Полный текст (1 311 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.
стр. 526
جار على ذلك الأصل)).
الفرع الخامس: أن يتزوج ست نسوة، واحدة في عقد، واثنتان في عقد، وسمى لكل واحدة (منهن) صداقها، وثلاثاً في عقد رسمي لكل واحدة منهن صداقها، ثم يموت ولم يدخل بواحدة منهن، ولم يعلم السابق من عقودهن، فللمنفردة صداقها كاملاً، لأن نكاحها صحيح على كل تقدير، كان عقدها أولاً أو آخراً أو متوسطاً. وأما الخمس البواقي، فلكل واحدة منهن نصف صداقها، (لأنه) تارة يزول وتارة يثبت، فإن دخل بأربع فلكل واحدة من الخمس أربعة أخماس صداقها، وخمس ربع صداقها، لأنه لا شك أن ثلاثاً منهن دخل بهن لهن ثلاث صدقات، واثنتان قد حصل لهما نصف نصف كما تقدم قولنا، فذلك أربع صدقات، ونصف آخر يزول عنهن تارة إن كانت المنفردة هي من المدخول بهن الأربع، وتارة (يثبت) لهن إن كانت الرابعة من المدخول بهن من الخمس اللاتي ليس فيهن المنفردة، فيكون نصفه، وهو الربع بين خمس، فيصير لكل واحدة أربعة أخماس صداقها، وخمس ربع صداقها.
وعليهن عدة الوفاة والإحداد، يستكملن في ذلك ثلاث حيض، ولا حيض على المنفردة.
وأما الميراث، فقال سحنون: لما كان حال هذه المنفردة يتردد بين الثلث والربع، أعطيت نصف الثلث ونصف الربع، وأقل ما يقوم منه السدس والثمن أربعة وعشرون، فتأخذ السدس (والثمن) سبعة أسهم، ويبقى سبعة عشر بين الخمس، تسلم الإثنتان للثلاث سهماً، ثم يتنازع الجميع الستة عشر الباقية، فيقسم بين الفريقين نصفين، لكل فرقة ثمانية، فيصير للثلاث تسعة، لكل واحدة منهن ثلاثة، وللاثنتين ثمانية، لكل واحدة أربعة، وللواحدة سبعة.
الباب الرابع: في تعديد الطلاق، وفيه فصول
الفصل الأول: في نية العدد
فإذا قال: أنت طالق أو طلقتك، ونوى عدداً، نفذ ما نواه، ولو قال: أنت طالق، في واحدة، ونوى الثلاث، وقعت. ولو قال: أنت واحدة، ونوى الثلاث، وقعت الثلاث.
الفصل الثاني: في التكرار
فإذا قال: أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق ونوى التأكيد، لم تقع إلا واحدة. وإن نوى
стр. 527
التكرار ووقوع الثلاث، وقعت. وإن لم ينو شيئاً، فهو على التكرير.
وإن قصد بالثالثة تأكيد الثانية، وبالثانية الإيقاع وقعت ثنتان.
ولو قال: إذا دخلت الدار فأنت طالق، ثم كرر ذلك، فدخلت فهي طلقتان، حتى يريد واحدة.
ولو قال: أنت طالق طلقة فطلقة، وقعت إثنتان، كما لو قال: علي درهم فدرهم، لزمه درهمان.
ولو قال لها: أنت طالق ثم طالق ثم طالق، أو طالق فطالق فطالق، لزمته الثلاث ولا ينوي.
(ولو قال: أنت طالق، وأنت طالق وأنت طالق، لزمته الثلاث، ولا ينوي). قال مالك: وفي النسق بالواو شك.
قال ابن القاسم: ورأيت الأغلب على رأيه أنها مثل ثم، ولا ينوي، وهو رأيي.
ولو طلق زوجته، فقال له رجل: ما فعلت؟ فقال: هي طالق، فإن نوى إخباره، فله نيته. فإن لم تكن له نية، فهل تلزمه طلقة واحدة أو طلقتان؟ قولان للمتأخرين.
قال أبو القاسم بن محرز: (فإن) كان تقدم (له فيما قبل هذا الطلاق تطليقة حلف على ما ادعاه ليملك بذلك رجعتها الآن. وإن لم) يتقدم له فيها طلاق لم تلزمه يمين، لأنه يملك الرجعة في الوجهين جميعاً إلا أن يطلقها بعد هذا تطليقة، فلا يملك رجعتها، إلا بأن يحلف على ما ذكر.
وهذا كله في المدخول بها، فأما غير المدخول بها، فإذا قال لها: أنت طالق، ثم طالق، بانت الأولى، ولم تقع عليها الثانية. وكذلك إذا قال: أنت طالق فطالق.
أما إذا قال لها: (أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق، فإن الثلاث تلزمه)، إذا كان ذلك نسقاً متتابعاً من غير سكوت ولا فصل.
وقال القاضي أبو إسحاق: لا يلزمه سوى الأولى، لأنها بانت بها، إلا أن ينوي بقوله الأول: أنت طالق الثلاث، ثم كرر، بين ما أراد بقوله الأول.
ولو (قال): أنت طالق طلقة مع طلقة، أو معها طلقة أو تحت طلقة، أو فوق طلقة،
стр. 528
وقعت طلقتان بعد الدخول كان ذلك أو قبله.
ولو قال للمدخول بها: أنت طالق طلقة قبل طلقة، أو قبلها طلقة، أو بعد طلقة، أو بعدها طلقة، وقعت طلقتان.
الفصل الثالث: في الطلاق بالحساب ، (وهو ثلاثة أقسام)
القسم الأول: حساب الضرب، قال ابن سحنون عن أبيه فيمن قال: أنت طالق واحدة في واحدة، أو قال: في إثنتين، أو إثنتين في إثنتين، أو إثنتين في ثلاث (أو ثلاث) [في ثلاث]، وهذا ونحوه، فإنه يجري مجرى ضرب الحساب، فواحدة في واحدة واحدة، وإثنتان في إثنتين أربعة، تبين منه بثلاثة. وكذلك بقية هذا المعنى.
القسم الثاني: في التجزئة
فإذا قال: أنت طالق نصف طلقة، أو ربع طلقة، أو غير ذلك من الأجزاء، وقعت طلقة، وكملت. ولو قال: ثلاثة أنصاف طلقة، أو أربعة أثلاث طلقة، وقعت إثنتان، لزيادة (الأجزاء). وإذا قال: أنت طالق نصفي طلقة، وقعت واحدة. وكذلك نصف طلقتين. ولو قال: ثلث وربع وسدس طلقة، فهي واحدة. ولو قال: ثلث طلقة، وربع طلقة، وسدس طلقة، فهي ثلاث.
القسم الثالث: في الاشتراك:
فإذا قال لأربع نسوة: بينكن طلقة إلى أربع، طلقت كل واحدة طلقة. وإذا قال خمس إلى ثمان، طلقت كل واحدة طلقتين. فإن قال: تسع إلى ما فوق ذلك، طلقت كل واحدة ثلاثاً.
قال ابن سحنون عن أبيه: لو قال: شركت بينكن في ثلاث، طلقت كل واحدة ثلاثاً.
وكذلك في إثنتين، تطلق كل واحدة إثنتين.
ولو قال لإحدى نسائه: أنت طالق (ثلاثاً) وللثانية: وأنت شريكتها، وللثالية: وأنت شريكتهما، طلقت الأولى والثالثة ثلاثاً ثلاثاً والوسطى ثنتين.
ولو عوض عن قوله ثلاثاً، البتة، فقال أصبغ: الثانية أيضاً مبتوتة كالأولى والثالثة.
стр. 529
قال يحيى: وأشهب وسحنون يقولان: الثلاث والبتة سواء.
الباب الخامس: في الاستثناء
فإذا قال: أنت طالق ثلاثاً إلا واحدة، وقعت ثنتان. وشرطه الاتصال بالمستثنى عنه، وألا يكون مستغرقاً للمستنى منه. ولا يشترط أن يستثني الأقل على المنصوص.
وينحصر الكلام عليه في فصلين:
الفصل الأول: في الاستثناء المستغرق ، وفيه مسائل:
الأولى: إذا قال: أنت طالق ثلاثاً إلا ثلاثاً، لم ينفع لبطلان الاستثناء. ولو قال: ثلاثاً إلا إثنتين وواحدة، لجمع ما فرقه، وجعل مستغرقاً. وكذلك لو قال: طالق البتة إلا إثنتين وواحدة، لزمته البتة. ولو قال: أنت طالق طلقة واحدة إلا واحدة، طلقت واحدة، إلا أن يعيد الاستثناء على الواحدة فقط، (فتقع) عليه (اثنتان)، ويلغى الاستثناء، إذ يصير مستغرقاً. وكذلك لو قال: أنت طالق واحدة وواحدة وواحدة إلا واحدة، طلقت إثنتين أو ثلاثاً على ما تقدم. ولو قال: أنت طالق واحدة وواحدة وواحدة إلا واحدة وواحدة وواحدة، وقع الثلاث.
الثانية: الاستثناء من النفي إثبات، ومن الإثبات نفي، فلو قال: أنت طالق ثلاثاً إلا إثنتين إلا واحدة، وقعت ثنتان. معناه إلا اثنتين لا تقع إلا واحدة تقع في الثنتين. لو قال: أنت طالق ثلاثاً إلا ثلاثاً إلا واحدة، وقعت ثنتان لأنه أخرجه عن الاستغراق بقوله: إلا واحدة.
الثالثة: لو قال: أنت طالق خمساً إلا ثلاثاً. فقيل: تقع ثنتان وقيل: الزيادة تلغى، فيبقى الاستثناء مستغرقاً.
وعلى هذا، لو قال: أنت طالق أربعاً إلا اثنتين، وقعت واحدة، وعلى الأول تقع ثنتان.
ولو قال: أنت طالق مائة إلا تسعاً وتسعين، فقيل: تلزمه ثلاث، ولا ينفعه الاستثناء، لأنه أتى بما [يصح] له إيقاعه. وقيل: تلزمه واحدة. ولو قال: أنت طالق ثلاثاً إلا (نصفاً (وقعت) الثلاث، لأنه أبقى النصف فيكمل. ولو قال: أنت طالق البتة إلا واحدة، فقال أشهب: تطلق إثنتين. وقال سحنون: ثلاثاً. وروى عنه مثل الأول.
стр. 530
ومنشأ الخلاف أن البتة تفيد العدد مع البينونة، أو البينونة فقط؟ وأن أبغاض الجمل كنوع آخر أم لا؟ كما تقدم.
ولو قال: أنت طالق الطلاق كله إلا نصفه، لزمه طلقتان. ولو قال: إلا نصف الطلاق، طلقت ثلاثاً من جهة أن هذا الطلاق يصح أن يكون واحدة، فيصير كأنه استثنى نصف طلقة، فتجبر فتصير ثلاثاً.
وقيل: يصح أن تكون هذه المسألة كالتي قبلها، يكون الألف واللام في الطلاق للجنس.
الفصل الثاني: في التعليق بالمشيئة
فإن علق بمشيئة الله سبحانه، فقال: أنت طالق إن شاء الله، وقع الطلاق ولم تنفعه المشيئة.
وللأصحاب في الفرق بين الطلاق واليمين بالله سبحانه طريقتان:
الأولى: أنه (تعلق) بلفظه حكم الطلاق، فلا يرفع بالاستثناء، بخلاف اليمين بالله سبحانه، فإنه لا يتعلق بلفظها حكم.
الثانية: قال البغداديون: المستثنى في الطلاق، إن أراد بذلك التأكيد، لم تنحل اليمين. وإن أراد حل اليمين، فلا يصح، لأنه بمنزلة أن يحلف بالله على ما مضى، فلا يصح الاستثناء فيه.
وقال الإمام أبو عبد الله: تحقيق قوله: إن شاء الله، أنه [إن] أراد بذلك: إن شاء الله إيقاع هذا اللفظ مني، لزمه الطلاق عند أهل السنة، وإن أراد: إن شاء الله لزوم الطلاق للحالف به، فيلزمه قولاً واحداً. وإن أراد: إن شاء الله طلاقك في المستقبل، فأنت طالق الآن، فيجري على الخلاف في تعليق الطلاق (بالمشكوك) في وقوعه.
وإليه أشار مالك ﵁ بقوله: ((علق الطلاق بمشيئة من لا تعلم مشيئته)).
وإن قصد بقوله: إن شاء الله، إلزام الطلاق مع الاستثناء، فهذا هو أشكل الوجوه. قال: والحق فيه أن يرجع إلى خلاف الأصوليين: هل لله تعالى في الفروع حكم مطلوب، ونحن غير عالمين به؟ فيرجع إلى القسم الثالث، وهو تعليق اليمين بالمغيبات، أو ليس له حكم، بل كل
стр. 531
مجتهد مصيب، فيكون الحق في المسألة معلقاً باجتهاد المفتي.
فرع: إذا علق الطلاق على فعل واستثنى بمشيئة الله سبحانه، لم ينفعه كما تقدم.
وقال عبد الملك بن الماجشون وأصبغ: إن أعاد الاستثناء على الفعل نفعه، وإلا فلا.
وإن صرف الحالف المشيئة إلى غير الله سبحانه، وهو ممن تعرف مشيئته، فلا طلاق حتى تحصل المشيئة به. وإن صرفها إلى ما لا تعرف مشيئته من الخلق كالجماد، أو إلى الملائكة والجن، ففي وقوع الطلاق (به) خلاف.
ولو أوقع الطلاق وصرف رفعه إلى مشيئة من تعلم مشيئته، كقوله: أنت طالق إلا أن يشاء زيد، ففي وقوع الطلاق به خلاف أيضاً، وإن شاء زيد.
الباب السادس: في الشك في الطلاق
وللشك حالات: الأولى: أن يشك هل طلق أم لا، ولم يستند شكه إلى أصل، فلا يلزمه الطلاق ولا يؤمر به.
الحالة الثانية: أن يستند شكه إلى أصل كمن حلف ثم شك هل حنث أم لا وكان سالم الخاطر؟ فإنه يؤمر بالفراق، وفي كونه على الوجوب أو الندب قولان.
الحالة الثالثة: أن يتيقن أنه أوقع الطلاق على زوجته، ويشك فلا يدري كم طلقها، أواحدة أو إثنتين أو ثلاثاً؟ ففي الكتاب قال مالك: ﴿فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجاً غيره﴾)).
((قال ابن القاسم: وأرى إن ذكر، وهي في العدة، أنه لم يطلق إلا واحدة أو إثنتين، أنه يكون أملك بها. فإن انقضت العدة قبل أن يذكر، فلا سبيل له إليها. (وإن) ذكر بعد انقضاء العدة أنه إنما كان طلق تطليقة أو تطليقتين، فهو خاطب من الخطاب، وهو مصدق في ذلك.
قال: ولا أحفظه عن مالك)).
وقيل: تقع عليه طلقة واحدة. وله الرجعة في المدخول بها، والعقد في غيرها دون زوج، لأن ملك الثلاث متيقن، وقد وقع الشك فيما زال منها، والأصل البقاء فيما لم يتيقن وقوعه، والواحدة هي المتيقنة فلا يقع غيرها.
стр. 532
ووجه المشهور: أنه قد تيقن وقوع ثلم في النكاح، وأن هناك (تحريماً)، ولا يرفعه إلا الرجعة إذا كانت الزوجة مدخولاً بها، أو تجديد العقد إن كانت غير مدخول بها، وتلك الرجعة وذلك العقد مشترك في صحتهما أن يبقى بعض العصمة الأولى التي وقع الطلاق فيها، وبقاء بعضها مشكوك فيه، والشك في الشرط شك في (صحة) المشروط، فكل واحد من الرجعة والعقد المجدد مشكوك في صحته منه، فيبقى على الأصل المتيقن قبلهما، وهو التحريم والحاصل فيها بالطلاق الواقع عليها، ولم تبح له بالرجعة أو العقد المشوك في صحتهما.
وإذا فرعنا على المشهور، فتزوجها بعد زوج، ثم بت طلاقها في النكاح الثاني، حلت له بعد زوج غيره. ثم إن طلقها دون الثلاث، فله الرجعة وإن لم يبت طلاقها، فمتى طلقها ولو واحدة، لم تحل له إلا بعد زوج، ويتكرر ذلك عليه هكذا أبداً لدوران الشك.
وروي أنها تحل له بعد ثلاثة أزواج وتطليقتين، ويزول الشك فيها. وقاله أشهب وأصبغ.
وقال ابن وهب: إذا طلقها ثلاث تطليقات مفترقات، كان كما لو طلقها ثلاثاً مجتمعة، وترجع على ملك مبتدأ.
الحالة الرابعة: أن يحلف ثم يحنث، ويشك في المحلوف به (إذ) نسبه، فصارت يمينه أو عنده غير معلومة ما هي، فيؤمر بالتزام جميع الأيمان، إلا ما لم تجر عادته بالحلف به. وقيل: لا يؤمر بذلك.
فروع: في الشك في محل الطلاق
لو قال رجل: إن كان هذا الطائر غراباً فامرأتي طالق. وقال آخر: إن لم يكن غراباً فامرأتي طالق، وأشكل الأمر فيه، فقد حنثا جميعاً إلا أن يدعيا أن ذلك يقينهما ويحلفا عليه، ويكون منهما بحيث يتبين لهما، فيدينان ولا يحنثان، إلا أن يقولا: حلفنا على ما ظنناه، أو يقول ذلك أحدهما، فيحنث قائله منهما. وكذلك لو قال رجل: (إن كان غراباً فعزة طالق، وإن لم يكن غراباً فزينب طالق لزوجتيه.
وأطلق ابن المواز القول بأن من حلف يمين، ثم شك في بره أو حنثه، فهو حانث، ما لم تكن يمينه بالله .
ومن طلق إحدى امرأتيه ونسي عينها توقف ليتذكر، ولا يعجل عليه بالإيقاف لرجاء التذكر، فإن طال الأمر ورفعتاه، ضرب له أجل الإيلاء.
стр. 533
ولو قال لزوجته وأجنبية: إحداكما طالق، ثم قال: أردت الأجنبية، لم يقبل منه، وطلقت الزوجة. ولو خاطب بذلك زوجتيه، فإن نوى إحداهما طلقت، وإذا لم يكن نوى واحدة بعينها، لزمه الطلاق فيهما جميعاً. وقيل: له أن يعين من شاء منهما، فيقع عليها الطلاق.
وفي كتاب محمد، ومن له نسوة، فقال: امرأته طالق في يمين، فحنث، فإن قال: نويت واحدة، دين، (وإن) لم تكن له نية، فقال أصحاب مالك المصريون أجمع، ورووه عنه: أنهن يطلقن كلهن. وقال المدنيون من أصحابه: يختار واحدة، مثل العتق، وقول المصريين أحب إلينا، لأن العتق قد (يتبعض)، ولا يتبعض الطلاق.
ولو رأى واحدة تتطلع فخاطبها بقوله: أنت طالق، ثم لم يعرفها، طلقن كلهن.
النظر الثاني: في التعليقات، وفيه فصول وفروع
الفصل الأول: في التعليق بالأوقات
وهي (ثلاثة): ماض. ومستقبل. وحال.
فأما الماضي، فإن شرط بصفة ممكنة عادة وشرعاً كقوله: زوجتي طالق لو جئت أمس لأقضينك حقك، لزمه الطلاق عند ابن القاسم، ولم (يلزمه) عند عبد الملك.
وإن شرط بصفة ممتنعة عادة أو شرعاً كقوله: لو جئت أمس لأدخلن (بزيد) في الأرض، أو لأقتلنه، فإن أراد حقيقة الفعل حنث، وإن أراد المبالغة لم يحنث.
وأما المستقبل، فإن شرط بصفة يعلم وجودها بلا بد، كقوله: أنت طالق بعد سنة أو ستة أشهر ونحو ذلك، فهذا يتنجز عليه الطلاق إذا كان الأجل مما يشبه أن يبلغه عمره في العادة، فإن كان مما لا يبلغه عمره عادة لم يقع الطلاق.
وقيل: يقع عليه الطلاق، وإن كان الأجل بعيداً جداً، ويعد نادماً.
- ولو قال لها: (إذا مت، فأنت طالق، ففي تنجيز الطلاق عليه خلاف منتف في قوله: إن مت، إذ لا يختلف في أنه لا يتنجز عليه).
стр. 534
والفرق أن (موضع): ((إن)) لم يتوقع، (وموضع) ((إذا)) لما يتحقق. قال عبد الحق: والصحيح أنهما سواء، وإليه رجع مالك. فأما لو قال: يوم أموت، لعجل عليه الطلاق.
وإن شرط ما يصح أن يوجد، وأن لا يوجد من غير غلبة، فلا يتنجز عليه الطلاق قبل وجوده.
وإن شرط ما الغالب وقوعه كزمن الحيض أو الطهر أو الحمل أو الولادة كقوله: إذ حضت، وشبهه فالمشهور تنجيز الطلاق تنزيلاً للغالب منزلة المحقق. وعند أشهب: لا شيء عليه حتى تحيض الطاهر، أو تضع الحامل.
فأما الحائض، فإن أراد بقوله: إذا طهرت، أي انقطع عنك الدم، فحتى ينقطع. وإن أراد إذا لزمتها الصلاة، طلقت في الحين، لأنها تلزمها بمضي مدة الحيض وانقطاع الدم، أو بالاستحاضة.
وإذا فرعنا على الأول، فلا يفتقر في التنجيز إلى حكم على المشهور (أيضاً)، ولا إلى (كونه) على حنث.
وقال أصبغ: يتنجز الطلاق إن كان على حنث، (وإن) كان على بر لم يتنجز، لأنه مستصحب للعصمة، فلا ترتفع إلا (بتحقق) الوقوع. (و) في الأولى ليست العصمة مستصحبة، فترتفع بالغالب.
فرع: إذا قال لها: متى حضت فأنت طالق، وقلنا بوقوع الطلاق عليها الآن على المشهور، ففي عدد الواقع عليها بذلك خلاف:
قال ابن القاسم: ثلاث. وقال سحنون: إثنتان، لانقضاء العدة بالدخول في أول الدم الثالث، فلا تلحقها الثالثة.
стр. 535
وكذلك لو قال لها: أنت طالق كلما جاء شهر، هل تتنجز عليها طلقة واحدة، ثم تتربص لعلها تخرج من العدة قبل الزمان الثاني، أم لا؟ وفيه الخلاف المتقدم.
وكذلك القائل: غذا مت فأنت طالق، هل يعد الموت سابقاً، أو الطلاق؟ القولان.
ويتفرع على القول الشاذ فرعان:
الأول: إذا قال لها: إذا وضعت فأنت طالق، فوضعت ولداً، وبقي في بطنها ثان، فعل يتنجز الطلاق بوضع الأول، أو يقف التنجيز على وضع الثاني؟. وفي ذلك قولان.
الفرع الثاني: (إذا قال لأربع نسوة له حوامل: من وضعت منكن فصواحباتها طوالق، أن الأولى تطلق ثلاثاً، وكذلك الرابعة، وأما الثانية في الوضع، فإنما تقع عليها طلقة واحدة بوضع الأولى، ثم تبين بوضعها، ويقع على الثالثة طلقتان بوضع الأولى والثانية، ثم تبين بوضعها. ويتبين ذلك بالالتفات إلى عدد صواحبات كل واحدة، وإلى انقضاء عدتها بولادتها).
وأما على المشهور، أعني قول ابن القاسم، فينجز على كل واحدة ثلاثاً. ولو قال: من وضعت منكن فالبواقي طوالق. وأراد غير من وضعت فلا طلاق على الأولى، وحكم الثلاث ما تقدم.
وأما الحال، فمثل أن يشترط صفة حالة، كقوله: أنت طالق إن كنت تبغضيني مثلاً، فهذا لا يختلف (المذهب) أنه يؤمر بالفراق، وهل يجب عليه أم لا؟، ثلاثة أقوال: الوجوب.
ونفيه. والتفرقة، فإن أجابته بما يقتضي الحنث وجب الفراق، وإن كان الأمر بالعكس لم يجب.
وقال أبو محمد عبد الحميد: ((إن قصد نفس لفظها فلا طلاق عليه إذا جاوبته بما لا يقتضي. وإن كان علقه بما في قبلها، فهو من باب وقوع الطلاق بالشك)).
الفصل الثاني: في التعليق بالتطليق ونفيه
وإذا قال: إن طلقتك، أو إذا، أو مهما، أو متى ما طلقتك فأنت طالق فقال سحنون: إذا طلقها واحدة، طلقت طلقتين بعد الدخول، وطلقة واحدة قبله، لأن المعلق يصادف حال البينونة. وكذلك إذا خالعها.
стр. 536
وإن قال لها: كلما وقع عليك طلاقي، فأنت طالق، فقال سحنون: إذا طلقها واحدة لزمه الثلاث.
قال ابنه: ثم رجع سحنون وقال: تلزمه ثلاث ثلاث في المسألتين. قال: فالأول لبعض أصحابنا.
فإن علق طلاقها على صفة ووجدت، فهو تطليق. ولو قال: إن لم أطلقك فأنت طالق، لزمته مكانه طلقة، إذ لا (بر له) إلا بطلاق. وقيل: لا يلزمه حتى يوقف أو ترافعه.
وإذا قلنا: يقف وقوع الطلاق على الرفع، فهل ينجز عليه الطلاق، إذ لا فائدة في التأخير، أو يضرب له أجل المولي لعل رأيها يتبدل، فترجع إلى الصبر عليه؟ فيه خلاف أيضاً.
وكذلك لو علق ذلك بأجل مثل قوله: إن لم أطلقك إلى أجل كذا، فأنت طالق. ولو قال: إن لم أطلقك واحدة إلى شهر فأنت طالق الآن البتة، ثم أراد تعجيل الواحدة قبل الأجل، فقد وقف في ذلك مالك. وقال أصبغ: لا يجزيه. وقال محمد: إن سئل في الطلاق فلا يجزيه ذلك، وإن كان أراد أن يعمها بالطلاق، فإنه يجزيه.
ولو حلف بطلاقها البتة ليطلقنها رأس الشهر البتة لجرى على الخلاف المتقدم. وقال محمد: لا يعجل عليه أحد الطلاقين، لأن له أن يصالح قبل الشهر، فلا (يلزمه) إلا طلقة.
ولو قال: أنت طالق أن لم أطلقك، أو أن طلقتك، بتفح الهمزة فيهما، فهو للتعليل، فيقع في الحال، إلا إذا لم يعرف اللغة، فهو كالتعليق.
ولو قال: إن طلقتك فأنت طالق قبله ثلاثاً، كان ذكر القبلية لغواً، فلو نجز طلاقاً وقع المنجز، ووقع تمام الثلاث من المعلق، ولغا لفظ القبلية.
الفصل الثالث: في التعليق بالحمل والولادة ، وفيه مسائل:
الأولى: إذا قال: إن كنت حاملاً فأنت طالق. ففي الكتاب: قد قال مالك في مثل هذا: ((هي طالق لأنه لا يدري، أحامل هي أم لا)).
وقال أبو القاسم السيوري: إن كانت بينة الحمل، فبين أنها تطلق. وإن كان يطأ ويعزل عزلاً بيناً، فهو كالذي يطأ ولا ينزل (و) لا شيء عليه. وإن كان ينزل، فينبغي أن يوقف، لأن الحمل مشكوك فيه. وإن كانت ممن لا يمكن أن تحمل، فلا شيء عليه.
стр. 537
ولو عكس الأمر فقال: إن لم تكن حاملاً، فهي طالق، فحكمها في الكتاب حكم (الأولى).
وفي غيره: إن لم يطأ في ذلك الطهر، أو وطئ ولم ينزل، عجل الطلاق. وإن أنزل جرى على القولين: هل يتربص، أو يكون على وشك في العصمة فيعجل بالفراق؟
ثم هل يتوارثان في (الصورة) الأولى، وفي (هذه)، إن قلنا بالصبر، ثلاثة أقوال:
الحكم بالميراث لاستصحاب العصمة. ونفيه لأنه ميراث بشك.
تخصيصها بإرثه، ولا يرثها لأنه مرسل للعصمة من يده بسبب يمينه.
ثم المذهب أنه إذا قال: إن حملت، فهو محمول على حمل مؤتنف، وأنه لا يحنث بحمل تقدم يمينه.
وقال أبو الحسن اللخمي: فيه قولان. وأخذ القول الآخر من قوله في الكتاب فيمن قال: إذا حملت فوضعت فأنت طالق، أنه إن كان وطئها في ذلك الطهر مرة فهي طالق مكانها.
قال: فحنثه بما تقدم من الوطء. ورأى بعض المتأخرين أن مقصوده في الكتاب التعليق على الوضع لا على الحمل.
المسألة الثانية: إذا قال: إن كان حملك هذا جارية فأنت طالق واحدة، وإن كان غلاماً فأنت طالق إثنتين. فولدت ذكراً وأنثى، وقع عليه الطلاق، لأنا نحنث (بالأقل).
ثم يختلف الحال في عدد الواقع، فإن ولدت الغلام أولاً كان الواقع إثنتين وتنقضي العدة بوضع الجارية، ولا يلزمه به طلاق.
وإن وضعت الجارية أولاً، لم تقع إلا طلقة واحدة، إذ تنقضي العدة بوضع الغلام، ولا يقع به طلاق. ولو قال: إن كان حملك كله جارية فأنت طالق واحدة، وإن كان كله غلاماً فأنت طالق طلقتين، فكان جارية وغلاماً، لم يقع عليه طلاق، وهو كمن قال: إن هدمت هذه الدار، فهدم بعضها، أو قال: إن هدمتها كلها، فهدم بعضها.
المسألة الثالثة: إذا قال: إن ولدت ولداً فأنت طالق، فولدت ولدين، طلقت بالأول، وانقضت عدتها بالثاني. ولو قال: كلما ولدت ولداً، فكذلك.
стр. 538
القسم الثاني: من التعليقات: في فروع متفرقة نذكرها إرسالاً
وجملة نظرنا في تعليق الصفات إذا علق عليها، فلنذكر الصفات حتى لا نطول، فنقول: تعليق الطلاق بطلوع الشمس يقتضي تنجيزه، وليس حلفاً، سواء كان بصيغة إن أو إذا.
وبالأفعال حلف بالصيغتين. وأكل رمانة يحنث في التعليق بها، وبنصف رمانة. وكذلك أكل نصفها. والبشارة هي الخبر الأول. (والكذب خبر) كالصدق.
وإذا قال العبد لزوجته: إن مات سيدي، فأنت طالق طلقتين، فبت السيد عتقه في المرض، ثم مات بقيت معه بطلقة على حكم يوم الحنث.
ولو علق طلاق زوجته المملوكة لأبيه على موت أبيه، لم ينفذ إن كان وارثه، لأنه وقت انفساخ النكاح بالملك. ولو قال: أنت طالق يوم يقدم فيه فلان، فقدم نصف النهار، تبين الوقوع أول النهار. ولو قدم ليلاً لم تطلق إلا أن تكون نيته تعليق الطلاق بالقدوم. ولو قال: أنت طالق هكذت، وأشار بأصابعه الثلاث، طلقت ثلاثاً. ولو قال: أنت طالق إن كلمت زيداً إن دخلت الدار، فمعناه تعليق التعليق، فإذا كلم زيداً أو لا تعلق طلاقها بالدخول كتعليق التدبير.
ولو قيل له: أطلقت زوجتك؟ استخباراً، فقال: نعم. كان إقراراً.
ولو قيل له: ألك زوجة؟ فقال: لا، لم يقع عليه بذلك طلاق، إلا أن ينوي به الطلاق.
ولنقتصر على هذا القدر المنبه على التفاصيل ها هنا، ونحيل طالب التفصيل على ما تقدم في كتاب الأيمان.
стр. 539
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
كتاب الرجعة
وفيه فصلان:
الفصل الأول: في أركانها ، وهي ثلاثة
المرتجع: وسبب الرجعة. ومحلها.
الأول: المرتجع. وكل من له أهلية النكاح فله الرجعة، ولا يمنع منها المرض و (لا) الإحرام، وإن منعا من ابتداء النكاح. ولا (تقف) على إذن السيد في العبد ولا في الأمة.
الركن الثاني: السبب، وهو الصيغة، وما يجري مجراها.
فالصيغة كقوله: رجعت، وراجعت، وارتجعت. وقوله: رددتها إلى النكاح. وكذلك لفظ يحتمل الإمساك. وكل لفظ (يحتمل) الارتجاع إذا نواه به أفاده، كقوله: أعدت الحل، ورفعت التحريم، وشبهه.
ويجري مجرى الصيغة الفعل المقترن بالنية، كالوطء والاستمتاع وشبهه. فإن عري عن النية، فلا تحصل به الرجعة. وقيل: تحصل.
وفي حصولها بمجرد القول من غير نية قولان مبنيان على صحة نكاح الهزل، وهذا أولى بالصحة لأنه رد لما انثلم من النكاح، بخلاف ابتدائه.
ولا يشترط الإشهاد فيها. وإن استحب. وقال القاضي بكر بن العلاء: يجب.
стр. 540
وتأوله أبو القاسم بن محرز على أن معناه أن لا تثبت الرجعة إلا بالبينة عليها.
قال أبو القاسم: وقال أشهب عن مالك: إذا قال: إذا كان غد فقد راجعتك، لم تكن هذه رجعة. قال أبو القاسم: مراده لا تكون رجعة الآن، لكن تكون رجعة في غد، وعلل بأنها حق له، فكان له تنجيزه وتعليقه بما شاء من مجيء غد، أو قدوم غائب، أو غيره.
ثم ذكر الخلاف في الشفعة، إذا علق أخذها بشرط بعد معرفته بالثمن، ثم قال: وفيه نظر، أنها معاوضة.
الركن الثالث: المحل، وهو المعتدة بعد الدخول بوطء جائز في نكاح صحيح عن طلاق تقاصر عن نهاية ما يملك منه الزوج، ابتدأ إيقاعه مجرداً عن العوض، وعن قصد البينونة، ولفظ يقتضيها على خلاف فيهما. ولم يشترط ابن الماجشون جواز الوطء.
فروع: حيث أوجبنا العدة بالخلوة ثبتت الرجعة إن تصادقا على الوطء. وإن ادعاه وأنكرته، ففي ثبوت الرجعة خلاف.
وإذا ادعت انقضاء العدة بوضع الحمل ميتاً أو حياً، (ناقصاً) أو كاملاً، صدقت إذا كان ذلك ممكناً. وإذا وضعت المعتدة انقضت العدة بوضعها. ويستوي في ذلك العلقة، والمضغة المخلقة، وغير المخلقة، وكل ما تعرف النساء أنه حمل. وإنما تقبل دعواها مع الإمكان.
وإمكان الولد الكامل إلى ستة أشهر من وقت إمكان الوطء. وإمكان انقضاء الإقراء إذا طلقت في الطهر مختلف فيه على الاختلاف في أقل الحيض، وأقل الطهر في العدد والاستبراء.
وروي عن سحنون في الحرة تقول: انقضت عدتي في شهر، قال: أقل ما تصدق فيه أربعون يوماً، ويقبل قولها في مدة الإمكان، على خلاف عادتها إذا لم يكن نادراً.
وفي قبوله في النادر خلاف.
وقال القاضي أبو بكر: ((عادة النساء عندنا مرة واحدة في الشهر، وقد قلت الأديان في الذكران، فكيف بالنسوان؟ فلا أرى أن تمكن المرأة المطلقة من التزويج إلا بعد ثلاثة أشهر من يوم الطلاق، ولا يسأل عن الطلاق. كان في أول الطهر، أو آخره)).
وإذا وطئها بعد قرءين، استأنفت قروء ولا رجعة إلا في الأول منها.
стр. 541
الفصل الثاني: في أحكام الرجعية
وهي محرمة الوطء على المشهور، لكن لا حد في وطئها، وتصح مخالعتها، ويصح الإيلاء منها، والظهار، واللعان، والطلاق، ولا خفاء بجريان التوارث، ولزوم النفقة.
ولو قال: زوجاتي طوالق، اندرجت تحته.
وإذا ادعى أنه راجعها قبل انقضاء العدة وأنكرت، فالقول قولها، إذ الأصل عدم الرجعة، إلا أن تقوم له أمارة تصدقه من إقراره بذلك قبل انقضاء العدة، أو تصرفه إليها، أو مبيته عندها. فإن لم يكن ما يصدقه لم يقبل قوله وإن صدقته المرأة.
ثم (تمنع) إذا صدقته من الأزواج لإقرارها بثبوت العصمة، ولا يمكن من وطئها، وتجب لها النفقة عليه لأنها محبوسة بسببه. فإن قامت بحقها في الوطء، ففي تطليقها عليه بسبب ذلك قولان، سببهما أن حقها ثابت في الوطء، وهو ممنوع منه بالشرع.
قال أبو الحسن اللخمي: ((وإن أحب الزوج أن يعطيها ربع دينار ويحضر الولي جاز وله جبرها على ذلك)).
قال: ((وإن كانت أمة واعترف سيدها بارتجاع الزوج بعد انقضاء العدة، لم يصدق السيد، ولم يملك الزوج الرجعة.
قال أشهب في كتاب محمد: إلا أن يشاء الزوج أن يدفع ثلاثة دراهم فتكون امرأته، شاء السيد أو أبى، لأنه اعترف أنها امرأته. ويجبر السيد على أن يعقد نكاحها منه)).
ولو قال: راجعتك الآن، فقالت: انقضت عدتي بالأمس، فأنكر. أو قالت: انقضت عدتي، فقال: راجعتك بالأمس، فأنكرت، فالقول قولها.
وقال القاضي أبو بكر: ((لا يقبل قولها: انقضت عدتي، بعد قوله راجعتك، ويقبل قبل ذلك)). ولو ارتجع وأشهد، فلما علمت قالت: أسقطت مضغة، فهي مصدقة.
ولو قالت: كنت حضت ثلاث حيض، فقال أشهب: تصدق في الأولى، وفي متى حاضتها، ثم يحسب ما بقي للحيضتين، فما أشبه صدقت فيه بغير يمين، وإن لم يشبه فرجعته رجعة.
فرع: لو صدقناها في انقضاء عدتها بالحيض بعد دعواه الرجعة، فتزوجت، فاستمرت حاملاً، ووضعت لأقل من ستة أشهر، فلترد إلى الأول، وتكون رجعته رجعة، والولد ولده، وقد تبين كذبها، أو حاضت مع الحمل. ولا تحرم على الثاني، لأنه إنما وطئ ذات زوج.
стр. 542
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
كتاب الإيلاء
وهو الحلف بيمين، يلزم بالحنث فيها حكم، على ترك وطء الزوجة، أو ما يتضمن ترك الوطء زيادة على أربعة أشهر بمدة مؤثرة. وفيه بابان:
الباب الأول: في أركانه ، وهي أربعة:
الركن الأول: المولي، وهو كل زوج مسلم، مكلف، يتصور منه الوقاع، حراً كان أو رقيقاً، كانت رجعية، أو في صلب النكاح، كان الزوج مريضاً أو صحيحاً، ولا يصح إيلاء الخصي والمجبوب. وقال أصبغ: يصح.
ولو آلى، ثم جب، انقطع الإيلاء. ولو قال لأجنبية: والله لا أجامعك سنة، ثم نكحها قبل مضي ثمانية أشهر صار مولياً.
فروع: في من يلتحق بالمولي.
الفرع الأول: من حلف على أمر ممكن ليفعلنه، كقوله: لأدخلن الدار، فإنه يكون مولياً، كالحالف على الوطء، ويفترقان في ابتداء الأجل، فإنه في حق هذا بعد الرفع حين
стр. 543
الحكم، وفي حق الأول من حين الحلف.
وقال غيره: ذلك إذا تبين ضرره، وأما إن لم يمكنه فعل ما حلف عليه لم أحل بينه وبينها، ولا أضرب له أجلاً حتى يمكنه ذلك.
الفرع الثاني: إنه يحكم أيضاً بالإيلاء على من ترك الوطء مضاراً، وعرف ذلك منه، وطالت به المدة، وأجله أيضاً من حين الحكم كالسابق. وقيل: يفرق بينهما من غير أجل.
وقيل: لا يكون بذلك مولياً، ولا يفرق به.
الثالث: إذا أطال المسافر الغيبة عامداً للضرار أمر بالقدوم على امرأته، فإن أبى وأضر بها ذلك، فطلبت الفراق، فرق بينهما، لأن العلة عدم الوطء، كالحالف والعنين، وغيرهما.
الركن الثاني: المحلوف به، وهو الله تعالى، أو صفة من صفاته النفسية، أو المعنوية، أو ما فيه التزام من عتق (و) طلاق، أو لزوم صدقة أو صوم، أو نحوه علق بالوطء، كل ذلك إيلاء.
فإذا قال: والله إن وطئت فهو مول. وكذلك إن قال: إن وطئت، فلله علي صدقة أو صوم، فهو مول.
ولو قال: إن جامعتك فعبدي حر، (كان) مولياً، فإن مات العبد أو زال الملك عنه، انحل الإيلاء. ولو اشتراه بعد، أو هب له فقبله، عاد الإيلاء عليه إن كان بقي من المدة ما يزيد على أربعة أشهر، ولو ورثه لم يعد الإيلاء عليه.
ولو قال لغير المدخول بها: إن وطئتك فأنت طالق واحدة، فهو مول، وتقع بالوطء طلقة رجعية، لترتب الطلاق على المسيس. رواه ابن سحنون عن أبيه.
ولو قال: إن وطئتك فضرتك طالق، فهو مول، فإن ماتت الضرة، انحلت اليمين وإن أبانها (فكمثل). فإن جدد نكاحها عاد مولياً إن كان بقي من طلاق الملك المحلوف به شيء، وبقي من المدة ما يزيد على أربعة أشهر.
стр. 544
ولو قال: إن وطئت إحداكما، فالأحرى طالق، وأبي الفيئة، فالقاضي يطلق عليه إحداهما.
(ولو قال لأربع نسوة: والله لا أجامعكن، فإن جامع واحدة، لم يكن مولياً على البواقي، والكفارة تجب بوطء واحدة).
ولو قال: والله لا أجامعك في السنة إلا مرة واحدة، فمضت منها أربعة أشهر ولم يطأ، فاختلف فيها قول ابن القاسم، فقال: ((يوقف إذا مضى من السنة أربعة أشهر، وقال: لا إيلاء عليه حتى يطأ. وقد بقى من السنة أكثر من أربعة أشهر)).
ولو قال: لا أجامعك في هذه السنة إلا مرتين، ((فقال ابن القاسم: لا يكون مولياً، لأنه إذا شاء تركها أربعة أشهر ثم وطئها، ثم تركها أربعة أشهر، ثم وطئها، فلا يبقى من السنة إلا أربعة أشهر.
وقال أصبغ: هو مول. قال محمد: غلط أصبغ ﵀).
وإذا وطئ ما حلف عليه من مرة أو مرتين صار مولياً إن بقي من السنة زيادة على أربعة أشهر.
وكذلك إذا قال: (والله) لا أجامعك إلا عشر مرات أو مائة، فإذا استوفى العدد صار مولياً إن بقيت المدة.
ولو آلي عن امرأته، ثم قال لأخرى: أشركتك معها، ونوى الإيلاء، صار مولياً [منهما].
ولو قال: والله لا أجامعك إن شئت، فقالت: شئت، صار مولياً.
والإيلاء ينعقد في حال الغضب وغيره، ولا ينعقد بمثل قوله: إن وطئت فأنا زان أو يهودي، أو نصراني، أو أنت زانية، إذ لا يتعرض بسببه للزوم.
стр. 545
الركن الثالث: المدة، وهي ما زاد على أربعة أشهر مدة مؤثرة، فلو قال: والله لا أجامعك ثلاثة أشهر، أو أربعة أشهر، لم يكن مولياً. فلو أعاد اليمين في آخر الأشهر مرة أخرى، لم يكن أيضاً مولياً. فإن آلى خمسة أشهر كان مولياً. وكذلك ما زاد على أربعة أشهر، فلو آلى ثمانية أشهر، فرفعته بعد أربعة أشهر فلم يف، فطلق عليه، ثم ارتجع، فإن انقضت بقية المدة قبل تمام العدة، كانت رجعية (ثابتة).
((ولو حلف أن لا يطأها خمسة أشهر، ثم حلف ألا يطأها بعد الخمسة خمسة، فبخلاف الحالف أن لا يطأها عشرة أشهر، هذا إيلاء واحد، ووقف واحد. والأول يوقف مرتين، فإن طلق عليه في الإيلاء الأول، ثم ارتجع، فلم تتم العدة حتى مضت أربعة أشهر من الخمسة (الباقية)، فعليه إيقاف ثان، وإن انقضت العدة قبل ذلك، فلا إيقاف عليه)).
ولو قال: والله لا أطأك حتى ينزل عيسى، أو يخرج الدجال، أو يقدم فلان. وهو على مسافة يعلم تأخر قدومه عن أربعة أشهر، فهو مول.
ولو قال: حتى يدخل زيد الدار، فمضت أربعة أشهر، ولم يدخل، كان لها إيقافه عند انقضائها. ولو قال: إلى أن أموت، أو تموتي، فهو مول. ولو قال: إلى أن يموت زيد، فهو كالتعليق بدخول زيد الدار.
الركن الرابع: المحلوف عليه، وهو الجماع. فكل يمين منعت من الجماع فهو بها مول، كقوله: لا جامعتك، أو لا اغتسلت منك، أو لا دنوت منك، ونحو ذلك مما يتضمن ترك الجماع.
فإن أتى بلفظ يحتمل غيره، كقوله: لا وطئتك، ثم قال: أردت بقولي الوطء بالرجل، أو شبه ذلك. قيل له: إن كنت صادقاً فحقق صدقك بالوطء، فإن امتنع حمل على الوطء وكان مولياً به.
ولو قال: لا أجامعك في الحيض أو النفاس، أو في حالة (إرضاعك) لولدك، فليس بمول.
стр. 546
الباب الثاني: في أحكامه ، وهي أربعة:
الحكم الأول: ضرب المدة
فإذا قال: والله لا أجامعك، أمهلناه أربعة أشهر من يوم حلفه، فإن لم يطأ رفعته إلى القاضي إن شاءت ليأمره بالفيئة، فإن أبى وأصرت على المطالبة، طلق القاضي عليه. ولا تحتاج المدة إلى ضرب القاضي، بخلاف العنة، والإيلاء الحكمي كما تقدم فيهما. وتربص الأمة عن الحر أربعة أشهر كالحرة، والتربص عن العبد شهران.
وقيل: هو كالحر يتربص عنه أربعة أشهر.
الحكم الثاني: المطالبة
ولها ذلك إذا مضت المدة من غير قاطع، فإن رضيت لم يبطل حقها، وكان لها العود، بخلاف العنة، بل هذا كرضاها بالمعترض وبإعسار الزوج، فإنها ترجع إلى طلب.
ولا مطالبة لولي الصغيرة والمجنونة، ولا يسقط حقها منه إلا بإسقاطها، وهذا بخلاف سيد الأمة، فإن له الطلب وإن رضيت هي بتركه.
ولا مطالبة للمريضة التي تحتمل الوقاع، ولا للرتقاء، ولا للحائض حالة الحيض.
وإن كان للرجل مانع طبيعي كالمرض فلها مطالبته بالفيئة بالوعد واللسان وتكفير اليمين، وإن كان شرعياً كالظهار والصوم والإحرام فلها المطالبة، وعليه أن يطلق، إلا أن يعضي بالوطء. وقيل: لا تحصل الفيئة بالوطء المحرم.
ولو كانت فيئته تقتضي وقوع الطلاق الثلاث عليه في التي (آلى عنها) كقوله: إن وطئتك فأنت طالق ثلاثاً، فروى أكثر الرواة أنه لا يمكن من الفيء بالوطء، إذ باقي وطئه لا يجوز. وروي أيضاً أن السلطان يطلق عليه حين ترافعه، ولا يضرب له أجل المولي، ولا يمكن من الفيئة. وقاله ابن القاسم. واستحسنه سحنون.
وقال ابن القاسم أيضاً: يمكن من الوطء. وله أن يتمادى حتى ينزل، وأحب إلي أن لا يفعل. وقال غيره: ينزع بعد التقاء الختانين، ولا يتعدى ذلك.
стр. 547
الحكم الثالث: في ما يجب على الزوج
وهو الوطء، أو الطلاق، فإن أبى، فالقاضي يطلق عليه: فإن (استمهل)، فإن كان لعذر ينتظر زواله، أمهل، وإن لم يكن له عذر لم يمهل، فإن قال: أنا أفيء، لم يعجل عليه بالطلاق، واختبر مرة وثانية، فإن تبين كذبه طلق عليه.
الحكم الرابع: في ما به الفيئة
وهو تغييب الحشفة في القبل إن كانت ثيباً، والافتضاض إن كانت بكراً. وفي كتاب الرجم: ((إذا جامع في الدبر حنث، وزال عنه الإيلاء، إلا أن يكون نوى القبل، فلا كفارة وعليه وهو مول بحاله)). قال الشيخ أبو محمد: ((طرحه سحنون، ولم يقرأه)).
ولا تحصل الفيئة بوطئه مكرهاً. ولو جن فوطئ، لم ينحل الإيلاء بوطئه.
وإذا جن الرجل، لم تنقطع المدة، ولكن لا يطالب قبل الإفاقة، لأنه ليس امتناعه لأجل اليمين.
ولو قال الرجل: وطئت قبل انقضاء المدة، فأنكرت، فالقول قوله، كما في العنة، على خلاف قياس الخصومات، بكراً كانت أو ثيباً. وحكى الشيخ أبو عمران: أن القول قولها إن كانت بكراً.
стр. 548
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
كتاب الظهار
وفيه بابان:
الباب الأول: في أركانه ، وهي أربعة:
الركن الأول: المظاهر
وهو كل مسلم عاقل بالغ. فلا يصح ظهار الذمي. ويصح ظهار السيد عن (الأمة) التي يباح له وطؤها. وفي لزومه في المكاتبة إذا عجزت فعادت خلاف.
فأما السكران الطافح والمراهق فظهارهما كطلاقهما. ولا يلزم المجنون ظهار.
стр. 549
وفي لزوم ظهار من لا يقدر على الوطء أو لا يمكنه، وإنما يقدر على أوائله خلاف، منشؤه: هل الظهار تحريم لجملة المرأة، أو للوطء خاصة؟
الركن الثاني: المظاهر عنها
وهي كل امرأة كان وطؤها جائزاً لمن ظاهر عنها، أو كانت ممن يلحقها طلاقه، حرة كانت أو أمة، مسلمة أو كتابية.
الركن الثالث: اللفظ. وهو قسمان: صريح، وكناية
فالصريح ما تضمن ذكر الظهر في محرم من النساء، كقوله: أنت علي كظهر أمي، أو أختي، أو عمتي، أو أمي من الرضاعة أو خنتني.
والكناية نوعان:
ظاهرة، وهي ما تضمن ذكر الظهر في غير المحرم، أو التشبيه بالمحرم من غير ذكر الظهر، كقوله: أنت علي مثل أمي، أو حرام كأمي، أو مثل أمي، أو كفخذها، أو بعض أعضائها. وكقوله: أنت علي كظهر فلانة لأجنبية، هي متزوجة أو غير متزوجة. وخفية، وهي ما لا يقتضي الظهار بوجه، كقوله: ادخلي الدار، أو اخرجي، أو تقنعي، وشبهه.
فأما الصريح فظهار، فإن أراد به الطلاق لم يكن طلاقاً. وروي عن ابن القاسم أنه يكون طلاقاً ثلاثاً، ولا ينوي في أقل من ذلك. وقال سحنون: ينوي في دون الثلاث إن ادعى أنه أراده.
وأما الكناية الظاهرة، فهي ظهار أيضاً، إلا أن يريد (به) التحريم، فتكون عليه حراماً، ولا يقبل قوله أنه لم يرد به شيئاً لا طلاقاً ولا ظهاراً.
وأما الكناية الخفية، فإن أراد بها الظهار لزمه، وإلا لم يلزمه به شيء.
ولو ترك الصلة فقال: أنت كظهر أمي، فهو كما لو قال: أنت طالق، ولم يقل: مني، أما لو قال: كعين أمي أو روحها، أو كامي، وأراد الكرامة، فليس بظهار. وإن قصد الظهار فهو ظهار. ولو قال يدك، أو نصفك علي كظهر أمي، فهو ظهار.
الركن الرابع: المشبه بها
وهي الأم، ويلحق بها كل محرمة على التأبيد بنسب أو رضاع أو صهر. ولو شبه بمحرمة لا على التأبيد، فإن ذكر الظهر، فهي الكناية الظاهرة، وقد تقدم حكمها، وإن لم يذكر الظهر، فقال أشهب: هو ظهار، إلا أن يريد به الطلاق.
стр. 550
وقال عبد الملك عكسه. وقيل: ظهار وإن أريد به الطلاق. وقيل: عكسه.
(قال ابن القاسم: ((ولو قال: أنت علي كظهر ابني، أو غلامي، فهو مظاهر.
وقاله أصبغ)).
(وقال ابن حبيب: لا يلزمه ظهار ولا طلاق، وإنه لمنكر من القول). قال ابن القاسم: وإن قال: (كابني) أو كغلامي، فهو تحريم).
ويقبل الظهار التعليق، فلو قال: إذا ظاهرت عن فلانة الأجنبية، فأنت علي كظهر أمي، صح، فإذا نكح الأجنبية فظاهر عنها حنث.
وإن قال: إن ظاهرت عنها، وهي أجنبية، فإن أراد بذلك التعليق كقوله: إن تزوجتك فأنت علي كظهر أمي، حنث بوجوده. وكذلك إن أراد مجرد وجود الصيغة، وإلا فلا تحرم.
ولو قال: أنت حرام علي كظهر أمي، وأراد مجرد الطلاق، أو مجرد الظهار، كان كما نوى. وأطلق القاضي أبو محمد أنه طلاق، ولم يشترط نية. ولو لم تكن له نية لكان ظهاراً.
ولو نواهما جميعاً، وقدم الظهار في نيته كان مظاهراً، ثم مطلقاً، فإن عادت إلى النكاح لم يطأ حتى يكفر.
ولو خاطب بذلك أجنبية معلقاً لهما على وجود العصمة لزماه جميعاً، سواء قدم في لفظة الطلاق أو الظهار.
وقال ابن القاسم: ولو قدم الظهار لكان أبين، وهو بخلاف الزوجة، لأنه في الأولى ظاهر من مطلقة، ولم يرد أنه إذا تزوجها وقع عليها ذلك، بخلاف هذه المسألة، فإنه صرح بهذا فيها. نعم لو قال للزوجة: إن دخلت الدار فأنت طالق ثلاثاً، وأنت علي كظهر أمي، فدخلت الدار، لزماه جميعاً لوقوعهما معاً.
ولو قال لها: إن دخلت الدار فأنت طالق ثلاثاً، ثم أنت علي كظهر أمي، لم يلزمه الظهار للترتيب بثم، بخلاف الواو، فإنها لا ترتب، فيقعان معاً.
стр. 551
الباب الثاني: في حكم الظهار ، وله حكمان
أحدهما: تحريم الجماع والاستمتاع تحريماً ممدوداً إلى التكفير، سواء كانت الكفارة بإطعام أو بغيره.
وقال سحنون وأصبغ: يحرم الجماع فقط، ولا يحرم الاستمتاع، وإنما ينهى عنه خوف الذريعة.
قال أبو القاسم بن محرز: والأول قول البغداديين. قال: وهو مقتضى الكتاب في إلزام الظهار في الرتقاء، (إذ) ليس فيها إلا التلذذ.
وسبب الخلاف: هل الظهار تحريم للزوجة بالكلية؟ أو إنما هو عبارة عن الركوب للوطء خاصة فلا تحرم أوائله؟
وعلى الخلاف في ذلك ينبني تفسير العود ما هو، كما سيأتي إن شاء الله تعالى.
وإذا فرعنا على الأول، فلو ظاهر الشيخ الكبير الذي لا حراك عنده، ومن هو مقطوع الذكر، فإن الظهار يلزمه، لأنه يتعلق بما يتأتى له فعله من أنواع التلذذ.
وعلى مذهب سحنون وأصبغ لا يكون مظاهراً.
الحكم الثاني: وجوب الكفارة بالعود، والنظر في العود والكفارة.
النظر الأول: في بيان العود
والعود هو العزم على الإمساك والوطء معاً في رواية. وهي مذهب الموطأ واختيار
стр. 552
القاضي أبو بكر. والعزم على الإمساك خاصة في أخرى، وعلى الوطء خاصة في ثالثة، وهي مذهب الكتاب. وفي رواية رابعة، أن العود الوطء نفسه.
فروع: الأول: لو قال: أنت علي كظهر أمي خمسة أشهر، لصح مؤيداً كالطلاق. وروي أنه يصح مؤقتاً.
ولو قال: أنت علي كظهر أمي بعد خمسة أشهر، تنجز عليه الظهار كالطلاق. وقيل: يتأجل. وفرق بأنه تحريم يرتفع بالكفارة، فلم يكن فيه شبه بنكاح المتعة.
الثاني: لو قال لأربع نسوة: أنتن علي كظهر أمي، فلو عاد في الكل أجزأته كفارة واحدة، كما لو عاد في واحدة فقط. ولو ظاهر عنهن بأربع كلمات على التوالي وعاد في الجميع لزمه أربع كفارات. ولو كرر لفظ الظهار على واحدة متوالياً، كقوله: أنت علي كظهر أمي، أنت علي كظهر أمي، أنت علي كظهر أمي، فليس عليه إلا كفارة واحدة وإن نوى تكرار الظهار. إلا أن ينوي بذلك ثلاث كفارات، فتكون عليه ثلاث كفارات، كاليمين بالله تعالى.
قال القاضي أبو الوليد: ((هذا كله ما لم تلزمه الكفارة الأولى بالوطء، فلو وطئ ثم ظاهر منها مرة أخرى، ففي مختصر ابن عبد الحكم: عليه كفارة ثانية)).
فرع: إذا قلنا: إن تكرار الظهار بمعنى تكرار الكفارة يوجب عليه الكفارة، فهل يجب تقديم جميعها على الوطء كالأولى، أم لا؟. قولان للشيخ أبي محمد وللشيخين أبي الحسن وأبي عمران.
الثالث: إذا قال: إن لم أتزوج عليك، فأنت علي كظهر أمي، فإنما يصير مظاهراً عند اليأس أو العزيمة على ترك التزويج، إلا أن ينوي إلى مدة معلومة فيحنث بمضيها.
ولو قال: إن دخلت الدار، فأنت علي كظهر أمي، ثم أعتق عن الظهار قبل الدخول لم يجزئه، كما لو قال: إن دخلت الدار فوالله لا أكلمك، ثم أعتق قبله، لم يجزئه.
стр. 553
النظر الثاني: في بيان الكفارات، (وهي) ثلاث خصال:
الأولى: العتق، ولا يجزي في الظهار إلا ما يجزي في الصيام والأيمان من كونها كاملة غير ملفقة، مؤمنة سليمة محررة، وتحريرها: أن يبتدئ إعتاقها من غير أن يكون مستحقاً بوجه سابق. ونعني بالسليمة السالمة من العيوب القادحة.
والعيوب ثلاثة أنواع:
الأول: ما يمنع من الكسب أو كماله، فهو قادح يمنع الإجزاء، وهذا كالمريض المزمن، والأقطع، والأعمى، والأبكم، والمجنون، والهرم العاجز، والمريض الذي لا يرجى برؤه.
الثاني: ما لا يمنع الكسب، ولا يشين، فليس بقادح، ولا يمنع الإجراء، (وهذا) كالمرض الخفيف، والعرج الخفيف، وقطع الأنملة.
الثالث: ما يشين ولا يمنع الكسب، ففي منعه الإجزاء خلاف ينبني على الشهادة بأنه قادح أو غير قادح، وذلك كاصطلام الأذن، والصم، والعور، والمرض الكثير الذي لم يبلغ إلى السياق، والبرص الخفيف، والعرج البين، والخصاء، وقطع الأصبع.
شرح الخلاف:
أما الاصطلام، فقال في الكتاب: ((لا يجزئ)). قال أبو الحسن اللخمي: وعلى قول أشهب يجزئ.
وأما الصمم، فقال مالك في الكتاب: ((لا يجزئ، وقال أشهب: يجزئ)).
وأما العور فقال مالك والمصريون: ((يجزئ)). وقال عبد الملك: لا يجزئ. وهو قول مالك في المبسوط.
وأما المرض الكثير: فقال محمد: يجزئ ما لم ينازع. وقاله عبد الملك. واستقرأ أبو
стр. 554
الحسن اللخمي من قول الغير في الكتاب: إذا كان البرص خفيفاً، ولم يكن مرضاً، أن المرض يمنع الإجزاء.
وأما البرص، فقال ابن القاسم في الكتاب: ((لا يجزئ)). وقال عبد الملك: إذا كان خفيفاً ولم يكن مرضاً أجزأ. وقال أيضاً أشهب.
وأما العرج البين، ((ففي الكتاب نفي الإجزاء)). وقال أشهب في كتاب محمد: يجزئ. وروي أيضاً عن مالك.
وأما الخصاء فكرهه ابن القاسم في الكتاب وقال أيضاً: ((لا يجزئ)). ((قال: ولو كان (خصياً) غير مجبوب ما أجزأ)). وقال أشهب في كتاب محمد: يجزئ، ورواه في العتبية عن مالك.
وأما قطع الأصبع، ففي الكتاب لابن القاسم: ((لا يجزئ)). وقال في غيره: يجزئ ويجزئ عتق الصغير وإن كان عاجزاً عن الكسب لصغره، ولكن الكبير أحب. ولا يجزئ عتق الجنين.
وأما كمال الرق، فاحترزنا به عمن فيه عقد حرية، كالمعتقة إلى أجل، والمستولدة، والمكاتبة، والمدبرة، والتي بعضها حر. فإن اشترى المدبر أو المكاتب فأعتقه عن ظهار لم يجزئه.
وقيل: بالإجزاء، بناء على قول من قال: إن من اشترى أحدهما فأعتقه مضى العتق، ولم ينقض البيع. فإن قلنا بنقضه، فلا يجزئ عتقهما ها هنا.
ولو كانت الرقبة مشتركة بينه وبين غيره، فأعتق جميعها عن ظهاره، ففي
стр. 555
الإجزاء قولان، المشهور عدمه. ولو أعتق البعض وأكمل عليه الباقي، فالمنصوص أنه لا يجزيه. ولو كان مالكاً للجميع، فأعتق البعض، لم (يجزئه). وقيل: بالإجزاء.
ولو علق عتق عبد على شرائه، ثم اشتراه، فأعتقه عن ظهاره، لم (يجزئه). ولو قال: إن اشتريته فهو حر عن ظهاري، ففي ثبوت الإجزاء ونفيه خلاف بين ابن القاسم ومحمد مبني على أن الحرية يتخيل وقوعها قبل كمال الملك أو معه، (أو) إنما تقع (مترتبة) على الملك. ولو اشترى من يعتق عليه، فأعتقه عن الظهار، لم (يجزئه).
واستثنى بعض المتأخرين صورة واحدة، وهي ما لو كان عليه دين، فكان للغرماء أن يمنعوه، فأذنوا له أن يعتقه عن الظهار، قال: فإنه يجزئ، لأن الملك قد استقر عليه.
وأما عتق المرهون والجاني إن نفذاه فيجزئ. وعتق نصفين من عبد واحد في دفعتين مختلف فيه، والمشهور نفي الإجزاء. وعتق نصفي عبدين غير مجزئ. ولو أعتق عبدين عن كفارتين، وقال: عن كل واحدة نصف من كل عبد لم يجزئه. والعبد الغائب المنقطع الخبر لا يجزئ. والعبد المغصوب يجزئ.
وأما قولنا: (خالية) عن شوائب العوض فأردنا به: لو أعتقه عن كفارته على أن يرد ديناراً، عتق لا عن الكفارة.
ولو قال لغيره: أعتق عبدك عن كفارتك، ولك علي ألف، لم ينصرف إلى الكفارة، وعتق.
وفي إجزاء ما أعتق عنه الغير ونفيه ثلاثة أقوال:
(الإجزاء ونفيه لابن القاسم وأشهب).
وفرق عبد الملك في الثالث، فقال: يجزيه مع الإذن، ولا يجزيه مع عدمه. وقال ابن القاسم أيضاً: يجزيه ما لم يدفع إليه في ثمنه شيئاً على ذلك.
стр. 556
قال الشيخ أبو محمد: يريد كأنه اشتراه بشرط العتق).
ومنشأ الخلاف في القولين الأولين، هل استقر الملك أولاً، ثم وقع العتق بعده، أو لم يستقر الملك عليه إذا لم يتملكه إلا إلى حرية.
وأما اعتبار الإذن، فبناء على وجوب نية العتق في الكفارة، وهو المشهور من المذهب. وقيل: لا تجب.
الخصلة الثانية: الصيام
ولا يجوز العدول إليه، وإلا لمن عجز عن العتق، فلو ملك رقبة لم يكن له الانتقال إلى الصوم مع وجودها، وإن كان محتاجاً إلى خدمتها لمرضه أو لمنصبه الذي يأبى مباشرة الأعمال، أو لغير ذلك.
ولو تظاهر من أمته وهو لا يملك غيرها، لم يجزئه الصيام، وهي تجزئه نفسها إن أعتقها عن ظهاره، فإن تزوجها حلت له.
قال أبو الحسن اللخمي: يجزيه عتقها على القول: إن العود العزم على الإمساك، وأنه إن طلق بعد ذلك أو ماتت، لم تسقط عنه الكفارة.
قال: ويجزيه أيضاً على القول أنه إذا ابتدأ بالكفارة، والزوجة في العصمة، وأتمها بعد انقضاء العدة، أنها تجزيه، وهو قول ابن نافع.
(قال): ولا تجزيه على القول: إن من شرطها أن تكون بموضع يستبيح به الإصابة، لأن عتقها خلاف العزم على الإصابة. قال: فلا يجزيه العتق (لهذا)، ولا يجزيه الصوم، لأنه مالك لرقبة.
ولو ملك داراً لا فضل فيها، أو ملك من العروض أو غيرها ما يشتري بثمنه رقبة، لم ينتقل إلى الصوم.
стр. 557
والاعتبار بوقت الأداء. وقيل: بوقت الوجوب إن كان فيه موسراً. (وقال بعض القرويين: إنما ذلك لمن وطئ فلزمته الكفارة بالعتق ليسره، فلم يكفر حتى أعسر فصام. فأما إن لم يطأها حتى أعسر فصام، ثم أيسر، فلا يلزمه العتق).
(ثم حيث قلنا: ينتقل إلى الصوم، فلو شرع في الصوم ثم أيسر، لم يلزمه العتق)، وقيل: إن كان إنما صام يوماً أو يومين، أعتق.
وقال في الكتاب: ((أرى أن ذلك حسناً أن يرجع إلى العتق. ولست أرى ذلك بالواجب عليه، ولكنه أحب ما فيه إلي)).
فرع: فإن أفسد هذا الصوم، بوطئ امرأته بعد أن يبق عليه إلا يوم واحد، وكان حينئذ واجداً للرقبة، وجب عليه عتقها، ولا يجزيه الصوم.
ومن قال: كل مملوك أملكه إلى عشر سنين حر، ثم لزمه ظهار وهو موسر، فطالبته امرأته، ففرضه الصيام. ولو لم تطالبه لما أجزأه الصوم، وصبر إلى انقضاء الأجل فأعتق.
ولو تكلف المعسر الإعتاق، (جاز) ذلك، وأجزأ عنه. والعبد وإن كان يملك، فلا يصح منه التكفير بالإعتاق لمعنيين:
أحدهما: حق السيد.
والثاني: أن الولاء لا يقع له، وإن أذن السيد في العتق، وذلك يمنع وقوع العتق عنه، ولسيده منعه من الصوم إذا أضر ذلك به في خدمته، إلا أن يكون يؤدي الخراج فقوي على عمله وصومه، فلا يمنع منه.
وقال ابن الماجشون: ليس له منعه وإن أضر به في الخدمة. قال في الكتاب: ((وأحب إلي أن يصوم، وإن أذن له سيده في الإطعام.
قال ابن القاسم: والصيام عليه، وهو الذي فرضه الله على من قوي عليه. وليس يطعم أحد يستطيع الصيام)).
واعتذر أبو القاسم بن محرز عن مالك بأن مقصوده الكلام على ما إذا منعه السيد الصيام، وأباح له العتق أو الإطعام، فتوفق مالك، هل له ذلك أم لا؟، فاستحب الصيام لأجل تردده،
стр. 558
ولو جزم بأن السيد ليس (له) منعه من الصيام، لجزم بأن الواجب عليه الصيام كما قال ابن القاسم، وإنما خرج كلامه على التردد.
ومن نصفه حر ونصفه رقيق فهو كالرقيق.
أما حكم الصوم، فهو أنه تجب فيه نية الكفارة ونية التتابع. وإذا مات لم يصم عنه وليه. ويصوم شهرين بالآهلة، فإن انكسر الشهر صام أحد الشهرين بالهلال، وتمم (الكسر) ثلاثين. وينقطع التتابع بوطء المظاهر ليلاً أو نهاراً، ولو في اليوم الأخير أو ليلته، ويجب الاستئناف.
والحيض لا يقطع التتابع، وكذلك المرض، ويقطعه الفطر في السفر من غير ضرورة.
وإن أفطر ساهياً أو مخطئاً، لم ينقطع (تتابعه .. وقيل: ينقطع بهما. وقيل: ينقطع) بالخطأ دون السهو. ولا خلاف في بطلان تتابعه بالفطر متعمداً من غير عذر.
وكذلك لو ابتدأ قاصداً في وقت يعلم أن أيام الأضحى تمر به، فإن كان هذا لجهل، ففي قطع التتابع به خلاف.
ثم إذا قلنا: لا ينقطع التتابع بذلك، فإنه يفطر أيام الأضحى، ويقضيها متتابعة متصلة بما قبلها.
فرعان: الأول: لو صام شعبان ورمضان لكفارته وفريضته لم يجزئه رمضان عن واحد منهما، ولزمه قضاء ثلاثة أشهر.
الفرع الثاني: لو جمع أربعة أشهر للصوم عن ظهارين، ثم ذكر يومين لا يدري هما من الشهرين الأولين أو من الثانيين أو منهما؟. ولا يدري هل هما مجموعان أو مفترقان؟ فإن قلنا: إن النسيان لا يضر، والتفرقة كذلك، فيأتي بيومين لا غير.
وإن قلنا: إن (كلا هذين) مضر ومبطل للصوم، فروى سحنون عن ابن القاسم: ((أنه يصوم يومين يصلهما بآخر صيامه، خيفة أن يكونا من الشهرين الأخيرين، ثم يأتي بشهرين قضاء عن الأولين)).
стр. 559
(وقال ابن سحنون عن أبيه في ذكره ليومين متتابعين، أنه يصوم يوماً وشهرين يصل ذلك بصيامه، لأن الشهرين تنوب عن ذلك، وإنما أشد ما يقدر أنه ترك يوماً من آخر الشهرين الأولين، ويوماً من أول الشهرين الأخيرين. فيأتي بيوم تداركاً للأخيرين وشهرين قضاء عن الأولين.
قال أبو محمد: ((يعني سحنون: أنه لو أيقن أنهما من إحدى الكفارتين لم يكن عليه غير شهرين فقط)).
قال أبو محمد: ((يظهر) أن قول ابن القاسم أشبه، (لأنه) وإن أيقن أنهما من إحدى الكفارتين، فلا ينبغي له أن يخرج من كفارة هو فيها حتى يتمها بيقين، بأن يضيف إليها يومين، ثم يقضي الكفارة الأخرى. وكذلك إن لم يدر هل هما من إحدى الكفارتين، أو من آخر تلك وأول هذه، أن واحدة قد بطلت، غير أنه لا ينتقل من هذه التي هو فيها إلا بيقين من إصلاحها بيومين وذلك أكثر ما يمكن أن يكون عليه منها، كمن ذكر سجدة من إحدى ركعتين، فلا بد أن يصح هذه التي هو فيها بسجدة، وإن كان لا بد أن يعيد الأولى، إلا شيء رواه البرقي عن أشهب، أنه قال: يأتي بركعة، ولا يصلح هذه بشيء)).
الخصلة الثالثة: الإطعام
فينتقل إليه من عجز عن الصيام عاجلاً وآجلاً، فلو غلب على ظنه القدرة في المستقبل، فقال ابن القاسم: ينتظر القدرة ولا يطعم. وقال أشهب: يطعم ولا ينتظر.
ثم النظر في القدر والجنس
أما القدر، فهو إطعام ستين مسكيناً، ويشترط فيهم (ما يشترط) في من تصرف الزكاة إليه من المساكين، ويراعي العدد، فلا يجزيه أن يطعم ذلك المقدار لدون هذا العدد.
واختلف في مقدار ما يعطى لكل مسكين. فروي: مدان بمد النبي ﷺ . وروى ابن حبيب: مد يده ﷺ . وفي الكتاب ((مد بمد هشام)). ثم اختلف في مقداره.
стр. 560
(فروى العراقيون عن معن بن عيسى، أنه مدان بمد النبي ﷺ . واستصح ذلك القاضي أبو الوليد بوجهين:
((أحدهما: أن معنا مدني، فهو أعرف به.
والثاني: أن ذكر أنه شاهده، قال: وهو موجود إلى اليوم، وهو كيل السراة (وغيرهم من العرب).
(وقال ابن حبيب: جعله هشام لفرض الزوجات وهو مد وثلث. وقال ابن القاسم: ((مد وثلثان)).
وأما الجنس، فهو جنس زكاة الفطر، ويجب فيه التمليك. وقال ابن الماجشون: إن غدام وعشاهم خبزاً وإداماً أجزأه. قال أبو الحسن اللخمي: ((فجعله ككفارة اليمين بالله تعالى)).
وهل يعتر عيش الكفر أو عيش أهل بلده؟ يخرج على ما تقدم في كفارة اليمين وزكاة الفطر من الخلاف في ذلك.
ولو أعطى لدون الستين فليحتسب بذلك العدد، ويبني عليه، وإن قدر على استرداد الزائد، فله استرداده.
ولو أعطى لأكثر من الستين، فإن أكمل لمن أعطاه أجزأه. وله استرداد ما دفع لمن زاد على الستين. وإن لم يقدر على الإكمال أتم الستين أو ابتدأ.
ولو تناهبها المساكين، فإن كانوا أكثر من الستين ابتدأ الجميع. وإن كانوا ستين فأقل بنى على واحد وأتم عليه.
стр. 561
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
كتاب اللعان
وفيه مقدمة وثلاثة أبواب:
المقدمة: في ما يبيح اللعان، ونفي النسب، فنقول: الزوج كالأجنبي في القذف، إلا في أمور:
منها: أنه قد يباح له ذلك، وقد يجب عليه لضرورة دفع النسب.
ومنها: دفع العقوبة عن نفسه باللعان.
ومنها: إيجاب عقوبة الزنى على المرأة.
قال القاضي أبو بكر: ((ولا يمنعه من ذلك وجدان البينة، ولفظ الآية خارج مخرج الغالب، بل مخرج المعتاد، (فإنه) لم يحد أحد في الإسلام ببينة، ولا يحد في وطء أبداً، لما أراد الله من الستر على الخلق حتى يحكم فيه بحكمه. فذلك من قول الله تعالى صفة للحال، لا شرط في الحكم)).
ثم للمرأة الدفع بلعانها. ويباح للزوج القذف إذا استيقن أنها زنت في نكاحه، وإن لم يكن ثم ولد (للتشفي) إذا ادعى الرؤية، فإن اقتصر على مجرد القذف من غير دعوى الرؤية، فروي أنه يلاعن، وروي أنه لا يلاعن، ويحد [للقذف]، وعليه أكثر الرواة.
أما نفي الولد باللعان، فيصبح إذا قال: لم أصبها منذ كذا، لأمد لا يلحق فيه الولد، أو
стр. 562
لم أصبها بعدما وضعت ولداً كان قبل هذا، مما يعلم أنه بطن ثان، أو يقول: ليس ولدي، أو لم تلديه، أو يجمع بين الاستبراء والرؤية في دعواه، وتأتي به لستة أشهر فصاعداً بعد الرؤية.
ورأى أبو القاسم السيوري: أنه ليس له نفيه بذلك. وذكر الداودي عن المغيره مثله.
وإذا فرعنا على المشهور فتكفي حيضة واحدة. وقال عبد الملك: ثلاث حيض، ورواه.
فأما لو اقتصر على أحد الأمرين، الاستبراء أو الرؤية، إذا أتت به لستة أشهر فأكثر بعد الرؤية، ففي صحة النفي بذلك روايتان.
واختلف أيضاً، وإن كانت حين الرؤية ظاهرة الحمل، أو لم تكن ظاهرته، وأتت به لأقل من ستة أشهر منها، هل يكتفي بادعاء الرؤية وإن لم يدع الاستبراء أم لا؟
ولو كان يعزل عنها، لم يعول في النفي على العزل.
ولا يجوز النفي بمجرد مشابهة الولد لغيره في الخلق والقبح. ولو كان الأبوان في غاية البياض، والولد في غاية السواد، أو بالعكس، لم يجز النفي بذلك.
وإذا نكح المشرقي مغربية، وأتت بولد لستة أشهر، فلا حاجة إلى اللعان فإنه لا يلحقه إذ لا إمكان. ولو أتت بالولد لزمان الإمكان، ولكن رآها تزني، وأراد اللعان دون نفي الولد فله ذلك.
الباب الأول: في أركان اللعان ، وهي أربعة:
القذف، والأهل، واللفظ، والثمرة
الركن الأول: القذف، وهو نسبتها إلى وطء حرام في القبل أو الدبر، فلو نسبها إلى زنى وهي مستكرهة فيه، التعن هو لنفي الولد، ولم تلتعن هي إذا ثبت الغصب، إذ يمكن أن يكون منه. ويشترط أن لا يطأها بعد الرؤية وأن يقول في القذف واللعان: رأيها تزني، على إحدى الروايتين. وكذلك يقول استبرأتها في نفي الولد. وروي أن ذلك لا يشترط فيهما.
стр. 563
ثم اختلف الرواية في اشتراط ذكر الصفة على رواية اشتراط الرؤية.
الركن الثاني: الملاعن، وله شرطان
أحدهما: أهلية اليمين، فتصح من كل مكلفين، وإن كانا مملوكين، أو فاسقين، أو أحدهما، ويستثني الكافر.
غير أن الذمية تلاعن (لتدفع) العار عنها، وينقطع النكاح بلعانها، فإن أبت فهما على الزوجية، وترد إلى أهل دينها بعد العقوبة، لأجل خيانة زوجها في فراشه، وإدخالها الإلباس في نسبه.
الشرط الثاني: الزوجية، فلا لعان للأجنبي، نعم يلتحق بصحيح النكاح فاسدة. قال في كتاب محمد: وكل نكاح يلحق فيه الولد ففيه اللعان وإن فسخ. والطلاق الرجعي لا يمنع اللعان قبل الرجعة. وإن قذفها ثم أبانها لاعن لدفع النسب إن كان، وإلا (فيلاعن) لدفع الحد. وإن قذف بعد البينونة لاعن إن كان ولد، وإلا فلا، ويحد. وإن قذفها في عدتها من الطلاق البائن بالرؤية لاعن، وإن لم يكن بها حمل. وقال ابن المواز وسحنون: يحد و (لا) يلاعن. وإن قذفها في النكاح لم يلاعن وحد.
فروع: لو لاعن ثم أبانها فقذفها بتلك الزنية فلا حد ولا لعان. وفي الكتاب عن ربيعة: ((يحد لها)).
وإن قذفها بزنية أخرى، فإن كانت لم تلاعن وحدت، لم يجب الحد لسقوط حصانتها بتلك الزنية بموجب لعانه، وإن لاعنت وجب الحد إذ بقيت حصانتها بلعانها.
وإن كان القذف من أجنبي، فإيجاب الحد أولى، لأن أثر لعان الزوج لا يتعدى إلى غيره.
الثاني: إذا قذف أجنبية، ثم نكحها وقذفها فلاعن، اندفع الحد الثاني. أما الأول فيستوفي، لأن اللعان لا مدخل له في قذف متقدم على الزوجية، لأنه في حالة لا يلحق فيها نسب.
الثالث: لا (ينتفي) نسب ملك اليمين باللعان، (فو اشترى زوجته، ثم ظهر بها حمل،
стр. 564
فإن علم أنها كانت يوم الشراء حاملاً لم ينفه إلا بلعان، إلا أن يكون وطئها بعد رؤيته للحمل، فلا ينفيه.
[وإن] لم يعلم أكانت حاملاً يوم الشراء أم لا؟ حتى ظهر الحمل، وأنت به الأقل من ستة أشهر، فالولد للنكاح، ما لم يطأها بعد الشراء.
قال الشيخ أبو محمد: ((قوله: لم يطأها بعد الشراء، يريد إذا أتت به لأكثر من ستة أشهر.
وقد روى (ابن سحنون): أنها إذا لم يطأها بعد الشراء بحيضتين قال: ولو وطئها بعد الشراء فلا ينفيه لعان ولا بغيره، استبرأها بعد الوطء، أو لم يستبرئها. إلا أن يدعي أنه استبرأها بعد أن وطئها فهذا ينظر.
فإن ولدته لأقل من ستة أشهر فهو للنكاح، ولا ينفيه إلا بلعان، وإن ولدته لستة أشهر فأكثر، فله نفيه بغير لعان، وإن ادعى استبراء بعد الوطء الذي هو بعد الشراء. وإن لم يدع استبراء فهو منه.
قال ابن المواز: قال ابن عبد الحكم عن مالك فيمن تزوج أمة ثم لاعنها، ثم اشتراها، قال: لا تحل له أبداً)).
الركن الثالث: اللفظ، والنظر في أصله ثم في تغليظاته، وسنته.
أما اللفظ، فأن يقول أربع مرات في الرؤية: أشهد بالله، قال محمد: يزيد: الذي لا إله إلا هو، لرأيتها تزني. ويصف الزنى كما تصفه شهوده. وروي: ليس عليه ذلك.
وفي نفي الجمل: أشده بالله لزنت. فقط ولفظ ابن القاسم عند ابن المواز: ما هذا الحمل مني. ويقول في الخامسة: أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين.
والمرأة تشهد أربع مرات تقول في الرؤية: أشهد بالله ما رآني أزني. وتقول في الحمل: ما زنيت، وأنه منه.
وتقول المغتصبة إذا التعنت في نفي الولد: أشهد بالله ما زنيت، ولا أطعت.
وتقول في الخامسة: أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين. ويتعين لفظ الشهادة، فلا (تبدل) بالحلف، ولا لفظ الغصب باللعان. ويجب الترتيب في تأخير اللعان.
стр. 565
ويصح لعان الأخرس وقذفه إذا كان يعقل الإشارة، أو يفهم الكتابة.
ولو قال بعد انطلاق اللسان: لم أرد ذلك، لم يقبل (منه).
فلو اعتقل لسان الناطق قبل اللعان، وكان ينتظر زواله على قرب أمهل.
فرع: إذا (بدأت) المرأة باللعان، فقال ابن القاسم: لا يعاد عليها بعد لعان الزوج.
وقال أشهب: يعاد. قال أبو القاسم ابن الكاتب: وهو أحسن.
أما التغليظ، فهو بالزمان والمكان والجمع.
أما الزمان فيلتعنان في دبر الصلوات. وقال في كتاب محمد: وأي ساعة شاء الإمام، وعلى إثر المكتوبة أحب إلي.
(وروى ابن وهب عن مالك أنه قال: كان عندنا بعد العصر، ولم يكن سنة)، وأي ساعة شاء الإمام لاعن، وبعد العصر أحب إلي قال عبد الملك: لا يكون إلا في مقطع الحق بإثر الصلاة. ((قال القاضي أبو الوليد: فكأنه جعل ذلك شرطاً كالمكان)).
فأما المكان، فأشرف مواضع البلد، وذلك مقطع الحق، وفي حق الذمية الكنيسة والبيعة. والحائض تؤخر بعد لعان الزوج حتى تطهر كالطلاق. والمريض منهما يبعث الإمام إليه عدولاً.
وأما الجمع فهو أن تحضر جماعة لا تنقص عن أربعة. ولا يصح اللعان إلا في مجلس الحاكم. ثم التغليظ بالمكان واجب.
وأما كونه بعد صلاة العصر فغير واجب. وظاهر قول عبد الملك بن الماجشون: الوجوب.
وأما سنته، فإن يخوفا، فيقال للزوج: تب إلى الله ، تجلد ويسقط عنك المأثم.
ويقال للمرأة أيضاً نحو ذلك. ويقال لكل واحد منهما قبل اللعان بالغضب: اتق الله، فإن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، وإن هذه الموجبة التي توجب عليك العذاب.
الركن الرابع: الثمرة، وهي نفي النسب، وقطع النكاح، ورفع العقوبة، ودفع عار الكذب.
следующие страницы →