٢٩٢ - حَدَّثَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِىِّ, عَنْ عَبْدَةَ, عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ, عَنِ الزُّهْرِىِّ, عَنْ عُرْوَةَ, عَنْ عَائِشَةَ قالت: "إنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ بِنْتَ جَحْشٍ اسْتُحِيضَتْ فِى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , فَأَمَرَهَا بِالْغُسْلِ لِكُلِّ صَلَاةٍ", وَسَاقَ الْحَدِيثَ .. [دي ٧٧٦ - ٧٨٣، حم ٦/ ٢٣٧، وانظر حديث أم حبيبة المذكور أول الباب]
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَرَوَاهُ أَبُو الْوَلِيدِ الطَّيَالِسِىُّ, وَلَمْ أَسْمَعْهُ مِنْهُ, عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ كَثِيرٍ, عَنِ الزُّهْرِىِّ, عَنْ عُرْوَةَ, عَنْ عَائِشَةَ قَالَتِ: "اسْتُحِيضَتْ زَيْنَبُ بِنْتُ جَحْشٍ, فَقَالَ لَهَا النَّبِىُّ ﷺ :
===
٢٩٢ - (حدثنا هناد بن السري، عن عبدة) هو عبدة بن سليمان الكلابي، أبو محمد الكوفي، يقال: اسمه عبد الرحمن بن سليمان بن حاجب بن زرارة بن عبد الرحمن بن صرد، أدرك صرد الإِسلام، عن صالح بن أحمد عن أبيه: ثقة ثقة، وقال العجلي والدارقطني: ثقة، مات ١٨٧ هـ، وقيل بعدها.
(عن ابن إسحاق) هو محمد بن إسحاق بن يسار، (عن الزهري، عن عروة، عن عائشة قالت: إن أم حبيبة بنت جحش استحيضت في عهد رسول الله ﷺ ، فأمرها بالغسل لكل صلاة، وساق) أي محمد بن إسحاق (الحديث).
(قال أبو داود: ورواه أبو الوليد الطيالسي، ولم أسمعه منه) أي لم أسمع هذا الحديث من الطيالسي، بل بلغني بالواسطة عنه (عن سليمان بن كثير، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة قالت: استحيضت زينب بنت جحش) (١) أم المؤمنين (فقالت لها النبي ﷺ :
стр. 1087
«اغْتَسِلِى لِكُلِّ صَلَاةٍ» , وَسَاقَ الْحَدِيثَ.
===
اغتسلي (١) لكل صلاة، وساق) أي سليمان بن كثير (الحديث).
وغرض المؤلف بتخريج رواية أبي الوليد عن سليمان تقوية رواية ابن إسحاق في أن أمر الاغتسال لكل صلاة مرفوع إلى النبي ﷺ ، لا موقوف على عائشة - رضي الله تعالى عنها -، وقد تقدم عن "فتح الباري" (٢) من قوله: أما ما وقع عند أبي داود من رواية سليمان بن كثير وابن إسحاق عن الزهري في هذا الحديث: "فأمرها بالغسل لكل صلاة" فقد طعن الحفاظ في هذه الزيادة, لأن الأثبات من أصحاب الزهري لم يذكروها، انتهى.
ثم قال الحافظ في "الفتح": والجمع بين الحديثين يحمل الأمر في حديث أم حبيبة على الندب أولى، وقال: وحمله الخطابي على أنها كانت متحيرة، وفيه نظر (٣) لما تقدم من رواية عكرمة: "أنه أمرها أن تنتظر أيام أقرائها"، وأجاب بعض من زعم أنها كانت مميزة بأن قوله: "فأمرها أن تغتسل لكل صلاة" أي من الدم الذي أصابها , لأنه من إزالة النجاسة، وهي شرط في صحة الصلاة، وقال الطحاوي: حديث أم حبيبة منسوخ بحديث فاطمة بنت أبي حبيش، أي لأن فيه الأمر بالوضوء لكل صلاة.
قلت: وحديث محمد بن إسحاق لا يقاوم حديث الثقات الحفاظ من
стр. 1088
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَرَوَاهُ عَبْدُ الصَّمَدِ, عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ كَثِيرٍ قَالَ: «تَوَضَّئِى لِكُلِّ صَلَاةٍ».
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَهَذَا وَهَمٌ مِنْ عَبْدِ الصَّمَدِ, وَالْقَوْلُ فِيهِ قَوْلُ أَبِى الْوَلِيدِ.
===
أصحاب الزهري، وهم عمرو بن الحارث ويونس والليث بن سعد ومعمر وإبراهيم بن سعد وسفيان بن عيينة وابن أبي ذئب والأوزاعي فإنهم خالفوا ابن إسحاق، ولم يجعلوا حكم الغسل عند كل صلاة من رسول الله ﷺ ، بل جعلوه من قول عائشة ﵂ أنها قالت: إن أم حبيبة كانت تفعل ذلك، وأما حديث أبي الوليد الطيالسي فلا حجة فيه، فإن أبا داود ما سمعه من أبي الوليد، ولا يدري الذي سمعه منه من هو على أن حديث أبي الوليد في قصة زينب بنت جحش، وحديث ابن إسحاق في قصة أم حبيبة بنت جحش.
(قال أبو داود: ورواه عبد الصمد) والذي أظن أنه عبد الصمد بن عبد الوارث بن سعيد بن ذكوان التميمي العنبري مولاهم، التَنُّوري بفتح المثناة وتشديد النون المضمومة، أبو سهل البصري، وثَّقه ابن سعد، وقال الحاكم: ثقة مأمون، وقال ابن قانع: ثقة يخطئ، ونقل ابن خلفون توثيقه عن ابن نمير، وقال علي بن المديني: عبد الصمد ثبت في شعبة، ذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال أبو أحمد: صدوق صالح الحديث، مات سنة ٢٠٧ هـ.
(عن سليمان بن كثير قال: توضَّئِئ لكل صلاة، قال أبو داود: وهذا وهم من عبد الصمد) أي قوله: توضَّئِي لكل صلاة، قاله وهمًا وغلطًا (والقول فيه) أي القول الصحيح فيه (قول أبي الوليد) وهو: اغتسلي لكل صلاة.
стр. 1089
٢٩٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ أَبِى الْحَجَّاجِ أَبُو مَعْمَرٍ, حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ, عَنِ الْحُسَيْنِ,
===
حاصله: أن أبا الوليد وعبد الصمد اختلفا في الرواية عن سليمان بن كثير في قصة زينب بنت جحش فقال أبو الوليد: قال لها النبي ﷺ : "اغتسلي لكل صلاة"، وقال عبد الصمد في حديثه: قال لها النبي ﷺ : "توضَّئيْ لكل صلاة"، فرجح أبو داود رواية أبي الوليد على رواية عبد الصمد, لأن ما لأبي الوليد من الضبط والإتقان ليس لعبد الصمد ولا يدانيه فيه، قال البيهقي (١) بعد نقل قول أبي داود هذا: قال الشيخ: رواية أبي الوليد أيضًا غير محفوظة، فقد رواه مسلم بن إبراهيم عن سليمان بن كثير، كما رواه سائر الناس عن الزهري.
٢٩٣ - (حدثنا عبد الله بن عمرو بن أبي الحجاج أبو معمر) التميمي المنقري بكسر الميم وسكون النون وفتح القاف، مولاهم، أبو معمر المقعد البصري، واسم أبي الحجاج ميسرة، قال ابن معين: ثقة ثبت، وقال يحيى: ثقة نبيل عاقل؛ وقال يعقوب بن شيبة: كان ثقة ثبتًا صحيح الكتاب، وكان يقول بالقدر، قال أبو داود: وكان الأزدي لا يحدث عن أبي معمر لأجل القدر، وكان لا يتكلم فيه، وقال العجلي: ثقة، وكان يرى القدر، وقال أبو حاتم: صدوق متقن قوي الحديث غير أنه لم يكن يحفظ، وكان له قدر عند أهل العلم، وقال ابن أبي حاتم عن أبي ذر: كان ثقة حافظًا، قال عبد الغني: يعني أنه كان متقنًا، وقال ابن خراش: كان صدوقًا، وكان قدريًا، وذكره ابن حبان في "الثقات"، مات سنة ٢٢٤ هـ.
(نا عبد الوارث) بن سعيد بن ذكوان، (عن الحسين) بن ذكوان المعلم العوذي بفتح المهملة وسكون الواو بعدها معجمة، نسبة إلى عوذ
стр. 1090
عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِى كَثِيرٍ, عَنْ أَبِى سَلَمَةَ قَالَ: "حدَّثتْنِى (١) زَيْنَبُ بِنْتُ أَبِى سَلَمَةَ أَنَّ امْرَأَةً كَانَتْ تُهَرَاقُ الدَّمَ وَكَانَتْ تَحْتَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمَرَهَا أَنْ تَغْتَسِلَ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ وَتُصَلِّىَ"
===
بطن من الأزد، البصري المكتب، وثَّقه ابن معين وأبو حاتم والنسائي، وقال أبو زرعة: ليس به بأس، وقال أبو حاتم: سألت ابن المديني: من أثبت أصحاب يحيى بن أبي كثير؟ قال: هشام الدستوائي ثم الأوزاعي وحسين المعلم، وقال الدارقطني: من الثقات، ووثَّقه ابن سعد والعجلي والبزار، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال أبو جعفر العقيلي: ضعيف مضطرب الحديث، حدثنا عبد الله بن أحمد ثنا أبو بكر بن خلاد سمعت يحيى بن سعيد هو القطان، وذكر حسين المعلم فقال: فيه اضطراب، مات سنة ١٤٥ هـ.
(عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة) بن عبد الرحمن (قال: حدثتني زينب بنت أبي سلمة أن امرأة (٢) كانت تهراق الدم) وهي أم حبيبة بنت جحش (وكانت تحت عبد الرحمن بن عوف، أن رسول الله ﷺ أمرها أن تغتسل عند كل صلاة وتصلي)، وهذا تأييد وتقوية لحديث ابن إسحاق عن الزهري، وسليمان بن كثير عن الزهري.
قال الخطابي (٣): هذا الحديث مختصر، وليس فيه ذكر حال هذه المرأة، ولا بيان أمرها وكيفية شأنها في استحاضتها , وليس كل امرأة
стр. 1091
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
مستحاضة يجب عليها الاغتسال لكل صلاة، وإنما هي فيمن تبتلى وهي لا يتميز دمها، أو كانت لها أيام فنسيتها، فهي لا تعرف موضعها، ولا عددها , ولا وقت انقطاع الدم عنها من أيامها المتقدمة، فإذا كانت كذلك فإنها لا تدع شيئًا من الصلاة، وكان عليها أن تغتسل عند كل صلاة، لأنه قد يمكن أن يكون ذلك الوقت قد صادف زمان انقطاع دمها، فالغسل عليها عند ذلك واجب، ومن كان هذا حالها من النساء لم يأتها زوجها في شيء من الأوقات، لإمكان أن تكون حائضًا، وعليها أن تصوم شهر رمضان كله مع الناس، وتقضيه بعد ذلك، لتحيط علمًا بأن قد استوفت عدد ثلاثين يومًا في وقت كان لها أن تصوم فيه، وان كانت حاجّة طافت طوافين بينهما خمسة عشر يومًا، لتكون على يقين من وقوع الطواف في وقت حكمها فيه حكم الطهارة، وهذا على مذهب من رأى أكثر أيام الحيض خمسة عشر يومًا، انتهى.
قلت: أخرج مسلم في "صحيحه" (١) من طريق الليث عن يزيد بن أبي حبيب، عن جعفر، ومن طريق بكر بن مضر، قال: حدثني جعفر بن ربيعة في قصة أم حبيبة بنت جحش، وفيه: فقال لها رسول الله ﷺ : "امكثي قدر ما كانت تحبسك حيضتك، ثم اغتسلي وصلي"، فهذه الرواية تدل على أنها كانت معتادة أو مميزة، فكيف يمكن أن يأمرها رسول الله ﷺ وجوبًا بالاغتسال لكل صلاة للتطهير، وقد طهرت من المحيض واغتسلت؟ ولو كان قابلًا للحجة فلا يخلو إما أن يكون الأمر لكل صلاة محمولًا على العلاج، أو للندب، أو لإزالة الدم من الجسد، أو لتقليل النجاسة فقط، والله أعلم.
стр. 1092
وَأَخْبَرَنِى أَنَّ أُمَّ بَكْرٍ أَخْبَرَتْهُ أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ: "إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ فِى الْمَرْأَةِ تَرَى مَا يَرِيبُهَا بَعْدَ الطُّهْرِ: «إِنَّمَا هِىَ - أَوْ قَالَ: إِنَّمَا هُوَ - عِرْقٌ", أَوْ قَالَ: "عُرُوقٌ». [جه ٦٤٦، ق ١/ ٣٣٧، حم ٦/ ٧١]
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَفِى حَدِيثِ ابْنِ عَقِيلٍ الأَمْرَانِ جَمِيعًا. وَقَالَ: «إِنْ قَوِيتِ فَاغْتَسِلِى لِكُلِّ صَلَاةٍ,
===
(وأخبرني) عطف على قوله: عن أبي سلمة، أي قال يحيى بن أبي كثير: وأخبرني (١) أي أبو سلمة (أن أم بكر أخبرته) أي أبا سلمة، ويقال: أم (٢) أبي بكر، روت عن عائشة في المرأة ترى ما يريبها بعد الطهر، وعنها أبو سلمة بن عبد الرحمن، روى لها أبو داود، ولم يذكرها المزي، قال في "التقريب": لا يعرف حالها، وقال في "الميزان": لا تعرف.
(أن عائشة قالت: إن رسول الله ﷺ قال في المرأة ترى ما يريبها (٣) بعد الطهر) أي بعد أن تطهير من المحيض (إنما هي، أو قال: إنما هو عرق، أو قال: عروق) أي دم عرق يخرج من انفجاره، وليس هو دم رحم حتى يجب الغسل من خروجه، ولعل غرض المصنف بذكر هذه الرواية الإشارة إلى أن الأمر بالاغتسال لكل صلاة ليس هو لأجل التطهر من الحيض، بل لعلة أخرى.
(قال أبو داود: في حديث ابن عقيل) أي عبد الله بن محمد بن عقيل المتقدم قريبًا (الأمران جميعًا، قال: إن قويت فاغتسلي لكل صلاة،
стр. 1093
وَإِلَّا فَاجْمَعِى» , كَمَا قَالَ الْقَاسِمُ فِى حَدِيثِهِ. وَقَدْ رُوِىَ هَذَا الْقَوْلُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ, عَنْ عَلِىٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ رضى الله عنهما.
===
وإلَّا فاجمعي) حاصله (١): أن ما تقدم في الحديث المتقدم في قصة حمنة بنت جحش أنه ﷺ أمرها بأمرين، ثم قال: "وهذا أعجب الأمرين إلى"، فالأمران: أحدهما: الاغتسال لكل صلاة، وثانيهما: الاغتسال للجمع بين الصلاتين وأدائهما بغسل واحد، (كما قال القاسم في حديثه) الظاهر (٢) أن المراد بالقاسم قاسم بن محمد بن أبي بكر، وسيخرج المصنف حديثه في الباب الآتي.
(وقد روي هذا القول) أي القول بالغسل لكل صلاة والقول بالجمع بين الصلاتين بغسل واحد (عن سعيد بن جبير، عن علي وابن عباس) أخرجه الطحاوي في "شرح معاني الآثار" (٣) بسنده عن سعيد بن جبير: أن امرأة أتت ابن عباس بكتاب بعد ما ذهب بصره، فدفعه إلى ابنه، فتترتر (٤) فيه، فدفعه إليّ، فقرأته، فقال لابنه: ألا هذرمته كما هذرمه (٥) الغلام
стр. 1094
(١١٢) بَابُ مَنْ قَالَ: تَجْمَعُ بَيْنَ الصَّلَاتينِ وتَغْتَسِلُ لَهُمَا غُسْلًا
٢٩٤ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ, حَدَّثَنَي (١) أَبِى, حَدَّثَنَا شُعْبَةُ,
===
المصري، فإذا فيه: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ: من امرأة من المسلمين، أنها استحيضت، فاستفتت عليًا فأمرها أن تغتسل وتصلي، فقال: والله لا أعلم القول إلَّا ما قال علي ثلاث مرات، قال قتادة: وأخبرني عزرة عن سعيد أنه قيل له: إن الكوفة أرض باردة وأنه يشق عليها الغسل لكل صلاة، فقال: لو شاء الله لابتلاها بما هو أشد منه.
ثم قال الطحاوي بعد ما ذكر قول الجمع بين الصلاتين: قالوا: وقد روي ذلك أيضًا عن علي وابن عباس، ثم أخرج بسنده عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: جاءته امرأة مستحاضة تسأله فلم يفتها، وقال: سلي غيري، قال: فأتت ابن عمر فسألته، فقال لها: لا تصلي ما رأيت الدم، فرجعت إلى ابن عباس، فأخبرته، فقال: ﵀، إن كاد ليكفرك، قال: ثم سألت علي بن أبي طالب فقال: تلك ركضة من الشيطان، أو قرحة في الرحم، اغتسلي عند كل صلاتين مرة وصلي، قال: فلقيت ابن عباس بعد، فسألته فقال: ما أجد لك إلَّا ما قال علي.
(١١٢) (بَابُ مَنْ قَالَ: تَجْمَعُ) (٢) أي: المستحاضة (بَيْنَ الصَّلاتَيْنِ)
أي: بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء (وتَغْتَسِلُ لَهُمَا غُسْلًا) أي: تغتسل للظهر والعصر غسلًا، وللمغرب والعشاء غسلًا
٢٩٤ - (حدثنا عبيد الله بن معاذ، ثني أبي) هو معاذ بن معاذ العنبري أبو المثنى، (نا شعبة) بن الحجاج.
стр. 1095
عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ, عَنْ أَبِيهِ, عَنْ عَائِشَةَ قَالَتِ: "اسْتُحِيضَتِ امْرَأَةٌ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , فَأُمِرَتْ أَنْ تُعَجِّلَ الْعَصْرَ وَتُؤَخِّرَ الظُّهْرَ, وَتَغْتَسِلَ لَهُمَا غُسْلاً, وَأَنْ تُؤَخِّرَ الْمَغْرِبَ وَتُعَجِّلَ الْعِشَاءَ وَتَغْتَسِلَ لَهُمَا غُسْلاً, وَتَغْتَسِلَ لِصَلَاةِ الصُّبْحِ غُسْلاً". [ن ٣٦٠، دي ٧٧٧، ٧٨٣، حم ٦/ ١١٩، ق ١/ ٣٥٢]
فَقُلْتُ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ: عَنِ النَّبِىِّ ﷺ ؟ فَقَالَ: لَا أُحَدِّثُكَ عَنِ النَّبِىِّ ﷺ بِشَىْءٍ. (١).
===
(عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه) هو قاسم بن محمد بن أبي بكر (عن عائشة قالت: استحيضت امرأة) (٢) ولعلها سهلة بنت سهيل كما يأتي في الحديث الآتي (على عهد رسول الله ﷺ ، فأمرت أن تعجل العصر وتؤخر الظهر، وتغتسل لهما غسلًا، وأن توخر المغرب وتعجل العشاء وتغتسل لهما غسلًا، وتغتسل لصلاة الصبح غسلًا، فقلت) هذا قول شعبة أي يقول شعبة (لعبد الرحمن: عن النبي ﷺ ؟ ) بتقدير حرف الاستفهام، وفي نسخة بذكر حرف الاستفهام، أي هل تحدث عن النبي ﷺ مسندًا إليه.
(فقال) أي عبد الرحمن (٣) (لا أحدثك عن النبي ﷺ بشيء) هذا هو الموجود في أكثر النسخ، وفي بعضها: "لا أحدثك إلَّا عن النبي ﷺ "، ومعناه على هذه النسخة ظاهر، وأما على النسخة المشهورة فمعناه (٤) بتقدير حرف الاستفهام الإنكاري: كلما أحدثك فهو عن النبي ﷺ ، فإن نفي النفي إثبات.
стр. 1096
٢٩٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ يَحْيَى, حَدَّثَنِا (١) مُحَمَّدُ - يعني ابْنُ سَلَمَةَ -, عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ, عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ, عَنْ أَبِيهِ, عَنْ عَائِشَةَ قالت: "إنَّ سَهْلَةَ بِنْتَ سُهَيْلٍ اسْتُحِيضَتْ, فَأَتَتِ النَّبِىَّ ﷺ , فَأَمَرَهَا أَنْ تَغْتَسِلَ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ, فَلَمَّا جَهَدَهَا ذَلِكَ أَمَرَهَا أَنْ تَجْمَعَ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ بِغُسْلٍ, وَالْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ بِغُسْلٍ, وَتَغْتَسِلَ لِلصُّبْحِ. [ق ١/ ٣٥٣]
===
٢٩٥ - (حدثنا عبد العزيز بن يحيى) الحراني، (نا محمد - يعني ابن سلمة -) المرادي، (عن محمد بن إسحاق، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه) هو قاسم بن محمد بن أبي بكر، (عن عائشة قالت: إن سهلة بنت سهيل) (٢) بن عمرو القرشية العامرية، أسلمت قديمًا وهاجرت مع زوجها أبي حذيفة بن عتبة إلى الحبشة، فولدت له هناك محمد بن أبي حذيفة، وهي التي كانت أرضعت سالمًا مولى أبي حذيفة وهو رجل كبير. (استحيضت فأتت النبي ﷺ ، فأمرها أن تغتسل عند كل صلاة، فلما جهدها) أي شق عليها (ذلك) أي الغسل عند كل صلاة (أمرها أن تجمع بين الظهر والعصر بغسل، والمغرب والعشاء بغسل، وتغتسل للصبح).
قال الطحاوي (٣): قالوا - أي الفريق الثاني -: فهذه الآثار قد رويت عن رسول الله ﷺ كما ذكرنا في جمع الظهر والعصر بغسل واحد، وفي جمع المغرب والعشاء بغسل واحد، وإفراد الصبح بغسل واحد، فبهذا نأخذ، وهو أولى من الآثار الأول التي فيها ذكر الأمر بالغسل لكل صلاة،
стр. 1097
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَرَوَاهُ ابْنُ عُيَيْنَةَ, عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ, عَنْ أَبِيهِ قال: "إنَّ امْرَأَةً اسْتُحِيضَتْ فَسَأَلَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ (١) فَأَمَرَهَا" بِمَعْنَاهُ.
٢٩٦ - حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ بَقِيَّةَ, أَخْبَرَنَا خَالِدٌ, عَنْ سُهَيْلٍ - يَعْنِى ابْنَ أَبِى صَالِحٍ -, عَنِ الزُّهْرِىِّ, عَنْ عُرْوَةَ (٢) بْنِ الزُّبَيْرِ, عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ قَالَتْ: "قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ, إِنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ أَبِى حُبَيْشٍ اسْتُحِيضَتْ مُنْذُ كَذَا وَكَذَا, فَلَمْ تُصَلِّ. فَقَالَ
===
لأنه قد روي ما يدل على أن هذا ناسخ لذلك، ثم ساق الطحاوي هذه الرواية المذكورة في قصة سهلة ابنة سهيل ثم قال: قالوا: فدل ذلك على أن هذا الحكم ناسخ للحكم الذي في الآثار الأول, لأنه إنما أمر به بعد ذلك، فصار القول به أولى من القول بالآثار الأول، انتهى.
(قال أبو داود: ورواه ابن عيينة) أي هذا الحديث (عن عبد الرحمن ابن القاسم، عن أبيه قال) أي القاسم: (إن امرأة استحيضت فسألت النبي ﷺ فأمرها بمعناه) أي حدث ابن عيينة بمعنى حديث ابن إسحاق.
٢٩٦ - (حدثنا وهب بن بقية، أنا خالد) بن عبد الله بن عبد الرحمن، (عن سهيل - يعني ابن أبي صالح -، عن الزهري، عن عروة بن الزبير، عن أسماء بنت عميس قالت: قلت: يا رسول الله، إن فاطمة بنت أبي حبيش استحيضت منذ كذا وكذا) أي سبع (٣) سنين (فلم تصل، فقال
стр. 1098
رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «سُبْحَانَ اللَّهِ! (١) هَذَا مِنَ الشَّيْطَانِ, لِتَجْلِسْ فِى مِرْكَنٍ, فَإِذَا رَأَتْ صُفْرَةً (٢) فَوْقَ الْمَاءِ, فَلْتَغْتَسِلْ لِلظُّهْرِ وَالْعَصْرِ غُسْلاً وَاحِدًا, وَتَغْتَسِلْ لِلْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ غُسْلاً وَاحِدًا, وَتَغْتَسِلْ لِلْفَجْرِ غُسْلاً وَاحِدًا, وَتَوَضَّأْ فِيمَا بَيْنَ ذَلِكَ». [ق ١/ ٣٥٤، قط ١/ ٢١٦]
===
رسول الله ﷺ : سبحان الله (٣) هذا) أي استحاضتها وترك الصلاة بها (من الشيطان) أي من ركضته وتسويله، (لتجلس في مركن) هو إناء كبير تغسل فيها الثياب، (فإذا رأت صفرة فوق الماء، فلتغتسل للظهر والعصر غسلًا واحدًا، وتغتسل للمغرب والعشاء غسلًا واحدًا، وتغتسل للفجر غسلًا واحدًا, وتوضأ فيما بين ذلك).
حاصله أنه ﷺ أمرها بالجلوس في المركن الذي مليء ماءً للعلاج، فإذا رأت صفرة فوق الماء ظهر لها وصول أثر الماء وبرودته إلى باطن الجسد، فلما جلست في المركن الذي ظهر فيها لون الدم تنجست بالماء الممزوج بالدم، فأمرها بالغسل للتطهير من نجاسة الدم، وأمر بالجمع لليسر، ولئلا يشق عليها الغسل لكل صلاة، وأمرها بالتوضؤ فيما بين ذلك، أي فيما بين الظهر والعصر للعصر، وفيما بين المغرب والعشاء للعشاء, لأنها صاحبة عذر، فإذا خرج وقت الظهر، ودخل وقت العصر انتقضت طهارتها، وكذا فيما بين المغرب والعشاء.
стр. 1099
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: ورَوَاهُ مُجَاهِدٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: "لَمَّا اشْتَدَّ عَلَيْهَا الْغُسْلُ أَمَرَهَا أَنْ تَجْمَعَ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ".
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَرَوَاهُ إِبْرَاهِيمُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, وَهُوَ
===
وهذا الحكم كان لها في الأيام التي كانت فيها مستحاضة فيما سوى أيام الحيض، فإن هذا الحديث، أي حديث سهيل بن أبي صالح من طريق جرير قد تقدم بعضه في "باب في المرأة تستحاض، ومن قال: تدع الصلاة في عدة الأيام التي كانت تحيض"، ولفظه: "فأمرها أن تقعد الأيام التي كانت تقعد ثم تغتسل"، ففي هذا الجزء من الحديث بَيّن لها رسول الله ﷺ حكم أيام الحيض، وفي حديث سهيل من طريق خالد بَيّن لها رسول الله ﷺ حكم أيام الطهارة وما كان ينبغي لها أن تفعل فيها، وهذا على قول الحنفية، وأما على قول الشوافع، فيحمل الأمر بالوضوء فيما بين الصلاتين على قضاء الفوائت.
(قال أبو داود: ورواه) أي حديث الجمع بين الصلاتين بغسل واحد (مجاهد عن ابن عباس) أي عبد الله: (لما اشتد عليها الغسل) أي المستحاضة التي سألت عن حكمها، واعتذرت بأن أرضنا أرض باردة (أمرها أن تجمع بين الصلاتين) أخرج الطحاوي هذا التعليق موصولًا بسنده عن مجاهد عن ابن عباس (١).
(قال أبو داود: ورواه) أي الجمع بين الصلاتين بغسل واحد (إبراهيم) لعله النخعي، ولم يسمع من ابن عباس، فتكون الرواية مرسلة (عن ابن عباس) ولم أقف على هذا التعليق موصولًا (وهو) أي الجمع بين
стр. 1100
قَوْلُ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِىِّ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدَّادٍ.
(١١٣) بابٌ مَنْ قَالَ: تَغْتَسِلُ مَنْ طُهْرٍ إِلَى طُهْرٍ
٢٩٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ زِيَادٍ قَالَ: أَنْبَأَنَا (ح): وَأَخْبَرَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ قال: حَدَّثَنَا شَرِيكٌ, عَنْ أَبِى الْيَقْظَانِ, عَنْ عَدِىِّ بْنِ ثَابِتٍ, عَنْ أَبِيهِ,
===
الصلاتين بغسل المستحاضة (قول إبراهيم النخعي وعبد الله بن شدّاد) (١) لعله هو عبد الله بن شداد بن الهاد الليثي، أبو الوليد المدني، كان يأتي الكوفة، وأمه سلمة بنت عميس الخثعمية أخت أسماء، قال العجلي والخطيب: هو من كبار التابعين وثقاتهم، ووثَّقه أبو زرعة والنسائي وابن سعد، وكان معدودًا في الفقهاء، ولد على عهد النبي ﷺ ، ومات بالكوفة مقتولًا سنة ٨١ هـ.
(١١٣) (بَابُ (٢) مَنْ قَالَ: تَغْتَسِلُ مِنْ طُهْرٍ إِلى طُهْرٍ)
أي تغتسل المستحاضة بعد انقضاء أيام حيضها مرة واحدة، ثم لا يجب عليها الاغتسال في أيام استحاضتها وتتوضأ للصلاة.
٢٩٧ - (حدثنا محمد بن جعفر بن زياد قال: أنا، ح: ونا عثمان بن أبي شيبة قال: نا شريك) هو ابن عبد الله بن أبي شريك، (عن أبي اليقظان) عثمان بن عمير البجلي، (عن عدي (٣) بن ثابت) الأنصاري، (عن أبيه)
стр. 1101
عَنْ جَدِّهِ, عَنِ النَّبِىِّ ﷺ فِى الْمُسْتَحَاضَةِ «تَدَعُ الصَّلَاةَ أَيَّامَ أَقْرَائِهَا, ثُمَّ تَغْتَسِلُ وَتُصَلِّى, وَالْوُضُوءُ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ" [ت ١٢٦، جه ٦٢٥، ق ١/ ٣٤٧، دي ٧٩٣]
===
هو ثابت الأنصاري، (عن جده) عبد الله بن يزيد، (عن النبي ﷺ في المستحاضة تدع) أي المستحاضة (الصلاة أيام أقرائها) أي الأيام التي تحيض فيها قبل أن يصيبها ما أصابها، (ثم تغتسل) أي للطهارة من الحيض (وتصلي) بعد الغسل، (والوضوء عند كل صلاة) أي أمر بالوضوء, لأنها لما كانت معتادة، ومضت أيام أقرائها، واغتسلت صارت طاهرة من الحيض، فتتوضأ للصلاة كما تتوضأ الطاهرة.
قال الطحاوي (١): اختلف الذين قالوا: إنها تتوضأ لكل صلاة، فقال بعضهم: تتوضأ لوقت كل صلاة، وهو قول أبي حنيفة وزفر وأبي يوسف ومحمد بن الحسن، وقال اخرون: بل تتوضأ لكل صلاة ولا يعرفون ذكر الوقت في ذلك، فأردنا نحن أن نستخرج من القولين قولًا صحيحًا، فرأيناهم قد أجمعوا أنها إذا توضأت في وقت صلاة فلم تصل حتى خرج الوقت، فأرادت أن تصلي بذلك الوضوء، أنه ليس له ذلك لها حتى تتوضأ وضوءًا جديدًا، ورأيناها لو توضأت في وقت صلاة فصلت، ثم أرادت أن تطوع بذلك الوضوء، كان ذلك لها ما دامت في الوقت، فدل ما ذكرنا أن الذي ينقض تطهرها هو خروج الوقت، وأن وضوءها يوجبه الوقت لا الصلاة، وقد رأيناها (٢) لو فاتتها صلوات، فأرادت أن تقضيهن كان لها أن تجمعهن في وقت صلاة واحدة بوضوء واحد، فلو كان الوضوء يجب
стр. 1102
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
عليها لكل صلاة لكان يجب أن تتوضأ لكل صلاة من الصلوات الفائتات، فلما كانت تصليهن جميعًا بوضوء واحد ثبت بذلك أن الوضوء الذي يجب عليها هو لغير الصلاة وهو الوقت.
وحجة أخرى أنا قد رأينا الطهارات تنتقض بأحداث منها الغائط والبول، وطهارات تنتقض بخروج أوقات، وهي الطهارة بالمسح على الخفين ينقضها خروج وقت المسافر وخروج وقت المقيم، وهذه الطهارات المتفق عليها لم نجد فيما ينقضها صلاة، إنما ينقضها حدث أو خروج وقت، وقد ثبت أن طهارة المستحاضة طهارة ينقضها الحدث وغير الحدث، فقال قوم: هذا الذي هو غير الحدث هو خروج الوقت، وقال آخرون: هو فراغ من صلاة، ولم نجد الفراغ من الصلاة حدثًا في شيء غير ذلك، وقد وجدنا خروج الوقت حدثًا في غيره، فأولى الأشياء أن نرجع في هذا الحدث المختلف فيه فنجعله كالحدث الذي قد أجمع عليه، ووجد له أصل، ولا نجعله كما لم يجمع عليه، ولم نجد له أصلاً، فثبت بذلك قول من ذهب إلى أنها تتوضأ لكل وقت صلاة، انتهى.
وقال في "البدائع" (١) ما ملخصه:
وأما أصحاب الأعذار كالمستحاضة ممن لا يمضي عليها وقت صلاة إلَّا ويوجد به من الحدث فيه، فخروج النجس من هؤلاء لا يكون حدثًا ما دام وقت الصلاة قائمًا، وهذا عندنا.
وقال الشافعي: إن كان العذر من أحد السبيلين، كالاستحاضة وسلسل البول وخروج الريح يتوضأ لكل فرض ويصلي ما شاء من
стр. 1103
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
النوافل، وقال مالك في أحد قوليه: يتوضأ لكل صلاة، واحتجَّا بما روي عن النبي ﷺ قال: "المستحاضة تتوضأ لكل صلاة" (١)، فمالكٌ عمل بمطلق اسم الصلاة، والشافعي قَيّده بالفرض, لأنه الصلاة المعهودة، ولأن طهارة المستحاضة ضرورية, لأنه قارنها ما ينافيها أو طرأ عليها، والشيء لا يبقى مع المنافي، إلَّا أنه لم يظهر حكم المنافي لضرورة الحاجة إلى الأداء، والضرورة إلى أداء فرض الوقت، فإذا فرغ من الأداء ارتفعت الضرورة، فظهر حكم المنافي، والنوافل أتباع الفرائض, لأنها شرعت لتكميلها وجبرًا للنقصان فيها، فكانت ملحقة بأجزائها، والطهارة الواقعة لصلاة واقعة لها بجميع أجزائها بخلاف فرض آخر, لأنه ليس بتبع بل هو أصل بنفسه.
ولنا ما روى أبو حنيفة بإسناده عن النبي ﷺ أنه قال: "المستحاضة تتوضأ لوقت كل صلاة"، وهذا نص في الباب، ولأن العزيمة شغل جميع الوقت بالأداء شكرًا للنعمة إلَّا أنه جوز ترك شغل بعض الوقت بالأداء رخصة وتيسيرًا، فضلًا ورحمة، وجعل ذلك شغلًا لجميع الوقت حكمًا، فصار وقت الأداء شرعًا بمنزلة وقت الأداء فعلاً، ثم قيام الأداء مبقٍ للطهارة فكذلك الوقت القائم مقامه.
وما رواه الشافعي فهو حجة عليه, لأن مطلق الصلاة ينصرف إلى المعهودة المتعارفة كما في قوله "الصلاة عماد الدين" ونحو ذلك، والصلاة المعهودة هي الصلوات الخمس في اليوم والليلة فكأنه قال: المستحاضة تتوضأ في اليوم والليلة خمس مرات، فلو أوجبنا عليها الوضوء لكل صلاة أو لكل فرض تقضي لزاد على الخمس بكثير، وهذا خلاف النص، ولأن
стр. 1104
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وزَادَ عُثْمَانُ: «وَتَصُومُ وَتُصَلِّى».
٢٩٨ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ, حَدَّثَنَا وَكِيعٌ,
===
الصلاة تذكر على إرادة وقتها، كما قال: "أينما أدركتني الصلاة تيممت" (١)، والمدرك هو الوقت دون الصلاة التي هي فعله.
وقال: "إن للصلاة أولًا وآخرًا" (٢)، أي لوقت الصلاة، ويقال: آتيك لصلاة الظهر، أي لوقتها، فجاز أن تذكر الصلاة ويراد بها وقتها, ولا يجوز أن يذكر الوقت ويراد به الصلاة، فيحمل المحتمل على المحكم توفيقًا بين الدليلين صيانة لهما عن التناقض، انتهى.
قلت: قال ابن الهمام في "فتح القدير" (٣): وأما حديث المستحاضة: "تتوضأ لوقت كل صلاة"، فذكر سبط ابن الجوزي أن الإِمام أبا حنيفة رواه، انتهى، وفي "شرح مختصر الطحاوي": روى أبو حنيفة عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة: أن النبي ﷺ قال لفاطمة بنت أبي حبيش: "توضَّئِي لوقت كل صلاةِ، ذكره محمد في "الأصل" معضلًا، وقال ابن قدامة في "المغني" (٤): وروي في بعض ألفاظ حديث فاطمة بنت أبي حبيش: وتوضَّئِي لوقت كل صلاة.
(قال أبو داود: وزاد عثمان) أي ابن أبي شيبة شيخ المؤلف: (وتصوم وتصلي) فزاد ذكر الصوم.
٢٩٨ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، نا وكيع) بن الجراح،
стр. 1105
عَنِ الأَعْمَشِ, عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِى ثَابِتٍ, عَنْ عُرْوَةَ, عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: "جَاءَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ أَبِى حُبَيْشٍ إِلَى النَّبِىِّ ﷺ , فَذَكَرَ خَبَرَهَا وَقَالَ: «ثُمَّ (١) اغْتَسِلِى ثُمَّ تَوَضَّئِى لِكُلِّ صَلَاةٍ وَصَلِّى». [جه ٦٢٤، حم ٦/ ٤٢، ق ١/ ٣٤٤، قط ١/ ٢١٢]
٢٩٩ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سِنَانٍ الْقَطَّانُ الْوَاسِطِىُّ, حَدَّثَنَا يَزِيدُ, عَنْ أَيُّوبَ بْنِ أَبِى مِسْكِينٍ,
===
(عن الأعمش، عن حبيب بن أبي ثابت، عن عروة) بن الزبير، (عن عائشة قالت: جاءت فاطمة بنت أبي حبيش إلى النبي ﷺ ، فذكر) أي الراوي (خبرها) أي قصة فاطمة بنت أبي حبيش (وقال) أي رسول الله ﷺ ، أو أحد من الرواة: (ثم اغتسلي ثم توَضَّئي لكل صلاة وصلي).
٢٩٩ - (حدثنا أحمد بن سنان) بن أسد بن حبان بكسر المهملة (القطان) أبو جعفر (الواسطي) الحافظ، قال أبو حاتم: ثقة صدوق، وقال النسائي: ثقة، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال الدارقطني: كان من الثقات الأثبات، روى عنه البخاري ومسلم وغيرهما, وليس له عند البخاري سوى حديث واحد، مات سنة ٢٥٩ هـ.
(نا يزيد) بن هارون، (عن أيوب بن أبي مسكين) ويقال: مسكين التميمي، أبو العلاء، القصاب، الواسطي، قال أحمد: لا بأس به، وقال مرة: رجل صالح ثقة، وقال إسحاق الأزرق: ما كان الثوري بأورع منه، ولا أبو حنيفة بأفقه منه، وقال ابن سعد والنسائي: ثقة، وقال أبو حاتم: يكتب حديثه ولا يحتج به، وقال ابن حبان في "الثقات": كان يخطئ، وقال أبو داود: كان يتفقّه ولم يكن بجيد
стр. 1106
عَنِ الْحَجَّاجِ (١) , عَنْ أُمِّ كُلْثُومٍ,
===
الحفظ للإسناد، وقال الحاكم أبو أحمد: في حديثه بعض الاضطراب، مات سنة ١٤٠ هـ.
(عن الحجاج) بن أرطأة بفتح الهمزة، ابن ثور بن هبيرة مصغرًا النخعي، أبو أرطأة الكوفي القاضي، ولي قضاء البصرة وكان جائز الحديث إلَّا أنه صاحب إرسال، وكان يرسل عن يحيى بن أبي كثير ومكحول ولم يسمع منهما، وإنما يعيب الناس منه التدليس، وقال أحمد: كان من الحفاظ، قيل: فلم ليس هو عند الناس بذاك؟ قال: لأن في حديثه زيادة على حديث الناس، وقال ابن معين: صدوق ليس بالقوي، وقال أبو زرعة: صدوق يدلس، وقال النسائي: ليس بالقوي، وقال ابن عدي: إنما عاب الناس عليه تدليسه عن الزهري وغيره، وربما أخطأ في بعض الروايات، فأما أن يتعمد الكذب فلا، وقال الساجي: كان مدلسًا صدوقًا، سيِّئ الحفظ، ليس بحجة، قرأت بخط الذهبي: هذا القول فيه مجازفة، وأكثر ما نقم عليه التدليس، وكان فيه تنبيه لا يليق بأهل العلم، وكان يقول: أهلكني حب الشرف، مات سنة ١٤٥ هـ.
(عن أم كلثوم) قال الحافظ في "التقريب": أم كلثوم الليثية يقال: بنت محمد بن أبي بكر الصديق، فعلى هذا فهي تيمية لا ليثية، لها حديث عن عائشة من رواية عبد الله بن عبيد الله بن عمير عنها، وروى حجاج بن أرطأة عن أم كلثوم عن عائشة في الاستحاضة، وروى عمرو بن عامر عن أم كلثوم عن عائشة في بول الغلام، فما أدري هل الجميع واحدة أم لا، قال الحافظ في "تهذيب التهذيب": قلت: ولعلهن كلهن واحدة.
стр. 1107
عَنْ عَائِشَةَ فِى الْمُسْتَحَاضَةِ: "تَغْتَسِلُ - تَعْنِى (١) مَرَّةً وَاحِدَةً -
===
(عن عائشة في المستحاضة: تغتسل) أي قالت عائشة: تغتسل (تعني مرة واحدة) إن كان بالتاء بصيغة المؤنث، فالظاهر أنه قول أم كلثوم، وفاعله ضمير عائشة، وإن كان على التذكير فالقائل بعض الرواة، والفاعل ضمير شيخه، ذكر المصنف هذا الحديث موقوفًا على عائشة.
وخالفه البيهقي فأخرجه في "سننه" (٢) مرفوعًا، وهذا لفظه: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ وأبو بكر أحمد بن الحسن القاضي، قالا: نا أبو العباس محمد بن يعقوب، نا العباس بن محمد الدوري، ثنا يزيد بن هارون، ثنا أبو العلاء - يعني أيوب بن أبي مسكين -، عن الحجاج بن أرطأة، عن أم كلثوم، عن عائشة، عن النبي ﷺ قال في المستحاضة: "تدع الصلاة أيام أقرائها، ثم تغتسل مرة، ثم توضأ إلى مثل أيام أقرائها، وإن رأت صفرة انتضحت وتوضأت وصلت".
قال: وحدثنا العباس بن محمد، ثنا يزيد بن هارون، نا أبو العلاء، عن ابن شبرمة، عن امرأة مسروق، عن عائشة، عن النبي ﷺ مثله.
أخبرنا أبو علي الروذباري، نا أبو بكر بن داسة، نا أبو داود، نا أحمد بن سنان القطان، نا يزيد، فذكرهما بالإسنادين، إلَّا أنه جعل الأول من قول عائشة، قال أبو داود: وحديث أيوب أبي العلاء ضعيف لا يصح، قال الشيخ ﵀: وروي عن أبي يوسف مرفوعًا.
ثم ساق البيهقي بسنده من طريق عمار بن مطر، عن أبي يوسف يعقوب بن إبراهيم، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي، عن قمير
стр. 1108
ثُمَّ تَوَضَّأُ إِلَى أَيَّامِ أَقْرَائِهَا".
٣٠٠ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سِنَانٍ (١) , حَدَّثَنَا يَزِيدُ, عَنْ أَيُّوبَ أَبِى الْعَلَاءِ, عَنِ ابْنِ شُبْرُمَةَ, عَنِ امْرَأَةِ مَسْرُوقٍ, عَنْ عَائِشَةَ, عَنِ النَّبِىِّ ﷺ مِثْلَهُ.
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَحَدِيثُ عَدِىِّ بْنِ ثَابِتٍ هذا
===
امرأة مسروق، عن عائشة أن فاطمة أتت النبي ﷺ وفيه: "ثم توضَّئِي لكل صلاة"، ثم قال البيهقي: قال علي: تفرد به عمار بن مطر وهو ضعيف عن أبي يوسف، والذي عند الناس عن إسماعيل بهذا الإسناد موقوفًا: "المستحاضة تدع الصلاة أيام أقرائها، وتغتسل وتتوضأ لكل صلاة".
(ثم توضأ إلى أيام أقرائها).
٣٠٠ - (حدثنا أحمد بن سنان، نا يزيد) بن هارون، (عن أيوب أبي العلاء) بن أبي مسكين، (عن ابن شبرمة) بضم المعجمة وسكون الموحدة وضم الراء، هو عبد الله بن شبرمة بن طفيل بن حسان بن المنذر، أبو شبرمة الكوفي الضبي القاضي الفقيه، كان قاضيًا على السواد، وكان عفيفًا حازمًا عاقلًا فقيهًا شاعرًا حسن الخلق جوادًا، وثَّقه أحمد وأبو حاتم والنسائي، وقال الثوري: فقهاؤنا ابن شبرمة وابن أبي ليلى، وذكره ابن حبان في "الثقات"، مات سنة ١٤٤ هـ.
(عن امرأة مسروق) بن الأجدع، هي قمير بنت عمرو، (عن عائشة، عن النبي ﷺ مثله) أي مثل ما روت أم كلثوم عن عائشة.
(قال أبو داود: وحديث عدي بن ثابت هذا) المتقدم الذي روى عنه
стр. 1109
وَالأَعْمَشِ, عَنْ حَبِيبٍ, وَأَيُّوبَ أَبِى الْعَلَاءِ كُلُّهَا ضَعِيفَةٌ لَا تَصِحُّ (١). وَدَلَّ عَلَى ضَعْفِ حَدِيثِ الأَعْمَشِ عَنْ حَبِيبٍ هَذَا الْحَدِيثُ؛ أَوْقَفَهُ حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ عَنِ الأَعْمَشِ. وَأَنْكَرَ حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ أَنْ يَكُونَ حَدِيثُ حَبِيبٍ مَرْفُوعًا. وَأَوْقَفَهُ أَيْضًا أَسْبَاطٌ عَنِ الأَعْمَشِ, مَوْقُوفًا عَنْ (٢) عَائِشَةَ.
===
أبو اليقظان (والأعمش) أي وحديث الأعمش، (عن حبيب) أي ابن أبي ثابت (وأيوب) أي وحديث أيوب (أبي العلاء) أي الذي روى عن الحجاج، عن أم كلثوم، عن عائشة موقوفًا، والذي روى عن ابن شبرمة عن امرأة مسروق عن عائشة مرفوعًا (كلها) أي أربعتها (ضعيفة لا تصح، ودل على ضعف حديث الأعمش عن حبيب هذا الحديث) أي المتقدم، ولفظ هذا الحديث بدل (٣) من لفظ حديث الأعمش (أوقفه حفص بن غياث (٤) عن الأعمش، وأنكر حفص بن غياث أن يكون حديث حبيب مرفوعًا، وأوقفه أيضًا أسباط) بمفتوحة وسكون مهملة وموحدة وطاء مهملة، ابن محمد بن عبد الرحمن بن خالد بن ميسرة القرشي مولاهم، أبو محمد، وثَّقه ابن معين ويعقوب بن شيبة، وقال أبو حاتم: صالح، وقال النسائي: ليس به بأس، وقال الغلابي عنه: ثقة، والكوفيون يضعفونه، وقال البرقي عنه: الكوفيون يضعفونه، وهو عندنا ثبت فيما يروي عن مطرف والشيباني، وقال ابن سعد: كان ثقة صدوقًا إلَّا أنه فيه بعض الضعف، وذكره ابن حبان في الثقات، مات سنة. ٢٠٠ هـ، (عن الأعمش موقوفًا عن عائشة).
стр. 1110
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَرَوَاهُ ابْنُ دَاوُدَ عَنِ الأَعْمَشِ مَرْفُوعًا أَوَّلُهُ, وَأَنْكَرَ أَنْ يَكُونَ فِيهِ الْوُضُوءُ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ.
===
ولما كان (١) ضعف حديث الأعمش عن حبيب غير ظاهر, لأن رواته ثقات احتاج المصنف إلى بيان علته الخفية التي لا يدركه إلَّا الحذاق، فحاصل هذا الدليل: أنه اختلف أصحاب الأعمش في وقفه وإرساله، فرفعه حبيب (٢) بن أبي ثابت على خلاف حفص بن غياث وأسباط، وهما أوقفاه على عائشة، فثبت بهذا أن رفعه غير ثابت، قلت: وهذا القدر لا يقتضي ضعف حديث حبيب, لأنه زيادة ثقة، وهي معتبرة عندهم، فكيف يقال: إن وقف البعض يقتضي ضعف الرفع، والحال أن حبيب بن أبي ثابت هذا ليس بأدون من حفص بن غياث وأسباط بن محمد، بل هو أقوى منهما وأرجح.
(قال أبو داود: ورواه ابن داود (٣) عن الأعمش مرفوعًا أوله) غرض المصنف بهذا الكلام دفع إشكال يرد على الكلام المتقدم، وحاصله: أنكم قلتم: إن حبيب بن أبي ثابت تفرد بالرفع عن الأعمش، وهذا لا يصح، لأن ابن داود رفعه أيضًا عن الأعمش، فأجاب عنه بأن ابن داود رفع أول الحديث، وأما آخره، وهو الوضوء عند كل صلاة، فلم يرفعه، بل (وأنكر أن يكون فيه الوضوء عند كل صلاة) وكان غرضنا بتضعيف الحديث
стр. 1111
وَدَلَّ عَلَى ضَعْفِ حَدِيثِ حَبِيبٍ هَذَا أَنَّ رِوَايَةَ الزُّهْرِىِّ, عَنْ عُرْوَةَ, عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: "فَكَانَتْ تَغْتَسِلُ لِكُلِّ صَلَاةٍ" فِى حَدِيثِ الْمُسْتَحَاضَةِ,
===
تضعيف تلك الجملة من الحديث، قلت: وإنكار ابن داود عن كون ذكر الوضوء في كل صلاة في الحديث لا يستلزم أن لا يكون فيه, لأن إنكاره مستند إلى عدم علمه، ومن ذكره فذكره يعتمد على علمه، فيكون الإنكار من غير دليل، فلا يعتبر.
ثم قال: (ودل على ضعف حديث حبيب هذا) هذا دليل ثانٍ على ضعف الحديث (أن رواية الزهري عن عروة) بن الزبير (عن عائشة قالت: فكانت تغتسل لكل صلاة في حديث المستحاضة).
وحاصل هذا الدليل: أن حبيب بن أبي ثابت خالف الزهري مع جلالته، فإنه يروي بهذا السند عن عروة عن عائشة: "فكانت تغتسل لكل صلاة"، وحبيب بن أبي ثابت يروي عن عروة، عن عائشة: "توضئي لكل صلاة" فمع مخالفة الزهري لا يعتبر حديثه.
ورد الخطابي هذا الدليل، فقال (١): أما قول أكثر الفقهاء فهو الوضوء لكل صلاة، وعليه العمل في قول عامتهم، ورواية الزهري لا تدل على ضعف حديث حبيب بن أبي ثابت, لأن الاغتسال لكل صلاة في حديث الزهري مضاف إلى فعلها، وقد يحتمل أن يكون ذلك اختيارًا منها، وأما الوضوء لكل صلاة في حديث حبيب، فهو مروي عن رسول الله ﷺ ، ومضاف إليه وإلى أمره إياها بذلك، والواجب هو الذي شرعه النبي ﷺ وأمر به، دون ما فعلته وأتته من ذلك، انتهى.
قلت: أخرج البخاري في "صحيحه" في باب غسل الدم من طريق
стр. 1112
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
أبي معاوية، قال: حدثنا هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: جاءت فاطمة بنت أبي حبيش وفي آخره قال: وقال أبي: "ثم توضَّئِي لكل صلاة حتى يجيء ذلك الوقت"، فحديث هشام عن أبيه هذا يؤيد حديث حبيب بن أبي ثابت ويقويه.
قال الحافظ في "الفتح" (١): ادَّعى بعضهم أن قوله: "ثم توضَّئِي" من كلام عروة موقوفًا عليه، ففيه نظر؛ لأنه لو كان كلامه لقال: ثم تتوضأ بصيغة الإخبار، فلما أتى به بصيغة الأمر شاكله الأمر الذي في المرفوع، وهو قوله: فاغسلي.
وأجاب عنه في "الجوهر النقي" (٢): قلت: رواه أيضًا كرواية وكيع مرفوعًا عن الأعمش الجريري وسعيد بن محمد الوراق وعبد الله بن نمير ذكر ذلك الدارقطني، وأشار إليه البيهقي بقوله: وجماعة، فهؤلاء سبعة، أكثرهم أئمة كبار زادوا عن الأعمش الرفع، فوجب على مذاهب الفقهاء وأهل الأصول ترجيح روايتهم, لأنها زيادة ثقة، وكذا على مذهب أهل الحديث؛ لأنهم أكثر عددًا، وتحمل رواية من وقفه على عائشة أنها سمعته من النبي ﷺ ، فروته مرة وأفتت به مرة أخرى، كما مرت نظائره.
ثم علله البيهقي أيضًا بقول الثوري وغيره: لم يسمع حبيب من عروة شيئًا، قلت: قد ذكرنا في "باب الوضوء من الملامسة" من كلام أبي داود ما يدل ظاهره على صحة سماعه من عروة، ثم قد روى هذا الحديث غير حبيب عن عروة، ورواه غير عروة عن عائشة، ذكره الطحاوي وخرجه هو وغيره من المصنفين، انتهى.
стр. 1113
وَرَوَى (١) أَبُو الْيَقْظَانِ عَنْ عَدِىِّ بْنِ ثَابِتٍ, عَنْ أَبِيهِ, عَنْ عَلِىٍّ - رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ -, وَعَمَّارٍّ مَوْلَى بَنِى هَاشِمٍ, عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَرَوَى عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَيْسَرَةَ,
===
(وروى (٢) أبو اليقظان عن عدي بن ثابت، عن أبيه، عن علي) وفيه الوضوء عند كل صلاة، أي كما روى أبو اليقظان عن عدي بن ثابت، عن جده مرفوعًا، كذلك روى أبو اليقظان عن أبيه، عن علي موقوفًا، أخرج البيهقي موصولًا (٣) من طريق شريك موقوفًا على علي وعن جد عدي مرفوعًا. (وعمار) أي وكذا روى عمار (مولى بني هاشم عن ابن عباس) وذكر الوضوء عند كل صلاة.
(وروى (٤) عبد الملك بن ميسرة) الهلالي، أبو زيد العامر الكوفي الدراع، أي صانع الدروع، وثَّقه ابن معين وابن خراش والنسائي وأبو حاتم وابن سعد والعجلي وابن نمير، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقد أخرج البيهقي عن طريق شعبة، عن عبد الملك بن ميسرة، عن الشعبي، عن قمير امرأة مسروق، عن عائشة قالت: المستحاضة تدع الصلاة أيام حيضتها، ثم تغتسل وتتوضأ لكل صلاة.
стр. 1114
وبَيَانٌ، ومُغِيرَةُ، وفِرَاسٌ
===
(وبيان) بن بشر الأحمسي بمهملتين، أبو بشر الكوفي المعلم، وثَّقه أحمد وابن معين وأبو حاتم والنسائي والعجلي، زاد أبو حاتم: وهو أعلى من فراس ويعقوب بن سفيان، وقال يعقوب بن شيبة: كان ثقة ثبتًا، وقال الدارقطني: هو أحد الثقات الأثبات، وذكره ابن حبان في "الثقات"، أخرج البيهقي حديثه بسنده موصولًا من طريق شعبة وزائدة عن بيان قال: سمعت الشعبي حديث عن قمير، عن عائشة قالت في المستحاضة: تدع الصلاة أيام أقرائها، وتغتسل وتستثفر وتوضأ عند كل صلاة.
(ومغيرة) بن مقسم بكسر الميم، الضبي مولاهم، أبو هشام الكوفي الفقيه، وقيل: إنه ولد أعمى، قال ابن فضيل: كان يدلس، وكنا لا نكتب عنه إلَّا ما قال: حدثنا إبراهيم، وقال شعبة: كان مغيرة أحفظ من الحكم، وفي رواية: أحفظ من حماد، وقال أبو بكر بن عياش: ما رأيت أحدًا أفقه من مغيرة فلزمته، قال مغيرة: ما وقع في مسامعي شيء فنسيته، قال ابن معين: ثقة مأمون، وقال العجلي: مغيرة ثقة فقيه الحديث، إلَّا أنه كان يرسل الحديث عن إبراهيم، وكان عثمانيًّا، وقال النسائي: مغيرة ثقة، وقال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: كان مدلسًا، وقال إسماعيل القاضي: ليس بقوي فيمن لقي لأنه يدلس، فكيف إذا أرسل، مات سنة ١٣٦ هـ.
(وفراس) بن يحيى الهمداني الخارفي، نسبة إلى خارف وهي بطن من همدان، نزل الكوفة، أبو يحيى الكوفي المكتب، وثقه أحمد وابن معين والنسائي وابن سعد وابن عمار والعجلي، وقال أبو حاتم: شيخ ما بحديثه بأس، وقال عثمان بن أبي شيبة: صدوق، قيل له ثبت؟ قال: لا، وقال يعقوب بن شيبة: كان مكتبًا وفي حديثه لين، وهو ثقة، مات سنة ١٢٩ هـ.
стр. 1115
وَمُجَالِدٌ, عَنِ الشَّعْبِىِّ, عَنْ حَدِيثِ قَمِيرَ, عَنْ عَائِشَةَ: «تَوَضَّئِى لِكُلِّ صَلَاةٍ» وَرِوَايَةُ دَاوُدَ وَعَاصِمٍ, عَنِ الشَّعْبِىِّ, عَنْ قَمِيرَ, عَنْ عَائِشَةَ: «تَغْتَسِلُ كُلَّ يَوْمٍ مَرَّةً». وَرَوَى (١) هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ: "الْمُسْتَحَاضَةُ تَتَوَضَّأُ (٢) لِكُلِّ صَلَاةٍ".
===
(ومجالد) بضم الميم وتخفيف الجيم، ابن سعيد بن عمير الهمداني، أبو عمرو الكوفي، قال البخاري: كان يحيى بن سعيد يضعفه، وكان ابن مهدي لا يروي عنه، وكان أحمد بن حنبل لا يراه شيئًا، وقال ابن معين: ضعيف واهي الحديث لا يحتج بحديثه، وقال النسائي: ليس بالقوي، ووثَّقه مرة، وقال ابن سعد: كان ضعيفًا في الحديث، وكان يحيى بن سعيد يقول: كان مجالد يلقن في الحديث إذا لقن، وقال البخاري: صدوق، وقال يعقوب بن سفيان: تكلم الناس فيه وهو صدوق، مات سنة ١٤٤ هـ.
(عن الشعبي، عن حديث قمير، عن عائشة: "توضأ لكل صلاة"، ورواية داود وعاصم) مبتدأ خبره تغتسل كل يوم مرة، كأن المصنف يشير إلى أنه اختلف على الشعبي عن قمير عن عائشة، فأكثر أصحابه رووا عنه "توضأ لكل صلاة"، وأما داود وعاصم فخالفاهم فرويا (عن الشعبي، عن قمير، عن عائشة: "تغتسل كل يوم مرة"، وروى هشام بن عروة عن أبيه: المستحاضة تتوضأ لكل صلاة).
قدمنا قريبًا أن البخاري أخرج بسنده من طريق أبي معاوية، ثنا هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، وفي آخره: وقال أبي: "ثم توضَّئِي لكل صلاة حتى يجيء ذلك الوقت"، فيشير المصنف إلى أن
стр. 1116
وَهَذِهِ الأَحَادِيثُ كُلُّهَا ضَعِيفَةٌ إِلَاّ حَدِيثَ قَمِيرَ وَحَدِيثَ عَمَّارٍ مَوْلَى بَنِى هَاشِمٍ وَحَدِيثَ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ,
===
قوله: "تتوضأ لكل صلاة" قول عروة موقوف عليه، وليس هو بمرفوع إلى رسول الله ﷺ .
وقدمنا أيضًا أن الحافظ في "الفتح" (١) قال: ادعى البعض أن قوله: "توضئِي" من كلام عروة موقوفًا عليه، وفيه نظر, لأنه لو كان كلامه لقال: ثم تتوضأ بصيغة الإخبار، قلت: فعلم من هذا أن ما رواه أبو داود بصيغة الإخبار مخالف لما رواه البخاري وغير صحيح، ثم قوله في آخر الحديث: "حتى يجيء ذلك الوقت" يأبى أيضًا أن يكون من كلام عروة، بل هو أمر من رسول الله ﷺ بالوضوء لكل صلاة، فإن بيان الغاية لا ينبغي إلَّا لرسول الله ﷺ .
(وهذه الأحاديث) أي الآثار المذكورة الموقوفة، أو الأحاديث المرفوعة والموقوفة (كلها ضعيفة، إلَّا حديث قمير، وحديث عمار مولى بني هاشم، وحديث هشام بن عروة عن أبيه).
قد تقدم أن المصنف - رحمه الله تعالى - قد أخرج في هذا الباب في بدئه أربعة أحاديث: حديث أبي اليقظان عن عدي بن ثابت مرفوعًا، وحديث الأعمش عن حبيب بن أبي ثابت مرفوعًا، وحديث أيوب بن أبي مسكين عن الحجاج موقوفًا على عائشة ﵂، وحديث أيوب بن أبي مسكين أبي العلاء عن ابن شبرمة مرفوعًا، وفي كلها ذكر الوضوء، ثم بين المصنف تزييفها كلها، ثم بعد ذلك أخرج آثارًا موقوفة، أولها أثر علي الذي رواه أبو اليقظان، وثانيها أثر
стр. 1117
وَالْمَعْرُوفُ عن ابْنِ عَبَّاسٍ الْغُسْلُ.
===
ابن عباس الذي رواه عمار مولى بني هاشم، وثالثها أثر عائشة الذي رواه عبد الملك وبيان ومغيرة وفراس ومجالد، ورابعها أثر عروة الذي روى عنه هشام.
ثم قال بعد تخريجها: وهذه الأحاديث أي الآثار الموقوفة كلها ضعيفة، إلَّا حديث قمير الذي رواه عبد الملك وغيره عن الشعبي عن قمير، وحديث عمار مولى بني هاشم أي أثر ابن عباس الذي روى عنه عمار، وحديث هشام بن عروة، عن أبيه، أي أثر عروة الذي روى عنه هشام ابنه، فهذه الآثار الثلاثة مستثناة من جملتها، فلم يبق فيها إلَّا أثر علي الذي رواه أبو اليقظان، وأما أثر عائشة الذي رواه داود وعاصم عن الشعبي، عن قمير فهو أيضًا وإن كان داخلًا في الصحاح، ولكن تغير سياق العبارة يشير إلى أن الغرض من ذكره ليس إلَّا بيان الاختلاف فيما روي في هذا الباب عن قمير، عن عائشة -رضي الله تعالى عنها -، ويحتمل أن يكون لفظة هذه إشارة إلى ما ذكر في الباب من الأحاديث المرفوعة والآثار الموقوفة جميعها.
وقد بَيَّن ضعف الأحاديث المرفوعة فيما تقدم، فيكون ذكر تضعيفها ههنا مكررًا للتأكيد، وعلى هذا التقدير استثناء حديث قمير يكون راجعًا إلى الأثر الموقوف على عائشة الذي رواه عبد الملك بن ميسرة وغيره، لا إلى الحديث المرفوع الذي رواه أيوب أبو العلاء عن ابن شبرمة, لأنه صرح بضعفها فيما تقدم، فلا يدخل في الاستثناء.
(والمعروف عن ابن عباس الغسل) حاصله: أن ما روى عمار مولى بني هاشم عن ابن عباس منكر, لأن المعروف عنه الغسل أي الغسل لكل
стр. 1118
(١١٤) بَابُ مَنْ قَالَ: الْمُسْتَحَاضَةُ تَغْتَسِلُ مِنْ ظُهْرٍ إِلَى ظُهْرٍ
٣٠١ - حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِىُّ, عَنْ مَالِكٍ, عَنْ سُمَىٍّ مَوْلَى أَبِى بَكْرٍ
===
صلاة، قلت: لم أقف على حديث عمار موصولًا ولا على أن المعروف عنه الغسل، إلَّا ما حكى البيهقي (١)، قال الشيخ: وروينا عن علي أنها تغتسل كل يوم، وفي رواية: لكل صلاة، وعن ابن عباس: عند كل صلاة، وفي رواية أخرى عن علي وابن عباس وعائشة: الوضوء لكل صلاة، انتهى ملخصًا، وظاهر العبارة فيه إشكال، وهو أن ما تقدم من الاستثناء يدل على أن حديث عمار عن ابن عباس ليس فيه ضعف، وهذا يدل على أنه ضعيفٌ, لأنه لما كان المعروف عن ابن عباس الغسل فصار الوضوء لكل صلاة منكرًا، والمنكر من أقسام الضعيف.
قال القاري في "شرحه" (٢) على "شرح النخبة": وإن وقت المخالفة مع الضعف أي كان الراوي المخالف ضعيفًا بسوء حفظه أو جهالته أو نحو ذلك، فالراجح يقال له: المعروف، ومقابله المنكر.
(١١٤) (بَابُ (٣) مَنْ قَالَ: الْمُسْتَحَاضَةُ تَغْتَسِلُ مِنْ ظُهْرٍ إِلَى ظُهْرٍ)
بالظاء المعجمة، أي: من وقت الظهر إلى ظهر آخر من الغد
٣٠١ - (حدثنا القعنبي) عبد الله بن مسلمة، (عن مالك) بن أنس الإِمام، (عن سمي) مصغرًا (مولى أبي بكر) بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وثَّقه أحمد وأبو حاتم والنسائي، وذكره ابن حبان في "الثقات"،
стр. 1119
"أَنَّ الْقَعْقَاعَ وَزَيْدَ بْنَ أَسْلَمَ أَرْسَلَاهُ إِلَى سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ يَسْأَلُهُ: كَيْفَ تَغْتَسِلُ الْمُسْتَحَاضَةُ؟ فَقَالَ: تَغْتَسِلُ مِنْ ظُهْرٍ إِلَى ظُهْرٍ, وَتَتَوَضَّأُ لِكُلِّ صَلَاةٍ, فَإِنْ غَلَبَهَا الدَّمُ اسْتَثْفَرَتْ بِثَوْبٍ".
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَرُوِىَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ وَأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ "تَغْتَسِلُ مِنْ ظُهْرٍ إِلَى ظُهْرٍ"
===
قتلته الحرورية سنة ١٣٠ هـ، (أن القعقاع) بن حكيم الكناني (وزيد بن أسلم أرسلاه) أي سُمَيًّا (إلى سعيد بن المسيب يسأله: كيف تغتسل المستحاضة؟ ) أي تغتسل (١) لكل صلاة، أو تجمع بين الصلاتين في الغسل، أو تغتسل كل يوم مرة.
(فقال: تغتسل من ظهر إلى ظهر) (٢) أي تغتسل من وقت الظهر إلى وقت الظهر الثاني كل يوم مرة، (وتوضأ لكل صلاة) أي فيما بين الغسلين (فإن غلبها الدم) وكثر سيلانه (استثفرت) أي شدت عليها (بثوب) لئلا يشيع الدم.
(قال أبو داود: وروي عن ابن عمر (٣)، وأنس بن مالك (٤): تغتسل من ظهر إلى ظهر) أي كما قاله سعيد بن المسيب، وقال البيهقي في
стр. 1120
وَكَذَلِكَ رَوَى (١) دَاوُدُ وَعَاصِمٌ عن الشَّعْبِيِّ، عن امْرَأَتِهِ،
===
"سننه" (٢) وعن ابن عمر وأنس بن مالك: "تغتسل من طهر إلى طهر" بالطاء الغير (٣) المنقوطة (٤).
(وكذلك) أي كما روي عن سعيد بن المسيب وابن عمر وأنس بن مالك (روى داود وعاصم عن الشعبي عن امرأته) هكذا في بعض النسخ الموجودة، وفي بعض النسخ: "عن امرأة"، ولم يتحقق لي مراد المصنف بهذا اللفظ بأنها من هي، والذي أظن أن هذا اللفظ دخل غلطًا من النساخ، فإن هذه الرواية قد ذكرها المصنف فيما تقدم قريبًا، وهكذا لفظه: ورواية داود وعاصم عن الشعبي، عن قمير، عن عائشة: "تغتسل كل يوم مرة"، ولم يذكر فيها عن امرأته، ثم أعاد ههنا الرواية السابقة، وبَيَّن الفرق بين لفظيهما، فلا يمكن أن يكون المخالفة في السند، ويحتمل أن الشعبي ذكر مرة عن قمير باسمها، ومرة عن امرأة مسروق، فجمع الراوي بينهما، وترك لفظ مسروق، وغلط في ذكر الضمير، ولا يوجد للشعبي رواية عن امرأته عن قمير، فهذا اللفظ غلط إن شاء الله تعالى.
ويؤيده ما أخرجه الدارمي (٥) من رواية داود هذا عن الشعبي، فقال: أخبرنا حجاج قال: ثنا حماد، عن داود، عن الشعبي، عن قمير امرأة مسروق أن عائشة قالت في المستحاضة: "تغتسل كل يوم مرة"،
стр. 1121
عَنْ قَمِيرَ, عَنْ عَائِشَةَ, إِلَاّ أَنَّ دَاوُدَ قَالَ: "كُلَّ يَوْمٍ", وَفِى حَدِيثِ عَاصِمٍ قال: "عِنْدَ الظُّهْرِ", وَهُوَ قَوْلُ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَالْحَسَنِ وَعَطَاءٍ. قَالَ مَالِكٌ: إِنِّى لأَظُنُّ حَدِيثَ ابْنِ الْمُسَيَّبِ مِنْ ظُهْرٍ إِلَى ظُهْرٍ قال فيه: "إنما هو مِنْ طُهْرٍ إِلَى طُهْرٍ", وَلَكِنَّ الْوَهَمَ دَخَلَ فِيهِ.
وَرَوَاهُ الْمِسْوَرُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَرْبُوعٍ
===
ولم يذكر بين الشعبي وبين (١) قمير أحدًا.
(عن قمير، عن عائشة إلَّا أن داود قال: كل يوم) أي تغتسل كل يوم مرة (وفي حديث عاصم قال: عند الظهر) أي تغتسل عند الظهر، فالروايتان وإن اختلفتا في اللفظ لكن معناهما واحد، وهو أن تغتسل المستحاضة كل يوم مرة، وهذا قدر مشترك بين الروايتين. (وهو قول سالم بن عبد الله والحسن وعطاء) (٢).
(وقال مالك: إني لأظن حديث ابن المسيب من ظهر إلى ظهر قال فيه: إنما هو من طهر إلى طهر. ولكن الوهم دخل فيه).
(ورواه مسور بن عبد الملك بن سعيد بن عبد الرحمن بن يربوع).
قال في "التقريب": المسور بن عبد الملك بن سعيد بن يربوع المدني، مقبول، من السادسة، حديثه في الطهارة من السنن، وله تذكرة أخرى،
стр. 1122
قَالَ فِيهِ: "مِنْ طُهْرٍ إِلَى طُهْرٍ"، فقَلَبَهَا النَّاسُ: "مِنْ ظُهْرٍ إِلَى ظُهْرِ".
===
وقال الذهبي في "الميزان": مسور بن عبد الملك، حدث عنه معن القزاز، ليس بالقوي، قاله الأزدي، انتهى، وقال الحافظ في "لسان الميزان": مسور بن عبد الملك، حدث عنه معن القزاز، ليس بالقوي قاله الأزدي، انتهى، وأخرج له من رواية عثمان بن عطاء، عن سليمان بن يسار، عن بسرة بنت صفوان في الوضوء من مس الذكر، قال في آخره: والمرأة كذلك، وسمى ابن أبي حاتم جده سعيد بن يربوع، وذكر في الرواة عنه أيضًا ابنُ وهبٍ أشهبَ وعبدَ الله بن الحكم، انتهى.
(قال فيه: من طهر إلى طهر) أي بالطاء المهملة (فقلبها الناس: من ظهر إلى ظهر) أي بالظاء المعجمة، قوى المصنف قول مالك بالتصحيف الواقع في لفظ من ظهر إلى ظهر برواية مسور بن عبد الملك، ومسور هذا ليس بقوي، فكيف تؤيد روايته، ولم أقف على شيخ مسور بن عبد الملك، فلعله سعيد بن المسيب أو غيره.
قال الخطابي (١): قال أبو داود: قال مالك: إني لأظن حديث ابن المسيب "من ظهر إلى ظهر" إنما هو "من طهر إلى طهر"، ولكن الوهم دخل فيه فقلبه الناس فقالوا: من ظهر إلى ظهر، ما أحسن ما قال مالك، وما أشبهه بما ظنه من ذلك, لأنه لا معنى للاغتسال من وقت صلاة الظهر إلى مثلها من صلاة الغد، ولا أعلمه قولًا لأحد من الفقهاء، وإنما هو "من طهر إلى طهر"، وهو وقت انقطاع دم الحيض، انتهى.
قلت: الذي ظنه الإِمام ﵀ هو ظن منه لم أقف على مستنده، ولا يبعد أن تكون الرواية على كلا اللفظين بالطاء المهملة والظاء
стр. 1123
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
المعجمة، وقد أخرج الدارمي (١) قول سعيد بن المسيب هذا بطرقٍ وألفاظٍ مختلفةٍ، فأوله ما أخرج بسنده عن سمي قال: سألت سعيد بن المسيب عن المستحاضة، فقال: وتغتسل من الظهر إلى الظهر بالمعجمة.
وعن الأوزاعي قال: حدثنا يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب قال: تغتسل من ظهر إلى ظهر بالظاء المعجمة، وفي رواية عن سمي، قال: قال سعيد: تغتسل من الظهر إلى مثلها من الغد لصلاة الظهر.
وأخرج بسنده عن عبد الكريم عن سعيد بن المسيب قال: المستحاضة تغتسل كل يوم عند صلاة الأولى.
وقد قوى قول سعيد بن المسيب هذا بقول الحسن، فقال: وكان الحسن يقول ذلك، وأخرج بسنده عن حميد عن الحسن قال: المستحاضة تدع الصلاة أيام حيضها من الشهر، ثم تغتسل من الظهر إلى الظهر، وبقول ابن عمر، فأخرج بسنده عن نافع، عن ابن عمر أنه كان يقول: المستحاضة تغتسل من ظهر إلى ظهر.
ولما بلغ ثبوت هذا اللفظ وصحته بتلك المثابة، فكيف يجترئ على القول بالوهم فيه، ومعنى الحديث على الرواية بالمعجمة أن المقصود بالأمر بالغسل هو المعالجة لتقليل الدم بالتبريد، وأحسن الأوقات للتبريد وأحوجها إليه ما هو أشد في الحرارة وهو وقت الظهر، ولذلك أمر بالغسل فيه لتسكين الحرارة وتقليلها (٢).
стр. 1124
(١١٥) بَابُ مَنْ قَالَ: تَغْتَسِلُ كُلَّ يَوْمٍ مَرَّةً، وَلَمْ يَقُلْ: عِنْدَ الظُّهْرِ
٣٠٢ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ, حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ, عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِى إِسْمَاعِيلَ, عَنْ مَعْقِلٍ الْخَثْعَمِىِّ, عَنْ عَلِىٍّ - رضى الله عنه - قَالَ: "الْمُسْتَحَاضَةُ إِذَا انْقَضَى حَيْضُهَا اغْتَسَلَتْ كُلَّ يَوْمٍ, وَاتَّخَذَتْ صُوفَةً فِيهَا سَمْنٌ أَوْ زَيْتٌ".
===
(١١٥) (بَابُ مَنْ (١) قَالَ: تَغْتَسِلُ كُلَّ يَوْمٍ مَرَّةً، وَلَمْ يَقُلْ: عِنْدَ (٢) الظُّهْرِ)
٣٠٢ - (حدثنا أحمد بن حنبل، نا عبد الله بن نمير، عن محمد ابن أبي إسماعيل) واسم أبي إسماعيل راشد، السلمي الكوفي، قال ابن معين والنسائي: ثقة، قال أبو حاتم: محمد بن راشد أخو عمر وإسماعيل، ويعرفون ببني أبي إسماعيل، ومحمد أحبهم إلى، وقال يحيى بن آدم: عن شريك أنه سئل عن امرأة ولدت في بطن أربعة، فقال: قد رأيت بني أبي إسماعيل أربعة ولدوا في بطن وعاشوا، ذكره ابن حبان في "الثقات"، مات سنة ١٤٢ هـ.
(عن معقل الخثعمي، عن علي) بن أبي طالب (قال: المستحاضة إذا انقضى حيضها) أي أيام حيضها (اغتسلت كل يوم) ليتقلص الدم، ويتقلل لتبريده، فليس هذا الغسل للتطهر بل للعلاج (٣) (واتخذت صوفة فيها سمن (٤) أو زيت)، وهذا أيضًا بطريق العلاج، فلعل استعمال السمن أو الزيت ينفع من سيلان الدم.
стр. 1125
(١١٦) بَابُ مَنْ قَالَ: تَغْتَسِلُ بَيْنَ الأَيَّامِ
٣٠٣ - حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِىُّ, حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ - يَعْنِى ابْنَ مُحَمَّدٍ -, عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُثْمَانَ "أَنَّهُ سَأَلَ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ عَنِ الْمُسْتَحَاضَةِ؟ قَالَ (١): تَدَعُ الصَّلَاةَ أَيَّامَ أَقْرَائِهَا, ثُمَّ تَغْتَسِلُ فَتُصَلِّى, ثُمَّ تَغْتَسِلُ فِى الأَيَّامِ".
(١١٧) بَابُ مَنْ قَالَ: تَوَضَّأُ لِكُلِّ صَلَاةٍ
٣٠٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، نَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ،
===
(١١٦) (بَابُ مَنْ قَالَ: تَغْتَسِلُ بَيْنَ الَأيَّامِ)
٣٠٣ - (حدثنا القعنبي) عبد الله بن مسلمة، (نا عبد العزيز، يعني ابن محمد) بن عبيد، (عن محمد بن عثمان) بن عبد الرحمن بن سعيد بن يربوع المخزومي المدني، قال أحمد: ثقة، وقال أبو حاتم: شيخ مدني محله الصدق، وذكره ابن حبان في "الثقات"، (أنه) أي محمد بن عثمان (سأل القاسم بن محمد) بن أبي بكر الصديق (عن المستحاضة؟ قال) أي القاسم: (تدع) أي المستحاضة (الصلاة أيام أقرائها) أي حيضها، (ثم تغتسل) وهذا الغسل هو الواجب للتطهر من الحيض (فتصلي، ثم تغتسل في الأيام) أي في أيام طهرها، وهذا الغسل هو المندوب علاجًا لتقليل الدم وتنظيف البدن.
(١١٧) (بَابُ مَنْ قَالَ: تَوَضَّاُ لِكُلِّ صَلاةٍ) (٢)
٣٠٤ - (حدثنا محمد بن المثنى، نا ابن أبي عدي) هو محمد