تضمنت قواعد الشريعة في المأمورات والمنهيات.
فقوله سبحانه: ﴿خُذِ الْعَفْو﴾ دخل فيه صلة القاطعين، والعفو عن المذنبين، والرفق بالمؤمنين، وغير ذلك من أخلاق المطيعين.
ودخل في قوله: ﴿وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ﴾ صلة الأرحام وتقوى الله في الحلال والحرام وغض الأبصار، والاستعداد لدار القرار.
وفي قوله ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ الحض على التعلق بالعلم، والإعراض عن أهل الظلم، والتنزه عن منازعة السفهاء، ومساواة الجهلة الأغبياء، وغير ذلك من الأخلاق الحميدة والأفعال الرشيدة.
وهذه الآية هي الجامعة لمكارم الأخلاق. قال جعفر الصادق (١): أمر الله نبيه بمكارم الأخلاق في هذه الآية، وليس في القرآن آية أجمع لمكارم الأخلاق من هذه الآية (٢).
٤ - ومنها قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ (٣)
стр. 37
فالأمر يقتضي الوفاء بكل عقد مشروع، واحترام كل ما يلتزم به الإنسان مع الناس.
٥ - قوله تعالى في الآية الجامعة الفاذة ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)﴾ (١).
وغير ذلك في كتاب الله كثير.
ومن الأحاديث الشريفة الجامعة التي جرت مجرى القواعد إلى جانب مهمتها التشريعية فإن الرسول صلى الله عليه أوتي جوامع الكلم واختصر له الكلام اختصاراً.
١ - قوله ﵊ وقد سئل عن حكم أنواع من الأشربة فقال ﵊: "كل مسكر حرام (٢) ". فدل هذا الحديث على وجازة لفظه على تحريم كل مسكر من عنب أو غيره مائع أو جامد، نباتي أو حيواني أو مصنوع.
٢ - ومنها قوله ﵊: "لا ضرر ولا ضرار (٣) ". القاعدة الكلية الكبرى، فهذا الحديث نص في تحريم الضرر بأنواعه؛ لأن لا النافية تفيد استغراق الجنس فالحديث وإن كان خبراً لكنه في معنى النهي، فيصير المعنى "اتركوا كل ضرر وكل ضرار".
٣ - ومنها قوله ﵊ "المسلمون عند شروطهم (٤) " فظاهر المعنى وجوب احترام كل ما رضيه المتعاقدان من
стр. 38
الشروط، إلا الشروط التي تحل الحرام أو تحرم الحلال، كما ورد في رواية.
القسم الثاني: ما كان من غير النصوص:
وهو أنواع:
النوع الأول: قواعد فقهية مصدرها الإجماع المستند إلى الكتاب والسنة، فمن أمثلة قواعد هذا المصدر:
١ - قولهم: "لا اجتهاد مع النص" فهذه القاعدة تفيد تحريم اجتهاد في حكم مسألة ورد فيها نص من الكتاب أو السنة أو الإجماع؛ لأنه إنما يحتاج للاجتهاد عند عدم وجود النص، أما عند وجوده فلا اجتهاد إلا في فهم النص ودلالته.
٢ - قولهم "الاجتهاد لا ينقض بمثله" أو بالاجتهاد" وهذا أمر مجمع عليه والمراد أن الأحكام الاجتهادية إذا فصلت بها الدعوى على الوجه الشرعي ونفذت أنه لا يجوز نقضها بمثلها لأن الاجتهاد الثاني ليس أولى من الاجتهاد الأول، ولأنه إذا نقض الأول جاز أيضاً نقض الثاني بثالث والثالث بغيره فلا يمكن أن تستقر الأحكام.
ولكن إذا تبين مخالفة الإجتهاد للنص الشرعي أو لمخالفته طريق الاجتهاد الصحيح، أو وقوع خطأ فاحش، فينقض حينئذٍ.
النوع الثاني: وهو قسمان:
الأول: قواعد فقهية أوردها الفقهاء والمجتهدون مستنبطين لها من أحكام الشرع العامة ومستدلين لها بنصوص تشملها من الكتاب والسنة والإجماع ومعقول النصوص مثل:
١ - قاعدة "الأمور بمقاصدها" مستدلين لها بقوله عليه الصلاة
стр. 39
والسلام: "إنما الأعمال بالنيات .. " وقد جعلنا هذا الحديث رأس القاعدة وعنواناً دالاً عليها لا دليلاً لها، وصُدَّرت به هذه الموسوعة تيمناً واقتداءً.
ومثل قاعدة "اليقين لا يزول بالشك" المستَدَلّ لها بأحاديث كثيرة عن رسول الله ﷺ ، مثل قوله ﵊ "إذا شك أحدكم في صلاته فلم يدر كم صلى أثلاثاً أم أربعاً، فليطرح الشك وليبن على ما استيقن ... الحديث (١) " ومثل قاعدة: "المشقة تجلب التيسير" وهي قاعدة رفع الحرج وقاعدة الرخص الشرعية. وأدلتها كثيرة من الكتاب والسنة والإجماع والمعقول. ومثل قاعدة: "العادة محكَّمة" وهي قاعدة اعتبار العرف وتحكيمه فيما لا نص فيه وأدلتها من الكتاب والسنة والإجماع كثيرة منها قوله تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (١٩٩)﴾ (٢)
وقوله سبحانه ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (٣) ومنها قوله ﷺ لهند "خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف (٤) ".
ومنها قاعدة: "إعمال الكلام أولى من إهماله" ومن أدلتها قوله تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (١٨)﴾ (٥) وقوله
стр. 40
عليه الصلاة والسلام: "إن الله تعالى عند كل لسان قائل فليتق الله عبد ولينظر ما يقول (١) ". إحدى روايات الحديث.
الثاني: قواعد فقهية أوردها الفقهاء المجتهدون في مقام الاستدلال القياسي الفقهي حيث تعتبر تعليلات الأحكام الفقهية الاجتهادية ومسالك الاستدلال القياسي عليها، أعظم مصدر لتقعيد هذه القواعد وإحكام صيغها بعد استقرار المذاهب الفقهية الكبرى وانصراف أتباعها إلى تحريرها وترتيب أصولها وأدلتها. كما قال أستاذنا الزرقا.
وهذه القواعد التي استنبطها الفقهاء المتأخرون من خلال أحكام المسائل التي أوردها أئمة المذاهب في كتبهم أو نقلت عنهم لا تخرج عن نطاق أدلة الأحكام الشرعية الأصلية أو التبعية الفرعية، فالناظر لهذه القواعد والباحث عن أدلة ثبوتها وأساس التعليل بها يراها تندرج كل منها تحت دليل شرعي إما من الأدلة المتفق عليها كالكتاب والسنة والإجماع، وإما من الأدلة الأخرى كالقياس والاستصحاب والمصلحة - أو الاستصلاح - والعرف، والاستقراء، وغير ذلك مما يستدل به على الأحكام؟ لأنه لا يعقل ويستبعد جداً أن يبني فقيه مجتهد حكماً لمسألة فقهية، أو يعلل لمسائل فقهية معتمداً على مجرد الرأي غير المدعوم بأدلة الشرع أو معتمداً على الهوى والتشهي، فهم رحمة الله عليهم كانوا أجلّ وأورع وأتقى وأخشى لله من أن يفتي أحدهم أو يحكم في مسألة أو يقضي بحكم غير مستند إلى دليل شرعي مقرر، وسواء اتفق عليه أم اختلف الفقهاء في اعتباره فمن استند إلى القياس لا يقال: إنه حكم بغير ما أنزل الله: لأن هناك من يُنكر القياس ولا يعمل به.
стр. 41
وكذلك من استند في حكمه إلى المصلحة الغالبة أو مصلحة غلب على ظنه وجودها لا يقال: إن حكمه مخالف للشرع لأن غيره من الفقهاء قد لا يعمل بالمصلحة ولا يستدل بها، أو لا يرى في هذه المسألة مصلحة.
وكذلك بالنسبة للعرف أو قول الصحابي، أو شرع من قبلنا، أو سد الذرائع أو الاستقراء أو غير ذلك من الأدلة أو مواطن الاستدلال التي ما عمل بها من عمل إلا مستدلاً لها بأدلة من الكتاب أو السنة أو المعقول المبني على قواعد الشرع وحِكمه.
من أمثلة هذه القواعد المستنبطة والمعلل بها قولهم:
١ - "إنما يثبت الحكم بثبوت السبب" هذه قاعدة أصولية فقهية استنبطها الفقهاء المجتهدون من الإجماع ومعقول النصوص، فمثلاً: يثبت وجوب صلاة الظهر وتعلقها في ذمة المكلف بزوال الشمس، فزوال الشمس سبب لثبوت الوجوب للصلاة، فلو لم يثبت الزوال لم يثبت الوجوب، وقد يستدل لها بقوله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾ (١)
ومنها قولهم: "الأيمان في جميع الخصومات موضوعة في جانب المدعى عليه إلا في القسامة".
وهذه القاعدة مستنبطة من الحديث: "البينة على المدعي واليمين على المدَّعى عليه (٢) ". ومنها قولهم: "إذا اجتمعت الإشارة
стр. 42
والعبارة واختلف موجبهما غُلِّبت الإشارة (١) ". هذه القاعدة مستنبطة من المعقول والعرف.
ومنها قولهم:
"إذا وجبت مخالفة أصل أو قاعدة وجب تقليل المخالفة ما أمكن (٢) ".
فهذه القاعدة مستنبطة من معقول النصوص الرافعة للحرج والمشقة مثل قوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ (٣).
ومثل قوله ﵊: "إذا أمرتكم بشيء فخذوا منه ما استطعتم (٤) ".
стр. 43
المقدمة السادسة: حكم الاستدلال بالقواعد الفقهية على الأحكام
هذه المسألة على جانب كبير من الأهمية حيث تتعلق بأمر عظيم وهو مصادر الأحكام وأدلتها، وهل تعتبر القواعد الفقهية أحد أدلة الأحكام فيستند إليها عند عدم وجوه نص أو إجماع أو قياس في المسألة؟.
وبعبارة أخرى: هل يجوز أن تجعل القاعدة الفقهية دليلاً شرعياً يستنبط منه حكم شرعي؟
وفي التقرير الذي صدِّرت به مجلة الأحكام العدلية قالوا: "فحكام الشرع ما لم يقفوا على نقل صريح لا يحكمون بمجرد الاستناد إلى واحدة من هذه القواعد. إلا أن لها فائدة كلية في ضبط المسائل، فمن اطلع عليها من المطالعين يضبط المسائل بأدلتها، وسائر المأمورين يرجعون إليها في كل خصوص.
وبهذه القواعد يمكن للإنسان تطبيق معاملاته على الشرع الشريف أو في الأقل التقريب (١).
وقالوا: أيضاً في المقالة الأولى من المقدمة وهي المادة الأولى من مواد المجلة: إن المحققين من الفقهاء قد أرجعوا المسائل الفقهية إلى قواعد كلية، كل منها ضابط وجامع لمسائل كثيرة، وتلك القواعد مُسَلَّمة معتبرة في الكتب الفقهية تتخذ أدلة لإثبات المسائل وتفهمها في باديء الأمر، فذكرها يوجب الاستئناس بالمسائل ويكون وسيلة لتقررها في الأذهان (٢).
стр. 44
وقال ابن نجيم في الفوائد الزينية - كما نقله عنه الحموي في غمز عيون البصائر: لا يجوز الفتوى بما تقتضيه الضوابط لأنها ليست كلية بل أغلبية، خصوصاً وهي لم تثبت عن الإمام بل استخرجها المشايخ من كلامه (١).
وقال أستاذنا الجليل الشيخ مصطفى الزرقا:
ولذلك كانت تلك القواعد الفقهية قلما تخلو إحداها من مستثنيات في فروع الأحكام التطبيقية خارجة عنها، إذ يرى الفقهاء أن تلك الفروع المستثناة من القاعدة هى أليق بالتخريج على قاعدة أخرى، أو أنها تستدعي أحكاماً استحسانية خاصة، ومن ثمَّ لم تسوِّغ المجلة أن يقتصر القضاة في أحكامهم على الاستناد إلى شيء من هذه القواعد الكلية فقط دون نص آخر خاص أو عام يشمل بعمومه الحادثة المقضي فيها، لأن تلك القواعد الكلية على ما لها من قيمة واعتبار هي كثيرة المستثنيات، فهي دساتير للتفقيه لا نصوص للقضاء (٢).
فهذه النقول وأمثالها تفيد أنه لا يسوغ اعتبار القواعد الفقهية أدلة شرعية لاستنباط الأحكام لسببين:
الأول: أن هذه القواعد ثمرة للفروع المختلفة وجامع ورابط لها، وليس من المعقول أن يجعل ما هو ثمرة وجامع دليلاً لاستنباط أحكام الفروع.
الثاني: أن معظم هذه القواعد لا تخلو عن المستثنيات، فقد تكون المسألة المبحوث عن حكمها من المسائل والفروع المستثناة.
стр. 45
ولذلك لا يجوز بناء الحكم على أساس هذه القواعد، ولا يسوغ تخريج أحكام الفروع عليها، ولكنها تعتبر شواهد مصاحبة للأدلة يستأنس بها في تخريج الأحكام للوقائع الجديدة قياساً على المسائل الفقهية المدوَّنة.
هكذا قالوا:
وأقول: هذا الذي قالوه لا يؤخذ على إطلاقه حيث إن القواعد الفقهية تختلف من حيث أصولها ومصادرها أولاً، ثم من حيث وجود الدليل على حكم المسألة المبحوث عنها ثانياً.
فمن حيث أصول القواعد ومصادرها فقد عرفنا في المقدمة السابقة أن من القواعد الفقهية ما كان أصله ومصدره من كتاب الله أو من سنة رسوله ﷺ . أو يكون مبنياً على أدلة واضحة من الكتاب والسنة المطهرة، أو مبنياً على دليل شرعي من الأدلة المعتبرة عند العلماء، أو تكون القاعدة مبنية على الاستدلال القياسي وتعليل الأحكام.
فإذا كانت القاعدة نصاً قرآنياً كريماً فهي قبل أن تكون قاعدة أو تجري مجرى القواعد فهي دليل شرعي بالاتفاق فهل إذا جرى النص القرآني مجرى القاعدة خرج عن كونه دليلاً شرعياً معمولاً به، ولا يجوز تقديم غيره عليه؟.
من أمثلة ذلك:
قوله : ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ (١) فهذا النص الكريم دليل شرعي يفيد حل البيع وحرمة الربا، وهو في نفس الوقت
стр. 46
يصلح قاعدة فقهية تشمل أنواع البيوع المختلفة ومسائل الربا المتعددة، كما يستثني منها بعض أنواع البيوع المحرمة، وبعض مسائل الربا إما بالنص وإما بالتخريج. ومن السنة حديث "لا ضرر ولا ضرار" وحديث "الخراج بالضمان (١) ".
وحديث: "البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه (٢) ". وغيرها كثير.
فهذه أدلة شرعية وقواعد فقهية يمكن الاستناد إليها في استنباط الأحكام وإصدار الفتاوى والزام القضاء بها.
ولعل هذا لم يفت الفقهاء الذين وضعوا المجلة حيث قالوا: "فحكام الشرع ما لم يقفوا على نقل صريح" فلعلهم أشاروا بذلك إلى تلك القواعد التي هي في الأصل نصوص تشريعية،
وكذلك ما أشار إليه الأستاذ الزرقا مد الله في عمره في الخير حين قال: ومن ثم لم تسوِّغ المجلة أن يقتصر القضاة في أحكامهم على الاستناد إلى شيء من هذه القواعد الكلية فقط دون نص آخر خاص أو عام".
ولكن الإجمال هنا موهم والتفصيل مطلوب.
وأما ما ذكر في المقالة الأولى من المقدمة وما نقله الحموي عن ابن نجيم في الفوائد الزينية فهو عام في عدم جواز الفتوى بما تقتضيه هذه القواعد. ومما ينبني على أدلة واضحة من الكتاب والسنة والإجماع:
قاعدة: اليقين لا يزول بالشك.
стр. 47
وقاعدة: الضرر يزال.
وقاعدة: الأمور بمقاصدها.
وقاعدة: المشقة تجلب التيسير.
وأمثال هذه القواعد فهي تشبه الأدلة وقوتها بقوة الأدلة المعتمدة عليها، فلا يمنع من الاحتكام إليها.
وأما إذا كانت القاعدة مبنية على دليل شرعي من الأدلة التي اختلف في اعتبارها فيجب الرجوع أولاً إلى الأدلة المتفق عليها فإذا وجد الحكم بأحدها يستأنس بالقاعدة ولا يحكم بها، وإلا نظر إلى الدليل الذي بنيت عليه القاعدة فإن أمكن إعطاء المسألة حكماً بموجبه - عند من يعتبرونه دليلاً - كان بها واعتبرت القاعدة دليلاً تابعاً يستأنس به.
وأما من حيث عدم وجود دليل شرعي لمسألة بعينها أو نص فقهي، أو دليل أصولي، ووجدت القاعدة الفقهية التي تشملها، فحينئذٍ هل تعتبر القاعدة الفقهية الاجتهادية دليلاً شرعياً يمكن استناد الفتوى والقضاء إليه؟.
قلت سابقاً: إن القواعد الاجتهادية استنبطها العلماء المجتهدون من معقول النصوص والقواعد العامة للشريعة، أو بناء على مصلحة رأوها أو عرف اعتبروه، أو استقراء استقرأوه فعلى من تعَرَّض لمثل هذه المسائل أن يكون على جانب كبير من الوعي والإدراك والإحاطة بالقواعد الفقهية وما بنيت عليه كل قاعدة أو استنبطت منه، وما يمكن أن يستثنى من كل قاعدة حتى لا يدرج تحت القاعدة مسألة يقطع أو يظن خروجها عنها.
وأما اعتلالهم بأن القواعد الفقهية ثمرة للأحكام الفرعية المختلفة وجامع لها ولذلك لا يصح أن تجعل دليلاً لاستنباط أحكام هذه الفروع، أقول: إن كل قواعد العلوم إنما بنيت على فروع هذه العلوم وكانت ثمرة
стр. 48
لها، وأقرب مثال لذلك قواعد الأصول وخاصة عند الحنفية حيث استنبطت من خلال أحكام المسائل الفرعية المنقولة عن الأئمة الأقدمين، ولم يقل أحد إنه لا يجوز لنا أن نستند إلى تلك القواعد لتقرير الأحكام واستنباطها.
وكذلك قواعد اللغة العربية التي استنبطها علماء اللغة من خلال ما نطق به العرب الفصحاء قبل أن تشوب ألسنتهم المعجمة واللحن، وهي القواعد التي يستند إليها في استنباط أحكام اللغة والبناء عليها.
ولم يقل أحد إن هذه القواعد لا تصلح لاستنباط أحكام العربية لأنها ثمرة للفروع الجزئية.
وأما احتجاجهم بأن القواعد الفقهية كثيرة المستثنيات فيمكن أن يستنبط حكم المسألة من قاعدة وتكون هذه المسألة خارجة ومستثناة عن تلك القاعدة فهذا قد أجبنا عنه فيما سبق.
وقد قال القرافي ﵀ في حديثه عن أدلة مشروعية الأحكام - قال:- الاستدلال: هو محاولة الدليل المفضي إلى الحكم الشرعي من جهة القواعد لا من جهة الأدلة المنصوبة وفيه قاعدتان: قال: القاعدة الثانية: "إن الأصل في المنافع الإذن، وفي المضار المنع" بأدلة السمع لا بأدلة العقل - خلافاً للمعتزلة - وقد تعظم المنفعة فيصحبها الندب أو الوجوب مع الإذن، وقد تعظم المضرة فيصحبها التحريم على قدر رتبتها. فيستدل على الأحكام بهذه القاعدة إلى أن قال: يعلم ما يصحبه الوجوب أو الندب أو التحريم أو الكراهة من الشريعة وما عهدناه في تلك المادة (١)
والله أعلم
стр. 49
المقدمة السابعة: نشأة القواعد الفقهية وتدوينها وتطورها
عند الحديث عن مصادر القواعد الفقهية تبين أن من القواعد الفقهية ما أصله من نصوص الكتاب العزيز، أو من نصوص السنة النبوية المطهرة حيث جرى كثير منها مجرى القواعد كما جرى كثير منها مجرى الأمثال.
وإلى جانب ذلك أثر عن فقهاء الصحابة رضوان الله عليهم وكثير من أئمة التابعين ومن جاء بعدهم من كبار أتباعهم عبارات وردت إما عند تأصيل مبدأ، وإما عند تعليل أحكام، وهذه العبارات كانت أساساً لما سمي فيما بعد بالقواعد الفقهية.
ولما كان ما عدا ذلك ناتجاً عن اجتهادات للفقهاء في تعليل الأحكام وتأصيلها فإنه لا يعرف لكل قاعدة فقيه معروف وقائل لها؛ لأن هذه القواعد لم توضع كلها جملة واحدة على يد هيئة واحدة أو لجنة واحدة كما توضع النصوص القانونية في وقت معين على أيدي أناس معلومين.
ولكن هذه القواعد تكونت مفاهيمها وصيغت نصوصها بالتدريج في عصر أزدهار الفقه ونهضته على أيدي كبار فقهاء المذاهب من أهل التخريج والترجيح استنباطاً من دلالات النصوص الشرعية العامة والأدلة الشرعية، وعلل الأحكام وأسرار التشريع والمقررات العقلية.
والمعاني الفقهية لهذه القواعد كانت مقررة في أذهان الأئمة المجتهدين يعللون بها ويقيسون عليها، وقد كانت تسمى عندهم أصولاً.
ولعل أقدم مصدر فقهي يسترعي انتباه الباحث في هذا المجال هو "كتاب الخراج" الذي ألَّفه الإمام أبو يوسف يعقوب بن إبراهيم
стр. 50
الأنصاري (١) أكبر تلاميذ الإمام أبي حنيفة وحامل لواء المذهب بعده ورئيس قضاة الدولة الإسلامية في عهد الخليفة هارون الرشيد، وقد ألف أبو يوسف كتابه هذا للخليفة هارون الرشيد ليجعل نظاماً وقانوناً تسير عليه الدولة في تنظيم الخراج ومعاملة أهل الذمة، وقد اشتمل هذا الكتاب على عدد من العبارات التي جرت مجرى القواعد بل كانت أساساً بني عليه من جاء بعده.
ولما كان المقصود من تأليف هذه الموسوعة تيسير علم القواعد على العلماء والفقهاء وطلاب العلم، ولما كان وضع هذه المقدمات لتعطي الدارس صورة واضحة عن هذا العلم ومبادئه، ولما كان المقصد وجه الله سبحانه وابتغاء مرضاته رأيت أن أوفى بحث في هذا الجانب وهذه المقدمة هو ما كتبه الأخ الفاضل الدكتور علي بن أحمد الندوي في كتابه القواعد الفقهية: نشأتها، تطورها، دراسة مؤلفاتها، وهو الكتاب الذي قدمه لجامعة أم القرى للحصول على درجة الماجستير، وليس وراء هذا البحث زيادة لمستزيد رأيت أن أعتمد عليه في بيان هذه المقدمة لما اشتمل عليه من أبحاث جليلة مفيدة نافعة والحكمة ضالة المؤمن، قال حفظه الله:
ولما توغلت في بحوث الكتاب - يعني كتاب الخراج - وقفت على عبارات رشيقة تتَّسم بسمات وشارات تتَّسق بموضوع القواعد من حيث شمول معانيها وفيما يلي أورد طرفاً منها:
стр. 51
١ - "التعزير إلى الإمام على قدر عِظَم الجرم وصِغَرهِ" يقول عند تعرّضه لمسائل تتعلق بالتعزير: "وقد اختلف أصحابنا في التعزير قال بعضهم: لا يبلغ به أدنى الحدود أربعين سوطاً، وقال بعضهم: أبلغ بالتعزير خمسة وسبعين سوطاً، أنقص من حدّ الحُرِّ وقال بعضهم: أبلغ به أكثر. وكان أحسن ما رأينا في ذلك والله أعلم: أن التعزير إلي الإمام على قدر عِظَم الجرم وصِغَره ....... " (١).
فهنا بعد أن سجَّل الخلاف القائم بين فقهاء ذلك العصر في موضوع التعزير نحا الإمام أبو يوسف منحى جديداً، وهو أن وضع أصلاً في هذا الباب بتفويض الأمر إلى الحاكم، بحيث سوَّغ له أن يُقَدِّر التعزير في ضوء الملابسات المحيطة بالجرم وصاحبه.
٢ - "كل من مات من المسلمين لا وارث له، فماله لبيت المال" (٢): لا شك أن هذه العبارة كسابقتها تقرر قاعدة قضائية مهمَّة. وهي بمثابة شاهد على وجود قواعد جرت على أقلام الأقدمين مصوغةً بصياغات مُحْكَمة.
٣ - "ليس للإمام أن يُخْرج شيئاً من يد أحدٍ إلا بحق ثابت معروف" (٣): هذه العبارة نظيرة للقاعدة المشهورة المتداولة "القديم يُترك على
стр. 52
قِدَمِه" (م/ ٦).
ويمكن أن تكتسب العبارة سِمة القاعدة بعد تعديل طفيف فيها على النحو التالي:
"لا يُنْزَعُ شيءٌ من يد أحد إلاَّ بحقٍ ثابتٍ معروف" (١).
٤ - "ليس لأحد أن يُحدِث مرْجاً في ملك غيره، ولا يتخذ فيه نهراً ولا بئراً ولا مزْرَعةً، إلا بإذن صاحبه، ولصاحبه أن يُحدث ذلك كله" (٢).
إذا نظرت في هذه العبارة ثم سرَّحْتَ طرفك في القواعد المتداولة في الحِقبة الأخيرة، لمحت فيها شبيهاً للكلام المذكور.
وذلك الشبيه ما جاء في قواعد مجلة الأحكام العدلية أنه: "لا يجوز لأحد أن يتصرف في ملك الغير أو حقه (٣) بلا إذنه" (م / ٩٦).
وبجانب آخر يظهر عند الموازنة بين النَّصين ان عبارة كتاب الخراج تفيد الحظر على التصرف الفعلي في ملك الغير في حين أن قاعدة المجلة يتسع نطاقها إلى منع التصرّف القولي مع التصرف الفعلي.
وكل ذلك يساعد على فهم التطور المُثمِر المتواصل في مجال هذا العلم.
٥ - "لا ينبغي لأحد أن يُحْدِث شيئاً في طريق المسلمين مما يضرّهم.
стр. 53
ولا يجوز للإمام أن يقطع شيئاً مما فيه الضرر عليهم ولا يسعه ذلك (١) ".
هذه العبارة يتحقق فيها معنى القاعدة باعتبار أن الشطر الأول منها يتعلق بقواعد رفع الضرر، والشطر الثاني يتمثَّل فيه مفهوم القاعدة الشهيرة: التصرف على الرعية منوط بالمصلحة" (م / ٥٨).
٦ - "وإن أقرَّ بحقّ من حقوق الناس من قذف، أو قصاص في نفس، أو دونها أو مال، ثم رجع عن ذلك نُفِّذ عليه الحكم فيما كان أَقرَّ به، ولم يبطل شيء من ذلك برجوعه" (٢).
هذه العبارة كسابقتها وردت في صيغة مطوّلة، لكنها تُصَوِّر في معنى الكلمة مدلول القاعدة المتداولة: "المرء مؤاخذ بإقراره" (م/٧٩).
٧ - "كل ما فيه مصلحة لأهل الخراج في أراضيهم وأنهارهم، وطلبوا صلاح ذلك لهم، أجيبوا إليه، إذا لم يكن فيه ضرر على غيرهم" (٣).
وبعد التأمل في تلك العبارات وأشباهها يمكن القول بأن فكرة التأصيل كانت مركوزةً في أذهان المتقدِّمين، وإن لم تظهر في سورة جليّة لعدم الحاجة إليها كثيراً.
وكذلك من أقدم ما وصل إلينا من تلك المصادر بعض كتب الإمام محمد بن الحسن الشّيْباني (٤) (١٨٩ هـ).
стр. 54
فإذا أنعمنا النظر في كتاب الأصل ألْفَيْناه يعلل المسائل وهذا التعليل كثيراً ما يقوم مقام التَّقعيد.
وإليك مقتبسات من الكتاب المذكور، حتى يتبين كيف يُؤَصِّل الأحكام، ويقرنها بقواعدها.
ويقول في مبحث "الاستحسان": ولو أن رجلاً كان متوضئاً، فوقع في قلبه أنه أحدث وكان ذلك أكبر رأيه، فأفضل ذلك أن يعيد الوضوء، وإن لم يفعل وصلى على وضوئه الأول، كان عندنا في سعة، لأنه عندنا على وضوء حتى يستيقن بالحدث".
"وإن أخبره أحد مسلم ثقة، أو امرأة ثقة، مسلمة حرة أو مملوكة: أنك أحدثت، أو نمت مضطجعاً، أو رعفت، لم ينبغ له أن يصلي هذا. ولا يشبه هذا ما وصفت لك قبله من الحقوق، لأن هذا أمر الدين، فالواحد فيه حجة إذا كان عدلاً، والحقوق لا يجوز فيها إلا ما يجوز في الحكم" (١).
فإذا تأملنا في هذا النص وجدناه يعلل الحكم "بأكبر الرأي" وهو الظن الغالب وبناء عليه يفضل إعادة الوضوء في الصورة المذكورة، ثم يفتي بجواز الصلاة إن لم يعد الوضوء بناء على القاعدة المقررة "اليقين لا يزول بالشك".
стр. 55
هذا في الفقرة الأولى، أما الفقرة الثانية فهو ينص فيها على أصلين:
أولاً: كون خبر الواحد حجة في أمر الدين إذا كان عدلاً، ولقد ذكر هذه القاعدة في موضع أخر فقال:
"ما كان من أمر الدين، الواحد فيه حجة. (إذا كان عدلاً) (١).
ثانياً: الحقوق لا يجوز فيها إلا ما يجوز في الحكم، أي لا يكفي فيها قول واحد ولو كان عدلاً، كما في أمر الدين، بل لا بد من شاهدين كما في الحكم. والله أعلم.
ولا شك أن مثل هذا المنهج في التعليل أقرب ما يكون إلى منهج التقعيد الذي وجد في القرون المتأخرة.
وأحياناً نجده يسلك طريق البدء بالقاعدة ويفرَّع بعض المسائل عليها كما يتمثل ذلك في النص التالي.
٣ - و .... كل أمر لا يحل إلا بملك أو نكاح فإنه لا يحرم بشيء، حتى ينتقض النكاح والملك، ولا يكون الرجل الواحد المسلم ولا المرأة في ذلك حجة، إنه إنما حل من وجه الحكم ولا يحرم إلا من الوجه الذي حل به منه.
ألا ترى أن عقدة النكاح وعقدة الملك لا ينقضهما في الحكم إلا رجلان أو رجل وامرأتان، فإن كان الذي يحل بذلك لا يحل إلا به لم يحرم حتى ينتقض الذي به حل.
كل أمر يحل بغير نكاح ولا ملك إنما يحل بالإذن فيه، فأخبر رجل مسلم ثقة أنه حرام فهو عندنا حجة في ذلك،
стр. 56
ولا ينبغي أن يؤكل ولا يشرب ولا يتوضأ منه" (١).
وقد وحدت هناك قواعد جامعة أخرى جرت على لسانه عند التعليل والتوجيه لبعض الأحكام، وإليك نماذج منها.
٤ - "كل من له حق فهو له على حاله حتى يأتيه اليقين على خلاف ذلك" واليقين أن يعلم أو يشهد عنده الشهود العدول (٢).
٥ - "التحري يجوز في كل ما جازت فيه الضرورة" (٣). وبناء على ذلك إذا اشتبه عليه الطاهر بالنجس لم يجب عليه أن يتحرى في أحدهما للوضوء وينتقل إلى البدل وهو التيمم بخلاف الشرب.
٦ - "لا يجتمع الأجر والضمان" (٤) فانظر إلى هذه القواعد كيف أُحْكم نسجها وصقلت صياغتها وإن منها ما يماثل تم الأسلوب الذي راج وشاع في كتب المتأخرين عند التقعيد على سبيل المثال قوله "لا يجتمع الأجر والضمان" فقد عبرت عنه "المجلة": بالصيغة نفسها تقريباً وهي: "الأجر والضمان لا يجتمعان" (٥).
стр. 57
وعلى ذلك المنوال جرى الإمام المذكور في مواضع من كتابه "الحجة" أيضاً، فعلى سبيل المثال نجده في كتاب البيوع من الكتاب المذكور يتطرق إلى مسائل كثيرة ثم في الختام يضع قاعدة مهمة فيقول:
٧ - "كل شيء كره أكله والانتفاع به على وجه من الوجوه فشراؤه وبيعه مكروه، وكل شيء لا بأس بالانتفاع به فلا بأس ببيعه" (١).
وعلى غرار ما سبق لما قلبنا النظر في كتاب "الأم" الذي أملاه الإمام الشافعي ﵀ (٢٠٤ هـ) على بعض أصحابه وجدناه أحياناً يقرن الفروع بأصولها. وتلك الأصول في الغالب لا تعدو أن تكون ضوابط فقهية ومن الخليق بأن نسميّها "كُلّيات" باعتبار بدايتها بـ "كلّ".
وبجانب ذلك هناك قواعد فقهية يمكن إجراؤها وتطبيق الفروع عليها في كثير من الأبواب. وهي آية بيّنة على رواسب هذا العلم في أقدم المصادر الفقهية، ورسوخ فكرة التعليل والتأصيل للأحكام عند الأئمة الأولين. وإليك نماذج متنوعة من الكتاب المذكور:
١ - "الأعظم إذا سقط عن الناس سقط ما هو أصغر منه": هذه القاعدة جرت على لسان الإمام الشافعي عند تعليل بعض الأحكام المتعلقة بالإكراه كما جاء في الكتاب المذكور تحت عنوان: "الاكراه وما في معناه": قال الشافعي ﵀: قال الله
стр. 58
عز وجل ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ﴾ (١) ثم أضاف إلى ذلك قائلاً: "وللكفر أحكام كفراق الزوجة وأن يقتل الكافر ويغنم ماله، فلما وضع الله عنه، سقطت عنه أحكام الإكراه على القول كله لأن الأعظم إذا سقط عن الناس سقط ما هو أصغر منه وما يكون حكمه بثبوته عليه" (٢).
٢ - "الرخص لا يُتَعَدَّى بها مواضعها": نص على هذه القاعدة عند بيان مسائل تتصل بصلاة العذر، إذ يقول معلّلاً لبعض الأحكام: " .... إن الفرض استقبال القبلة والصلاة قائماً، فلا يجوز غير هذا إلا في المواضع التي دل رسول الله ﷺ عليها، ولا يكون شيء قياساً عليه، وتكون الأشياء كلها مردودة إلى أصولها. والرخص لا يتعدى بها مواضعها" (٣). ونجده يوحي إلى معنى هذه القاعدة في موضع آخر مع ضرب المثال لها فيقول: " ... ولم نُعَدِّ بالرخصة موضعه كما مر نُعَدِّ بالرخصة المسح على الخفين، ولم نجعل عمامة ولا قفازين قياساً على الخفين" (٤).
ويبدو عند التأمل أن هذه القاعدة قريبة مما تقرره القاعدة المشهورة: "ما ثبت على خلاف القياس ففيره لا يقاس عليه" (٥).
٣ - "ولا ينسب إلى ساكت قول قائل ولا عمل عامل إنما ينسب إلى
стр. 59
كلّ قوله وعمله" (١).
هذه القاعدة أفصح عنها عند نقاش موضوع الاجتماع على مسائل فقهية. ثم تداولها الفقهاء وطبقوها في كثير من الأحكام.
ولا شك أن القاعدة في موضعها جرت حسب مقتضى الموضوع، وربما لم تكن هناك حاجة إلي مزيد من الكلام لكن الفقهاء لم يقفوا عندها بل أتبعوها باستثناء يُكمل الموضوع فأضافوا إليها: "ولكن السكوت في موضع الحاجة بيان" وهذا المثال خير شاهد على التطور المستمر المتواصل في صيغ القواعد على امتداد الزمان.
٤ - (أ) "يجوز في الضرورة ما لا يجوز في غيرها" (٢).
(ب) "قد يباح في الضرورات ما لا يباح في غير الضرورات (٣).
(ج) "كل ما أحل من مُحرَّم في معنى لا يحل إلا في ذلك المعنى خاصة، فإذا زايل ذلك المعنى عاد إلى أصل التحريم، مثلاً: المَيْتَة المُحرَّمة في الأصل المُحَلَّةُ للمضطر، فإذا زايلت الضرورة عادت إلى أصل التحريم" (٤). فهذه القواعد الثلاث - التي تباينت صيغها ومظاهرها - نجدها متحدةً في مغزاها، فإنها تُفْضى إلى مفهوم واحد وهو بيان حكم الضرورة.
стр. 60
ثم القاعدة الأخيرة بجانب بيان الحكم تضيف قيداً إلى القاعدة، وهو: فإذا زايلت الضرورة عادت إلى أصل التحريم. ومما لا غبار عليه ان هذه القواعد جرت على نسق قويم ورصين.
ثم هى وأشباهها ربما ساعدت الفقهاء على سبْك القاعدة وصهرها في قالب أضبط وأركز، فقد شاهدنا هذا التطور، ووجدنا الفقهاء يعبرون عما سبق بقولهم: الضرورات تبيح المحظورات، وكذا: الضرورة تُقدر بقدرها.
٥ - "الحاجة لا تُحق لأحد أن يأخد مال غيره" (١).
هذه القاعدة يتبين فيها مدى احترام حقوق العباد في أحوالهم والحفاظ عليها، إذ الحاجة لا تبرّر أخذ مال الغير، فلو أخذه أحد لكان آثماً وضامناً، بخلاف الضرورة التي تُسْقط الإثم وتفرض الضمان إذ الاضطرار لا يُبطلُ حقّ الغير.
وقد أشار الإمام الشافعي أيضاً إلي ذلك الفرق بين الضرورة والحاجة في القاعدة التالية:
٦ - " ... وليس بالحاجة محرَّم إلاَّ في الضرورات" (٢).
وما سوى تلك القواعد هناك عبارات مذهبية تحمل سمة القواعد كما ورد في النص التالي: "والرخصة عندنا لا تكون إلاَّ لمطيع، فأما العاصي فلا" (٣).
فهذه العبارة وأمثالها لما تكررت على ألسنة الفقهاء اكتسبت
стр. 61
صيغة مركزة، فقد عبر عنها الفقهاء المتأخرون في المذهب بقولهم: "الرُّخص لا تناط بالمعاصي".
أما "الكليات" التي أشرت إلى وجودها في مستهل الكلام هنا فهي كثيرة، وبعضها قريب من مفهوم القواعد، ومعظمها ضوابط فقهية. وفيما يلي تقدم نماذج منها ونختم بها موضوع القواعد عند الإمام الشافعي.
١ - "كل ما له مثل يردُّ مثله، فإن فات يردّ قيمته (١) "
٢ - "كل من جُعل له شيء فهو إليه إن شاء أخذه وإن شاء تركه" (٢).
٣ - "كل حق وجب عليه فلا يبرئه منه إلا أداؤه" (٣).
وفيما يبدو أن هذه الأمثلة يتحقق فيها مفهوم القاعدة وتصلح أن تدرج في سلكها من حيث المظهر والمعنى.
أما الكليات التي ينطبق عليها مفهوم الضابط فهي مثل قوله: "كل ثوب جهل من ينسجه، أنسجه مسلم، أو مشرك، أو وثني، أو مجوسي، أو كتابي، أو لبسه واحد من هؤلاء أو صبي، فهو على الطهارة حتى يعلم أن فيه نجاسة" (٤).
وكذلك قوله: "كُلُ حالٍ قدر المصلي فيها على تأدية فرض الصلاة كما
стр. 62
فرض الله تعالى عليه صلاها، وصلى ما لا يقدر عليه كما يطيق" (١).
فإن هذين المثالين لا يسري عليهما حكم القاعدة، فإنهما من الضوابط، ولكن يمكن أن نعدّ كلا المثالين ضابطاً في ميدان القواعد، من حيث إن المثال الأول يتضمن فروعاً تتعلق بالقاعدة الأساسية الشهيرة "اليقين لا يزول الشك".
والمثال الثاني بمثابة فرع لما تُقَرِّره القاعدة المتداولة بين الفقهاء: "الميسور لا يسقط بالمعسور".
ومن القواعد المنسوبة إلي الإمام الشافعي ﵀ القاعدة المشهورة: "إذا ضاق الأمر اتسع" فقد ذكر العلامة الزركشي نقلاً عن أئمة الشافعية أن هذه القاعدة من عبارات الشافعي الرشيقة. وقد أجاب بها في عدة مواضع منها: ما إذا فقدت المرأة وليها في سفر فولت أمرها رجلاً يجوز. قيل له: كيف هذا؟ فقال: إذا ضاق الأمر اتسع" (٢).
هناك عبارات مروية عن الإمام أحمد (٣) ﵀ (٢٤١ هـ). أوردها الإمام أبو داود (٤) في كتاب "المسائل" تتسم بطابع القواعد.
стр. 63
وهي قواعد مفيدة في أبوابها. منها: ما جاء في باب الهبة عنه قال: "سمعت أحمد يقول: "كل ما جاز في البيع تجوز فيه الهبة والصدقة والرهن" (١).
وفي باب بيع الطعام بكيله ورد عن طريقه قول أحمد أنه قال: "كل شيء يشتريه الرجل مما يكال أو بوزن فلا يبعه حتى يقبضه، وأما غير ذلك فرخص فيه" (٢).
ومن هذا الباب ما روى عن القاضي سَوَّار (٣) بن عبد الله (٢٤٥ هـ) قوله: "كل أمر خالف أمر العامة فهو عيب يرد به" (٤).
من خلال هذا العرض الوجيز لبعض ما وصل إلينا من الأحاديث والآثار والأقوال في معنى القواعد يمكن أن نخلص إلى الأمور التالية:
١ - وجدت القواعد الفقهية ورسخت فكرتها عند الأقدمين في غضون هذه المراحل كلها، قبل أن تعرف تلك العبارات باعتبارها قواعد
стр. 64
وتصطبغ بصبغة "العلم".
٢ - إذا أردنا أن نرسم صورة واضحة لتطور حركة التأليف في مجال القواعد، فإن علينا أولاً أن نعتمد على مثل تلك النصوص المبعثرة هنا وهناك فهي مصدر الانطلاق لنا في هذا الباب.
٣ - لقد جرت على ألسنة المتقدمين من القواعد ما تضارع القواعد المتداولة في القرون المتأخرة ولا سيما بعض ما ذكرناه عن الإمام محمد والإمام الشافعي - رحمهما الله - فهي تقريباً نفس القواعد المعهودة لدينا في أساليبها وصيغها.
٤ - فيما يظهر أن تلك الآثار والأقوال كانت حافزاً للمتأخرين على استنباط القواعد وجمعها وتدوينها، والتقدم نحو هذا الاتجاه.
وعلى أقل التقدير يمكن القول بناء على هذه النماذج المأثورة أنه قامت اللبنة الأولى للقواعد في غضون القرون الثلاثة الأولى، بحيث شاع فيها استعمال تلك القواعد وتبلورت فكرتها في أذهانهم، وإن لم يتسع نطاقها، لعدم الحاجة إليها كثيراً في تلك العصور. وهو الطور الأول الذي أسميناه طور "النشوء والتكوين" للقواعد الفقهية.
стр. 65
الطور الثاني: طور النمو والتدوين
وأما بداية القواعد الفقهية باعتبارها فناً مستقلاً، فقد تأخرت عن العصور المبكرة إلى عصر الفقهاء في إبان القرن الرابع الهجري، وما بعده من القرون.
وتفصيلاً لهذا القول يمكن أن نقول إنه لما برزت ظاهرة التقليد في القرن الرابع الهجري، واضمحل الاجتهاد (١) وتقاصرت الهمم في ذلك العصر مع وجود الثروة الفقهية العظيمة الوافية التي نشأت من تدوين الفقه مع ذكر أدلته وخلاف المذاهب وترجيح الراجح منها - وهو الذي عرف أخيراً بالموازنة أو المقارنة بين المذاهب - وبما خلفه الفقهاء من أحكام اجتهادية معَلَّلة، لم يبق للذين أَتوا بعدهم إلاَّ أن يخرجوا من فقه المذاهب أحكاماً للأحداث الجديدة كما أشار إلى ذلك العلامة ابن خلدون (٢) بقوله:
стр. 66
"ولما صار مذهب كل إمام علماً مخصوصاً عند أهل مذهبه، ولم يكن لهم سبيل إلي الاجتهاد والقياس، فاحتاجوا إلى تنظير المسائل في الإلحاق، وتفريقها عند الاشتباه بعد الاستناد إلى الأصول المقررة من مذاهب إمامهم" (١).
وعن طريق هذا التخريج للمسائل على أصول المجتهدين نما للفقه واتسع نطاقه، وتمت مسائله، وبدأ الفقهاء يضعون أساليب جديدة للفقه، فهذه الأساليب يذكرونها مرة بعنوان القواعد والضوابط، وتارة بعنوان الفروق، وتارة أخرى بعنوان الألغاز (٢)، والمطارحات (٣)،
стр. 67
ومعرفة الأفراد (١)، والحيل (٢) وغيرها من الفنون الأخرى في الفقه، وتوسّعوا في بيان بعضها، منها الفروق والقواعد والضوابط.
وأما الفروق فقد وجدوا أن من المسائل الفقهية ما تشابه في الظاهر مما قد يظن أن له حكماً واحداً، ولكنه في الحقيقة مختلف، وبين المسألة والأخرى المشابهة لها فرقاً يجعل لكل مسألة حكماً خاصاً بها، فألفوا "الفروق" كما سلفت الإشارة إلى ذلك في الفصل الأول.
وأما القواعد والضوابط فحينما كثرت الفروع والفتاوى بكثرة الوقائع والنوازل توسعوا في وضعها على هَديٍ من سَلفهم تدور في أبواب مختلفة من الفقه تضبط كثرة الفروع، وتجمعها في قالب متّسق، لصيانتها من الضياع والتشتت كما فعل العلامتان أبو الحسن الكرخي في رسالته، وأبو زيد االدّبوسي في تأسيس النظر تحت عنوان الأصول، غير أنها إذا كانت في موضوعات مختلفة سميناها قواعد؛ وإذا كانت في موضوع واحد سميناها ضوابط، حسب ما استقر عليه الاصطلاح في القرون التالية.
ومما يشهد له التاريخ ويظهر ذلك بالتتبع والنظر، أن فقهاء المذهب الحنفي كانوا أسبق من غيرهم في هذا المضمار، ولعل ذلك للتوسع عندهم في الفروع، وأخذ بعض الأصول عن فروع أئمة مذهبهم، ومن ثم ترى
стр. 68
الإمام محمد ﵀ في كتاب الأصل يذكر مسألة فيفرّع عليها فروعاً قد يعجز الإنسان عن وعيها والإحاطة بها. وكل ذلك جعل الطبقات العليا من فقهاء المذهب يصوغون القواعد والضوابط التي تسيطر على الفروع الكثيرة المتناثرة وتحكمها.
ولعل أقدم خبر يروي في جمع القواعد الفقهية في الفقه الحنفي مصوغة بصيغها الفقهية المأثورة، ما رواه (١) الإمام العلائي الشافعي (٧٦١ هـ) والعلامتان السيوطي (٩١١ هـ) وابن نجيم (٩٧٠ هـ) في كتبهم في القواعد: أن الإمام أبا طاهر الدبَّاس (٢) من فقهاء القرن الرابع الهجري قد جمع أهم قواعد مذهب الإمام أبي حنيفة في سبع عشرة قاعدة كلية، وكان أبو طاهر ﵀ ضريراً يكرر كل ليلة تلك القواعد بمسجده بعد انصراف الناس. وذكروا أن أبا سعد الهروي (٣) الشافعي قد رحل إلى أبي
стр. 69
طاهر (١)، ونقل عنه بعض هذه القواعد. ومن جملتها القواعد الأساسية المشهورة وهي:
١ - الأمور بمقاصدها.
٢ - اليقين لا يزول بالشك.
٣ - المشقة تجلب التيسير.
٤ - الضرر يزال.
٥ - العادة محكَّمة (٢).
وإنه ليس من الميسور تحديد القواعد التي جمعها الإمام أبو طاهر، أو الوقوف عليها ما عدا هذه القواعد المشهورة الأساسية، إلا أنه يمكن أن الإمام الكرخي (٣٤٠ هـ) الذي هو من أقران الإمام الدَّبَّاس اقتبس منه بعض تلك القواعد، وضمَّها إلى رسالته المشهورة التي تحتوي على تسع وثلاثين قاعدة. ولعلها أول نواة للتأليف في هذا الفن.
وممن أضاف إلى ثروة هذه المجموعة المتناقلة عن الإمام الكرخي هو الإمام أبو زيد الدَّبوسي (٤٣٠ هـ) في القرن الخامس الهجري. إذا يمكن أن يقال إن القرن الرابع الهجري هو المرحلة الثانية في نشأة القواعد الفقهية
стр. 70
وتدوينها، حيث وجد أول كتاب في هذا الفن وهو يمثل بداية هذا العلم من ناحية التدوين.
أما بعد كتاب "تأسيس النظر" للدَّبُّوسي فلم أعثر على أي كتاب في هذا العصر؛ وكذلك في القرن السادس الهجري، اللهم إلا كتاب الإمام علاء الدين محمد بن أحمد السمرقندي (٥٤٠ هـ) بعنوان "إيضاح القواعد" الذي ذكره صاحب هديّة العارفين (١) فإنه من المحتمل أن يكون ذلك الكتاب من قبيل هذا الموضوع.
ولا شك أن عدم العثور على المؤلفات لا يدل على انقطاع الجهود في هذه الحقبة المديدة، بل ينبغي أن يقال إنها طويت في لجة التاريخ أو ضاعت كما هو الشأن في كثير من الموضوعات.
أمَّا في القرن السابع الهجري فقد برز فيه هذا العلم إلى حد كبير، وإن لم يبلغ مرحلة النضوج. وعلى رأس المؤلفين في ذلك العصر: العلامة محمد بن إبراهيم الجاجرمي السّهلكي (٦١٣ هـ) (٢)، فألف كتاباً بعنوان: "القواعد في فروع الشافعية" (٣) ثم الإمام عزَّ الدين بن عبد السلام
стр. 71
(٦٦٠ هـ) ألف كتابه "قواعد الأحكام في مصالح الأنام" الذي طبَّق صِيْتُه الآفاق. ومن فقهاء المالكية ألف العلامة محمد بن عبد الله بن راشد البكري القفصيُّ (٦٨٥ هـ) كتاباً بعنوان: "المُذهب في ضبط قواعد المَذهب" (١).
فهذه المؤلفات تعطينا فكرة عامة عن القواعد الفقهية في القرن السابع الهجري، وأنها بدأت تختمر وتتبلور يوماً فيوماً.
أما القرن الثامن الهجري فهو يعتبر العصر الذهبي لتدوين القواعد الفقهية ونمو التأليف فيها، تفوقت فيه عناية الشافعية لإبراز هذا الفن. ثم تتابعت هذه السلسلة في المذاهب الفقهية المشهورة.
ومن أهم وأشهر ما ألف في ذلك العصر الكتب التالية:
١ - الأشباه والنظائر: لابن الوكيل الشافعي (٧١٦ هـ).
٢ - كتاب القواعد: للمَقرَّي المالكي (٧٥٨ هـ).
٣ - المجموع المُذهب في ضبط قواعد المذهب: للعلائي الشافعي (٧٦١ هـ).
٤ - الأشباه والنظائر: لتاج الدين السبكي (٧٧١ هـ).
стр. 72
٥ - الأشباه والنظائر: لجمال الدين الإسنوي (١) (٧٧٢ هـ).
٦ - المنثور في القواعد: لبدر الدين الزركشي (٧٩٤ هـ).
٨ - القواعد في الفقه: لابن رجب الحنبلي (٧٩٥ هـ).
٩ - القواعد في الفروع لعلي بن عثمان الغَزّي (٢) (٧٩٩ هـ).
ومعظم هذه المؤلفات - على اختلاف مناهجها ومناحيها - حملت ثروة كبيرة من القواعد والضوابط، والأحكام الأساسية الأخرى، وفيها إرهاص على نضوج هذا الفن إلى حد كبير ذلك العصر.
وفي القرن التاسع الهجري أيضاً جدّت أخرى على المنهاج السابق. فتجد في مطلع هذا القرن العلامة ابن الملقَّن (٨٠٤ هـ) صنّف كتاباً في القواعد اعتماداً على كتاب الإمام السبكي، وما سواه من الكتب التي نسجلها كما يلي:
١ - أسنى المقاصد في تحرير القواعد: لمحمد بن محمد الزبيري (٣) (٨٠٨ هـ).
стр. 73
٢ - القواعد لمنظومة: لابن الهائم المقدسي (١) (٨١٥ هـ)، وأيضاً قام بتحرير "المجموع المُذهب في قواعد المذهب" للعلائي، وأسماه "تحرير القواعد العلائية وتمهيد المسالك الفقهية" (٢).
٣ - كتاب القواعد: لتقي الدين الحصني (٨٢٩ هـ).
٤ - نظم الذخائر في الأشباه والنظائر: لعبد الرحمن بن علي المقدسي المعروف بشُقير (٣) (٨٧٦ هـ).
٥ - الكليات الفقهية والقواعد: لابن غازي المالكي (٤) (٩٠١ هـ).
стр. 74
٦ - القواعد والضوابط لابن عبد الهادي (٩٠٩ هـ) يوسف بن حسن.
ونستطيع أن نقول من خلال النظر في بعض تلك المؤلفات التي عثرنا عليها: إن الجهود في هذا الفن تتالت على مرور الأيام، وإن ظل بعضها مقصوراً وعالة على ما سبقها من الجهود في القرن الثامن الهجري، خاصة عند الشافعية. وإنما قام العلماء في هذا العصر بتكميل أو تنسيق لما جمعه الأوائل، كما تجد هذه الظاهرة واضحة في كتابي ابن الملقن وتقي الدين الحصني.
ويبدوا أنه رقى النشاط التدويني لهذا العلم في القرن العاشر الهجري حيث جاء العلامة السيوطي (٩١٠ هـ)، وقام باستخلاص أهم القواعد الفقهية المتناثرة المبُدَّدة عند العلائي والسبكي والزركشي، وجمعهما في كتابه "الأشباه والنظائر" في حين أن تلك الكتب تناولت بعض القواعد الأصولية مع الفقهية ما عدا كتاب الزركشي كما سيأتي بيان ذلك بشيء من التفصيل.
وفي هذا العصر قام العلامة أبو الحسن الزقاق التجيبي المالكي (٩١٢ هـ) بنظم القواعد الفقهية بعد استخلاصها وإقرارها من كتب السابقين مثل الفروق للقرافي وكتاب القواعد للمقَرَّى.
واحتل الكتاب مكاناً رفيعاً عند فقهاء المالكية كما يظهر ذلك من الأعمال التي تتابعت على المنظومة.
стр. 75
وكذلك العلامة ابن نجيم الحنفي (٩٧٠ هـ) ألف على طراز ابن السبكي والسيوطي كتابه "الأشباه والنظائر" وهو يعتبر خطوة متقدمة، لأنه بعد انقطاع مديد ظهر مثل هذا الكتاب في الفقه الحنفي. وتهافت عليه علماء الحنفية تدريساً وشرحاً.
وهكذا أخذ هذا العلم في الاتساع مع تعاقب الزمان دون انقطاع في القرن الحادي عشر وما بعده من قرون، ومن هنا يمكن القول بأن الطور الثاني وهو طور النمو والتدوين "للقواعد الفقهية" الذي بدأ على أيدي الإمامين الكرخي والدَّبوسي، أوشك أن يتم ويَتَنسَّق بتلك المحاولات المتتالية الرائعة على امتداد القرون.
بعد هذا الاستعراض الوجيز لما تم ونضج في المرحلة الثانية لا بد من الوقوف وقفة إزاء تلك الجهود العلمية البناءة.
فيا تُرى هل جرى وضع القواعد الموجودة في المؤلفات المستقلة على أيدي مصنفيها، أو إنما هي مرحلة تدوينية فحسب استتبعت جهوداً سابقة في هذا المجال؟ فالذي يتبادر إلي الذهن وما يشهد له الواقع أن المدونين للقواعد اقتبسوها بصفة عامة من المصادر الفقهية الرئيسية الأصلية، كُلٌّ من كتب مذهبه، كما نتلمح ذلك عند تقليب النظر في مصادر الفقه القديمة، حيث وردت القواعد فيها بصورة متناثرة في أماكن مختلفة.
لا يتنافى ذلك مع كون بعض المؤلفين الذين كانوا يتمتعون بملكة ورسوخ في الفقه مثل ابن الوكيل وابن السبكي والعلائي ربما تمكنوا من وضع بعض القواعد التي لم ترد في كتب السابقين كما تبدو هذه الظاهرة من خلال المدونات الموجودة بين أيدينا وأحياناً صاغوا بعض عبارات الأقدمين التي حملت سمة القواعد صياغة متقنة جديدة.