Полный текст (1 311 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.
стр. 491
يدخل)، لأن ما زاد على واحدة خارج عن معنى الإصلاح. وقيل: ينفذ ما حكما به.
ولو اختلفا، فحكم أحدهما بالطلاق، والآخر بالبقاء، أو حكم أحدهما على مال. والآخر على غير مال لم يلزم شيء إلا باجتماعهما؛ إلا أن ترضى الزوجة بالمال الذي قال أحدهما، وقد اجتمعا على الفراق فيلزم.
ولو اتفقا على إيقاع الطلاق، واختلفا في العدد، فأوقع أحدهما واحدة، وأوقع الآخر الثلاث أو البتة، وقعت الواحدة فقط، لاتفاقهما عليها. وقيل: لا يقع شيء أصلاً لاختلافهما.
وقيل: تمضي الواحدة إن حكم معها بالثلاث. فأما إن حكم بالبتة، فلا يمضي الحكم بشيء أصلاً. وهذا القول مبني على أن أبعاض الجمل كنوع آخر، وهو أصل نختلف فيه، وعليه يخرج حكم مطلق البتة إذا استثنى منها.
стр. 492
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
كتاب الخلع
وفيه أبواب:
الباب الأول: في حقيقته
وهو عبارة عن خلع العصمة بعوض من الزوجة أو غيرها. وفيه فصلان:
الفصل الأول: في أثره . وهو الطلاق، فتقع طلقة بائنة
فرعان: الأول: لو وقع التنصيص على أنها رجعية مع وجود البدل، فهل تمضي كذلك مراعاة للقصد ولما دخلا عليه؟، أو ترجع إلى الأصل؟ روايتان. والرجوع إلى الأصل مذهب الكتاب.
وسبب الخلاف معارضة البدل للشرط
الفرع الثاني: عكسه، وهو أن يعرى الطلاق من العوض، ويقصد البينونة، فحكى القاضي أبو محمد ((أن الطلاق يكون بائناً عند مالك، ورجعياً عند أشهب)).
وقد روي فيمن قال: أخالعك على أن أعطيك مائة درهم، فقبلت، كانت بائنة، لا يملك رجعتها.
وكذلك لو لم يعطها الزوج شيئاً، فخالعها، فهي بذلك أيضاً بائن، وفي الكتاب أنه سئل عن المطلق طلاق الخلع، أواحدة بائنة، أم واحدة وله الرجعة؟ فقال: لا، بل البتة، لأنه لا تكون واحدة بائنة أبداً إلا بخلع، وصار كمن قال لزوجته التي دخل بها: أنت طالقة
стр. 493
طلاق الخلع. ومن قال ذلك، فقد أدخل نفسه في الطلاق البائن. ولا يقع في الطلاق بائن إلا بخل، أو يبلغ به الأقصى، وهي البتة.
ثم عقب هذا في الكتاب بذكر اختلاف رواية ابن وهب عن مالك فيمن طلق وأعطى، أنها رجعية، أو بائن.
قال أبو بكر بن عبد الرحمن: صحيح المسألة خالع وأعطى. وكذلك ذكرها محمد عن الحرث عن ابن وهب عن مالك.
وقال عبد الحق: ((الاختلاف الذي ذكر إنما هو في كتاب ابن وهب، فيمن صالح وأعطى وليس فيمن طلق وأعطى. وكذلك أيضاً في كتاب ابن المواز)). قال: ((هذا هو الصحيح. إذ من طلق وأعطى لا خلاف أن الرجعة له، لأنه إنما وهبها هبة وطلقها، فليس هذا من الخلع في شيء)).
وقد نقل بعض المتأخرين فيمن طلق وأعطى إذا قصد بذلك طلاق الخلع ثلاثة أقوال: واحدة رجعية، واحدة بائنة، وثلاث.
ثم قال: ((والأقوال الثلاثة جارية فيمن قال: أنت طالق طلاق الخلع)).
فرع: قال ابن القاسم في العتبية: ((قال مالك فيمن طلق امرأتة واحدة، فأعطته مالاً في العدة على أنه لا رجعة له عليها، قال: أراه خلعاً، وتلزمه طلقة بائنة)). وقال عيسى عن ابن القاسم مثله. وقال: ((على أن لا يراجعها، قال: وتبني على عدتها)). وروى عبد الملك بن الحسن عن أشهب أنه قال: إن شاء راجعها ورد إليها المال.
وفي كتاب محمد روى عبد الرحمن بن أبي جعفر الدمياطي عن ابن وهب أنه قال: لا يلزمه غير الطلقة الأولى، ولا رجعة له عليها.
الفصل الثاني: في نسبة الخلع إلى المعاملات
وهو يجري في ثبوت العوض في الذمة مجرى البياعات، فيقول: خالعتك أو طلقتك
стр. 494
على ألف. فهو كالمعاوضة في اشتراط القبول. ولو قال: طلقت ثلاثاً على ألف، فقالت: قبلت واحدة على ثلث الألف، لم تقع. ولو قبلت الواحدة بكمال الألف وقعت.
أما إذا أتى بصيغة التعليق فقال: متى أعطيتني ألفاً فأنت طالق. فهذا تعليق محض، فلا يحتاج إلى قبولها، ولا إلى إعطائها في المجلس، ولا له الرجوع قبل الإعطاء.
ولو قال: إن أعطيتني، فهو كذلك، إلا أن يظهر من قصده أنه أراد تعجيل الإعطاء في المجلس فيتقيد به، فإن أتت صيغة التعليق من جانب المرأة فقالت: متى طلقتني فلك ألف، لم تختص بالمجلس، إلا أن تكون قرينة تدل على ذلك.
ولو قالت: طلقني ثلاثاً على ألف، فقال: طلقتك واحدة على ثلث الألف، استحق ثلث الألف. وكذلك لو قال: على الألف، نفذ واستحق الألف على المنصوص، ولا كلام لها، لأن مقصودها حاصل.
الباب الثاني: في أركان الخلع
وهي أربعة: العاقدان والعوضان.
الأول: الموجب، وشرطه أن يكون مكلفاً زوجاً، أو من أقيم مقامه، كالأب في غير البالغ من بنيه إذا أخذ له شيئاً. فإن كان بالغاً سفيهاً، فقيل: يجوز حلع الأب عنه قياساً على نظره في أمواله. وقيل: لا يجوز قياساً على الطلاق وكالوالي في الصغير. وكالسيد في عبده وأمته.
وقيل: لا يمضي خلع السيد عليهما بغير اختيارهما.
ومنشأ الخلاف النظر إلى الإجبار على النكاح وهذا من توابعه، أو إلى كون العقد قد استقل ولا حكم للسيد فيه فلا يزيله بغير اختيارهما. وعن هذا رأى أبو الحسن اللخمي: أنه يخالع عن الأمة التي العصمة بيد غيرها، دون العبد الذي العصمة بيده.
واختلف في صحة خلع السفيه. ثم إذا صححنا، فلا يبرأ المختلع بتسليم المال إليه، بل إلى الوالي.
الركن الثاني: القابل
وشرطه أن يكون أهلاً لالتزام المال، والتزام الأمة فاسد، واختلاعها بإذن السيد صحيح، ولا يكون السيد ضامناً للمال.
стр. 495
واختلاع السفيه فاسد لا يوجد المال، ويرد إن كان قبض، لكن إذا قبلت وقع الطلاق وإذا اختلعت الصبية لم يلزمها العوض، ووقع الطلاق. وروي عن ابن القاسم في التي لم تحض، وقد بنى بها الزوج، فصالحته على مال أعطته إياه، فذلك نافذ وله ما أخذ إن كان يصالح به مثلها.
((قال أبو بكر بن محمد: المعروف من قول أصحابنا، أن المال مردود، والصلح ماض)).
ويصح صلح الأب عمن يجبر من بناته، وعن صغار ذكور ولده. واختلف في سفهاء بالغيهم، وفيمن لا يجبر، ولا تملك أمرها.
ومنشأ الخلاف أن النظر فيه مشترك بين المال والبضع بأيهما يغلب؟
والمريضة إذا اختلعت بخلع مصلها مضى ذلك على ورثتها في رواية ابن وهب.
ومذهب الكتاب في ذلك أنه لا يجوز للزوج منه إلا قدر ميراثه منها أو أقل.
فرع: وهل يعتبر قدر ميراثه منها يوم الخلع أو يوم الموت؟ فيه خلاف.
ثمرته الحكم برجوع الورثة على الزوج لو هلك مالها أو بعضه قبل الموت، وعدم رجوعهم.
الركن الثالث: المعوض
وشرطه أن يكون مملوكاً للزوج، فلا يصح خلع البائنة، والمختلعة، والمرتدة، ويصح خلع الرجعية.
стр. 496
الركن الرابع: العوض
وشرطه أن يكون متمولاً. ولا يشترط في صحة الخلع كونه سليماً من الغرر والجهالة، بل لو خالع على مجهول صح الخلع، ووقع الطلاق، إذ ليس سبيله سبيل المعاوضات المحضة كالمبايعات التي تبتغي فيها الأثمان، وإنما [المبتغى] في هذا تخلص الزوجة من الزوج، وملكها لنفسها، وفارق النكاح لأن الصداق حق لله سبحانه، وتجويز الجهالة فيه ذريعة إلى إخلاء النكاح عنه، وليس كذلك الخلع.
واختلف في حكم الإقدام عليه، فحكى فيه بعض المتأخرين ثلاثة أقوال: الجواز، والمنع، والكراهة.
أما لو اختلعت بخمر أو خنزير أو مغضوب، فلا يختلف المذهب في منعه ابتداء، ونفوذه إذا وقع، والمنصوص أنه لا شيء للزوج فيه. واستقرأ أبو الحسن اللخمي إيجاب خلع المثل من خلع المريضة.
ولو خالعها على أن أخرته بدين واجب لها تعجيله، أو على أن أسقطته وأخذت ماله تأجيله، فالخلع ماض، والدين باق بحاله، يبطل فعلها، ويخرج على الخلاف المتقدم في إيجاب خلع المثل.
وإن خالعته على حلال وحرام، كمال وخمر، جاز منه الحلال، ولا شيء للزوج غير ذلك.
وإن خالعها على عبد آبق، على أن زادها ألف درهم، فجوزه في الكتاب، وقدر أن العبد يجعل في مقابلة العموم، وهي الدراهم، فإن فضل فضل كان الخلع.
قال أبو محمد عبد الحق: ((وهو جار على مذهب ابن نافع في الموضحتين، أنه يجعل الشقص المصالح به لموضحة الخطأ. وأما على مقتضى قول ابن القاسم في قسمة المأخوذ بين الموضحتين، فيكون نصف العبد ها هنا في مقابلة نصف الألف، فيفسخ البيع فيه، وترد المرأة نصف الألف للزوج، ويبقى لها نصف العبد الآبق، وللزوج النصف الآخر بحق الخلع)).
وإذا فرعنا على القول الأول، فهل تعتبر القيمة يوم الخلع، أو يوم قبض العوض، المشتمل على الغرر، وهو المشهور؟ قولان.
стр. 497
((ولو خالعها على ما في يدهل، ورضي، ففتحت يدها فلم يجد فيها شيئاً، فقال أشهب: لا يلزمه طلاق. قال: وكذلك إن وجد حجراً. وإن وجد ما ينتفع به كالدرهم ونحوه لزمه الخلع.
وقال ابن الماجشون: يلزمه الخلع لأنه رضي بما غرته. وقاله محمد وسحنون)).
قال عبد الملك: ولو قالت أخالعك بعبدي هذا، ثم استحق، فإن كان لها فيه شبهة ملك لزمه الطلاق، ورجع عليها بقيمته، وإن لم يكن لها فيه شبهة ملك لم يلزمه طلاق. قال: كذلك لو قالت: خالعني على عطائي، ولا عطاء لها، أو لها عطاء معوق عنها.
فرع: حيث وقع الخلع بالغرر وأمضيناه، فالجعل في طلب الآبق والشارد على الزوج إذا لم تتحمل له المرأة النفقة على ذلك.
(وأما الجنين والثمرة، فقال أبو محمد عبد الحق عن بعض شيوخه القرويين: ((إذا خالعته على جنين في بطن أمه، فالنفقة على المرأة إلى خروج الجنين)).
قال: وكذلك إذا خالعته على ثمر لم يبد صلاحه، فالنفقة على الأصول على المرأة، كالبيع على التبقية إذا أمضينا ذلك على غرره. وليس للمرأة أن تجبر الزوج على جد الثمرة، لأنه إنما دخل على بقائها. قال: وقال غيره من شيوخنا القرويين: سقي الثمرة على الزوج، وليس ذلك كالبيع، وجعل السقي كالجائحة)).
ولو خالعها على أن ترضع ولده حولين، وتحضنه، صح، فإن أضاف إليه نفقة عشر سنين سقطت. وقال المخزومي: لا تسقط.
قال أبو القاسم بن محرز: ومذهب المخزومي أظهر وأشبه بمذاهبهم في الخلع بالغرر.
قال: وإنما فرق مالك بينه وبين من خالع بغرر كالآبق والشارد، ونحو ذلك، لأن هذا الذي خالع على الآبق والشارد، إنما خالع على عين إن أخذها، وإلا فلا شيء له. والذي خالع على نفقة الولد أكثر من عامين، شرط النفقة في ذمة على غرر، وقد لا يسلم الولد، فيؤدي الأمر إلى الخصومة فيما شرطت على نفسها لاشتباه الحكم في ذلك. وإنما سامح في العامين وما دونهما وإن كانت غرراً أيضاً، لأن الصبي مضطر إلى رضاع أمه في الحولين. ولو لم يشترط ذلك عليها لشق على أبيه تكلف من يرضعه له. وليس في النفقة بعد الحولين في
стр. 498
الطعام والشراب ما يشق على الأب تكلفه.
وإذا فرعنا على المشهور في قصر الصحة على الحولين، ثم ماتت الأم رجع الأب ذلك في تركتها.
ولو كان الولد هو الذي مات قبل انقضاء مدة الرضاع، ففي رجوع الأب عليها بما بقي خلاف.
ومما يتعلق بالعوض موافقة الوكيل ومخالفته، والنظر في وكيله ووكيلها.
أما وكيله، فإن قال له: خالعها بمائة فخالف ونقص، بطل الخلع ولم يقع الطلاق.
ولو قال مطلقاً: خالعها، فنقص عن خلع المثل، فادعى الزوج أنه أراد خلع المثل فالقول قوله.
وأما وكيلها بالاختلاع بمائة، فإن زاد وقع الطلاق، ولزمتها المائة، والزيادة على الوكيل. وإن أضاف الوكيل الاختلاع على نفسه، صح، ولزمه المسمى. وإن لم يصرح بالإضافة إليها ولا إلى نفسه حصلت البينونة، وعليها ما سمت، والزيادة على الوكيل. وإن أذنت مطلقاً فهو كالمقيد بخلع المثل.
الباب الثالث: في موجب الألفاظ المعلقة بالإعطاء
وفيه مسائل:
الأولى: إذا قال: إن أعطيتني ما أخالعك عليه خالعتك، فأعطته نصف دينار مثلاً، فقال: لم أرد هذا، وإنما أردت نصف ما [تملكين]، فلا يلزمه الخلع. قال في الرواية: ويخلى بينه وبينها. وعند الشيخ أبي إسحاق: أن له أن يطالبها بجميع ما تملكه. وأنكر هذا الشيخ أبو الحسن اللخمي، ورأى أن ذلك ليس من مقاصد الناس، وإنما يقصدون بعض المال لا كله.
الثانية: إذا علق بالإقباض والأداء والإعطاء، لم يختص بالمجلس، إلا أن يظهر ما يدل على اختصاصه به. وإن كان بما يقتضي الجواب، وففي بقائه لها وإن تفرقا خلاف.
стр. 499
ولو قال لها: متى ما جئت بكذا فارقتك، أو أفارقك، فأصل هذا أن ينظر فإن فهم عنه الالتزام لزمه، وإن فهم عند الوعد ففي المذهب قولان في وجوب الوفاء به.
قال الشيخ أبو الطاهر: ((فأما لو أدخلها في شيء بذلك الوعد، فالمذهب اللزوم)).
قال: ((وفي هذه المسألة قولان منصوصان، وهما منزلان على ما قلناه)).
الثالثة: إذا قال: إن أعطيتني ألفاً فأنت طالق، فأعطته ألفين، طلقت.
وكذلك لو قال: خالعتك على ألف، فقالت: قبلت ألفين.
الرابعة: إذا قال: إن أعطيتني ألف درهم، وفي البلد نقود مختلفة، والغالب واحد، فأتت بغير الغالب، لم يقع الطلاق، بل يختص وقوعه بالغالب، كالإقرار والمعاملة. ولو أتت بألف معيب لم تطلق، لوجوب تنزيل المطلق على المعتاد، وهو السليم.
الخامسة: إذا كان الغالب دراهم عددية، قبل تفسير التعليق بالمعتاد، كما ينزل عليها البيع والإقرار. وكذلك الحكم في الدراهم المغشوشة إذا كانت هي الغالبة في التعامل.
السادسة: إذا قال: إن أعطيتني عبداً فأنت طالق، ووصف العبد بما يميزه من الأوصاف، فأتت به على الصفة المذكورة طلقت، وملكه الزوج.
وإن اقتصر على ذكر العبد مطلقاً، طلقت (بما) ينطلق عليه اسم العبد من السليم.
ولو قال: إن أعطيتني هذا العبد، فأعطته، فخرج مستحقاً، رجع بقيمته. ولو خرج حراً رجع بقيمته أيضاً أن لو كان عبداً. وقيل: لا يرجع بشيء. ولو قال: إن أعطيتني هذا الحر وقع الطلاق بإعطائه رجعياً. ولو قال: إن أعطيتني هذا الثوب المروي فإذا هو هروي، طلقت إذا أعطته.
الباب الرابع: في سؤال الطلاق
وفيه فصول:
الفصل الأول: في ألفاظه
وفيه صور نذكرها متتالية. فنقول: إذا قالت: متى ما طلقتني فلك ألف، لم يختص الجواب بالمجلس، إلا أن يظهر من قرينة حالها ذلك.
ولو قالت: طلقني ولك علي ألف، فطلق، لزمها الألف، وصلحت هذه الصيغة منها للالتزام، وإن لم يصلح منه للالتزام. ولو قالت: طلقني على ألف، فقال: طلقتك ولم يذكر
стр. 500
المال لزمه الطلاق، وكان جواباً. ولو قالت: أبني بألف، فقال: أبنتك بعد الخلع، ولزمها الألف.
ولو قالت: أبني، من غير ذكر مال، فقال أبنتك، وقع الطلاق الثلاث، ولم يلزمها مال.
الفصل الثاني: في التماسها طلاقاً مقيداً بعدد
فإذا قالت: طلقني ثلاثاً بألف، فطلق واحدة، استحق الألف على المنصوص، وكذلك لو قالت: طلقني عشراً بألف، استحق الألف بالواحدة.
ولو قالت: طلقني واحدة بألف، فطلقها ثلاثاً، استحق الألف، ولا كلام لها على المنصوص.
ولو قالت: طلقني نصف طلقة، أو طلق نصفي بألف، فطلق، بانت، وعليها الألف.
الفصل الثالث: في المعلق بزمان
فإذا قالت: طلقني غداً ولك (ألف)، استحق الألف مهما طلق، إما في الغد، وإما قبله إذا فهم من مقصودها تعجيل الطلاق. وإن فهم منها تخصيص اليوم لم يستحق، ولو طلق بعده لم يستحق. ولو قالت له: لك ألف إن طلقتني في جميع هذا الشهر، ولم تؤخر، استحق الألف إن وافق. ولو قال: أنت طالق غداً على ألف، فقالت في الحال: قبلت، وقع الطلاق في الحال، واستحق الألف.
الفصل الرابع: في اختلاع الأجنبي
وهو صحيح، كاختلاعها، ولا يشترط رضاها، لكن المال يجب على الأجنبي، وإن كان وكيلاً من جهتها، يخبر بين أن يخلع مستقلاً، أو بالوكالة، ويعرف ذلك من لفظه ونيته. فإن لم يصرح بالسفارة ونوى النيابة، تعلقت به العهدة، كما في الشراء.
ولو كان المختلع أباها وهي صغيرة، كان كالوكيل.
وإن اختلعها بالبراءة من الصداق صح إذا رآه نظراً.
الفصل الخامس: في النزاع ، وفيه صور:
(إحداها): أن يقع في أصل ذكر العوض، فالقول قولها مع يمينها إذا أنكرت أصل العوض، والبينونة تحصيل مؤاخذة له بقوله.
وقال عبد الملك: القول قوله، وتعود زوجة بعد أن يحلف الزوج أنه خالع على ما ذكر، وتحلف هي أنه كان طلاقاً بغير عوض.
стр. 501
وقال أصبغ: إلا أن يقول الزوج: إنما أردت أن لا يتم الخلع حتى تعطيني إذا نسق ذلك بإقراره بالخلع، فأما إذا قاله بعد ذلك، فلا قول له.
الثانية: النزاع في جنس العوض وقدره، والقول قولها فيهما مع يمينها.
الثالثة: إذا توافقا على جريان الخلع بألف درهم مطلقاً، وفي البلد نقود مختلفة لا غالب فيها، ولكن نويا نوعاً واحداً، صح الخلع.
الرابعة: النزاع في المعوض. فإذا قالت: سألتك ثلاث تطليقات بألف. فأجبتني، فقال: بل سألت واحدة. فقد اتفقا على الألف ووقوع البينونة بها وتنازعا في عدد الواقع من الطلاق، فالقول فيه قوله.
الخامسة: إذا خالعته على عبد غائب، فمات، أو وجد به عيباً، فقال: كان ذلك قبل الصلح، وقالت هي: بل بعده. فهي مدعية، وعليها البينة. وإن ثبت أنه مات بعد الصلح، فلا عهدة، بخلاف البيع.
قال عبد الحق: ((وقال غير واحد من شيوخنا القرويين: إذا خالعته على عبد آبق فثبت أنه مات قبل وقوع الخلع بينهما، لم يكن للزوج درك على المرأة، لأنه على الغرر دخل، إلا أن يثبت أن المرأة علمت بموت الآبق قبل الخلع، فتكون قد غرته، فعليها قيمة الآبق على غرره)).
فروع: لو خالع ثم تبين كون النكاح فاسداً، رد ما أخذ منها إن كان النكاح مجمعاً على فساده. وإن كان مختلفاً فيه، جرة على القولين في مراعاة الخلاف.
وإن تبين أن به عيباً يوجب الخيار، أو بها، فقال محمد: يمضي الخلع، وله ما أخذ في كل شيء يجوز المقام عليه. وإنما يرد ما أخذ في نكاح لا يقران عليه مثل الحرام ونحوه.
وخالف عبد الملك بين عيوب الرجال وعيوب المرأة، فقال: إن كان العيب بالرجل، رد عليها ما أخذ منها. وكذلك في كتاب ابن سحنون.
قال محمد: والحجة على عبد الملك أن الرجل يفارق امرأته، ثم يقول بعد ذلك: إنه قد كان بها من العيوب ما كان، له أو يردها به، فلا يكون له بذلك حجة، ولا ينتفع بشيء من ذلك.
قال: أبو إسحاق التونسي: ولا يمتنع عبد الملك أن يقول ما قاله محمد إذا ثبت أن بها عيوبا قبل أن يفارقنا لو علم الزوج بها لفارقها، ولم يلزمه صداق، لأنه يقول: ظننت أنه لا عيب بها، فلهذا أعطيتها نصف الصداق حين طلقتها.
стр. 502
كما تقول المرأة إذا أعطت الزوج شيئاً على الخملع ثم ثبت أن به عيباً لو علمته لقدرت على فراقه بغير شيء، فتقول: لو علمت لاخترت فراقه، ولم أعطه شيئاً. ولا فرق بين السؤالين. قال: وقد اختلف في خلعها في النكاح المختلف فيه، مما يجب أن يفسخ لو علم به قبل خلعها، فقيل: يمضي الخلع، وقيل: يرد.
ومسألة عيب الرجل أشد في الخلع من النكاح المختلف فيه، لإمكان أن يرفع إلى من يرى إثباته، فقد انتفعت بالخلع، إذ قد يمكن لو رفعته إلى حاكم لأقره.
وأجرى الشيخ أبو الطاهر الخلاف في هذه المسألة على الخلاف في الرد بالعيب هل هو نقض للعقد من أصله، فيرد ما أخذ منها، أو هو نقض عند الرد خاصة فيمضي.
ولو حلف بطلاقها إن خالعها، ثم خالع، فإن كانت يمينه بالثلاث، ففي الرواية أنه يرد ما أخذ منها، ويمضي عليه الطلاق الثلاث.
وأجراه أبو الحسن اللخمي على الخلاف في حق من قال: إن بعث عبدي فهو حر، ثم باعه. والمشهور مضي العتق. والشاذ أن البيع ماض، ولا عتق، وعلى هذا يمضي الخلع، ولا ترجع عليه بشيء.
وإن كان الطلاق المحلوف به دون الثلاث، ففي الرواية أنه يقع ما حلف به وطلاق الخلع.
وأجراه أبو الحسن اللخمي على الخلاف فيمن أتبع الخلع طلاقاً، أو قال لغير المدخول بها: أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق، نسقاً، هل يلزمه ما بعد الواحدة أم لا؟.
стр. 503
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
كتاب الطلاق
والنظر في شرطين: الأول: في عموم أحكامه. والثاني: في التعليقات خاصة أما النظر الأول ففيه (ستة) أبواب:
الباب الأول: في السنة، والبدعة ، وفيه فصلان
الفصل الأول: في بيان الطلاق السني والبدعي: وطلاق السنة هو الواقع على الوجه الذي أباح الشرع إيقاعه عليه. والبدعي نقيضه، وهو الواقع على الوجه الذي منع الشرع إيقاعه عليه.
ولمنع إيقاع الطلاق أسباب:
أحدها: الحيض فيمن تعتد به، فطلاق الحائض بعد الدخول بدعي. واختلف في منعه، هل هو لما فيه من تطويل العدة، إذ بقية الحيض لا تحتسب. أو هو غير معلل. ولا بدعة في طلاق غير الممسوسة من هذا الوجه. والخلع في الحيض كابتداء الطلاق فيه. وقيل: يجوز.
واختلف في علة الجواز: فقيل: لأن ذلك تطويل برضاها. وقيل: إنه معلل بضرورة الافتداء. ويخرج على تحقيق العلة فرعان:
جواز الطلاق برضاها، وإن لم يكن عوض. واختلاع الأجنبي. وفي التطليق على المولي في الحيض للضرورة روايتان.
فرع: من واقع المكروه.، فأوقع الطلاق في حيض أو نفاس، ففي سياق كلام أشهب في كتاب محمد: [أجبر] على الرجعة سواء [ابتدأه] أو حنث فيه فإن أبى هدد بالسجن، فإن استمر على الامتناع حبس، فإن أصر ضرب بالسوط، ويكون ذلك كله قريباً في موضع
стр. 504
واحد، لأنه على معصية، فإن لم يطع ارتجع الحاكم عليه.
ثم هذ الأمر بالارتجاع والإجبار عليه مستمر عند ابن القاسم ما بقي من العدة شيء.
وقال أشهب: يجبر ما لم تطهر من الحيضة الثالثة (الحيضة) الطلاق، لجواز ابتدائه الطلاق حينئذ.
فرع مرتب: إذا أجبر على الرجعة ولم ينوها، فقال الشيخ أبو عمران: ((له الوطء بعد ذلك وهو كالمتزوج على طريق الهزل)).
قال عبد الحق: ((وهذا ظاهر ما رأيته لمن تقدم من أهل المذهب)). قال: ((ورأيت لبعض البغداد بين ما ظاهره خلاف هذا، وأنه لا يجوز له الوطء)).
ثم المستحب بعد الارتجاع أن يمسكها حتى تطهر، ثم تحيض، ثم تطهر، ثم إن شاء طلقها بعد ذلك، لئلا تكون الرجعة للطلاق.
فإن طلق في الطهر التالي للحيضة التي طلق فيها كره له ذلك، ولم يجبر على الرجعة.
فرع: روى عيسى عن ابن القاسم، فيمن طلق امرأته فقالت: طلقتني في الحيض، وقال هو: بل وأنت طاهر. أن القول قوله.
وروى ابن سحنون عن أبيه، فيمن طلق امرأته، فقالت: إني حائض، أنها مصدقة، ولا تكشف، ويجبر على الرجعة، ولا أرى أن ينظر إليها النساء.
السبب الثاني: التعدد، فمن أوقع عدداً في دفعة واحدة إثنتين أو ثلاثاً، فطلاقه بدعي.
стр. 505
ولا يكون الطلاق سنياً إلا مع الاتحاد وعدم التعدد، فلا يوقع في دفعة واحدة ولا في طهر واحد أكثر من طلقة واحدة فقط.
السبب الثالث: إمكان الحمل، فالطلاق في طهر جامعها فيه بدعي. ولو وطئها في الحيض، ثم طلقها فيه، فهو بدعي أيضاً. والآيسة والصغيرة لا بدعة في طلاقهن إلا من حيث العدد.
ويخرج حكم طلاق غير الممسوسة والحامل في حال حيضها على الخلاف في تعليل منع الطلاق في الحيض، هل هو معلل أو غير معلل.
الفصل الثاني: في التعليق بالسنة والبدعة، وفيه مسائل:
الأولى: إذا قال للحائض: أنت طالق للبدعة طلقت في الحال، وأجبر على الرجعة.
وكذلك لو قال: للسنة، للزمه (مكانها) طلقة، وأجبر على الرجعة، إذ كأنه قال: إذا طهرت فأنت طالق، (فيتنجز) عليه الطلاق الآن على المشهور من المذهب.
ولو قال للطاهر: أنت طالق للسنة وقع في الحال.
وكذلك إذا قال: للبدعة على الخلاف المتقدم. كما لو قال: لها أنت طالق إذا حضت.
وللام فيما ينتظر للتأقيت، كقوله: أنت طالق لرمضان، فيقع الطلاق إذا كان التأقيت لما يأتي بلا بد. وكذلك إن كان غالباً، على المشهور.
وإن كان الإمكان في إتيانه وعدم إتيانه على السواء لم يقع إلا بعد إتيانه.
بخلاف قوله: أنت طالق لرضا فلان، فإنه للتعليل، فيقع في الحال وإن سخط فلان.
الثانية: إذا قال: أنت طالق ثلاثاً للسنة، لزمه الآن ثلاث على المشهور، لأن ما عجل عليه يقع عليها على التنزيل قبل فراغ العدة، إذ كأنه قال: أنت طالق في كل طهر طلقة.
الثالثة: إذا قال للطاهر المدخول بها، وهي ممن تحيض: أنت طالق ثلاثاً (بعضهن) للسنة، وبعضهن للبدعة، لزمه ثلاث مكانه.
وكذلك لو قال ذلك لغير مدخول بها، لطلقت مكانها ثلاثاً أيضاً، لأن طلاق البدعة فيها يكون ثلاثاً. ولو قال لها: أنت طالق ثلاثاً للسنة، فقال سحنون: لا يلزمه فيها إلا طلقة، لأنها لا عدة عليها، فكأن الطلقتين أوقعهما على غير زوجة، كما لو قال: أنت طالق اليوم، وطالق غداً، وطالق بعد غد، فهي قد بانت بالأولى.
стр. 506
الرابعة: إذا قال: أنت طالق ثلاثاً في كل قرء طلقة. طلقت واحدة، إن كانت غير مدخول بها. وإن كانت مدخولاً بها طلقت ثلاثاً الآن على الخلاف المتقدم.
الخامسة: إذا قال: أنت طالق خير الطلاق وأجمله وأفضله وأحسنه، طلقت واحدة، إلا أن ينوي أكثر.
ولو قال: أقبح الطلاق وأسمجه وشره، أو أقذره، أو أنتنه، أو أبغضه فهي ثلاث.
ولو قال: أنت طالق واحدة عظيمة، أو قال: كبيرة، أو شديدة، أو طويلة، أو خبيثة، أو منكرة، أو مثل الجبل، أو مثل القصر، أو أنت طالق إلى البصرة أو إلى الصين. فذلك كله سواء، وهي طلقة، وله الرجعة، إلا أن ينوي أكثر.
الباب الثاني: في أركان الطلاق
ولابد لنفوذ الطلاق من أهل ومحل ولفظ أو ما يقوم مقامه من الفعل، وقصد إلى اللفظ، وولاية على المحل. فهذه خمسة أركان:
الركن الأول: الأهل ، وهو المطلق. وشرطه أن يكون مسلماً مكلفاً. فلا ينفذ طلاق الكافر، ولا الصبي، ولا من زال عقله (بجنون)، أو إغماء، أو نحو ذلك. من نوم أو غيره مما يذهب الاستشعار.
أما السكران بخمر أو نبيذ، فالمشهور نفوذ طلاقه. قال الإمام أبو عبد الله: وقد رويت عندنا رواية شاذة، أنه لا يلزم)). وقال محمد بن عبد الحكم: لا يلزمه طلاق ولا عتاق.
ونزل الشيخ أبو الوليد الخلاف على المخلط الذي معه بقية من عقله، إلا أنه لا يملك الاختلاط من نفسه، فيخطئ ويصيب.
قال: ((فأما السكران الذي لا يعرف الأرض من السماء، ولا الرجل من المرأة، فلا اختلاف في أنه كالمجنون في جميع أفعاله وأحواله، فيما بينه وبين الناس، وفيما بينه وبين الله تعالى أيضاً، إلا فيما ذهب وقته من الصلوات، فقيل: إنها لا تسقط عنه، بخلاف المجنون،
стр. 507
من أجل أنه بإدخاله السكر على نفسه كالمتعمد لتركها حتى خرج وقتها)).
الركن الثاني: اللفظ ، وما يقوم مقامه من الفعل، وفيه فصول ثلاثة:
الفصل الأول: في اللفظ ، وينقسم إلى الصريح والكناية، وما عداهما
أما الصريح، فما تضمن لفظ الطلاق على أي وجه كان، مثل أن يقول: أنت طالق، أو أنت مطلقة، أو قد طلقتك، أو الطلاق لي لازم، أو قد أوقعت عليك الطلاق، وأنا طالق منك، وما أشبه هذا مما ينطق فيه بالطلاق، فيلزم بهذه الألفاظ الطلاق، ولا يفتقر إلى النبية. ومطلقها واحدة، إلا أن ينوي أكثر.
وأضاف القاضي أبو الحسن إلى ذلك قوله: ((سرحتك، وفارقتك، وأنت حرام، وبتة، وبتلة)).
فأما لفظ السراح والفراق فيأتي حكمهما، وأما ما عداهما. فيقتضي الثلاث، إلا أن ينوي في غير الدخول بها دونها، فيقبل في الجميع، خلا البتة، فإن قبول ذلك فيها مختلف فيه.
وأما الكناية فقسمان: ظاهرة ومحتملة.
فأما الظاهرة، فهي ما جرى العرف أن يطلق بها في اللغة والشرع، مثل قوله: أنت خلية، وبرية، (وبائنة)، وبتة، وبتلة، وحبلك على غاربك، وأنت حرام، وأنت علي كالميتة والدم ولحم الخنزير. كذلك الفراق والسراح، واعتدي.
فأما قوله: خلية وبرية، وبائن، وبتة، وبتلة، وحرام، وحبلك على غاربك، فهذه جارية مجرى الصريح، لا يقبل منه أنه لم يرد (بها) الطلاق، ولا يقبل منه أنه أراد بها في المدخول بها دون الثلاث، إلا أن يكون على وجه الخلع. وتقبل دعواه في غير المدخول بها، وفي البتة خلاف. [و] قيل: إنها ثلاث، لا تقبل (دعوى) دونها بوجه. فأما اعتدي، فيقبل منه ما أراد من أعداد الطلاق.
وإن قال: لم أرد طلاقاً، فإن كان قد تقدم كلام يجوز صرفه إليه قبل منه. وإن كان ابتداءً كان طلاقاً.
وأما خليتك، وفارقتك، وسرحتك، فدعواه ما دون الثلاث مختلف فيه، قال القاضي أبو
стр. 508
محمد: ((والصحيح أنه لا يقبل منه)).
وأما المحتملة، فمثل قوله: اذهبي، وانطلقي، وانصرفي، واغربي، وما أشبه ذلك، فيقبل منه ما يدعيه من إرادة الطلاق، أو غيره، والثلاث فدونها.
ويلحق بالكنايات المحتملة، قوله: أنت حرة، ومعتقة، كما أن قوله: أنت طالق، كناية في العتاق.
أما ما عدا الصريح والكناية، فهو ما ليس من ألفاظ الطلاق، ولا محتملاته، كقوله: أسقني ماء وما أشبه ذلك. فإذا ادعى أنه أراد به الطلاق، فالمشهور أنه يكون طلاقاً.
وقيل: لا يكون طلاقاً.
فروع: إذا قال: ما أنقلب إليه من أهل حرام، أو ما أنقلب إليه حرام، لزمه الطلاق.
ولو قال: ما أنقلب إليه حرام إن كنت لي بامرأة. ففي دخول الزوجة في ذلك قولان. ولو قال: وجهي من وجهك حرام، ففيه خلاف أيضاً.
ولو قال لزوجته: يا حرام. فقال الشيخ أبو عمران: قال محمد بن عبد الحكم: لا شيء عليه. قال: وليس لغيره نص فيها. قال: وإذا كان في بلد لا يريدون به الطلاق، إنما ذلك كقول القائل: إنك سحت، أو حرام، وقوله لماله: يا حرام، يا سحت. (فلا) شيء عليه.
أما إذا قال: ما أعيش فيه حرام، ولا نية له. فقال محمد: لا شيء عليه. قال عبد الحق: ((وأعرف (فيها) قولاً آخر: إن زوجته تحرم عليه، كالقائل: الحلال (عليه) حرام. وأظنه في السليمانية)).
قال: ((ورأيت في بعض التعاليق: سئل الشيخ أبو عمران عن القائل: كل ما يعيش فيه حرام. وقيل له: قد صار هذا عند الناس طلاقاً في (عادتهم) ويقصدون به تحريم الزوجة.
فقال: إذا صار ذلك عادة، لزم به الطلاق)).
ثم إذا قلنا بدخول الزوجة في قوله: كل ما أعيش فيه حرام، وتحرم عليه بذلك، ما لم يحاشها بلفظه، أو بنيته، فإن فعل فلا شيء عليه.
وأما إن حاشى الزوجة في قوله: الحلال عليه حرام، أو غيره من ألفاظ الحرام
стр. 509
(الشبيهة) بها، فإن كان مستفتياً، وذكر أنه نطق بها بلسانه، قبل قوله. وإن كان غير مستفت، أو كان مستفتياً ولم ينطق بها بلسانه، بل اعتقد ذلك بقلبه، فإن لم يقل: كل، نفعته المحاشاة، وإن قال: كل حلال علي حرام، أو شبه هذا اللفظ مما نطق (فيه) بلفظ كل، ففي انتفاعه بالمحاشاة خلاف.
أما إذا لم يحاش الزوجة في قوله: الحلا علي حرام، أو ما أحله الله عليه حرام، (أو كل حلال)، أو كل ما أحله الله عليه حرام. أو قال للزوجة: أنت علي حرام، (أو أنت حرام)، فإنه يقع عليه الطلاق في زوجته، ولا يحرم عليه غيرها.
(ثم) اختلف المذهب فيما يقع عليه من ذلك، فالمشهور من المذهب أنه ثلاث تطليقات، وينوي في أقل في غير المدخول بها خاصة.
ولعبد الملك في المبسوط: لا ينوي في أقل، وإن لم يدخل. وعند أبي مصعب ومحمد بن عبد الحكم: في حق المدخول بها ثلاث، وفي حق من لم يدخل بها واحدة.
وذكر ابن خويز منداد عن مالك أنها واحدة بائنة، وإن كانت مدخولاً بها. قال الإمام أبو عبد الله عقب ذكر هذه المسألة: وقد اختلفت أجوبة مالك وأصحابه في كنيات الطلاق، فسلكوا فيها طرقاً مختلفة، ففي بعضها يحمل اللفظ على الثلاث، ولا ينوي في أقل، وفي بعضها ينوي في أقل. وفي بعضها على الواحدة حتى ينوي أكثر منها. وفي بعضها ينوي قبل الدخول، ولا ينوي بعده. وفي بعضها فيمن لم يدخل بها واحدة، وفي المدخول بها ثلاث.
قال: هذا جملة ما يقولونه (من) ذلك. ويختلفون في بعض الألفاظ، من أي هذه الأقسام هو؟ وتفصيل ذلك وذكر الروايات فيه، وتعديد الألفاظ فيه طول، ولكنا نعقد أصلاً يرجع إليه جميع ما وقع في الروايات على كثرتها، ويعلم منه سبب اختلافهم فيما اختلفوا فيه، ووجه تفرقتهم فيما فرقوا فيه، ووجه التنويه في بعض دون بعض.
ثم قال: فاعلم أن الألفاظ الدالة على الطلاق بحكم الوضع واللغة، أو بحكم عرف الاستعمال، إما أن تتضمن البينونة والعدد جميعاً، كقوله: أنت طالق ثلاثاً، فهذا لا
стр. 510
يختلف في وقوع الثلاث به، وأنه لا ينوي، ولا يفترق الجواب في المدخول بها، وغير المدخول بها. أو تكون دلالتها على البينونة وانقطاع الملك خاصة، فينظر في ذلك، هل يصح انقطاع الملك والبينونة بالواحد، أم لا يصح في الشرع إلا بالثلاث، وهذا أصل مختلف فيه أيضاً إذا لم تكن معه معاوضة. أو يكون يدل على عدد غالباً، وقد يستعمل في غره نادراً، فيحمل مع عدم القصد على الغالب، ومع وجود القصد إلى النادر عليه إذا جاء مستفتياً فيه.
وإن كانت عليه بينة (فتختلف) فروع هذا القسم.
وإن كان يستعمل في الأعداد استعمالاً متساوياً، وقصد إلى أحد الأعداد قبل منه، جاء مستفتياً، أو قامت عليه بينة فإن لم يكن له قصد، فهذا موضع الاضطراب، فمن أصحابنا من يحمله على أقل الأعداد استصحاباً بالبراءة للذمة، وأخذاً بالمتيقن دون ما زاد. ومنهم من يحمله على أكثر الأعداد أخذاً بالاحتياط واستظهاراً في صيانة الفروج لا سيما على قولنا: إن الطلقة الواحدة تحرم، فكأن الاستباحة بالرجعة مشكوك فيها ها هنا، ولا تستباح الفروج بالشك.
قال: فاضبط هذا، فإنه من أسرار العلم، وإليه ينحصر جميع ما قاله العلماء المتقدمون في هذه المسائل، وبه تضبط مسائل الفتوى في هذا الفن.
ثم قال: وأقرب مثال يوضح لك هذه الجملة ما نحن فيه من مسألة القائل: الحلال علي حرام، فقولهم في المشهور: أنها ثلاث، وينوي في غير المدخول بها في أقل بناء على أن هذا اللفظ وضع لإبانة العصمة، وأنها لا تبن بعد الدخول بأقل من ثلاث، وتبين قبله بواحدة، وكونها في العدد غالباً في الثلاث، ونادراً في أقل منه، فحملت قبل الدخول على الثلاث، ونوى في أقل.
وقول عبد الملك: لا ينوي في أقل وإن لم يدخل، بناء على أنها موضوعة للثلاث، كقوله: أنت طالق ثلاثاً، ويلحق بأول الأقسام التي ذكرها.
وقول أبي مصعب. (يجري) في التي لم يدخل بها واحدة، وفي المدخول بها ثلاث. (بناء) على أنها لا تفيد عدداً، وإنما تفيد البينونة لا أكثر، والبينونة تصح في غير المدخول بها بواحدة، ولا يصح في المدخول بها إلا بالثلاث على إحدى الطريقتين اللتين ذكرنا.
وقول ابن خويز منداد عن مالك: إنها واحدة بائنة وإن كانت مدخولاً بها. بناءً على أنها لا تفيد عدداً كطريقة أبي مصعب، ولكن عنده البينونة تصح بعد الدخول بواحدة، فمن ها هنا افترقت طرقهم.
стр. 511
وما نقل عن (ابن) أبي سلمة من أنها واحدة رجعية (بناء) على أنها تفيد انقطاع الملك على صفة، ولا تستعمل غالباً في الثلاث، فحكم بكونها واحدة لصحة معنى اللفظ في الواحدة، وهي كونها محرمة عندنا وإن كانت الطلقة رجعية.
قال: (وهذا) مجمل قول عبد الملك وربيعة في الخلية والبرية والبائن، أنها في غير المدخول بها واحدة مأخوذة من إحدى هذه الطرق التي ذكرنا.
وينوية أشهب في الخلية والبرية وإن كانت مدخولاً بها على ما حكى عنه أبو الفرج تؤخذ أيضاً من إحدى هذه الطرق التي قدمنا.
قال: وعلى هذا يخرج من المسائل ما لا يحصى كثرة، فاحتفظ به، فإنه عقد حسن.
الفصل الثاني: في الفعل ، وهو أنواع، منها:
الإشارة المفهمة، وهي (معتبرة) من الأخرس في الطلاق، والظاهر منها في حقه كالصريح.
وأما القادر، فإشارته كالكناية، ومنها (كتب) الطلاق من القادر على النطق، فإن كتب الكتاب بالطلاق، وهو عازم على الطلاق، وقع عليه ما كتب، وإن لم يخرج الكتاب عن يده.
وإن كتبه غير عازم، بل ليشاور نفسه، ثم بدا له، لم يقع عليه طلاق، إلا أن يخرجه من يده عازماً. فإن أخرجه من يده غير عازم، فله رده ما لم يبلغ المرأة فيلزمه.
وروي أنه إن أخرجه من يده لزمه وإن كان غير عازم، ويكون كالنطق به والإشهاد. قاله في كتاب محمد. قال: كان في الكتاب: أنت طالق، أو إذا جاءك كتابي هذا فأنت طالق.
(ومنها لو باع امرأته فقال ابن القاسم: ((يقع على الزوج فيها طلقة بائنة)). قال: ((وبلغني ذلك عن مالك)). وروى عبد الملك بن الحسن عن ابن وهب: ((أنه لا يكون طلاقاً)). وروى سحنون عن ابن نافع مثل قول ابن القاسم. قال سحنون: ((وسواء غاب عليها
стр. 512
المشتري أو لم يغب)). وقال ابن عبد الحكم وأصبغ: تحرم عليه كالموهوبة)). وقال أصبغ أيضاً: إذا باعها هازلاً، أو زوجها هازلاً، فليس بطلاق. فإن كان جاداً في الوجهين فهو البتات.
فرع: هذا حكم لقول (و) الفعل إذا اقترن به قصد الطلاق. فأما لو عقد الطلاق بقلبه جزماً من غير تردد، أي طلق بالنطق النفسي الذي هو كلام النفس، من غير أن يقترن به قول ولا فعل، لكان في وقوع الطلاق عليه بمجرد ذلك روايتان.
الفصل الثالث: في تفويض الطلاق إلى الزوجة
وللرجل أن يجعل إلى المرأة طلاقها، وذلك على وجهين: توكيل، وتمليك.
ففي التوكيل، له أن يرجع ما لم تطلق نفسها. وفي التمليك ليس له ذلك، إلا (أن تبطل) تمليكها. والتمليك على وجهين: تمليك تفويض، وتمليك تحجير.
فتمليك التفويض، هو أن يقول: قد ملكتك أمرك، أو أمرك بيدك، أو طلاقك بيدك، أو ما أشبه ذلك.
ثم لا يخلو حالها، من أن يصدر عنها ما يقتضي الإجابة من قول أو فعل، أو لا يصدر عنها شيء من ذلك أصلاً، ثم القول صريح ومحتمل. فهذه أربعة أقسام:
القسم الأول: النطق الصريح، ويتعين العمل (بما اقتضاه)، كان في اختيار الزوج، أو في إيقاع الطلاق، إلا أن توقع أكثر من واحدة، فتكون له المناكرة فيما زاد عليها إذا ادعى أنه نوى دون ما أوقعت، وأتى بالمناكرة على الفور حين سماعه لقولها من غير سكوت ولا إهمال.
ولو قال: لم أرد طلاقاً، لم يقبل منه، ووقع ما أوقعته. فلو عاد بعد ذلك، وادعى أنه أراد دون ما قضت به، قبل منه مع يمينه. وقيل: لا يقبل منه، لاعترافه بأنه لم تكن له نية (الطلاق).
هذا إن كان تمليكه طوعاً، فإن كان بشرط، شرط عليه، لم تكن له المناكرة.
فرع: حيث قلنا: يحلف إذا ناكرها، فإنما ذلك عند إرادته الرجعة، لا قبل ذلك، إذ لا فائدة له فيها إلا هنالك.
القسم الثاني: أن تجيب بنطق مبهم يحتمل الإيقاع وغيره، كقولها: قبلت أمري، أو
стр. 513
قبلت ما ملكتني، أو قبلت (بهما)، فإنها تسأل عن مرادها، ويقبل منها ما تفسر به من البقاء على الزوجية، فيبطل تمليكها، أو إيقاع الطلاق، فيكون على ما تقدم.
أو قبول التمليك والتروي في البقاء أو الطلاق، فتؤخذ الآن (بالتنجيز) من إيقاع أو رد.
القسم الثالث: أن يصدر منها فعل يدل على مرادها، مثل أن تنتقل وتنقل قماشها، وتنفرد عنه، ويظهر من فعلها ما يدل على سرورها بالعبد منه وزوال سلطانه عنها، فيحمل ذلك على الطلاق، ولا يقبل منها إن قالت: لم أرده.
القسم الرابع: أن لا يصدر عنها قول ولا فعل يفهم أنه جواب، بل تمسك عن جميع ذلك إلى أن يتفرقا عن المجلس، أو يطول (بهما) طولاً يخرج عن أن يكون ما تأتي به جواباً، ففي إبطال حقها بذلك من التمليك، أو إبقائه، وأخذها بموجبه من تطليق أو رد، روايتان، فإن فعلت، وإلا رفعت ليحكم عليها بسقوط التمليك.
وسبب الخلاف: حمل حكمه على حكم العقود التي (تبطل) بتراخي الجواب، أو على حكم التمليكات، كخيار المعتقة. على أن بين الأصحاب خلافاً في (حكم) طول المجلس بها أيضاً.
وأما تمليك التحجير، فهو التخيير، وهو على ضربين: تخيير مطلق، وتخيير مقيد.
فأما المقيد فهو أن يخيرها في عدد بعينه من أعداد الطلاق، فيقول: اختاريني أو اختاري طلقة أو طلقتين. فليس لها أن تختار زيادة على ما جعل لها.
ولو قال: اختاري (من) تطليقتين، (اقتصرت على واحدة. ولو قال: اختاري من تطليقتين). ففي الكتاب: تقضي بهما، فإن قضت بواحدة، لم يلزمه شيء. وقال ابن سحنون: لها أن تقضي بواحدة.
وأما المطلق، فهو التخيير في النفس، وهو أن يقول: اختاريني أو اختاري نفسك. فهذا يقتضي اختيار ما تنقطع به العصمة، وهو في المدخول بها الثلاث في المشهور.
стр. 514
فلو قالت: اخترت الثلاث، أو اخترت نفسي، بانت بالثلاث، ولم يكن له أن يناكرها.
(وقال ابن الجهم: للزوج أن يناكرها في الثلاث، وتكون طلقة بائنة. قال ابن سحنون: وعليه أكثر أصحابنا. رواه ابن خويز منداد عن مالك، وحكى عن أبيه ما يشير إلى أنها تكون طلقة رجعية كالتمليك).
وإذا فرعنا على المشهور، فأوقعت طلقة واحدة، لم تقع. ثم هل يبطل ما كان بيدها بذلك، أو يبقى لها استئناف إيقاع الثلاث؟. قولان لابن القاسم وأشهب.
قال أبو الحسن اللخمي: ((وهذا إن سبقت فقضت، وإلا فمتى خيرها في إيقاع الطلاق الثلاث في دفعة واحدة، فذلك ممنوع، وينزعه الحاكم من يدها إلا أن تسبق بالقضاء بالثلاث، فيمضي)).
وحكى الشيخ أبو الطاهر عن المتأخرين قولاً بجوازه، تمسكاً بآية التخيير.
وفرق القائل الأول بأن لفظ الآية يقتضي أنه ﷺ المسرح، وأن لفظ السراح لا يقتضي الثلاث، وأن الرسول ﷺ لا يندم، ولا يرتجع. هذا حكم التخيير في المدخول بها.
فأما غير المدخول بها إذا خيرها فقالت: اخترت نفسي، ولم ينو هو ولا نوت هي عدداً، فإن محمله منهما عند مالك على الثلاث. وإن نوت واحدة أو ثلاثاً، كان ذلك على ما نوت إذا لم يناكرها. فإن قضت بالثلاث، وقال: أردت واحدة صدق.
وقال ابن حبيب: قال أصبغ: إن نوت واحدة، فقال الزوج: لم أخيرك إلا في الثلاث، فله ذلك، ولا شيء لها. وكذلك لو لم تكن له نية.
فروع:
إذا ملكها الزوج أو خيرها كما تقدم، أو ملك غيرها، لم ينتقل بذلك الطلاق عن ملك الزوج، ولا خرجت العصمة من يده، بل للمملك أن يقضي فيه فقط، والعصمة باقية بيد
стр. 515
الزوج، بدليل أنه لم يقع عليه طلاق بمجرد التمليك، حتى يقضي من جعل له التمليك، وأن طلاقه لها بعد التمليك يلحقها.
(ولا يشترط في الزوجة (المخيرة) بلوغ الاحتلام والحيض، بل لو خيرها قبل أن تبلغ وقبل البناء، فاختارت نفسها، فهو طلاق).
قال ابن القاسم: ((إذا بلغت حد الوطء)). ((وقال أشهب وعبد الملك في الصغيرة: ذلك لها)).
وروى عيسى عن ابن القاسم: ((إذا بلغت مبلغاً تعرف ما ملكت ويوطأ مثلها، فذلك لازم)).
ومن ملك امرأته، ثم طلقها قبل أن تقضي، فبانت منه بوقوع الثلاث، أو بانقضاء العدة فيما دونها، ثم تزوجها لم يكن لها أن تقضي بحكم التمليك الأول، بل بطل ما كان بيدها، إذ مضمون التزويج الرضا بالإصابة به وتستحق الصداق، وذلك يسقط ما بيدها، كما لو رضيت به قبل الطلاق، لسقط ما بيدها وإن لم يصبها.
فأما لو طلقها ثم ارتجعها في العدة بغير اختيارها لكان لها القيام بما جعل لها.
ولو جعل ذلك بيد أجنبي، فغاب الأجنبي، فإن فهم عنه إسقاط ما جعل له من ذلك، سقط.
وكذلك إن غاب ولم يشهد أنه باق على حقه، فإن أشهد أنه باق على حقه فللزوج أن يرفع إلى السلطان، فإن كان قريب الغيبة كتب إليه بإسقاط ما بيده، أو إمضاء ما جعل إليه، وإن كان بعيد الغيبة فقيل: يسقط ما بيده وينتقل إلى الزوجة، لأن المملك كالنائب عنها، وإذا لم يوجد جعل الأمر إليها.
وقال في كتاب محمد: ذلك بيده، ولا يقربها الزوج، لأنه قد جعل الأمر في طلاقها إلى غيره، فيلزمه ما التزم.
وإذا فرعنا على هذا، ثم قامت بحقها في الوطء ضرب (له) أجل المولي إذا رجي
стр. 516
قدومه واستعلام ما عنده في الأجل، فأما (لو) لم يرج له ذلك، ففي ضرب الأجل له قولان للمتأخرين.
ولو جعل أمرها بيدها إن غاب مدة يسميها. فلها أن تقوم بالفراق عند ذلك الأجل، فإن تراخت ثم قامت، فهل يكون ذلك بيدها ما لم يأت من طول الزمان ما يدل على الإسقاط أو لا يكون بيدها إلا أن تشهد أنها باقية على حقها؟ قولان.
وإذا فرعنا على الأول، فهل تحلف أنها لم تسقط؟ قولان أيضاً، وهما خارجان على أيمان التهم.
فإن تزوجت، ثم ثبت أنه قدم قبل ذلك، فقد فرقوا بين أن (تعلم) بقدومه، ثم تتزوج، أو لا (تعلم). فإن علمت فسخ نكاح الثاني، وإن لم (تعلم). جرى على الخلاف فيمن طلق ثم ارتجع فلم تعلم الزوجة برجعته حتى تزوجت. وفي ذلك قولان مذكوران في كتاب العدة.
الركن الثالث للطلاق: القصد . ويتوهم اختلاله بخمسة أسباب:
الأول: سبق اللسان، فمن سبق لسانه إلى الطلاق لم يقع عليه طلاق. ولو كان اسم زوجته طلاق، واسم عبده حر، فقال: يا طلاق، ويا حر، لم يعتق ولم تطلق إن قصد النداء.
وإذا كان إسم زوجته طارق، فقال: يا طالق، ثم قال: التف لساني قبل ذلك في الفتيا.
السبب الثاني: الهزل، ولا يؤثر ذلك في منع وقوع الطلاق والعتاق، بل يمضي عليه وينفذ وكذلك النكاح.
وقال أبو بكر بن محمد: يلزم نكاح الهزل. وروي في السليمانية: نكاح الهزل لا يجوز.
واختار أبو الحسن اللخمي (أنه) إن قام دليل على الهزل لم يلزم عتق ولا نكاح ولا طلاق، ولا شيء عليه من الصداق. (قال) وإن لم يقم دليل لزمه نصف الصداق.
الثالث: الجهل، فإذا قال: يا عمرة، فأجابته حفصة، فقال: أنت طالق، ثم قال: حسبتها عمرة، طلقت عمرة، وفي طلاق حفصة خلاف. وإذا لقن الأعجمي لفظ الطلاق وهو لا يفهمه، لم يقع عليه.
стр. 517
الرابع: الإكراه: ولا يقع طلاق المكره، ولا يلزمه (منه) شيء. هذا مطلق الروايات.
وقال بعض المتأخرين: الحكم كذلك، إلا أن يترك التورية مع العلم بها، والاعتراف بأنه لم يدهش بالإكراه عنها.
ثم إذا أكره، فسواء أكره على إيقاع الطلاق، أو على الإقرار به، أو اليمين به، أو الحنث في يمين لزمت به، كل ذلك لا يلزمه.
ولو حلف في نصف عبد له: لا باعه، فأعتق شريكه نصفه، فعتق عليه حنث، إلا أن ينوي إلا أن يغلب. وقال المغيرة: لا حنث عليه، إنما أراد لا بعته طوعاً.
وحد الإكراه، ما فعل بالإنسان مما يضره أو يؤلمه من ضرب أو تخويف، كان ذلك من سلطان أو غيره، فإنه إكراه لا يلزم صاحبه حكمه ولا يجب عليه عقده. والتخويف بقتل الولد (إكراه).
واختلف في التخويف بقتل أجنبي، هل يعد إكراهاً أم لا؟. والتخويف لذي المرءوة بالصفع في الملإ إكراه.
والتخويف بإتلاف المال يعد إكراهاً في الطلاق. وقيل: لا يعد، وحمله بعض المتأخرين على القليل منه.
وحكى محمد بن سحنون عن أبيه: إنما الإكراه في القول. (فأما) الفعل فلا إكراه فيه.
كذلك ذكر عبد الملك في (كتبه).
الخامس: زوال العقل بالجنون فلو شرب دواء فتجنن امتنع نفوذ التصرف. وأما السكران فقد تقدم حكم طلاقه.
الركن الرابع: المحل، وهي المرأة
فلو أضاف الطلاق إلى نصفها نفذ، وكذلك لو أضاف إلى عضو معين كالكبد والطحال والعين واليد والرجل ونحوه، نفذ أيضاً.
ولو أضافه إلى شعرها أو كلاهما، فقال سحنون: ((لا تطلق. وقال أشهب وأصبغ: ((تطلق)). وفي إضافته إلى الروح والحياة خلاف أيضاً.
стр. 518
الركن الخامس لنفوذ الطلاق ووقوعه: الولاية على المحل .
فإذا قال للزوجة أو (الرجعية): أنت طالق، نفذ الطلاق لتحقق الولاية عليهما.
ولو قال لمختلعة أو أجنبية: أنت طالق، أو قال لإحداهما: إن دخلت الدار فأنت طالق. فنكحتها في الصور الأربع، لم يقع عليه طلاق، إذ لا ولاية على المحل تحقيقاً ولا تعليقاً.
أما لو علق الطلاق على وجود تحقق الولاية كقوله: إن نكحتك فأنت طالق، فالمشهور من المذهب التسوية بين ترتبه عليها تحقيقاً وتعليقاً. فإذا نكحها وقع الطلاق عليها على الرواية المشهورة، لأن تحقق الولاية إنما يقف عليه نفوذ الطلاق ووقوعه.
فأما التعليق فهو يمين بالطلاق لا نفوذ فيه ولا وقوع إلا بعمد تحققها، وصار كالصدقة بما يملك، والعتق لما في البطن.
وقال القاضي أبو بكر: ((وروى ابن وهب والمخزومي: أنه لا شيء عليه)). وقال ابن عبد الحكم.
وفي العتبية روى أبو زيد عن ابن القاسم: ((أن صاحب الشرط كتب إليه في رجل تزوج امرأة حلف بطلاقها إن تزوجها فتزوجها، هل أفسخ نكاحه؟ فكتب إليه: لا تفسخه)).
وقد أجازه ابن المسيب. وكان المخزومي ممن حلف أبوه على أمه بمثل هذا.
ولنفرع على الرواية المشهورة فنقول: قد قدمنا أنه إذا خاطب به امرأة لزمه الطلاق فيها إذا تزوجها. فلو أطلق القول فعمم من غير تخصيص ولا تعيين ولا تقييد، فقال: كل امرأة أتزوجها طالق، لم يلزمه شيء، ولا يقع عليه طلاق فيمن يتزوج لما في ذلك من تحريمه على نفسه جميع الاستمتاع بالزوجية، هو عقد معصية، ويوقعه في الحرج الذي ترفعه الشريعة، فلا يلزم الوفاء به، ولا يترتب عليه به حكم.
стр. 519
أما إذا أبقى لنفسه شيئاً، فإن كان كثيراً، كما إذا (خصص بأن) عين صفة من الجنس، من نسب أو خلقة، أو ما أشبه ذلك، أو عين مكاناً بعينه، كتعيينه الفسطاط أو أفريقية أو نحو ذلك، أو عين زماناً يبلغه عمره، كقوله: عشرين سنة، أو ثلاثين سنة، إذا أشبه بلوغه لها. قال ابن الماجشون: والتعمير في مثل هذا تسعون سنة. لزمه الطلاق فيمن يتزوج ممن ذكر في جميع ذلك، ولا يلزمه فيمن تحته منهن، إلا أن يطلقها، ثم يتزوجها.
وكذلك إن قال: كل امرأة أتزوجها من الموالي فهي طالق. لزمه الطلاق فيمن يتزوج منهن، ولا يلزمه فيمن تحته منهن. فإطلقتها ثم (تزوجها) طلقت عليه.
وإن كان الذي أبقاه لنفسه قليلاً غير متسع، ففي لزوم الطلاق ونفيه قولان، قبيلة كان ذلك أو بلداً.
وسبب الخلاف: الشهادة بوجود الحرج ونفيه.
وإذا فرعنا على اللزوم، فهل يكون إبقاؤه امرأة واحدة ملحقاً بذلك أم لا؟ قولان، إذا كانت زوجة. فإن كانت أجنبية، فثلاثة أقوال:
اللزوم مطلقاً. ونفي اللزوم وهو المشهور، ونفيه ما دامت (متزوجة) أو إذا تزوجت، ولزومه إن لم تكن (متزوجة).
فروع: لو حلف بطلاق من ينكح من الإماء لزمه لبقاء الحرائر. ولو حلف بطلاق من يتزوجه من الحرائر، فقولان: اللزوم ونفيه.
ولو قال: إن لم أتزوج من موضع كذا، لموضع سماه، فكل امرأة أتزوجها من غير الموضع المسمى طالق.
فهل يكون بمنزلة القائل: كل امرأة أتزوجها من غير الموضع المسمى طالق، أو يكون بمنزلة المولي، فيوقف عن غير من يتزوج من الموضع المسمى حتى يتزوج منه. في ذلك قولان: المشهور أنه بمنزلة المستثنى.
ولو قال: كل بكر أتزوجها طالق، ثم قال: كل ثيب أتزوجها طالق. لزمه ذلك في الأبكار، ولم يلزمه في الثيب. وقيل: يلزمه في النوعين جميعاً. وقيل: بنفي اللزوم فيهما جميعاً.
стр. 520
ولو قال: أول امرأة أتزوجها طالق، (فتزوج)، طلقت عليه، وانحلت يمينه عنها وعن غيرها.
ولو قال: آخر امرأة أتزوجها طالق، فقال محمد: قال ابن القاسم: ((لا شيء عليه)).
قال: ونحن نرى أن يقف عن وطء الأولى حتى ينكح ثانية، فتحل له الأولى، ويقف عن الثانية حتى ينكح ثالثة، (وهو) في التي يقف عنها كالمولي، فإن رفعته، فالأجل من يوم ترفعه، إذ هو بالحكم.
وقال سحنون مثله في العتبية وفي كتاب ابنه. وقال: وكذلك لو تزوج رابعة لزمه فيها الإيلاء إلا أن يموت من عنده، أو يطلق (فيتزوج).
(وفي المجموعة عن ابن الماجشون نحوه. وقال: فإن تزوج امرأة فماتت، أوقف ميراثه منها حتى يتزوج ثانية فيأخذه، أو يموت قبل أن يتزوج، فيرد إلى ورثتها.
وإذا طلق عليه بالإيلاء فلا رجعة له، لأنه لم يبن بها).
(وإن) قال: آخر ما أتزوج إلا واحدى طالق. يريد تطليق التي تلي الآخرة. فإن تزوج أوقف عنها، ثم إن تزوج ثانية أوقف عنها وعن الأولى، إذ لا يدري من يلي الآخرة منهما. فإن مات فالأولى المطلقة.
وإن تزوج ثم مات، فالثانية المطلقة، وإذا تزوج ثالثة حلت له الأولى. ولو قال: فالتي
стр. 521
تلي التي تلي الآخرة طالق، حتى تكون ثالثة منها، فهذا يمسك عنها حتى يتزوج رابعة، فتحل له الأولى، فإن مات في هذه الحال، فالثانية من الأولى هي المطلقة.
فرع مرتب: حيث قلنا: يقع عليه الطلاق في الزوجة التي علق طلاقها على تزويجها، فإنما ذلك على أثر الفراغ من العقد من غير تأخير ولا مهلة. ويجب (لها عليه) نصف الصداق إذا وقع الطلاق قبل الدخول. فإن دخل قبل أن ينظر في أمره، فإنما عليه صداق واحد. (فإن) كان قد سمى كمل المسمى، وإن كان لم يسم، فصداق المثل.
وقيل: يجب عليه صداق ونصف، وهو شاذ.
هذا تمام الكلام على هذا الركن، ويلتحق بالكلام عليه في اعتبار الولاية على المحل حالة النفوذ قول العبد لزوجته: إن دخلت الدار فأنت طالق ثلاثاً، ثم يعتق فتدخل الدار، فإنه يقع عليه الثلاث. وإن لم يملك الثالثة عند التعليق، إذ المراعى يوم الحنث.
ومن قال لزوجته: إن دخلت الدار فأنت طالق (ثلاثاً)، ثم أبانها، فدخلت، لم يقع الطلاق لكونها أجنبية في حال الدخول، فلو نكحها بعد ذلك فدخلت، وقد بقي من الملك الأول شيء طلقت. ولو استفوى الثلاث بالتنجيز لم يعد الحنث في نكاح بعده، لذهاب العصمة المحلوف بها.
ومن طلق طلقة أو طلقتين فبانت، ووطئها زوج آخر، ثم عادت إلى الأول، عادت إليه ببقية الطلاق. ولم ينهدم الطلاق الماضي، وإنما ينهدم إذا نكحت بعد الثلاث زوجاً آخر.
والحر يملك ثلاث تطليقات على الحرة (و) الأمة. والعبد يملك (إثنتين) على الحرة والأمة.
الباب الثالث: في حكم طلاق المريض
وطلاق المريض كطلاق الصحيح في النفوذ. وإنما النظر في عدم انقطاع الميراث به، لما فيه من الفرار عن التوريث قصداً. والمذهب أنه غير قاطع للميراث، وإن كان بائناً، وانقضت العدة قبل الموت، كما ورث عثمان بن عفان زوجة عبد الرحمن بن عوف ﵁ منه
стр. 522
بعد انقضاء عدتها. والمعنى في ذلك المقابلة بنقيض القصد، وإن كان عبد الرحمن ﵁ قد نزهه الله عن أن يقصد منعها، إلا أن الحكم إذا ثبت لعلة غالبة اكتفي بغلبتها عن تتبعها في آحاد الصور، وهذا في الشريعة كثير لمن تأمله، لا سيما على القول بحسم الذرائع، ولأن المريض ممنوع أن يتبرع بإخراج جزء زائد على ثلثه لحق الورثة (فأولى) أن يمنع من إسقاط بعضهم جملة.
وقد روي مثل قول عثمان عن عمر وعلي ﵁ عن جميعهم.
ثم النظر في المريض والطلاق، وحال الزوجة
أما المرض، فإن يكون مخوفاً يحجر عليه بسببه.
وأما الطلاق فإن يكون من قبل الزوج، ولا سبب للزوجة فيه. فإن كان أصله من (الزوج) وكماله منها، أو من غيرها، كالمخبر والمملك، والحالف في صحته على زوجته، أو على غيرها، فيحنثه من حلف عليه وهو مريض، أو المتلاعن، أو ما أشبه ذلك ففي توريثها منه قولان.
وسبب الخلاف في الموضعين مراعاة الطوارئ البعيدة، وحماية (الحماية) وقول ابن القاسم منهما أن ترث في جميع هذه الأحوال.
أما الردة فلا ترث فيها، إذ لا يتهم أحد بالردة على منع الميراث.
فرع: حيث قلنا: ترث منه، فلا ينقطع ميراثها بأن تتزوج غيره، (بل لو تزوجت عدة أزواج، وكل منهم يطلقها في مرض موته لورثت الجميع، وإن كانت في عصمة رجل حي).
(وإنما ينقطع ميراثها ممن يطلقها، بأن يصح من المرض الذي طلقها فيه صحة بينة. فلو مرض بعد ذلك فمات بعد تمام العدة والطلاق غير بائن، أو في العدة والطلاق بائن، أو لم
стр. 523
يدخل بها والطلاق ثلاث، أو واحدة، لم ترثه في حال من هذه الأحوال، ولو طلقها واحدة ثم صح ثم مرض فأردفها طلقة أو أبتها لم ترثه إن مات، إلا أن يموت في بقية من عدة الطلاق الأول، فإنها ترثه. فإن ارتجع من الطلاق الأول عادت كزوجاته، ثم إن طلق في المرض الثاني ورثته).
والإقرار بالطلاق في المرض كالإنشاء. إلا أن العدة من يوم الإقرار.
فروع: جرت عادة الأصحاب بذكرها في باب طلاق المريض، وقع الإشكال فيها في وجوب الصداق وسقوطه، ووجوب الميراث وسقوطه. قالوا: والأصل فيها الرجوع إلى التداعي، والتفريع على المشهور من المذاهب.
وذلك أن من ادعى أن له جميع مال، وادعى غيره أن نصفه له، فعلى المشهور، يقال لمدعي النصف: قد سلمت لمدعي الكل النصف، وإنما تنازعه في النصف الثاني، فيتحالفان، ويقسم النصف الآخر بينهما.
ومذهب أشهب، أن الجميع يقسم بينهما بعد أيمانهما على قدر دعاويهما. وقد روي عن مالك. وهذه الفروع التي نذكر، جارية على المشهور كما قلناه.
الفرع الأول: أن يتزوج امرأتين، فيطلق إحداهما، ويدخل بالأخرى، ويشكل الأمر في الطلاق والدخول، أو في أحدهما، ولذلك صور.
الأولى: أن تجهل المطلقة والمدخول بها جميعاً، فيتحالفان ويقتسمان الصداق والميراث.
الثانية: أن (تعلم) المدخول بها، (وتجهل) المطلقة، فللمدخول بها جميع الصداق وثلاثة أرباع الميراث، ولغير المدخول بها ثلاثة أرباع الصداق وربع الميراث. وذلك لأن المدخول بها تستحق النصف من الميراث على كل حال، لأنها لم تنقض عدتها، وتدعي في النصف الآخر، لأنها تقول للأخرى: أنت المطلقة، ولا تنازعها الأخرى إلا في النصف الآخر، فيقسم بينهما.
وأما الصداق فللمدخول بها جميع صداقها بالدخول على كل حال. وأما غير المدخول بها، فينازعها فيه الورثة، فهي إن كانت مطلقة، فلا تستحق إلا نصفه، وإن كانت غير مطلقة فتستحق الكل، فالنصف لها مسلم، وهي منازعة في النصف الآخر.
الصورة الثالثة: أن تعلم المطلقة وتجهل المدخول بها. فللتي لم تطلق جميع الصداق
стр. 524
وثلاثة أرباع الميراث، وللتي طلقت ثلاثة أرباع الصداق وربع الميراث. والوجه فيه ما تقدم.
الفرع الثاني: والمسألة بحالها، إلا أنه فرض لإحداهما خاصة، ولم تعرف. فقال ابن سحنون عن أبيه: إذا كانت المدخول بها معروفة بعينها، فلها نصف صداق المثل، ونصف المسمى، لأنها تنازع الورثة (فيه، ويكون للتي لم يدخل بها ربع التسمية وثمنها، لأنها [أولى ولا تنازع] الورثة) في أنها المطلقة، فيكون لها ثلاثة أرباع الصداق، ثم ينازعونها في أنها (هي) المفروض لها، فتقسم الثلاثة الأرباع، فتأخذ نصفها ربعاً وثمناً.
قال: وإن كانت المدخول بها مجهولة، أخذ نصف التسمية، ونصف صداق المثل، وربعه وثمنه، (فيقسم) بينهما. قال: وإن كان لم يدخل بواحدة منهما تحالفا، وقسم الصداق المسمى.
قال أبو القاسم بن محرز: والصواب عندي في هذا الوجه الأخير إذا لم يدخل (بهما)، أن يقسم بينهما ثلاثة أرباع الصداق، لأن المسمى لها منهما لها نصف الصداق على كل حال، وتنازع الورثة في النصف الآخر، فيقسم بينهما وبينهم، فيتحصل لها نصف وربع، ثم هو متنازع فيه بين المرأتين، فيقسم بينهما.
الفرع الثالث: أن يتزوج أما وابنتها في عقد واحد، أو في عقدين. فإن تزوجها في عقد واحد، فله حالات:
الأولى: أن يدخل بهما جميعاً، فالصداق لكل واحدة، ولا ميراث.
الحالة الثانية: أن لا يدخل بواحدة منهما أصلاً. فلا صداق، ولا ميراث.
الحالة الثالثة: أن يدخل بإحداهما، ولها صورتان:
الأولى: أن تعلم المدخول بها، فيكون لها الصداق على الخصوص.
الصورة الثانية: أن لا تعلم، فيتحالفان، ويقسم بينهما.
(وإن) تزوجهما في عقدين مترتبين فإن علمت السابقة منهما، ولم يدخل بواحدة، فلها الصداق كاملاً، بالموت، والميراث، ولا شيء للمتأخرة. وإن وقع الدخول وعلمت المدخول بها، وكانت الأولى، فلها الصداق والميراث. وإن كانت الأخيرة فلها الصداق، ولا
стр. 525
ميراث لواحدة منهما، لأن نكاح الأخيرة باطل، ونكاح الأولى قد فسخه الدخول بالأخيرة.
وإن جهلت المدخول بها مع العلم بالسابقة (فلهما) صداق واحد تقتسمانه نصفين بعد يمين كل واحدة أنها هي المدخول بها، فإن نكلت إحداهما استحقت صاحبتها جميعه، ويختلف، هل يكون للأولى ميراث أم لا؟ لأنه ميراث بالشك.
وإن جهلت الأولى فإن (علمت) المدخول بها، فلها الصداق كاملاً. واختلف في الميراث، هل يكون لهما شيء منه؟ إذ لابد أن تكون واحدة وارثة أو لا يكون لهما شيء، لأنه ميراث بالشك. ولا صداق للتي لم يدخل بها، لأنها إن كانت هي المتأخرة، فنكاحها باطل، وإن كانت هي السابقة، فقد أبطل نكاحها دخوله بالأخيرة.
أما إذا جهلت الأولى والمدخول بها جميعاً، فلهما صداق واحد تقسمانه بعد أيمانهما، كما تقدم، ويختلف هل يكون لهما نصف ميراث يقتسمانه، أو لا يكون لهما شيء على ما تقدم؟.
الفرع الرابع: (أن يموت عن خمس نسوة، ولا يدري أيتهن الخامسة، وقد تزوجهن في عقود مختلفة. فإن كان دخل بالجميع، فلكل واحدة صداقها. وأما الميراث، فهو بينهن أخماساً.
وإن لم يدخل بواحدة منهم، فلهن أربع صدقات، لكل واحدة أربعة أخماس صداقها.
وإن دخل بالبعض دون البعض، فلكل من دخل بها صداقها كاملاً.
وأما من لم يدخل بها، فإن كانت واحدة، فلها نصف الصداق، لأنها مترددة بين أن تكون إحدى الأربع، فيكون لها صداق كامل، وبين أن تكون الخامسة، فلا يكون لها شيء. وإن كانتا اثنتين فلهما صداق ونصف، إذ واحد مقطوع به، والآخر مشكوك فيه [فيقسم]. وإن كن ثلاثاً، فلهن صداقان ونصف. وإن كن أربعاً، فلهن ثلاث صدقات ونصف.
وأما الميراث فلا تختلف أحواله. وقال أبو القاسم بن محرز: إذا لم يدخل بهن، فيجيء على قول سحنون، أن لهن أربع صدقات ونصفاً.
قال الشيخ أبو الطاهر: ((ولعله يريد ما قيل فيمن أسلم على عشر نسوة، فأمر بفراق ست منهن، فإنه اختلف، هل يكون لهن صداق أم لا؟، وما مقدار الكائن لهن؟ [قال] وهو
стр. 526
جار على ذلك الأصل)).
الفرع الخامس: أن يتزوج ست نسوة، واحدة في عقد، واثنتان في عقد، وسمى لكل واحدة (منهن) صداقها، وثلاثاً في عقد رسمي لكل واحدة منهن صداقها، ثم يموت ولم يدخل بواحدة منهن، ولم يعلم السابق من عقودهن، فللمنفردة صداقها كاملاً، لأن نكاحها صحيح على كل تقدير، كان عقدها أولاً أو آخراً أو متوسطاً. وأما الخمس البواقي، فلكل واحدة منهن نصف صداقها، (لأنه) تارة يزول وتارة يثبت، فإن دخل بأربع فلكل واحدة من الخمس أربعة أخماس صداقها، وخمس ربع صداقها، لأنه لا شك أن ثلاثاً منهن دخل بهن لهن ثلاث صدقات، واثنتان قد حصل لهما نصف نصف كما تقدم قولنا، فذلك أربع صدقات، ونصف آخر يزول عنهن تارة إن كانت المنفردة هي من المدخول بهن الأربع، وتارة (يثبت) لهن إن كانت الرابعة من المدخول بهن من الخمس اللاتي ليس فيهن المنفردة، فيكون نصفه، وهو الربع بين خمس، فيصير لكل واحدة أربعة أخماس صداقها، وخمس ربع صداقها.
وعليهن عدة الوفاة والإحداد، يستكملن في ذلك ثلاث حيض، ولا حيض على المنفردة.
وأما الميراث، فقال سحنون: لما كان حال هذه المنفردة يتردد بين الثلث والربع، أعطيت نصف الثلث ونصف الربع، وأقل ما يقوم منه السدس والثمن أربعة وعشرون، فتأخذ السدس (والثمن) سبعة أسهم، ويبقى سبعة عشر بين الخمس، تسلم الإثنتان للثلاث سهماً، ثم يتنازع الجميع الستة عشر الباقية، فيقسم بين الفريقين نصفين، لكل فرقة ثمانية، فيصير للثلاث تسعة، لكل واحدة منهن ثلاثة، وللاثنتين ثمانية، لكل واحدة أربعة، وللواحدة سبعة.
الباب الرابع: في تعديد الطلاق، وفيه فصول
الفصل الأول: في نية العدد
فإذا قال: أنت طالق أو طلقتك، ونوى عدداً، نفذ ما نواه، ولو قال: أنت طالق، في واحدة، ونوى الثلاث، وقعت. ولو قال: أنت واحدة، ونوى الثلاث، وقعت الثلاث.
الفصل الثاني: في التكرار
فإذا قال: أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق ونوى التأكيد، لم تقع إلا واحدة. وإن نوى
стр. 527
التكرار ووقوع الثلاث، وقعت. وإن لم ينو شيئاً، فهو على التكرير.
وإن قصد بالثالثة تأكيد الثانية، وبالثانية الإيقاع وقعت ثنتان.
ولو قال: إذا دخلت الدار فأنت طالق، ثم كرر ذلك، فدخلت فهي طلقتان، حتى يريد واحدة.
ولو قال: أنت طالق طلقة فطلقة، وقعت إثنتان، كما لو قال: علي درهم فدرهم، لزمه درهمان.
ولو قال لها: أنت طالق ثم طالق ثم طالق، أو طالق فطالق فطالق، لزمته الثلاث ولا ينوي.
(ولو قال: أنت طالق، وأنت طالق وأنت طالق، لزمته الثلاث، ولا ينوي). قال مالك: وفي النسق بالواو شك.
قال ابن القاسم: ورأيت الأغلب على رأيه أنها مثل ثم، ولا ينوي، وهو رأيي.
ولو طلق زوجته، فقال له رجل: ما فعلت؟ فقال: هي طالق، فإن نوى إخباره، فله نيته. فإن لم تكن له نية، فهل تلزمه طلقة واحدة أو طلقتان؟ قولان للمتأخرين.
قال أبو القاسم بن محرز: (فإن) كان تقدم (له فيما قبل هذا الطلاق تطليقة حلف على ما ادعاه ليملك بذلك رجعتها الآن. وإن لم) يتقدم له فيها طلاق لم تلزمه يمين، لأنه يملك الرجعة في الوجهين جميعاً إلا أن يطلقها بعد هذا تطليقة، فلا يملك رجعتها، إلا بأن يحلف على ما ذكر.
وهذا كله في المدخول بها، فأما غير المدخول بها، فإذا قال لها: أنت طالق، ثم طالق، بانت الأولى، ولم تقع عليها الثانية. وكذلك إذا قال: أنت طالق فطالق.
أما إذا قال لها: (أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق، فإن الثلاث تلزمه)، إذا كان ذلك نسقاً متتابعاً من غير سكوت ولا فصل.
وقال القاضي أبو إسحاق: لا يلزمه سوى الأولى، لأنها بانت بها، إلا أن ينوي بقوله الأول: أنت طالق الثلاث، ثم كرر، بين ما أراد بقوله الأول.
ولو (قال): أنت طالق طلقة مع طلقة، أو معها طلقة أو تحت طلقة، أو فوق طلقة،
стр. 528
وقعت طلقتان بعد الدخول كان ذلك أو قبله.
ولو قال للمدخول بها: أنت طالق طلقة قبل طلقة، أو قبلها طلقة، أو بعد طلقة، أو بعدها طلقة، وقعت طلقتان.
الفصل الثالث: في الطلاق بالحساب ، (وهو ثلاثة أقسام)
القسم الأول: حساب الضرب، قال ابن سحنون عن أبيه فيمن قال: أنت طالق واحدة في واحدة، أو قال: في إثنتين، أو إثنتين في إثنتين، أو إثنتين في ثلاث (أو ثلاث) [في ثلاث]، وهذا ونحوه، فإنه يجري مجرى ضرب الحساب، فواحدة في واحدة واحدة، وإثنتان في إثنتين أربعة، تبين منه بثلاثة. وكذلك بقية هذا المعنى.
القسم الثاني: في التجزئة
فإذا قال: أنت طالق نصف طلقة، أو ربع طلقة، أو غير ذلك من الأجزاء، وقعت طلقة، وكملت. ولو قال: ثلاثة أنصاف طلقة، أو أربعة أثلاث طلقة، وقعت إثنتان، لزيادة (الأجزاء). وإذا قال: أنت طالق نصفي طلقة، وقعت واحدة. وكذلك نصف طلقتين. ولو قال: ثلث وربع وسدس طلقة، فهي واحدة. ولو قال: ثلث طلقة، وربع طلقة، وسدس طلقة، فهي ثلاث.
القسم الثالث: في الاشتراك:
فإذا قال لأربع نسوة: بينكن طلقة إلى أربع، طلقت كل واحدة طلقة. وإذا قال خمس إلى ثمان، طلقت كل واحدة طلقتين. فإن قال: تسع إلى ما فوق ذلك، طلقت كل واحدة ثلاثاً.
قال ابن سحنون عن أبيه: لو قال: شركت بينكن في ثلاث، طلقت كل واحدة ثلاثاً.
وكذلك في إثنتين، تطلق كل واحدة إثنتين.
ولو قال لإحدى نسائه: أنت طالق (ثلاثاً) وللثانية: وأنت شريكتها، وللثالية: وأنت شريكتهما، طلقت الأولى والثالثة ثلاثاً ثلاثاً والوسطى ثنتين.
ولو عوض عن قوله ثلاثاً، البتة، فقال أصبغ: الثانية أيضاً مبتوتة كالأولى والثالثة.
стр. 529
قال يحيى: وأشهب وسحنون يقولان: الثلاث والبتة سواء.
الباب الخامس: في الاستثناء
فإذا قال: أنت طالق ثلاثاً إلا واحدة، وقعت ثنتان. وشرطه الاتصال بالمستثنى عنه، وألا يكون مستغرقاً للمستنى منه. ولا يشترط أن يستثني الأقل على المنصوص.
وينحصر الكلام عليه في فصلين:
الفصل الأول: في الاستثناء المستغرق ، وفيه مسائل:
الأولى: إذا قال: أنت طالق ثلاثاً إلا ثلاثاً، لم ينفع لبطلان الاستثناء. ولو قال: ثلاثاً إلا إثنتين وواحدة، لجمع ما فرقه، وجعل مستغرقاً. وكذلك لو قال: طالق البتة إلا إثنتين وواحدة، لزمته البتة. ولو قال: أنت طالق طلقة واحدة إلا واحدة، طلقت واحدة، إلا أن يعيد الاستثناء على الواحدة فقط، (فتقع) عليه (اثنتان)، ويلغى الاستثناء، إذ يصير مستغرقاً. وكذلك لو قال: أنت طالق واحدة وواحدة وواحدة إلا واحدة، طلقت إثنتين أو ثلاثاً على ما تقدم. ولو قال: أنت طالق واحدة وواحدة وواحدة إلا واحدة وواحدة وواحدة، وقع الثلاث.
الثانية: الاستثناء من النفي إثبات، ومن الإثبات نفي، فلو قال: أنت طالق ثلاثاً إلا إثنتين إلا واحدة، وقعت ثنتان. معناه إلا اثنتين لا تقع إلا واحدة تقع في الثنتين. لو قال: أنت طالق ثلاثاً إلا ثلاثاً إلا واحدة، وقعت ثنتان لأنه أخرجه عن الاستغراق بقوله: إلا واحدة.
الثالثة: لو قال: أنت طالق خمساً إلا ثلاثاً. فقيل: تقع ثنتان وقيل: الزيادة تلغى، فيبقى الاستثناء مستغرقاً.
وعلى هذا، لو قال: أنت طالق أربعاً إلا اثنتين، وقعت واحدة، وعلى الأول تقع ثنتان.
ولو قال: أنت طالق مائة إلا تسعاً وتسعين، فقيل: تلزمه ثلاث، ولا ينفعه الاستثناء، لأنه أتى بما [يصح] له إيقاعه. وقيل: تلزمه واحدة. ولو قال: أنت طالق ثلاثاً إلا (نصفاً (وقعت) الثلاث، لأنه أبقى النصف فيكمل. ولو قال: أنت طالق البتة إلا واحدة، فقال أشهب: تطلق إثنتين. وقال سحنون: ثلاثاً. وروى عنه مثل الأول.
стр. 530
ومنشأ الخلاف أن البتة تفيد العدد مع البينونة، أو البينونة فقط؟ وأن أبغاض الجمل كنوع آخر أم لا؟ كما تقدم.
ولو قال: أنت طالق الطلاق كله إلا نصفه، لزمه طلقتان. ولو قال: إلا نصف الطلاق، طلقت ثلاثاً من جهة أن هذا الطلاق يصح أن يكون واحدة، فيصير كأنه استثنى نصف طلقة، فتجبر فتصير ثلاثاً.
وقيل: يصح أن تكون هذه المسألة كالتي قبلها، يكون الألف واللام في الطلاق للجنس.
الفصل الثاني: في التعليق بالمشيئة
فإن علق بمشيئة الله سبحانه، فقال: أنت طالق إن شاء الله، وقع الطلاق ولم تنفعه المشيئة.
وللأصحاب في الفرق بين الطلاق واليمين بالله سبحانه طريقتان:
الأولى: أنه (تعلق) بلفظه حكم الطلاق، فلا يرفع بالاستثناء، بخلاف اليمين بالله سبحانه، فإنه لا يتعلق بلفظها حكم.
الثانية: قال البغداديون: المستثنى في الطلاق، إن أراد بذلك التأكيد، لم تنحل اليمين. وإن أراد حل اليمين، فلا يصح، لأنه بمنزلة أن يحلف بالله على ما مضى، فلا يصح الاستثناء فيه.
وقال الإمام أبو عبد الله: تحقيق قوله: إن شاء الله، أنه [إن] أراد بذلك: إن شاء الله إيقاع هذا اللفظ مني، لزمه الطلاق عند أهل السنة، وإن أراد: إن شاء الله لزوم الطلاق للحالف به، فيلزمه قولاً واحداً. وإن أراد: إن شاء الله طلاقك في المستقبل، فأنت طالق الآن، فيجري على الخلاف في تعليق الطلاق (بالمشكوك) في وقوعه.
وإليه أشار مالك ﵁ بقوله: ((علق الطلاق بمشيئة من لا تعلم مشيئته)).
وإن قصد بقوله: إن شاء الله، إلزام الطلاق مع الاستثناء، فهذا هو أشكل الوجوه. قال: والحق فيه أن يرجع إلى خلاف الأصوليين: هل لله تعالى في الفروع حكم مطلوب، ونحن غير عالمين به؟ فيرجع إلى القسم الثالث، وهو تعليق اليمين بالمغيبات، أو ليس له حكم، بل كل
следующие страницы →