← Фикх малики

Фикх малики · id 14594

عقد الجواهر الثمينة في مذهب عالم المدينة

ابن شاس

Полный текст (1 311 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

ثم المعتبر في رواية محمد عن مالك و (عن) ابن القاسم وعن عبد الملك ثلث الثمرة. وفي روايته عن أشهب: ثلث القيمة). الفرع الثالث: إذا كان المبيع نوعاً واحداً، وكان يحبس أوله على آخره، كالتمر والعنب وما أشبههما في ذلك فالاعتبار في جائحته بثلث الثمرة. وحكى القاضي أبو الوليد: ((أن المذهب لا يختلف في ذلك. فإن كان مما لا يحبس أوله على آخره كالقثاء والبطيخ والخوخ والتفاح ونحو ذلك، فالاعتبار عند ابن القاسم بثلث الثمرة. وعند أشهب بثلث القيمة)). الفرع الرابع: إذا زادت الجائحة على الثلث حتى أصابت معظم الثمرة لزم المبتاع بقيتها. بخلاف من اشترى صبرة طعام فاستحق معظمها، أو اشترى طعاماً على الكيل، فذهب معظمه قبل الكيل فإنه لا يلزم المبتاع ما بقي. والفرق أن الجوائح معتادة، فلا تسلم الثمرة من يسيرها في العادة، وكثيرها متكرر فيها، والمشتري قد دخل على الرضى بما بقي منها، بخلاف الاستحقاق فإنه أمر نادر والمشتري لم يدخل عليه). النظر الثالث: في محل الجائحة . والثمرة المبيعة على ضربين: أحدهما: (يحتاج إلى بقائه في (أصله) لانتهاء صلاحه (وطيبه)، كثمرة النخل والعنب إذا اشتري عند بدو صلاحه، وكثمرة التفاح والتين والبطيخ والورد والياسمين والفول والجلبان.

стр. 737

والضرب الثاني: يحتاج [إلى ذلك]، لبقاء رطوبته ونضارته كثمرة العنب إذا اشتريت بعد انتهاء طيبها، وكالبقول والقصيل، والأصول المغيبة من الجزر و (السلجم) والبصل والثوم. فأما الضرب الأول، فلا خلاف عندنا في وضع الجائحة فيه، كما لا خلاف في أن ما لا يحتاج إلى بقائه في أصله لتمام صلاحه ولا لبقاء نضارته، كالتمر اليابس والزرع، لا جائحة فيه لأن تسليمه قد كمل، فصار بمنزلة الصبرة الموضوعة بالأرض. وأما الضرب الثاني من الضربين الأولين، وهو المحتاج إلى البقاء في أصله لحفظ نضارته كالعنب المشترى بعد تمام صلاحه وما ذكر معه)، فقال القاضي أبو الوليد: مقتضي رواية أصبغ عن ابن القاسم: أنه لا يراعى البقاء لحفظ النضارة وإنما يراعى تكامل الصلاح)). قال: ((ويجب أن يجري هذا المجرى كل ما كان هذا حكمه، كالقصيل والقصب والبقول والقرظ، فلا توضع جائحة في شيء في ذلك)). قال: ((ومقتضى رواية سحنون: أن توضع الجائحة في جميعه)). ويتم المقصود من النظر في أحكام الجوائح بذكر فروع: الأول: أن ما انتقل مما فيه الجائحة على وجه البيع المحض مفرداً عن أصله فالجائحة فيه موضوعة. فأما ما كان مهراً في نكاح فاختلف فيه أصحابنا: فقال ابن القاسم: لا جائحة فيه، لأنه عقد لا يقتضي المغابنة والمكايسة، وإنما يقتضي المواصلة والمكارمة، ووضع الجائحة لن يرد في ذلك. وقال ابن الماجشون: فيه الجائحة، وقاسه على البيع بجامع الرد بالعيب). الفرع الثاني: (من اشترى عريته، فقال مالك وابن القاسم وابن وهب: توضع فيها

стр. 738

الجائحة. وقال أشهب: لا توضع فيها جائحة). وهذا إذا كانت العرية نخلاً معينة. فإن كانت أوسقاً من حائط، فلا يبقى إلا مقدار تلك الأوسق لزم المبتاع أداؤها، بمنزلة من أوصى بثمرة حائطه لإنسان، ولآخر منه بخمسة أوسق، فتلفت الثمرة إلا خمسة أوسق فإن جميعها له دون من أوصى له بجميع الثمرة. الفرع الثالث: من باع ثمرة حائطه واستثنى منها أصوعاً مقدرة فأجيحت، فقد روى ابن القاسم وأشهب: يوضع من العدد المستثنى بقدره. وقال ابن القاسم في الكتاب: ((إن قصرت الجائحة عن الثلث لم يوضع عن المشتري شيء، وإن بلغت الثلث وضع عن المبتاع مما استثنى البائع بقدر ما يوضع عنه من ثمن الثمرة. قال ابن القاسم: وهذا بخلاف الصبرة يبيعها ويستثني منها كيلاً يكون الثلث فأدنى فتهلك الصبرة إلا ما استثنى البائع منها، فإن له ذلك دون المبتاع)). وروى ابن وهب: لا يوضع من العدد المستثنى قليل ولا كثير، أجيح أكثر الثمرة أو أقلها. قال القاضي أبو الوليد: ((وهذا عندي مبني على ما يقتضيه اختلاف قول مالك في المستثنى من الثمرة كيلاً)). (فعلى ما يقتضيه قوله من أن المستثنى تناوله البيع وارتجع، بعد ذلك بعقد الاستثناء فلا جائحة فيه، لأن البائع ابتاع من المشتري ما استثناه من عدد الأوسق، فوجب أن يكون مقدماً في ثمرة الحائط، ولو لم يبق من الحائط غير ذلك. وعلى ما يقتضيه قوله: إن المستثنى لم يتناوله البيع، وإنما أبقاه الاستثناء على ملك البائع، وأن ذلك قد صار به البائع شريكاً للمبتاع، فوجب أن تكون الجائحة بينهما على قدر ما لكل واحد منهما من ثمرة الحائط). الفرع الرابع: إن مشتري الثمرة إما أن يقتصر على شرائها، وإما أن يشتري أصلها أيضاً، فإن اقتصر على شرائها فالحكم في وضع الجائحة (فيها) ما تقدم، وإن اشتراها

стр. 739

واشترى أصلها، فإن كان معها في صفقة واحدة فلا جائحة فيها. وإن كانا في صفقتين، فإن اشترى الأصل ثم الثمرة بعد بدو صلاحها صح العقد، واختلف في وضع الجائحة فيه، وإن كانت لم يبد صلاحها كان شراء مختلفاً فيه، ومن أجازه أسقط فيه الجائحة، وإن اشترى الثمرة ثم الأصل فإن كان بعد بدو الصلاح كان من البائع، والسقي باق عليه، ولو اشترط البائع ألا سقي عليه لم تسقط الجائحة عنه. ولو اشترى الثمرة قبل بدو صلاحها على الجداد، ثم اشترى النخل جاز للمشتري أن يبقى الثمرة حتى تطيب ومصيبتها منه. وإن قال المشتري: أنا أجدها حسب ما اشتريت عليه كانت مصيبتها من البائع، إلا أن يتراخى بالجداد عن الوقت الذي كان يجدها فيه. القسم الخامس من كتاب البيع: في مداينة العبيد والتحالف فيه ، وفيه بابان: الباب الأول: في معاملة العبيد . والنظر في المأذون له في التجارة وغيره. أما المأذون فالنظر فيما يجوز له وفي العهدة، وفيما تقضى منه ديونه. أما ما يجوز له من التصرف فهو كل ما يدخل تحت اسم التجارة، أو كان من لوازمها مما يعود بنماء المال. وحكمه في ذلك حكم الشريك المفاوض والوكيل المفوض إليه. وليس له أن يضع من المال عمن عامله ولا أن يؤخره به، ولا أن يعمل طعاماً يجمع عليه التجار، إلا أن يكون جميع ذلك منه استيلافاً للتجارة، أو يعلم من أهله أنهم لا يكرهون ذلك. وله أن يتصرف فيما اكتسبه بوصية أو هبة أو نحو ذلك. وله أن يعامل سيده. واختلف إذا أذن له في التجارة فأخذ قراضاً أو أعطاه فأجازه ابن القاسم. ومنعه أشهب. ورأى أن أخذه منه لنفسه ودفعه إيداع منه للمال، وليس له ذلك. ويقبل إقراره بالدين [فيما بيده]، ثم لا يتهم عليه قبل قيام الغرماء، وإن حجر عليه سيده. وقال ابن وهب في كتاب محمد: لا يجوز إقرار بعد حجر سيده، وإن لم يقم الغرماء عليه. وأما العهدة فإنه المطالب بديون معامليه دون سيده فيتعلق بذمته، إن لم يكن بيده ما يوفي منه، لا برقبته ولا بذمة سيده. وإن عتق طولب بها، ثم لا رجوع له بما غرم على السيد.

стр. 740

وأما قضاء ديونه فمن مال التجارة لا من رقبته، وتباع فيها أم ولده، ولا يباع فيها ولده، لأنهم ليسوا بملك له، إلا أن يشتريهم وعليه دين فإنهم يباعون فيه، لأنه يتلف أموال غرمائه، وليس له ذلك، وهم في هذا الموضع ملكه. فروع متتالية: قال أبو الحسن اللخمي: ((لا ينبغي للسيد أن يأذن لعبده في التجارة إذا كان غير مأمون فيما يتولاه، إما لأنه يعمل بالربا، أو خائن في معاملته، (أو) نحو ذلك. فإن تجر فربح وكان يعمل بالربا تصدق السيد بالفضل، وإن كان يجهل ما يدخل عليه من الفساد في بيعه ذلك استحسن له التصدق بالربح من غير إجباره)). (وقال مالك في الكتاب: ((لا أرى للمسلم أن يستتجر عبده النصراني ولا يأمره ببيع شيء لقول الله تعالى: ﴿وأخذهم الربا وقد نهوا عنه﴾. قال أبو الحسن اللخمي: ((فإن أذن له فيتجر مع المسلمين، كان الحكم فيما أتى به كالحكم في العبد المسلم. قال: ويختلف إذا تجر مع أهل دينه فأربى، أو تجر في الخمر، فعلى القول بأنهم مخاطبون بفروع الشريعة يكون الجواب على ما تقدم إذا بايع مسلماً، وعلى القول بأنهم غير مخاطبين إلابعد تقدم الإسلام يسوغ للسيد ما أتى به من ذلك)). قال: ((وقد كان لابن عمر عبد نصراني يبيع الخمر. وهذا كله إذا كان (تجره) لنفسه، فإن كان (تجره) لسيده لم يجز شيء من ذلك، وصار بمنزلة ما لو كان السيد المتولي لذلك البيع، لأنه وكيل له)). وللسيد الحجر على عبده بعد الإذن له، وأن اغترق الدين ما بيده ويمنعه التجارة، ثم يكون ما بيده لغرمائه دون سيده، إلا أن يفضل عنهم شيء، فيكون له أو يكون هو أحدهم فيشاركهم. وليس للغرماء أن يحجروا على العبد لكن لهم القيام بدينهم فيفلسونه، وهو في هذا كالحر. (وإذا أراد السيد الحجر عليه فلا يفعل ذلك دون السلطان حتى يكون السلطان هو الذي

стр. 741

يوقفه للناس). ((قال مالك: ومن ذلك أن يأمر به السلطان فيطاف به حتى يعلم ذلك منه)). فإن حجر السيد عليه دون السلطان فقال ابن حارث: ابن القاسم يقول: ((لا يجوز رده إلا عند السلطان))، وغيره يقول: حيث رده السيد فهو مردود. وقال أبو الحسن اللخمي: ((إن لم تطل إقامته فيما أذن له فيه ولم يشتهر أجزأ حجر السيد، ويذكر ذلك عند (من) يخالطه أو يعامله في سفره. وإن طال ذلك واشتهر الإذن له كان الحجر للسلطان يسمع بذلك ويظهره)). وأما غير المأذون فملكه موقوف، لا تجوز فيه أحكامه، معاوضة (كانت) أو معروفاً. وأحكامه فيها أحكام المحجور عليه، ينعقد بيعه إن باع، ويقف الفسخ على اختيار السيد، ويجوز اتهامه وقبوله للوصية، ولا يقف ذلك على إذن (سيده)، ويخلع زوجته. ثم المأذون وغيره يملك ملكاً لا يساوي الحر فيه. فملكه غير مستقر، لأن للسيد أن ينتزعه منه متى شاء. ودليل كونه قابلاً للملك أن الله سبحانه أضاف إليه الغنى والفقر، وأضاف له رسول الله ﷺ المال، ولأنه حي آدمي ويصح منه ملك الأبضاع، وهو أضيق أسباباً من الأموال. كيف وقد صح منه تعاطي أسبابه من قبول الوصية ونحوه، وقد اتفقنا على جواز تجارته ببيعه وشرائه بالغبن والدين، إذا كان مأذوناً، مع كون الدين لا يلزم السيد، ولو أتلف أموال الناس لتعلق الدين بذمته دون رقبته، كما تقدم، والدين [من] فروع الملك.

стр. 742

الباب الثاني: في اختلاف المتبايعين وما يترتب عليه من التحالف وغيره وللأصحاب في الحكاية عن المذهب طريقان: أحدهما: التفصيل، وهو طريق المتأخرين، ويحصره النظر في كيفية الاختلاف وأحواله ثم في تنزيل الأحكام على الأحوال. النظر الأول: في كيفية الاختلاف. وينحصر في الثمن، وصفة العقد. أما الثمن، فالاختلاف فيه في خمسة أحوال: جنسه ونوعه ومقداره وتعجيله وتأجيله وقبضه. وأما صفة العقد فالاختلاف فيها في حالين: الخيار والبت، والصحة والفساد. النظر الثاني: في تنزيل الأحكام على الأحوال. أما الحال الأول من القسم الأول، وهو الاختلاف في جنس الثمن، مثل أن يقول أحدهما مثلاً: دنانير، ويقول الآخر: ثوب، فإنهما يتحالفان ويتفاسخان على الإطلاق، إذ ليس أحدهما بتصديق قوله بأولى من الآخر، ولم يقر البائع بإخراج سلعته بما قاله المشتري جملة ولا تفصيلاً. وأما الحال الثاني منه، وهو الاختلاف في نوع الثمن، مثل أن يقول أحدهما مثلاً: قمح، ويقول الآخر: شعير، فقيل: ذلك يجري مجرى الحال الأول، وهو شهادة بتباعد الأغراض، وقيل: يجري مجرى الحال الثالث، وهو شهادة بتقارب الأغراض. وأما الحال الثالث منه، وهو الاختلاف في مقدار الثمن ففي المذهب فيه أربع روايات: إحداها: أنهما يتحالفان ويتفاسخان، وما لم يقبض المشتري السلعة، فإن قبضها صدق في الثمن. الثانية: أنهما يتحالفان ويتفاسخان وإن قبضها، ما لم يبن بها فيصدق حينئذ. والروايتان لابن وهب. والرواية الثالثة: أنهما يتحالفان ويتفاسخان وإن قبضها وبان بها، ما لم تفت بتغير سوق

стр. 743

أو بدن، فيكون القول قول المشتري، وهذه رواية ابن القاسم في الكتاب وبها أخذ. والرواية الرابعة: أنهما يتحالفان ويتفاسخان، وإن فاتت في يد المشتري، ويرد القيمة بدل العين، وهذه رواية أشهب وبها أخذ. قال الإمام أبو عبد الله: وهذا المذهب الذي كان يفتي به شيخنا ﵀. قال: وأنا فتي به أيضاً. وسبب اختلاف: هذه الروايات أنه نظر في رواية أشهب إلى أن كل واحد منهما مدعى عليه، إذ البائع يقول: لم أخرج سلعتي إلا على صفة لم يقر بها المشتري، والمشتري يقول: لم أشتر إلا بما سميته. وهذا يقتضي التحالف والتفاسخ مطلقاً. وأما رواية ابن القاسم فنظر فيها إلى أن بفوات السلعة يفوت ردها، وإنما (تجب) على المشتري قيمة، فصار البائع يدعي عليه عمارة ذمته بشيء وهو منكر له. ونظر في روايتي ابن وهب إلى ترجيح جانب المبتاع، فتارة اقتصر على وجود اليد وتارة أضاف إليها البينونة حتى تتأكد بها. فروع: الأول: اعتبار الأشبه في الدعوى. وقد قال الشيخ أبو الطاهر: ((إن فاتت السلعة فلا خلاف في مراعاته)). قال: ((وأما إن كانت قائمة فقولان، المشهور أنه غير مراعى، لوجود السلعة والقدرة على

стр. 744

ردها، والبيع مظنة التغابن. والشاذ أنه يراعى. قال: ((وصوبه الأشياخ. ثم قال: وهذا ينبغي أن يكون خلافاً في حال، فإن ادعى أحدهما أشبه، وأبعد الآخر إلى ما لا يشبه، فينبغي أن لا يختلف أن القول قول من ادعى الأشبه. وإن ادعى الآخر ما هو ممكن، ويتغابن الناس [بمثله]، فلا يلتفت إلى الأشبه)). الفرع الثاني: حيث حكمنا بالتحالف، فالبداية بالبائع. وروى في المستخرجة أن البداية بالمشتري. وقال بعض المتأخرين: هما سيان، فيقدم بالقرعة. فنظر في المشهور إلى أن الملك في الأصل للبائع، والمشتري يدعي عليه إخراجه له بغير ما يقول إنه رضي به. ونظر في الرواية الأخرى إلى أن البائع مقر بالبيع ونقل الملك للمشتري ومدع في زيادة ثمن عليه ينكرها، ولما تقابل هذان الوجهان عند المتأخر المشار إليه قال بالقرعة. الفرع الثالث: وهو مرتب. إذا قلنا بتبدئة البائع على المشهور، فهل ذلك من باب الأولى أو هو واجب؟ في ذلك خلاف، ينبني عليه الخلاف في ما إذا تناكلا. فمن قال: إن التبدئة من باب الأولى حكم بالفسخ، كما إذا تحالفا، وبه قال ابن القاسم. ومن قال: إنها واجبة، أمضى العقد بما قال البائع. وبه قال ابن حبيب. التفريع: إذا بنينا على قول ابن القاسم فأراد أحدهما أن يمضي البيع بما قال الآخر وأبى صاحبه، فهل له ذلك أم لا؟ قولان، وإذا بنينا على قول ابن حبيب، فهل يفتقر البائع إلى اليمين؟ قولان أيضاً، أحدهما افتقاره إليها. وإليه ميل القاضي أبو الوليد: والثاني: عدم الافتقار إليها. قال الشيخ أبو الطاهر: ((وعليه حمل هذه الرواية أكثر الأشياخ)). الفرع الرابع: إذا حلفا فمذهب سحنون انفساخ العقد. وقال ابن القاسم وابن

стр. 745

عبد الحكم: بل يفتقر إلى إنشاء الفسخ. وفائدة الخلاف تظهر فيما إذا رضي أحدهما قبل الفسخ أن يمضي العقد بما قال الآخر. (فسحنون يمنع ذلك إذ حصل عنده الانفساخ بالفراغ من التحالف. وقال ابن القاسم في الكتاب: ((إلا أن يرضى المبتاع قبل الحكم بالفسخ بما قال البائع فذلك له)). وقال ابن عبد الحكم: إذا أراد البائع أن يلزمها المشتري بما حلف عليه المشتري، فذلك له، وإن شاء فسخ البيع). الفرع الخامس: حيث قلنا بالفسخ، فهل ينفذ ظاهراً أو باطناً، أو ظاهراً لا باطناً؟ فيه خلاف. فائدته: حل الوطء والبيع، على القول الأول دون الثاني، لأنه فيه وطئ أو باع ملك الغير، وليس له أخذها عوضاً مما له عليه من الثمن، إذ لابد من البيع قبل ذلك. الفرع السادس: في صفة اليمين: وليبدأ الحالف باليمين على إبطال دعوى خصمه، ثم هل يقتصر على ذلك؟ لأن موضوع الأيمان دفع الدعاوي وإبطالها دون تصحيحها، أو يضم إلى ذلك تحقيق دعوى نفسه، لأن أحد الفصلين يتضمن الآخر، ولأنه على تقدير نكول الخصم لا تكفيه اليمين الأولى، ما لم يجدد يميناً أخرى، فكان له أن يجمع الفصلين في يمينه ليجترئ بها. ولهذا قال أبو الحسن اللخمي: ((له أن يجمعهما إن شاء))، ففوض ذلك إلى خيرته لما رأى أن الحق له لا عليه. وأما الحال الرابع من القسم الأول في تعجيل الثمن وتأجيله، مثل أن يدعي البائع انعقاد

стр. 746

البيع على كون الثمن حالاً والمشتري يدعي خلافه. فالأصل فيه أنه جار مجرى الاختلاف في مقدار الثمن كما تقدم في الحال الثالث، إلا أنه قد اعتيد الشراء بالنقد في بعض السلع، حتى صار ذلك العرف فيها. فإن ثبتت عادة في مبيع ما تصرف عن الأصل، وإلا فالرجوع إليه. ولهذا نزل بعض المتأخرين ما وقع من الاختلاف بين الأصحاب في ذلك على شهادة بعادة. وقيل: القول قول البائع، وهو بناء على أن العادة التعجيل. وقيل بالتفرقة بين بعيد الأجل وقريبه، فيكون القول في دعوى الأجل البعيد قول البائع، و [في] دعوى القريب يتحالفان ويتفاسخان، كالاختلاف في قدر الثمن، وكذلك إن اتفقا في أصله واختلفا في قدره فهو كالاختلاف في قدر [الثمن]. وأما إن اتقفا في أصله وقدره واختلفا في انتهائه فالقول فيه قول من أنكر تقضيه. وأما الحال الخامس منه، وهو الاختلاف في قبض الثمن، فالأصل أن الثمن باق بيد المبتاع والمثمون باق بيد البائع حتى يثبت الانتقال عن يد ذلك بيده، إما بالبينة وإما بعادة مستقرة، وقد استقرت في بعض المبايعات بالقبض كالبقل واللحم وشبههما، يشتري من أصحاب الحوانيت، فإذا قبضها المشتري وبان بها، فالقول قوله في دفع ثمنها. وفي تصديقه إذا قبضها ولم يبن بها، خلاف سببه الشهادة بالعوائد. وأما الحال الأول من القسم الثاني، وهو الاختلاف في دعوى الخيار والبت، فروي عن ابن القاسم تصديق مدعي البت. وعن أشهب تصديق مدعي الخيار. وبنى المتأخرون هذا (الاختلاف) على القول بتبعيض الدعوى. وأما الحال الثاني منه، وهو الاختلاف في دعوى الصحة والفساد، ففي الكتاب: ((أن القول قول مدعي الصحة مطلقاً من غير تفصيل))، لكن نزل المتأخرون على أن الاختلاف في ذلك لا يؤدي إلى الاختلاف في زيادة الثمن ونقصانه. فأما إن أدى إلى ذلك فحكمه حكم الاختلاف في قدر الثمن. قالوا: ((وأما لو كان لا يؤدي إلى ذلك كقول أحدهم: لم أر المبيع، أو وقع البيع وقت الجمعة، وشبه ذلك، والآخر ينكره، فالمذهب: القول بالصحة)). قالوا: ((لأنه الأصل في التعامل بين المسلمين.

стр. 747

وعلى هذا قال أبو محمد عبد الحميد وغيره من المتأخرين: لو كان الغالب التعامل على الفساد لكان القول قول مدعيه)). قالوا: ((وكذلك وقع لسحنون في المغارسة إذا تداعيا فيها الصحة والفساد، إن القول قول مدعي الفساد، لأنه شهد أن الغالب فسادها في زمانه)). فرع: قال الإمام أبو عبد الله: ذكر المتأخرون من أصحابنا أن كل معنى يؤدي إلى الاختلاف في الثمن فحكمه حكم الاختلاف فيه، ومثلوا ذلك باختلاف المتبايعين في الأجل أو شرط رهن أو حميل أو يقول أحدهما: شرطت الخيار لي، ويقول الآخر: شرطت الخيار دونك، أو عقدنا البيع بتلاً. قال الإمام: وهذا الذي مثل به مما يؤدي إلى الاختلاف في الثمن صحيح. لكن قوله في اختلافهما في شرط الخيار أو وقوع البيع بتلاً مما يفضي إلى تحقيق، وهو النظر فيما يختاره مدعي الخيار: هل الإمضاء فيوافق مدعي البت، فلا يفتقر إلى يمين، أو يختار رد المبيع فيختلف هل يكون القول قوله أو قول مدعي البت؟ هذا تمام طريق المتأخرين. أما الطريق الثاني، فقال القاضي أبو الحسن: ((إذا تبايعا شيئاً ثم اختلفا في مقدار الثمن أو اتفقا في الثمن ولكن اختلفا في المثمن، فقال البائع: بعتك هذا الثوب بألف درهم، وقال المبتاع: بل هذا الثوب وثوباً آخر ابتعت بألف. وكذلك إذا اختلفا في الأجل فقال البائع: نقداً، وقال المبتاع: إلى أجل، عينه. وكذلك لو قال البائع: بعتك على ألا خيار لك، وقال المبتاع: بل لي خيار، أو قال: بعتك على شرط الرهن، وقال المبتاع: لا، بل لا رهن، أو قال: على شرط التضمين، وقال المبتاع: بلا شرط التضمين. فالحكم في هذه المسائل كلها واحد. ثم ذكر أن المذهب فيها على ثلاث روايات، وترك رواية ابن وهب الثانية باعتبار البينونة مع القبض، فأسقطها وذكر سائر الروايات على ما تقدم في الطريقة الأولى)). وكذلك الأستاذ أبو بكر اقتصر أيضاً على الروايات الثلاث التي اقتصر عليها القاضي أبو الحسن بعد أن حكى قريباً مما حكى.

стр. 748

كتاب السلم والقرض القسم الأول: السلم . والأصل فيه قول ﷺ : ((من أسلم في تمر، فليسلم في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم)). وفيه بابان: الأول في شرطه، والثاني في أداء المسلم فيه. الباب الأول: في شروط السلم، وهي ستة: الأول: تسليم جميع رأس المال، حذاراً من الدين بالدين. ولا يشترط قبضه في المجلس، ولا يفسد العقد بتأخيره بالشرط: اليوم واليومين. وفي كتاب بيع الخيار: الثلاثة أيضاً. وحكى ابن سحنون وبعض البغداديين فساد السلم إذا افترقا قبل القبض. وهو خلاف في حكم المقارب للشيء هل هو كحكم الشيء أم لا؟. ويرجع الخلاف أيضاً إلى اعتبار ما يسمى ديناً بدين وما لا يسمى بذلك.

стр. 749

أما تأخيره بالشرط زيادة على الثلاثة فمفسد للعقد. وأما بغير شرط ففي الفساد به قولان في العين خاصة. ولا يفسد بتأخير العرض، إذ لا يتصور فيه دين بدين، لكن يكره إذا كان مما يغاب عليه كالطعام والثوب. قال بعض المتأخرين: لأنه يقرب شبهه بالدنانير والدراهم فضاهى الدين بالدين. قال غيره منهم: إنما يتصور هذا إذا كان الطعام لم يكل: والثوب غائباً عن مجلس العقد، وأما لو كيل الطعام وحضر الثوب لم تكن كراهية إذ لم يبق حق توفية، كما أجازوا أخذ سلعة حاضرة من دين (يتركها) مشتريها اختياراً مع (التمكن) من قبضها. ويستوي في إفساد العقد بجملته تأخير بعض المال وكله. ومهما فسخ السلم استرد رأس المال. ولو كان رأس المال غير الدنانير والدراهم وقد عين، وهو جزاف غير مقدر جاز العقد، كما يجوز مع البيع، وكما يجوز في الجهل بقيمته. وقال الشيخ أبو الطاهر: ظاهر قول القاضي أبو محمد منع كون رأس المال جزافاً. قال: والمذهب كله على خلافه. فرع: إذا اتحد جنس المسلم والمسلم فيه، فتشترط السلامة من التفاضل والنساء: بأن يكون غير طعام ولا نقد، ومن سلف جر نفعاً، بألا يسلم الشيء في ما يزيد عليه، كانت الزيادة من جنسه أو من غير جنسه، إلا أن تختلف منافعها، كإسلام الحمار الفاره النجيب في الحمر الأعرابية، والفرس الجواد الذي له سبق يسلم في حواشي الخيل، وكذلك ما عرف فبان بالنجابة والحمولة من الإبل في حواشيها، والبقرة الفارهة القوية على العمل والحرث في حواشي البقر، وكذلك الشاة الغزيرة اللبن في حواشي الغنم، ومثل كبار الخيل والبغال والحمير والبقر في صغارها، وكجذع نخل كبير غلظه وطوله كذا في جذوع صغار لا تقاربه، وكعبد له نفاذ وتجارة في نوبيين أو غيرهما لا تجارة فيهما. وكذلك في جميع أجناس الأموال. الشرط الثاني: أن يكون المسلم فيه ديناً، (فاعلم) فلا ينعقد في عين محاذرة من الغرر ببيع المعين إلى أجل، أو على تخليصه من يد مالكه، ولأن لفظ السلم للدين. ولو أسلم

стр. 750

بلفظ الشراء انعقد سلماً وعجل رأس المال. ثم يترتب على اشتراط التعلق بالذمة فرعان: الأول: إنه لا يجوز أن يسلم في نسل حيوان بعينه وإن وصفه صفة تحصره، نفذ أو لم ينفذ. وقال أبو القاسم السيوري: إذا لم ينفذ وشرط أنه إن سلم ووافق تم البيع، وإلا لم يتم، جرى على قولين تخرجا من مسألة كراء الأرض الغرقة. وكذلك من اشترى ما يخرج من شيء واشترط التمام إن خرج على صفة ولم ينفذ فيه الخلاف أيضاً، وينخرط في هذا السلك السلف في حديد معدن بعينه أو صوف غنم وألبانها، وما أشبه ذلك. فأما لو كانت الإشارة إلى نعم كثيرة لا يتعذر الشراء منها لمن أراد، وإنما أشير إليها لمعنى انفردت به لجاز السلم في نسلها إذا وصف. وكذلك يجري الحكم في ما ذكرناه من الحديد والغلات وما جرى مجرى ذلك. الفرع الثاني: السلف في تمر موضع مشار إليه، وله ثلاث صور: الأولى: أن يكون حائطاً بعينه. فهذا حكمه حكم البيع. والنص على أنه يلزمه، إن كان البيع بعد أن أزهى وصار بسراً على أن يأخذ بسراً أو رطباً ويضرب أجلاً لا يتمر إليه ويسمى ما يأخذ كا يوم. ولا يشترط أن يأخذ كل يوم ما شاء. ولو (اشترط) أخذ الجميع في يوم سماه لجاز. وقال بعض المتأخرين: إن سموه بيعاً لم يلزم ذلك فيه، وإن سموه سلماً لزم. الصورة الثانية: عكس الأولى، وهي أن يسلم في تمر مصر عظيم. فهذا حكمه حكم السلم المحض، فيجوز، وإنما يشار إلى الموضع، لكونه كالصفة لما يسلم فيه، كما تقدم في الحيوان. الصورة الثالثة: أن تكون القرية الصغيرة، وهذه الصورة قد أعطوها حكم السلم في اشتراط النقد وفي جواز السلم لمن لا يملك فيها تمراً على خلاف بين المتأخرين في هذا الوجه خاصة، وأعطوها أيضاً حكم الحائط بعينه، في أنها لا يجوز السلم فيها إلا بعد الزهو، وفي أن العاقدين يؤمران أن يشترطا أخذ ما أسلما فيه قبل بلوغه إلى أن يصير تمراً، وفي اشتراط تسمية ما يأخذ كل يوم كما تقدم. الشرط الثالث: أن يكون المسلم فيه مؤجلاً، لئلا يكون من بيع ما ليس عند الإنسان (وروى ابن وهب وابن عبد الحكم جواز السلم إلى يومين أو ثلاثة. وزاد ابن عبد الحكم عنه

стр. 751

الإجارة إلى يوم، فقيل: (هذه رواية في جواز السلم الحال). وقيل: لا يختلف المذهب في اشتراط الأجل، وإنما هذا الخلاف في مقداره. والمشهور من المذهب أنه المسافة التي تختلف فيها الأسواق غالباً، كخمسة عشر يوماً ونحوها. ويقوم مقام ضرب الأجل أن يعين القبض ببلد غير بلد العقد مما تتغير الأسواق بينهما كثلاثة أيام، ونحوها. ثم يجوز تأقيت الأجل بالنيروز والمهرجان وفصح النصارى وفطير اليهود، إن كان ذلك يعلم دون مراجعتهم. وكذلك يجوز بالحصاد والدراس وقدوم الحاج وشبهه مما نضبطه العادة، فيرجع إلى ميقات معلوم عند الناس، أو في حكم المعلوم عبر عنه بما يكون غالباً، لا أن المراد به وجود ذلك الفعل في أي زمان كان، وهذا كخروج العطاء مثلاً، فإن المقصود بذكره الزمن المعتاد خروجه فيه، وليس المراد به هروج العطاء في أي زمان خرج. ثم حيث أقت بالحصاد أو الدراس وشبههما، فيكون الأجل وجود معظم ذلك، لا أوله ولا آخره. ولو قال: إلى ثلاثة أشهر احتسب بالأهلة، إلا أن يكون الشهر الأول انكسر في الابتداء، فيكمل ثلاثين من الشهر الرابع. ولو قال: إلى الجمعة أو إلى رمضان حل بأول جزء. ولو قال: في الجمعة أو في رمضان، فهو من أوله إلى آخره، ويكره بدءاً.

стр. 752

فإن وقع فقال القاضي أبو الوليد: ((إن كان هذا المقدار إذا نسب إلى جملة الأجل زاد الثمن أو نقص فسخ السلم، وإن كان الأجل من البعد على حد تكون نسبة الشهر إليه في حد اليسير، ولا يؤثر في الثمن، فلا ينقص السلم)). ولو قال: إلى أول الشهر أو آخره جاز. ولو قال: إلى آخر يوم في أوله أو أول يوم في آخره لجاز، إذ الأول الخامس عشر، والثاني السادس عشر. الشرط الرابع: أن يكون المسلم فيه مقدوراً على تسليمه عند المحل؛ لئلا يكون (ذلك) تارة بيعاً وتارة سلفاً، فلا يصح السلم في المنقطع لدى المحل، ولا يضر الانقطاع قبله ولا بعده. ولو أسلم في وقت الباكورة في قدر كثير يعوز تحصيله لم يصح. فرع: إذا آخر المسلم إليه المسلم فيه حتى انقطع وخرج إبانة وأعوز وجوده، فالمسلم بالخيار في الفسخ أو الإبقاء إلى عام ثان. وإن قبض البعض ثم انقطع، فقال مالك: ((يتبعه إلى عام قابل)). ثم قال: ((لا بأس بأخذ بقية رأس ماله)). واختلف أصحابه وأصحابهم، فقال سحنون: يجب التأخير. وقال أشهب: تجب المحاسبة. وقال ابن القاسم: يجب التأخير إلا أن يتراضيا بالمحاسبة. وقال أصبغ: تجب المحاسبة إلا أن يتراضيا بالتأخير. وقال غيرهم: الخيار للذي له السلم في المحاسبة والتأخير. وحكى المتأخرون عن ابن القاسم أنه متى قبض الأكثر جاز تأخير الباقي إلى قابل، وإن قبض اليسير وجبت المحاسبة. قال بعض المتأخرين: وهذه الأقوال تجري على أصلين، أحدهما: من خير بين شيئين فاختار أحدهما: هل يعد كالمنتقل من أحدهما إلى الآخر أو يعد كالآخذ ما وجب له. والأصل الثاني: هل المقصود المشتري والأجل في حكم التبع أو المقصود المشتري في أجل محصور (و) لأنه إنما تحصل المنفعة الكبرى بتعجيله؟ فرأى سحنون وابن القاسم أن المقصود الأول هو المشتري، إلا أن سحنون عد المخير منتقلاً، فيصير كمن باع طعاماً قبل قبضه. ولم يعده ابن القاسم منتقلاً. وعلى هذه الطريقة يخرج قول مالك. وروى أصبغ وأشهب أن المقصود الثمرة في زمن محصور إلا أن أشهب عد المخير

стр. 753

منتقلاً، فيصير كمن وجب له دين معجل ففسخه في ثمرة إلى عام ثان. ولم يعده أصبغ منتقلاً. وكذلك القائل الخامس لم يعده منتقلاً، ورأى أن الآجل مملوك للمشتري، فيصرف الأمر فيخ إلى اختياره. وأما الرواية بالتفرقة بين قبض القليل والكثير فبناء على إعطاء الأتباع حكم متبوعاتها. الشرط الخامس: أن يكون معلوم المقدار بما جرت العادة بتقديره به من الوزن أو الكيل أو العدد أو الزرع أو غير ذلك من المقادير المعتادة فيه، فليسلم في كيل معلوم أو وزن معلوم أو عدد معلوم أو ذرع معلوم إلى أجل معلوم. ويكفي العدد في المعدودات ولا يفتقر إلى الوزن إلا أن تتفاوت آحاده تفاوتاً يقضي باختلاف أثمانها، فلا يكفي فيها حينئذ مجرد العدد والمعدود كالبيض والباذنجان والرمان، (وكذلك) الجوز واللوز إن جرت عادة بيعه بالعدد، وكذا التين، وكذا البطيخ إذا كان متقارباً غير بين التفاوت، وكذلك جميع ما يشبه ما ذكرنا. ولو عين في المكيل مكيالاً لا يعتاد كالكوز فسد العقد، إلا أن تعرف نسبته من المعتاد. وإن كان معتاداً صح العقد وبطل الشرط لأنه لغو. الشرط السادس: معرفة الأوصاف لرفع الخطر بجهل الصفة، فلا يصح السلم إلا في ما ينضبط فيه كل وصف تختلف به القيمة اختلافاً ظاهراً لا يتغابن الناس [بمثله] في السلم. ويصح في المصنوعات والمختلطات إذا أمكن ضبطها بالصفة. ويجوز في الحيوان للأخبار والآثار، فيتعرض للنوع واللون والذكورة والأنوثة والسن، وبالجملة فيتعرض لكل ما تختلف

стр. 754

الأغراض وتتفاوت الأثمان بسببه إذا لم يؤد إلى عزة الوجود. فيذكر في الرقيق الجنس، فيقول: رومي أو حبشي أو تركي أو غير ذلك. واللون فيقول: أحمر أو أسود أو ذهبي أو غير ذلك. والذكورة أو الأنوثة، ويذكر فيها البكارة أو الثيوبة إن كان الثمن يختلف بذلك عندهم اختلافاً مقصوداً. ويذكر السن فيقول: يفاع أو محتلم أو غير ذلك مما ينبي عن سنه، أو يذكر عدد السنين، ويذكر القد، فيقول: قصير أو طويل أو ربعة، ويذكر الجودة أو الدناءة. ثم يترك كل شيء على الغالب، فإن لم يكن فالوسط. ويقول في البعير: ثني أحمر من نعم بني فلان، ويتعرض في الخيل للون والسن والنوع أيضاً. ويتعرض في الطير للنوع والكبر والصغر من حيث الجثة. ويقول في اللحم: لحم بقر أو غنم ضأن أو معز ذكر أو أنثى، خصي أو غير خصي، رضيع أو فطيم، معلوفة أو راعية. ولا بد من بيان السن، فيقول: ثني، أو رباع، أو جذع إلى غير ذلك من أوصاف السن التي يختلف الثمن باختلافها. ولا يشترط تعيين الفخذ أو الجنب أو غيرهما. (قال ابن حبيب: فإن اشترطه فحسن). وقال ابن القاسم: إنما يشترطه أهل العراق، وهو باطل، قيل له: أفيعطيه من البطن؟ فقال: أفيكون لحم بلا بطن؟ فقيل: وما مقدار ما يعطيه من البطن؟ قال: قد جعل الله لكل شيء قدراً. قال الإمام أبو عبد الله: وإذا كان الثمن يختلف باختلاف هذه الأعضاء فالأولى اشتراطه. قال: ولعل الذي وقع في المذهب مبني على أن ذلك لا يختلف عندهم، أو يختلف ولكنه يعطيه من كل عضو بمقداره، حتى يجمع له ما بين الجيد والدنيء بالنسبة المعلومة فيها. وحمل قول ابن القاسم أنه يعطيه من البطن إذا أسلم في اللحم على عادة عندهم. قال: والعوائد عندنا بخلاف هذا. ويذكر المسلم في اللحم السمن أيضاً. ويصح السلم في المطبوخ والمشوي إذا كان يعرف تأثير النار فيه بالعادة، وكانت الصفة تحصره، ويصح السلم في رؤوس الحيوانات وفي الأكارع. ويجوز السلم في اللبن والسمن والزبد والمخيض، وفي الوبر والصوف والقطن والإريسم والغزل المصبوغ وغير

стр. 755

المصبوغ، وكذا في الثياب بعد ذكر الرقة والغلظ والنوع والطول والعرض. وكذا في الحطب والخشب والحديد والرصاص وسائر أصناف الأموال إذا اجتمعت الشرائط التي ذكرناها. ولو اشترط الجودة جاز، ونزل على الغالب، فإن لم يكن فالوسط منها، وكذلك الدناءة. قال الإمام أبو عبد الله: والظاهر من مقتضى أصولنا جواز السلم وإن اشترط أجود الطعام أو أدناه. تكملة: قال الإمام أبو عبد الله: الصفات التي تجب الإحاطة بها هي التي يختلف الثمن باختلاف أحوالها، فيزيد عند وجود بعضها وينقص عند انتقاص بعضها، ولا طريق إلى العلم بهذه الصفات التي يختلف الثمن باختلافها وإلا بالرجوع إلى العوائد واعتبار المقاصد. قال: وقد تختلف العوائد باختلاف البلاد وأغراض سكانها، فيجب على الفقيه أن يجعل العمدة في هذا الإسناد إلى عوائد سكان البلد الذي يفتي أهله، فينظر ما يقصدون إليه من الصفات، ويزيدون في الثمن لأجله فيضبطه، ويشترط في صحة السلم ذكره. الباب الثاني: في أداء المسلم فيه ، والنظر في صفته وزمانه ومكانه أما صفته: فإن أتى بغير جنسه فذلك اعتياض، وهو غير حائز في المسلم فيه إلا بثلاث شرائط: - أن يكون المسلم فيه مما يجوز بيعه قبل قبضه. - وأن يكون المقتضي مما يجوز أن يسلم فيه رأس المال. - وأن يكون مما يجوز بيعه بالمسلم فيه يداً بيد. وإن أتى بجنس وهو أجود وجب قبوله، وإن كان أردأ جاز قبوله ولم يجب. وإن زاده بعد الأجل دراهم على أن أعطاه أزيد في الثوب طولاً أو عرضاً، جاز إذا عجل الدراهم. قال في الكتاب: ((لأنهما صفقتان، كما لو دفعت إليه غزلاً ينسجه ثوباً، ثم زدته في الأجر على أن يزيدك في طول أو عرض)). وأنكره سحنون ورآه ديناً بدين، وأجازه في الإجارة لأنه شيء بعينه، والسلم مضمون.

стр. 756

وإن أتى بنوع آخر، فإن أسلم في الزبيب الأبيض فجاء (بالزبيب) الأسود جاز القبول. وأما الزمن: فلا يطلب به قبل محله، ولو جاء به قبله بالزمن الكثير لم يلزم قبوله. وألزمه المتأخرون قبوله في اليوم واليومين إذ لا تختلف فيه الأغراض ولا تتغير فيه الأسواق. وأما مكانه: فحيث يشترطان، ولا يقتصر على ذكر عمل كمصر مثلاً حتى يسمي أي موضع منها، فلو عين الفسطاط جاز. فإن تشاحا في أي موضع منه لزم في سوق السلعة المبيعة. فإن لم يكن لها سوق معروف لزمه القبض حيثما أعطاه. فإن لم يعينا في العقد مكاناً، فمكان العقد. فإن ظفر به في غيره وكان في النقل مؤونة حمل لم يطلب به، وإن لم تكن مؤونة حمل ففي ثبوت المطالبة خلاف. ولا يجوز أن يقضيه بغير المكان المعين، ويأخذ كراء مسافة ما بين المكانين، لأنهما بمنزلة الأجلين. القسم الثاني من الكتاب: النظر في القرض والنظر في حقيقته، ومحله وهو المقرض، وشرطه وحكمه. أما حقيقته: فهو دفع المال على جهة القربة لينتفع به آخذه، ثم يتخير في رد مثله أو عينه ما كان على صفته، ويجوز شرط الأجل فيه، ويلزم. وأما المقرض: فكل ما يجوز أن يثبت في الذمة سلفاً جاز قرضه، ما لم يؤد إلى عارية الفروج. وفيه احتراز عن قرض الجواري. وخصص محمد بن عبد الحكم المنع بقرضهن لغير ذي محرم منهن. قال الشيخ أبو الطاهر: ((ومر أكثر الأشياخ على أنه غير خلاف)). قال: ((وهكذا أجروا الحكم في استقراض النساء لهذا الصنف)). أو الصغير يقترض له وليه، أو الصغيرة التي لا تشتهي تقرض. فرع: فإن اقترضها حيث منعنا من قرضها فإن لم يطأها ردت، وإن وطئها فات الرد، ويكون على المقترض قيمتها على المنصوص. وقد اختلف المتأخرون فيما يقضى به في فاسد القرض، فأكثرهم على رده إلى البيوع الفاسدة، فيجب المثل في ما له مثل والقيمة في غيره. ورأى أبو القاسم بن محرز ألا يؤخذ المقترض إلا بما دخل عليه، فيغرم المثل، ثم يباع للمقرض ويعطى له إن كان مساوياً للقيمة أو

стр. 757

ناقصاً عنها، وليس له سواه. وإن زاد عليها وقف الزائد، فإن طال وقفه تصدق به عن من هو له. قال بعضهم: وقول أبي القاسم هذا يجري في مسألة الجارية. وأما شرطه: فهو ألا يجر المقرض منفعة، فإن شرط زيادة قدر أو صفة فسد، ولم يفد جواز التصرف، ووجب الرد إن كان المقرض قائماً، وإن فات وجب ضمانه بالقيمة أو بالمثل على المنصوص، وبالمثل فقط على قول أبي القاسم بن محرز. وسبب الخلاف: أن المستثنيات عن الأصول إذا فسدت هل ترد إلى صحيحها أو إلى صحيح أصولها التي استثنيت عنها؟. فروع: الأول: أنه متى تمحضت المنفعة للمقترض جاز، وإن تمحضت للمقرض منع لأنه سلف جر نفعاً. فإن دارت المنفعة من الطرفين منع أيضاً ما لم تكن ضرورة. فإن كانت كالسفاتج التي تدفع في بلد وتقتضى في غيره فينتفع المقرض بالسلامة من غرر الطريق ففيها روايتان: المشهور منهما المنع. (وروى) القاضي أبو الفرج الجواز. ومن هذا النمط سلف الطعام السايس والمعفون والمبلول والرطب والقديم، ليأخذ سالماً جديداً يابساً، فإن لم تكن مسغبة منع، بلا خلاف، وإن كانت وتمحضت المنفعة للقابض فقد أجازه في الواضحة. وإن كانت للدفاع بعض منفعة فهي كمسألة السفاتج. ومن ذلك الحج يتسلف الدقيق والكعك يحتاج إليه، ويقول للدافع: أو فيكه في موضع كذا، لبلد آخر منعه في المشهور. قال: ((لكن يتسلف ولا يشترط)). وحكى حمديس

стр. 758

عن سحنون جوازه. (ومن ذلك من أتى غلى رجل له زرع قد يبس، فقال: أسلفني فداناً أو اثنين أحصدهما وأذربهما وأكيلهما. وقد (روي) في هذه أنه لا بأس به إذا كان على وجه المرفق فيحصد اليسير من الكثير وما لا يخفف به عن صاحبه مؤونة. الفرع الثاني: إذا أهدى إليه مديانه لم يحل له أخذ الهدية، إذ قبولها ذريعة إلى التأخير بزيادة. فالمنع فيها محكي عن عمر ﵁ وغيره. قال بعض المتأخرين: ((وهذا إذا لم تجر بين المتعاملين هدية، فإن كانت العادة جريان الهدية بينهما من غير معاملة أو كان بينهما من الاتصال ما يعلم أن الهدية له جازت. ثم إذا وقعت الهدية على الوجه الممنوع ردت مع القيام، فإن فاتت ضمنت بما يضمن به المبيع بيعاً فاسداً)). وهل يلحق بالهدية مبايعته؟ حكى أبو الحسن اللخمي قولين: الجواز والكراهة، وأشار إلى تنزيل الخلاف على حالين: فإن استوفى الثمن أو كانت الزيادة يسيرة مما يتغابن الناس بمثلها جاز، وإن كثر الغبن لم يجز. وألحق المتأخرون بذلك أن يهيد رب المال لمن عامله مقارضة، لئلا يقصد بذلك أن يديم العامل العمل، فيصير سلفاً جر منفعة. وأما هدية العامل لرب المال، فإن لم يشغل المال فهي ممنوعة باتفاق أهل المذهب، وإن شغله فقولان للمتأخرين فالمنع والجواز، وهما على النظر إلى الحال أو المآل.

стр. 759

وأما حكم القرض فهو التمليك وإن لم يتصرف. فلو أراد الرجوع في عينه لم يكن له ذلك إلا بعد انتهاء المدة المحددة للانتفاع بالشرط أو بالعادة. وكذلك لو طلب العوض عنه. فإن قيل: المقرض ماذا يؤدي؟ قلنا: المثل في المثليات، وفي ذوات القيم أيضاً للحديث: ((استقرض رسول الله ﷺ بكراً ورد (بازلاً)). خاتمة: بذكر المقاصة في الديون. والمعتبر في أنواع المقاصة جنس الدينين في تساويهما واختلافهما وسببهما: في كونهما من سلم أو قرض، أو أحدهما من قرض والآخر من سلم، وأجلهما في الاتفاق والاختلاف والحلول في أحدهما أو كليهما أو عدمه. ومما تنبني عليه أحكام المقاصة أيضاً أن المؤجل (من الديون) إذا وقعت المعاوضة عنه هل يعد كالحال أو يجعل من هو في ذمته كالمسلف عنها ليأخذ منها إذا حل الأجل؟ ومنها أن الصور إذا تصور فيها مبيح وقصد إلى التعامل عليه، وتصور مانع هل يعطى الحكم للمبيع أو للمانع؟ وعليه اختلاف ابن القاسم وأشهب إذا كان الطعامات من سلم واتفقت الآجال ورؤوس الأموال: هل تجوز المقاصة وتعد إقالة؟ وهو مذهب أشهب، أو تمنع وتعد بيع الطعام قبل قبضه؟. وهو مذهب ابن القاسم. وعلى ما قدمناه تجري أحكام المقاصة بالديون. وقد جمعت المقاصة المتاركة والمعاوضة والحوالة وما يقع فيها من الخلاف، فالجواز تغليب للمتاركة، والمنع تغليب للمعاوضة أو الحوالة، ومتى قويت التهمة وقع المنع، ومتى فقدت فالجواز، وإن وجدت ضعيفة، فالقولان على ما تقدم من مراعاة التهم البعيدة. ولنبين ما أجملناه من أحكامها بتفضيل ذكره بعض المتأخرين واستوفى الكلام عليه، فلنورد ما ذكره، ونبدأ بحكم الدينين إذا كانا غينا من بيع فنقول: إن تساويا صفة ومقداراً وحل الأجلان أو كانا حالين فلا خلاف في الجواز، إذ لا يتصور ها هنا منع لوجه. وإن اختلف الصفة والوزن، أو اختلفت الوزن، وإن اتفقت الصفة فلا يختلف في المنع، إذ هو بدل العين بأكثر منه.

стр. 760

وإن اختلفت الصفة والنوع واحد أو مختلف، فإن حل الأجلان أو كانا حالين جاز أيضاً، إلا على القول بمنع صرف ما في الذمة، فينبغي أن يمنع هذا. وإن لم يحل الأجلان منع على المشهور من المذهب، إذ يقدر المعطي الان كالمسلف من ذمته ليأخذ منها، فيصير صرفاً أو بدلاً مستأخراً، ويجوز على رأي القاضي أبي إسحاق المقدر لذلك بالحلول. وإن اتفق العينان صفة ومقداراً ولم يحل أحدهما أو حل أحدهما والأجلان مختلفان أو متفقان، فابن القاسم يحيز وساعده ابن نافع إذا حلا أو حل أحدهما، ومنع إذا لم يحل واحد منهما، واتفق الأجل أو اختلف. وروى أشهب عن مالك أنه منع إذا اختلف الأجل، ووقف إذا اتفق. وقول ابن نافع أجرى على المشهور، إذ عد المؤجل على حالته، لكن إذا حل أحدهما عد حوالة، إذ تجوز بما حل في ما لم يحل. وكان ابن القاسم لاحظ تساوي الديون وعدم الضمان في العين، وكل واحد منهما له التعجيل، والتفت إلى بعد التهمة فأجاز. وقال أبو الحسن اللخمي: ((إذا كان أحد الدينين أجود وحل الأجلان أو حل الأجود منهما أو لم يحلا وكان الأجود أولهما حلولاً جازت المقاصة، وإن حل الأدنى أو كان هو أولهما حلولاً لم يجز ودخله ضع وتعجل)). قال: ((وكذلك إن كان أحدهما أكثر عدداً، فتتاركا على ألا يطلب صاحب الفضل تجوز المقاصة حسبما تقدم في الأجود)). قال: ((وهذا الذي ذكره في الجودة إن بناه على رأي القاضي أبو إسحاق فهو صحيح. وأما المشهور من المذهب فالجاري عليه ما قدمناه. وأما ما ذكره من اختلاف العدد فلا ينبغي أن يختلف في منعه لما ذكرناه من أنه مبادلة بتفاضل مع ما يدخل ذلك على المشهور من التراخي إذا لم يحل الأجلان أو لم يحل أحدهما. وإن كانا من قرض فإن اتفقا صفة ومقداراً وحل الأجلان أو أحدهما فلا شك في الجواز، وإن لم يحلا فالمنصوص الجواز أيضاً، وقد يجري على رأي ابن نافع. وما روى أشهب عن مالك، المنع. وإن اختلفت صفتهما والوزن واحد واختلف نوعهما فعلى ما قدمناه. إن حل أجلهما أو كانا حالين جاز. وإن لم يحلا لم يجز. قاله أبو القاسم بن محرز وغيره، وهو جار على

стр. 761

المشهور من المذهب وعلى رأي القاضي أبي إسحاق. وكذلك هذا إذا كان أحدهما من قرض والآخر من بيع. وإن اختلف الوزن، فإن كان يسيراً جازت المقاصة، لأنه زيادة من أحدهما، وزيادة اليسير في قضاء القرض جائزة. وإن كثرت جرى الخلاف في الزيادة في الوزن أو العدد إذا كثرت هل تجوز في القرض أم لا؟. وقال أبو الحسن اللخمي: ((إذا كانا من قرض جازت المقاصة إذا كان أكثرهما أولهما قرضاً، وإن كان الأكثر آخرهما منع عند ابن القاسم، فاتهم على سلف بزيادة. وأجازه ابن حبيب وغيره، وهذا يجري على قانون المذهب)). قال: ((وإن حل أحدهما وهو الأقل، أو لم يحل واحد منهما لكن كان أقلهما أولهما حلولاً لم تجز المقاصة وإن حل الأكثر أو كان هو أولهما حلولاً أولهما قرضاً جاز، وإلا لم يجز)) [قال]. ((فإن استوى الأجل جاز ما لم يكن الأكثر آخرهما قرضاً)). وهذا الذي قاله هو بناء على ما سلكه إذا كانا من بيع، وقد قدمنا ما فيه. قال أبو الحسن اللخمي: (وإن) كان أحد الدينين دنانير والآخر دراهم جازت المقاصة إن حل الأجلان، وأجراه إذا لم يحلا أو لم يحل أحدهما على الخلاف في حكم المؤجل)). وأما إن كان الدينان طعاماً من بيع، فإن اختلف الطعامان أو رؤوس الأموال لم يجز. وإن اتحد جنسهما واتفقت رؤوس أموالهما، فإن كانت الآجال مختلفة لم يجز أيضاً، وإن اتفق الأجلان فقولان: منع ابن القاسم وأجاز أشهب. وهو على ما قدمناه من النظر إلى المعنى الإقالة فيجوز، أو إلى صورة المبايعة ويتهمان على أن يكونا تعاملا على بيع الطعام بالطعام نسيئة، وعلى بيع الطعام قبل استيفائه فيمنع وإن حلت الآجال لاختلاف الأحوال في الذمم. والذي قلناه من المنع إذا اختلف الأجلان فهو جار على منصوص المذهب. وأما على ما قاله القاضي أبو إسحاق في إسقاط التأجيل فتجوز. وإن كان الطعامان جميعاً من قرض جازت المقاصة إذا اتفقا، حلت الآجال أو لم تحل. وإن كان أحدهما من قرض والآخر من بيع، فإن حل الأجلان جازت وإن لم يحلا أو حل أحدهما فثلاثة أقوال:

стр. 762

* المنع وهو مذهب ابن القاسم. * والجواز وهو مذهب أشهب. * والتفرقة بين أن يحل المسلم فيجوز، أو يحل القرض ولا يحل المسلم فيمنع. والجواز نظراً إلى حقيقة الإقالة، والمنع نظراً إلى صورة المبايعة. واختلاف الأجلين في الحلول أو عدم حلولهما يقتضي اختلاف الأثمان، والذمم أيضاً تختلف. والتفرقة لأن الأجل في السلم مستحق من الجهتين: جهة البائع وجهة المشتري، فهو مقصود وله قسط من الثمن، والأجل في القرض منفعة من جهة المعطي لا من جهة الآخذ فكان غير مقصود ولا له قسط من الثمن. وأما إن كان الدينان عرضين، فإن استويا في الجنس والصفة فالمقاصة بينهما جائزة على الإطلاق، من غير التفات إلى تماثل الآجال أو اختلافهما، ولا إلى تساوي الأسباب أو تباينها، وهذا لأنه لا غرض ها هنا يقتضي التهمة على القصد إلى الوقوع في بعض المحرمات التي تقدم ذكرها، لكون المتاركة ها هنا والمباراة لا يظهر فيها قصد إلى المكايسة والمغابنة في التعارض. وأما إن اختلفا في الصفة مع اتفاقهما في الجنسية، فإن اتفق أجلهما جازت المقاصة، لأن اتفاق الأجل تضعف معه التهمة بالقصد إلى التكايس. وأما إن اختلفت الآجال ولم يحلا فالالتفات ها هنا إلى تنوع الأسباب، فإن كان الدينان من مبايعة منعت المقاصة إذا كان أحد الدينين أجود من الآخر لأنا نمنع في العرض إذا كان ديناً مؤجلاً أن يعجل ما هو أدنى منه لأن ذلك: ضع وتعجل، أو يعجل ما هو أجود منه لأن ذلك معاوضة على طرح الضمان. وكذلك إذا كانا من قرضين، فإن أحدهما إذا كان أجود من الآخر صار من قبل الأدنى من حقه رضي بتعجيل بعض حقه وإسقاط باقيه. وإن كان مختلفي الأسباب أحدهما من بيع والآخر من قرض، فإن كان ما حل منهما أو ما هو أقرب حلولاً هو القرض لم تجز المقاصة على حال، لأن الذي حل أو كان هو الأقرب حلولاً إن كان خيراً من المبيع فقد حط الضمان الذي يجب عليه في السلم بما بذله من زيادة القرض الذي له، وإن كان القرض الذي حل هو الأدنى فقد وضع من السلم الذي له على أن عجل له. والضابط لهذا الباب أن ما حل أو كان أقرب حلولاً كالمقبوض المدفوع عن الدين الآخر الذي يتأخر حلوله، فيعتبر هل يوقع في أحد هذين الوجهين الممنوعين، فيمنع منه أو لا يوقع في أحدهما؟.

стр. 763

وقد علمت أن ما كان من (العروض) سلماً في الذمة (يمنع) تعجيل ما هو أجود في الصفة أو أدنى، وما كان قرضاً يمنع من تعجيل ما هو أدنى منه في الصفة لما يتصور فيه من ضع بشرط التعجيل إذ لا يلزم من عليه القرض أن يعجله قبل أجله إلا برضاه ولا يمنع تعجيل ما هو أجود منه في الصفة لكون من عليه القرض له أن يعجل، وإن كره ذلك من هو له. ويعتبر أيضاً في القرض وجه آخر، وهو كونه قد زيد في عدده عن أصل القرض، وقد قدمنا أن قضاء القرض لا تمنع فيه الزيادة في وجوه الصفات، وتمنع فيه الزيادة في العدد في المشهور من المذهب. وإذا استعملت هذه الوجود التي عددناها في المقاصة بالدينين اللذين حلا أو لم يحلا أو أحدهما أقرب حلولاً أو حل أحدهما دون الآخر وهما قرضان أو بيعان أو أحدهما قرض والآخر بيع لم تخل مسألة من هذه الأقسام، باعتبار ما نبهنا عليه مما يمنع أو يجوز.

стр. 764

كتاب الرهن ومعناه: احتباس العين وثيقة بالحق، ليستوفي الحق من ثمنها أو من ثمن منافعها عند تعذر أخذه من الغريم. وفيه أربعة أبواب: الباب الأول: في أركانه . وهي أربعة: المرهون، والمرهون به، والراهن، وصيغة الرهن. الركن الأول: المرهون. وشرطه أن يكون مما يمكن أن يستوفي منه أو من ثمنه أو من ثمن منافعه الدين الذي رهن به أو بعضه. ولا يشترط أن يكون عيناً، فيصح رهن الدين [ممن] هو عليه، ومن غيره. ولا يشترط فيه الإبراز، بل يصح رهن المشاع ثم قبضه بحوز الجميع إن كان الباقي للراهن، فإن كان لغيره فبحلوله محل الراهن ويجوز جعله على يد الشريك. ولا يشترط أن يكون مما يصح بيعه في الحال فيصح رهن الثمار قبل بدو صلاحها، (وإن) احتيج إلى بيعا بيعت بعد بدو الصلاح، فإن مات الراهن قبل بدو الصلاح فقد حل الدين، فإن ترك ما يوفى منه الدين وفي منه وسلم الرهن للورثة، وإن لم يترك مالاً سوى الرهن

стр. 765

انتظر به بدو الصلاح، (فبيع) في الدين. وكذلك إن ترك ما لا يفي بالدين فإنه يقبضه في دينه، وينتظر بالرهن بدو الصلاح، فيباع لاستيفاء بقية الدين من ثمنه، وما فضل أخذه الورثة، فإن كان على الراهن ديون ومعه من المال ما لا يفي بها فقام الغرماء في الموت أو الفلس فإن المرتهن يحاصصهم بجملة دينه، (فما) (نابه) في الحصاص أخذه، وبقي الرهن بيده إلى أن [يبدو] صلاحه فيباع، فإن وفى ثمنه الدين رد ما أخذه في الحصاص، وإن فضل ثمنه عن الدين رد الفضلة مع ما أخذ في (الحصاص)، (وإن) نقص ثمنه عن الدين فمقدار النقص هو الذي كان يستحق الحصاص به، فما كان ينوبه لو حاصص به خاصة أخذه من جملة ما حصل له في الحصاص بجملة الدين، ثم رد باقيه (فتحاص) فيه هو وسائر الغرماء بما بقي له ولهم. ويجوز رهن غلة (الدار) والغلام، ويجوز رهن الأم دون ولدها، ويباع ولدها الصغير معها، ويكون المرتهن أولى بما يخصها من الثمن، وهو في الفاضل أسوة. وكذلك رهنه دونها، إلا أنها تكون مع الصغير عند المرتهن ليتم رهنه. وقيل: لا يرهن حتى يبلغ حد التفرقة، إلا أن ترهن معه أمه. ورهن ما لا يعرف بعينه من الدنانير والدراهم والفلوس وكل ما يكال أو يوزن جائز إن طبع عليه، وإلا فلا. ويجوز رهن الحلي وإن لم يطبع عليه. وقال أشهب: لا أحب ارتهان الدنانير والدراهم والفلوس إلا مطبوعة للتهمة في سلفها، فإن لم تطبع لم يفسد الرهن ولا البيع، ويستقبل طبعها إن عثر على ذلك. وأما على يد أمين فلا تطبع. ولم ير ذلك في الطعام (ولا الأدام)، (وما لا يعرف) بعينه. وفرق بأن النفع في

стр. 766

العين أخفى وأمكن. قال: وإنما هو موضع تهمة، فما قوي منها أبين فيما تبقى. ويجوز رهن المدبر، ويستوفى الدين من خراجه، وإن تأخر الوفاء إلى موت السيد بيع في الدين كله أو بعضه. ((ويجوز رهن العبد الآبق والبعير الشارد إن قبض قبل موت صاحبه، وقبل فلسه)). ومنع في الكتاب رهن الجنين. وأجازه ابن ميسر. قال أبو الحسن اللخمي: ((وهذا إذا كان في أصل عقد البيع)). ومنع في الكتاب من رهن جلود الميتة، وإن دبغت. قال: ((إذ) لا يحل بيعها أبداً)). وأجاز فيه رهن جلود السباع المذكاة، وبيعها وإن لم تدبغ. وعلى الرواية التي قال بها ابن وهب: إن جلود الميتة تظهر بالدباغ ويجوز بيعها إذا دبغت [و] يجوز رهنها. ((ولا يرتهن من الذمي خمر ولا خنزير)). ولا يشترط أن يكون المرهون ملكاً للراهن، بل يجوز أن يستعير ليرهن، ثم إن استوفى الدين من ثمن المرهون المعار فقال ابن القاسم: يرجع المعير على على المستعير بقيمة المرهون. وقال أشهب: إنما يرجع عليه بما أدى عنه من ثمنه. ولو فضلت عن الدين فضله بعد قضاء السلطان بالبيع والوفاء فأوقفها فضاعت، فذلك من ربها وليس على المستعير إلا ما قضي عنه. قال يحيى: كلام أشهب أحب إلي. قال ابن القاسم: ولو هلك في يد المرتهن لأتبع المعير المستعير بقيمته إن كان مما يغاب عليه وقاص المستعير المرتهن. فإن كان مما لا يغاب عليه فلا ضمان على المرتهن ولا على المستعير. ولو

стр. 767

أعرته عبداً ليرهنه في دراهم فرهنه في طعام، فهو ضامن له لتعديه. وقال أشهب: لا ضمان عليه في العبد، ويكون رهناً في عدد الدراهم التي رضي بها ربه. فرع: لو اشترط منفعة الرهن آجلاً مسمى جاز في (البيع) دون القرض. ونص في الكتاب على [كراهية] ذلك في الثياب والحيوان، إذ لا يدري كيف (يرجع) إليه. قال ابن القاسم: ((وأنا لا أرى به بأساً (كالإجارة، وهذه إجارة وبيع). قال في الكتاب: ((ولا بأس برهن المصحف، ولا يقرأ فيه، وإن أباحه له بعد السلف أو في أصله فذلك سواء، وكذلك لو رهنه إياه من بيع)). قال أشهب: أما في أصل البيع فجائز بأجل، وأما بعد العقد فلا يجوز. الركن الثاني: المرهون به. وله شرطان. الأول: أن يكون ديناً في الذمة يمكن استيفاؤه من الرهن، فلا رهن بعين مشار إليها ولا (بمنافع) معينة إذ لا يمكن استيفاؤها منه، وإنما الرهن فيما يتعلق بالذمة من ذلك، وحيث وقع في ألفاظ المذهب إضافته إلى عين مشار إليها فالمراد به أنه رهن بقيمة العين، كما ذكر في العارية. وفصل فيها بين ما يغاب عليه (وما) لا يغاب عليه لضمان القيمة فيما يغاب عليه دون ما لا يغاب عليه. الشرط الثاني: أن يكون لازماً أو صار إلى اللزوم بعد أن لم يكن لازماً، كالجعل بعد العمل. فأما ما كان في أصله غير لازم ولا مصير له إلى اللزوم كنجوم الكتابة فلا رهن به. وليس من شرط (الدين) أن يكون ثابتاً قبل الرهن به ولا (مقارناً) بل لو قال: قد رهنت عندك عبدي هذا على أن تقرضني غداً ألف درهم أو على أن تبيعني هذا الثوب، ثم

стр. 768

استقرض أو ابتاع فإن الرهن يلزم، ويجب تسليمه إليه، وإن كان قد أقبضه إياه في الحين صار بذلك القبض رهناً. ولا يشترط في (الدين) (ألا) يكون به رهن، بل تجوز الزيادة في قدر المرهون بدين واحد، وتجوز الزيادة في الدين على مرهون واحد، ويجوز من غير من هو مرتهنه. قال ابن القاسم: ((وإذا (رهنك) غضلة رهن له عند غيرك فإن رضي المرتهن الأول جاز وتم الحوز الثاني وبدئ الأول عليه، وإن لم يرض الأول لم يجز)). وقال أصبغ: لا يحتاج إلى رضاه، ولكن إذا علم جاز وإن كره، لأن بعلمه يتم الحوز للثاني، ولا حجة له، إذ لا مضرة عليه لأنه مبدأ قبل غيره. الركن الثالث: الصيغة وشرطها وموجبها. ولا يتعين لفظ الإيجاب والقبول فيها، بل يقوم مقامه كل ما شاركه في الدلالة على المفهوم منه. في الركن مسائل: الأولى: كل شرط يوافق مقتضى العقد كقوله: بشرط أن يباع في الدين أو يقبض فلا يقدح في العقد. وكذلك كل شرط لا يتعلق به غرض أصلاً. فأما كل شرط يناقض مقتضاه ويغير موجبه كقوله: بشرط ألا يقبض أو لا يباع في الحق، فهو مفسد. ولو شرط ما لا يقتضيه مطلق العقد ولا يناقضه لكن يتعلق به غرض كقوله: بشرط أن ينتفع به المرتهن لم يصح في القرض ويصح في غيره إذا عين المنفعة وحدد زمنها كما في الإجارة على التفصيل والخلاف المتقدم. المسألة الثانية: إذا قال: رهنتك الأشجار بشرط أن تحدث الثمار مرهونة، صح الشرط ولزم. الثالثة: لو شرط عليه رهناً في بيع فاسد فظن لزوم الوفاء به فرهن، فله الرجوع عنه،

стр. 769

كما لو ظن أن عليه ديناً فأداه، ثم تبين ألا دين، فإنه يسترد. ولو قال له: أقرضتك (هذا) الألف بشرط أن ترهن به وبالألف القديم الذي لي عليك شيئاً فالقرض فاسد، فإن جهل ذلك حتى قام الغرماء فلا يكون رهناً إلا بالسلف [الثاني]، ولا يكون الرهن في شيء من السلف الأول، لأنه سلف جر منفعة، قاله ابن القاسم. الرابعة: إذا رهنه أرضاً فيها نخل، ولم يسم النخل في الرهن، فقال ابن القاسم في الكتاب: ((قال مالك في رجل أوصى لرجل بأصل نخل، فقالت الورثة: إنه أوصى لك بالنخل فالأرض لنا فقال مالك: الأصل من الأرض والأرض من الأصل، وكذلك في الرهن إذا رهنه الأصل فالأرض مع الأصل، وإذا رهنه الأرض فالنخل مع الأرض، قال: ((ومما يبين (لك) ذلك لو أن رجلاً اشترى نخلاً من رجل أن الأرض مع النخل)). الخامسة: إن الثمار لا تندرج في رهن الأشجار، كانت فيها يوم ارتهنت قد أزهت أو لم تزه، (أو) أبرت أو لم تؤبر، أو لم تكن فيها، لا تدخل في الرهن بوجه إلا بالشرط. ويندرج الجنين، كان حملاً عند الرهن أو حمل به بعد ذلك، ولو شرط في الجنين ألا يكون رهناً مع أمه لم يجز. واختلف في الصوف المستجز على ظهور الحيوان، فرآه ابن القاسم مندرجاً. وقال أشهب: لا يندرج. الركن الرابع: العاقد. ويصح الرهن ممن يصح منه البيع، فلا يرهن المحجور عليه. والمكاتب والمأذون له يرهنان ويرتهنان ولا يرهن أحد الوصيين إلا بإذن صاحبه، فإن اختلفا نظر الإمام.

стр. 770

الباب الثاني: في القبض والطوارئ (قبله) أما القبض فالنظر في صورته وحكمه. أما صورته فهي (في) الأعيان المشار إليها كالمنقول والعقار، (كما) ذكر في البيع. وأما في الدين (فتسليم) ذكر الحق والإشهاد والجمع بين الغريمين إن كان على غير المرتهن، ويكفي الاقتصار على الجميع بينهما والإشهاد إن لم يكن ذكر حق ويتقدم إليه بحضرة البينة ألا يقبضه إياه، حتى يصل إلى حقه. وإن كان الدين على المرتهن فهو قابض له. ويجوز للمرتهن أن يستنيب غيره في القبض، إلا عبد الراهن و [مستولدته] وولده الصغير، لأن يد كل هؤلاء يد الراهن. ويجوز أن يستنيب مكاتب الراهن دون عبد المأذون وغيره. وأما حكم القبض فليس يشترط في انعقاد الرهن وصحته، ولا في لزومه، بل ينعقد ويصح ويلزم، ثم يطلب المرتهن الإقباض ويجبر الراهن عليه، لكن يشترط القبض في استقرار الفائدة وتمام الوثيقة ليكون بقبضه أولى من الغرماء عند الفلس والموت. والعقود قد تنعقد وتصح ويقف بعض أحكامها على أمر في المستقبل، ألا ترى أن بيع الخيار يصح ويقف نقل الملك على انقضاء الخيار، وكذلك بيع البت يلزم، ثم يقف انتقال الضمان عند (المخالف) على القبض، وكذلك صحة تحمل الشهادة (لا تقف) على وجود العدالة وثمرتها وهي الانتفاع بأدائها تقف على وجودها. وبالجملة فهو كشرط في حكم الاختصاص به عن بقية الغرماء عند المزاحمة لا في (سبب) الحكم المذكور. فإن ترك القبض وتراخى في طلبه حتى وجد الفلس أو الموت فات الحكم المذكور، وكان أسوة الغرماء في الرهن. فأما لو كان مجداً في الطلب (لكن عجز عن القبض) مع استمرار الطلب

стр. 771

و (القيام) فيه حتى قام الغرماء، فظاهر الكتاب أنه يكون أسوة (الغرماء) فإنه أطلق الجواب فيه. وقال القاضي أبو محمد: ((حق الرهن ثابت له)). فروع: الأول: إن القبض المشترط هو القبض المستدام، فلو قبضه ثم أعاده إلى الراهن اختياراً بأي وجه كان بطل الحوز، (فإن قام المرتهن يريد رد ذلك، ليعود له الحوز، فقد روى (محمد وابن عبدوس) عن أشهب: له ذلك إلا أن يفوت بتحبيس أو عتق أو تدبير أو غيره أو قيام غرمائه. وقال ابن القاسم: إلا في العارية، إلا أن يكون أعاره على ذلك. وقاله أشهب في كتاب محمد في العارية. وقال بعض القرويين: إنما فرق ابن القاسم بينهما إذا كانت العارية (غير) مؤجلة، فليس له ارتجاع الرهن بعد أن يعيره، إلا أن يعيره على ذلك. ولو كانت (العارية) مؤجلة، لكان له أن يأخذ الرهن بعد الأجل كالإجارة). الفرع الثاني: في القبض المشترك. هل من شرط صحته أن يكون للرهن أم لا؟ (ففي كتاب محمد من رواية ابن القاسم، فيمن اكترى داراً أو عبداً سنة أو أخذ حائطاً مساقاة، ثم ارتهن شيئاً من ذلك قبل تمام السنة، فلا يكون محوزاً للرهن، لأنه محوز قبل ذلك بوجه آخر. وفي المجموعة، قال سحنون: ومذهب ابن القاسم: أنه يجوز أن يرتهن الرجل ما في يديه بإجارة أو مساقاة، ويكون ذلك حيازة للمرتهن، كالذي يخدم العبد، ثم يتصدق به على آخر فحوز المخدم حوز (للمتصدق) عليه)، ولا يبطل الحوز خروجه عن يده بغلبة. ويجوز أن يجعل الرهن على يد أمين يرضى به الراهن والمرتهن. الفرع الثالث: في إثبات الحوز المشترط. ولا يكفي في ثبوت حيازته الاتفاق على

стр. 772

الإقرار بذلك حتى تشهد البينة بمعاينته، لأن حق الغير متعلق به حين الحاجة إلى الحكم بكونه رهناً بعد موت الراهن أو فلسه ووقت حق تعلق الغرماء به. (وأما قبل ذلك فلا حاجة بهما إلى الإثبات، ولا يمتنع عليهما تصحيحه بكل وجه. ولو مات الراهن أو فلس ووجد الرهن بيد المرتهن أو بيد الأمين الموضوع على يده، ففي الموازية والمجموعة: (عن عبد الملك لا ينفع ذلك حتى تعلم البينة أنه [حازه] قبل الموت أو الفلس. قال محمد: صوابه لا ينفعه إلا معاينة الحوز لهذا الارتهان). قال القاضي أبو الوليد: ((وعندي أنه لو ثبت أنه وجد بيده قبل الموت والفلس، ثم أفلس الراهن أو مات لوجب أن يحكم له بحكم الرهن)). قال: ((ولعله أن يكون هذا معنى قول محمد: لا ينفعه إلا معاينة الحوز، بمعنى كون الرهن بيده في وقت يصح فيه الحوز، وظاهر اللفظ يقتضي ألا ينفع هذا حتى يعاين تسليم الرهن إلى المرتهن على هذا الوجه)). قال: ((وهو) وجه محتمل)). أما الطوارئ قبل القبض، فقال في كتاب محمد: ((إذا تعدى الراهن، فباع الرهن قبل أن يقبضه المرتهن، فالبيع نافد وإن قرب، فات أو لم يفت. ولا يحل الحق، والثمن للراهن (يأخذه)، ولا يعجل للمرتهن حقه، ويوضع له رهن مكانه، ولا ينقض ما بينهما من بيع أو سلف. وقد كان للمرتهن لو لم يبع أن يقوم فيحوزه)). قال فيه: وتعديه في العتق كتعديه في البيع عند مالك قبل حوز المرتهن أو بعده، إن كان ملياً. وقاله ابن القاسم وأشهب. (وقال أشهب أيضاً في الكتابة والتدبير: للمرتهن أن يقبض رهنه ويكون (محوزاً) وتكون الكتابة رهناً. ولا تكون خدمة المدبر رهناً معه إلا أن يشترطها، ثم كلما حل نجم من الكتابة أخذه من دينه، فإن وفى أو عجل الكتابة كان حراً. وقال محمد: الكتابة مثل الخدمة لا تكون رهناً، إلا أن يشترطها في أصل الرهن. قال

стр. 773

أبو الحسن اللخمي: ((يريد فيأخذ السيد كل ما حل من نجومه، فإن أدى عتق ولا شيء للمرتهن، وإن عجز كان رهناً)). (وأما المدبر) فإن حل الأجل، وهو معسر، لم يبع ويبقى موقوفاً في الرهن إلى موت الراهن، فيباع إن لن يخلف ما يوفي [به] الدين. وإذا استلحق الراهن العبد الرهن أنه ابنه. ثم مات فإنه يلحق به، ويتبعه الطالب بحقه، وإن لم يكن له مال فليتبع ما عسى أن يطرأ له. ولا ينفسخ الرهن بموت أحد المتعاقدين أو كليهما، ولا بجنونهما ولا بالحجر عليهما (بالتبذير). وينفسخ بانقلاب العصير خمراً، ولا يقبض وهو خمر، ولو انقلب إلى الخمرية بعد القبض لخرج عن كونه مرهوناً. (فإن عاد خلا عاد مرهوناً). الباب الثالث: في حكم المرهون بعد القبض وقد تقدم في حقيقة الرهن أنه احتباس العين وثيقة بالحق، وذلك بمنع الراهن من كل ما يقدح فيه. والنظر الآن في أطراف ثلاثة: الأول: جانب الرهن. وهو ممنوع من كل تصرف يزيل الملك كالبيع والعتق والكتابة والتدبير وإيلاد الأمة. قال ابن القاسم في الكتاب: ((إن باع الراهن الرهن بغير أمر المرتهن فأجاز بيعه، تعجل حقه، شاء الراهن أو أبى، وإن باعه بإذن المرتهن وقال: لم آذن لأسلم ثمنه، لكن أذنت له لإحياء الرهن، وما أشبه ذلك، حلف على ذلك، وأتى الراهن بشبه الرهن الأول، وقيمته كقيمة الأول، فإن لم يجد بقي الثمن رهناً)). قال الشيخ أبو محمد: ((يريد مطبوعاً عليه إن كان عيناً)). يريد الشيخ أبو محمد، إن أبقي بيد المرتهن، وأما أن أبقي بيد عادل فلا حاجة إلى الطبع عليه، ولا يتعجله ها هنا. وهذا إذا بيع بإذنه ولم يسلم من يده إلى المبتاع وأخذ منه الثمن، فأما لو (سلمه) للراهن فباعه لخرج من الرهن.

стр. 774

قال محمد: وروي عن مالك أن الراهن إن باعه بمثل صفة الدين وبكفافه فأكثر، جاز لأن ذلك للمرتهن، ولا حجة ويتعجل حقه، إلا أن يبيعه بأقل من الدين أو بنصف مخالف للدين، فله أن يجيز أن يرد. قال: وهذا هو الصواب. قال ابن القاسم في الكتاب: ((وإن رهن عبداً ثم أعتقه أو كاتبه وهو بيد المرتهن، جاز ذلك إن كان ملياً وعجل الدين)). وروى ابن وهب مثله في التدبير إذا عجل حقه. وروى محمد عن ابن القاسم: أنه إن دبره بقي رهناً مدبراً. قال محمد: والكتابه مثله. وقال ابن القاسم وأشهب: ((الكتابة مثل العتق)). وروى ابن القاسم في الكتاب: ((إذا أعتقه قبل محل الدين وهو موسر، فليس له أن يرهنه سواه حتى يحل الأجل، وليعجل له حقه، وإن أعتقه وهو عديم بقي رهناً، فإن أفاد ربه قبل الأجل مالاً ودى الدين ونفذ العتق، وكذلك لو بذل العبد أو أجنبي الدين لنفذ العتق)). ولو بذل الراهن رهناً غيره إلى الأجل لم يلزم المرتهن قبوله ولم ينفذ العتق. وحكم التعليق على الصفة في دوام الرهن حكم الإنشاء، فإن وجدت الصفة بعد فكاك الرهن نفذ. فرع: لو استعار عبداً ليرهنه، فرهنه ثم أعتقه المعير، فإن كان ملياً نفذ العتق، وقيل له: عجل الدين لربه (إذا أفسدت) عليه رهنه، ثم يرجع بذلك على المستعير بعد محل الأجل. ويمنع الراهن أيضاً من وطء الأمة المرهونة، فإن فعل فحملت فالولد نسيب، ثم إن كان الوطء بإذن المرتهن أو كانت مخلاة تذهب وتجيء في حوائج المرتهن فوطئها الراهن بغير إذنه فولدت، فهي له أم ولاد لا رهن للمرتهن فيها، وإن كان على وجه الغصب والنشوز عجل ربها الحق إن كان ملياً وكانت له أم ولد، وإن لم يكن له مال بيعت بعد الوضع، ولا يباع ولدها إذ هو نسيب على كل تقدير، فإن نقص ثمنها عن دينه أتبع به. قال محمد: ولا تباع وإن وضعت حتى يحل أجل الدين. قال أشهب: وإن وجدت من يبتاع منها بقدر الدين فعلت وأعتقت ما بقي، وإن لم يوجد استوفي إلى الأجل. فإن وجد أيضاً ذلك وإلا بيعت كلها، وقضى الدين وكان ما بقي لربها يصنع به ما شاء. وروي أنها لا تخرج من الرهن حتى يطأها بإذنه.

стр. 775

قال سحنون: وطئها تسرراً أو وطئها وقد أطلقها المرتهن في حوائجه، فهو سواء. ولا يمكن الراهن من الانتفاع بالرهن مباشرة، مثل سكنى الدار أو إسكانها أو استخدام العبد أو استكسابه أو غير ذلك أصلاً. ولكن يتولى ذلك المرتهن بإذن الراهن، فإن باشره الراهن بطل الرهن إن كانت المباشرة بإذن المرتهن. الطرف الثاني: في جانب المرتهن. (وهو) يستحق إدامة اليد، ولا تزال يده إلا لأجل الانتفاع خوفاً من فوات منفعة مقصودة تقديماً لها على (اليد) التابعة (للحق)، فإنها لا (تراد) إلا لحفظ محل الحق، ثم ترد إليه عند فراغ العمل. ولو شرط التعديل على يد ثالث يثق كل واحد منهما به جاز، ثم ليس للعدل تسليمه إلى أحدهما دون إذن الآخر. فإن فعل ضمن له، ولو تغير حاله لكان لكل واحد (منهما) طلب التحويل إلى عدل آخر. فإن اختلفا في عدلين، فقال محمد بن عبد الحكم: يجعله القاضي على يد عدل. قال أبو الحسن اللخمي: ((وليس بالبين)). قال: ((وأرى أن يقدم قول الراهن إذا دعا إلى ثقة لأنه ماله وهو (أنظر) لنفسه في حفظه (ماله) ومن يثق به، وإن قال أحدهما: يكون على يد عدل، وقال الآخر: يكون على يد المرتهن، كان القول قول من دعا إلى العدل)). وللمرتهن استحقاق البيع مقدماً على الغرماء عند حلول الدين إن لم يرده الراهن من موضع آخر، ولكن لا يستقل به بل يرفع إلى القاضي حتى يطالب الراهن (أو) يكلفه البيع. فإن امتنع باعه عليه. ويستقل إذا أذن له عند الأجل، ولا يستقل به إذا كان مقدماً على زمن الحلول وحين البيع. فإن باع بالإذن المتقدم رد البيع ما لم يفت. وقيل إن أصاب وجه البيع نفد. وروي: يمضي في الشيء التافه ويرد فيها سواه وقيل: يمضي إن لم يكن بالمكان سلطان، أو كان وعسر الوصول إليه. ولو أذن الراهن للعدل وقت الرهن في البيع عند الأجل جاز. ولو قال الراهن لمن على
следующие страницы →