القاعدة: الثلاثون بعد الستمئة [التقدير الحكمي]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
" إن الشيء إنما يقدَّر حكماً إذا كان يتصور حقيقة (١) "
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
تدل هذه القاعدة على أن الشيء لا يجوز تقديره إذا كان لا تتصور حقيقته. لأن الأمر الحكمي فرع عن التصور الحقيقي، كالمجاز فرع عن الحقيقة، فلا يتصور وجود مجاز لا حقيقة له.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
النجاسة نوعان: حقيقية حسية كنجاسة الغائط والبول والخنزير وأشباه ذلك، ونجاسة حكمية كالجنابة والحيض.
والاستثناء حقيقي وهو ما كان مذكوراً بأداة من أدواته، واستثناء حكمي هو ما كان ملحوظاً غير ملفوظ، كمن اشترى ثمر نخلة أو شجرة أو خضروات لم يتم نضجها بعد فإبقاء الثمرة حتى يحين قطافها مستثنى حكماً ولو استثناه لفظاً فسد العقد (٢).
стр. 842
القاعدة: الحادية والثلاثون بعد الستمئة [العقد الفاسد - الضمان]
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة:
" إن فاسد كل عقد كصحيحة في الضمان وعدمه (١) ".
وفي لفظ: "فاسد كل عقد كصحيحه في الضمان وعدمه (٢) ". وتأتي في حرف الفاء إن شاء الله.
وفي لفظ: "كل عقد اقتضى صحيحه الضمان فكذلك فاسده ومالا فكذلك (٣) ". وتأتي في حرف الكاف إن شاء الله تعالى.
وفي لفظ: "الفاسد من البيع معتبر بالجائز في الأحكام (٤) ". وتأتي في حرف الفاء إن شاء الله.
ثانياً: معنى هذه القواعد ومدلولها:
العقد الصحيح هو العقد الذي استوفى أركانه وشروطه، والعقد الفاسد هو العقد الذي فقد أحد شروطه، فإذا كان العقد الصحيح مضموناً بالثمن فالعقد الفاسد مضمون مثله بل أولى، وإذا كان الصحيح غير مضمون فالفاسد مثله كذلك.
ثالثاً: من أمثلة هذه القواعد ومسائلها:
إذا باع بيعاً صحيحاً ثم تبين استحقاق المبيع فهو مضمون بالثمن على البائع حيث يسترد المشتري الثمن من البائع.
стр. 843
وأما في البيع الفاسد فهو مضمون بالقيمة،
ومنها: إذا قال الراهن للمرتهن إن جئتك بحقك في محله وإلاَّ فالرهن لك. وقبل المرتهن ذلك، فهو أمانة عنده إلى ذلك الوقت ثم يصير مضموناً بالأقل من قيمته أو من الدين لأن قبضه صار بعقد فاسد (١).
стр. 844
القاعدة: الثانية والثلاثون بعد الستمئة [المعاريض]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
" إن في المعاريض مندوحة عن الكذب (١) ". حديث
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
عنون البخاري ﵀ في كتاب الأدب الباب السادس عشر بعد المائة بـ "المعاريض مندوحة عن الكذب (٢) " والمراد بالمعاريض أي التورية وخلاف التصريح.
مندوحة: فسحة ومتسع
والمعنى إن في المعاريض من الإتساع ما يغني (٣) عن الكذب.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
حديث رسول الله صلى الله عليه عن أنس بن مالك ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ في مسير له فحدا الحادي فقال النبي ﷺ "أرفق يا أنجشة - ويحك بالقوارير" أي النساء لضعفهن (٤).
стр. 845
القاعدة: الثالثة والثلاثون بعد الستمئة [العرف]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
" إن قاعدة الأيمان البناء على العرف إذا لم يضطرب، فإن اضطرب فالرجوع إلى اللغة (١) ".
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
تدل هذه القاعدة على أن مبنى الأيمان في دلالة ألفاظها على العرف بشرط أن يكون هذا العرف معمولاً به باستمرار في أكثر الحوادث وعند أكثر الناس، أما إذا اضطرب العرف بمعنى أن تعامل الناس به ليس غالباً ولا شائعاً فتارة يعمل به وتارة لا يعمل به فيكون في هذه الحالة الرجوع إلى المعاني اللغوية لألفاظ اليمين.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا حلف لا ينام على فراش ثم نام على الأرض لا يحنث لأن الأرض لا تسمى فراشاً في العرف،
وأما إذا حلف لا ينام في بيت، ونام في خيمة. ففي هذه المسألة خلاف حيث إن بعضهم قال: إنه يحنث وإن كان حضرياً, لأن الخيمة تسمى في اللغة بيتاً.
وبعضهم قال: إذا كان حضرياً لا يحنث لأن الخيمة لا تسمى في عرفهم بيتاً، وأما إذا كان بدوياً فيحنث.
стр. 846
القاعدة الرابعة والثلاثون بعد الستمئة [الولاية]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
" إن ما يتعدّى إلى الغير عند وجود شرط التعدِّي ما كان للمرء من الولاية على نفسه (١) ".
أو أن يقال:
"إنه لا ولاية لأحد على غيره إلا في حدود ولايته على نفسه".
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
تدل هذه القاعدة على أنه لا يجوز أن يتجاوز الإنسان مرتبته فيما يمكن التجاوز فيه إلى غيره، حيث إن المرء لا ولاية له على غيره إلا في حدود ولايته على نفسه.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
لا تجوز وصاية الذمي على المسلمين، ولا وصاية عبد غيره على أولاد المسلمين., لأن الوصاية نوع من الولاية ولا ولاية لذمي على مسلم كما لا ولاية لعبد لأنه ليس أهلاً للولاية على نفسه.
ومنها: لا تجوز قسمة الكافر والمملوك على الولد الحر الصغير المسلم, لأنه لا ولاية لهما عليه.
стр. 847
القاعدة: الخامسة والثلاثون بعد الستمئة [العرف]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
" إن المعتبر في جميع الأشياء العرف (١) ". عند أبي يوسف ﵀.
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
العرف: ما عرف في الشرع والعقل حسنه، والعرف هو العادة المعروفة بين الناس.
وتدل هذه القاعدة عند أبي يوسف ﵀ أن العرف هو المعتبر والمحكَّم في جميع الأشياء، المراد بجميع الأشياء ما يتعلق بالبيع والمعاملات عموماً واليمين وأشباهه، وذلك إذا لم يكن ثمة نص مخالف للعرف.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
عند أبي يوسف أن ما كان مكيلاً أو موزوناً في عهد رسول الله ﷺ فهو مكيل أو موزون باعتبار العرف في ذلك الوقت لا بنص رسول الله ﷺ ، ولذلك جاز عند أبي يوسف ﵀ بيع المكيل موزوناً والموزون معدوداً أو مكيلاً ويجري فيه الربا لتغير العرف ولدفع الحرج والمشقة عن الناس.
стр. 848
القاعدة: السادسة والثلاثون بعد الستمئة [الكلام]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
" إن الله تعالى وراء لسان كل متكلم فلينظر امرؤ ما يقول (١) ".
وفي لفظ: "إن الله تعالى عند كل لسان قائل فليتق الله عبد ولينظر ما يقول (٢) ". وفي رواية بدون "فليتق الله".
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
هذه القاعدة نص حديث نبوي كريم ذكره أبو نعيم في الحلية عن ابن عمر (٣) ﵄ في ترجمة وهيب بن الورد المكي وقال: غريب. لم نكتبه متصلاً مرفوعاً إلا من حديث وهيب. كما ذكره (٤) في ترجمة بشر بن الحارث عن عمر بن ذر عن أبيه.
كما أخرجه السيوطي في جمع الجوامع تحت رقم ٤٨٧٦، ٤٨٧٧، وذكره في الدر المنثور جـ ٦ صـ ١٠٥. وأخرجه الخطيب في تاريخ بغداد جـ ٩ صـ ٣٢٩ عن عمرو بن ذر - عن أبيه بروايتين متصلاً ومرسلاً. وأخرجه عبد الله بن المبارك في الزهد رقم ١٢٥.
ويدل الحديث على أن المتكلم عليه أن يتقي الله ويراقبه عند كل كلمة يتكلمها, وليحرص أن يكون نطقه ذكراً، وأن يحرص كذلك أن لا
стр. 849
يتكلم إلا بنية ترضي الله . وهذا الحديث بمعنى الآية وهي قوله تعالى ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (١٨)﴾ (١).
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا سلم الإنسان من صلاته فينوي بسلامه الحفظة ومن بجانبه من الرجال من عن يمينه وشماله, لأنه يستقبلهم بوجهه ويخاطبهم بلسانه فينويهم بقلبه، فإن الكلام إنما يصير عزيمة بالنية.
стр. 850
القاعدة: السابعة والثلاثون بعد الستمئة [البلوى]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
" إنما تعتبر البلوى فيما ليس فيه نص بخلافه، فأما مع وجود النص فلا معتبر به (١) ".
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
البلوى: المصيبة والبلاء. وقد يعبر عن هذا بعموم البلوى: أي شمولها وعسر التحرز عنها، وحكم عموم البلوى: الترخص وعدم التشدد وجواز العبادة. والاعتداد بالبلوى واعتبارها إنما هو في موضع لا نص فيه بخلافه، لكن إذا وجد نص بخلاف حكم عموم البلوى فلا اعتبار بالبلوى في هذه الحال ولا اعتداد بها إنما الاعتداد بالنص والاعتبار به.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
قال رسول الله ﷺ في مكة: "لا يختلي خلاها ولا يعضد شوكها (٢) ".
فما حكم رعي دواب الحجاج والمعتمرين والاحتشاش لها؟ هناك من رأى أنه لا بأس بالرعي والاحتشاش لأجل البلوى والضرورة فيه لأنه يشق على الحجاج والمعتمرين حمل علف الدواب من خارج الحرم، وهذا رأي أبي يوسف وابن أبي ليلى، وفي الرعي عند أحمد روايتان.
وهناك من رأى أنه لا يجوز الاحتشاش ولا الرعي لورود النص
стр. 851
المذكور المانع من ذلك، ولا اعتداد بالبلوى مع النص، والقاعدة تمثل رأي هؤلاء.
ومنها: البول لا يعفي من يسيره وإن عمت به البلوى للنص.
стр. 852
القاعدة: الثامنة والثلاثون بعد الستمئة [دلالة الحال]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
" إنما تعتبر دلالة الحال إذا لم يوجد التنصيص بخلافها (١) ".
وفي لفظ "إنما تعتبر الدلالة إذا لم يوجد التصريح بخلافها" (٢)
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
هذه القاعدة تعتبر قيداً لقاعدة تقول: "الكلام يتقيد بدلالة الحال" وتأتي في حرف الكاف إن شاء الله تعالى.
والمراد بدلالة الحال: دلالة غير اللفظ من عرف أو غيره.
فتدل هذه القاعدة على أن اعتبار دلالة الحال إذا لم يوجد نص بخلافها فإذا وجد نص بخلافها فلا اعتبار لدلالة الحال؛ لأنها دلالة ضعيفة.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا قال القائد: مَن قتل قتيلاً فله دابته، فاسم الدابة يتناول الخيل والبغال والحمير - عرفاً ولغة. أما إذا قال: مَنْ قتل فارساً. فله دابته. فقتل رجلاً على حمار أو بغل لم يكن له شيء؛ لأن الفارس ما كان راكباً فرساً أو برذوناً. ومنها: من دخل بيت مضيفه فله تناول الطعام الذي وضع أمامه دلالة، ولكن إذا قال المضيف: لا تأكل منه. فليس له أن يأكل لأن النص جاء بخلاف الدلالة.
стр. 853
القاعدة: التاسعة والثلاثون بعد الستمئة [الطلب]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
" إنما يؤمَرُ بالطلب إذا كان على طمع الوجود (١) ".
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
يتعلق هذا الضابط بحكم طلب الماء والبحث عنه لفاقده متى يجب عليه، فيفيد هذا الضابط أن فاقد الماء إنما يجب عليه طلب الماء والبحث عنه إذا كان يطمع في وجوده ويرجو أن يجده قبل خروج الوقت (٢).
ثالثاً: من أمثلة هذا الضابط:
إذا كان مسافراً وفقد الماء فعليه أن يطلب الماء ويسعى ليجده إذا كان في مكان قريب من الماء ويرجو أن يحصل عليه قبل خروج وقت الصلاة كأن يكون قريباً من آبار مياه أو من مصر أو قرية أو نهر أو بحر، أو رأى قافلة ولو بعيدة ولكنه يمكنه إدراكها قبل خروج الوقت فعليه طلب الماء وتحصيله قبل أن يجوز له التيمم.
وكذلك لو كان مريضاً وطمع في البرء من مرضه المانع له من استعمال الماء قبل خروج الوقت أو طمع في وجود من يوضؤه إذا لم يستطع الوضوء بنفسه فلا يجوز له التيمم.
стр. 854
القاعدة: الأربعون بعد الستمئة [الانتظار]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
" إنما يؤمر بالانتظار إذا كان مفيداً (١) ".
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
تدل هذه القاعدة على أن المكلف إذا فقد شيئاً أو غاب عنه شيء فإذا كان هذا الشيء يمكن أن يوجد بعد فقده أو يعود بعد غيبته فيؤمر المكلف بالانتظار على طمع في وجوده، وأما إذا كان لا يطمع في الوجود ولا في الحضور فلا فائدة من الانتظار.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إنسان فقد الماء وحان وقت الصلاة فإذا كان يطمع ويرجو وجود الماء قبل خروج الوقت فعليه أن ينتظر ولا ينتقل إلى التيمم؛ لأنه لا يجوز الانتقال من الأصل إلى البدل إلا عند تعذر حصول الأصل.
ولكن إن كان لا يطمع في وجود الماء بأن كان في مفازة بعيداً عن الناس والقرى فلا ينتظر ولا يجوز له أن يؤخر الصلاة عن وقتها المعهود، لأن الانتظار إنما يؤمر به إذا كان مفيداً.
ومنها: من وجب عليه دم تمتع أو قران فلا ينتقل إلى الصوم إلا إذا قطع أمله ورجاءَه في وجود ثمن الشاة. وأما إذا كان يطمع في أيجاد الثمن قبل خروج أيام الحج الثلاثة فلا ينتقل إلى الصوم.
стр. 855
القاعدة: الحادية والأربعون بعد الستمئة [القصد]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
إنما يبتنى الحكم على المقصود لا على ظاهر اللفظ (١) ". تابع لقاعدة النية.
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
هذه القاعدة بمعنى قاعدة: "العبرة في العقود بالمقاصد والمعاني لا بالألفاظ والمباني". التي ستأتي إن شاء الله في حرف العين. وكلاهما تحت قاعدة: "إنما الأعمال بالنيّات".
وتدل هذه القاعدة على أن الأحكام الشرعية تبنى أحكامها على مقصود المتكلم ونيته لا على ظاهر لفظه الذي يتكلم به، إلا إذا تعذر معرفة القصد فلا يهمل اللفظ .. وعند الحنفية أن الأَيمان مبناها على الألفاظ لا على المقاصد. فلا تعتبر قاعدتنا هذه عامة في كل الأحكام.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا قال: وهبتك هذه السيارة بألف دينار مثلاً: كان هذا بيعاً لا هبة لذكر العرض وهو - الألف دينار - حيث إن الهبة لا عوض لها لأنها عقد تبرع.
стр. 856
القاعدة: الثانية والأربعون بعد الستمئة [الحكم - السبب]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
" إنما يثبت الحكم بثبوت السبب (١) ".
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
سبق بيان أن الأسباب الشرعية لا تنعقد خالية عن أحكامها. وهنا تفيد هذه القاعدة أن الأحكام متابعة للأسباب وجوداً وعدماً فإذا ثبت السبب ثبت الحكم، وإذا لم يثبت السبب لم يثبت الحكم. وهذا معنى قولهم: الحكم يدور مع علته - أو سببه - وجوداً وعدماً.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
القصاص حكم لا يثبت إلا بثبوت سببه وهو القتل العمد العدوان بدون مانع. وكذلك القطع حكم لا يثبت إلا بسرقة استوفت شروطها. وكذلك الرجم حكم لا يثبت إلا بزنا محصن بشروطه وهكذا.
стр. 857
القاعدة: الثالثة والأربعون بعد الستمئة [الحكم، السبب]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
إنما يحال بالحكم على أصل السبب (١) ".
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
تدل هذه القاعدة على أن حكم القاضي أو الحاكم إنما يسنَد ويبنى على ما كان سبباً أصلياً في صدوره.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا حكم القاضي بشهادة شاهدين، فهذه الشهادة هي أصل سبب حكمه، وبناء على ذلك يضمَّن الشاهدان ما تلف بشهادتهما إذا رجعا عن الشهادة.
لأن السبب إذا كان تعدياً بمنزلة المباشرة في إيجاب ضمان المال.
стр. 858
القاعدة: الرابعة والأربعون بعد الستمئة [العرف]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
إنما يعتبر العرف إذا لم يوجد التصريح بخلافه (١) ".
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
تبين هذه القاعدة شرطاً مهماً من شروط اعتبار العرف وهو: إن العرف إنما يعتبر حجة وَحكماً يلزم العمل به إذا لم يوجد تصريح من الشرع أو المتكلم بخلافه، فإذا وجد التصريح بخلاف العرف فالمعتبر التصريح ولا اعتبار بالعرف المخالف.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا قال إنسان لآخر اشتر لي لحماً: فهو على ما يتعارفه أهل بلده من لحم الإبل أو البقر أو الغنم فقط. فإذا اشترى له أي نوع منها لزمه. وأما إذا قال اشتر لي لحم جزور، فاشترى له لحم بقر فلا يلزمه، وإن كان العرف الشائع عندهم أكل لحم البقر، لوجود التصريح بخلافه.
ومنها: إذا تعاقد رجلان عقد بيع ولم يعيَّنا النقود التي يتعاملان بها فينصرف إلى النقود المعمول بها في البلد. ولكن إذا عيّنا نوعاً خاصاً من النقود فلا اعتبار للعرف هنا إنما الاعتبار لما عيّناه واتفقا عليه وصرحا به.
стр. 859
القاعدة: الخامسة والأربعون بعد الستمئة [المعارض]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
" إنما يعمل المعارض حسب الدليل (١) ".
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
المراد بالمعارض هنا زيادة لفظ يعارض المعنى المفهوم مما قبله.
فتدل القاعدة على أنه إذا ورد لفظ معارض لمفهوم كلام قبله أنه يعمل بالمعارض بحسب دلالته على مقصود المتكلم.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا قال رجل في حصن يحاصره المسلمون أمنوني على أن أدلكم على عدد من السبي أو الغنائم ذكره فإن لم أدلكم كنت لكم فيئاً أو رقيقاً. ثم لم يف بالشرط فهو فيء للمسلمين وليس للإمام أن يقتله؛ لأنه لو لم يقل: إن لم أدلكم كنت لكم رقيقاً أو فيئاً. لكان يجب على المسلمين أن يردوه إلى مأمَنِه، فذكره هذه الزيادة دليل معارض لأول الكلام في رفع حكمه, لأن شرط إزالة ذلك الأمان في حكم الاسترقاق خاصة دون القتل.
هذه الزيادة في حكم الاسترقاق خاصة دون القتل (٢).
стр. 860
القاعدة: السادسة والأربعون بعد الستمئة والسابعة والأربعون بعد الستمئة [النذر]
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة:
" إنما يُلتزم بالنذر ما يتنفل به أو ما يكون قربة في نفسه (١) ".
وفي لفظ: "الالتزام بالنذر إنما يصح فيما يكون من جنسه واجب شرعاً (٢) ".
ثانياً: معنى هاتين القاعدتين ومدلولهما:
النذر: قال الجرجاني: النذر إيجاب عين الفعل المباح على نفسه تعظيماً لله تعالى (٣).
تدل هاتان القاعدتان على أن النذر الذي يتقرب به إلى الله ويلزم به المكلف هو النذر الذي يكون قربة في نفسه أو الذي يكون من جنسه واجب شرعاً فما ليس من جنسه واجب شرعاً لا يكون نذر قربة.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
فالصلاة واجبة ونافلة فمن نذر صلاة لزمته. والصوم منه واجب وتطوع فمن نذر صوماً لزمه. والحج منه واجب وتطوع فمن نذر حجاً لزمه. وكذلك الزكاة وقراءة القرآن وجميع أنواع العبادات.
والمشي ليس في أصله عبادة والسير في الشمس ليس من العبادة في شيء، فمن نذر المشي وعدم الاستظلال لا يلزمه لأنه ليس مما يتقرب به.
стр. 861
القاعدة: الثامنة والأربعون بعد الستمئة [الاستعانة بالمشركين]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
" إنا لا نستعين في أمر ديننا بمن ليس على ديننا (١)(٢) ". حديث
ثانياً: معنى هذا الخبر:
يفيد هذا الخبر أنه لا يجوز الاستعانة بالمشركين في الحرب والجهاد؛ لأن القصد من القتال في الإسلام إنما هو إعلاء كلمة الله ونشر الإسلام في الأرض.
والمشركون والكفار بعضهم أولياء بعض، فهم لا يقاتلون إلا للمغنم، وقد يكون وجودهم سبباً في الهزيمة إذا أضمروا الغدر أو الفرار عند احتدام المعركة.
ولكن بعض الفقهاء رأى أنه يجوز أن يستعان بالكفار إذا كانوا قلة ولا شوكة لهم. فيقاتلون تحت راية المسلمين، ويذكرون آثاراً عن رسول الله ﷺ في ذلك حيث إنه ﵇ استعان ببعض اليهود في بعض غزواته ورضخ لهم.
стр. 862
القاعدة: التاسعة والأربعون بعد الستمئة [الإنهاء]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
" إنهاء الشيء يقرره (١) ".
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
إنهاء الشيء إتمامه وبلوغه غايته وتمامه.
يقرره: يثبته ويؤكده.
تدل هذه القاعدة على أن إتمام الأمر وبلوغه غايته يدل على ثبوته وتقرره لأنه لو لم يكن ثابتاً لما تم.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
اشترى عبداً بشرط العتق على أن له الخيار فأعتقه، فكان إعتاقه منهياً ملكه عليه ومقرراً ومثبتاً لجواز العقد وإسقاط الخيار.
стр. 863
القاعدة: الخمسون بعد الستمئة [ألفاظ اليمين]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
عند مالك ﵁: ألفاظ اليمين محمولة على ألفاظ القرآن (١) ".
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
عند مالك ﵁ أن ألفاط اليمين محمولة على ألفاظ القرآن - يعني بذلك أن النظر فيها إلى معنى اللغوي الذي دل عليه القرآن لا إلى المعنى العرفي. وهذا إذا لم يكن للحالف نيّة. قالوا: الأَيمان مبنية على النيّة أولا فإن لم تكن نية فعلى الباعث، - أو ما يسمونه البساط - والمراد به ملابسات اليمين التي دعت إليه. فإن لم يكن باعث فعلى العرف، وإلا فعلى الوضع اللغوي (٢).
ولكن قالوا في موضع آخر: الأيمان مبنية على الاستعمال القرآني (٣) إن لم يكن نية. فعلى هذا ففي اعتبار العرف خلاف عندهم وقاعدتنا نص على عدم اعتباره.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
من حلف أن لا يدخل بيتاً، فدخل بيت شعر حنث إن لم يكن له نية سواء كان بدوياً أم قروياً.
ومنها: إذا حلف لا يأكل بيضاً لم يحنث بأكل بيض الحيتان.
стр. 864
وفي هذا المثال أعمل المالكية العرف. لأن العرف لا يسمى بيض الحيتان بيضاً. والمراد بالحيتان السمك. وقد قيل إنه يحنث. فيكون العرف غير معتبر.
стр. 865
القاعدة: الحادية والخمسون بعد الستمئة [أهل المسجد والمقبرة]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
أهل المسجد أو المقبرة ينتصب خصماً عن الباقين (١) ".
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
أهل المسجد هم جيرانه الذين يصلون فيه. وأهل المقبرة هم جيرانها الذين يدفنون موتاهم فيها.
فتدل هذه القاعدة على أنه إذا ادَّعى شخص حقاً في مقبرة أو مسجد وأقام البينة على ذلك مخاصماً لبعض جماعة المسجد أو المقبرة ثم حكم الحاكم أو قضى القاضى له ببينة، فيكون القضاء قضاء على الجماعة كلها، ويترتب على ذلك أن لا يدعي أحد منهم بعد ذلك ما ينقض هذه الدعوى لأنه لا يقبل منه.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا كان مسجد جماعة أو مقبرة أو سوق أو مدرسة أو مستشفى ثم قام شخص وأدعى حقاً له في إحدى هذه المرافق وأقام البينة على ذلك مخاصماً بها من ينتفعون بهذه المرافق ثم حكم القاضي بالبينة فينتج عن ذلك أمران: الأمر الأول إبطال وقف هذا المرفق ونقضه لثبوت حق فيه لغير الواقف.
والأمر الثاني: أنه لا يقبل دعوى من بعض المنتفعين بهذا المرفق بعد ذلك؛ لأن الدعوى إذا تمت بالوجه الشرعي لا تقبل النقض.
стр. 866
القاعدة: الثانية والخمسون بعد الستمئة [العقود]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
" أوائل العقود تؤكد بما لا يؤكد به أواخرها (١) ". وبمعناها قواعد أخرى تأتي في حروفها.
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
تدل هذه القاعدة على أن العقود لا تقع صحيحة إلا إذا استوفت شروط صحتها. فإن فقد شرط منها لم يصح العقد ولم تترتب عليه أحكامه.
وكذلك تؤكد العقود في أولها بعد استيفاء شروطها وأركانها بما يمنع بطلانها بعد تحققها، بخلاف أواخر العقود حيث يغتفر في الثواني ما لا يغتفر في الأوائل.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
البيع الضمني يغتفر فيه ترك الإيجاب والقبول، ولا يغتفر ذلك في البيع المستقل.
ومنها: لا يصح بيع الزرع الأخضر إلا بشرط القطع، فإن باعه مع الأرض جاز تبعاً.
ومنها: لا يصح ملك الكافر المسلمَ ابتداءً واستقلالاً، وإن كان يصح تبعاً، كمن باع عبداً كافراً لمسلم ثم أسلم العبد ثم اطلع المشتري على عيب في العبد فرده على بائعه الكافر (٢).
стр. 867
القاعدة: الثالثة والخمسون بعد الستمئة [الأوصاف]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
" الأوصاف لا يقابلها الثمن إلا إذا صارت مقصودة (١) ".
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
تدل هذه القاعدة أنه عند الحنفية أن أوصاف المبيع لا يقابلها شيء من الثمن، ولكن إذا صارت هذه الأوصاف هي المقصودة بالعقد فيقابلها الثمن.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا اشترى عبداً على أنه خباز أو كاتب ثم ظهر خلاف ذلك فلا يعتبر خلاف الصفة عيباً في العبد يستحق به المشتري رد جزء من الثمن، فهو إما أنه يأخذ العبد بكل الثمن أو يفسخ البيع حيث له الخيار.
وأما عند غير الحنفية فإن الأوصاف يقابلها جزء من الثمن ويسمى هذا - أي الخلاف في الصفة - عيب الصفة.
ولكن إذا كانت الأوصاف مقصودة فيقابلها الثمن كمن اشترى بقرة واشترط أن تكون ذات دَرّ - أي حليب - ثم ظهرت أنها غير ذات دَرّ، فله حق فسخ العقد أو استرداد ما يقابل الحلب في البقرة.
وكذلك لو اشترى شخصاً على أنه جارية فإذا هو غلام فسد البيع لأن الصفة هنا مقصودة - أي صفة الأنوثة (٢).
стр. 868
القاعدة: الرابعة والخمسون بعد الستمئة [الكلام]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
" أول الكلام يتوقف على آخره إذا كان في آخره ما يغير موجب أوَّله (١) ".
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
تدل هذه القاعدة على أن كلام المتكلم يتوقف فهم المقصود منه على تمامه.
فلا يحمل كلام المتكلم على أوله ويترك آخره وبخاصة إذا كان في آخره ما يغير ما يجب بأوله كالاستثناء والشرط وغير ذلك.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا أقر وقال: لفلان عليَّ ألف درهم إلى سنة. فلا يجوز أن يفهم أن الدين حالّ.
ومنها: أن يقول: اشتريت منك هذه السلعة بكذا على أن تحملها إلى مكان سماه. فلا يتم البيع بدون استيفاء الشرط.
ومنها: لو قال: له عليَّ ألف درهم إلا خمسمائة، فلا يطالب بالألف بل يطالب بخمس مئة فقط.
стр. 869
القاعدة: الخامسة والخمسون بعد الستمئة [الإيثار]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
" الإيثار في القُرَب مكروه، وفي غيرها محبوب (١) ".
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
الإيثار: معناه تفضيل الغير على نفسه وتقديمه عليه، ويقابل الإيثار الأثرة ومعناها الاستئثار بالشيء ومنعه من الغير.
والإيثار نوعان: أ - إيثار الغير على النفس في الحظوظ الدنيوية وهو محبوب مطلوب.
والنوع الثاني: إيثار في الحظوظ الأخروية، وهذا النوع هو موضوع هذه القاعدة.
والقُرَب جمع قُربة وهو ما يتقرب به إلى الله من العبادات والطاعات.
تدل هذه القاعدة - وأصلها عند الشافعية - أن الإيثار في القرب مكروه وقد يكون حراماً.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
من آثر غيره بماء الطهارة - حيث لا ماء غيره - فهذا إيثار محرم.
ومنها: أن يقوم رجل من مجلسه في الصف لغيره - فهذا مكروه.
ومنها: تعريض المجاهد نفسه للقتل دفاعاً عن دينه وأمته. هذا أعلى درجات الإيثار وهو محبوب مطلوب.
стр. 870
القاعدة: السادسة والخمسون بعد الستمئة [الإيجاب]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
إيجاب العبد معتبر بإيجاب الله تعالى (١) ".
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
تدل هذه القاعدة على أن ما يوجبه العبد على نفسه إنما يعتبر بما أوجبه الله عليه - فلا يجوز أن يوجب إنسان على نفسه عبادة من غير جنس ما أوجبه الله عليه.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
يجوز أن يوجب الإنسان على نفسه صلاةً أو صياماً أو حجاً أو صدقةً أو جهاداً بالنذر.
ولكن لا يجوز له أن يوجب على نفسه فعلاً لا مثيل له في العبادات كالمشي والجري والطيران أو الامتناع عن الطعام والشراب أياماً بلياليها لأن هذا منهيٌ عنه.
стр. 871
القاعدة: السابعة والخمسون بعد الستمئة والثامنة والخمسون بعد الستمئة [الشك في الشرط]
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة:
" إيقاع العبادات أو العقود أو غيرها مع الشك في شرط صحتها هل يجعلها كالمعلقة على تحقيق ذلك الشرط أم لا؟ (١) ".
وفي لفظ: "إن الحكم المعلق على شرط - أو المشروط بشرط - إذا وقع الشك في وجود شرطه لا يثبت (٢) ".
وفي لفظ: "الشك في الشرط مانع من ترتب المشروط (٣) ". وتأتي في حرف الشين إن شاء الله.
وفي لفظ: "الشك في الشرط يوجب الشك بالمشروط (٤) ". وتأتي في حرف الشين إن شاء الله.
ثانياً: معنى هذه القواعد ومدلولها:
تدل هذه القواعد على أن ما كان من العبادات أو العقود أو غيرها له شرط لصحة وجوده وتحققه ثم وقع الشك في وجود هذا الشرط أن المشروط لا يثبت.
ثالثاً: من أمثلة هذه القواعد ومسائلها:
стр. 872
عند مالك أن من تطهر ثم شك في الحدث أنه يجب عليه الطهارة - إذا كان خارج الصلاة - لأن الطهارة شرطٌ في صحة الصلاة وقد وقع الشك فيها.
ومنها: عدم جواز بيع الأموال الربوية مجازفة؛ لأن المماثلة في بيعها شرط محقق والمماثلة مع المجازفة مشكوك فيها، فلا يصح البيع.
стр. 873
القاعدة: التاسعة والخمسون بعد الستمئة [الميراث]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
" أيُّما ميراث اقتسم في الجاهلية فهو على قسمة الجاهلية، وما أدرك الإسلام فهو على قسمة الإسلام (١)(٢) ".
معنى هذا الحديث ومدلوله [حديث شريف].
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
يدل هذا الحديث عَلى أن المواريث التي اقتسمت في الجاهلية قبل الإسلام فهي على ما قسمت لا تغير ولا تعاد قسمتها بعد الإسلام، وما أدرك الإسلام قبل القسمة فهو على ما شرعه الله في كتابه في أحكام الفرائض.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا مات رجل مشرك من أهل دار الحرب فقسم ميراثه بين ورثته قبل أن يسلموا، ثم أسلموا بعد تمام القسمة فالقسمة ماضية لا تنتقض، وإن كانت مخالفة لقسمة الفرائض في الإسلام. وأما إذا أسلموا قبل القسمة فيقسم الميراث بينهم على حكم الإسلام (٣). هذا إذا مات المورث وهم على دينه، وأما إذا مات المورث الكافر وكان أحد ورثته عبداً مسلماً فأعتق قبل القسمة ففي توريثه خلاف (٤).
стр. 874
القاعدة: الستون بعد الستمئة [الأيمان]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
" الأَيمان تبنى على العرف (١) ".
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
تدل هذه القاعدة على أن مبنى الأيمان عند الحنفية عَلى العرف لا على المعاني اللغوية أو دقائق العربية كما سبق، ولا يعمل الحنفية النيَّة في الأيمان - إلا عند الجصاص - حيث إنهم يقولون: لا حنث بغير لفظ".
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
مَن حلف لا يسكن بيتاً - وهو من أهل المدن - لا يحنث إذا سكن خيمة لأنها لا تسمى عندهم بيتاً.
ومثله: إذا حلف لا يأكل لحماً لم يحنث بأكل السمك أو الدجاج لأنه لا يسمى في العرف لحماً.
стр. 875
القاعدة: الحادية والستون بعد الستمئة [الأيمان، القسامة]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
الأيمان في جميع الخصومات موضوعة في جانب المدعى عليه إلا في القسامة (١) ".
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
تدل هذه القاعدة على أن اليمين في جميع الخصومات موجهة على المدعى عليه؛ لأن على المدعي البينة بناء على الحديث الشريف.
البينة على المدعي واليمين عَلى المدعى عليه (٢).
لأن المدعي متمسك بخلاف الظاهر والمدعى عليه متمسك بالأصل.
وخرج عن ذلك القسامة وهي اسم للأَيمان التي يحلفها أولياء القتيل ليستحقوا دم قتيلهم (٣). ولذلك فهي موضوعة في جانب المدعين في هذه الحالة وقد توجه وتوضع في جانب المدعى عليهم. فهي مشتركة بينهم، إذا نكل عنها المدعون وجهت على المدعى عليهم.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا ادعى رجل على آخر مالاً أو حقاً فعلى المدعي البينة فإن لم توجد فتوجه اليمين على المدعى عليه.
стр. 876
القاعدة: الثانية والستون بعد الستمئة [الأيمان]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
الأيمان مبنية على الألفاظ الجارية لا على الأغراض (١) ".
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
المراد بالأغراض: المقاصد والنيَّات.
والألفاظ الجارية: أي المتعارفة.
وتدل القاعدة على أن عند الحنفية أن مبنى الأيمان ودلالتها إنما المعتبر فيها ألفاظ اليمين لا مقاصد الحالف كما يعتبر فيها دلالة الألفاظ العرفية لا اللغوية قضاء لا ديانة.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا اغتاظ من إنسان فحلف أن لا يشتري له شيئاً بفَلْس أو ريال أو قرش ثم اشترى له بمائة درهم، قالوا: لا يحنث، لأنه غرضه وإن كان عدم شراء شيء له أصلاً إلا أنه يصدق عليه أنه لم يشتر بفلس ولا بريال ولا بقرش، وكما قالوا: لا حنث بغير لفظ.
стр. 877
القاعدة: الثالثة والستون بعد الستمئة والرابعة والستون بعد الستمئة والخامسة والستون بعد الستمئة [الأيمان]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
" الأيمان مبنية على الألفاظ أو على الأغراض (١) ".
وفي لفظ: "الأيمان مبنية على النيّات (٢) ".
وفي لفظ: "الأيمان تنبنى على العرف في كل موضع (٣) ".
ثانياً: معنى هذه القواعد ومدلولها:
اختلاف ألفاظ هذه القواعد مع اتحاد موضوعها دليل على اختلاف المذاهب في النظرة إلى موضوعها وهو الأيمان. فهل الأيمان مبناها على الألفاظ ولا ينظر إلى النيات؟.
بهذا قال الحنفية والشافعية حيث يقولون: لا حنث بغير لفظ كما سبق قريباً.
أو أن مبنى الأيمان على النيات؛ ولا ينظر إلى الألفاظ إلا عند عدم النيّة؟ بهذا قال المالكية (٤) والحنابلة.
أو أن الأيمان مبناها على العرف في كل موضع لا نيَّة للحالف فيه؟ هذا مذهب الحنفية. ولا تعارض بين القاعدتين الأوليين والقاعدة الثالثة،
стр. 878
لأن مقصود القاعدتين الأوليين تحكيم القصد أو النية من حيث التعميم والتخصيص، ومقصود القاعدة الثالثة من حيث المعنى العرفي أو اللغوي.
ثالثاً: من أمثلة هذه القواعد ومسائلها:
إذا حلف إنسان أن لا يشتري شيئاً بدينار - وغرضه عدم الشراء بما زاد أو قل - ثم اشترى شيئاً بمئة دينار. فعند الحنفية والشافعية لا يحنث لأن مبنى الأيمان عندهم على الألفاظ لا على النيات. ولأنه لا حنث بغير لفظ عندهم.
وأما عند المالكية والحنابلة فيحنث لأن الأيمان مبناها على النيات قولاً واحداً (١).
وأما إذا حلف لا يأكل اللحم فلا يحنث بأكل السمك لأنه لا يسمى في العرف لحماً - إلا إذا نواه، وهذا عند الحنفية قولاً واحداً، وعند غيرهم خلاف.
стр. 879
القاعدة: السادسة والستون بعد الستمئة [أي]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
" أيُّ كلمة جمع يتناول كل واحد من المخاطبين على الانفراد (١) ".
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
تدل هذه القاعدة على أن معنى "أيّ (٢) " إذا أُضيفت فهي تدل عَلى جمع، فتتناول كل واحد من المخاطبين على سبيل الانفراد، بمنزلة كلمة "مَنْ"، وهي للعاقل وغيره. وهي تفيد هنا الشرط وهو أحد معانيها.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا وقف المسلمون على باب حصن فقال الأمير أو القائد لجنده: أيكم دخل أولاً فله كذا.
والثاني له كذا، والثالث له كذا فهذا تنفيل صحيح. فإذا دخل الثلاثة تباعاً فلكل واحد منهم ما سمَّى (٣).
стр. 880
الخاتمة
الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات وشكراً لله وحده شكراً وحمداً يليق بجلاله سبحانه على ما أعان ويسر من إتمام تصحيح هذه الموسوعة صبيحة السبت الرابع والعشرين من شهر صفر الخير من العام السادس عشر بعد الأربعمئة والألف من هجرة سيد البشر، وأكرم الخلق سيدنا ومولانا محمَّد بن عبد الله نبي الرحمة صلى الله عليه وآله وأزواجه الطيبين الطاهرين، وعلى أصحابه الغر الميامين.
أما بعد ..
فهذا جهدي أقدمه وهو جهد بشري قاصر إذ يأبى الله أن يكون الكمال إلا لكتابه، ومن صنف فقد استهدف، فرحم الله امرءاً أهدى إليَّ عيوبي ونقصي وتقصيري في هذا المؤلف، وأحرج على كل من قرأه واطلع فيه عَلى نقص أو تقصير أو عَيب إلا اتصل بي ونبهني إليه حتى أتلافاه فيما بقي من قواعد هذه الموسوعَة، وأصححه في طبعة أخرى بهذا القسم إذا قدر الله له إعادة طبع أو قدر لي طول بقاء. والحمد لله أولاً وأخيراً.
المؤلف
محمَّد صدقي بن أحمد البورنو الغزي
فرع جامعة الإِمام محمَّد بن سعود الإسلامية - القصيم - بريدة.
كلية الشريعة وأصول الدين
ص. ب: ١١٦٦ - ت ٣٨١٥٤٩١/ ٠٦