← Каваид фикха

Каваид фикха · id 14596

موسوعة القواعد الفقهية

محمد صدقي آل بورنو

Полный текст (5 326 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

لِأوّل مرَّة في تَارِيخ الفِقهِ الإسلامي مُوْسُوعَة القَواعِد الفِقْهِيَّة جَمع وَترتيب وَبَيان الشيخ الدكتور محمد صدقي بن أحمَد البورنو أبو الحَارث الغزِّي عَفَا الله عَنه الأستَاذ المشارك بجامِعَة الإمَام محَمّد بن سُعود الإسلامِيّة القِسْمُ الأوّل حَرف الهَمزة المجَلّد الأول

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 3

الإهداء إلى من أراد الله بهم الخير ففقههم في دينه وجعلهم أمناء شرعه وحملة شريعته وورثة نبيه ﷺ . من علماء هذه الأمة الأخيار وفقهائها الأبرار الذين قعدوا قواعد الفقه وأرسوا أركانه وضبطوا حدود الشرع وأعلوا بنيانه فكانوا العلماء حقاً الفقهاء صدقاً. إليهم أهدي دعوة صادقة من قلب مخلص أن يغفر الله لهم أخطاءَهم ويعفو عن زلاتهم وأن يورثهم بإخلاصهم لدينه وذبِّهم عن شرعه وعن سنة رسول ﷺ أن يورثهم الفردوس الأعلى في جنات النعيم مع الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وأن يلحقنا بهم غير ضالين ولا مضلين ولا فاتنين ولا مفتونين برحمته فهو سبحانه خير الراحمين وخير الغافرين.

стр. 4

التمهيد إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل له، ومن يُضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله وصفيه وخليله، أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله بشيراً ونذيراً وسراجاً منبراً، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله. من يطع الله ورسوله فقد فاز ورشد، ومن يعص الله ورسوله فقد خاب وخسر، ولا يضر إلا نفسه، ولا يضر الله شيئاً ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (١)﴾ (١). ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٢)﴾ (٢). ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ (٣)

стр. 5

أما بعد .. فإن علم القواعد الفقهية من أعظم علوم الشريعة وأهمها للفقيه والمفتي والقاضي والحاكم، إذ به تتدرب النفوس في مآخذ الظنون ومدارك الأحكام. فمن استوعب القواعد وأحاط بها فقد استوعب وأحاط بالفقه كله، وبالتالي فقد حصل على الخير كلِّه، و"من يُرد الله به خيراً يُفقهه في الدين (١) ". ومن جمع القواعد الفقهية فقد سلك لأحكام المسائل الفقهية - مهما اختلفت موضوعاتها وتباعدت مخارجها - أيسر سبيل وأقوم طريق. فهو علم عظيم النفع جليل الفائدة إذ هو علم الحلال والحرام. وقد اعتنى به العلماء قديماً وحديثاً، فلتعدد مذاهب الفقهاء، واختلاف طرقهم في الاستنباط، ولكثرة المسائل الفقهية وتنوعها وتشعبها فقد رأى العلماء المجتهدون والفقهاء المتمرسون أن الحاجة ماسّة لوضع قواعد كلية وأصول عامة تجمع تلك الفروع والمسائل الكثيرة المتفرقة حتى لا يتوه طالب الحكم بين أشتات الجزئيات وأحكام المسائل المختلفات، فقام عدد من أكابر فقهاء المذاهب الذين أحاطوا علماً بمناهج كبار الأئمة السابقين وأصولهم فتعرفوا علل الأحكام التي يستنبطها أولئك، واستقصوا أنواع الأحكام المتشابهة التي تجمع بين المسائل المختلفة، فجمعوا الشبيه إلى شبيهه وضموا النظير إلى نظيره، وضبطوا ما تشابه وتماثل برباط وضابط واحد هو القاعدة فتكونت بذلك القواعد الفقهية التي تجمع كل واحدة منها المسائل

стр. 6

المتحدة في حكمها وتنظمها بسلك واحد. فكان هذا العمل الجليل العظيم أساساً سليماً وقياساً صحيحاً مستقيماً لاستنباط واستخراج علل الأحكام الفقهية. ولا أجد ما يمثل أهمية ومكانة القواعد الفقهية خير تمثيل، ويدل على عظمها وجلالة قدرها خير دلالة أفضل وأجزل من قول القرافي (١) رحمه الله تعالى، في مقدمة كتابه الفروق حيث قال: مبيناً مكانة القواعد الفقهية وأثرها في الفقه والفقهاء -: أما بعد .. فإن فروع الشريعة المعظمة المحمدية زاد الله تعالى منارها شرفاً وعُلوّاً اشتملت على أصول وفروع، وأصولها قسمان: أحدها: المسمى بـ "أصول الفقه" وهو في غالب أمره ليس فيه إلا قواعد الأحكام الناشئة عن الألفاظ العربية خاصة، وما يعرض لتلك الألفاظ من النسخ والترجيح، ونحو: الأمر للوجوب، والنهي للتحريم، والصيغة الخاصة للعموم ونحو ذلك، وما خرج عن هذا النمط إلا كون القياس حجة وخبر الواحد وصفات المجتهدين. والقسم الثاني: قواعد كلية فقهية جليلة، كثيرة العدد عظيمة المدد مشتملة على أسرار الشرع وحِكَمِه. لكل قاعدة من الفروع في

стр. 7

الشريعة ما لا يحصى، ولم يذكر منها شيء في أصول الفقه، وإن اتفقت الإشارة إليه هنالك على سبيل الإجمال فبقي تفصيله لم يتحصل. [مكانة هذه القواعد] وهذه القواعد مهمة في الفقه، عطيمة النفع، بقدر الإحاطة بها يعظم قدرُ الفقيه ويَشْرُف، ويظهر رونق الفقه ويُعْرَف، وتتضح مناهج الفتوى وتكشف، فيها تنافس العلماء، وتفاضل الفضلاء، وبرَّز القارح على الجذع (١)، وحاز قصب السبق مَن فيها برع. ومن جعل يخرج الفروع بالمناسبات الجزئية، دون القواعد الكلية، تناقضت عليه الفروع واختلفت، وتزلزت خواطره فيها واضطربت، وضاقت نَفْسُه لذلك وقنطت، واحتاج إلى حفظ الجزئيات التي لا تتناهى، وانتهى العمر ولم تقض نفسه من طلب مناها. ومن ضبط الفقه بقواعده استغنى عن حفظ أكثر الجزئيات، لاندراجها في الكليات، واتحد عنده ما تناقض عند غيره، وأجاب الشاسع البعيد وتقارب، وحصل طلبته في أقرب الأزمان، وانشرح صدره لما أشرق فيه من البيان. فبين المقامين شأو بعيد، وبين المنزلتين تفاوت شديد (٢).

стр. 8

صلتي بعلم القواعد الفقهية ودواعي تأليف هذة الموسوعة: تعود صلتي بهذا العلم الجليل إلى قريب من خمس عشرة سنة - أي سنة أربعمئة بعد الألف لهجرة المصطفى ﷺ إذ اقترح قسم أصول الفقه في كلية الشريعة التابعة لجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض تدريس هذ العلم لطلاب الكلية وأُسند إليَّ وضع منهج هذا العلم وتدريسه، وبهذا كانت كلية الشريعة هذه أسبق الكليات الشرعية لتقرير هذا العلم باعتباره مقرراً دراسيا لطلابها إذ أن ما سبقها من كليات الشريعة في العالم الإسلامي ما اعتنوا بهذا العلم ولم يقرروه على الطلاب إلا في بعض أقسام الدراسات العليا، مع أن إحدى مدارس مكة المكرمة وهي المدرسة الصولتية كان يدرس لطلابها القواعد التي صدَّر بها الإمام السيوطي كتابه الأشباه والنظائر ولكن ما عدا ذلك - بحسب علمي - كان هذا العلم مجهولاً عند كثير من طلاب العلم الشرعي لعدة قرون. ولكن حين أسند إليَّ وضع منهج لهذا العلم وتدريسه أخذت أبحث وأنقب عن المؤلفات في هذا العلم فلم أجد من كتبه مطبوعاً غير بضعة مؤلفات لأئمة من الفقهاء المتأخرين وكان أهم ما عثرت عليه كتاب تأسيس النظر للإمام الدبوسي مع أصول الإمام الكرخي، وكتاب تقرير القواعد وتحرير الفوائد للحافظ أبي الفرج ابن رجب الحنبلي المعروف باسم "قواعد الفقه الإسلامي" ثم كتاب الأشباه والنظائر للإمام السيوطي الشافعي، وكتاب الأشباه والنظائر لابن نجيم الحنفي،

стр. 9

وكتاب إيضاح المسالك للونشريسي المالكي - مطبوعاً على الآلة - وكتاب الفروق للقرافي، وعثرت أيضاً على شرح علي حيدر لمجلة الأحكام العدلية حيث صدِّرت المجلة بتسع وتسعين قاعدة فقهية، وما كتبه شيخي وأستاذي الجليل مصطفى بن أحمد الزرقا الحلبي في كتابه العظيم المدخل الفقهي العام في الباب الثالث منه حيث تحدث فيه عن القواعد الفقهية ونشأتها وتدوينها وذكر بعض ما أُلِّف فيها وذكر قواعد المجلة مع شرح موجز لها وأضاف إليها إحدى وثلاثين قاعدة أُخرى من قواعد المذهب الحنفي. وعثرت أيضاً على كتاب أبي سعيد الخادمي مجامع الحقائق وشرحه منافع الدقائق حيث ختمه بثلاثين ومائة قاعدة مرتبة ترتيباً أبجدياً. وكتاب الفرائد البهية للمفتي محمود حمزة، وكتاب غمز عيون البصائر شرح كتاب الأشباه والنظائر لأحمد بن محمد الحنفي الحموي، وشرح الخاتمة - أي خاتمة مجامع الحقائق، لسليمان القرق أغاجي، ومن المخطوطات: الأشباه والنظائر لابن السبكي، وتوفيق الإله حاشية على فن من الأشباه لسنبلي زاده، ومن خلال البحث المستمر والتنقيب الجاد في أمهات مصادر المؤلفين والمؤلفات اطلعت على أسماء أعداد كبيرة من الكتب التي اعتنت بهذا العلم تدويناً وشرحاً وتمثيلاً وتعليلاً وتأصيلاً، عدا ما انتثر من القواعد في ثنايا أبواب الفقه ومسائله. ولكن ما لفت نظري وشد انتباهي أن كل مَن ألف في القواعد الفقهية جمعاً لها أو شرحاً وتمثيلاً إنما اعتنى بها وألف فيها في نطاق مذهبه، فكان عمله منحصراً في قواعد المذهب وقلما يشار إلى قاعدة

стр. 10

أو حكم مسألة في مذهب أخر، ولم أجد كتاباً في القواعد مقارناً بين المذاهب مثل كتب الفقه المقارن غير كتاب تأسيس النظر للإمام الدبوسي، وقد استفدت من هذا الكتاب فائدة عظيمة جداً في شحذ همتى لإخراج موسوعة القواعد الفقهية الشاملة لكل القواعد في كل المذاهب ما اتفق منها وما اختلف. فأخذت على نفسي أن أسلك طريقاً غير ما سلكه أولئك المؤلفون وانهج نهجاً مغايراً لما نهجوه، فقمت أولاً بتأليف كتاب الوجيز في إيضاح قواعد الفقه الكلية،، ليكون بأيدي الطلاب الذين يدرسون هذا العلم في مختلف الكليات الشرعية في داخل المملكة العربية السعودية وخارجها حيث أن كثيراً من كليات الشريعة في العالم العربي سارت على نهج كلية الشريعة في جامعة الإمام في تقرير هذا العلم وتدريسه لطلابها، واشتمل كتاب الوجيز على ثمانين ومائة قاعدة تقريباً كلية وفرعية وفي مقدمتها القواعد الست الكبرى وما تفرع عليها من قواعد مستخلصة من مختلف كتب القواعد من مختلف المذاهب وقمت بشرح هذه القواعد والاستدلال لكثير منها، وكان تمثيلي لفروعها غير منحصر في مذهب معين بل حاولت أن يكون الكتاب شاملاً لمسائل من مختلف المذاهب مع المقارنة بينها وبيان أوجه الخلاف في كثير من المسائل، وقد لاقى هذا الكتاب بحمد الله وتوفيقه إقبالاً ونهمة شديدين من المشتغلين بالفقه وطلاب العلم الشرعي وغيرهم وقد طبع ثلاث طبعات والرابعة في الطريق بإذن الله.

стр. 11

وكنت قدَّرت أن يكون هذا الكتاب بداية ومقدمة لتأليف حديث في القواعد الفقهية تتلوه كتب أخرى أشمل وأوسع، وبخاصة وفي خلال عقد واحد من الزمن حقق ونشر عدد كبير من أمهات كتب القواعد والأشباه والنظائر ومن أهمها: الأشباه والنظائر لابن الوكيل، والأشباه والنظائر لابن السبكي، وقواعد الحصني - مختصر قواعد العلائي. وقواعد ابن خطيب الدهشة - مختصر قواعد العلائي والأسنوي - وقواعد المقري، والإعتناء للبكري وغيرها كثير، كما ألف في القواعد الكلية الكبرى مؤلفات نال بها مؤلفوها درجات علمية كالماجستير والدكتوراه. ولكن مع هذا كله لم أجد كتاباً واحداً شاملاً لكل القواعد في كل المذاهب يلم شتاتها ويبرزها بصورة جلية واضحة، وحتى الكتب الخاصة بالقواعد أو بالأشباه والنظائر - كما أطلق على كثير منها، أو كتب الفروق - لم أجد كتاباً خالصاً للقواعد الفقهية بل إن المؤلفين لتلك الكتب - سواء من تقدم منهم ومن تأخر - مع ذكرهم واعتنائهم بكثير من قواعد الفقه - خلطوا مع القواعد الفقهية أحكاماً فقهية مختلفة بعناوين مختلفة، أو خلطوها بقواعد أصولية أو لغوية أو كلامية، من ذلك على سبيل المثال: المجموع المذهب للإمام العلائي، والأشباه والنظائر لابن الوكيل، ولابن السبكي وللسيوطي، ولابن نجيم وغيرهم. ولذلك عزمت مستعيناً بالله متوكلاً عليه واثقاً به أن أقوم بجمع شتات القواعد الفقهية من مختلف كتب القواعد وكتب

стр. 12

الفقه العام وحيثما وجدت في مختلف المذاهب لأخرج منها موسوعة شاملة لكل القواعد الفقهية التي يمكنني العثور عليها، لتكون معلمة فقهية عظيمة النفع جليلة الفوائد وتسد في صرح الفقه الإسلامي ثلمة أرجو أن يكون قد آن لها أن تنسد، وتضع هذا العلم الجليل في الطريق الصحيح النافع المفيد، وليلمس طلاب العلم الشرعي وغيرهم ما في صرح الفقه الإسلامي من كنوز مخبوءة قد آن لها بإذن الله أن تظهر وتكشف ليعم النفع بها. عملي في هذه الموسوعة والنهج الذي سرت عليه في إنجاز ما تم منها: تأليف الموسوعات عمل شاق مجهد يعلم صعوبته ومشقته كل مَنْ عانى أو شارك في تأليف شيء منها. فالعمل الموسوعي يحتاج إلى جهود متضافرة، وعقول متعاونة، وهمم عالية، وأوقات متوافرة، وأزمان متطاولة، وعلماء شباباً منحوا القوة والجلد والصبر على البحث والتنقيب، وإمكانيات عظيمة، وأما أن يقوم بهذا العمل الضخم فرد واحد - مهما بلغ هذا الفرد من العلم والمعرفة والقوة والجلد والصبر والهمة العالية ومهما منح من سعة الوقت وفضل المُنُّة والصحة فهو عمل متعذر أو كالمتعذّر، فكيف إذا كان هذا الفرد طويلب علم، قصير الباع، ضيق العطن ضعيف المُنَّة، مشغول الأوقات، وفوق ذلك قد نيَّف على الستين! ولكني لما رأيت الهمم متقاصرة عن إنجاز مثل هذا العمل وخشيت إن طال انتظاري أن يضيع العمر ولم تقض نفسي من هذا

стр. 13

الشأن مناها، استعنت الله وتوكلت عليه وابتهلت إليه أن يمنحني القوة والعزم لأقوم - لا أقول بكل هذا العمل - ولكن لأقوم بالبدء فيه وفتح الطريق أمام العلماء والفقهاء وطلاب العلم ليكون لهم حافزاً وداعياً ليسيروا معي في طريق أقوم بتمهيده وتعبيده ليسلكوه معي ومِن بعدي على هدي منائر نصبتها، وصُوى أشعلتها، ومعالم حددتها، إن ساروا على هداها أرجو أن يتم العمل ويعلو البناء وتظهر الموسوعة كاملة يستفيد منها العلماء والفقهاء وطلاب العلم على مدى الأجيال القادمة، وإن أراد غيري أن ينصب لنفسه منائر أخرى ويشعل لسبيله صوى ومصابيح بديلة، ويحدد معالم جديدة، فليس لي أن أحَجِّر واسعاً، أو أضيق رحباً، ولكلّ وجهة، ولكن المهم أن يتم العمل وتنمو الشجرة وتنضج الثمرة لتكون قريبة المتناول دانية القطاف وأن يكون العمل مقصوداً به وجه الله سبحانه والدار الآخرة. أقول حينما عزمت على البدء في هذه الموسوعة وذلك منذ عشر سنوات تقريباً أخذت أستعرض كتب القواعد الفقهية، والأشباه والنظائر والفروق واستخرج ما فيها من قواعد أو ضوابط وأسجلها في سجل خاص ثم أخذت أستعرض بعض كتب الفقه العام وأستخرج منها كذلك ما أعثر عليه من قواعد وضوابط ترد في مقام تعليل الأحكام، ثم ميزت بين القواعد والصوابط حيث أردت أن تكون الموسوعة للقواعد الفقهية دون غيرها، ولا أقول إنني استعرضت كل كتاب في القواعد ولا كل كتاب في الفقه وإنما الذي استعرضته كان قُلاَّ من كثر وغيضاً من فيض ولكنه جهد المقل.

стр. 14

وقد وضعت نصب عيني مناهج عدة لأتخير المنهج الذي أعتقد أنه أنسب من غيره وأكثر جدوى وأعم فائدة، فنظرت في طرق التأليف في الموسوعات المختلفة وكيف سار فيها مؤلفوها، فرأيت منهم المقصر والمطول والمتوسط، منهم من يذكر المصطلح ثم يشرحه ويورد كل ما يتعلق به كما فعل مؤلفو موسوعة الفقه الإسلامي الصادر بعض أجزائها عن جمعية الدراسات الإسلامية القاهرة. ومنهم من يذكر المسألة أو المصطلح ويبين المعنى اللغوي والإصطلاحي ويذكر بعض الأحكام، كما فعل مؤلفو موسوعة الفقه الإسلامي - الكويت - مع عدم الإلتزام في كل الموسوعة بذلك، ومنهم من يكتفي بذكر المسألة ويشير إلى مراجعها ومصادرها فقط كما فعل سعدي أبو جيب في موسوعة الإجماع. ولكني رأيت أن أنهج نهجاً وسطاً لا هو بالقصير المخل ولا بالطويل الممل فسرت على الخطوات التالية. أولاً: رتبت القواعد ترتيباً أبجدياً بحسب الحرف الأول الذي تبدأ به القاعدة ثم ما بعده، وهي طريقة سار عليها بعض من ألف في القواعد وجمعها، وهي في نظري أسد طريقة في جمع القواعد وترتيبها، ورأيت أن أبدأ أولاً بتلك القواعد التي تبدأ بحرف الهمزة - فإذا أنهيتها تماماً أخذت فيما بعدها، وقد بلغت قواعد حرف الهمزة قريباً من سبعمئة قاعدة من مختلف المذاهب، ورأيت أن أخرجها أولاً حاملة اسم "القسم الأول" وأعطيت كل قاعدة منها رقماً مميزاً.

стр. 15

ثانياً: رأيت أن أُصدِّر الموسوعة بمقدمات توضح مبادئ علم القواعد ولتكون مدخلاً لهذا العلم ولهذه الموسوعة. ثالثاً: نظرت فرأيت أنني إن اكتفيت بسرد القواعد وذكرها مرتبة بإيراد نصوصها فقط تكون الفائدة منها قليلة جداً, لأن أكثر القواعد صيغت بأسلوب موجز - حيث يعتبر أكثرها من جوامع الكلم - ومع وجازة الأسلوب قد لا يفهم مضمون القاعدة إلا من تمرس بدراسة الفقه وعرف مصطلحات أهله، وقد يختلف المصطلح بين مذهب ومذهب، ولم تؤلف هذه الموسوعة للعلماء المتخصصين فقط، وإن كانت ألزم لهم من غيرهم. وقد سرت في بيان كل قاعدة تبعاً للخطوات التالية: أولاً: وضعت رقم كل قاعدة في أعلى الصفحة بخط كوفي معدل واضح. ثانياً: أذكر على يسار رقم كل قاعدة بخط أدق المصطلح الفقهي الذي تشير إليه القاعدة أو موضوع القاعدة. ثالثاً: أذكر لفظ أو ألفاظ ورود القاعدة، إن وردت القاعدة بصيغة واحدة أعطيها رقماً واحداً، وكذلك إذا تعددت صيغها دون اختلاف جوهري، وأما إن تعددت ألفاظ القاعدة وصيغها وكان بينها خلاف جوهري أو زيادة فائدة - إن كانت القاعدة مبتدأة بحرف الألف - الهمزة - أعطي كلاً منها رقماً خاصاً، وأما إن كانت إحداها مبتدأة بغير حرف الألف أشير إلى أنها ستردُ في حرفها ولا أعطيها رقماً.

стр. 16

رابعاً: أذكر معنى القاعدة ومدلولها. حيث أشرح كل قاعدة شرحاً موجزاً أبين فيه المعنى اللغوي لبعض ألفاظها ومضمون القاعدة وموضوعها والمعنى الاصطلاحي لما يرد فيها من مصطلحات فقهية. ولا أطيل في الشرح إلا إذا كان في القاعدة خلاف إلا قاعدة النية فقد أطلت الشرح لها مقصوداً. خامساً: أمثل لكل قاعدة بمثال أو أكثر يوضح مضمونها ويظهر الحكم الذي أشارت إليه القاعدة، وإذا وجد خلاف في حكم مسألة أذكر الخلاف باختصار. سادساً: رأيت خلال استخراج هذه القواعد ودراستها أن بعض المؤلفين في قواعد مذهب ما يشير إلى خلاف في القاعدة أو في بعض مسائلها عند مذهب آخر أو عند إمام من الأئمة فأخذت على عاتقي أن أتحقق من ذلك الخلاف ومدى صدق القول في ذلك وواقعيته من كتب صاحب المذهب المشار إلى خلافه، وقد رأيت أن كثيراً من مسائل الخلاف المنسوبة للمذاهب الأخرى غير صحيحة وينقصها دقة النظر أو صحة النقل لأن في المذهب المنسوبة إليه خلافها. فأشير إلى ذلك وأذكر الصواب من كتب المذهب ذاته. سابعاً: أذكر في الهوامش مظان وأماكن وجود كل قاعدة حيث أذكر اسم الكتاب والجزء والصفحة، ورقم القاعدة إن كان لها في مصدرها رقم خاص أو فقرة خاصة. ثامناً: قمت بترقيم الآيات الواردة في الموسوعة وعزوتها إلى سورها.

стр. 17

تاسعاً: قمت بتخريج كل حديث ورد في الموسوعة، سواء كان الحديث هو نص القاعدة أو ذكر ضمن شرح وبيان معنى القاعدة أو خلال التمثيل لها. عاشراً: ترجمت للأعلام الذين وردت أسمائهم بترجمات موجزة مشيراً إلى موضع الترجمة من كتب التراجم. حادي عشر: كتبت نص القاعدة بالخط النسخي الواضح، وما يشير إلى رقم القاعدة، وألفاظ ورودها، وبيان معناها، والتمثيل لها، بخط كوفي معدل واضح، وما عدا ذلك بخط النسخ العادي. ثاني عشر: قمت بعمل فهارس علمية شاملة: ١ - فهرس الآيات الكريمة حسب ورودها. ٢ - فهرس الأحاديث الشريفة كذلك. ٣ - فهرس القواعد بحسب ترتيبها في الكتاب. ٤ - فهرس المصطلحات الفقهية مرتبة ترتيباً أبجدياً. ٥ - فهرس الأعلام مرتبة أيضاً ترتيباً أبجدياً. ٦ - فهرس المصادر والمراجع مرتبة أبجدياً مع ذكر المطبعة وسنة الطبع ورقم الطبعة عند الوجود. هذا جهدي فما كان فيه من حق وصواب فمن الله وبهدايته ودلالته، وما كان من خطأ فمنِّي ومن الشيطان، وأستغفر الله العظيم وأتوب إليه. المؤلف القصيم - بريدة فاتح المحرم من عام ١٤١٦

стр. 18

المقدمة الأولى: معنى القواعد الفقهية والتعريف بها ١ - المعنى اللغوي للقواعد: القواعد جمع قاعدة، ومعنى القاعدة: أصل الأُسّ، وأساس البناء والقواعد الإساس، وقواعد البيت إسَاسُه، ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا﴾ (١) ومنه قوله تعالى: ﴿فَأَتَى الله بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ﴾ (٢). قال الزجّاج (٣): القواعد أساطين البناء التي تعمده، وقواعد الهودج خشبات أربع معترضة في أسفله تُرّكّبُ عيدان الهودج فيها. قال أبو عُبيد (٤): قواعد السحاب أصولها المعترضة في آفاق السماء، شُبهت بقواعد البناء (٥). قال ابن الأثير (٦): أراد بالقواعد ما اعترض منها وسفل تشبيهاً بقواعد البناء (٧). قال ذلك في بيان حديث رسول الله ﷺ حين سأل

стр. 19

عن سحابة مرَّت فقال: كيف ترون قواعدها وبواسقها (١). وقالوا في المرأة التي قعدت عن الحيض والأزواج قاعد والجمع قواعد، ومنه قوله تعالى: ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا﴾ (٢). ومن معاني القاعدة في اللغة: الضابط وهو: الأمر الكلي ينطبق على جزئيات,, مثل قولهم: كل أذون ولود وكل صموخ بيوض,, (٣) ٢ - المعنى الاصطلاحي للقاعدة وأما معنى القاعدة في الاصطلاح الفقهي فقد اختلف الفقهاء في تعريفها بناء على اختلافهم في مفهومها هل هي قضية كلية أو قضية أغلبية؟. فمن نظر إلى أن القاعدة هي قضية كلية عرَّفها بما يدل على ذلك حيث قالوا في تعريفها: القاعدة هي: ١ - قضية كلية منطبقة على جميع جزئياتها (٤). ٢ - قضية كلية يتعرف منها أحكام جزئياتها (٥). ٣ - حكم كلي ينطبق على جميع جزئياته ليتعرف أحكامها منه (٦).

стр. 20

٤ - حكم كلي ينطبق على جميع حزئياته ليتعرف به أحكام الجزئيات والتي تندرج تحتها من الحكم الكلي (١). ٥ - الأمر الكلي الذي ينطبق عليه جزئيات كثيرة تفهم أحكامها منه (٢). ٦ - أمر كلي منطبق على جزئيات موضوعه (٣). ٧ - عبارة عن صور كلية تنطبق كل واحدة منها على جزئياتها التي تحتها (٤). ٨ - هي القضايا الكلية التي تعرف بالنظر فيها قضايا جزئية (٥). ٩ - قضية كلية يتعرف منها أحكام الجزئيات المندرجة تحت موضوعها (٦). ١٠ - أصول فقهية كلية في نصوص موجزة دستورية تتضمن أحكاماً تشريعية عامة في الحوادث التي تدخل تحت موضوعها (٧). ١١ - أصول ومبادئ كلية تصاغ في نصوص موجزة تتضمن أحكاماً تشريعية عامة في الحوادث التي تدخل تحت موضوعها (٨).

стр. 21

وهذه التعريفات كلها متقاربة تؤدي معنى متحداً وإن اختلفت عباراتها حيث تفيد حميعها أن القاعدة هي حكم أو أمر كلي أو قضية كلية تفهم منها أحكام الجزئيات التي تندرج تحت موضوعها وتنطبق عليها. ومن نظر إلى أن القاعدة الفقهية قضية أغلبية نظراً لما يستثنى منها عرَّفها بأنها "حكم أكثري لا كلِّي - ينطبق على أكثر جزئياته لتعرف أحكامها منه (١) ". وقال في تهذيب الفروق: ومن المعلوم أن أكثر قواعد الفقه أغلبية (٢). والقول إن أكثر قواعد الفقه أغلبية مبني على وجود مسائل مستثناة من تلك القواعد تخالف أحكامها حكم القاعدة، ولذلك قيل: حينما ارجع المحققون المسائل الفقهية عن طريق الاستقراء إلى قواعد كلية كل منها ضابط وجامع لمسائل كثيرة، واتخذوها أدلة لإثبات أحكام تلك المسائل رأوا أن بعض فروع تلك القواعد يعارضه أثر أو ضرورة أو قيد أو علة مؤثرة تخرجها عن الاطراد فتكون مستثناة من تلك القاعدة ومعدولاً بها عن سنن القياس فحكموا عليها بالأغلبية لا بالاطراد. فمثال الاستثناء بالأثر جواز السلم والإجارة في بيع المعدوم الذي الأصل فيه عدم جوازه، ومثال الاستثناء بالإجماع عقد الاستصناع. ومثال الاستثناء بالضرورة طهارة الحياض والآبار في الفلوات مع ما تلقيه الريح فيها من البعر والروث وغيره (٣). ولكن العلماء مع ذلك قالوا: إن هذا - أي الاستثناء وعدم الاطراد -

стр. 22

لا ينقض كلية تلك القواعد ولا يقدح في عمومها للأسباب الآتية: أولاً: لما كان مقصد الشارع ضبط الخلق إلى القواعد العامة - وكانت القواعد التي قد جرت بها سنة الله أكثرية لا عامة، وكانت الشريعة موضوعة على مقتضى ذلك الوضع - كان من الأمر الملتفت إليه إجراء القواعد على العموم العادي لا على العموم الكلي العام الذي لا يتخلف عنه جزئي ما. ويقول الشاطبي (١): في موافقاته تأييداً لهذا: إن الأمر الكلي إذا ثبت فتخلف بعض الجزئيات عن مقتضاه لا يخرجه عن كونه كلياً، وأيضاً فإن الغالب الأكثري معتبر في الشريعة اعتبار القطعي. ثانياً: إن المتخلفات الجزئية لا ينتظم منها كلي يعارض هذا الكلي الثابت، وهذا شأن الكليات الاستقرائية - وإنما يتصور أن يكون تخلف بعض الجزئيات قادحاً في الكليات العقلية. فالكليات الاستقرائية صحيحة وإن تخلف عن مقتضاها بعض الجزئيات (٢). كما يقال كل حيوان يحرك فكه الأسفل حين المضغ. وهذه قاعدة كلية استقرائية خرج عنها: التمساح. حيث يقال: إنه يحرك فكه الأعلى حين المضغ فخروج االتمساح عن القاعدة لا يخرجها عن كونها كلية. فكأنه قيل: كل حيوان يحرك فكه الأسفل حين المضغ إلا التمساح. فالعموم العادي المبني على الاستقراء لا يوجب عدم التخلف بل

стр. 23

الذي يوجب عدم التخلف إنما هو العموم العقلي لأن العقليات طريقها البحث والنظر، وأما الشرعيات فطريقها الاستقراء ولا ينقضه تخلف بعض الجزئيات. ثالثاً: ومن ناحية أخرى فإن تخلف مسألة ما عن حكم قاعدة ما يلزم منه اندراج هذه المسأله تحت حكم قاعدة أخرى، فالمسألة المُخرَّجة تندرج ظاهراً تحت حكم قاعدة، ولكنها في الحقيقة مندرجة تحت حكم قاعدة أخرى وهذا من باب تنازع المسألة بين قاعدتين. فليس إذاً استثناء جزئية من قاعدة ما بقادح في كلية هذه القاعدة ولا بمخرج لتلك الجزئية عن الاندراج تحت قاعدة أخرى.

стр. 24

المقدمة الثانية: الفروق بين القواعد الفقهية والقواعد الأصولية علم الفقه وعلم أصول الفقه علمان مرتبطان بارتباط وثيق بحيث يكاد في المرء يجزم بالوحدة بينهما، وكيف لا يكون ذلك وأحدهما أصل والآخر فرع لذلك الأصل، كأصل الشجرة وفرعها، فالأصولي ينبغي أن يكون فقيهاً، والفقيه ينبغي أن يكون أصولياً وإلا كيف يمكنه استنباط الحكم من الدليل؟ وكيف يكون مجتهداً من لم يتبحر في علم الأصول؟. ومع ذلك يمكن أن يقال: إنهما علمان متمايزان فأحدهما مستقل عن الآخر من حيث موضوعه واستمداده وثمرته والغاية من دراسته. وبالتالي فإن قواعد كل علم منهما تتميز عن قواعد الآخر تبعاً لتمايز موضوعي العلمين: فموضوع علم أصول الفقه هو أدلة الفقه الإجمالية والأحكام وما يعرض لكل منها، وأما موضوع علم الفقه فهو أفعال المكلفين وما يستحقه كل فعل من حكم شرعي عملي. وبالتالي فإن قواعد علم أصول الفقه تفترق وتتميز عن قواعد علم الفقه. وإن من أول من فرَّق بين قواعد هذين العلمين وميَّز بينهما الإمام شهاب الدين القرافي (١) في مقدمة كتابه - الفروق - حيث قال: أما بعد فإن الشريعة المعظمة المحمدية زاد الله منارها شرفاً وعلواً اشتملت على أصول وفروع، وأصولها قسمان: أحدهما المسمى بأصول الفقه وهو في غالب أمره ليس فيه إلا قواعد الأحكام الناشئة عن الألفاظ العربية خاصة وما يعرض

стр. 25

لتلك الألفاظ من النسخ والترجيح ونحو: الأمر للوحوب، والنهي للتحريم، والصيغة الخاصة للعموم ونحو ذلك، وما خرج عن هذا النمط إلا كون القياس حجة وخبر الواحد وصفات المجتهدين. والقسم الثاني: قواعد كلية فقهية جليلة كثيرة العدد عظيمة المدد مشتملة على أسرار الشرع وحِكَمِه، لكل قاعدة عن الفروع في الشريعة ما لا يحصى، ولم يذكر منها شيء في أصول الفقه وإن اتفقت الإشارة إليه هنالك على سبيل الإجمال فبقي تفصيله لم يتحصل، وهذه القواعد مهمة في الفقه عظيمة النفع - .. إلخ ما قال (١). وقال في موضع آخر: إن القواعد ليست مستوعبة في أصول الفقه بل للشريعة قواعد كثيرة جداً عند أئمة الفتوى والفقهاء لا توجد في كتب أصول الفقه أصلاً (٢). وإذا دققنا النظر في قواعد الأصول وقواعد الفقه لرأينا أن فروقاً عدة تميز بينهما منها: ١ - أن قواعد الأصول إنما تتعلق بالألفاظ ودلالاتها على الأحكام في غالب أحوالها، وأما قواعد الفقه فتتعلق بالأحكام ذاتها. ٢ - أن قواعد الأصول إنما وضعت لتضبط للمجتهد طرق الاستنباط واستدلاله وترسم للفقيه مناهج البحث والنظر في استخراج الأحكام الكلية من الأدلة الإجمالية، وأما قواعد الفقه فإنما تراد لتربط المسائل المختلفة الأبواب برباط متحد وحكم واحد هو الحكم الذي سيقت القاعدة لأجله.

стр. 26

٣ - إن قواعد الأصول إنما تبنى عليها الأحكام الإجمالية وعن طريقها يستنبط الفقيه أحكام المسائل الجزئية من الأدلة التفصيلية. وأما قواعد الفقه فإنما تعلل بها أحكام الحوادث المتشابهة وقد تكون أصلاً لها. ٤ - إن قواعد الأصول محصورة في أبواب الأصول ومواضعه ومسائله، وأما قواعد الفقه فهي ليست محصورة أو محدودة العدد بل هي كثيرة جداً منثورة في كتب الفقه العام والفتوى عند جميع المذاهب ولم تجمع للآن في إطار واحد، وكان هذا هو الدافع لتأليف هذه الموسوعة التي أرجو الله سبحانه أن يعينني على إتمامها بمنَّه وكرمه. ٥ - إن قواعد الأصول إذا اتفق على مضمونها لا يستثني منها شيء فهي قواعد كلية مطردة - كقواعد العربية - بلا خلاف. وأما قواعد الفقه فهي مع الاتفاق على مضمون كثير منها يستثنى من كل منها مسائل تخالف حكم القاعدة بسبب من الأسباب كالاستثناء بالنص أو الإجماع أو الضرورة أو غير ذلك من أسباب الاستثناء ولذلك يطلق عليها كثيرون بأنها قواعد أغلبية أكثرية لا كليَّة مطردة. ومع وضوح الفروق بين القواعد الأصولية والقواعد الفقهية فقد نجد قواعد مشتركة بين العلمين ولكن تختلف فيهما زاوية النظر، حيث إن القاعدة الأصولية ينظر إليها من حيث كونها دليلاً إجمالياً يستنبط منه حُكم كلي، والقاعدة الفقهية ينظر إليها من حيث كونها حكماً جزئياً لفعل من أفعال المكلفين.

стр. 27

فمثلا قاعدة: "الاجتهاد لا ينقض بمثله أو بالاجتهاد". ينظر إليها الأصولي من حيث كونها دليلاً يعتمد عليه في بيان عدم جواز نقض أحكام القضاة وفتاوى المفتين إذا تعلقت بها الأحكام على سبيل العموم والإجمال. وينظر إليها الفقيه من حيث تعليل فعل من أفعال المكلفين فيبين حكمه من خلالها، فإذا حكم حاكم أو قاض بنقض حكم في مسألة مجتهد فيها كالخلع هل هو فسخ للعقد أو طلاق، وقد كان حكم حاكم في مسألة بعينها بأن الخلع طلاق فيقال له: لا يجوز ذلك لأن الاجتهاد لا ينقض بمثله،. ولكن لك في مسألة أخرى مشابهة أن تحكم فيها باجتهادك لا أن تنقض حكمك أو حكم غيرك في مسألة اجتهادية لا نصِّية.

стр. 28

المقدمة الثالثة: ميزة القواعد الفقهية ومكانتها في الشريعة وفوائد دراستها قال القرافي: إن القواعد ليست مستوعبة في أصول الفقه بل للشريعة قواعد كثيرة جداً عند أئمة الفتوى والفقهاء لا توجد في كتب أصول الفقه أصلاً (١). هذه المقولة الصادقة من عالم مدقق فاحص تعطينا ميزات عظيمة من ميزات القواعد الفقهية وهي كونها قواعد كثيرة جداً غير محصورة بعدد، وهي منثورة في كتب الفقه العام والفتاوى والأحكام، وهو ﵀ قد أراد من تأليف كتابة الفروق سمع هذه القواعد في كتاب واحد يجمع شتاتها ويكشف أسرارها وحكمها، ولكنه ﵀ ما استوعب ولا قارب. والميزة الثانية من ميزات القواعد أنها تمتاز بإيجاز عبارتها مع عموم معناها وسعة استيعابها للمسائل الجزئية إذ تصاغ القاعدة في جملة مفيدة مكونة من كلمتين أو بضع كلمات من ألفاظ العموم، مثل قاعدة "العادة محكمة" وقاعدة: "الأعمال بالنيات" أو "الأمور بمقاصدها" وقاعدة: "المشقة تجلب التيسير" فكلٌّ من هذه القواعد تعتبر من جوامع الكلم إذ يندرج تحت كل منها ما لا يحصى من المسائل الفقهية المختلفة. والميزة الثالثة من ميزات القواعد أنها تمتاز بأن كلاًّ منها ضابط يضبط فروع الأحكام العملية ويربط بينها برابطة تجمعها وإن اختلفت

стр. 29

موضوعاتها وأبوابها، قال الأستاذ مصطفى الزرقا مد الله في عمره في الخير: لولا هذه القواعد لبقيت الأحكام الفقهية فروعاً مشتتة قد تتعارض ظواهرها دون أصول تمسك بها وتبرز من خلالها العلل الجامعة (١). وأما فوائد القواعد الفقهية فهي كثيرة جداً نكتفي بذكر بعضٍ منها: أولاً: ذكرنا أن من ميزات القواعد الفقهية أنها تضبط الفروع الفقهية وتجمع شتاتها تحت ضابط واحد مهما اختلفت موضوعاتها إذا اتحد حكمها. فهي بذلك تيسر على الفقهاء والمفتين ضبط الفقه بأحكامه فهو كما قال القرافي: "من ضبط الفقه بقواعده استغنى عن حفظ أكثر الجزئيات لاندراجها في الكليات". لأن حفظ جزئيات الفقه وفروعه يستحيل أن يقدر عليه إنسان، لكن حفظ القواعد مهما كثرت يدخل تحت الإمكان. ثانياً: إن دراسة القواعد الفقهية تكوِّن عند الباحث ملكة فقهية قوية تُنير أمامه الطريق لدراسة أبواب الفقه الواسعة والمتعددة ومعرفة الأحكام الشرعية واستنباط الحلول للوقائع المتجددة والمسائل المتكررة. ثالثاً: إن دراسة هذه القواعد الفقهية والالمام بها واستيعابها يعين القضاة والمفتين والحكام عند البحث عن حلول للمسائل المعروضة والنوازل الطارئة بأيسر سبيل وأقرب طريق. ولذلك قال بعضهم: إن حكم دراسة القواعد الفقهية والإلمام بها على القضاة والمفتين فرض عين وعلى غيرهم فرض كفاية.

стр. 30

رابعاً: لما كانت القواعد الفقهية في أكثرها موضع اتفاق بين الأئمة المجتهدين ومواضع الخلاف فيها قليلة فإن دراسة القواعد والإلمام بها تربي عند الباحث ملكة المقارنة بين المذاهب المختلفة وتوضح له وجهاً من وجوه الاختلاف وأسبابه بين المذاهب. خامساً: إن دراسة القواعد الفقهية وإبرازها تظهر مدى استيعاب الفقه الإسلامي للأحكام، ومراعاته للحقوق والواجبات، وتسهل على غير المختصين بالفقه الاطلاع على محاسن هذا الدين، وتبطل دعوى من ينتقصون الفقه الإسلامي ويتهمونه بأنه إنما يشتمل على حلول جزئية وليس قواعد كلية.

стр. 31

المقدمة الرابعة: أنواع القواعد الفقهية ومراتبها القواعد الفقهية ليست نوعاً واحداً ولا كلها في مرتبة واحدة، وإنما هي أنواع ومراتب، ويرجع هذا التنوع إلى سببين رئيسيين: الأول: من حيث شمول القاعدة وسعة استيعابها للفروع والمسائل الفقهية، الثاني: من حيث الاتفاق على مضمون القاعدة أو الاختلاف فيه. فمن حيث الشمول والسعة تنقسم القواعد الفقهية إلى ثلاث مراتب: المرتبة الأولى: القواعد الكلية الكبرى ذوات الشمول العام والسعة العظيمة للفروع والمسائل حيث يندرج تحت كلِّ منها جُلُّ أبواب الفقه ومسائله وأفعال المكلفين إن لم يكن كلها. وهذه القواعد ست هي: ١ - قاعدة "إنما الأعمال بالنيات" أو "الأمور بمقاصدها". ٢ - قاعدة "اليقين لا يزول - أو لا يرتفع - بالشك". ٣ - قاعدة: "المشقة تجلب التيسير". ٤ - قاعدة: "لا ضرر ولا ضرار" أو "الضرر يزال". ٥ - قاعدة: "العادة محكَّمة". ٦ - قاعدة: "إعمال الكلام أولى من إهماله". المرتبة الثانية: قواعد أضيق مجالاً من سابقاتها - وإن كانت ذوات شمول وسعة - حيث يندرج تحت كل منها أعداد لا تحصى من مسائل الفقه في الأبواب

стр. 32

المختلفة، وهي قسمان: أ- قسم يندرج تحت القواعد الكبرى ويتفرع عليها، وب- قسم آخر لا يندرج تحت أي منها. فمثال القسم الأول: "قاعدة: "الضرورات تبيح المحظورات" هي تتفرع على قاعدة "المشقة تجلب التيسير". وقاعدة "لا ينكر تغير الأحكام الاجتهادية بتغير الأزمان". وهي مندرجة تحت قاعدة "العادة محكَّمة". ومثال القسم الثاني: قاعدة: "الاجتهاد لا ينقض بالإجتهاد - أو بمثله". وقاعدة: "التصرف على الرعية منوط بالمصلحة". المرتبة الثالثة: القواعد ذوات المجال الضيق التي لا عموم فيها حيث تختص بباب أو جزء باب. وهذه التي تسمي بالضوابط جمع ضابط أو ضابطة. وفي هذا يقول الإمام عبد الوهاب ابن السبكي ﵀ فالقاعدة: "الأمر الكلي الذي ينطبق عليه جزئيات كثيرة تفهم أحكامها منها". ومنها ما لا يختص بباب كقولنا: "اليقين لا يرفع الشك" ومنها ما يختص كقولنا: "كل كفارة سببها معصية فهي على الفور". والغالب فيما قصد بباب وقُصد به نظم صور متشابهة أن يسمى "ضابطاً (١) ". وأما من حيث الاتفاق على مضمون القاعدة والاختلاف فيها فهي تنقسم إلى مرتبتين: المرتبة الأولى: القواعد المتفق على مضمونها عند جميع الفقهاء ومختلف المذاهب. فمن قواعد هذه المرتبة: كل القواعد

стр. 33

الكلية الكبرى وأكثر القواعد الأخرى. المرتبة الثانية: القواعد المذهبية التي تختص بمذهب دون مذهب أو يعمل بمضمونها بعض الفقهاء دون الآخرين مع شمولها وسعة استيعابها لكثير من مسائل الفقه من أبواب مختلفة. وهذه تعتبر من أسباب اختلاف الفقهاء في إصدار الأحكام تبعاً لاختلاف النظرة في مجال تعليل الأحكام. ومن أمثلة هذه المرتبة: قاعدة: "لا حجة مع الاحتمال الناشيء عن دليل". وأساسها قولهم "إن التهمة إذا تطرقت إلى فعل الفاعل حكم بفساد فعله". وهذه القاعدة يعمل بها الحنفية والحنابلة دون الشافعية. وقد يعمل بها المالكية ضمن قيود. ومنها عند الحنفية: "الأصل أن جواز البيع يتبع الضمان" وأما عند الشافعي: "فإن جواز البيع يتبع الطهارة". ويأتي بيان ذلك في موضعه إن شاء الله. مسألة: رأينا أن القواعد ذوات المجال الضيق - أي التي تختص بباب أو جزء باب - هي ضوابط، إذ مجالها التطبيقي بعض الفروع الفقهية من باب واحد من أبواب الفقه، أو هي تختص بنوع من الأحكام الفرعية لا يعمم في غير مجاله. ومثال الضابط: "إن المحرم إذا أخر النسك عن الوقت الموقت له أو قدَّمه لزمه دم". وهذا الضابط عند أبي حنيفة ﵀. وخالفه في ذلك الفقهاء الآخرون ومنهم تلميذاه أبو يوسف ومحمد بن الحسن. فما الفروق بين القاعدة والضابط؟

стр. 34

مع أن الفقهاء كثيراً ما يستعملون لفظ "القاعدة" ويعنون بها الضابط، ويستعملون لفظ "الضابط" ويعنون به القاعدة فالملاحظ أن بين والضابط فرقين رئيسيين هما: الفرق الأول: أن القاعدة - كما سبق تجمع فروعاً من أبواب شتى ويندرج تحتها من مسائل الفقه ما لا يحصى. واما الضابط فإنه مختص بباب واحد من أبواب الفقه تعلل به مسائله، أو يختص بفرع واحد فقط. الفرق الثاني: أن القاعدة في الأعم الأغلب متفق على مضمونها بين المذاهب أو أكثرها. وأما الضابط فهو يختص بمذهب معين - إلا ما ندر عمومه - بل منه ما يكون وجهة نظر فقيه واحد في مذهب معين قد يخالفه فيه فقهاء آخرون من نفس المذهب. كما سبق في الضابط المتقدم.

стр. 35

مصادر القواعد الفقهية أعني بمصادر القواعد الفقهية منشأ كل قاعدة منها وأساس ورودها. تنقسم مصادر القواعد الفقهية إلى أقسام ثلاثة رئيسية: القسم الأول: قواعد فقهية مصدرها النصوص الشرعية من كتاب وسنة. فما كان مصدره نصاً من الكتاب الكريم هو أعلى أنواع القواعد وأولاها بالاعتبار حيث إن الكتاب الكريم هو أصل الشريعة وكليتها وكل ما عداه من الأدلة راجع إليه. فمن آيات الكتاب التي حرف مجرى القواعد: ١ - قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ (١) فقد جمعت هذه الآية على وجازة لفظها أنواع البيوع ما أحل منها وما حرَّم عدا ما استثنى. ٢ - ومنها: قوله تعالى ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ (٢) فهذه قاعدة شاملة لتحريم كل تعامل وتصرف يؤدي إلى أكل أموال الناس وإتلافها بالباطل من غير وجه مشروع يحله الله ورسوله، كالسرقة والغصب، والزنا، والجهالة، والضرر، والغرر، فكل عقد باطل يعتبر نوعاً من أكل أموال الناس بالباطل. ٣ - ومنها قوله تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ (٣) فكما قال القرطبي (٤) وغيره: هذه الآية من ثلاث كلمات - أي جُمل -

стр. 36

تضمنت قواعد الشريعة في المأمورات والمنهيات. فقوله سبحانه: ﴿خُذِ الْعَفْو﴾ دخل فيه صلة القاطعين، والعفو عن المذنبين، والرفق بالمؤمنين، وغير ذلك من أخلاق المطيعين. ودخل في قوله: ﴿وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ﴾ صلة الأرحام وتقوى الله في الحلال والحرام وغض الأبصار، والاستعداد لدار القرار. وفي قوله ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ الحض على التعلق بالعلم، والإعراض عن أهل الظلم، والتنزه عن منازعة السفهاء، ومساواة الجهلة الأغبياء، وغير ذلك من الأخلاق الحميدة والأفعال الرشيدة. وهذه الآية هي الجامعة لمكارم الأخلاق. قال جعفر الصادق (١): أمر الله نبيه بمكارم الأخلاق في هذه الآية، وليس في القرآن آية أجمع لمكارم الأخلاق من هذه الآية (٢). ٤ - ومنها قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ (٣)

стр. 37

فالأمر يقتضي الوفاء بكل عقد مشروع، واحترام كل ما يلتزم به الإنسان مع الناس. ٥ - قوله تعالى في الآية الجامعة الفاذة ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)﴾ (١). وغير ذلك في كتاب الله كثير. ومن الأحاديث الشريفة الجامعة التي جرت مجرى القواعد إلى جانب مهمتها التشريعية فإن الرسول صلى الله عليه أوتي جوامع الكلم واختصر له الكلام اختصاراً. ١ - قوله ﵊ وقد سئل عن حكم أنواع من الأشربة فقال ﵊: "كل مسكر حرام (٢) ". فدل هذا الحديث على وجازة لفظه على تحريم كل مسكر من عنب أو غيره مائع أو جامد، نباتي أو حيواني أو مصنوع. ٢ - ومنها قوله ﵊: "لا ضرر ولا ضرار (٣) ". القاعدة الكلية الكبرى، فهذا الحديث نص في تحريم الضرر بأنواعه؛ لأن لا النافية تفيد استغراق الجنس فالحديث وإن كان خبراً لكنه في معنى النهي، فيصير المعنى "اتركوا كل ضرر وكل ضرار". ٣ - ومنها قوله ﵊ "المسلمون عند شروطهم (٤) " فظاهر المعنى وجوب احترام كل ما رضيه المتعاقدان من

стр. 38

الشروط، إلا الشروط التي تحل الحرام أو تحرم الحلال، كما ورد في رواية. القسم الثاني: ما كان من غير النصوص: وهو أنواع: النوع الأول: قواعد فقهية مصدرها الإجماع المستند إلى الكتاب والسنة، فمن أمثلة قواعد هذا المصدر: ١ - قولهم: "لا اجتهاد مع النص" فهذه القاعدة تفيد تحريم اجتهاد في حكم مسألة ورد فيها نص من الكتاب أو السنة أو الإجماع؛ لأنه إنما يحتاج للاجتهاد عند عدم وجود النص، أما عند وجوده فلا اجتهاد إلا في فهم النص ودلالته. ٢ - قولهم "الاجتهاد لا ينقض بمثله" أو بالاجتهاد" وهذا أمر مجمع عليه والمراد أن الأحكام الاجتهادية إذا فصلت بها الدعوى على الوجه الشرعي ونفذت أنه لا يجوز نقضها بمثلها لأن الاجتهاد الثاني ليس أولى من الاجتهاد الأول، ولأنه إذا نقض الأول جاز أيضاً نقض الثاني بثالث والثالث بغيره فلا يمكن أن تستقر الأحكام. ولكن إذا تبين مخالفة الإجتهاد للنص الشرعي أو لمخالفته طريق الاجتهاد الصحيح، أو وقوع خطأ فاحش، فينقض حينئذٍ. النوع الثاني: وهو قسمان: الأول: قواعد فقهية أوردها الفقهاء والمجتهدون مستنبطين لها من أحكام الشرع العامة ومستدلين لها بنصوص تشملها من الكتاب والسنة والإجماع ومعقول النصوص مثل: ١ - قاعدة "الأمور بمقاصدها" مستدلين لها بقوله عليه الصلاة

стр. 39

والسلام: "إنما الأعمال بالنيات .. " وقد جعلنا هذا الحديث رأس القاعدة وعنواناً دالاً عليها لا دليلاً لها، وصُدَّرت به هذه الموسوعة تيمناً واقتداءً. ومثل قاعدة "اليقين لا يزول بالشك" المستَدَلّ لها بأحاديث كثيرة عن رسول الله ﷺ ، مثل قوله ﵊ "إذا شك أحدكم في صلاته فلم يدر كم صلى أثلاثاً أم أربعاً، فليطرح الشك وليبن على ما استيقن ... الحديث (١) " ومثل قاعدة: "المشقة تجلب التيسير" وهي قاعدة رفع الحرج وقاعدة الرخص الشرعية. وأدلتها كثيرة من الكتاب والسنة والإجماع والمعقول. ومثل قاعدة: "العادة محكَّمة" وهي قاعدة اعتبار العرف وتحكيمه فيما لا نص فيه وأدلتها من الكتاب والسنة والإجماع كثيرة منها قوله تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (١٩٩)﴾ (٢) وقوله سبحانه ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (٣) ومنها قوله ﷺ لهند "خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف (٤) ". ومنها قاعدة: "إعمال الكلام أولى من إهماله" ومن أدلتها قوله تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (١٨)﴾ (٥) وقوله

стр. 40

عليه الصلاة والسلام: "إن الله تعالى عند كل لسان قائل فليتق الله عبد ولينظر ما يقول (١) ". إحدى روايات الحديث. الثاني: قواعد فقهية أوردها الفقهاء المجتهدون في مقام الاستدلال القياسي الفقهي حيث تعتبر تعليلات الأحكام الفقهية الاجتهادية ومسالك الاستدلال القياسي عليها، أعظم مصدر لتقعيد هذه القواعد وإحكام صيغها بعد استقرار المذاهب الفقهية الكبرى وانصراف أتباعها إلى تحريرها وترتيب أصولها وأدلتها. كما قال أستاذنا الزرقا. وهذه القواعد التي استنبطها الفقهاء المتأخرون من خلال أحكام المسائل التي أوردها أئمة المذاهب في كتبهم أو نقلت عنهم لا تخرج عن نطاق أدلة الأحكام الشرعية الأصلية أو التبعية الفرعية، فالناظر لهذه القواعد والباحث عن أدلة ثبوتها وأساس التعليل بها يراها تندرج كل منها تحت دليل شرعي إما من الأدلة المتفق عليها كالكتاب والسنة والإجماع، وإما من الأدلة الأخرى كالقياس والاستصحاب والمصلحة - أو الاستصلاح - والعرف، والاستقراء، وغير ذلك مما يستدل به على الأحكام؟ لأنه لا يعقل ويستبعد جداً أن يبني فقيه مجتهد حكماً لمسألة فقهية، أو يعلل لمسائل فقهية معتمداً على مجرد الرأي غير المدعوم بأدلة الشرع أو معتمداً على الهوى والتشهي، فهم رحمة الله عليهم كانوا أجلّ وأورع وأتقى وأخشى لله من أن يفتي أحدهم أو يحكم في مسألة أو يقضي بحكم غير مستند إلى دليل شرعي مقرر، وسواء اتفق عليه أم اختلف الفقهاء في اعتباره فمن استند إلى القياس لا يقال: إنه حكم بغير ما أنزل الله: لأن هناك من يُنكر القياس ولا يعمل به.
следующие страницы →