عَنْ قَمِيرَ, عَنْ عَائِشَةَ, إِلَاّ أَنَّ دَاوُدَ قَالَ: "كُلَّ يَوْمٍ", وَفِى حَدِيثِ عَاصِمٍ قال: "عِنْدَ الظُّهْرِ", وَهُوَ قَوْلُ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَالْحَسَنِ وَعَطَاءٍ. قَالَ مَالِكٌ: إِنِّى لأَظُنُّ حَدِيثَ ابْنِ الْمُسَيَّبِ مِنْ ظُهْرٍ إِلَى ظُهْرٍ قال فيه: "إنما هو مِنْ طُهْرٍ إِلَى طُهْرٍ", وَلَكِنَّ الْوَهَمَ دَخَلَ فِيهِ.
وَرَوَاهُ الْمِسْوَرُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَرْبُوعٍ
===
ولم يذكر بين الشعبي وبين (١) قمير أحدًا.
(عن قمير، عن عائشة إلَّا أن داود قال: كل يوم) أي تغتسل كل يوم مرة (وفي حديث عاصم قال: عند الظهر) أي تغتسل عند الظهر، فالروايتان وإن اختلفتا في اللفظ لكن معناهما واحد، وهو أن تغتسل المستحاضة كل يوم مرة، وهذا قدر مشترك بين الروايتين. (وهو قول سالم بن عبد الله والحسن وعطاء) (٢).
(وقال مالك: إني لأظن حديث ابن المسيب من ظهر إلى ظهر قال فيه: إنما هو من طهر إلى طهر. ولكن الوهم دخل فيه).
(ورواه مسور بن عبد الملك بن سعيد بن عبد الرحمن بن يربوع).
قال في "التقريب": المسور بن عبد الملك بن سعيد بن يربوع المدني، مقبول، من السادسة، حديثه في الطهارة من السنن، وله تذكرة أخرى،
стр. 1122
قَالَ فِيهِ: "مِنْ طُهْرٍ إِلَى طُهْرٍ"، فقَلَبَهَا النَّاسُ: "مِنْ ظُهْرٍ إِلَى ظُهْرِ".
===
وقال الذهبي في "الميزان": مسور بن عبد الملك، حدث عنه معن القزاز، ليس بالقوي، قاله الأزدي، انتهى، وقال الحافظ في "لسان الميزان": مسور بن عبد الملك، حدث عنه معن القزاز، ليس بالقوي قاله الأزدي، انتهى، وأخرج له من رواية عثمان بن عطاء، عن سليمان بن يسار، عن بسرة بنت صفوان في الوضوء من مس الذكر، قال في آخره: والمرأة كذلك، وسمى ابن أبي حاتم جده سعيد بن يربوع، وذكر في الرواة عنه أيضًا ابنُ وهبٍ أشهبَ وعبدَ الله بن الحكم، انتهى.
(قال فيه: من طهر إلى طهر) أي بالطاء المهملة (فقلبها الناس: من ظهر إلى ظهر) أي بالظاء المعجمة، قوى المصنف قول مالك بالتصحيف الواقع في لفظ من ظهر إلى ظهر برواية مسور بن عبد الملك، ومسور هذا ليس بقوي، فكيف تؤيد روايته، ولم أقف على شيخ مسور بن عبد الملك، فلعله سعيد بن المسيب أو غيره.
قال الخطابي (١): قال أبو داود: قال مالك: إني لأظن حديث ابن المسيب "من ظهر إلى ظهر" إنما هو "من طهر إلى طهر"، ولكن الوهم دخل فيه فقلبه الناس فقالوا: من ظهر إلى ظهر، ما أحسن ما قال مالك، وما أشبهه بما ظنه من ذلك, لأنه لا معنى للاغتسال من وقت صلاة الظهر إلى مثلها من صلاة الغد، ولا أعلمه قولًا لأحد من الفقهاء، وإنما هو "من طهر إلى طهر"، وهو وقت انقطاع دم الحيض، انتهى.
قلت: الذي ظنه الإِمام ﵀ هو ظن منه لم أقف على مستنده، ولا يبعد أن تكون الرواية على كلا اللفظين بالطاء المهملة والظاء
стр. 1123
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
المعجمة، وقد أخرج الدارمي (١) قول سعيد بن المسيب هذا بطرقٍ وألفاظٍ مختلفةٍ، فأوله ما أخرج بسنده عن سمي قال: سألت سعيد بن المسيب عن المستحاضة، فقال: وتغتسل من الظهر إلى الظهر بالمعجمة.
وعن الأوزاعي قال: حدثنا يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب قال: تغتسل من ظهر إلى ظهر بالظاء المعجمة، وفي رواية عن سمي، قال: قال سعيد: تغتسل من الظهر إلى مثلها من الغد لصلاة الظهر.
وأخرج بسنده عن عبد الكريم عن سعيد بن المسيب قال: المستحاضة تغتسل كل يوم عند صلاة الأولى.
وقد قوى قول سعيد بن المسيب هذا بقول الحسن، فقال: وكان الحسن يقول ذلك، وأخرج بسنده عن حميد عن الحسن قال: المستحاضة تدع الصلاة أيام حيضها من الشهر، ثم تغتسل من الظهر إلى الظهر، وبقول ابن عمر، فأخرج بسنده عن نافع، عن ابن عمر أنه كان يقول: المستحاضة تغتسل من ظهر إلى ظهر.
ولما بلغ ثبوت هذا اللفظ وصحته بتلك المثابة، فكيف يجترئ على القول بالوهم فيه، ومعنى الحديث على الرواية بالمعجمة أن المقصود بالأمر بالغسل هو المعالجة لتقليل الدم بالتبريد، وأحسن الأوقات للتبريد وأحوجها إليه ما هو أشد في الحرارة وهو وقت الظهر، ولذلك أمر بالغسل فيه لتسكين الحرارة وتقليلها (٢).
стр. 1124
(١١٥) بَابُ مَنْ قَالَ: تَغْتَسِلُ كُلَّ يَوْمٍ مَرَّةً، وَلَمْ يَقُلْ: عِنْدَ الظُّهْرِ
٣٠٢ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ, حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ, عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِى إِسْمَاعِيلَ, عَنْ مَعْقِلٍ الْخَثْعَمِىِّ, عَنْ عَلِىٍّ - رضى الله عنه - قَالَ: "الْمُسْتَحَاضَةُ إِذَا انْقَضَى حَيْضُهَا اغْتَسَلَتْ كُلَّ يَوْمٍ, وَاتَّخَذَتْ صُوفَةً فِيهَا سَمْنٌ أَوْ زَيْتٌ".
===
(١١٥) (بَابُ مَنْ (١) قَالَ: تَغْتَسِلُ كُلَّ يَوْمٍ مَرَّةً، وَلَمْ يَقُلْ: عِنْدَ (٢) الظُّهْرِ)
٣٠٢ - (حدثنا أحمد بن حنبل، نا عبد الله بن نمير، عن محمد ابن أبي إسماعيل) واسم أبي إسماعيل راشد، السلمي الكوفي، قال ابن معين والنسائي: ثقة، قال أبو حاتم: محمد بن راشد أخو عمر وإسماعيل، ويعرفون ببني أبي إسماعيل، ومحمد أحبهم إلى، وقال يحيى بن آدم: عن شريك أنه سئل عن امرأة ولدت في بطن أربعة، فقال: قد رأيت بني أبي إسماعيل أربعة ولدوا في بطن وعاشوا، ذكره ابن حبان في "الثقات"، مات سنة ١٤٢ هـ.
(عن معقل الخثعمي، عن علي) بن أبي طالب (قال: المستحاضة إذا انقضى حيضها) أي أيام حيضها (اغتسلت كل يوم) ليتقلص الدم، ويتقلل لتبريده، فليس هذا الغسل للتطهر بل للعلاج (٣) (واتخذت صوفة فيها سمن (٤) أو زيت)، وهذا أيضًا بطريق العلاج، فلعل استعمال السمن أو الزيت ينفع من سيلان الدم.
стр. 1125
(١١٦) بَابُ مَنْ قَالَ: تَغْتَسِلُ بَيْنَ الأَيَّامِ
٣٠٣ - حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِىُّ, حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ - يَعْنِى ابْنَ مُحَمَّدٍ -, عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُثْمَانَ "أَنَّهُ سَأَلَ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ عَنِ الْمُسْتَحَاضَةِ؟ قَالَ (١): تَدَعُ الصَّلَاةَ أَيَّامَ أَقْرَائِهَا, ثُمَّ تَغْتَسِلُ فَتُصَلِّى, ثُمَّ تَغْتَسِلُ فِى الأَيَّامِ".
(١١٧) بَابُ مَنْ قَالَ: تَوَضَّأُ لِكُلِّ صَلَاةٍ
٣٠٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، نَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ،
===
(١١٦) (بَابُ مَنْ قَالَ: تَغْتَسِلُ بَيْنَ الَأيَّامِ)
٣٠٣ - (حدثنا القعنبي) عبد الله بن مسلمة، (نا عبد العزيز، يعني ابن محمد) بن عبيد، (عن محمد بن عثمان) بن عبد الرحمن بن سعيد بن يربوع المخزومي المدني، قال أحمد: ثقة، وقال أبو حاتم: شيخ مدني محله الصدق، وذكره ابن حبان في "الثقات"، (أنه) أي محمد بن عثمان (سأل القاسم بن محمد) بن أبي بكر الصديق (عن المستحاضة؟ قال) أي القاسم: (تدع) أي المستحاضة (الصلاة أيام أقرائها) أي حيضها، (ثم تغتسل) وهذا الغسل هو الواجب للتطهر من الحيض (فتصلي، ثم تغتسل في الأيام) أي في أيام طهرها، وهذا الغسل هو المندوب علاجًا لتقليل الدم وتنظيف البدن.
(١١٧) (بَابُ مَنْ قَالَ: تَوَضَّاُ لِكُلِّ صَلاةٍ) (٢)
٣٠٤ - (حدثنا محمد بن المثنى، نا ابن أبي عدي) هو محمد
стр. 1126
عَنْ مُحَمَّدٍ - يَعْنِى ابْنَ عَمْرٍو - قال: حَدَّثَنِى ابْنُ شِهَابٍ, عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ, عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ أَبِى حُبَيْشٍ "أَنَّهَا كَانَتْ تُسْتَحَاضُ, فَقَالَ لَهَا النَّبِىُّ ﷺ : «إِذَا كَانَ دَمُ الْحَيْضِ فَإِنَّهُ دَمٌ أَسْوَدُ يُعْرَفُ, فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ فَأَمْسِكِى عَنِ الصَّلَاةِ, فَإِذَا كَانَ الآخَرُ فَتَوَضَّئِى وَصَلِّى». [تقدم برقم ٢٨٦]
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: قَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى: وَحَدَّثَنَا بِهِ ابْنُ أَبِى عَدِىٍّ حِفْظًا فَقَالَ: عَنْ عُرْوَةَ, عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ فَاطِمَةَ
===
(عن محمد - يعني ابن عمرو- قال: ثني ابن شهاب، عن عروة بن الزبير، عن فاطمة بنت أبي حبيش "أنها كانت تستحاض، فقال لها النبي ﷺ : إذا كان دم الحيض فإنه دم أسود يعرف، فإذا كان ذلك فأمسكي عن الصلاة، فإذا كان الآخر فتوضَّئِي (١) وصلي").
(قال أبو داود: قال ابن المثنى: وثنا به ابن أبي عدي حفظًا فقال: عن عروة، عن عائشة أن فاطمة ... ).
هذا الحديث الذي ذكره المصنف هاهنا مكرر بسنده ومتنه، وقد تقدم هذا الحديث وشرحه في "باب من قال: إذا أقبلت الحيضة تدع الصلاة"،
стр. 1127
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَرُوِىَ عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ الْمُسَيَّبِ وَشُعْبَةَ عَنِ الْحَكَمِ, عَنْ أَبِى جَعْفَرٍ, قَالَ الْعَلَاءُ: عَنِ النَّبِىِّ ﷺ , وَأَوْقَفَهُ شُعْبَةُ عَلَى أَبِى جَعْفَرٍ: تَوَضَّأُ لِكُلِّ صَلَاةٍ.
===
وبَيَّنَّا هناك أن هذا الذي ذكره المصنف من طريق محمد بن المثنى يخالف ما ذكره البيهقي بسنده عن الإِمام أحمد بن حنبل، فإن ما ذكره الإِمام أحمد عن ابن أبي عدي لم يذكر فيه عن فاطمة، بل ذكره مرسلًا، وما أخرجه المصنف عن ابن المثنى فهو مسند عن فاطمة، وأيضًا يقول الإِمام أحمد: إن ابن أبي عدي يحدثنا عن عائشة ثم تركه، وهذا القول يدل على أن ابن أبي عدي كان يروي موصولًا عن عائشة ثم ترك ذكرها، ويروي مرسلًا، وأما على تخريج المصنف فإنه يقتضي أن ابن أبي عدي يروي من كتابه عن عروة، عن فاطمة ولا يذكر بينهما عائشة، ويروي حفظًا فيروي عن عروة، عن عائشة، ولا يروي عن فاطمة، كأنه لم يترك عن عائشة، ويمكن أن يقال: إنه يذكر عائشة فيما يروي حفظاً غلطًا ونسيانًا، ثم لما تنبه ترك ذكرها بعد التنبه، والله أعلم.
(قال أبو داود: وروي عن العلاء بن المسيب (١) وشعبة عن الحكم) ابن عتيبة (عن أبي جعفر) هو محمد بن علي بن الحسين الباقر، ثم أراد المصنف أن يبين الفرق بين رواية العلاء وبين رواية شعبة فقال: (قال العلاء: عن النبي ﷺ ) أي روى العلاء عن الحكم، عن أبي جعفر، عن النبي ﷺ مرسلًا (وأوقفه شعبة) وفي نسخة: (على أبي جعفر)، أي رواه شعبة عن الحكم، عن أبي جعفر موقوفًا عليه، ولم يذكر النبي ﷺ (توضأ) أي تتوضأ بحذف إحدى التائين أي المستحاضة (لكل صلاة) في أيام استحاضتها.
стр. 1128
(١١٨) بَابُ مَنْ لَمْ يَذْكُرِ الْوُضُوءَ إِلَّا عِنْدَ الْحَدَثِ
٣٠٥ - حَدَّثَنَا زِيَادُ بْنُ أَيُّوبَ, حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ, أَخْبَرَنَا أَبُو بِشْرٍ, عَنْ عِكْرِمَةَ قال: إنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ بِنْتَ جَحْشٍ اسْتُحِيضَتْ, فَأَمَرَهَا النَّبِىُّ ﷺ أَنْ تَنْتَظِرَ أَيَّامَ أَقْرَائِهَا ثُمَّ تَغْتَسِلُ وَتُصَلِّى, فَإِنْ رَأَتْ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ تَوَضَّأَتْ وَصَلَّتْ". [ق ١/ ٣٥١]
===
(١١٨) (بَابُ مَنْ لَمْ يَذْكُرِ الْوُضَوءَ إِلَّا عِنْدَ الْحَدَثِ) (١)
من نواقض الوضوء غير دم الاستحاضة
٣٠٥ - (حدثنا زياد بن أيوب) الطوسي، (نا هشيم) بن بشير، (نا أبو بشر) جعفر بن أبي وحشية، (عن عكرمة) مولى ابن عباس، كما هو ظاهر الإطلاق، فإن المطلق يحمل عليه، ويؤيده أن الحافظ ذكر في "تهذيب التهذيب": أن أبا بشر يروي عن عكرمة مولى ابن عباس، ولم يذكر روايته عن عكرمة بن عمار، وأما كلام الشوكاني فيقتضي أنه عكرمة بن عمار، ولم يتحقق لي صريحًا أنه مولى ابن عباس أو ابن عمار.
(قال) أي عكرمة: (إن أم حبيبة بنت جحش استحيضت، فأمرها النبي ﷺ أن تنتظر أيام أقرائها) أي مضي أيام أقرائها، فلا تصلي فيها (ثم تغتسل) أي للطهر من الحيض بعد فراغها منه (وتصلي، فإن رأت شيئًا) (٢) بعد ما تنقضي أيام أقرائها (من ذلك) أي من جميع ما ينقض الطهارة (توضأت وصلت)، هذه الرواية قد ذكرها المصنف فيما تقدم معلقة ومرسلة، وقد أعادها هنا موصولة مرسلة.
стр. 1129
٣٠٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبٍ, حَدَّثَنِى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ, ثني اللَّيْثُ, عَنْ رَبِيعَةَ "أَنَّهُ كَانَ لَا يَرَى عَلَى الْمُسْتَحَاضَةِ وُضُوءًا عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ إِلَاّ أَنْ يُصِيبَهَا حَدَثٌ غَيْرُ الدَّمِ فَتَوَضَّأُ".
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: هَذَا قَوْلُ مَالِكٍ, يَعْنِى ابْنَ أَنَسٍ.
===
٣٠٦ - (حدثنا عبد الملك بن شعيب) بن الليث بن سعد الفهمي بمفتوحة وسكون هاء، منسوب إلى فهم بن عمرو، قال أبو حاتم: صدوق، وقال النسائي: ثقة، وذكره ابن حبان في "الثقات"، مات سنة ٢٤٨ هـ، (ثني عبد الله بن وهب، ثني الليث) بن سعد، (عن ربيعة) بن أبي عبد الرحمن الرأي (أنه) أي ربيعة (كان لا يرى على المستحاضة وضوءًا عند كل صلاة إلَّا أن يصيبها حدث غير الدم فتوضأ، قال أبو داود: هذا قول مالك يعني ابن أنس).
قلت: وهذا الذي قاله ربيعة هو مذهب أبي حنيفة رحمه الله تعالى ومن تبعه (١)، فإن عندهم أصحاب الأعذار كالمستحاضة وغيرها خروج النجس الذي ابتلوا به من هؤلاء لا ينقض الطهارة، فلها أن تصلي ما شاءت من الفرائض والنوافل ما لم يخرج الوقت، وإن دام السيلان فلا يجب عليها الوضوء عند كل صلاة بهذا الحدث الذي ابتليت به، إلَّا أن يصيبها حدث غير ما ابتليت به، فتوضأ.
وقال الخطابي في "شرحه" (٢): الحديث لا يشهد لما ذهب إليه ربيعة، وذلك أن قوله: "فإن رأت شيئًا من ذلك توضأت وصلت"، يوجب
стр. 1130
(١١٩) بَابٌ: في الْمَرْأَةِ تَرَى الصُّفْرَةَ والْكُدْرَةَ بَعْدَ الطُّهْرِ
٣٠٧ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْن إِسْمَاعِيلَ، نَا حَمَّادٌ، عن قَتَادَةَ، عن أُمِّ الْهُذَيْلِ,
===
عليه الوضوء ما لم يتيقن زوال تلك العلة وانقطاعها عنها، وذلك لأنها لا تزال ترى شيئًا من ذلك أبدًا، إلَّا أن تنقطع عنها العلة، وقول ربيعة شاذ، وليس العمل به، وهذا الحديث منقطع، وعكرمة لم يسمع عن أم حبيبة بنت جحش، انتهى ملخصًا.
قلت: عقد المصنف هذا الباب وقال: "باب من لم يذكر الوضوء إلَّا عند الحدث"، فلو أريد بالحدث غير دم الاستحاضة الذي ابتليت به، وأريد بقوله في الحديث: "فإن رأت شيئًا من ذلك" ما تنقض الوضوء غير دم الاستحاضة، فالحديث حينئذ يطابق الباب، ويشهد لما ذهب إليه ربيعة، فكأن الخطابي لم يسبق ذهنه إلى هذا التأويل، وفهم من الحدث الحدث الذي أصابها من الاستحاضة، وكذلك في الحديث فهم أن الإشارة في قوله: "من ذلك" إلى ذلك الحدث، فاعترض بأن الحديث لا يشهد لما ذهب إليه ربيعة، وقول الخطابي: "قول ربيعة شاذ" غير مسلم، كيف وقد قال أبو داود على ما في بعض النسخ: وهذا قول مالك بن أنس، وقد بينا قبل أن هذا هو قول أبي حنيفة ومن تبعه، فلا يكون قول ربيعة قولًا شاذًا، والله أعلم.
(١١٩) (بَابٌ: في المَرْأَةِ تَرَى الصُّفْرَةَ وَالْكُدْرَةَ بَعْدَ الطُّهْرِ)
٣٠٧ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، نا حماد) بن سلمة، (عن قتادة، عن أم الهذيل) هي حفصة بنت سيرين الأنصارية البصرية، أخت محمد بن سيرين، قال ابن معين: ثقة حجة، وذكرها ابن حبان في "الثقات"، ماتت سنة ١٠١ هـ.
стр. 1131
عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ - وَكَانَتْ بَايَعَتِ النَّبِىَّ ﷺ قَالَتْ: "كُنَّا لَا نَعُدُّ الْكُدْرَةَ وَالصُّفْرَةَ بَعْدَ الطُّهْرِ شَيْئًا". [خ ٣٢٦، ن ٣٦٨، جه ٦٤٧، ق ١/ ٣٣٧، ك ١/ ١٧٤]
٣٠٨ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ, أَخْبَرَنَا أَيُّوبُ, عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ, عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ بِمِثْلِهِ. (١) [انظر الحديث السابق]
===
(عن أم عطية) (٢) هي نسيبة مصغرًا، ويقال مكبرًا، بنت كعب، ويقال: بنت الحارث، كانت تغزو مع رسول الله ﷺ تمرض المرضى وتداوي الجرحى، وكان جماعة من الصحابة وعلماء التابعين بالبصرة يأخذون عنها غسل الميت، صحابية مشهورة، سكنت البصرة.
(وكانت بايعت النبي ﷺ قالت) أي أم عطية: (كنا لا نعد) أي في زمن النبي ﷺ مع علمه بذلك، وبهذا يعطى الحديث حكم الرفع، وبهذا جزم الحاكم وغيره خلافًا للخطيب، قاله الحافظ في "الفتح" (٣) (الكدرة والصفرة بعد الطهر) أي بعد حصول الطهر (شيئًا) من الحيض، فأما قول عائشة ﵂: "لا تعجلن حتى ترين القصة البيضاء"، فمحمول على ما إذا رأت الصفرة أو الكدرة في أيام الحيض، وأما قول أم عطية فيحمل على بعد انقضاء أيام الحيض في الطهر.
٣٠٨ - (حدثنا مسدد، نا إسماعيل) بن علية، (نا أيوب) بن أبي تميمة، (عن محمد بن سيرين، عن أم عطية بمثله)، أي روى محمد بن سيرين عن أم عطية بمثل ما روته أخته أم الهذيل عن أم عطية، ويمكن أن يقال: حدث مسدد بسنده عن أم عطية بمثل ما حدث موسى بن إسماعيل بسنده عنها.
стр. 1132
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
قال الخطابي (١): اختلف الناس في الصفرة والكدرة (٢) بعد الطهر والنقاء، فروي عن علي ﵁ أنه قال: ليس ذلك بحيض، ولا تترك لها الصلاة، ولتتوضأ ولتصل، وهو قول سفيان الثوري والأوزاعي، وقال سعيد بن المسيب: إذا رأت ذلك اغتسلت وصلت، وبه قال أحمد بن حنبل.
وعن أبي حنيفة: إذا رأت بعد الحيض وبعد انقطاع الدم الصفرة والكدرة يومًا أو يومين ما لم تجاوز العشر، فهو من حيضها, ولا تطهير حتى ترى البياض خالصًا.
واختلف قول أصحاب الشافعي في هذا، فالمشهور من مذهب أصحابه: أنها إذا رأت الصفرة أو الكدرة بعد انقطاع دم العادة ما لم تجاوز خمسة عشر يومًا، فإنها تحيض، وقال بعضهم: إذا رأتها في أيام العادة كانت حيضًا، ولا يعتبرها فيما جاوزها، فأما البكر إذا رأت أول ما رأت الدم صفرة أو كدرة فإنهما لا تعدان في قول أكثر الفقهاء حيضًا، وهو قول عائشة وعطاء، وقال بعض أصحاب الشافعي: حكم المبتدأة بالصفرة والكدرة حكم الحيض.
стр. 1133
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: أُمُّ الْهُذَيْلِ هِىَ حَفْصَةُ بِنْتُ سِيرِينَ كَانَ ابْنُهَا اسْمُهُ: هُذَيْلٌ, وَاسْمُ زَوْجِهَا: عَبْدُ الرَّحْمَنِ.
(١٢٠) بَابُ الْمُسْتَحَاضَةِ يَغْشَاهَا زَوْجُهَا
٣٠٩ - حَدَّثَنَا إِبْراهِيمُ بْنُ خَالدٍ, نَا مُعَلَّى- يَعْنِي ابْن مَنْصُورٍ - ,
===
(قال أبو داود: أم الهذيل هي حفصة بنت سيرين، كان ابنها اسمه هذيل، واسم زوجها عبد الرحمن).
(١٢٠) (بَابُ المُسْتَحَاضَةِ يَغْشَاهَا زَوْجُهَا) (١)
أي يجامعها زوجها في حالة الاستحاضة وسيلان دمها
٣٠٩ - (حدثنا إبراهيم بن خالد، نا معلى - يعني ابن منصور-) الرازي، أبو يعلى، نزيل بغداد، قال ابن معين: ثقة، وقال العجلي: ثقة صاحب سنَّة، وكان نبيلاً، طلبوه للقضاء غير مرة فأبى، وقال يعقوب بن شيبة: ثقة فيما تفرد به وشورك به فيه، متقن صدوق فقيه مأمون، وقال ابن سعد: كان صدوقًا صاحب حديث، وقال أبو حاتم الرازي: كان صدوقًا في الحديث، وكان صاحب رأي، وقال أحمد بن حنبل: معلي بن منصور من كبار أصحاب أبي يوسف ومحمد، ومن ثقاتهم في النقل والرواية, وقال ابن عدي: أرجو أنه لا بأس به لأني لم أجد له حديثًا منكرًا، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: كان ممن جمع
стр. 1134
عَنْ عَلِىِّ بْنِ مُسْهِرٍ, عَنِ الشَّيْبَانِىِّ, عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ: "كَانَتْ أُمُّ حَبِيبَةَ تُسْتَحَاضُ, فَكَانَ (١) زَوْجُهَا يَغْشَاهَا". [ق ١/ ٣٢٩]
===
وصنف، ونقل عبد الحق في "الأحكام" عن أحمد: أنه رماه بالكذب، وقال الحافظ في "التقريب": أخطأ من زعم أن أحمد رماه بالكذب، مات سنة ٢١١ هـ.
(عن علي بن مسهر) بضم الميم وسكون المهملة وكسر الهاء، القرشي أبو الحسن الكوفي، الحافظ، قاضي الموصل، قال أحمد: صالح الحديث، وثَّقه ابن معين، وأبو زرعة، والنسائي، وابن سعد، والعجلي وقال: كان ممن جمع الحديث والفقه، ثقة، وعن يحيى بن معين: أنه وُلّي قضاء أرمينية فاشتكى عينه، فدس القاضي الذي كان بأرمينية إليه طبيبًا فكحله، فذهبت عينه، ورجع إلى الكوفة أعمى، مات سنة ١٨٩ هـ.
(عن الشيباني) هو سليمان، (عن عكرمة) الظاهر أنه مولى ابن عباس (قال) أي عكرمة: (كانت أم حبيبة تستحاض) أي تصيبها الاستحاضة (فكان زوجها) واسم زوجها عبد الرحمن بن عوف (يغشاها) أي يجامعها، فإن قيل: كان يكون فعل الصحابي حجة مادام لم يثبت أن رسول الله ﷺ أذن له بذلك؟ قلت: الظاهر أنه لا يجترئ على ذلك مع أنه قد ورد النهي عن قربان الحيض في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ (٢) إلَّا بإذن منه ﷺ .
وقال الشوكاني (٣) في الجواب: وينبغي التعويل في الاستدلال على أن التحريم إنما يثبت بدليل، ولم يرد في ذلك شرع يقتضي المنع منه، وفيه
стр. 1135
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: قَالَ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ: مُعَلَّى ثِقَةٌ, وَكَانَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ لَا يَرْوِى عَنْهُ, لأَنَّهُ كَانَ يَنْظُرُ فِى الرَّأْىِ.
٣١٠ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِى سُرَيْجٍ الرَّازِىُّ, أَخْبَرَنَا (١) عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْجَهْمِ:
===
نظر, لأنه قد منع الله من وطء الحائض معللاً بالأذى، والأذى موجود في المستحاضة، فثبت التحريم في حقها (٢).
(قال أبو داود: قال يحيى بن معين: معلى (٣) ثقة، وكان أحمد ابن حنبل لا يروي عنه, لأنه كان ينظر في الرأي)، قلت: وهذا القدر لا يقتضي الجرح، وقد ذكرنا توثيقه في ما تقدم في ترجمته حتى إن الإِمام أحمد بن حنبل أيضًا ذكر توثيقه، وقال: معلي بن منصور من كبار أصحاب أبي يوسف ومحمد، ومن ثقاتهم في النقل والرواية (٤).
٣١٠ - (حدثنا أحمد بن أبي سريج الرازي) هو أحمد بن الصباح النهشلي، أبو جعفر، ابن أبي سريج بمهملة وآخره جيم، مصغرًا، الرازي، المقرئ، وقيل: اسم أبيه عمر، بغدادي، روى عنه البخاري، وأبو داود، والنسائي وقال: ثقة، ويعقوب بن شيبة وقال: كان ثقة ثبتًا، وقال ابن حبان في "الثقات": يغرب على استقامته.
(نا عبد الله بن الجهم) الرازي، أبو عبد الرحمن، قال أبو زرعة: رأيته ولم أكتب عنه، وكان صدوقًا، وقال أبو حاتم: رأيته ولم أكتب عنه، وكان يتشيع، وذكره ابن حبان في "الثقات".
стр. 1136
حَدَّثَنَا عَمْرُو - يعني ابْنُ أَبِى قَيْسٍ -, عَنْ عَاصِمٍ, عَنْ عِكْرِمَةَ, عَنْ حَمْنَةَ بِنْتِ جَحْشٍ "أَنَّهَا كَانَتْ مُسْتَحَاضَةً وَكَانَ زَوْجُهَا يُجَامِعُهَا". [ق ١/ ٣٢٩]
(١٢١) بَابُ مَا جَاءَ فِي وَقْتِ النُّفَسَاءِ
٣١١ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، نَا زُهَيْرٌ ,
===
(نا عمرو - يعني ابن أبي قيس -) الرازي الأزرق، كوفي، نزل الري، قال الآجري عن أبي داود: في حديثه خطأ، وقال في موضع آخر: لا بأس به، وذكره ابن حبان في "الثقات"، قال عثمان بن أبي شيبة: لا بأس به كان يهم في الحديث قليلًا، وقال أبو بكر البزار في "السنن": مستقيم الحديث. قال عبد الصمد: دخل الرازيون على الثوري فسألوه الحديث، فقال: أليس عندكم ذلك الأزرق، يعني عمرو بن أبي قيس.
(عن عاصم) بن بهدلة، (عن عكرمة) لم يتحقق لي أنه مولى ابن عباس أو ابن عمار، وظاهر الإطلاق أن يكون مولى ابن عباس، وأيضًا عكرمة هذا يروي عن ابن عباس في المستحاضة أنه لم ير بأسًا أن يأتيها زوجها أخرجه الدارمي (١) (عن حمنة بنت جحش أنها كانت مستحاضة وكان زوجها يجامعها) واسم زوجها طلحة بن عبيد الله.
(١٣١) (بَابُ مَا جَاءَ (٢) فِي وَقْتِ النُّفَسَاءِ)
أي في تعيين وقت نفاسها
٣١١ - (حدثنا أحمد بن يونس، نا زهير) بن معاوية
стр. 1137
نَا عَلِىُّ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى، عن أَبِي سَهْلٍ، عن مُسَّةَ،
===
(نا علي بن عبد الأعلى) بن عامر الثعلبي بالمثلثة والمهملة، أبو الحسن الكوفي الأحول، قال أبو حاتم: ليس بالقوي، وقال الدارقطني في "العلل": ليس بالقوي، وقال أحمد والنسائي: ليس به بأس، ووثَّقه الترمذي، وقال البخاري فيما نقل عنه الترمذي: ثقة، وكان قاضيًا بالري.
(عن أبي سهل) كثير بن زياد البرساني بضم موحدة وسكون راء وإهمال سين، الأزدي العتكي البصري، سكن بلخ، وثَّقه ابن معين وأبو حاتم والنسائي، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: كان ممن يخطئ، ثم غفل فذكره في "الضعفاء"، وقال: يروي عن الحسن وأهل العراق مقلوبات، وقال البخاري: ثقة.
(عن مُسَّةَ) بضم أولها وتشديد السين المهملة، الأزدية، أم بُسَّةَ بضم الموحدة والتشديد أيضًا، مقبولة، كذا في "التقريب"، وفي "تهذيب التهذيب": روى عنها أبو سهل كثير بن زياد، وذكر الخطابي وابن حبان أن الحكم بن عتيبة روى عنها أيضًا، وقال الذهبي في "الميزان": قال الدارقطني: لا يحتج بها، قلت: ما نقله الذهبي عن الدارقطني لم أره في "سننه"، وقد أخرج بسنده روايتها عن الحكم بن عتيبة وعن أبي سهل كثير بن زياد عن مسة الأزدية، وعادته فيها أنه يبين ضعف الرواة وجرحهم، فلم يذكر لها شيئًا من ذلك، وقال الشوكاني (١) في "النيل": ومُسة الأزدية مجهولة الحال، قال ابن سيد الناس: لا يعرف حالها ولا عينها, ولا تعرف في غير هذا الحديث.
стр. 1138
عن أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: "كَانَتِ النُّفَسَاءُ (١) عَلَى عَهْدِ رَسُولِ الله ﷺ تَقْعُدُ بَعْدَ نِفَاسِهَا أَرْبَعِينَ يَوْمًا أَوْ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً،
===
قلت: روى عنها أبو سهل كثير بن زياد والحكم بن عتيبة كما أخرج عنهما الدارقطني عن مسة، فارتفعت جهالتها، فصح ما قال الحافظ: إنها مقبولة.
(عن أم سلمة قالت) أي أم سلمة: (كانت النفساء على عهد رسول الله ﷺ تقعد) عن الصلاة (بعد نفاسها) أي بعد بدء نفاسها (أربعين) أي إلى أربعين (يومًا، أو) للشك (٢) (أربعين ليلة) أي أو قال الراوي: أربعين ليلة، وكان ذلك بأمره ﷺ وتشريعه لئلا يكون الخبر كذبًا، إذ لا يمكن أن تتفق عادة نساء عصر في نفاس أو حيض، هكذا نفله الشوكاني عن مصنف "منتقى الأخبار".
قال الشوكاني (٣): وقد اختلف الناس في أكثر النفاس، فذهب علي وعمر وعثمان وعائشة وأم سلمة والجمهور (٤) إلى أن أكثر النفاس أربعون يومًا، واستدلوا بحديث الباب وبما ذكرنا بعده من الروايات، وقال الشافعي في قول: بل سبعون، وفي قول للشافعي وهو الذي في كتب الشافعية، وروي أيضًا عن مالك: ستون يومًا.
стр. 1139
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
والأدلة الدالة على أن أكثر النفاس أربعون يومًا متعاضدة بالغة إلى حد الصلاحية والاعتبار، فالمصير إليها متعين، قال الترمذي في "سننه" (١): وقد أجمع أصحاب النبي ﷺ والتابعون ومن بعدهم على أن النفساء تدع الصلاة أربعين يومًا، إلَّا أن ترى الطهر قبل ذلك فإنها تغتسل وتصلي.
واختلفوا في تقدير أقل النفاس، فعند العترة والشافعي ومحمد: لا حد لأقله، واستدلوا بما سبق من قوله: "فإن رأت الطهر قبل ذلك"، وقال زيد بن علي: ثلاثة أقراء، فإذا كانت المرأة تحيض خمسًا فأقل نفاسها خمسة عشر يومًا، وقال أبو حنيفة وأبو يوسف: بل أحد عشر يومًا كأكثر الحيض وزيادة يوم لأجل الفرق، وقال الثوري: ثلاثة أيام، وجميع الأقوال ما عدا الأول لا دليل عليها ولا مستند لها إلَّا الظنون، انتهى ملخصًا بتغيير.
قلت: وما نسب الشوكاني إلى أبي حنيفة وأبي يوسف - رحمهما الله - من أنهما قدرا أقل النفاس أحد عشر يومًا لم أره في كتبنا، بل قال في "البدائع" (٢): وأما الكلام في مقداره فأقله غير مقدر بلا خلاف، حتى إنها إذا ولدت ونفست وقت صلاة لا تجب عليها تلك الصلاة، وما ذكر من الاختلاف بين أصحابنا في أقل النفاس، فذاك في موضع آخر، وهو أن المرأة إذا طلقت بعد ما ولدت ثم جاءت وقالت: نفست ثم طهرت ثلاثة أطهار وثلاث حيض، فبكم تُصدق في النفاس، فعند أبي حنيفة لا تُصدق في أقل من خمسة وعشرين (٣) يومًا، وعند أبي يوسف لا تُصدق في أقل من أحد عشر يومًا، وعند محمد تصدق في ما ادّعت وإن كان قليلًا، انتهى.
стр. 1140
وَكُنَّا نَطْلِي عَلَى وُجُوهِنَا الْوَرْس- تَعْنِي مِنَ الْكَلَفِ". [ت ١٣٩، جه ٦٤٨، دي ٩٥٥، ق ١/ ٣٤١، ك ١/ ١٧٥، قط ١/ ٢٢٢]
===
وفي "الدر المختار" (١): لا حد لأقله إلَّا إذا احتيج إليه لعدة كقوله: "إذا ولدتِ فأنت طالق" فقالت: مضت عدتي، فقدره الإِمام بخمسة وعشرين مع ثلاث حيض، والثاني بأحد عشر، والثالث بساعة، قال الشامي: فأدنى مدة تصدق فيها عنده خمسة وثمانون يومًا، خمسة وعشرون نفاس وخمسة عشر طهر، ثم ثلاث حيض، كل حيضة خمسة أيام، وطهران بين الحيضتين ثلاثون يومًا، وأما الثاني فأدنى مدة تصدق فيها عنده خمسة وستون يومًا، أحد عشر نفاس، وخمسة عشر طهر، وثلاث حيض لتسعة أيام بينهما طهران بثلاثين يومًا، وعند الثالث تصدق في أربعة وخمسين يومًا وساعة، خمسة عشر طهر، ثم ثلاث حيض بتسعة، ثم طهران ثلاثون.
(وكنا نطلي) (٢) أي نلطخ (على وجوهنا الورس) قال في "القاموس": الورس (٣): نبات كالسمسم، ليس إلَّا باليمين، يزرع فيبقى عشرين سنة، نافِعٌ لِلْكَلَفِ طلاءً، وللبَهَقِ شربًا، انتهى، (تعني من الكلف) أي من أجل الكلف، قال في "المجمع" (٤): الكلف: شيء يعلو الوجه كالسمسم، والكلف لون بين سواد وحمرة وكدرة تعلو الوجه، انتهى.
قال الخطابي (٥): وحديث مسة أثنى عليه محمد بن إسماعيل.
وقال: مسة هذه أزدية، واسم أبي سهل كثير بن زياد، وهو ثقة، وعلي بن عبد الأعلى ثقة.
стр. 1141
٣١٢ - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى, أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ - يَعْنِى حِبِّى -, حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ, عَنْ يُونُسَ بْنِ نَافِعٍ, عَنْ كَثِيرِ بْنِ زِيَادٍ قَالَ: حَدَّثَتْنِى الأَزْدِيَّةُ - يَعْنِى مُسَّةَ - قَالَتْ: "حَجَجْتُ, فَدَخَلْتُ عَلَى أُمِّ سَلَمَةَ فَقُلْتُ: يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ, إِنَّ سَمُرَةَ بْنَ جُنْدُبٍ
===
٣١٢ - (حدثنا الحسن بن يحيى) بن هشام الرُّزِّي بضم الراء وتشديد الزاي، نسبة إلى الرز وهو الأرز، أبو علي البصري، ذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: مستقيم الحديث كان صاحب حديث، وقال الصريفيني والذهبي: كان حافظًا.
(نا محمد بن حاتم يعني حبي) ابن يونس الجرجرائي بجيمين مفتوحتين بينهما راء ساكنة، مدينة من أرض العراق، أبو جعفر المصيصي، العابد، المعروف بحِبِّي بكسر (١) المهملة والموحدة المشددة، لقب له، قال أبو داود: كان من الثقات، وقال أبو حاتم: كان صدوقًا، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: ربما أخطأ، مات سنة ٢٢٥ هـ.
(نا عبد الله بن المبارك، عن يونس بن نافع) الخراساني، أبو غانم المروزي القاضي، ذكره ابن حبان في "الثقات" وقال: يخطئ، قال ابن المبارك: هو أول من اختلفت إليه، مات سنة ٢٥٩ هـ.
(عن كثير بن زياد قال: ثتني الأزدية - يعني مسة - قالت: حججت، فدخلت على أم سلمة) ولعل هذا الدخول عليها كان في مكة لما أنها جاءت مكة للحج، أو في المدينة حين مرت عليها في سفرها من البصرة (فقلت: يا أم المومنين، إن سمرة بن جندب) بن هلال
стр. 1142
يَأْمُرُ النِّسَاءَ يَقْضِينَ صَلَاةَ الْمَحِيضِ! فَقَالَتْ: لَا يَقْضِينَ, كَانَتِ الْمَرْأَةُ مِنْ نِسَاءِ النَّبِىِّ ﷺ تَقْعُدُ فِى النِّفَاسِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً لَا يَأْمُرُهَا النَّبِىُّ ﷺ بِقَضَاءِ (١) صَلَاةِ النِّفَاسِ". [ق ١/ ٣٤١]
قَالَ مُحَمَّدٌ - يَعْنِى ابْنَ حَاتِمٍ -: وَاسْمُهَا مُسَّةُ, تُكْنَى أُمَّ بُسَّةَ.
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: كَثِيرُ بْنُ زِيَادٍ, كُنْيَتُهُ: أَبُو سَهْلٍ.
===
الفزاري، أبو سعيد، صحابي مشهور، كان حليف الأنصار، سكن البصرة، وكان شديدًا على الحرورية، مات بالبصرة سنة ٥٨ هـ (يأمر النساء يقضين صلاة المحيض)، أي الصلوات التي فاتتهن في أيام الحيض، ولعل هذا الأمر لقضاء صلاة المحيض كان اجتهادًا منه، ولم يبلغه الحديث من رسول الله ﷺ .
(فقالت) أي أم سلمة: (لا يقضين، كانت المرأة من نساء النبي ﷺ ) ليس المراد بالنساء الأزواج، بل المراد من نساء قرابته، أو من نساء أصحابه (تقعد في النفاس أربعين ليلة لا يأمرها النبي ﷺ بقضاء صلاة النفاس) فلما لم يأمرهن (٢) بقضاء صلاة النفاس، وهو قليل الوجود، فكيف يأمر فيما هو أكثر وجودًا وأشد مشقة وهو الحيض (٣).
(قال محمد - يعني ابن حاتم -: واسمها) أي اسم الأزدية (مُسَّة، تُكنى أُمّ بُسَّةَ، قال أبو داود: كثير بن زياد كنيته أبو سهل).
стр. 1143
(١٢٢) بَابُ الاغْتِسَالِ مِنَ الْحَيْضِ (١)
٣١٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو الرَّازِيُّ، ثَنَا سَلَمَةُ - يَعْنِي ابْنَ الْفَضْلِ - ,
===
(١٢٢) (بَابُ الاغْتِسَالِ مِنَ الْحَيْضِ)
أي: في كيفيته (٢)
٣١٣ - (حدثنا محمد بن عمرو) بن بكر (الرازي) التميمي العدوي، أبو غسان الطيالسي، المعروف بزنيج بزاي ونون وجيم مصغرًا، روى عنه مسلم وأبو داود، وذكره الدارقطني في شيوخ البخاري، وثَّقه أبو حاتم، وذكره ابن حبان في "الثقات"، مات سنة ٢٤١ هـ.
(ثنا سلمة - يعني ابن الفضل -) الأبرش بموحدة فراء فمعجمة، الأنصاري مولاهم، أبو عبد الله الأزرق، قاضي الري، قال البخاري: عنده مناكير، وهَّنه علي، قال علي: ما خرجنا من الري حتى رمينا بحديثه، وعن أبي زرعة: كان أهل الري لا يرغبون فيه لمعان فيه من سوء رأيه وظلم فيه، وأما إبراهيم بن موسى فسمعته غير مرة وأشار أبو زرعة إلى لسانه يريد الكذب، وقال أبو حاتم: محله الصدق، في حديثه إنكار، يكتب حديثه ولا يحتج به، وقال النسائي: ضعيف، وقال ابن عدي عن البخاري: ضعَّفه إسحاق، وقال الحاكم: ليس بالقوي عندهم، وعن ابن معين: ثقة كتبنا عنه، وقال ابن سعد: كان ثقة صدوقًا، وعن ابن معين: سمعت جريرًا يقول: ليس من لدن بغداد إلى أن يبلغ خراسان أثبت في ابن إسحاق من سلمة، وقال الآجري عن أبي داود: ثقة، وذكر ابن خلفون أن أحمد سئل عنه، فقال:
стр. 1144
أَخْبَرَنَا (١) مُحَمَّدٌ - يَعْنِى ابْنَ إِسْحَاقَ -, عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ سُحَيْمٍ, عَنْ أُمَيَّةَ بِنْتِ أَبِى الصَّلْتِ, عَنِ امْرَأَةٍ مِنْ بَنِى غِفَارٍ قَدْ سَمَّاهَا لِى قَالَتْ: "أَرْدَفَنِى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى حَقِيبَةِ رَحْلِهِ,
===
لا أعلم إلَّا خيرًا، وذكره ابن حبان في "الثقات"، مات بعد سنة ١٩٠ هـ.
(أنا محمد يعني ابن إسحاق) بن يسار، (عن سليمان بن سحيم) بمهملتين مصغرًا، أبو أيوب المدني، قال أحمد: ليس به بأس، وقال النسائي: ثقة، وقال ابن سعد: وكان ثقة، وكذا قال ابن حبان في "الثقات"، ونقل ابن خلفون عن ابن نمير تَوثيقه، وقال البرقي عن ابن معين: سليمان بن سحيم أبو أيوب الهاشمي ثقة، وقال ابن شاهين في "الثقات": قال أحمد بن صالح: له شأن، ثبت.
(عن أمية بنت أبي الصلت) الغفارية، ويقال: آمنة، واسم أبي الصلت الحكم فيما قيل، قال في "التقريب": لا يعرف حالها. (عن امرأة من بني غفار) زعم السهيلي أن اسم هذه المرأة التي من بني غفار ليلى، ويقال: هي امرأة أبي ذر (قد سماها لي) هذا قول أحد من رواة السند، يقول: سمى المرأة الغفارية لي شيخي فنسيته.
(قالت) أي المرأة الغفارية: (أردفني رسول الله ﷺ ) أي أركبني خلفه على الراحلة (على حقيبة رحله) قال في "النهاية": وهي الزيادة التي تجعل في مؤخر القتب، فإن قيل: كيف أردفها ﷺ وهي أجنبية؟ قلت: قال الشارح: الإرداف على الحقيقة لا يستلزم المماسة، فلا إشكال (٢) فيه.
стр. 1145
قالَتْ: - فَوَاللَّهِ لنزَلْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى الصُّبْحِ, فَأَنَاخَ وَنَزَلْتُ عَنْ حَقِيبَةِ رَحْلِهِ, فَإِذَا (١) بِهَا دَمٌ مني, وكَانَتْ أَوَّلَ حَيْضَةٍ حِضْتُهَا. قَالَتْ: فَتَقَبَّضْتُ إِلَى النَّاقَةِ وَاسْتَحْيَيْتُ, فَلَمَّا رَأَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَا بِى وَرَأَى الدَّمَ قَالَ: «مَا لَكِ؟ لَعَلَّكِ نُفِسْتِ؟ » , قُلْتُ: نَعَمْ.
قَالَ: «فَأَصْلِحِى مِنْ نَفْسِكِ, ثُمَّ خُذِى إِنَاءً مِنْ مَاءٍ فَاطْرَحِى فِيهِ مِلْحًا ثُمَّ اغْسِلِى مَا أَصَابَ الْحَقِيبَةَ مِنَ الدَّمِ ثُمَّ عُودِى لِمَرْكَبِكِ».
===
(قالت: فوالله لنزل رسول الله ﷺ إلى الصبح) بعد ما سار إلى الصبح، (فأناخ) أي راحلته (٢) (ونزلت عن حقيبة رحله، فإذا بها) أي بالحقيبة (دم مني، وكانت) أي تلك الحيضة (أول حيضة حضتها، قالت: فتقبضت إلى الناقة واستحييت) على ما هو من عادة النساء.
(فلما رأى رسول الله ﷺ ما بي) من الاستحياء والتقبض إلى الناقة (ورأى الدم) أي على حقيبة الرحل (قال: ما لك؟ لعلك نفست) أي حضت، قال الخطابي (٣): يقال: نفست المرأة، مفتوحة النون (٤) مكسورة الفاء: إذا حاضت، ونفست بضم النون: إذا أصابها النفاس.
(قلت: نعم. قال: فأصلحي من نفسك) أي شدي عليك ثيابك، وأصلحيها لئلا يشيع الدم ويخرج إلى الحقيبة (ثم خذي إناءً من ماء فاطرحي فيه ملحًا، ثم اغتسلي ما أصاب الحقيبة من الدم، ثم عودي لمركبك) أي: اركبي على الحقيبة ثانيًا كما ركبت أولاً.
стр. 1146
قَالَتْ: فَلَمَّا فَتَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَيْبَرَ رَضَخَ لَنَا مِنَ الْفَىْءِ. قَالَتْ: وَكَانَتْ لَا تَطَّهَّرُ مِنْ حَيْضَةٍ إِلا جَعَلَتْ فِى طَهُورِهَا مِلْحًا, وَأَوْصَتْ بِهِ أَنْ يُجْعَلَ فِى غُسْلِهَا حِينَ مَاتَتْ". [حم ٦/ ٣٨٠]
٣١٤ - حَدَّثَنَا عُثْمانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، نَا (١) سَلَّامُ بْنُ سُلَيْمٍ، عن إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُهَاجِرٍ,
===
(قالت: فلما فتح رسول الله ﷺ خيبر رضخ) أي أعطى (لنا من الفيء. قالت) أي أمية: (وكانت) أي المرأة الغفارية (لاتطهر من حيضة إلَّا جعلت في طهورها) أي في الماء الذي تتطهر به (ملحًا، وأوصت به) أي بالملح (أن يجعل في غسلها) أي في الماء الذي تغسل به (حين ماتت).
قال الخطابي (٢): فيه من الفقه أنه أستعمل الملح في غسل الثوب وتنقيته من الدم، والملح مطعوم، فعلى هذا يجوز غسل الثياب بالغسل إذا كان ثوبًا من إبريسم يفسده الصابون، وبالخل إذا أصابه الحبر ونحوه، ويجوز على هذا التدلك بالنخالة، وغسل الأيدي بدقيق الباقلّى والبطيخ ونحو ذلك من الأشياء التي لها قوة الجلاء، وحدثونا عن يونس بن عبد الأعلى قال: دخلت الحمام بمصر، فرأيت الشافعي يتدلك بالنخالة (٣).
٣١٤ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، نا سلام بن سليم، عن إبراهيم بن مهاجر) بن جابر البجلي، أبو إسحاق الكوفي، قال الثوري وأحمد: لا بأس
стр. 1147
عن صَفِيَّةَ بِنْتِ شَيْبَةَ، عن عَائِشَةَ قَالَتْ: "دَخَلَتْ أَسْمَاءُ
===
به، وقال يحيى القطان: لم يكن بقوي، وقال أحمد: قال ابن معين يومًا عند عبد الرحمن بن مهدي وذكر إبراهيم بن مهاجر وآخر، فقال: ضعيفان، فغضب عبد الرحمن وكره ما قال، وقال عباس عن يحيى: ضعيف، وقال النسائي في "الكنى": ليس بالقوي في الحديث، وقال ابن سعد: ثقة، وقال الحاكم: قلت للدارقطني: فإبراهيم بن مهاجر؟ قال: ضعفوه، تكلم فيه يحيى بن سعيد وغيره، قلت: بحجة، قال: بلى، حَدّث بأحاديث لا يتابع عليها، وقد غمز شعبة أيضًا، وقال الساجي: صدوق اختلفوا فيه، وقال أبو داود: صالح الحديث.
قلت: ولكن قال الترمذي في "سننه" (١) بعد تخريج حديثه في "باب ما جاء في كراهية الخروج من المسجد بعد الأذان": حديث أبي هريرة حديث حسن صحيح، وعلى هذا العمل عند أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ ومن بعدهم: أن لا يخرج أحد من المسجد بعد الأذان إلَّا من عذر: أن يكون على غير وضوء، أو أمرٍ لا بد منه، انتهى، فالحكم بصحة حديثه يدل على توثيقه عنده.
(عن صفية بنت شيبة، عن عائشة قالت: دخلت أسماء)، قال الحافظ (٢) في "الفتح" (٣): سماها مسلم في رواية أبي الأحوص عن إبراهيم بن مهاجر أسماء بنت شكل بالشين المعجمة والكاف
стр. 1148
عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ, كَيْفَ تَغْتَسِلُ إِحْدَانَا إِذَا طَهُرَتْ مِنَ الْمَحِيضِ؟ قَالَ: «تَأْخُذُ سِدْرَهَا وَمَاءَهَا فَتَوَضَّأُ, ثُمَّ (١) تَغْسِلُ رَأْسَهَا وَتَدْلُكُهُ حَتَّى يَبْلُغَ الْمَاءُ أُصُولَ شَعْرِهَا, ثُمَّ تُفِيضُ عَلَى جَسَدِهَا ثُمَّ تَأْخُذُ فِرْصَتَهَا
===
المفتوحتين ثم اللام، وروى الخطيب في "المبهمات" من طريق يحيى بن سعيد عن شعبة هذا الحديث، فقال: "أسماء بنت يزيد بن السكن بالمهملة والنون، الأنصارية التي يقال لها: خطيبة النساء، وتبعه ابن الجوزي في "التلقيح" والدمياطي وزاد: أن الذي وقع في مسلم تصحيف, لأنه ليس في الأنصار من يقال له: شكل، وهو ردٌّ للرواية الثابتة بغير دليل، وقد يحتمل أن يكون شكل لقبًا لا اسمًا، والمشهور في المسانيد والجوامع في هذا الحديث أسماء بنت شكل [كما في مسلم] أو أسماء بغير نسب، كما في أبي داود، انتهى.
وقال الحافظ في "تهذيب التهذيب": وذكر أسماء بنت شكل جماعة في الصحابة منهم: ابن سعد والباوردي والطبراني وابن مسنده وغيرهم.
(على رسول الله ﷺ ، فقالت: يا رسول الله، كيف تغتسل إحدانا إذا طهرت من المحيض؟ قال: تأخذ سدرها وماءها) والسدر: شجر النبق، ومعنى الكلام أنها تأخذ الماء الذي أغلي فيها (٢) أوراق السدر، وإنما أمرها به للمبالغة في التنظيف, لأنه يطيب الجسد، (فتوضأ) بحذف إحدى التائين (ثم تغسل رأسها وتدلكه حتى يبلغ الماء أصول شعرها، ثم تفيض على جسدها، ثم تأخذ فرصتها).
стр. 1149
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
قال الحافظ في "الفتح" (١): بكسر الفاء، وحكى ابن سيده تثليثها وبإسكان الراء وإهمال الصاد: قطعة من صوف أو قطن أو جلدة عليها صوف، حكاه أبوعبيدة وغيره، وقال ابن قتيبة: هي قرضة بفتح القاف وبالضاد المعجمة، وقوله: "من مسك" بفتح الميم، والمراد قطعة جلد، وهي رواية من قاله بكسر الميم، واحتج بأنهم كانوا في ضيق يمتنع معه أن يمتهنوا المسك مع غلاء ثمنه، وتبعه ابن بطال.
وفي "المشارق": أن أكثر الروايات بفتح الميم، ورجح النووي الكسر وقال: إن الرواية الأخرى وهي قوله: "فرصة ممسكة" تدل عليه، وفيه نظر, لأن الخطابي قال: يحتمل أن يكون المراد بقوله: "ممسكة" (٢) أي مأخوذة باليد، يقال: أمسكته ومسكته، لكن يبقى الكلام ظاهر الركاكة، لأنه يصير هكذا: خذي قطعة مأخوذة، وما استبعده ابن قتيبة من امتهان المسك ليس ببعيد (٣) لما عرف من شأن أهل الحجاز من كثرة استعمال الطيب، وقد يكون المأمور به من يقدر عليه، قال النووي (٤): والمقصود باستعمال الطيب دفع الرائحة الكريهة على الصحيح، وقيل لكونه أسرع إلى الحبل، حكاه الماوردي.
стр. 1150
فَتَطَّهَّرُ بِهَا».
قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ, كَيْفَ أَتَطَهَّرُ بِهَا؟ قَالَتْ عَائِشَةُ: فَعَرَفْتُ الَّذِى يَكْنِى عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . فَقُلْتُ لَهَا: تَتَّبِعِينَ بِهَا آثَارَ الدَّمِ". [خ ٣١٤، م ٣٣٢، ن ٢٥١، جه ٦٤٢، دي ٧٧٣، خزيمة ٢٤٨]
٣١٥ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدُ بْنُ مُسَرْهَدٍ, أَخْبَرَنَا أَبُو عَوَانَةَ, عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُهَاجِرٍ, عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ شَيْبَةَ, عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا ذَكَرَتْ نِسَاءَ الأَنْصَارِ فَأَثْنَتْ عَلَيْهِنَّ وَقَالَتْ لَهُنَّ مَعْرُوفًا. وَقَالَتْ: دَخَلَتِ
===
(فتطهر) بحذف إحدى التائين أي تتنظف (بها) بأن تضعها في فرجها.
(قالت) أي أسماء: (يا رسول الله، كيف أتطهر) أي أتنظف (بها؟ قالت عائشة: فعرفت) أي فهمت (الذي يكني عنه رسول الله ﷺ ) وهو أنه يريد أن يدخلها في فرجها، (فقلت لها: تتبعين بها آثار الدم) قال النووي: المراد به عند العلماء الفرج، وقال المحاملي: يستحب لها أن تطيب كل موضع أصابه الدم من بدنها، ويؤيد قول المحاملي رواية أبي داود هذه بصيغة الجمع، وأيضًا رواية الإسماعيلي: "تتبعي بها مواضع الدم".
٣١٥ - (حدثنا مسدد بن مسرهد، نا أبو عوانة) هو وضاح بن عبد الله، (عن إبراهيم بن مهاجر، عن صفية بنت شيبة، عن عائشة أنها ذكرت نساء الأنصار فأثنت عليهن، وقالت لهن معروفًا) أي قالت: نعم النساء نساء الأنصار، لم [يكن] يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين، كما في الرواية الآتية، (وقالت) أي عائشة: (دخلت
стр. 1151
امْرَأَةٌ مِنْهُنَّ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , فَذَكَرَ مَعْنَاهُ, إِلَاّ أَنَّهُ قَالَ: «فِرْصَةً مُمَسَّكَةً». قَالَ مُسَدَّدٌ: كَانَ أَبُو عَوَانَةَ يَقُولُ: فِرْصَةً, وَكَانَ أَبُو الأَحْوَصِ يَقُولُ: قَرْصَةً. [انظر الحديث السابق]
٣١٦ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِىُّ, أَخْبَرَنِى أَبِى, نا شُعْبَةَ, عَنْ إِبْرَاهِيمَ - يَعْنِى ابْنَ مُهَاجِرٍ -, عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ شَيْبَةَ, عَنْ عَائِشَةَ "أَنَّ أَسْمَاءَ سَأَلَتِ النَّبِىَّ ﷺ بِمَعْنَاهُ قَالَ: «فِرْصَةً مُمَسَّكَةً» , فقَالَتْ: كَيْفَ أَتَطَهَّرُ بِهَا؟ قَالَ: «سُبْحَانَ اللَّهِ!
===
امرأة منهن) وهي أسماء المتقدمة (على رسول الله ﷺ ، فذكر) أي أبو عوانة عن إبراهيم (معناه) أي معنى ما ذكره سلام بن سليم عن إبراهيم (إلَّا أنه قال: فرصة ممسكة) وهذا بيان الاختلاف فيما بين رواية سلام ورواية أبي عوانة (وقال مسدد: كان أبو عوانة يقول: فرصة) بالفاء (وكان أبو الأحوص يقول: قرصة) بالقاف، قال الحافظ (١): ووجهه المنذري، فقال: يعني شيئًا يسيرًا مثل القرصة بطرف الأصبعين، انتهى، ووهم من عزا هذه الرواية للبخاري.
٣١٦ - (حدثنا عبيد الله بن معاذ العنبري، نا أبي) هو معاذ العنبري، (نا شعبة، عن إبراهيم -يعني ابن مهاجر -، عن صفية بنت شيبة، عن عائشة أن أسماء سألت النبي ﷺ بمعناه) أي حدث شعبة بمعنى الحديث المتقدم، (قال) شعبة: (فرصة ممسكة، فقالت) أي أسماء: (كيف أتطهر بها؟ ) أي سألته عن كيفية التطهر, لأنها لم تفهم عما كنى عنه رسول الله ﷺ بالتطهر.
(قال) رسول الله ﷺ : (سبحان الله) تعجبًا من عدم فهمها ما هو ظاهر
стр. 1152
تَطَهَّرِى بِهَا", وَاسْتَتِرِى بِثَوْبٍ, وَزَادَ: وَسَأَلَتْهُ عَنِ الْغُسْلِ مِنَ الْجَنَابَةِ. قَالَ (١): «تَأْخُذِينَ مَاءَكِ فَتَطَهَّرِينَ أَحْسَنَ الطُّهُورِ وَأَبْلَغَهُ, ثُمَّ تَصُبِّينَ عَلَى رأْسِكِ الْمَاءَ, ثُمَّ تَدْلُكِينَهُ حَتَّى يَبْلُغَ شُئُونَ رَأْسِكِ, ثُمَّ تُفِيضِينَ عَلَيْكِ الْمَاءَ» قَالَ: وَقَالَتْ (٢) عَائِشَةُ: نِعْمَ النِّسَاءُ نِسَاءُ الأَنْصَارِ, لَمْ يَكُنْ يَمْنَعُهُنَّ الْحَيَاءُ أَنْ يَسْأَلْنَ عَنِ الدِّينِ, وَيَتَفَقَّهْن (٣) فِيهِ. [م ٣٣٢، جه ٦٤٢]
===
لا يحتاج الإنسان في فهمه إلى التصريح، (تطهري بها) أي بالفرصة الممسَّكة (واستتر بثوب) استحياء، وهذا الاستتار بالثوب أيضًا كناية لطيفة عما يريد رسول الله ﷺ إفهامها، فاجتمعت الكنايتان ههنا قولية وفعلية، (وزاد) أي شعبة (وسألته عن الغسل من الجنابة، قال: تأخذين ماءك فتطهرين أحسن الطهور (٤) وأبلغه) أي تستنجين وتوضئين به، (ثم تصبين على رأسك الماء، ثم تدلكينه حتى يبلغ) أي الماء (شؤون (٥) رأسك).
قال في "النهاية": هي عظامه وطرائقه ومواصل قبائله، وهي أربعة بعضها فوق بعض، والمراد به إيصال الماء أصول الشعر حتى يبلغ جلد الرأس (ثم تفيضين عليك الماء، قال) أي شعبة بسنده: (وقالت عائشة: نعم النساء نساء الأنصار، لم يكن يمنعهن الحياء أن يسألن عن الدين ويتفقهن فيه).
стр. 1153
(١٢٣) بَابُ التَيَمُّمِ
٣١٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ النُّفَيْلِىُّ, أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ. (ح): وَحَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ, أَخْبَرَنَا عَبْدَةُ - الْمَعْنَى وَاحِدٌ-,
===
(١٢٣) (بَابُ التَّيَمُّمِ)
مصدر من باب التفعل، وأصله من الأَمِّ وهو القَصد (١)، فالتيمم في اللغة: مطلق القصد، وفي الشرع: قصد الصعيد الطاهر واستعماله بصفة مخصوصة لاستباحة الصلاة وامتثال الأمر، واختلف في التيمم هل هو عزيمة (٢) أو رخصة؟ وفصل بعضهم فقال: هو لعدم الماء عزيمة، والعذر رخصة، والتيمم فضيلة خصت بها هذه الأمة دون غيرها من الأمم وثابت بالكتاب والسنَّة والإجماع.
٣١٧ - (حدثنا عبد الله بن محمد النفيلي، نا أبو معاوية) محمد بن خازم، (ح: وحدثنا عثمان بن أبي شيبة، نا عبدة) بن سليمان (المعنى واحد) أي الروايتان رواية أبي معاوية ورواية عبدة متحدتان في المعنى.
стр. 1154
عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ, عَنْ أَبِيهِ, عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: "بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أُسَيْدَ بْنَ حُضَيْرٍ وَأُنَاسًا مَعَهُ فِى طَلَبِ قِلَادَةٍ أَضَلَّتْهَا عَائِشَةُ, فَحَضَرَتِ الصَّلَاةُ, فَصَلَّوْا بِغَيْرِ وُضُوءٍ
===
(عن هشام بن عروة، عن أبيه) عروة بن الزبير، (عن عائشة قالت: بعث رسول الله ﷺ أسيد بن حضير) ﵁ (وأناسًا معه في طلب قلادة) القلادة ما يقلد في العنق ويعلق (أضلتها) أي أضاعتها وسقطت عنها (عائشة) جعلت نفسها غائبة (فحضرت الصلاة) أي للذين بعثوا في طلب القلادة (فصلوا (١) بغير وضوء) (٢) , لأنه لم يكن هناك ماء ولم ينزل حكم التيمم.
قال العيني في "شرحه على البخاري" (٣): قال النووي: فيه دليل على أن من عدم الماء والتراب يصلي على حاله، وهذه المسألة فيها خلاف، وهو أربعة أقوال: وأصحها عند أصحابنا: أنه يجب عليه أن يصلي ويعيد الصلاة.
والثاني: أنه لا تجب عليه الصلاة، ولكن يستحب، ويجب عليه القضاء سواء صلَّى أو لم يصل، والثالث: تحرم عليه الصلاة لكونه محدثًا،
стр. 1155
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وتجب عليه الإعادة، وهو قول أبي حنيفة ﵀، والرابع: تجب الصلاة ولا تجب الإعادة، وهو مذهب المزني، وهو أقوى الأقوال دليلاً، ويعضده هذا الحديث، فإنه لم ينقل عن النبي ﷺ إيجاب الإعادة مثل هذه الصلاة.
وقال ابن بطال: الصحيح من مذهب مالك أنه لا يصلي ولا إعادة عليه قياسًا على الحائض، وقال أبو عمر (١): قال ابن خواز منداد: الصحيح من مذهب مالك أن كل من لم يقدر على الماء، ولا على الصعيد حتى خرج الوقت أنه لا يصلي ولا شيء عليه، رواه المدنيون عن مالك (٢) وهو الصحيح.
وقال في "البدائع" (٣): المحبوس في مكان نجس لا يجد ماءً ولا ترابًا نظيفًا فإنه لا يصلي عند أبي حنيفة، وقال أبو يوسف: يصلي بالإيماء ثم يعيد إذا خرج، وهو قول الشافعي، وقول محمد مضطرب، وجه قول أبي يوسف أنه إن عجز عن حقيقة الأداء فلم يعجز عن التشبّه فيؤمر بالتشبّه كما في باب الصوم، وقال بعض مشايخنا: إنما يصلي بالإيماء على مذهبه إذا كان المكان رطبًا، أما إذا كان يابسًا فإنه يصلي بركوع وسجود، والصحيح عنده أنه يومئ كيف ما كان, لأنه لو سجد لصار مستعملًا للنجاسة، ولأبي حنيفة أن الطهارة شرط أهلية أداء الصلاة، فإن الله تعالى جعل أهل مناجاته الطاهر لا المحدث، والتشبه
стр. 1156
فَأَتَوُا النَّبِىَّ ﷺ , فَذَكَرُوا ذَلِكَ لَهُ, فَأُنْزِلَتْ آيَةُ التَّيَمُّمِ
===
إنما يصح من الأهل، ألا ترى أن الحائض لا يلزمه التشبه في باب الصوم والصلاة لانعدام الأهلية.
وقال في "الدر المختار" وحاشيته (١): والمحصور فاقد الطهورين بأن حُبِس في مكان نجس ولا يمكنه إخراج تراب مطهر، وكذا العاجز عنهما لمرض، يؤخرها عنده لقوله ﵊: "لا صلاة إلَّا بطهور"، وقالا: يتشبه بالمصلين وجوبًا أي احترامًا للوقت ولا يقرأ سواء حدثه أصغر أو أكبر، وظاهره أنه لا ينوي أيضًا, لأنه تشبه لا صلاة حقيقة، فيركع ويسجد إن وجد مكانًا يابسًا، وإلَّا يومئ قائمًا ثم يعيد كالصوم، أي في مثل الحائض إذا طهرت في رمضان فإنها تمسك تشبهًا بالصائم لحرمة الشهر ثم تقضي، به يفتى، وإليه صح رجوعه أي الإِمام كما في "الفيض".
(فأتوا النبي ﷺ ، فذكروا ذلك له) أنهم حضرتهم الصلاة، ولم يكن هناك ماء فصلوا بغير وضوء، (فانزلت آية التيمم) واستدل على جواز صلاتهم، بأنهم ذكروا ذلك للنبي ﷺ فلم ينكر عليه ﷺ ، ولو كانت الصلاة حينئذ ممنوعة لأنكر عليهم النبي ﷺ .
قلت: وفيه أولًا عدم ذكر الإنكار في الرواية لا يستلزم عدمه، وثانيًا لما صح من قوله ﷺ : "لا صلاة إلَّا بطهور"، فهذا يدل على نفي الصلاة عند عدم الطهارة من غير احتمال، وهذا الحديث لو سلم دلالته يدل على جواز الصلاة مع احتمال عدم الجواز فيه، فلهذا لا يعارض المنع، فلأجل ذلك اختارت الحنفية عدم جواز الصلاة وقالوا: يتشبه بالمصلين صورة، ولا يصلي حقيقة، ورجحوا المنع، والله تعالى أعلم.
стр. 1157
زَادَ ابْنُ نُفَيْلٍ: فَقَالَ لَهَا أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ: يَرْحَمُكِ اللَّهُ, مَا نَزَلَ بِكِ أَمْرٌ تَكْرَهِينَهُ إلَّا جَعَلَ (١) اللَّهُ لِلْمُسْلِمِينَ وَلَكِ فِيهِ فَرَجًا". [خ ٣٣٦، م ٣٦٧، ن ٣١٠، جه ٥٦٨، حم ٦/ ٥٧، ط ١/ ٥٣/ ٨٩، دي ٧٤٦، ق ١/ ٢٠٤]
===
قال ابن العربي: هذه معضلة ما وجدت لدائها من دواء لأنا لا نعلم أي الآيتين عنت عائشة، قال ابن بطال: هي آية النساء أو آية المائدة، وقال القرطبي: هي آية النساء, لأن آية المائدة تسمى آية الوضوء، وليس في آية النساء ذكر الوضوء.
قلت: لو وقف هؤلاء على ما ذكره الحميدي في جمعه في حديث عمرو بن الحارث، فذكر الحديث، وفيه: فنزلت: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ إلى قوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (٢) لما احتاجوا إلى هذا التخرص، وكأن البخاري أشار إلى هذا إذ تلا بقية الآية الكريمة، كذا في "شرح البخاري" (٣) للعيني، واستدل بالآية على وجوب النية في التيمم, لأن معنى "فتيمموا" اقصدوا، وهو قول فقهاء الأمصار إلَّا الأوزاعي.
(زاد ابن نفيل) أي على رواية عثمان: (فقال لها) أي لعائشة ﵂ (أسيد بن حضير: يرحمك الله) وإنما قال ما قال دون غيره, لأنه كان رأس من بعث في طلب العقد الذي ضاع (ما نزل بك أمر تكرهينه إلَّا جعل الله للمسلمين ولك فيه فرجًا)، لعله إشارة إلى ما وقع لها في قصة الإفك من الكراهة وحصول الفرج بنزول الآيات.
стр. 1158
٣١٨ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ, حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ, حدثنِى (١) يُونُسُ, عَنِ ابْنِ شِهَابٍ, قال: إن عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ حَدَّثَهُ عَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ "أَنَّهُ كَانَ يُحَدِّثُ أَنَّهُمْ تَمَسَّحُوا وَهُمْ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالصَّعِيدِ لِصَلَاةِ الْفَجْرِ, فَضَرَبُوا بِأَكُفِّهِمُ
===
٣١٨ - (حدثنا أحمد بن صالح، نا عبد الله بن وهب، حدثني يونس) بن يزيد الأيلي، (عن ابن شهاب قال: إن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة) بن مسعود الهذلي، أبو عبد الله المدني، روى عن أبيه، وأرسل عن عم أبيه عبد الله بن مسعود، قال الواقدي: كان عالمًا ثقة فقيهًا كثير الحديث والعلم، وقال العجلي: كان أحد فقهاء المدينة تابعي ثقة، وقال أبو زرعة: ثقة مأمون إمام، وقال ابن عبد البر: كان أحد الفقهاء العشرة ثم السبعة الذين يدور عليهم الفتوى، وكان عالمًا فاضلًا مقدمًا في الفقه تقيًا شاعرًا محصنًا، لم يكن بعد الصحابة إلى يومنا فيما علمت فقيه أشعر منه، ولا شاعر أفقه منه، مات سنة ٩٤ هـ أو بعدها.
(حدثه (٢) عن عمار بن ياسر أنه كان يحدث) أي يروي لتلامذته من التابعين (أنهم) أي الصحابة (تمسحوا) أي تيمموا (وهم مع رسول الله ﷺ بالصعيد (٣) لصلاة الفجر) أي لأدائها، (فضربوا) بيان لتمسحوا (بأكفهم
стр. 1159
الصَّعِيدَ, ثُمَّ مَسَحُوا وُجُوهَهُمْ (١) مَسْحَةً وَاحِدَةً, ثُمَّ عَادُوا فَضَرَبُوا بِأَكُفِّهِمُ الصَّعِيدَ مَرَّةً أُخْرَى, فَمَسَحُوا بِأَيْدِيهِمْ كُلِّهَا إِلَى الْمَنَاكِبِ وَالآبَاطِ مِنْ بُطُونِ أَيْدِيهِمْ". [ن ٣١٤، جه ٥٦٦، حم ٤/ ٣٢٠، ق ١/ ٢٠٨]
===
الصعيد، ثم مسحوا وجوههم مسحة واحدة) بطريق الاستيعاب، (ثم عادوا فضربوا بأكفهم الصعيد مرة أخرى) أي ضربة أخرى، (فمسحوا بأيدهم كلها إلى المناكب والآباط) بالمد جمع إبط (من بطون أيديهم) من للابتداء أي ابتدأوا بالمسح من بطون الأيدي لا من ظهورها كما ذكره الفقهاء في باب الاستحباب، ويمكن أن يقال: المراد بالابتداء ابتداء آلة المسح لا ابتداء الممسوح، فيوافق ما ذكروه في ذلك الباب وهو أقرب للصواب.
قال البغوي في "المعالم": ذهب الزهري إلى أنه يمسح اليدين إلى المنكبين لما روي عن عمار أنه قال: تيممنا إلى المناكب، وذلك حكايه فعله لم ينقله عن النبي ﷺ ، كما روي أنه قال: أجنبت فتمعكت، فلما سأل النبي ﷺ أَمَرَه بالوجه والكفين، انتهى إليه.
وقال البيضاوي: اليد اسم للعضو إلى المنكب، وما روي أنه ﵊ تيمم ومسح يديه إلى مرفقيه، والقياس [على الوضوء] دليل على أن المراد بالأيدي هنا إلى المرافق، انتهى، ويعني بالقياس قياس الفرع على الأصل، والله أعلم، "علي القاري" (٢).
وأما رواية الآباط فقال الشافعي ﵀ وغيره: إن كان ذلك (٣) وقع بأمر النبي ﷺ فكلُّ تيمم صح للنبي ﷺ بعده، فهو ناسخ له،
стр. 1160
٣١٩ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ الْمَهْرِىُّ, وَعَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبٍ, عَنِ ابْنِ وَهْبٍ نَحْوَ هَذَا الْحَدِيثِ, "قَالَ قَامَ الْمُسْلِمُونَ فَضَرَبُوا بِأَكُفِّهِمُ التُّرَابَ, وَلَمْ يَقْبِضُوا مِنَ التُّرَابِ شَيْئًا", فَذَكَرَ نَحْوَهُ وَلَمْ يَذْكُرِ الْمَنَاكِبَ وَالآبَاطَ. قَالَ ابْنُ اللَّيْثِ: إِلَى مَا فَوْقَ الْمِرْفَقَيْنِ. [انظر سابقه]
===
وإن كان وقع بغير أمره فالحجة فيما أمر به (١).
٣١٩ - (حدثنا سليمان بن داود المهري) هو سليمان بن داود بن حماد بن سعد المهري، أبو الربيع، ابن أخي رشدين المصري، قال الآجري: ذكر لأبي داود أبو الربيع ابن أخي رشدين؟ فقال: قل من رأيت في فضله، وقال النسائي: ثقة، وقال ابن يونس: كان زاهدًا فقيهًا على مذهب مالك، وذكره ابن حبان في "الثقات"، مات سنة ٢٥٣ هـ.
(وعبد الملك بن شعيب، عن ابن وهب نحو هذا الحديث) أي حدث سليمان وعبد الملك عن ابن وهب نحو ما حدث أحمد بن صالح عنه باتحاد المعنى واختلاف اللفظ.
(قال) أي ابن وهب أو كل واحد من سليمان وعبد الملك: (قام المسلمون فضربوا بأكفهم التراب، ولم يقبضوا (٢) من التراب شيئًا، فذكر) بعد ذكر الاختلاف (نحوه) أي نحو ما تقدم (ولم يذكر المناكب والآباط، قال ابن الليث) أي عبد الملك بن شعيب: (إلى ما فوق المرفقين) أي