بينهما حائطاً حتى تصير دارين ببابين إلى سكتين، فقال ابن القاسم في الكتاب: ((قال مالك: ما يعجبني، وكرهه)). قال ابن القاسم: ((ولا أرى أنا به بأساً، ولا أرى عليه حنثاً)). ولو صار أحدهما في علو الدار، والآخر في السفل، فلا حنث. وقال ابن القاسم: ((إن أراد التنحي عنه جملة، فهو أشد، وإن اراد لما يدخل بين العيال، فهو أخف))، يريد: في القرب والبعد. ولو كانا في بيت واحد، فانتقلا إلى بيتين في دار، لم يحنث، وإن كانا في حارة واحدة انتقل عنها. ولو لم يكن بينهما تجاور في دار ولا حارة، بل كانا في بلد واحد، وظهر أنه قصد الانتقال عنه انتقل عنه، وهل يكفيه الانتقال عنه إلى مكان لا يلزمه إتيان الجمعة منه أو لابد من مسافة قصر الصلاة؟ قال محمد: القياس الأول، والثاني استحسان. ولو حلف ليسافرن، فالنص أنه يسافر مقداراً تقصر فيه الصلاة. وقال الشيخ أبو الطاهر: ((وهذا مقتضى اللفظ شرعاً، ولو نظر إلى مقتضى اللفظ وضعاً لكفاه أقرب سفر. أو إلى المقاصد العرفية لاعتبر ما يسميه الناس في ذلك القطر سفراً عرفاً)).

стр. 348

فروع ثلاثة: الأول: لو انتقل أو سافر، فلابد من إقامته بالمكان الذي انتقل إليه مدة لها تأثير، لكن اختلف في تحديدها، والتعويل فيها على ما يظهر من القصد. وقد قال ابن القاسم: لو رجع بعد خمسة عشر يوماً لم يحنث، والشهر أحب إلي إلا أن ينوي الدوام. ورأى ابن المواز أن القياس إجزاء أدنى زمن، وهو على مراعاة الألفاظ، والأول على مراعاة المقاصد. الفرع الثاني: إذا حلف على الانتقال من مسكن، فتأخر مدة يضطر إليها في انتقاله، لم يحنث. فإذا تراخى زيادة على ذلك، فقال ابن المواز: أخاف عليه الحنث، وفي الواضحة: لا حنث عليه. الفرع الثالث: أن يحلف على ترك سكنى موضع، فتجب المبادرة بالانتقال، فإن تأخر حنث. وقال أشهب: لا يحنث بما دون اليوم والليلة. وكذلك لو انتقل بنفسه، وأبقى رحله بالموضع لحنث، إلا أن يبقى ما لا مقدار له كالمسمار وشبهه على أن لا يأخذه بعد ذلك. ورأى اشهب أنه لا يحنث، وإن أبقى رحله. النوع الثاني: النظر إلى المقاصد أو إلى مقتضى الألفاظ، كمن حلف: لا كلم إنساناً، فكتب إليه أو أرسل رسولاً، ففي تحنيثه بذلك خلاف: التحنيث بهما، وهو مذهب الكتاب، ونفيه فيهما، قاله أشهب في كتاب محمد. وروى ابن القاسم وأشهب التفرقة بين الكتاب والرسول، فحنثه بالكتاب دون الرسول، هذا كله مع عدم النية. فإن ادعى أنه أراد أن لا يشافهه ففي قبول ذلك منه وعدم قبوله ثلاث روايات، يفصل في الثالثة: فيقبل منه في الرسول دون الكتاب. وإن كتب إليه، فأخذ الكتاب قبل أن يصل إلى المحلوف عليه، فقال ابن القاسم في الكتاب: ((قال مالك: لا أرى عليه حنثاً، وهو آخر قوله)). فرع: إذا قلنا: إنه يحنث بالكتاب، فوصل، فلم يقرأه المكتوب إليه، فحكى الشيخ أبو الطاهر في وقوع الحنث قولين، قال: ((وذلك كما لو حلف لا كلم إنساناً، فكلمه بحيث يسمعه، فلم يسمع المحلوف عليه. فأما لو كتب المحلوف عليه إلى الحالف: فإن لم يقرأ

стр. 349

كتابه، لم يحنث، وإن قرأه، فقال ابن القاسم: يحنث. وقال أيضاً هو وأشهب: لا يحنث)). ولو حلف: ليكلمنه لم يبر بالكتاب. وإن حلف: ليعلمنه أمراً، فعلمه من غيره، فقد نصوا على أنه لا يبر حتى يعلمه. ولو أسر إلى رجل سراً، وحلف على كتمه، ثم أسر إلى غيره، فتحادث الحالف مع من أسر إليه ثانياً، فأخبره بالسر، فقال الحالف: ذكر لي ذلك، وما ظننته ذكره لغيري، لحنث. ولو حلف: لا فارق غريمه إلا بحقه، ففر منه، فقال في الكتاب: ((إن كان إنما غلبه غريمه، وإنما نوى أن لا يفارقه مثل ما يقول: لا أخلي سبيله، ولا أتركه إلا أن يفر، فلا شيء عليه)). وإن غصب نفسه أو فرط، فهذا يحنث، إلا أن يقول: نويت إلا أن أغلب أو أغصب. وفي كتاب محمد: لا يحنث، وكذلك في المستخرجة لابن القاسم. ولو كان لفظه: لا فارقني، لحنث قولاً واحداً. ولو حلف أن لا يدخل دار فلان، فانتقلت عن ملكه، لم يحنث بدخولها. فإن قال: هذه الدار، حنث. ولو انهدمت وخرجت حتى صارت طريقاً، ودخلها، فقال ابن القاسم: أرى أن لا يحنث، قال: ولو بنيت بعد ذلك داراً، فلا يدخلها لأنها حين بنيت بعد فقد صارت داراً. ولو حلف: لأتناول طعام إنسان، فتناوله بعد أن ملكه آخر ممن يتصرف لنفسه، ولا نقص في ملكه، فلا حنث، فإن كان المتصرف له الحالف كابنه الصغير يأخذ من طعام المحلوف عليه شيئاً، فأكله الحالف حنث. وقال سحنون: لا يحنث لأن ابن الحالف ملك ذلك الطعام، وزال ملك المحلوف عليه عني. قال أبو إسحاق التونسي: لم يجعل ملك ابنه تقرر على ما أعطاه، فيصير الأب أكل مال ابنه لا مال المحلوف عليه. قال: ولعله أراد أن ذلك يصير للأب، إن يرده، فلما كان له أن يرده لم يتقرر للابن عليه ملك، إلا برضا الأب، فلهذا حنث. قال: وأما لو (وهبه) هبة كثيرة لها بال لا يقدر الأب على ردها، فأكل منها الأب لانبغى أن لا يحنث لأنه مال لابنه لا يقدر الأب على رده على الواهب.

стр. 350

وحكى الشيخ أبو الطاهر في هذه الصورة قولين، وكذلك حكى القولين فيما إذا كان الآخذ غير كامل الملك كعبد الحالف، وعلل عدم الحنث بالنظر إلى وجود الملك الآن، وعلل الحنث يكونه قادراً على الانتزاع منه، فكأنه غير ملك. ولو حلف أن لا تخرج زوجته إلا بإذنه، فأذن لها بحيث لا تسمع، فإنه لا ينتفع بذلك. قال أبو الجسن اللخمي: ((ولو قال: لا خرجت إلا أن آذن، لم يحنث قياساً على من حلف: ليقضين فلاناً حقه لأجل سماه إلا أن يؤخره، فأخره ولم يعلم)). ولو حلف: ليأكلن طعاماً غداً، فبادر لأكله الآن، حنث، إلا أن يكون مقصوده تعجيل أكله. ولو حلف: ليقضين غريماً له حقه الغد فقضاه اليوم، لبر؛ لأن المقصود التعجيل إلا أن يريد المطل. ولو حلف: لا آكل، فشرب سويقاً أو لبناً، حنث إذا قصد التضييق على نفسه بترك الغداء. ولو كان قصده الأكل دون الشرب، لم يحنث. ولو دفن مالاً فنسي مكانه، فبحث عنه، فلم يجده، فحلف على زوجته أنها أخذته، ثم وجده، لم يحنث لأن قصده: إن مر فهي آخذته. ولو حلف: ليضربن عبده عشرة أسواط، فجمعها وضربه بها ضربة واحدة، لم يبر. ولو حلف: أن لا يتكفل بمال، فتكفل بوجه، حنث على المنصوص أيضاً. ورأى أبو الحسن اللخمي أن القياس عدم الحنث. ولو حلف: ليقضنه حقه إلى أجل، فقضاه فوجد نقصاً أو زيوفاً أو عيباً، حنث. قال أبو الحسن اللخمي: ((وهذا مراعاة للفظ، وأما على النظر إلى المقاصد، فلا يحنث)). ولو حلف: أن لا يفارق غريمه إلا بحقه، لم يبر بالرهن ولا بالكفيل ولا بالحوالة. وإن كانت (يمينه): إلا بثقة [من] حقه، بر بالرهن والكفيل والحوالة أيها كان. وإن حلف: أن

стр. 351

لا يفارق، وبينه وبينه معاملة، بر بالحوالة دون الكفيل والرهن. وإن حلف: (ليقضينه) حقه إلى شهر كذا، أو حين انقضاء الشهر، أو عند انسلاخه، أو بحلوله، فقيل: يكون له يوم وليلة من الشهر الثاني. وقيل: يجب الوفاء قبل انقضاء الأول، فإذا انقضى وقع الحنث. ولو قال: في الهلال، لكان له يوم وليلة. النوع الثالث: الالتفات على النظر إلى الأغراض أو إلى مقتضى الألفاظ في اللغة أو في الشريعة، كما لو حلف: لا كلم فلاناً، أو ليهجرنه الأيام، فالمنصوص أنه يهجره أبد الدهر. قال الشيخ أبو الطاهر: ((وألزم أبو الحسن اللخمي أنه يبر بهجرانه أيام الجمعة من الخلاف. فمن حلف ليهجرنه الشهور، ففي قول: يهجره الدهر، وفي قول يهجره شهور السنة؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْراً﴾. قال: ((وهذا من أضعف ما يعول عليه من الألفاظ الشرعية)). (ولو حلف: ليهجرنه، غغي العتبية والواضحة: أنه يبر بهجران ثلاثة أيام، لأنها نهاية الهجران الجائز شرعاً. وفي كتاب محمد: لا يبر إلا بالشهر، لأنه الزمان المحدود في العقود، وكثيراً ما تقع الأيمان عليه، فكأنه المعتاد. ولو قال: لأطلبن هجرانه، فقال محمد: يهجره سنة. وقيل: شهر يجزيه. قال أبو الحسن اللخمي: ((وقول محمد احتياط، ليس أنه لا يجزي دون ذلك))، قال: ((فإن كان بينهما مصادقة ومصافاة فالشهر طويل، وتلحق فيه المشقة، وإن لم يكونا على ذلك، فالشهر قليل. ولو قال: لأهجرنه أياماً أو شهوراً أو سنين، للزمه أقل الجمع، وهو ثلاثة. ولو حلف: لا كلمه أو لا فعل حيناً، فالمنصوص أنه يكون مقتضى يمينه سنة؛ لقوله تعالى: ﴿تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ﴾. ورأي أبو الحسن اللخمي أنه ينطلق على اليسير من الزمن والكثير؛ لقوله تعالى: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾.

стр. 352

قال الشيخ أبو الطاهر: ((لكن الحين ها هنا مفترق بالمساء والصباح، والحين الذي وقع الكلام فيه مطلق)). ومما سلك به مسلك الحين: الدهر والزمان والعصر، إذا كان منكراً، فإنه ينصرف إلى السنة. لو (عرفه) بالألف واللام، فقيل: (هو) كالأول، (ينصرف) إلى السنة. وقال الداودي: الأكثر في الزمان والدهر مدة الدنيا. قال أبو الحسن اللخمي: ((يريد الأكثر من القول)). وروي في كتاب ابن حبيب في الدهر أنه أكثر من سنة. قيل لمطرف: فسنتان؟ قال: قريب، وما أوقت فيها وقتاً. النوع الرابع: يلتفت على النظر إلى العرف، أو أصل التسمية في اللغة، كالحالف أن لا يأكل لحماً، فإنه يحنث بأكل لحم الحوث. وأشهب: لا يحنثه إلا بأكل لحوم الأنعام الأربع خاصة، دون الوحش وغيره. وكذلك لو حلف: أن لا يأكل بيضاً، فابن القاسم يحنثه حتى ببيض الحيتان، وأشهب: لا يحنثه إلا ببيض الدجاج، وما العادة تناوله كثيراً، واستحسن تحنيثه بأكل بيض سائر الطير، والقياس عنده الاقتصار على ما العادة أكل بيضه، كالدجاج وما في معناها. وكذلك الحالف لا أكل رؤوساً، فأكل رؤوس الطير والحيتان، يحنث عند ابن القاسم، ولا يحنثه أشهب إلا بأكل رؤوس الأنعام الأربعة. وكذلك لو حلف: لا آكل خبزاً، هل يحنث بأكل ما يصنع من الحنطة كالإطرية والهريسة والكعك، أم لا؟ قال الشيخ أبو الطاهر: ((والكعك أقرب إلى الحنث، لأنه ملحق بالخبز قطعاً)). قال: ((ولو بدا ما يدل على التخصيص، لم يختلف فيه، وكذلك لو بدا ما يدل على التعميم، بأن يقصد التضييق على نفسه لحنث)). ولو حلف: لا آكل عسلاً، فأكل عسل الرطب، فالمنصوص لابن القاسم تحنيثه، إلا أن تكون له نية. (وأجرى الشيخ أبو محمد على مذهب أشهب نفي الحنث).

стр. 353

ولو حلف: لا آكل أداماً، لجرى على الخلاف: هل يحنث بكل ما يؤتدم به، أو يجري الأمر على ما يؤتدم به في العادة؟ وكذلك لو حلف: لا آكل فاكهة، ففي الرواية يحنث بالباقلي الخضراء، وما أشبهها وهو يرجع إلى ما تقدم. وكذلك لو حلف: لا كلم إنساناً، فسلم عليه، فإن كان في غير الصلاة حنث، وإن كان في الصلاة، فهل يحنث أم لا؟ مذهب الكتاب: نفي الحنث، إذا كان مأموماً والمحلوف عليه هو الإمام فرد عليه. وفي كتاب محمد: أنه يحنث. ولو كان الإمام هو الحالف فسلم تسليمتين حنث، قاله في كتاب محمد. ورأى أبو الحسن اللخمي نفي الخلاف في التسليمة التي يخرج بها من الصلاة، قال: ((وإنما الخلاف فيما عدا ذلك، وقد أحنثه ابن القاسم إذا حلف على نفي الكلام، فصلى وراءه ففتح عليه)). قال الشيخ أبو الطاهر: ((وعلى النظر إلى المقاصد لا يحنث)). ولو حلف: لا ((أكلمه))، فكلمه بحيث لا يسمع، لم يحنث. وإن كلمه بحيث يسمع، فلم يسمع لشغل أو غيره، أو كان نائماً فصاح به فلم يستيقظ، فهل يحنث لأنه قصد كلامه، أم لا يحنث إذ لم تحصل المواصلة بذلك؟ قولان لابن القاسم. النوع الخامس: النظر إلى التمادي على الفعل، هل يكون كابتدائه في البر والحنث، وقد قالوا فيكم حلف على ركوب دابة أو لباس ثوب، وهو راكب ولابس: أنه ينزع وينزل، فإن تمادى كان كما لو ابتدأ، وقد تقدم ما في السكنى. ولو حلف: لا يدخل داراً، وهو فيها، فهل يلزمه الخروج حينئذ؟ قولان. قال ابن القاسم: لا شيء عليه إن لم يخرج. وقال أشهب في كتاب محمد: إن لم يخرج مكانه حنث. قال الشيخ أبو الطاهر: ((ومقتضى ما قالوه في اللباس والركوب ما قاله أشهب)). قال: ((والفرق عند ابن القاسم حصول التسمية في اللابس والراكب بالدوام، وعدم حصول اسم الدخول بالبقاء في الدار)). وأما لو قال للحائض: إذا حضت، أو للطاهر: إذا طهرت، (أو) للحامل: إذا حملت،

стр. 354

فأنت طالق. فقال سحنون: هو على وجود هذه في المستقبل. قال الشيخ أبو الطاهر: ((ولا شك أنها تتصف بهذه الأسماء في الحال، لكن من حملها على الموجود في الاستقبال رأى أن المقصد وظاهر اللفظ يقتضي وجوداً مستأنفاً، لا ما هو حاصل الآن)). قال: ((ومبنى هذا النظر على مراعاة الألفاظ والمقاصد، لكن الخلاف: هل يعجل بالطلاق، أو يستأنى به حتى توجد هذه الأفعال؟ على أصل ثان، وهو من علق بيمينه على ما الغالب وجوده، (هل) يعد كالموجود أم لا؟)). ويلاحظ هذا الأصل أن يحلف: لا دخل على إنسان بيتاً، فدخل المحلوف عليه على الحالف، ففي تحنيثه بذلك خلاف، وفيه قال مالك: لا يعجبني. قال الشيخ أبو الطاهر: ((ومقتضى لفظه نفي الحنث، إلا أن يريد أن لا يجتمع معه)). قال: ((ولم يحنثوه باجتماعه معه في المسجد، سواء حلف: لا دخل عليه، أو لا اجتمع معه في بيت، وفيه قال مالك: ليس على هذا حلف)). قال: ((وأحنثوه بالحمام. وفرق ابن المواز بأن الحمام لا يلزم دخوله، بخلاف المسجد، وتعقبه أبو الحسن اللخمي بأن له مندوحة أيضاً عن المسجد، بأن يصلي في غيره)). قال أبو الحسن اللخمي: ((قول مالك ليس على هذا حلف، حسن. وليس القصد المسجد والحمام)). ولو (دخل عليه (في بيت)، وهو ميت، فروى أشهب أنه يحنث. وقاله عبد الملك. وقال سحنون: لا يحنث. الركن الثاني: في التنبيه على خلافهم في الحمل على مقتضى اللفظ إذا عدم ما قبله من المحامل، ويشتمل على ثلاثة أنواع: النوع الأول: إذا حلف على فعل ما، فهل يحمل على أقل ما يحتمله اللفظ بناء على الأصل في براءة الذمة، أو على الأكثر بناء على عمارتها به؟ وهذا هو المشهور من المذهب. وعليه الخلاف فيمن حلف: لا آكل رغيفاً، فأكل بعضه، فإنه يحنث في المشهور. ولو حلف: ليأكلنه، لم يبر إلا بأكل جميعه قولاً واحداً، لأن كل جزء منه محلوف عليه.

стр. 355

ولو حلف بطلاق زوجته إذا وضعت ما في بطنها، فوضعت ولداً وبقي ثان، لجرى على القولين. وكذا لو علق الطلاق على الوطء، لحنث بمغيب الحشفة على المشهور، وعلى القول الآخر: لا يحنث بدون الإنزال. وكذا لو حلف: لا هدم حائطاً أو بئراً، فهل يحنث بفعل البعض أم لا؟ القولان، ولو حلف: لا آكل خبزاً وزيتاً، فأكل أحدهما، جرى على الخلاف عند فقد النية. النوع الثاني: أن يحلف على فعل شيء فينتقل. فإن انتقل إلى ما ليس هو معداً للانتقال إليه، كمن حلف ليأكلن طعاماً، ففسد فأكله، فقيل: لا يحنث لأنه قد أكله، وقيل: يحنث، لأنه لم يأكله طعاماً. ولو انتقل إلى ما هو معد للانتقال إليه، وقد ذكر في يمينه لفظه من كقوله: لا أكلت من هذا القمح أو اللبن، فإن قرب تغيره ولم يبعد، فالمذهب كله على أنه يحنث، وإن أكله منتقلاً، وإن بعد تغيره، كمن حلف أن لا يأكل من هذا الطلع، فأكل من بسره أو رطبه أو ثمره، فالمشهور أنه يحنث أيضاً. وقال محمد: استحسن أشهب أن لا حنث عليه، لبعد ما بينهما في الطعم والمنفعة والاسم. فلو كان المتناول ما يتولد من الشيء تولداً لا يكون جزءاً منه؛ كقوله: لا أكلت من هذه الشاة، فشرب من لبنها، لم يحنث، إلا أن يريد ترك الانتفاع منها من كل وجه. وفي حنثه بأكل ولدها خلاف حكاه ابن ميسر، سببه النظر إلى أنه ليس بجزء حقيقة فأشبه اللبن، أو النظر إلى أنه مشبه لها، فأشبه الجزء. ولو لم يذكر لفظة: ((من)) فإن نكر، فالمذهب أنه لا يحنث فيما يتولد من ذلك الشيء، إلا أن يقرب جداً، كالسمن من الزبد، ففيه قول بالحنث. وإن عرف، فأشار إلى معين وبعدت الاستحالة، فلا حنث، وإن قربت جداً، وكان الغالب أن ذلك الشيء لا يؤكل إلا بعد أن يصنع فيه ما صنع، حنث. قال ابن المواز: ولم يره ابن القاسم إلا في خمسة. من حلف: لا آكل هذا القمح فأكل خبزه، أو هذا اللحم، فأكل مرقته. وكذلك أجرى حكم من قال: لا أكلت هذا العنب، فأكل عصيره، أو الزبيب أو التمر، فأكل نبيذهما، لأن أجزاء هذه المعتصرة هي بعينها التي أكل، ولم تبعد الاستحالة، أو هذا اللحم، فأكل شحمه؛ لأن الاسم ينتظمه. ووقع لابن المواز: من حلف لا آكل هذا القمح، فأكله (خبزاً)، أنه لا يحنث. قال
следующие страницы →